السلفيّون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة
The Salafists and the Tunisian Revolution: Identity and Citizenship
الملخّص
أثار وصول القوى الإسلاميّة إلى السلطة في تونس وغيرها من البلدان العربيّة، التي شهدت انتفاضات شعبية في العام 2011، إشكالية ثقافية تتصل بالسلوك الاجتماعي ومسألة الهوية وعلاقة الفرد بالجماعة. هذه الإشكالية تحتاج إلى قراءة تتجاوز الواقع الراهن، في اعتبار المسألة تشتمل على مجموعة عناصر غير واقعية، وهي في أصولها الثقافية تنتمي إلى عوالم تجتمع في أطرها الداخلية خيالات أسطورية وخرافية تسقط الماضي على الحاضر من خلال استعادة صور وهمية عن زمن غاب عن المشهد الماثل أمامنا في حضوره اليومي والمعيشي. هذا العالم المتخيّل لا بدّي من قراءة جوانبه المتخفيّة في حكايات رمزية تتلبس رمزية تتلبس شخصيات وهمية تقود الجماعة نحو هوية تتماهى سلبًا مع الواقع المغاير لقناعاتها.
Abstract
The coming to power of Islamic forces in Tunisia and other Arab countries that witnessed popular uprisings in 2011 has raised a cultural problem connected to social behavior and the question of identity and the relationship of the individual with the group. This problem requires a reading that goes further than current reality given that the issue includes a range of elements that do not actually exist but are in essence cultural and belong to worlds whose inner workings combine mythical and legendary imaginings that project the past onto the present by reinstating illusory images from a time that is absent from our daily lived present. The aspects of this imagined world hidden in symbolic stories must be read to reveal the ambiguities of the illusionary personalities that are leading the group towards an abyss that conforms negatively with the changing reality of their convictions.
- السلفيون
- الثورة التونسية
- الهوية
- المواطنة
- Salafists
- Identity
- Tunisian Revolution
- Citizenship
أثار وصول القوى الإسلاميّة إلى السلطة في تونس وغيرها من البلدان العربيّة، التي شهدت
انتفاضات شعبيّة في العام 2011، إشكاليّة ثقافيّة تتّصل بالسلوك الاجتماعي ومسألة الهوية
وعلاقة الفرد بالجماعة. هذه الإشكاليّة تحتاج إلى قراءة تتجاوز الواقع الراهن، في اعتبار المسألة تشتمل على مجموعة عناصر
غير واقعيّة، وهي في أصولها الثقافية تنتمي إلى عوالم تجتمع في أطرها الداخلية خيالات أسطورية
وخرافية تُسقط الماضي على الحاضر من خلال استعادة صور وهميّة عن زمن غاب عن المشهد الماثل
أمامنا في حضوره الحياتي والمعيشي. هذا العالم المتخيّل لا بدّ من قراءة جوانبه المتخفيّة في حكايات
رمزية تتلبّس شخصيّات وهمية تقود الجماعة نحو هوية تتماهى سلبًا مع الواقع المغاير لقناعاتها.
إذا كان قدر الثورة أنها انفتاح على الممكن والوعود الوردية، فإن اللايقين ينبع منها أيضًا ليتحرّك متلبدًا
في أفقها الغائم. فهي كظاهرة اجتماعية – سياسية محمولة على مسارين متلازمين: الأول احتجاجي
هائج يدفع معظم الفئات المجتمعية في حالة غليان شعبي ينتهي بقلب النظام السياسي في وقت وجيز، كما حصل
في تونس ومصر. ثم يكتمل بمسار ثانٍيقطع مع النظام القائم عبر التأسيس لمختلف جوانب الحياة. إذّ ذاك
تكون وتيرة التغيير بطيئة متأنية يحكمها التعاقد المجتمعي والموافقات بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين، وإلا
تبقى عند مستوى الفورة الهوجاء التي تهدّم من دون أن تبني، فتخمد سريعًا أو تنتكس ردّة إلى استبداد جديد.
وفي استعارة لفيكتور هيغو: «الثورة عبارة عن عاصفة غير متوقّعة لا تكتفي فقط بتحريك كل خطوط القوّة
التي تصادفها في طريقها ولكنّها تثير أيضًا ديناميكيات غير مسبوقة. تلك هي حجتها الأساسية التي تجعلها لا
خريف 2012
تفصح عن معناها البياني إلا لاحقًا». فما إن بدأ غبار الهياج الشعبي يخمد حتى انتبه الناس إلى البروز الصاخب والمثير للسلفية الدينية تقتحم الفضاءات العمومية، حيث ينبغي أن يطرح هناك مفهوم المواطنة والتأسيس المدني مجدّدًا. فهل هو «لا متوقع» الثورة يقذف من العمق المكبوت المخيالي الجماعي والسياسي متجساّمً في ظواهر السلفية
والنعرات العروشية؟ كيف يتسنّى لهذه الحركات أن تتموقع في خضم ما يسميه الإسلاميون التدافع المجتمعي بأيديولوجية «التمكين في الأرض» وعقيدة تحقيق «وعد الله»؟ إن قابلية الفعل السلفي خطابًا وممارسة للتداخل بين الوعي واللاشعور السياسيين تستدعي أن يُبتَّ بروية معنى
الفعل المجتمعي من منظور تفهّمي، كما بلوره ماكس فيبر (Weber. M) على أنه نشاط بشري يحمل معنى يشد
إليه الفاعلين الاجتماعيين فيرتّبون تصرّفاتهم بالنظر إلى الدلالة الخاصة عندهم، مع الأخذ في الحسبان سلوك
الآخرين وتوقعاتهم. وسواء كان الفعل السلفي فرديًا أو جماعيًا، فإن ما سنتخذه منهجيًا وحدة تحليليّة أولية قد
تختمر فيها حركة مجتمعية وتتبلور. فأيّ دعوة تنهض عليها هذه الأطياف الدينية بوصفها ندًّا للآخر أو خصامً له
ينازعه الشأن العام ومصير البلد؟ وأيّ تكاين هش وملتبس بين أن يكون المرء مواطنًا يُنتظر منه أن يفعّل نمطًا
من اشتغال الثقافة الديمقراطية أو يكون متدينًا سلفيًا قد ينزع إلى احتكار الله واليقينيات المطلقة؟
طلع السلف علينا
فاجأت الثورة الكثيرين، بمن في ذلك السلفيون؛ فالتدين الغالب طوال العقدين المنصرمين كان إمّا تحت الرقابة
الأمنية الصارمة وإمّا تدينًا فردانيًا انسيابيًا يأبى الأطر التنظيمية. واليوم ظهرت السلفية على مسرح الأحداث
في الفضاءات العامة لتكون «هبة الثورة»، إذ استفادت من العفو التشريعي ومن ارتفاع سقف الحريات مع
ضعف الدولة وحالات الانفلات المجتمعي، وتغذّت من قطاع كبير من الشباب العاطل من العمل وشبه الأمّي لكنه ناقم ومحبط... إنها ظاهرة اجتماعية في لبوس جديد غير امتثالي كما كانت سابقًا، إذ تبدو بصدد
الانتقال من حالة العفوية إلى التنظيم والهيكلة ضمن جمعيات وأحزاب سياسية يحدوها جميعًا هوس بهوية ثقافية،
لكنّها غير متجانسة، إذ تتشكل سياسيًا في اتجاهات متعاكسة. مع ذلك، فإن فوز «حركة النهضة» في انتخابات
المجلس التأسيسي خريف 2011 قدح سؤالا مضمرًا بين جميع الإسلاميين في تونس وهو كيف نحوّل الفوز
في الانتخابات إلى مشروع لأسلمة المجتمع؟ فعلى حدّ قول الشيخ الوهابي موسى الشريف في شباط/ فبراير 2012 «إن فوز النهضة هو أهم حدث تاريخي في تونس منذ الفتح الإسلامي، فهو بداية لدحر التغريب وإرجاع البلاد إلى الجادة فلا بد من السعي إلى فرض الحلّ الإسلامي.» الفنّان محمود سعيد
تتباين مسالك الدعوة والتغيير بين مختلف الأطياف الإسلاموية، من الانخراط في قواعد اللعبة الديمقراطية إلى التبرّم منها وتكفيرها. من يكون هؤلاء السلفيون؟ وماذا يريدون اليوم بدعوتهم الوعظية أو الجهادّية؟ اصطلاحًا تعني السلفية الإعجاب بالسلف الصالح والحنين إلى الماضي اقتداءً بهم: «كل خير في أتباع السلف
وكل شر في ابتداع من خلف». ويراد بالسلف المسلمون الأوائل من الصحابة وتابعي التابعين الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام؛ إذ يتواتر عن النبي () قوله: «خير القرون قرني الذي بُعثت فيه ثم الذينﷺ
السلفيون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة
يلونهم ثم الذين يلونهم ومحمد وأصحابه هم المصطفون من المصطفين من عباد الله». وتلح الحاجة النفسية إلى
الرجوع إلى السلف في الفترات التاريخية العصيبة وتأزم الأوضاع، إذ ينزّل زمن النبوّة في النفوس منزلة تقديسية
مخيالية تراها فترة الوحي والهدى. «كلمّا تم الابتعاد عنها خفت نورها وفسد الأمر فسادًا كلّيًا إلى أن يظهر من
جديد المسيح أو المهدي المنتظر». فالجذع المخيالي هو ذاته بين أتباع أديان الوحي النبوي الثلاثة في تمثل تقدم
التاريخ البشري. لذلك يُروى عن عبد الله بن مسعود: «من كان منكم مستنّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي
لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمّة [...] فأعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في
أثارهم وتمسّكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإهنّم كانوا على الهدى.» تخترق هذه الرؤية الدينية حدود الزمان والمكان في حركة «عود أبدي» تحمل السلفية اليوم إلى الدعوة إلى إحياء
نمط مجتمعي اندثر عن طريق تصحيح العقيدة والعبادات «والحكم بما أنزل الله». لكن وفق قراءة حرفية صرفة
للنص، تبلورت مع مدارس فقهية سنيّة ترجع إلى أحمد ابن حنبل ثم أحمد بن تيمية (ق 8 ه) ثم محمد بن
عبد الوهاب (ق 11 ه) الذي أعطى مذهبه صيغة عقائدية وسياسية تذهب إلى حدّ تكفير الشيعة والخوارج
وحتى بعض المخالفين من السّنة. وما انبثق من الوهابية من حركات سلفية يختزل النظرة إلى الدولة على أنها
كافرة والمجتمع في ضلال؛ فهي ترفض القوانين الوضعية، وتنشد مجتمعًا يحرّم فيه الاختلاط ويطهّر من مظاهر
الشرك والبدع ويساق الناس إلى المساجد في أوقات الصلاة، عملا بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن اللافت في أمر السلفية الوهابية فشلها في فرض مذهبها في تونس في بداية القرن ال 19 بعد رفضها من
شيوخ المالكية في الزيتونة، فإذا بها اليوم تكتسح قطاعات واسعة من الشباب فتبرز عناصرها ككائنات فوق
القانون تفوّض نفسها للذّود عن هويّة الأمّة؟ وعلى عبد العزيز بن باز ومحمد صالح العثيمن وصالح الفوزان
يتتلمذ من تونس الخطيب الإدريسي والبشير بن حسين وكمال المرزوقي وأبو عياض وغيرهم، لتلوح العلامات
الأولى الضئيلة مع أحداث سليمان (الضاحية الجنوبية للعاصمة) في أواخر 2007، حين قُمع هؤلاء بشدّة ثم
تلتها محاكمات الشباب الذين كانوا يخططون للمشاركة في القتال في العراق. ثمّ إبان الثورة والعفو التشريعي
العام برزوا للعلن يعقدون الندوات العامة ويؤسّسون الجمعيات الخيرية والهيئات التي تعنى بالعلوم الشرعية،
ويستضيفون بمعية «حركة النهضة» الدعاة والوعاظ من الشرق، ويدوّنون مواقع على الإنترنت ويبسطون
نفوذهم على المساجد [....] هي ظاهرة اجتماعية - سياسية تشقها اختلافات وعدم تجانس، لكنها ترث عن
السلفية الشرقية الانقسام إلى وجهين: السلفية العلمية، وهمّها طلب العلم الشرعي ونشره وتصحيح العقائد والعبادات وتحفيظ القرآن، وقد تفرّع
بعضها إلى جمعيات خيرية ووعظية، وتشكل بعضها الآخر في أحزاب سياسية نالت التأشيرة القانونية مثل:
حزب جبهة الإصلاح، وهو حزب يقول بتناقضه الجزئي مع الديمقراطية لأنّ الحاكمية لله وحده وليست
للشعب. ويشاطره «حزب التحرير» الموقف نفسه: «الديمقراطية لعبة إمبريالية بمصير الأمّة [....] والحل في
إقامة الخلافة»، و«حزب الرحمة» الذي ينادي أيضًا بشمولية الرشّ. ع السّلفية الجهادية، وتتفق مع الشق الأول في تصحيح العقائد والعبادات، لكنها تنتهج التشدد مع الحكام الذين
يخالفون شرع الله فيحقّ الخروج عليهم طبقًا لمفهوم «الولاء والبراء». فالولاء يقتضي محبّة المؤمنين ونصرتهم
1 أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (بيروت: [د.ن.، د. ت.])، ج
1، ص.166
2 عبد المجيد الشرفي، السلفية بين الأمس واليوم (تونس: منشورات كلية الآداب منوبة، 1995)، ص.60-47
خريف 2012
وعقد الولاء لهم، وفي المقابل يكون البراء من المشركين وبغضهم ورفض أنماط تفكيرهم وسلوكهم. ومنها نجد
جماعة «أنصار الشريعة» التي يقرّ زعيمها أبو عياض بالموالاة لتنظيم «القاعدة» ويبدي مرونة في التعامل مع
الخصوصية التونسية. أما «الجماعة السلفية الجهادية» بقيادة أبو أيّوب، فتحرّم كل مظاهر الحياة المنافية للإسلام،
بما في ذلك الديمقراطية. تتباين المواقف السلفية من «حركة النهضة» - ذات الأصول الاخوانية - تقاربًا وتباعدًا، فمنها ما يدعمها
ويعاضدها من منطق الاشتراك في الصّحوة الإسلامية، ومنها ما يتحفّظ عن ذرائعيتها البراغماتية التي تلّفق
بين الدين والعلمانية، ومنها ما يعتبرها «كائنًا برمائيًا يريد أن يسرّ الإسلامي والعلماني والكافر وما مسألة تطبيق
الشريعة عندها سوى خدعة للنفوس الطيبة من الإسلاميين». تباين يعكس اختلاف المواقع المتبوّأة ضمن
الحقل الاجتماعي والسياسي، لكنّه لا يخفي الالتقاء – بدرجات متفاوتة – عند تصوّر الذات على أنها تعبيرة
ثقافية وهويتية ورمزية تبحث عن السيادة. فالأصوليات الإسلامية في تقدير فريدريك ل نوار «هي حركاتِ
يقينية بكل معاني الكلمة. والقول بأن الإسلام يمثل السبيل الأمثل للخلاص (بمعنى العودة إلى الله) هو القاسم
المشترك بين معظم المنضوين في هذا التوجه [....] إنها ترى نفسها حركة صمود في وجه انحطاط مزدوج أحدهما
يتأتى من داخل الأمة والآخر مصدره العدو الغربي». هناك مراوحة متذبذبة بين نداء «هوية - مقاومة»
مزهوّة بامتلاك اليقينيات المطلقة والخاصية الجماعوية - الملّية في تركيبة الفرقة أو الحزب، فالتناظر بين البعدين
الميتافيزيقي والسوسيولوجي يحمل معقولية ما.
بارانُويا الجماعة أم حركة اجتماعية؟
السلفيون «الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله» يسلكون سبيل الهداية لتخليص الأمّة
من الجاهلية الحديثة أي أسلمة المجتمع من جديد ونقله من هويته الاجتماعية إلى هوية دينية ترسمها جاهزية
النصّ وحرفية معانيه الأولية، من غير تطوير أو تجديد في التأويل. فالمبتغى هو صبّ المجتمع في قالب واحد
باسم تصوّر للدين حاصل بالنقل لا بالعقل، فالقلب أولى من العقل، لذلك ينصحون لأتباعهم بعدم قراءة
كتب غير منصوح بها ويمنعونهم من الدخول في مجادلات فكرية قد تزيغ بها قلوبهم عن الحق. مهما اختلفت مداخل الهداية والأسلمة بين الأطياف الدينية، فإنها محكومة بمنطق يتحرّك في فضاء الأوحد بدل تعدّد
القيمة ونسبيّتها. التعدد يفرض مفاوضة الآخر والتوافق معه للعيش معًا في «المدينة» التي تحضن اختلاف الرؤى.
أمّا التشكّل الجماعوي، فيحبك داخل الجماعة نسيجًا متينًا من العصبية والتعصّب. في الاصطلاح السوسيولوجي،
روابط الجماعة - الطائفة متعارضة مع التصوّر الحديث للمجتمع، بل إنها تعيق انبناءه لم ا تبرز من تحت قشرتهّ
التحديثية السطحية شبه قبائل جديدة في فترات الاهتزازات أو التحلّل المؤسساتي. إنها جماعات شعورية تربط بين
أفرادها علاقات شخصية مباشرة باسم حميّة مذهبية أو عروشية أو حتى حبّ الجمعية الرياضية عند مجموعات
المشجعين.... وبذلك تقوم الجماعة على حساب روابط المواط نة المجرّدة التي يرعاها التمدّن. تصوّر المواطنة عندنا
3 قول لأبي منذر الشنقيطي تحت عنوان «حكم القرآن في دويلات الاخوان» (شباط/ فبراير 2012:)، عن المغرب،
4 Frédéric Lénoir, Les Métamorphoses de Dieu: Des Intégrismes aux nouvelles spiritualités, Pluriel: Religion (Paris: Hachette littératures, 2005), p. 122.
5 ملتقى جماعة أنصار الشريعة، بتاريخ 2012/05/23، تحت شعار «الجاهلية يبغون.»
السلفيون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة
لا يزال يتردّد بين أن يكون فردًا شبه مقدس في حقوقه واستقلالياته أو أن يكون عبدًا من جملة الرّعية. الجماعة
تعمل على تفكيك المجتمع وصوغه على شاكلتها، لكن معقوليتها تتمثل في كونها تصبح حاضنة لمعنى يسعف
الأفراد وبحاجة ما إلى الاعتبار والقيمة. فطلب المعنى أضحى محفزًا مه لتديّن شبابي مندفع وانسيابي. ومن سماته
أنّه يستقطب شبابًا تتراوح أعمارهم بين 15 و 30 سنة يعيشون الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، ومستوى تعليميًا
متدنيًا، وبعض ممّن التحق بالسلفية حديثًا هم من ذوي السوابق العدلية من محترفي أعمال العنف والخطف ومروجي
المخدّرات يجد البعض منهم غطاء يحميهم من الملاحقات الأمنية. بحركة هداية يستحيل الفرد من العامة الدهماء إلى صاحب دعوة يعانق أمثولة «خير أمّة أُخرجت للناس »
فيتطاول على اجتلاب المطلق لفرضه كرهًا على الآخرين، موظفًا في ذلك استعدادات للعنف. إهنّا استحالة
طهرية في «توبة نصوح» تعيد تركيب الهوية مظهرًا وجوهرًا. ومن المفارقة أن الانفتاح اللاشعوري على ضرب
من الحنين إلى الكيان أو تأصيله بمبادئ فوق – اجتماعية ينغلق عكسيًا في ثقافة مضادة تصادر نمط الحياة الحديثة
في المجتمع وتصطنع لها فيه خصومًا من «الحبشية الضالة» أو «بني علمان» و«الحداثويين أيتام فرنسا والكفّار....»
عندما يجتمع شعور التفوّق بالاحتقار، فإنه يسلك سبيل العنف والتشدّد. يُشهر سلاحه نحو من يعتقد أنه يمثل
الجانب الشيطاني من ثنائية الخير والشر والحق والباطل، «فهو ينصّب نفسه قاضيًا وجلاّدًا يمثل الفرقة الناجية
التي لا تفكّر انطلاقًا من مبدأالله أعلم الذي تجسّمه سلوكاتنا العملية في التعايش مع الآخر وتقبّله». أما
الانكفاء على الذات داخل الجماعة، فإنه يطوّر علاقة جدّ شخصية بالله تغني عن الالتزام إزاء الآخر كذات
مختلفة ومغايرة وهي حالة بارانويا معرفية «تدل على ارتهان الذات العارفة إلى أطرها المرجعية ورؤيتها للعالم
حيث تتماهى الذات وتصوّراتها، معتبرة إياها الحقيقة». هذا الصنف من الفرد الجماعوي سيتشكل وفق العقل اليومي الخاص بالعامة، وهو عقلُ لا أحد منّا لأنه كلّنا
عندما نفكّر في ضمير الغائب: «الهم» بتعبير مارتن هيدغر. إنه فرد جماعوي متماه بصفة امتثالية مع العنصر
العامي كجماعة أو ملّة، أي هو «عنصر خطابي وانفعالي وتخيلي مشترك وظاهر لأنه جمهوري، ولذلك فهو خطير
بوجهين: على العلم بالجهالة وعلى الحكم بالفتنة»، والعامة عند ابن رشد «هم الخطابيون الذين لا يرقى العقل
عندهم إلى البرهان لأنه عقل ممنوع من التأويل». امّا الملّة في تعريف الفارابي فهي: «آراء وأفعال مقدّرة بشرائط
يرسمها للجميع رئيسهم الأوّل ويلتمس [بذلك] أن ينال باستعمالهم لها غرضًا له فيهم أو بهم محدودًا». نحن
إذًا إزاء تناغم فردي جماعي ضمن ما يسّميه فريدريك نيتشه «القطيع الفريد»، وهو المرادف لخمول التفكير أو
جموده والذي يميّز «الإنسان الأخير»، هذا الذي يحتاج إلى مسك نات لكي يخدّر الحياة بأفراح صغيرة وانبساط
أو روحانيات يتّخذها ذريعة حتى يتهرّب من نفسه أو يتناساها. إنه كسل روحي وذهني ينوب مواجهة الحياة
بإرادة القوّة. فبدل أن يفكر الفرد لنفسه كذات يوكل أمره للآخرين يفك رون له، يمثل الرّهط من المواطنية ذات
الحسّ المتبلّد تهديدًا للديمقراطية. بينما تُقدّ ذاتية المواطن من الحياة المدنية الحديثة والثقافة السياسية الديمقراطية فتنحت فردًا وذاتًا بعينها، تنزع إلى
6 زهير اليعكوبي، «الدين والتشدّد والعنف: العلاج ما بعد تاريخي والإرث الأفلاطوني،» الفكر العربي المعاصر، العددان 155-154
(2011)، ص 66 88-.
7 المصدر نفسه، ص.86
8 فتحي المسكيني، «جغرافية العقل اليومي،» مداخلة في: ندوة «المعقول واللامعقول»، جربة، تونس،.1993
9 أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، كتاب الملة ونصوص أخرى، حققها وقدم لها وعلق عليها محسن مهدي، ط 2 (بيروت: دار المشرق،
1991)، ص.43
خريف 2012
الوجود متحفّزة للتحقّق من وراء كل الترسيخات الاجتماعية والثقافية للهوية. فهي أنا ذاتي عميق يقوم ضد الأنا الاجتماعي؛ فالذات تتكون حينما تنتزع الصور الاجتماعية المقرّرة للأفراد وتكون لهم حينئذ القدرة على أن
يعرّفوا أنفسهم بأنفسهم وليس فقط بموجب انتمائهم إلى هذا الكيان الاجتماعي أو ذاك. الذاتية الفردية هي ثمرة
عمل هويتي على الذات ضمن سياقات اجتماعية، لكنه عمل قد لا يتكلّل بالضرورة بأفق نجاح محدّد نرى فيه
صورة لنا ثابتة ونهائية. في رحم المواط نة الحديثة تتخلّق مثل هذه الذاتية، وإلا فإنّ ما يولد هوفرد مغيّب أو ما
دون الفرد. تجمع فكرة الذات في نظر ألان توران بين ثلاثة عناصر: الأولهو مقاومة السيطرة التي تمنع الذات من التحقق
باسم أية وصاية عليها. والثانيهو حبّ الذات وبه يطرح الفرد حريته باعتبارها الشرط الرئيسي لسعادته وهدفًا
مركزيًا لحياته. والثالثهو الاعتراف بالآخرين كذوات. ومن ثم دعم القواعد السياسية والقانونية التي تمنح
العدد الأكبر من الناس أكبر الفرص الممكنة التي تمكنهم من العيش كذوات. وفي المقابل، بقدر ما يتقولب الفرد، وتتحول الهوية الشخصية عنده إلى هوية الجماعة، يتقولب الدين كذلك
ليأخذ صيغة ملّية مذهبية تعطي الاعتقاد لدى الأتباع بأنهم وحدهم «الفرقة الناجية».... ومتى كانت أديان
التوحيد السماوية أو المجتمعات الكلية في مأمن ممّا قد يصيبها من ظواهر الملّة أو الطائفية، فهذه الأخيرة تتحني
الظروف الملائمة لتفتّت الأديان وتزهر في الأثناء مجموعات جديدة كل منها «منغلق على خطابه وحدوده، لا
متسامح يدّعي امتلاك الحقيقة الوحيدة ويؤكّد أحيانًا انّه يضمّ الأتباع المصطفين الحقيقيين دون بقية العالم وأنّه
يمارس الدعوة المكثّفة لكي يهدي الآخرين». على رأس كل فرقة أو جماعة شيخ أو فقيه ملهم هو عند أتباعه
من أهل الذكر يحتكر التفقّه في الدين تفقّها يجمع بين القراءة الحرفية الأحادية للنصّ والأخذ ممّا يُروى من
الأحاديث والسيرة النبوية أكثر من أخذه من النصّ القرآني، فالأحاديث النبوية هي في مقام النص المقدّس.
هناك ضرب من الكهانة المستحدثة يتوسّط بين عموم النّاس والنصّ أو المطلق الديني. عن الكهانة يقول ابن
خلدون إهنّا انقطعت بين يدي النبوة - لأن النبوة هي النور الأعظم الذي يخفي معه كل نور ويذهب – ولعلها
عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه، وهذا هو الظاهر. تتمحور عصبية الجماعة حول تقديس المرجعية الدينية من فتاوى وأحكام وقرارات تصدر عن سلطة عليا تتنزل عند أتباعها منزلة الذات البشرية المتعالية التي تسمو فوق
الجميع. وباعتماد خطاب ديني شعبوي يكون الانضباط تحت شعار: آمن – أطع – جاهد أو حارب. لا يشذ
الأمر عن مدوّنة الآداب السلطانية التي تنظّر للسلطة القائمة على الطاعة والأيديولوجيا الرعوية. وهي ثنائية
تعنيّ الشخص في عالم الدين أو السياسة على أنه العبد لا «الفرد»، ومواطن أي كيان حديث ينشأ ويعقد بصفة
إرادية حرّة علاقته بالدولة. أما المنظومة التيولوجية - الاجتماعية القديمة، فتنحت مقولة العبد بالنظر إلى علاقة
العبادة والخضوع الكلية لله الخالق من دون اعتراض أو مجادلة، لكنها علاقة تمتد أيضًا إلى ما يُعتقد أنهم أولي
الأمر. ولنا في قول عبد القادر الجيلاني مثَل: إذا كنت مع الخالق فأنت عبده وإذا كنت مع الخلق فأنت عبدهم
[....] أولياء الله كلهم متأدبون بين يديه». هي معقولية تقيم اليوم تنافرًا بين عنصرين عموميين، أحدهما ميلّ أو جماعي، والآخر حقوقي مدني متعلّق
10 ألان توران، ما هي الديمقراطية؟: حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية، ترجمة حسن قبيسي، ط 2 (بيروت: دار الساقي، 2001)،
ص.116
11 Lénoir, p. 160.
12 عبد القادر الجيلاني، الفتح الرباني والفيض الرحماني (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، ص 18 19-.
السلفيون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة
بجهد للمواطَنة وإبداع الذات، حيث «تتراوح خريطة المعقول اليومي التي توجّه عقل المواطن الرّاهن بين
أصنام العقيدة ومطالبة الحقيقة وتقنيات السلطة حيث يكون اللامعقول هو الآخر دائامً: إن آخر الملّة هو الدولة
المحكمة [دولة القانون] كما إن آخر المحكمة – حقيقة أو قانونًا هو مخيال الأمّة». لكن إلى أيّ مدى يمكن التّسليم بأن السلفية الدينية التي تخوض غمرة التدافع الاجتماعي هي قطعًا مغموسة
كليًّا في تقليدية خالصة لا يخالطها شيء من الحداثة وجرائرها؟ من البنيّ مبدئيًا أن السلفية حاليًا لم تتكوّن اعتباطيًا، فهي تتشك ل من مواد أوّلية تستقى من الماضي، ومن بيئتها
المحلية، لكنها تتعنيّ راهنيًا كردود فعل دفاعية إزاء تهديدات عدّة تراها تستهدف هوية الأمّة. ثم تتحوّل بالتالي
إلى مصادر للمعنى والهويات التي تجهّز حامليها برموز ثقافية أولية ثابتة هي موضوع اعتقاد راسخ لا تفكير.
يعرّف مانويل كاستيل الأصولية بأهنّا: «بناء هوية جماعية يحصل بتماهي الأفراد ومؤسسات المجتمع مع قواعد
ومعايير مستمدة من الشريعة الإلهية بواسطة تأويل من سلطة محدّدة تتوسط بين الله والبشر». تتشكل الجماعة
حينئذ باعتبارها هوية – ينتجها فاعلون اجتماعيون يجدون أنفسهم في مواقع أو أوضاع تقلّل من شأنهم مقاومة
وتبخّس من قيمتهم من قبل منطق هيمنة غالبة. يواجهون منطق النسق السائد، لكن وفق مبادئ غريبة عنه
ومضادة له. تطرح هذه الهوية نفسها متنافية مع الهوية المشرّعة عندما تشهد هذه الأخيرة أزمة جذرية - كما
الحال في الثورة - تجعلها غير قادرة على تأمين اندماجية المجتمع وبسط نفوذ مؤسساتها. تبرز الجماعات السلفية
ناطقة باسم الهوية الثقافية للأمة وقاطعة مع المجتمع المدني والمؤسسات السياسية لترفع راية الجهاد وأسلمة
«الواقع»، إذ ترى المستقبل في الماضي. إنها نتاج تاريخي لتشظ ي المجتمع التقليدي بفعل صيرورة التحديث من
ناحية ولفشل الدولة الوطنية في تحقيق تنمية اقتصادية وعدالة للجميع من ناحية ثانية. قطاع كبير من الشباب الحضري والريفي ينشأ على الشّعور بالإحباط والنقمة وانسداد الأفق أمامه. هذا الخليط
الاجتماعي من التفكك وإعادة البناء التحديثية الوطنية اللامتكافئة سيتحوّل في لحظة ما إلى لغم منفجر في وجه
التأثيرات الخبيثة لتحديث مدولن من ناحية ولعولمة مكتسحة وضاغطة من ناحية أخرى. إن تفاعل عوامل
الداخل والخارج، خصوصًا بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001، سيؤهل الإسلاميّة العلمية أو الجهادية لكي تكون
اليوم الوارث الشرعي للأيديولوجيات الشمولية المنكسفة (من اشتراكية وقومية وعالم ثالثية). فقد تآكلت تلك
الأيديولوجيات المصقولة على تصور تاريخية تقدمية حتمية ليقوم مقامها خطاب متمحور حول كوجيتو الهوية،
حيث يُستبطن بشكل خاص «صدام الحضارات» الذي يجد صدى مميّزًا في المخيال الديني. فهناك رؤية ل«نهاية
العالم» ترى أن المواجهة بين الإسلام والكفر هي من العلامات السّابقة لقيام الساعة. وهو المعتقد اليهودي –
المسيحي نفسه عن «معركة أرماغدون» التي تبنّاها الرئيس الأميركي السابق بوش الابن: معركة نهائية فاصلة
بين الخير ومحور الشرّ تمهّد لقيام المسيح فتتخذ مطية رمزية ميتافيزيقية للعدوان الأميركي والإسرائيلي بعد 11
أيلول/سبتمبر. مهما تكن وجوه «المجاهدين الخلاصييّن» في هذا الدين أو ذلك، فإنّ من المتعذّر اختزال الحركات الأصولية
في كونها مجرّد استمرارية لمعقوليات تقليدية ما قبل حديثة، فالأسئلة والقضايا التي يعتقد هؤلاء معالجتها هي
بالأساس حديثة.
13 المسكيني، «جغرافية العقل اليومي.»
14 Manuel Castells, Le Pouvoir de l’identité , trad. de l’anglais par Paul Chemla ([Paris]: Fayard, 1999), p. 24.
خريف 2012
معنى الهوية بين دون كيشوت والسندباد لا يوجد خطاب سياسي بلا سحر أو شكل ديني معنيّ، فهو إن لم يجده يصطنعه حتى من صلب الحداثة ذاتها. أما
إذا تعلّق الأمر بالتداخل بين الأيديولوجي - السياسي والدّيني، فإنّ الوعود الوردية هي التي سوف تؤثث رؤية
العالم لدى الأتباع والحالمين، على رغم أن التاريخ ما ينفك يحذّرنا منها، فكم من فظاعات ارتُكبت باسم العدالة
الاجتماعية والحرية والتقدّم وتطبيق شرع الله. الخطاب السلفي – ممارسات وفعلا – متفجّر غرابةً وتصلبًا
وصدامية. إنه ينضح مخيالية ولا شعور سياسيًا تفضحه أعراضه ومعجمية كلماته التي تتحايل على الواقع. كيف
نسجت سلفية الثورة التونسية كلماتها الخاصة حول «الواقع» الذي تواجهه وتبشر به في الآن ذاته؟
بين «الكلمات والأشياء» أوجه تدان وتناءٍ متقلبّة لا تستقرّ على حال، فكل نظام خطابي يدّعي سيطرته على
دوام الوئام بين أشياء الواقع والكلمات التي تعيّنها. ومتى كان «الواقع» معطى خامًا يحمل على فطرته؟ إنه
يُبنى رمزيًا ودلاليًا عبر الكلمات التي تتوسّط بين أشيائه كما هي ورؤيتنا له سواء كانت متّصلة بالعقل اليومي
أو العلمي أو السياسي. وما علينا إلا التفط ن لتعددية أنظمة «الواقع» كل منها يبنيه على طريقته ومنطقه بشكل
يستدعي تنازعًا في التأويلات وسجالّتها المعجمية. تلك هي محنة دون كيشوت وجنونه حينما استوعب عالم
الفروسيات القروسطية بقيمها وبطولاتها وصولاتها، وتماهى معها منغمسًا في عالمها الذي رسمته روايات
الفرسان الهائمين، فإذا هو مفتون بها يراها هي «الحقيقة» وما دونها زيف وخداع زائل. العالم هو ما رسمه
المخيال متماسكًا بنيانه عندما نراه سويّة مع الصحبة والجماعة كما الحال مع رفيقه الغبيّ سانشو. عند حافتي
التماس بين الوهم وزوال الوهم يقف دون كيشوت ومعه السلفي اليوم بين عالمين: عالم تصنعه سرديّات
أخبار الصالحين والسيرة النبوية ودروس الوعّاظ فيرتسم كحقيقة شبه مقدّسة وعالم يصنعه بشر بتجربتهم
التاريخية ومجهودهم اليومي. دون كيشوت والسلفي كلاهما يخرجان من عالم الكتب أو السرديات الدينية
التي تُروى عن الصالحين ليجاهد كل منهما من أجل إحياء ماض مجيد يعبق سحرًا وقدسيّة ونبلا. وإذا كان
دون كيشوت ورفيقه من الفرسان الجوالين يتّسمان بحمق احتكار الله فهل هما منزّهان عن خدمة سيّد يدير
الحروب المقدسة اليوم؛ سيّد تجسّده مخط طات قوى الهيمنة السياسية والاقتصادية في العالم؟ مع المجاهدين
الجوالين تخترق الحدودَ أموالٌ ضخمة ومقاتلون في حروب بالوكالة تتوسطها جمعيات خيرية وأطراف مجهولة
عابرة للقارات، فكم من شرّ يُقترف باسم الخير وتُزرع فتن طائفية وأطماع استعمارية باسم أمثولة «الحكم
بما أنزل الله»؟ وفي ذلك تقسيم المجتمع إلى ملّتين كبيرتين: المسلمون الأنقياء مقابل ما دونهم من «حبشية»
وبنو علمان. خت ترق الحدود الوطنية والمدنية ويتسمّم كل بناء وطني وديمقراطي بأموال مبهمة مصادرها
وغاياتها. مع ذلك يبقى الهوس بالهوية الثقافية يسلخ خصوصية الهوية الاجتماعية فيتقمّص صاحبها هوية
جديدة اسامً ومظهرًا أسوة بما يعتقد أنه الزّي الإسلامي، أفغانيًا كان أو خليجيًا. هم الفاتحون الجدد في بلدانهم
أيضًا يرفعون الرايات المغربّة لحروب منسيّة أو فريضة غائبة. أما أن تكون الثورة تأسيسًا جديدًا للديمقراطية
ولمجتمع عادل، فذلك عندهم شأن ثانوي لا يتخصّصون به بقدر حرصهم على محاربة «المجاهرة بالكبار»
فهي أولى من استحقاقات الثورة. «الفساد» هو بالأساس أخلاقي نتّقيه وإلا أنزل الله علينا نقمته بانحباس
المطر والزلازل والبراكين. ينبغي إذ ذاك تحديد مناطق الفسق في المدينة لكي تطهّر.
الهداية – التطهير – الفتح الرّباني – الغزو – الصحوة الإسلامية.... مفردات اكتسحت المعجمي للثورة
وغمرت شعاراتها: «خبز حرية كرامة وطنية» «إذا الشعب يومًا أراد الحياة».... وإنمّا الثورة في عيون سلفية
15 عن عادل العلمي، زعيم سلفي من «جمعية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر» التي أثارت فتنة قصر العبدلية، في حوار تلفزيوني
لقناة «التونسية»، بتاريخ.2012/07/28
السلفيون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة
هي «فتح ربّاني عظيم قدّره الله لنا ومنّ به علينا فمن نحن حتى نغريّ حكم الطاغية؟.... إنها معجزة إلهية». أما
انتصار «النهضة» في الانتخابات، فقد اعتبره أحد زعمائها من «الإشارات الرّبانية التي تؤسّس لخلافة راشدة
سادسة». وأمّا أولئك الذين يعارضون الحكومة الحالية ويعط لون عملها بالإضرابات ف«ينبغي أن تقّطع أيديهم
وأرجلهم بخلاف حتىّ يكونوا عبرة للنّاس». يضيق المجال لذكر التهجمّات والغزوات ما بعد الثورة؛ ولكن
نذكر منها: إعلان إقامة إمارة سلفية في سجنان (ولاية بنزرت)؛ التهجّم على كليات الآداب والفنون الجميلة
وبخاصة منها اعتصام كلية منوبة الذي عطل الدروس مدّة أشهر بغية فرض النقاب في قاعات الدرس؛ إنزال
العلم الوطني من أعلى المؤسسة واستبداله بعلم أسود؛ غزوة المنقالة (الساعة المنصوبة بالشارع الرئيسي قلب
العاصمة) ليرفع أعلاها العلم السلفي؛ التهجّم على أهل الفن وتعنيفهم؛ تطهير الاعلام: اعتصام سلفي –
نهضوي لمدة أشهر أمام مقرّ محطة التلفزيون؛ احتلال مساجد وخلع أئمّتها لفرض خطاب ديني على منابرها
تتنافس السلفية عليه مع حزبي التحرير والنهضة؛ تطهير البلاد من مظاهر الشرك بإعلان «حرب القبور» على
أضرحة بعض الأولياء الصالحين ومقاماتهم؛ اعتبار التماثيل في المتحف الوطني في باردو وتحية العلم والسلام
الجمهوري من طقوس الوثنية وعبادة الأصنام؛ تهديد الحريات الفردية في اللباس والاختلاط والاحتفالات
العائلية؛ التهجّم على الخامّرات وتجريم السّياحة باعتبارها نوعًا من «البغاء» الرسّ يّ؛ غزوة قصر العبدلية حيث
انتظمت تظاهرة ربيع الفنون بدعوى وجود رسوم تمسّ بالمقدسات (تبنيّ في ما بعد بطلانها إذ نسخها السلفيون
من الإنترنت)، فكادت بعض المناطق من البلاد تحترق أيّامًا واستُهدفت مقار سيادية. ما من شك في أن السلفيين وإخوانهم «هم أبناء تونس ولم يأتوا من المريخ» كما يبرّر ذلك أحد مسؤولي الحكومة
الحالية. هم يستفيدون من تساهل السلطة معهم، لكنهم في المقابل لا يهتمّون إلا لمعاركهم الخاصة التي يتمثّلونها
بمعجميتهم الخاصة، فمنها يسيّجون حدود هويتهم الدينية الجماعوية ضدًّا للآخر باعتبارهم جماعة خطابيّة
تواصل العيش في عالمها الخاص، مستقلة عن الدولة ونمط الحياة الحديثة عدا الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة
وتوظيفها أداتيًا. الهوية تُنسج من مرجعيات ودلالات مخيالية تمك نها من إعطاء معنى لكلّ ما هو «موجود» فيقوم
مقام «الواقع» الموازي «للواقع» المألوف عند البقية من المجتمع. بل إنّ المرجعيات النصية والمعاني المخيالية تخوّل
الجماعة إمكان تدشين العمل التاريخي وتنشيطه. فالمخيال هو «عبارة عن شبكة من الرّموز والمعايير يتمّ فيها وبها
تأويل الأشياء والظواهر، فهو ك «المنظار» نرى من خلاله «حقيقة الأشياء» أي نعطيها معنى. ويضيف محمد
عابد الجابري: «العقل السياسي كممارسة وأيديولوجيا هو ظاهرة «جمعية» يجد مرجعيته في المخيال وليس في
النظام المعرفي، لأنّ المخيال مجال لاكتساب القناعات، مجال تسود فيه حالة الإيمان والاعتقاد [....] فهو الذي
يعطي للأيديولوجيا السياسية في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية». إن «دون كيشوت - السلفي» يعيش
في عالم النصيّة الدينية الثابتة والمنقولة بجاهزية تأويلية حرفية عن السّلف، فيتحوّل بلغزيّته الملتبسة إلى مفوّض
عن عصر وعالم لما يعودا مقبولين بالنسبة إلينا، لكنه مع ذلك يظلّ واقفًاّ - بنظر ميشيل فوكو «بين نظامين من
التفكير: الأول ما قبل حديث يجعل من التناظر والتشابه مبدأ المعنى في عالم يريد أن يعيش فيه. لكنّه يصطدم
بعالم ثان محكوم بنظام آخر لم تعد فيه الخطابات ترجع إلى الأشياء وتعطيها دلالة عبر التناظر. وهذا هو الجنون
الناجم عن الانفصام بين الكلمات وواقع الأشياء»، انفصام يزّج دون كيشوت – أو السلفيَّ اليوم – في قلق
الأزمنة الحديثة.
16 محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1990)، ص.12
17 Michel Foucault, Les Mots et les choses: Une Archéologie des sciences humaines , bibliothèque des sciences humaines ([Paris]: Gallimard cop., 1966), p. 61.
خريف 2012
هو انفصام أيضًا بين الوعي الدّيني والوعي التاريخي الذي تخالطه رؤية أسطورية. وإذا كان الناس الذين
يصادفهم دون كيشوت في طريقه أو ينزل بينهم يستخّفون به قائلين «ها هو الأحمق قد جاء»، فإن «حمق احتكار
الله» يكمن في الجمع بين الصرامة والتبسيط فيتول د عنه التشدّد: «التشدّد في أصله المنطقي ذهاب نحو الواحد
الذي لا يسامح شيئًا أو شخصًا بجانبه، إنه يفرض البديل الجذري المتمثل في افتراض الحقيقة الواحدة».
القيمة الأحادية تعكس هوية متجوهرة ماهوية (substantielle)، فالمتشدّد هو مؤمن مطلق الإيمان بالحقيقة
وبإمكان إمتلاك «اللغة» الحقيقية الأصيلة للأشياء كالقول: «الأصل في الأشياء أن المرأة ربة بيت وأنها حرمة
يجب أن تصان» (عن حزب التحرير). هذا التوهّم في امتلاك الحقيقة قد يصل إلى حدّ ادعاء القبض على الفهم
الإلهي وتحديد مقاصده بدقة. وإذا كان الدين هو رابطة بشرية ضمن ملكوت المتعالي يكتنف النفوس خوفًا
وإجلالا، فإنّه يكون بنظر ريجيس دوبريه: «دعوة لتنظيم كلية الحياة والمخيالات، لا سبيل له سوى البحث عن
قولبة العالم بأسره داخل رحم الحقيقة الوحيدة، فبين الحقيقة المنقذة والخطأ المهلِك ليس هناك ثالث ممكن ».
منه ينسُل إذًا منطق مَرضَي للهوية الماهوية المشتقة من «الهو هو» بما يجعل الآخر عدوًّا متأبلسًا: «قتل الكافر ليس
جرمًا، إنه طريق الجنّة»، صوت أصولي ديني يحمله الأثير من الحروب الصليبية إلى أفغانستان ليتسلّل خفية إلى
تونس الثّورة. أيّ ترادف دلالي يستقيم بين العنف والجهاد؟ ملِ تجعل الهوية الأصولية الماهوية المسافة الفاصلة مع الآخر حاسمة
في تحديدها كما هي؟ ملِ لا يستيقظ السندباد بيننا بدلا عن دون كيشوت؟ مع السندباد البحري هناك سعي إلى الآخر – بشرًا وعوالم غريبة وعجيبة – وليس إقامة الحدود: الحدود
الفاصلة معه ركوب المخاطر حتىّ الحدود القصوى من الرعب والهول ولكنّه أيضًا إبحار في عوالم الممكن ثم
العودة إلى الديار ذاتًا مولودة من جديد: إهنّا هويّة بنائية (constructiviste) وليست ماهويّة، فهي قدرة الفرد
أو المجموعة على أن تعرّف نفسها ويعترف بها الآخرون في تجانسها الذاتي، لكنه تجانس منخرط دومًا ضمن
تعدّدية مرجعيات رمزية واجتماعية. هي صيرورة منفتحة يصقلها تفاوض دائم مع الآخريّة. منذ هيرقليدس
والسندباد البحري نتعلّم أنّنا «لا نسبح في النهر مرتين» وأنه مع كل رحلة هناك تجربة جديدة لاكتشاف الآخر
المغاير واكتشاف الذات أيضًا، فلا معنى للهداية إلا لكونها بلورة لهوية الأنا والآخر عند خطوط التلاقي. و«ما
عبر التباعد عن الأدوار نسميه ذاتًا هو رغبة الفرد في صنع تاريخ شخصي وإعطاء معنى لجملة تجارب حياته
الاجتماعية المقرّرة لها سلفًا وعبر ممارسة انعكاسية على الذات أي انعكاسية فيها مراجعة ونقد بحيث تحمل على
الانخراط في كل ما قد نعتبره نقيضًا يتنافى مع الاستقلالية الذاتية». لنا أن نميّز إذ ا متى تكون هوية للذات
عبر الاستقلالية والفرادة أو هويّة للآخر متماثلة مع أطر الانتماء الاجتماعي. في السوسيولوجيا البنائية تبدو التجربة الاجتماعية – رحلات السندباد – نشاطًا عرفانيًا يُبنى به الواقع وخيُتبر،
فهو المجال الذي يُدعى فيه الفاعلون الاجتماعيون إلى التصرّف بصفة متوازية مع معقوليات فعل عديدة، كل
منها يحيل إلى منطق نسق اجتماعي فرعيّ مختلف بحيث يكون من المتعذّر الحديث عن «مركز وحيد» لمعقوليات
الفعل. نحن نعيش اليوم «مجتمع الدفق» حيث تتعدّد السجلّات المرجعية والزمنيات الاجتماعية من غير حد.ّ
18 Peter Sloterdijk, La Folie de Dieu: Du Combat des trois monothéismes , traduit de l’allemand par Olivier Mannoni (Paris: Libella- Maren Sell, 2008), p. 101. 19 Régis Debray, Le Feu sacré: Fonctions du religieux (Paris: Fayard, 2003), p. 158. 20 Alain Touraine, « La Formation du sujet,» dans: Penser le sujet: autour d’Alain Touraine: Colloque de Cerisy, [juin 1993] , sous la dir. de François Dubet et Michel Wieviorka ([Paris]: Fayard, 1995), p. 28.
السلفيون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة
وسواء تعلّق الأمر بالصعيد المحيلّ أو بالصعيد الكوني المعولم، فإن هوية الفاعل الاجتماعي – فردًا أو مجموعة
– تتكوّن بانفتاح على عوامل ممكنة لتكون هويّة سردية لها قدر من الانسيابية والمرونة لأنها تحدّد باختياراتها
نسق المرجعية والمخيال وجملة من القيم المشتركة. يستدعي الأمر إذ ا جهدًا من الفرد وعملا هويّتيًا حتى يبني
هويته ويعطي لتجربته معنى ووحدة. فالهوية الاجتماعية والثقافية ليست كيانًا متجوهرًا، بل عمل دؤوب مضنٍ
تكون الانعكاسية فيه هي المحفّز، والحلم قوّة اجتماعية تعمل على تشكيل «الهوية المشروع» التي قد لا تتحقّق
مكتملة في أفق محدّد. فالحداثة ذاتها تظل تغذّي فينا حالة اللاشبع وتلك هي صيرورتها التاريخية. إهنّا في تعريف
بودلير تتراوح بين الهارب والأبدي: «الحداثة هي الوقتي العرضي والهارب والمحتمل نصف الفن ونصفه الآخر
الأبدي». لا تظهر الهوية - المشروع إلا عندما يبني الفاعلون الاجتماعيون هوية جديدة تخصّهم وتمكّنهم من
إعادة تعريف مواقعهم داخل المجتمع، ومن ثمّة فهي تقترح إمكان تغيير جملة البنى الاجتماعية فتنتج ذواتًا.
وهنا مربض اللُّبس والمأزق الفعلاني عند الحركات الأصولية: ما مدى إمكانية أن تتحوّل هذه الجماعات إلى
حركات اجتماعية من منظور سوسيولوجي بنائي؟ ألا يجد علم اجتماع الحركات نفسه أحيانًا إزاء صراعات من
غير فاعلين اجتماعيين؟ من منظور فعلاني ديناميكي يحدّد ألان توران الحركة الاجتماعية على أنها تجابه مصالح متضاربة من أجل مراقبة
قوى التطور في المجتمع وصقل ممارسته التاريخية. وسواء أكانت حركة عمالية أم نسوية أم شبابية....، فإنها تظهر
عبر التنسيق بين ثلاثة أبعاد هي مبدأ الهوية ومبدأ الضدية (أي الخصم الذي يتنازع معه ضمن حقل معنيّ) ومبدأ
الكلية المجتمعية. ويكون الرّهان بين مختلف الحركات الاجتماعية هو على السيطرة على توجيه تاريخانية المجتمع،
أي تلك القدرة التي يمتلكها مجتمع معين حتى يُنتج ذاته عبر إعطاء معنى لممارسته المتمثلة في العمل والقدرة
الرمزية المجسّمة في النموذج الثقافي الذي يوجّه الاستثمارات والفائض الناتج من العمل. ليس المجتمع ما هو
كائن، بل ما يفعله لكي يكون بحسب العمل وعلاقات الصراع التي لا تنفك تبدعه وتحدّده ذاتيًا بحيث تكون
التاريخانية متعارضة مع مفهوم التاريخية كتصوّر تطوري حتمي يجري إلى غاية مُثلى، دينية كانت أو اشتراكية.
المجتمع هو نتاج فعله في ذاته بشكل يستدعي الانتباه بين الفينة والأخرى إلى تجدّد منطق الصراعات ونوعية
الفاعلين الاجتماعيين الذين ينبثقون في كل مرة يحملون تطلعات ومشروعًا للتغيير، فلا توجد تنظيمات اجتماعية
ثابتة ولا ضمانات ميتا- اجتماعية كقوانين التطور أو الرعاية الإلهية، وإنمّا «على المجتمعات أن تعرف ذاتها اجتماعيًا
عندما تعترف بأنها نتاج عملها ونتاج روابطها الاجتماعية وما قد يبدو للوهلة الأولى مجموعة من «المعطيات
الإجتماعية» ما هو إلا حصيلة للعمل الاجتماعي للقرارات أو الاتفاقات ونتيجة للهيمنة والصراعات». من هذا الاعتبار ينبغي أن ننظر إلى حركية المجتمع إن كانت تقوم دائامً على تحرير قوى مجتمعية فاعلة لا على
خلق مجتمع مثالي أو الدخول في «نهاية التاريخ». إنها بالأساس حركية مدنية نزاعية لكنها منفصلة عن فكرة
العنف. الصراعات الاجتماعية تتكون وتُدار ضمن إطار مؤسساتي مدني يحتكم إلى علوية القانون، أمّا العنف
فيقترن عكسيًا بالفظاظة ويستشري في كل مجال خارج المجال الخاص بالدولة. مع الثورة حاليًا التبست الحدود
ضبابية بين معنى الصراع والعنف. كلمّا اضطربت الأحوال بين الانفلاتات الاجتماعية والحمّى المطلبية برز
المكبوت تشدّدًا دينيًا أو نعرات عروشية وجهوية. العنف يعوّض المعالجة المؤسساتية للصراع ويؤرشّ إلى أزمة
مؤسسات تمسّ بصفة أكثر «الدولة» ككيان وفكرة فتتبدّل العلاقات بين الحركات الاجتماعية بظهور جماعات
مليّة تكوّن جبهة لدفاع ثقافي مثلما تكوّن في الوقت نفسه عوائق تحول دون تذويت الأفراد، أي دون تحولّهم إلى
21 Alain Touraine, Production de la société , collection sociologie; 2 (Paris: Editions du Seuil, 1973), p. 7.
خريف 2012
ذوات. حينئذ «تتحدّد الديمقراطية بصفتها مجالا مؤسساتيًا يحمي الجهود التي يبذلها الأفراد والجماعات في سبيل
تكونّهم والاعتراف بهم كذوات مثلما تتحدّد المواطنة من ناحيتها على أهنّا تنادي بتحمّل كل امرئ مسؤولية
سياسية أو مدنية، أي إنها تدافع عن التنظيم الإرادي للحياة المجتمعية ضدّ كل أنواع المنطق غير السياسي التي
يدّعي البعض أنها طبيعية، من ذلك منطق السوق أو منطق المصلحة القومية والأمّة المتخليّة. وإذا كان على
الديمقراطية أن تساعد أفرادًا لكي يكونوا ذواتًا، فإنّ على الذات أن تتخلّص من نرجسيتها ومن انسياقها وراء
مجتمع الجمهور: الغالبية الصامتة.
خاتمة
مع الثورة التونسية نقف اليوم عند مفترق وجهات فعل متضاربة، منها ما ينحو منحى البناء المجتمعي والسياسي
والتمدن العادل، ومنها ما يفتح على الرّيبة واللايقين. بدأت انتفاضة هوجاء يغذيّها الإحساس بالنقمة لكن
الاستعداد النفسي غير كاف لكي يرتقي إلى درجة الحركة الثورية. وفي هذه الحال يجد المواطن نفسه بين «قبائل جديدة»، إذ تعاود الجماعات والملل تشكيل نفسها على أنقاض مقولة «المجتمع» والنسق السياسي الحديث. «وما دامت السلطة تبحث عن شرعيتها في التقاليد أو في حقها بالفتح والغزو أو في المشيئة الإلهية، فإن الديمقراطية تظل غائبة عن الأذهان، فهي لا تصبح ممكنة الوجود إلا عندما يُعتبر صاحب السلطة بمثابة الممثل للشعب....
وهذه الفكرة تنبئ بولادة الحداثة السياسية وبالانقلاب الذي جعل السلطة كناية عن نتاج للمشيئة البشرية
عوضًا عن أن تكون مفروضة بقرار إلهي». عند مفترق توجهات التغير الممكنة نجد دائامً فاعلين اجتماعيين «خامًا» لأهنّم مقصيّون حقيقة وناقمون، تعوزهم الظروف لكي يكونوا أفرادًا ومواطنين كرماء لكنهم قد يبقون
مجرد طاقة أولية للتمرّد والتحرّر من دون إدراك الحركة الثورية الفعلية، يرفضون الوضعية من دون القدرة على
التحرّر منها.
22 توران، ص.95
23 المصدر نفسه، ص.107
السلفيون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة
المراجع
كتب العربية
: [د.ن.، د. ت.]. الساقي،.2001
الجيلاني، عبد القادر. الفتح الرباني والفيض الرحماني. بيروت: دار الكتب العلمية،.1997 دوبريه، ريجيس. نقد العقل السياسي. ترجمة عفيف دمشقية. بيروت: دار الآداب،.1986 الشرفي، عبد المجيد. السلفية بين الأمس واليوم. تونس: منشورات كلية الآداب منوبة،.1995 2. بيروت: دار المشرق،.1991 دورية العددان 155-154،.2011 ندوة المعقول واللامعقول، جربة، تونس،.1993 الأجنبية
ابن تيمية الحراني، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية. بيروت توران، ألان. ما هي الديمقراطية؟: حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية. ترجمة حسن قبيسي. ط 2. بيروت: دار الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1990
الفارابي، أبو نصر محمد بن محمد. كتاب الملة ونصوص أخرى. حققها وقدم لها وعلق عليها محسن مهدي. ط
اليعكوبي، زهير. «الدين والتشدّد والعنف: العلاج ما بعد تاريخي والإرث الأفلاطوني». الفكر العربي المعاصر:
Books
Castells, Manuel. Le Pouvoir de l’identité. Trad. de l’anglais par Paul Chemla. [Paris]: Fayard,
Debray, Régis. Le Feu sacré: Fonctions du religieux. Paris: Fayard, 2003. Foucault, Michel. Les Mots et les choses: Une Archéologie des sciences humaines. [Paris]: Gal limard, cop. 1966. (Bibliothèque des sciences humaines) Lénoir, Frédéric. Les Métamorphoses de Dieu: Des Intégrismes aux nouvelles spiritualités. Paris: Hachette littératures, 2005. (Pluriel: Religion) Penser le sujet: autour d’Alain Touraine: colloque de Cerisy, [juin 1993]. sous la dir. de Fran çois Dubet et Michel Wieviorka. [Paris]: Fayard, 1995. Sloterdijk, Peter. La Folie de Dieu: Du Combat des trois monothéismes. Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni. Paris: Libella- Maren Sell, 2008. Touraine, Alain. Penser autrement. [Paris]: Fayard, 2007. Touraine, Alain. Production de la société. Paris: Editions du Seuil, 1973. (Collection sociolo gie; 2)