العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مدخل عام عن تغيّر أنماط التديّن في الوطن العربي

مدخل عام عن تغيّر أنماط التديّن في الوطن العربي

Change of Religiosity Patterns in the Arab World

هيئة التحرير

الملخّص

قراءة أنماط التدين في الوطن العربي والمتغيرات التي طرأت على السلوكيات الاجتماعية في الكثير من البلدان العربية تحتاج إلى منهجية تربط وتفصل بين ما هو أصيل وما هو دخيل. واستقراء الواقع المعيش لا يمكن التقاط مفارقاته انطلاقا من الراهن، في اعتبار أن ما نراه اليوم هو نتاج تراكمات وتجاذبات، تشابكت فيه التقاليد المتوارثة بالجديد الداخل من طريق التجارة أو التواصل الثقافي. فالقديم كان جديداً، والجديد سيصبح قديماً... وهكذا.

Abstract

The Arab Center for Research and Policy Studies (ACRPS) has published the second issue of its quarterly peer-reviewed journal Omran, a journal dedicated to the social sciences and humanities. This edition addresses the “Changing Patterns of Religiosity in the Arab World”.

الكلمات المفتاحية:
  • تغير أنماط التدين
  • العالم العربي
  • الإسلام الصوفي
Keywords:
  • Change of Religiosity Patterns
  • Arab World
  • Sufi Islam

قراءة أنماط التدين في الوطن العربي والمتغيرات التي طرأت على السلوكيات الاجتماعية في الكثير من

البلدانالعربية تحتاج إلى منهجية تربط وتفصل بين ما هو أصيل وما هو دخيل. واستقراء الواقع المعيش لا يمكن التقاط مفارقاته انطلاقًا من الراهن، في اعتبار أن ما نراه اليوم هو نتاج تراكمات وتجاذبات تشابكت فيه التقاليد المتوارثة بالجديد الداخل من طريق التجارة أو التواصل الثقافي. فالقديم كان جديدًا، والجديد سيصبح قديامً... وهكذا. المتغير دائامً هو الثابت، لأن عالم الإنسان لا يمكن أن يستقر على نمط واحد من دون أن تدخل عليه أدوات تبدل أحواله وتعيد تشكيل بناه وهياكله. والتدين في السياق التاريخي/ الاجتماعي ليس فوق التطور، لكونه أحد أهم أشكال التعبير الفطري عن وعي الجماعة الأهلية، وبوصفه القوة العينية التي تتمظهر في أنماطها كل الصور الواردة إليها من الجوار الجغرافي والمحيط الثقافي والفضاءات القريبة والبعيدة. إن تغيرُّ أنماط التدين لا يكون بالضرورة ودائامً نتاج تبدّل العادات من الداخل، وإنما أحيانًا، وفي غالب الحالات، يعكس صورة آتية من خارج الغلاف المحلي الذي يعيش فيه الإنسان. فالتقليد (التماهي مع الخارج) في لحظة معينة يكون أقوى من التقاليد، وهو يشك ل في تلك اللحظة نقطة ضعف تتمثّل في الإعجاب (الانبهار بالآخر) واستنساخ ما يمكن أخذه منه للتميّز النسبي عن الجماعة الأهلية. التغريّ الذي يظهر في هذا الجانب النمطي من التفكير الأيديولوجي أو اللغة السياسية أو طريقة التخاطب اليومي أو السلوك المعيشي، يجد تعبيره الأمثل في «التديّن » لكون المعتقدات تشك ل ذلك الوعاء الشرعي الذي تتجمع في إطاره مختلف الروافد الداخلة إليه من الخارج. فالدين يمتلك تلك القوة التوحيدية التي تعطي شرعية للمختلف، والمختلف عادة يجد ملاذه الثقافي في حماية الدين لما يتمتع به من خصوصية ومشروعية تعطي الذرائع والمبررات للقبول بالجديد. لذلك كانت معظم حركات الإصلاح والتجديد

تأتي دائامً من رجال الدين (تفسير مختلف، تأويل غير مألوف، احتجاج على السلطة بذريعة الدفاع عن العبادة الصحيحة والعبّاد.) حتى أوروبا بدأت حداثتها من حركة الإصلاح الديني، ومحاربة بذخ الكنيسة وفسادها، والدفاع عن الفقراء، والدعوة إلى العودة إلى السلف وسيرة السيد المسيح. فالتطور دائامً بحاجة إلى غطاء شرعي يعطي الذريعة المقبولة شعبيًا للتمرّد والانقلاب على الراهن بهدف تعديله أو تطويره.

ظاهرة التديّن

على أساس هذا المنطلق التاريخي/ الاجتماعي يمكن قراءة تغير أنماط التدين في حاضر الوطن العربي وما يمثله الآن من تشكيلات أيديولوجية وسياسية واجتماعية مخالفة للمألوف. فالاستقراء المطلوب للتعرف إلى الواقع بكل تفصيلاته يحتاج إلى رصد عيني للمتغيرات حتى يمكن استخراج الأفكار واستنباطها من حيثيات تبدو جامدة من النظرة السريعة المنفعلة، لكنها فعلا تصبح متحركة في حال تمّ التعامل معها بهدوء وروية وعقلانية. ما يحصل الآن في الوطن العربي من أشكال غريبة في أنماط التدين وظهور جماعات وجمعيات ودعوات وفتاوى وغيرها من حركات وتصرفات غير مألوفة أو مضادة للعادات والتقاليد، هي في النهاية نتاج التطور المعطوف على أزمة التحديث وما أفرزته من مضاعفات أخذت تتمظهر في منظومات مشوّهة في التفكير أو السلوك اليومي أو أسلوب التعامل مع الآخر. فالجماعة الأهلية (العصبوية) التي تعيش في وحدة طبيعية ليست خارج الفضاء وفوق الزمن. فهذه الجماعات في أطوارها وأطيافها وألوانها وتقاليدها ترى وتسمع، تنظر وتشاهد، تقرأ وتط لع، تذهب وتأتي، وهي لكل هذه الأسباب والعوامل عرضة للتأثر والأخذ عن الآخر، أكان في الشرق أم في الغرب. التأثر بالآخر والأخذ عنه مسألة طبيعية وعادية. والمسألة تُعتبر من قوانين التطور حتى لو اقتصر التقليد (الموضة والتماثل مع الغريب) بداية على الأخذ بالقشور (اللباس، الحذاء، اللحى، وغيرها من أشكال مظهرية) والابتعاد عن المعاني والدلالات. فالبداية دائامً تكون مضطربة واستفزازية وارتدادية وانفعالية، لأنها خطوة انتقالية أولى غير واضحة المعالم وتحتاج إلى وقت للاستقرار والاكتمال.

التغير النمطي

هذا التغير في أنماط التدين ليس جديدًا أو غريبًا؛ فهو يجد تفسيره العقلاني في الإحباطات والانكسارات والانهيارات التي أصابت الوطن العربي على موجات متواصلة زمنيًا، وهو ما أعطى فرصة لنمو فطريات

بعضها سامّ وبعضها الآخر صالح يمكن البناء عليه لتأسيس هيكل يتناسب مع مستوى التطور الذي وصلت إليه الجماعة. فهذه الفطريات لم تسقط من السماء وإنما هي نتاج تربة مهملة، لكنها صالحة للاستغلال والزراعة والاستثمار في حال أُحسن التعامل معها. كما إن المشهد المتناثر الذي نتابعه في الفضائيات والصحف ومواقع التواصل الإلكترونية ليس مجرّد صورة افتراضية متوهمة أو متخيلة تسقط على الأرض من خارج الغلاف الجوي، وإنما هو تكثيف لذبذبات تتحرك ميدانيًا في الأزقة والأحياء والضواحي والأودية والمرتفعات، فهي في مجموعها تضاريس اجتماعية منتشرة في المدن والبلدات والقرى. وهذا المشهد ليس جديدًا على عالم عربي مفتوح على البحار والمحيطات ويتجاور مع ثلاث قارات وله باع طويل في الاتّصال والمواصلات، وهو يمتدّ تاريخيًا على فضاء جغرافي واسع تتحكّم في حركته آليات متخالفة في وسائل الاحتكاك والتنقل والتعارف الثقافي. المشهد ليس جديدًا وإن اختلفت صوره. فالصور التي تتمظهر في اللباس والشكل وأسلوب العيش والتعامل مع الآخر هي تكثيف مرحلي لفترة انتقالية تحتاجها الجماعات قبل أن تستقر على قناعات جديدة أو مضافة تعطيها عناصر قوة للاستمرار والتقدم. وهذا الجديد يبدأ دائامً بالمظهر الخارجي لكون الصورة (المشهد) الملتقطة من الخارج تشكل نقطة ضعف حين تصدم الآخر وتثيره وتستفزه، لكنها تؤكد في الوقت نفسه الاختلاف والتميّز من خلال الإشارة التي ترسلها أو الرمز الذي تجسّده.

المظاهر والتماثلات

المظهر الخارجي للجماعات هو معطى داخلي يريد التمرّد على المألوف من التقاليد من خلال «تقليد» الآخر الغريب، أكان بالتديّن أم بالتغريب. وبناء على هذا القياس التاريخي الاجتماعي، يمكن استخراج معادلة تؤشر إلى أنّ الزي الإسلامي ليس إسلاميًا بالكامل، والزي الأوروبي ليس أوروبيًا بالكامل. فكل أمة تأخذ عن غيرها، وكل ثقافة هي مزيج بين التقاليد والتقليد للآخر. ربطة العنق (الكرافات) مثلا ليست أوروبية، ويقال إنها كلمة مشتقة من قوم الكروات، كان يستخدمها الجنود الكرواتيون (عبارة عن شال ملفوف حول العنق) وبدأت بالانتشار في أوروبا في القرن السابع عشر خلال فترة حرب الثلاثين عامًا (1618 - 1648) إلى أن أ درجت ضمن الزي الرسمي الفرنسي في زمن لويس السادس عشر، ثمّ انتقلت لاحقًا إلى بلاد المغرب ومصر والشام في فترات الغزوات الأوروبية. الطربوش أيضًا ليس عثمانيًا وإنما جاء من اليونان وعرف انتشاره في الإمبراطورية النمسوية - المجرية، ويقال إن السلطان سليمان القانوني تأثر به وأخذه من فيينا خلال فترة الحصار الأول في العام 1529 الذي انتهى بمعاهدة صلح في العام 1553. وحين بدأ حصار فيينا الثاني (العام 1683) في عهد السلطان

محمد الرابع، أخذ الطربوش يتفشى في الجند والقادة، خصوصًا بعد أن فشل الحصار وانهار أمام ضربات التحالف الأوروبي في العام 1687. لم يأخذ الطربوش طابعه السياسي/ الاجتماعي في إطار الصراع ضد العمامة (رجال الدين والقضاة) إلا في مطلع القرن التاسع عشر، حين أخذ يتبدّل غطاء الرأس في مصر في عهد محمد علي باشا الذي قاد معركة تصفية ضد بقايا المماليك من 1805 إلى 1815. كذلك أخذه السلطان محمود الثاني رمزًا رسميًا لمعركته الدموية ضد الإنكشارية، إذ لبس الطربوش في العام 1828 للتميّز عن الطاقم الإداري السلطاني. ومنذ ذاك الوقت أخذ الطربوش (الزي الشعبي للأعيان ورجال الدولة وكبار العائلات) بالانتشار في بلاد الشام بعد العام 1829، ليتحوّل مع مرور الأيام إلى لباس رسمي (رمز الجاه الاجتماعي/ السياسي) يرتديه كل الموظفين في إدارات السلطنة العثمانية، وذلك بعد صدور فرمان من الباب العالي في العام 1830 يطالب رجال الدولة بترك العمامة. وهكذا عمّت ظاهرة ارتداء الطربوش المنطقة العربية حتى أصبحت منذ العام 1891 من التقاليد الشعبية.

الداخل والخارج

الداخل الآتي من الخارج يظهر دائامً في مراحله الأولى مجرّد قوة «غريبة » تريد زعزعة الاستقرار وتدمير الخصوصية وتشويه الهوية... وبعد أن تنتهي موجات الاضطراب تأخذ الجماعة بالاستيعاب إلى أن يكتمل الهضم ويصبح الدخيل مجرّد شكل يتحرّك طبيعيًا في إطار الصورة. فالجديد في البداية يثير الدهشة ويتحرّك في هامش معزول عن عادات الجماعة، لكنه بعد فترة يبدأ الاندماج في الهوية ويصبح صورة من صورها. والمعركة التي حصلت بين الطربوش والعمامة في مطلع القرن التاسع عشر لم تكن شكلية أو مقتصرة على اللباس التقليدي، وإنما كانت تعكس في جوهرها ذلك الصراع الاجتماعي على الهوية وما تمثله من إشارات ورموز في سياق التصادم الداخلي بين مراكز القوى في إدارات السلطنة العثمانية ومؤسساتها. الأمر نفسه تكرّر في مطلع القرن العشرين، حين احتدم الصراع على الهوية الثقافية بين الطربوش (التقليدي)، والقبعة (الحديثة) في سياق استقطابات وتجاذبات أخذت تتعرّض لها السلطنة بعد أن تلقّت ضربات عسكرية موجعة أدّت إلى خلخلة استقرارها ودفعت رجالات جمعية الاحتّاد والترقّي وقادتها للانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني وعزله عن إدارة القرار في العام 1908. آنذاك ظهرت سلسلة رموز أشارت إلى وجود متغريّ في بنية الدولة. فكانت القبعة (البرنيطة) هي العنوان الشكلي للمتغريّ الاجتماعي – السياسي والرمز الجديد في إطار الصراع على السلطة ضدّ الطربوش التقليدي. فالطربوش الذي لعب دور «الجديد» في المعركة السياسية ضدّ أصحاب العمامة في مطلع القرن التاسع عشر تعرّض بعد أكثر من مئة سنة إلى القمع والاقتلاع من صورة الهوية حين دخل الجديد (القبعة) ليلعب

دور المظهر «الحداثي » الخارجي للمعركة السياسية ضدّ أصحاب الطرابيش في مطلع القرن العشرين. القصة مداورة. فهي تبدأ في الفصل الأول «جديدة » وتنتهي في الفصل الأخير «قديمة» لتعود فصول القصة بتكرار الرواية وإعادة إنتاجها من البداية إلى النهاية. والزمن في هذا المعنى التاريخي/ الاجتماعي لا يتوقّف عند حدود معينة. ودائامً تحتل المظاهر الخارجية (اللباس، السلوك الاجتماعي) الموقع الريادي للإشارة المبكرة إلى حصول متغريّ أخذ يتسلل إلى الجماعة مخترقًا تماسكها الداخلي من خلال المسام التي تفتح الباب للتنفس والتلاقح مع الآخر. والآخر ليس بالضرورة أن يكون من الغرب وإنما أحيانًا يأتي من الشرق أو الشمال أو الجنوب. تقليد الآخر مسألة مرتبطة بالموقع الجغرافي والمناخ والبيئة وخطوط التجارة والمواصلات والاحتكاك الثقافي والاتّصال الجواري. كذلك يرتبط التقليد (الانبهار) بموازين القوى والتفوق العسكري والتراتب الهيكلي لمؤسسات دولة الخصم. فالعالم العربي في أطواره المختلفة تأثر بالعجم والأتراك (الروم) والأكراد والتركمان واليونان والإسبان. وبعد عملية التلاقح والتأثير المتبادل أخذت الأشكال تتغريّ تبعًا لعمليات الكرّ والفر، فانتقل الكثير من العادات (اللباس والطبخ وطرق المعاش) إلى المدن والنواحي العربية، كذلك نجح العرب في إعادة هيكلة الموروثات الثقافية في الجوار الجغرافي امتدادًا إلى غرب الصين وجنوب فرنسا.

التلاقح والتبادل

التلاقح الناجم عن الاحتكاك لا يكون من جانب واحد. الآخر أيضًا يتأثر ويتغريّ ويأخذ عن غريمه الكثير من الحاجات والعادات، وصولا إلى مغادرة معتقداته القديمة واعتناق البدائل الآتية من الطرف الغالب. فالمسألة تاريخية وتبادلية وتراكمية، وهي تمتد حقبًا وأزمانًا. وكل فترة لها خصائصها وظروفها، لكنّها في النهاية تجتمع تحت عنوان واحد وهو أن الهوية ليست ثابتة بل تتعرّض خلال الصعود والهبوط إلى متغريّات نمطية تخضع لموازين القوى والتفوّق. وعلامات الإعجاب التي تظهر في المشهد تتمظهر بداية في القشور (بوصفها ملامح تؤرشّإلى رمزيات محددة) ثم تأخذ لاحقًا بالتجذر في التربة الاجتماعية والثقافية. الدولاب التاريخي المذكور لا يمكن وقف دورانه حول نفسه والآخر. وهذه السُنّة الحياتية تخترق جميع الأمم والحضارات إلى درجة لم يعد بالإمكان التفرقة بين الغالب والمغلوب في تحديد الأصل الأول للمواد الأولية. حتى غطاء الرأس (الحجاب) ليس بدعة إسلامية حصرية، وإنما كان عادة مأخوذ ا بها في أيام الجاهلية للحماية من سخونة الطقس للرجال والنساء. فالكوفية والعقال والحط ة كانت إشارة إلى ثقافة (مدنية، فلاحية، بدوية) لها علاقة بالمناخ وترمز إلى تقاليد اجتماعية تتّصل بالموقع الطبقي أو الفئوي أو الحالة الفردية (متزوّج، أعزب)، كذلك تدل على تنوع تراثي للأصل (الجبل، البادية، الساحل،

الصحراء)؛ إذ كان ولا يزال لكل عشيرة أو منطقة لونها وشكلها الخاص (اختلاف طريقة التطريز ونوع القماش والنقش الممهور). والعمامة أيضًا ليست حكرًا على الإسلام، فهي علامة لباس رأس يؤشر إلى التنوع والاختلاف في الألوان والأشكال، ما انعكس لاحقًا في ترتيب مواصفات ترمز إلى الدين أو المذهب أو الهوية أو المرتبة الفقهية وموقعها (أبيض، أسود، أخضر). والعمامة التي عرف بها رجال الدين والقضاة تحوّلت إلى موروث ثقافي، وهي الآن تؤدي وظائف مختلفة لا تقتصرعلى جماعة محددة. وبوصفها غطاء للرأس نرى كيف يلبسها رجال السيخ في الهند ورجال قبائل الطوارق في صحراء أفريقيا الكبرى. حتى العباءة (الساترة للجسد) تعرّضت للتغريّ ات. كذلك حجاب المرأة، بوصفه أحد الفروض الواجبة عليها وما تفرّع منه وترافق معه (الخمار، النقاب) من تبدلّات في الأشكال والألوان، كان أيضًا من الأزياء والملابس في أيام الجاهلية. كلّ هذه المظاهر الخارجية تعكس في إطارها العام تحولّات اجتماعية داخلية تحدث عادة بفعل التراكم الزمني والاحتكاك والتفاعل مع الآخر فيحصل التأثير المتبادل من دون دراية وتخطيط ويدخل الجديد الغريب من خلال عيّنات (مسام) إلى الجماعة ليأخذ موقعه ويستقرّ لاحقًا بعد تشنّجات وصراعات دفاعًا عن الهوية.

الهوية والجماعة

المعركة على المظهر ليست جديدة. والأخذ بالقشور لا يعتبر حكرًا على جماعة ضد أخرى، لأن المبدأ في مجموعه ينتمي إلى تاريخ تطوّرالإنسان ومدى إعجابه بالآخر ا لمتفوّق أو الذي يحتلّ الموقع الأفضل في لحظة زمنية محددة. والمعركة في هذا السياق التاريخي لا تقتصر على النساء وإنما تشمل الرجال أيضًا. في المحطات الأولى كانت هوية المسلم تتمثّل في العمامة إلى جانب الحطّة والكوفية والعقال. والأخير تحوّل إلى لباس شعبي أخذ يمتدّ من الجزيرة العربية إلى العراق وبلاد الشام مترافقًا مع نقوش وألوان ترمز إلى العشيرة أو موقع الشيخ في قبيلته. والتنافس بين العمامة والحط ة الذي استقر على نمط متعايش اجتماعيًا، استمر ثنائيًّا إلى أن دخل الطربوش على خط المزاحمة، وبعده جاء دور القبعة (البرنيطة) التي أصرّ رجال جمعية الاحت اد والترقي لاحقًا (كمال أتاتورك) على وضعها على الرأس للتمايز عن طاقم السلطنة التقليدي... إلى أن انتهى أمر الرجال بانحسار لباس الرأس وظهور «السفور الذكوري.» الأمرنفسه تكرّر على مستوى «السفورالأنثوي »، إذ دخلت عملية التشبه بالغير معارك سجال وأخذ وردٍّ قادها الرجال بداية (قاسم أمين، محمد عبده، سعد زغلول، أحمد لطفي السيد) وعاصرتها ولاحقتها النساء في مواجهات باردة وحامية تمظهرت في قيادة هدى شعراوي لتظاهرة في العام 1919 ضدّ الحجاب، أعقبها خلع صفية سعد زغلول حجابها بعد عودتها من مؤتمر الاحتّاد النسائي الدولي الذي عقد في روما في العام 1923.

الصراع على الهوية مسألة تاريخية، وهو يمثّل في السياق الاجتماعي أكثر من الانبهار بالآخر والأخذ بالقشور (تقليعة، موضة). فهو يؤرشّرمزيًا إلى حصول تحولّات داخلية غير مرئية داخل الجماعة الأهلية، تبدأ بالخروج بداية على المظاهر والأشكال والألوان لتنتقل لاحقًا إلى نوع من التموضع الثقافي الذي يلبي حاجة نفسية تطمح لكسر المألوف والخروج على التقاليد. هكذا حصل مثلا حين أخذ جنود السلطنة العثمانية يلبسون القلبق خلال معاركهم ضد الروس في القوقاز ثمّ ارتداء الكاسكيت (قبّعة غربية) في مواجهة جيوش التحالف الأوروبي في البلقان، وصولا إلى البرنيطة (تقليد كاوبوي) الآتية من سهوب تكساس في الولايات المتحدة. التفاعل (التضاد السلبي والإيجابي) في إطار الدفاع عن الهوية يعربّ شكليًا ومظهريًا عن تبدّل جوهري ما يحصل على مستوى تغريّ أنماط التدين، وبدء خروجه (التحدي والاستفزاز) إلى العلن في اللباس والحذاء والغطاء واللحى وغيرها من مظاهر. فهذه القشور هي إشارات رمزية للتمايز الخارجي والاختلاف عن الآخر القريب والبعيد (الوضع الاجتماعي، الرتبة العسكرية). وهذا ما حصل في مطلع القرن العشرين حين حاولت الحركة العربية المضادة للسلطنة العثمانية أن تتّبعه لتأكيد خصوصية الهوية وابتعادها عن الأتراك، إذ أطلق رجال حركة فيصل الأول (1916 - 1920) معركة ضد الطرابيش والقبّعات وقرروا ارتداء لباس وطني عرف ب «الفيصلية» للتمايز عن الأعيان ورؤساء العائلات الموالية لإسطنبول. واستمر الأمر إلى أن أسقط الفرنسيون الحكومة العربية في دمشق، وهو ما أدّى إلى فشل المحاولة بعد الغزو «الإفرنجي» ودخول بلاد الشام عهد الانتداب.

الغزو الإفرنجي

بعد الغزو «الإفرنجي » حدث في المنطقة العربية ما يشبه الفوضى الثقافية في التعامل مع الآخر انطلاقًا من الحرص على الذات وتحصين الهوية. وأدى الخوف من الاختراق إلى صدور ردّات وتموّجات تراوحت بين التماهي مع الأجنبي (الإفرنجي) ومحاولة التعرّف إلى أسباب تقدم الغرب وتراجع العرب. هذه الفوضى الانتقالية أرست قواعد نمطية في التعامل مع الموروث. فالبعض رفع التقاليد إلى درجة «المقدس» حماية للدين، والبعض انخرط في إطار الانقلاب على الذات خوفًا (انبهارًا) من تفوق الآخر. وبين هذا وذاك تأسست قراءة حزبية للإسلام وتحوّل الدين عند شرائح معيّنة من «النخبة» إلى فكرة أيديولوجية (برنامج حزبي) تتنافس مع مراكز القوى على أخذ زمام المبادرة في المواجهة السياسية مع «الفرنجة.» تحويل الدين إلى فكرة حزبية أدى إلى تأسيس استقطابات وتجاذبات ساهمت في تشطير «النخبة» وتفريعها إلى مدارس تتزاحم على أخذ مواقع سياسية في إطار معركة تعبئة الفراغ الذي خلّفه المستعمر بعد خروجه

المتقطّع من البلدان العربية. ورسمت هذه المعركة، ولا تزال، الحدود والفواصل بين القوى السياسية، وهو ما كان له أثره في تشكيل ملامح خلافية على عنوان الهوية وتمثيلاتها الاجتماعية والثقافية والمظهرية. فالرداء والسلوك ونمط المعاش وأسلوب التخاطب وغيرها، أصبحت كلّها إشارات ترمز إلى معتقد ما أو توجّه سياسي متجانس مع الجماعة أو ضدّها. كلّ هذه الأنماط ا لاجتماعيّة المتغيرة في منهج التفكير الديني أرادت «عمران» أن تتطرّق إليها ثقافيًّا وتقاربها اجتماعيًا، بقصد التعرّف إلى العوامل الاقتصادية والأسباب السياسية التي تؤثّر في إعادة هيكلة أنماط العلاقات ودفعها رويدًا إلى التموضع داخل الجماعات الأهلية... وما ينتج منها من انفعالات واختلافات في طرق الحياة والنظرة إلى الآخر وكيفية التعامل مع العصر وتشعّباته ومتطلّباته الصعبة.

عمران