في الفصل بين الدين والثقافة: مدخل إلى تنظيم التنوع الثقافي
On the Divide between Religion and Culture: An Entryway to Organizing Cultural Diversity
الملخّص
يعتبر الكاتب أن الطريق طويل لاستخلاص الدِين من الثقافة بسبب تداخل ثقافة الناس الشعبيةّ التي جمع بين الخرافة والأوهام وبين النصوص التي تحتفظ ولا يعمل بها، داعيًا إلى ما أسماه التفاوض بين الفرد والمجتمع بحثًا عن صيغة تعمد إلى تنظيم التنوع (لا التعدد) خوفًا على المجتمع من الانقسام، معتبرًا «تنظيم التنوع الثقافي» وسيلة من وسائل الفهم والتفهم، وهذا بالتأكيد لن يحصل قبل إصلاح التعليم وإشاعة ثقافة المعرفة واعتماد العلم ثقافة. المشكلة إذًا اجتماعية – تاريخية وهي لا يمكن تركيبها إلا بعد تحليلها وتفكيكها حتى يتوصل المجتمع إلى درجة متقدمة من الوعي الأخلاقي الذي يحترم الرأي الآخر المخالف. وهذا الأمر يحتاج إلى عملية إصلاحية تربوية تأخذ في الاعتبار درجة التداخل التي حصلت في التاريخ بين نزعة التدين والبنى الثقافية وما تفرع عنها من تصورات غير دقيقة في قراءة النصوص واستنباطها.
Abstract
The path to the extraction of religion from culture is a long one because of the intervention of popular culture which combines legend and delusions with texts that are memorized and not applied. The author calls for what he terms negotiation between individual and society to find a formula that intends to organize diversity (not pluralism) out of fear for the division of society, on the view that organizing cultural diversity is a means of understanding and being understood. This will certainly not happen before reform of education and the spread of knowledge culture and the adoption of science as a culture. The problem is therefore socio-historical and cannot be addressed without first analyzing and deconstructing it in order for society to reach an advanced level of moral conscience that respects the different opinions. This requires a reformist educational program that takes into account the level of intervention that has occurred historically between the religious tendency and cultural structures and the inexact conceptions this has resulted in for reading and interpreting texts.
- تنوع ثقافي
- دين
- تدين
- ثقافة
- Divide
- Religion
- Culture
- Religious
يتناول الموضوع مسألة التداخل بين التديّن والموروثات الشعبيّة، مستخدمًا المدخل الأنثروبولوجي
في تحليل المشكلة وتفكيكها، للوصول أخيرًا إلى إعادة تركيبها، طارحًا ثلاثة سيناريوهات
للخروج منها. يعتبر الكاتب أن الطريق طويل لاستخلاص الدِّين من الثقافة بسبب تداخل ثقافة الناس الشعبيّة
التي تجمع بين الخرافة والأوهام وبين النصوص التي حتُفظ ولا يعمل بها، داعيًا إلى ما أسماه
التفاوض بين الفرد والمجتمع بحثًا عن صيغة تعمد إلى تنظيم التنوّع (لا التعدّد) خوفًا على المجتمع
من الانقسام، معتبرًا «تنظيم التنوع الثقافي» وسيلة من وسائل الفهم والتفهم، وهذا بالتأكيد لن
يحصل قبل إصلاح التعليم وإشاعة ثقافة المعرفة واعتماد العلم ثقافة.
المشكلة إذًا اجتماعيّة – تاريخيّة وهي لا يمكن تركيبها إلا بعد تحليلها وتفكيكها حتى يتوصّل
المجتمع إلى درجة متقدّمة من الوعي الأخلاقي الذي يحترم الرأي الآخر المخالف. وهذا الأمر
يحتاج إلى عمليّة إصلاحيّة تربوية تأخذ في الاعتبار درجة التداخل التي حصلت في التاريخ بين
نزعة التديّن والبنى الثقافيّة وما تفرّع عنها من تصوّرات غير دقيقة في قراءة النصوص واستنباطها.
ويدعو كاتب المقال إلى العودة إلى مراجعة تلك الدراسات التي صدرت في الغرب عن الموضوع
(كلود ليفي ستروس) أو تلك القراءات التي حقّقها طه عبد الرحمن ومحمد حاج حمد (أبو القاسم)
في كتابات وبحوث عالجت المسألة من زاوية مختلفة في الشرق.
يُعَدُّ موضوع الفصل بين الثقافة والدِّين قضية سجالية وجدلية منذ عصور، ولعل أهم جوانبه ما
يتعلق بقضايا الدين والسياسة، الأخلاق والسياسة (فصل السُّلطات)، وغيرها من القضايا الفلسفية
والمرجعية التي حفرت مجرى الحضارات، المعاصرة منها والقديمة البائدة. والحقيقة أن تفاصيل المكتوب
والشفوي والعرفي لا يمكن أن تكون موضوع حصر، وهذا ما قد يُدخلنا ضمن الانتقاء، أو التجزئة، والبُعد
عن الموضوعية. لكننا سنُضْطَرُّ إلى حصر موضوع الدراسة في مجالي الثقافة والدين المتعلقنيْ بالمنطقة العربية
خريف 2012
والإسلامية. ويعود الباعث على ذلك إلى الأهمية المتعاظمة استراتيجيًا وجغرافيًا للمنطقة التي تمتد من أوروبا إلى
المشرق العربي الإسلامي وشمال أفريقيا، أو بعبارة جامعة: منطقة الحوض المتوسطي. تعود أهمية دراسة المنطقة إلى ما تعنيه حمولتها الثقافية ورصيدها الذي يمكن أن تساهم به في الخطاب العالمي اليوم؛ فأنباء المنطقة ملزمون بأن ينتبهوا إلى أنهم ليسوا فقط مصدر طاقة طبيعية، بل هم أيضًا رصيد إنساني وثقافي ذو قدرة على تأدية الفعل في المسار العالمي. غير أن الإشكالية التي تواجه إنسان الجنوب هي كونُه يعيش في التاريخ، ولا يستند إلى التاريخ باعتباره رصيدًا يُغْني الهوية، فضلا عن أن إنسان الجنوب متكسر الرؤية، مثَلُه
في ذلك مثَل سائق ينظر إلى الخلف، ويقود سيارة متجهة إلى الأمام، في وقت يمكنه فيه أن ينظر إلى المرآة العاكسة
التي أمامه، فهي قمينة بأن تريه ما هو خلفه. هذا علاوة على إشكالية قدرته على الفصل بين الدِّين كنصوص مؤسِّسة والخطاب الدِّيني الذي يمكن أن يلتصق بمصالح معيّنة. يلقي مقالنا هذا نظرة سريعة على المداخل التي يمكن أن تساعدنا على استبيان قضية الفصل بين الثقافة والدِّين. وأهم هذه المداخل التي يمكن أن تساهم في تعميق الرؤية الموضوعية وتقوية العلمية هي المدخل الأنثربولوجي، والمدخل السوسيولوجي، والمدخل التفكيكي، والمدخل التركيبي. والواقع أننا لا نستطيع الإلمام بكل مدخل
وأن نَفِيَه حقه كما يجب. لكننا سنحاول أن نعرض الزوايا التي رأينا أن نقارب من خلالها الموضوع الإشكالي
الذي نحن بصدده، وسنقتصر على الأنثربولوجيا.
المدخل الأنثربولوجي
للأنثربولوجيا أهمية خاصة في مجال تحديد الثقافة، وهي من الدراسات المعنية بتتبّع «الظاهرة الإنسانية»،
كما عرَّفها كلود ليفي ستروس (2009-1908)، أحد كبار علماء الأنثروبولوجيا الذي لا يجد غضاضة في
الاعتراف بفضل علماء ورحالة عرب في المساهمة التاريخية لعلم الأنثربولوجيا، ويذكر منهم ابنَ بطوطة (-703
779 ه / 1377-1304 م) وابنَ خلدون (808-732 ه / 1406-1332 م) اللذين وجد في أعمالهما نفَسًا
«أنثربولوجيًا حقيقيًا»، على حد تعبيره. الأنثربولوجيا إذًا ليست وليدة اليوم، في المبدأ، وإن اختلف أسلوبها وأدوات تحليلها، وأهدافها التي يضعها
الأنثربولوجي، إذ هي لصيقة التوثيق وجمع المعلومات والمعطيات وتحليلها، مثَلُها في ذلك مثلَ السوسيولوجيا،
فهدفها الأسمى هو فهم الإنسان نفس.ِه ومثلما هو معلوم، عرف مسار الأنثربولوجيا تطورًا بحكم المتوافر من المواد المعرفية لدى علمائها، وكذا طرق
التحليل والمدارس التي درجت منها هذه المجالات العلمية المتعلقة بالتحليلات والموضوعات التي تناولوها.
ومن ثَمّ، مرت الأوديسة الأنثربولوجية عبر الثقافة والاجتماع (أو ما عُرِف بالأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية)،
وتزامنت مع هيمنة النظرية التطورية (Evolutionism)، وهو ما كان له تأثير في المجال الأنثربولوجي نفسه.
1 Claude Lévi-Strauss, L’Anthropologie face aux problèmes du monde moderne, [Préface Maurice Olender], la librairie du XXIe siècle ([Paris]: Ed. du Seuil, 2011), p. 18.
2 المصدر نفسه، ص.19
في الفصل بين الدِّين والثقافة: مدخل إلى تنظيم التنوع الثقافي
وقد حدث أن وصل الأمر إلى التفاضل بين الثقافات والأجناس مع المد الإمبريالي. ويمثّل الجسرَ الانتقالي في
هذا المجال الأميركيُّ من أصل ألماني فرانتس بُوَاز (Franz Boas) (1942-1858)، الذي تكمن أهمية أعماله
في كونه يعتقد أن الثقافة نسق متماسك (Coherent)، وأنها تملك منطقًا خاصًّا، كما تملك استقلالية تميزها. في موضوع التمييز بين المجتمعات، كما دأبت على ذلك الأدبيات الإمبريالية، يرى ليفي ستروس عكس
ذلك، فبالنسبة إليه لا توجد مجتمعات ليست لديها حدود وقواعد قرابة مسموحة وأخرى غير مسموحة، في ما
يتعلق بالزواج، مهما تَدنّت مستويات العلم والاقتصاد والتقنية فيها أو تواضعت؛ ومن ثمَّ، نتحصّل على عنصر
أولّي يمكّننا من تصنيف المجتمعات الإنسانية. لكن الدراسات تواجه عراقيل، من أهمها البُعد؛ فهذا العُنصْر
لا يقتصر على بُعْد جغرافي، بين الدارس والمدروس، وإنما يتعداه إلى أبعاد ثقافية وفكرية وأخلاقية صارخة
بين الدارس الأنثربولوجي والمجتمع الغريب (Exotic) موضوع الدراسة. وإذ نذْكُر الأخلاق والثقافة يحضر
«الدِّين» بمعنى (Religion)، فندخل بذلك إلى عوالم (Realms) شديدة الحساسية، وموغلة في الدقة والتعقيد.
فمعنى الدِّين ينتقل من مجال تداولي إلى آخر، ويختلف من ذاك المجال إلى آخر. ونحتاج إلى دراسات أكثر عمقًا
للدِّين وفلسفته في المجال التداولي العربي الإسلامي، بعيدًا عن مجالات الكلام التي أغرقت في التجريد، ونَحتَت
من ذلك عقائد لا تزال كلّها، أو أغلبها على الأقل، قائمة إلى اليوم. لكن الأنثربولوجيا بدأت تستعيد «حقوقها»،
إن صح تعبير ليفي ستروس، وتستعيد كذلك حياتها في العقود الأخيرة من خلال تطبيقات وتقنيات لم تتأثر بما
حدث من ثورات اقتصادية وتاريخية، بالنظر إلى عمق الفكر الإنساني المرتبط بحياة الإنسان، وهو ما جعل هذه
المقاومة قوية على رغم تعاقب تلك الاضطرابات التاريخية. فالتجمع البشري مقاوم لأيّ بنية تدميرية، وكلما
قويت مناعته وبناه الفكرية والاجتماعية صعب على غزو من أي نوع أن ينال من تلك البنية المتماسكة. ونشير
في هذا الصدد إلى أن التراث الشفوي أكثر من نظيره المكتوب مقاومةً، إذ لا يحتاج إلى أكثر من النسخ الروائي،
ونقله إلى آخرين، في حين أن أثر نظيره المكتوب يضيع إن تعرض للإتلاف، وفي هذا السياق، نجد أن المجتمعات
التي تحيا بهذا التراث بطريقة شفوية متناقلة أكثر صمودًا، مع أننا لا نعتبر هذا الرأي مطلقًا أو صحيحًا دائامً.
وفي مجتمعات لم تألف أخذ المعلومة من المصدر العلمي الصحيح، ولم تألف القراءة، أو لم تجعل العلم ثقافة،
ومنها مجتمعات جنوب المتوسط التي لا ترقى فيها نسب القراءة والنشر والترجمة إلى المستوى اللائق، حري
بنا أن نتحدث عن منافسة لبقية المجتمعات التي تتشارك في الفعل الحضاري المعاصر. تغلب الرواية وتهيمن
المرويات، ويُعطى النصيب الأكبر للسند على حساب المتن، وإن تعارض مع روح النصوص المؤسسة. كل
ذلك أورث ثقافة لا تتماشى مع المناهج الحديثة، وخلق ازدواجية بين الثقافة المتوارثة التي أ لبست لبوسًا دينيًا
مقدّسًا، ووجد من يشجع هذا المنحى، وخصوصًا من السلطات السياسية التي جهدت بدورها لحماية التخلف
ومؤسّساته وجعْله بعيدًا آمنًا من التنوير. وقد لا تسمح لنا الأنثربولوجيا بأن نصل إلى هدفنا في تحديد الفواصل بين الدِّين والثقافة؛ فالأنثربولوجيا،
من حيث هي نموذج تفسيري، قد تكون قاصرة عن التعمق من أجل التركيب، وإن يكن لها دور مهم في
التحليل والتفكيك، وتتبّع المعطيات التي تجمعها السوسيولوجيا. ولنا أن نتساءل، في هذا السياق، عن الدور
3 Jean-François Dortier, Les Sciences humaines: Panorama des connaissances (Auxerre: Ed. Sciences humaines, 1997), pp. 28-29.
4 يمكن مراجعة أعمال إدوارد سعيد، وخصوصًا كتابه الثقافة والإمبريالية)Culture and Imperialism(
5 Lévi-Strauss, p. 26.
6 المصدر نفسه، ص.33
خريف 2012
الحقيقي الذي يمكن أن تضطلع به الأنثربولوجيا لمساعدتنا على تفهّم سليم لعناصر الثقافة والشعائر والعبادات
والقيم، التي تُعَدّ حجر الزاوية لتماسك المجتمعات في جميع أصقاع الأرض. ونستقي جوابًا من أحد أعلام
هذا المجال (ليفي ستروس) حين يجعل طموح الأنثربولوجيا على ضربين: الأول هو «بلوغ إلى الموضوعية»
(Objectivité)، والثاني هو «الك» (ُلِّية Totalité). وباستحضارنا المجالَ الأنثربولوجي، لأهميته في تفكيك الصورة، التي تتمازج فيها الثقافة والدِّين على اعتبار
كونهما صعبَيْ الفصل، نجد كلما تعمقنا في الأول أصولا من الآخر. ويمكن أن يكون الاثنان مثل عنصر جاذب
(Centripetal)، وهو هنا الدِّين، وعنصر طارد (Centrifugal)، وهو هنا الثقافة؛ فالدِّين بنصوصه كافة، وخصوصًا المؤسِّسة والخارجة عن دائرة الرواية المعروفة، مثل الحديث عند المسلمين، أو الرسائل البولسية
عند النصارى، يمكن أن يؤدي الدور الأول، فيما يمكن أن تقوم الثقافة بعبء الآخر. ولهذا قد نجد كثيرًا من
المصادمات التي لا أساس لها في النصوص المؤسِّسة، كما أشرنا، بين الثقافات، ومن ذلك موضوع «الصلب»
ومعانيه ومغازيه عند النصارى، وموضوع «الحجاب» كما يُعرَف عند عوام العرب والعجم. ويسبب غياب
الحوار والتواصل عمى بالغًا عن تفهم الآخرين ممّن يختلفون في الرأي والمعتقد؛ فالقرآن الكريم حين يتحدث
عن تحريف الكلِم عن مواضعه، أو عن تحريف الكتاب، يضعنا أمام نتيجة جاهزة، لكن ينبغي عدم التسليم
بغير إعمالها وعكس المسار ليبدأ من التجربة والبحث عن هذا التحريف، إن وُج د. فإذا كان الكتابان المقدسان
كلمتي الله، فلا يعقَل أن تتُرك كلمته فريسة للضياع. وعليه، يقتضي التركيب من جهة فصلا بين الثقافة والبنية
الحضارية، ومن جهة أخرى فصلا بين الدين والنص المؤسّس والمحرر من الشوائب الثقافية التي بتراكمها
تحولت هي نفسها إلى دين، واكتست مرتبة الشعائر، وكُت ب على من خالفها ولم يرَسِ في فلكها أن يقتًّل أو يُصَلَِّب
أو تقطّع أطرافه، أو يُنْفى من الأرض، في أحسن الأحوال.
الثقافة والدِّين: إشكالية الفصل وطغيان الوصل
الثقافة الثقافة أسلوب حياة، هي تلك الطرق التي يمارس المجتمع من خلالها طقوسه الاجتماعية اليومية، وتتضمن آدابَ المأكل والمشرب والملبس، فيكون أسلوب العشاء الجماعي عند الصينيين واستخدامهم العيدان في مقابل
أسلوب الأكل الفردي واستخدام أدوات الطعام في شمال أميركا هو أحد الأمثلة للتنوع الثقافي. إضافة إلى ذلك، يرى نورثروب فراي أن الثقافة إرث مشترك من الذكريات والعادات التاريخية المنقولة بشكل رئيس عبر اللغة المشتركة. وفي هذا يمكن أن نلاحظ أن هناك نوعين من «القصص» التي تتداولها المجتمعات: قصص
جدية «من المُلِح جدًا أن تعرفها الجماعة »، مثل أسطورة البطل، وقصص غير جدية، تصبح حكاية شعبية.
7 المصدر نفسه، ص.35
8 Northrop Frye, The Cultural Development of Canada: An Address Delivered to the Social Sciences and Humanities Research Council of Canada and Associated Scholars at Hart House, University of Toronto, October 17, 1990 ([Toronto, Ont.: Massey College, 1990]), p. 2. 9 Northrop Frye, Myth and Metaphor: Selected Essays, 1974-1988, Edited by Robert D. Denham (Charlottesville: University Press of Virginia, 1990), p. 5.
في الفصل بين الدِّين والثقافة: مدخل إلى تنظيم التنوع الثقافي
أما القصص الأكثر جدية «فتصبح ملْكًا ثقافيًا لمجتمع مع؛ إنها تُكوِّن نواةَ موروثٍ مشترَك ». والثقافة،
أيضًا، هي التعبيرات الخلاّقة التي تتجسد في المجتمع في هندسة البناء والموسيقى والعلوم والمؤسسات التعليمية والفنون التطبيقية. بناءً على هذه القاعدة الثلاثية الأركان، نرى الأنثربولوجيا تطل عبر كل مكان منها، وتلامس ما مهّدنا له في
هذا المقال، وتتكامل معه. وعليه، نجد أنفسنا منقادين إلى إشكالية تتداخل ولا تكاد تنفصل عن الثقافة ذات التعريفات المتعددة، وهي قضية الدِّين، الذي له في المجال التداولي الغربي تعريف أو تعريفات، وكذلك في
المجال التداولي العربي. الدِّين أسفرت قرابة مئة سنة من الدراسات عن استمرار عدم التوافق على إعطاء تعريف جديد، أو إمداد الساحة بحد
جامع مانع. لكن يمكن أن نلاحظ أن هناك تياريْن كبيريْن عامنّيْ يتنازعان هذه الساحة. يقول أولهما بوحدة
الظاهرة الدينية؛ ذلك أن الوحدة الدينية تشي بنوع من الانسجام تاريخيًا وثقافيًا، من ناحية العمق ووحدة
الجوهر. ويدخل تحت هذا العنوان ما دافع عنه عدد من الدارسين والبحّاثة والمتخصصين، نحو رُدولف أوتو
(R. Otto) (1937-1869)، وغيراردوس فان دير لييويْف (G. van der Leeuw) (1950-1890)،
وميرسيا إلياد (M. Eliade) (1986-1907)، وجوليان رييس (J. Riès) (وُل 1920)، وغيرهم. ويوضع دِ
البحث في هذا المجال بمصطلح «الهومو ريليغيوسوس» (homo religiosus) أي «الرجل المتدين». وتتجلى
وحدة الظاهرة الدينية في المعتقدات، والإيمان بعامل غير مرئي ومُتعال (الغيب، بالمصطلح القرآني)، مليء بالآلهة
والملائكة والأرواح التي يتطلع إليها المؤمنون، ويتقربون منها، وبها يتشفعون ويتَزلَّفون ويمارسون شعائرهم،
وما إلى ذلك. ويقول ثانيهما - مناقضًا سابقه – بالتشكيك في مصطلح Religion نفسه، من ناحية كونه مصطلحًا صناعيًا،
مفهومًا وصياغة. وحجة هذا التيار أن التيار الذي سبقه إنما يحاول أن يجمع تيارات وظواهر دينية في حقيقة
واحدة بشكل قسري، فهو مع اعترافه بوجود دين، يرى في الوقت نفسه أن هناك ديانات، وأن لكل منها نظامه
الخاص، فضلا عن أن لكل منها شرائع ومناهج. ويقود هذا التيارَ دانييل دوبيوسون الذي يذكر أن مفهوم
Religion مفهوم حديث في الفكر الغربي؛ فمفهوم الدِّين على هذا المستوى يحتوي على فضاء أو مجال معزول
بالمعتقَد والشعائر عن بقية الميادين أو المجالات الدنيوية والمجتمعية. والحقيقة أن قضية الانعزال/الفصل بين الفضاءيْن تكاد تكون وهمية، فعبادة الأوثان توجد في الرياضة، من خلال تحية العلم على نغمات النشيد الوطني
والوقوف في أثناء ذلك. وقل الشيءَ نفسَه عن السينما عند تسليم جوائز الأوسكار، وعن الطقوس الأولمبية،
وحفلات الموسيقى الكلاسيكية، حيث إن الجوقة ترتدي لباسًا أسود موحَّدًا، وتمتثل لقائدها وتنضبط لنوتاته
المعمَّمة عليها حتى يتم حفظ الانسجام والتناغم، فضلا عن الخشوع المتعالي (Transcendent) عند الأداء.
إذن، ومن هذا المنطلَق، ليس الدِّين، من جهة كونه ظاهرةً، معزولا عن بقية الفضاءات والمجالات الاجتماعية،
10 المصدر نفسه.
11 Jean-François Dortier, «Dieu et les sciences humaines,» dans: La Religion: Unité et diversité, coordonné par Laurent Testot et Jean-François Dortier (Auxerre: Sciences humaines éd., 2005), p. 8. 12 المصدر نفسه، ص 8، و les dieux dans la L’Occident et la religion: Mythes, science et idéologie, Daniel Dubuisson,
cité (Bruxelles; [Paris]: Éd. Complexe, 1998).
خريف 2012
وهو ما يتماشى مع الطرح الثاني الذي عرضناه، منذ هنيهة. ويمكننا أن ندلل على ذلك بالمجال السياسي؛ فكل
بلد يُلزِم حاكمَه عند تنصيبه بطقوس أداء اليمين الدستورية، في حضور القضاة أو رجال الدين، حسب تقاليد
البلد وتاريخه وثقافته في هذا المجال. بل إن هناك من يقول بوجود «الدين العلماني» (Secular Religion) كما
هي الحال في البلدان الشيوعية السابقة، والفاشية. ونضيف إلى ذلك تقديس الموتى وتعظيمهم ببناء مَبان مثل
«بانثيون» في باريس، حيث دفن عظماء فرنسا من مختلف المجالات. إلا أن السؤال الذي لا يزال مطروحًا هو: «هل الدِّين هو من نسيج الإنسان وعبقريته (sui genius) أم هو
مفهوم صناعي؟». الحقيقة هي أنه لم حيُْسَم في الأمر، غربيًا على الأقل، أما الشرق الإسلامي، فالقضية عنده
لا تزال من المحرم الخوض فيها بجرأة أكبر وأعمق مما طرحه الغرب وعلماؤه. ولا نعتقد أن الغربيين اختاروا
أن يكونوا كافرين بالتعبير الإسلامي للمسلمين العامة؛ وإنما سياق الأحداث وما اتصل إليهم من مقدمات
العلم وفلسفاته بمختلف مشاربها، جعلا كثيرًا من النقاشات بعيدة عن واقع المشرق الإسلامي الذي جمد على
مقولات سياسية تحولت عقائدَ ومذاهبَ وطوائفَ. فيُحسن، إذًا، أن يُشَق لحرية التعبير سبيل، لا لبلوغ ما بلغه
غيرنا، ولا لتقليد نتائج أتى بها سياق مغاير، وتقاليد مختلفة، وإنما ليقظة جديدة، واستئناف النهضة المتوقفة
منذ خمسينيات القرن العشرين، بعد قرن من طرح الأسئلة وطرق مواضيع لا يجرؤ كثير من المفكرين والمثقفين
على طرحها، مع أنها طُرحت في كتابات أزهرية، ومجلات وكتب منذ البدايات الأولى للقرن الماضي. فحرية
التعبير مفتاح من مفاتيح النهضة وإحداث الثورة الثقافية التي نراهن عليها قبل المراهنة على أي تغييرات على
مستوى قمم الهرم، في أي بلد ولأي نظام من الأنظمة. وإذا أردنا تلخيص مفهوم الدِّين ومعناه من كل هذه العقود التي حاولت مقاربته، سنجد أنه نظام ونسق من
المعتقدات التي يؤمن بها شخص ما أو تجّمع بشري ما أو أُمَّة ما، مع ما في ذلك من تاريخ وأساطير وأمثال
وغيبيات وأنساق أخلاقية وكونية، ومحرمات وجوائز وقيم وطقوس وصلوات وقرابين وخطوط حمر لا
تقارَب، أكان في التفكير أم في الإدراك، وغيرها من الممارسات والاحتفالات والأعياد، وما يصاحب ذلك
من طقوس ويواكبه. لكن لا تخطئ عين تربط عناصر (قلَّت أو كثرت) بين جميع الأديان من شتى الأصقاع،
وعبر الحقب التاريخية كافة، وهو ما يغفل عنه كثير من الناس دون المتخصصين في مقارنة الأديان. وتبقى مثل
هذه التخصصات في البلاد المتوسطية الجنوبية فقيرة جدًا، إن وُج دَت. فهذه التشابهات ينبغي أالّ تكون موضع
تهميش أو إغفال. ويمكن أن نمثّل بأحاديث “ عذاب القبر» التفصيلية التي تقترب أو تبتعد جزئيًا أو كليًا ب
كتاب الموتىعند قدماء المصريين. منذ القرن الماضي، أقر إدوارد ب. تايلور (E. B. Tylor) (1917-1832) بتتابع مراحل الظاهرة
الدينية، وانتقالها من المرحلة «الإحيائية» (Animism) إلى «الطوطمية» (Totemism Idolatry)،
ف«الِّْك أو تعدد الآلهة (» Polytheism) ثم «التوحيد» (Monotheism). ولا تكاد هذه الرؤية تنفك عن
النظرية التطورية (Evolutionism)، إال أنها باتت اليوم متجاوزَة، بل إن المفارقة هي كون ديانات الأفارقة
تكاد جتُ مِع على توحيد الإله، في حين يتساءل كثيرون ع إذا كانت المسيحية في نسختها البولسية اليوم ديانة
توحيدية بالفعل. ويبقى التساؤل عن سبب وجود الأديان مشروعًا، وإلى اليوم، ما دمنا لم نجد من خلال ما ط رِح حساْمً لقضايا
13 انظر العروة الوثقى، ومجلةالمنار لرشيد رضا وغيرها من المجلات التي كانت تصدر آنذاك.
في الفصل بين الدِّين والثقافة: مدخل إلى تنظيم التنوع الثقافي
متعلقة بالأمر كله، تجعل البحث غير مكتمل، ولا السؤال عنه ب دْعة إن نحن أردنا تأسيسًا عقلانيًا لمسار جديدِ
يتساوق والنصوص الحقيقية المؤسِّسة والممحَّصة علميًا وشرعيًا. في هذا السياق، ومنذ بداية الستينيات، يقترح
عاملِ الأنثربولوجيا إدوارد إ. إيفانس- بريتشارد (E. E. Evans-Pritchard) (1973-1902) أن تصنَّف
نظريات الظاهرة الدينية في صنفين: النظريات النفسانية والنظريات الاجتماعية/ السوسيولوجية.
النظريات النفسانية
تنقسم هذه النظريات بدورها إلى قسمين كبيريْن هما: النظريات العاطفية (Affective Theories) التي ترى انطلاقتها من العاطفة الإنسانية، على أساس حاجة الإنسان إلى الدين وإلى أن يعتقد بشيء متعال. إن الحاجة إلى الدِّين تنبع من معاناة الإنسان، وحاجاته إلى تفسير ما لا يدخل في دائرة معرفته. بل يصل الأمر إلى اعتباره أفيونًا لتخدير الناس. أما فرويد (-1856 1939)، فقد دافع عن فكرة مفادها أن الدِّين يأتي من الشعور بعقدة الذنب. النظريات التعقلية (Intellectualist Theorie) التي تذهب إلى كون الدِّين يُفَّ بتكوين خاص للعقل.
فيرى تايلور، مثلا، أن الإحيائية هي إسقاط أرواح على المخلوقات الطبيعية؛ ذلك أن الإنسان القديم إنما يُسْقِط
أرواحًا عليها لمحاولته تفسير الظواهر، وتجنّب الخوف، وإحداث التوازن النفسي بين الذات والموضوع. وفي
مواجهة الطبيعة، يختلط الشعور الديني بالانبهار والخوف، وبالعواطف الدينية الجياشة، كما يرى ذلك عدد من الباحثين الألمان من أمثال ماكس موللر (M. Müller) وغيره. النظريات الاجتماعية/السوسيولوجية بالنسبة إلى المفكرين الاجتماعيين، من أمثال ألكِْسيس دي توكفيل (A. de Tocqueville -(1805)
1859)، يُعتربَ الدِّين ناظامً (بمعنى Ciment) يتماسك به النسيج الاجتماعي؛ فالدِّين مدد أخلاقي يشد المجتمع
ويربط أواصره. ولاحظ هذا الفيلسوف أهمية الدِّين في تشكيل الوحدة الوطنية للولايات المتحدة الأميركية.
إذن، يصبح الدِّين قالبًا يدفع إلى التقديس الجماعي، ويكون مصدر إلهام جماعي، مثل الحالة الأميركية، كما ذ. كرْنا
ويبقى السؤال المطروح هو وفق أي آلية يعمل الربط بين الدِّين والمجتمع؟ وهل يكفي المثال الجماعي لخلق رباط جمعي ومنسجم في مجتمع معنيّ؟ قد لا يكفي الحديث عن الطقوس والشعائر، أو تنظيم دار العبادة للجماعة
المؤمنة، كنيسة أو مسجدًا، وعلاقة الدِّين بالمجتمع وعقائده، لكن كلما سبرنا أغوار الآليات الدقيقة التي تعمل بها الأديان في العالم، نجد أن الحقل لا يزال شبه فقير على مستوى الدراسات التي تضطلع بهذا الأمر في العالم الإسلامي بوجه خاص.
14 المصدر نفسه، ص.12
15 14 Dortier, «Dieu et les sciences humaines,» p. 12. 16 Karl Marx et F. Engels, « Sur la religion,» cité dans: Danièle Hervieu-Léger et Jean-Paul Willaime, Sociologies et religion: Approches classiques, sociologie d›aujourd›hui (Paris: Presses universitaires de France, 2001). 17 Dortier, Ibid., p. 12.
18 ألكسيس دي توكفيل، الديمقراطية في أمريكا، ص.13
خريف 2012
المدخل التركيبي، نظرية إسلامية المعرفة
كما أشرنا أعلاه، آخذ عدد من المفكرين والمصلحين نظراءهم الذين نسجوا على منوال الغرب في نقده للبُعد
الدِّيني، فوظفوا الآلية التفكيكية لتحليل الظواهر الاجتماعية، ومحاولة إيجاد علاج للأزمة التي يتخبط فيها
الحوض المتوسطي، الجنوبي منه بخاصة. وعليه، يمكن أن نمثّل طه عبد الرحمن (وُل 1944) في نقده لمحمد دِ
عابد الجابري (2010-1935)، ويمكن أيضًا أن ندرج محمد أبا القاسم حاج حمد (2004-1942) في الإطار
نفسه. لكننا سنركز على الأخير باعتباره لم يحظ بتعريف وافٍ، أو لكون أفكاره تعرضت لابتسار أو سوء تأويل،
عن قصد أو غير قصد. تتمحور الفكرة الرئيسة لمشروع حاج حمد حول الدعوة إلى «ضرورة فك الارتباط بين الإنجاز العلمي البشري
والإحالات الفلسفية الوضعية بأشكالها المختلفة، وإعادة توظيف هذه العلوم ضمن نظام منهجي ومعرفي ديني
غير وضعي»؛ فهو يرى أن الإشكاليات بلغت درجة كبيرة من التعقيد، ف «اختلاف الشروط المعرفية الضابطة
للإنتاج الفكري وقياساته لم يُعد معها الحل وقفًا على ذكاء العقل الموضوعي أو التأمل الفلسفي العقلاني المبهر،
أو الخطرات العبقرية». بل إننا «نجد، حتى المنطق الوضعي العقلاني قد تم تجاوزه باتجاه منطق وضعي علمي
يقوم على التحليل النقدي والأخذ بمنطق النسبية الاحتمالية وفي إطار الصيرورة الجدلية». إذن، وجب أن نبحث عن آليات جدية وغير تقليدية لاستيعاب الموجود منها، وتجاوزها بمنطق جديد ليكون
في إمكاننا تجاوز المأزق الحضاري العالمي، والمساهمة في الإجابة عن الإشكاليات المطروحة على الحضارة العالمية،
ومنها قضية التنوع الحضاري والثقافي. فالعالم اليوم يقوم على فلسفة صراعية تتصادم مع القيم الكونية القائمة
على العدل والإصلاح. والإنسانية اليوم في أمس الحاجة إلى قيم أخلاقية تعيد بها القراءة الكونية، بواسطة
خطاب عالمي، هو بالنسبة إلى حاج حمد، القرآن، لموضوعات كونية، على اعتبار التشابك العولمي اليوم بواسطة
إنسان فاعل ومتفاعل. وعليه، يبدو أن القرآن - من هذا المنطلق - هو من يملك عالمية الخطاب الجامعة، وكونية
المنهج، وأن «إنسان القرآن» لا «المسلمين» هو من يملك القدرة على التفاعل مع الأنساق الحضارية كلّها، وذلك
لأنه هو من له القدرة على أن يتمثَّل تلك القيم، ويواجه عقلية الصراع بعقلية «التعارف» و«التعاون على الب رِ
والتقوى» وغيرها. فهذه العبارات أو المفردات القرآنية ليست مفردات جوفاء مثلما جعل منها الخطاب الديني
اللاهوتي، بل هي مفردات ذات حمولات حضارية عالمية عالية القيمة. ومن ثَمّ، لا عجب أنها لا تفعل شيئًا في
واقع الجنوب المتوسطي، إذ الملاحَظ أنه بالقدر الذي يتحدث عنها المسلمون، مثلا، يزدادون بُعْدًا وتخلفًا عنها.
والحديث عن إنسان القرآن يبقى حديثًا نظريًا في غياب فعل أو وجود، وسيكون مثل الحديث عن عودة المسيح،
أو عودة المهدي الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن مُلِئَت جوْرًا. والحقيقة أننا نعرض مقدمات لاجتهادات مفكر من وزن حاج حمد، في إشارة إلى وجود مثل هذه الدعوات من
صفوف المسلمين المعاصرين، وبجذور قرآنية منحوتة من تفاعل مع كونية الخطاب، أو ما يعربّ عنه هو نفسُه
19 محمد أبو القاسم حاج حمد، العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة (بيروت: دار ابن حزم، 1996)، مج 1،
ص.75
20 المصدر نفسه، ص.76
21 إنها فعلا أسئلة لا يطرحها العامة، ولكن العلماء المفرتَضين يمكن أن يطرحوها، والمأزق هو إن هم وجدوا جوابًا قرآنيًا واضحًا كيف
سيبلغونه لمؤيديهم؟ وإن لم يجدوه فسيبقون على الحال ذاتها، وهي في مصلحتهم، لأن الانقلاب مثل سحرَة فرعون ليس بهذه السهولة
المتصوَّرة. لذا، فإطالة عمْر هذه العقائد هي شراء بآيات الله ثمنًا قليلا، وتحريف للكلم عن مواضعه بالتأويل المفبرَك وغير العلمي، بل
نجد توظيفًا للعقل لضرب العقل نفسه، فيكون المرء مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.
في الفصل بين الدِّين والثقافة: مدخل إلى تنظيم التنوع الثقافي
بمنطق «التصديق»، الذي يعني نوعًا من الاسترجاع التحليلي النقدي؛ ومنطق «الهيمنة» الذي يعني نوعًا من
إعادة القراءة. وهو ينطلق من النص المؤسِّس: ﴿وأَنزَلْنَآ إلَِيْكَ الْكِتَابَ بِاحلَْقِّمُصَدِّقًا ا بنَيَْ يدَيْهمِنَ الْكِتَابِ
وَمُهَيْمِنًا علَيْهِفَاحْكُم بَيْنَهُم بامَِ أَنزلَ اهللَّ ولاَ تتَّبعْ أَِهْوَآءَهُمْ عَّ جَآءكَ مِنَ احلَْقِّ لكُِلٍّ جعَلْنَا مِنكُمْ رشِْعَةً وَمِنْهَاجًا
ولَوْ شَآءَ اهللَّ جلعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ يفِ مَآ آتَاكُم فَاسْتَبقُوا الخَِريَْاتِ إىلَِٰ الله مَرْجِعكُمْ مجَِيعًا فَيُنَبِّئكُم بامَِ
كُنتُمْ فِيهِختَ تَلِفُون ﴾َ. والشاهد هو «مصدِّقًا»، «ومُهيم نًا». وهما مصطلحان منهجيان يوظفهما حاج حمد لكي
يجعل هيمنة القرآن على ما عداه (سواء تعلق الأمر بالكتب السابقة أو تعلق بالواقع الحضاري العالمي المعاصر، وربما حتى المستقبل) ركيزة من ركائز القراءة، في ما يُصطلح عليه بالجمع بين القراءتنيْ، أي «قراءة الكون »
و«قراءة الوحي». وبذلك الجمع نتمكن من التحرر من الاستلاب الحضاري المادي الذي وقعت فيه الحضارة الإنسانية المعاصرة، بدءًا من التطور الصناعي والتقدم العلمي الذي تحقق وتحرر منذ القرن التاسع عشر،
ونتمكن، من جهة ثانية، من التحرر من اللاهوت، أكان خطابًا دينيًا أم نصًّا مؤوَلّا على غير وجهه الصحيح،
سواء سُمِّي هذا اللاهوت إسلامًا بصيغته الثقافية الحالية، أو مسيحية في تمثلاتها الثقافية المحايثة، أو يهودية،
وما شابه ذلك من التمثلات الثقافية للتجربة الدِّينية للإنسان. فنحن إذ ا أمام نظرية لم تتعرض للتجريب، لكونها
لم تَلْقَ قَبولا، لا من المعسكر العلماني ولا من نظيره الدِّيني (اللاهوتي)، على الأقل في العالم الإسلامي. أمّا على
الصعيد الغربي، فإن محمد محمود طه (1985-1909)، الذي أعدمه نظام الرئيس جعفر النميري (-1930
2009)، معروف أكثر بينما لا يزال حاج حمد مجهولا جزئيًا أو كليًا في المحافل الأكاديمية المتخصصة. ويتكامل طه عبد الرحمن وحاج حمد في زاوية النظر إلى ضرورة التركيب بعد الاستفادة من آليات التحليل
والتفكيك؛ فالدِّين، بحسب ما يعرضه الأول، «لا يمكن [اختزاله] في أحوال الإيمان [....] لوجود مبدأين
يمنعان هذا الاختزال: أولهما (مبدأ تعدُّد شُعَب الحياة)؛ وبيانه أن السؤال الذي يجيب عنه الدِّين هو بالذات:
(كيف أحيا؟)؛ فيكون الأصل في الدين هو الحياة الطيبة، غير أن الحياة الطيبة ليست شعبة واحدة، وإنما
شُعَب متعددة؛ وقد نُجمل هذه الشُّعب في ثلاث كبرى، وهي (شعبة الإيمان)، وتدخل فيها كل الاعتقادات؛
ثم (شعبة العلم)، وتدخل فيها كل المعارف؛ ف (شعبة العمل)، وتدخل فيها كل الأفعال؛ ولا حياة طيبة إلا
بتكامل هذه الشُّعَب الثلاث في ما بينها، فالفرد لا يحيا بشعبة واحدة منها، إن إيمانًا وحده أو علامً وحده أو عملا
وحده، ولا بشعبتين منها، إن إيمانًا وعلامً معًا أو إيمانًا وعملا معًا أو علامً وعملا معًا، وإنما يحيا بها جميعًا على قدر
نصيبه من كل شعبة منها؛ وهكذا، فالدِّين أوسع من أن تستوعبه حال الإيمان وحدها. والمبدأ الثاني هو (مبدأ استكمال الشعبة)؛ وتوضيحه أن الأصل في كل شعبة من شُعَب الحياة الطيبة أن تطلب
كماهلَا، ولا حتُ صِّل هذا الكمال إلا بالتداخل مع الشعبتين الأخريين، ذلك أن كل شعبة تكون بها حاجات ولها
تعلُّقات، ولا يمكن أن تُلبي هذه الحاجات وتُرضي هذه التعلقات إلا هذه أو تلك من الشعبتين الأخريين أو
هما معًا؛ فلا بد إذ ا لكل شعبة من أن تظل موصولة بغيرها من شُعَب الحياة؛ وهكذا، فالشعبة الواحدة لا تبلغ
غاياتها وتكتمل حقًّا إلا بباقي الشُّعَب».
22 المصدر نفسه، ص.78
23 القرآن الكريم، «سورة المائدة،» الآية.48
24 في إشارة إلى: المصدر نفسه، «سورة النحل،» الآية.97
25 طه عبد الرحمن، «كيف نفكر في الصلة بين العلم والدين؟،» حراء، العدد 8 (2007)، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.hiramagazine.com/archives/title/164>.
خريف 2012
ليس المقام لتفصيل المقال في فكر الرجلنيْ وفلسفتيهما في الدِّين، وإنما لضرب المثل في قضية الفصل بين الثقافة
المتوارثة، من جهة، ومن جهة أخرى الدِّين الذي يأخذ منحينيْ: الأولتغطيه النصوص المؤسِّسة التي تنحصر
في القرآن الكريم، في الحالة الإسلامية، ونص التوراة في الحالة اليهودية، ونصوص الإنجيل، في الحالة المسيحية.
والثانيهو انحراف عن الأول، إن لم يكن يعاكسه ويقوضه، وتغطيه النصوص الناقضة لغزل النص المؤسّس،
إن لم نَقُل تُغْرِقُه، ومنها الحديث المدوَّن في الحالة الإسلامية، والتلمود عند اليهود، ورسائل بولس في الحالة
المسيحية. ومعنى ذلك، بالنسبة إلينا على الأقل، أن الديانات التوحيدية التقليدية استنفدت أغراضها التاريخية،
ولم تَعُد كافيةً لصوغ نظرية كونية للدِّين. ونحن هنا نحيل إلى أن الديانة هي التجيلّ الثقافي للدِّين، ومن ثَمَّ،
الدين مطلق، موحى به عبر كتاب سماوي، فيما الديانة نسبية وبشرية، تجسد فهم الإنسان للدين، بكل محدوديته
ونسبيته، وضعفه الإنساني أيضًا. وما نلاحظه اليوم هو استمرار تمركز كل ديانةٍ حوْل ذاتها، معتبرة نفسها دينًا
مطلقًا. وينتج من هذا التمركز عرُسْ في بلوغ سِلْم يدخل العاملَون كافة. ﴿يٰأَ ا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخلُواْ يفِ السِّلْمِ كَآفَّة
ولاَ تتَّبعُواْ خُطُِوَاتِ الشَّيْطَانِإنَّهُ لَِكُمْ عَدُوٌّ مُّبينِ﴾ٌ. وأمام هذا الوضع المتعذر، والمتأخر جدًا، وجب العمل
على مراجعة نقدية تتخذ مساريْن؛ مسار داخلي يتضمن نقْدَ كلِّ ديانة على حدة، ومسار خارجي يتضمن نقْد
الدّيانات الأخرى نقْدًا أمميًا تشاركيًا، لكون البلوى عمَّت البلاد كافة. ولا يخلو الأمر من ضرورة أخلاقية
مُلِحَّة، حتى يستقيم سبيل الحضارة الإنسانية اليوم، ذلك أن تعَقُّدَ الإشكالياتِ اليوم يجعل من عالميةِ الحلولِ
بداهةً وعمليةَ التحقُّق. إذًا، لا يمكن أن نتحدث عن نقلة «طبية» من دون ممارسة جراحة فكرية ونقد فكري وديني مؤلم، لاستئصال
شأفة «أدلجة التاريخ»، بمعنى Ideologisation of History، أي اتخاذ التاريخ عقيدة. فالمذاهب الدينية اليوم
نشأت من طريق السياسة في أغلب الحالات، وبقيت الممارسات الطقسية لإضفاء نوع من الشرعية على تلك
الأفكار السياسية، وتنمية المصالح حولها، سواء كان ذلك عن قصد مبيَّت أم بشكل تلقائي. لكن، مع هذا
التعدد الدِّيني والتنوع العرقي واللغوي، نحتاج أكثر إلى عملية طموح تتجلى في إتاحة فرصة لتحييد عناصر
الصراع، و«تنظيم التنوع»، بمعْنى Organisation of Diversity، فننتقل بذلك من ثقافة متنوعة واقعًا وغير
مفعَّلة، وطاقة مُهْدَرة لا تخدم إلا عناصر التفتت والتشرذم، على اعتبار تعطيلها؛ فبدلا من تجسيد أمثلة للتعاون،
والاندماج الطوعي، يتم استغلالها في المزيد من التباعد والتنافر. وقد يبدو أن ما نقوله يتكرر، وليس فيه أي
جديد؛ وفي هذا ما فيه من الصحة، لكن التاريخ يتكرر في الجنوب المتوسطي، بإغلاق باب الحرية، وصعوبة
التعاطي مع المستجدات، والسبق إلى الدماء، وسد الذرائع، وسد منافذ الاجتهاد، والإبداع في المنع، واختلاق
كل وسيلة وسبب لمنع استشراف آفاق جديدة، والالتفات إلى الماضي. من «الثقافة المتنوعة» إلى «تنظيم التنوع» وجب الاعتراف بكون مقالنا هذا لم يستوف كل الممكن منها، وإنما درجنا على ذ كْر بعض المداخل التي ينبغي
الانتباه إليها مستقبلَا في دراساتنا وتحليلاتنا. إلا أن المطلوب في جميع الحالات، بعد التحليل والتفكيك، هو
الوصول إلى التركيب؛ فكثيرًا ما يؤخَذ في السجالات الحاصلة بين الفاعلين الثقافيين والفلاسفة المحْدَثين
والمعارصِين منذ الاجتياح الفرنسي لمصر والشام (1801-1798 ية كونها)، في قضايا التعامل مع التراث واله وِ
لم تخرج ذلك عن القصور عن التركيب رغم التحليلات والتفكيكات التي أنجزتها جهود عدد من المصلحين
والفلاسفة والسياسيين وغيرهم. وربما يبقى هذا تحديًا حاصلا بالنسبة إلى أمة جنوب المتوسط، إذ إنها لا تزال
26 القرآن الكريم، «سورة البقرة،» الآية.208
في الفصل بين الدِّين والثقافة: مدخل إلى تنظيم التنوع الثقافي
تبحث عن مكان بين الأمم. إلا أن هذا المكان الذي عليها شغله لن يتأتى في ظل صراع محتدم بين فريقين كبيريْن
لا يعترف عمليًا أحدهما بالآخر، ولا يسمح أحدهما للآخر بالحق في الوجود، والمشاركة في صنع القرار الثقافي
والسياسي. وبلغ الأمر حد حمل السلاح في وجه أبناء الوطن الواحد. وما يتحدث عنه الصحافيون من كون ما
يعتمل على الساحة العربية ثورةً أو انتفاضةً أو ربيعًا، ليس صحيحًا. وسبب تشكيكنا في هذه المصطلحات هو
أن الانتخابات السياسية لم تسفر عن تقدم، بقدر ما أبانت عن تخلّف خطر يمكن أن يُعيد البلادَ «الثائرةَ» إلى
دول ماضوية لاهوتية أو ثيوقراطية. لكن، ينبغي أال يُفْهَم من ذلك أننا نترحم على أنظمة ديكتاتورية دموية، بأي شكل من الأشكال، كلا، إنما
لنبنيّ أن التغيير المطلوب لم يصل بعدُ إلى مداه مادامت الثقافة لم تتغير، ولم ترُتَْجَم تلك الانتفاضة المشروعة
خطابًا مفتوحًا على الفنون والحرية بشتى أنواعها، وما بقيت ممارسات الأنظمة التي من أجلها ذهب كل أولئك
الضحايا. بل إن الغريب في تلك الانتفاضات هو كونها حدثت بغير مظلة فكرية؛ فباستثناء شعارات عامة
يرددها الجمهور لا نكاد نعثر على مجالات فكرية تقطع مع ممارسات الماضي، سواء في المحاكمات، أو في اعتماد
العدالة الانتقالية التي تعتمد على العفو عند المقدرة، لكن من دون العودة إلى الممارسات الديكتاتورية البائدة،
هذا فضلا عن التغنّي بحمل السلاح، أكان برعاية الجيش أم بأسلحة متفرقة موزعة بين الأهالي. إن الطريق لا يزال طويلا لكي نستخلص الدِّين من الثقافة، فثقل التاريخ، والتقاليد المرعية والمدعومة من
الجمهور، واستغلال الدِّين لأغراض سياسية، وتديين السياسية، كلها عوامل لن تعرف منطقة جنوب المتوسط
شفاء منها من دون إصلاح التعليم وإشاعة ثقافة المعرفة، واعتماد العلم ثقافةً. وإذا لم تكن الروح النقدية وحرية
التعبير عمودي «هرقل» لنظام تعليمي جديد وثقافة ديمقراطية حداثية، لا على النمط الغربي بالضرورة، فلن
يتمكن جنوب المتوسط من صناعة إنسان معاصر ومنفتح على العالم. وفي ظل المعطيات الحالية، ومنها غياب
الدراسات الاجتماعية والنفسية وغيرها، عن إنتاجات البحث العلمي كلّها، لا يمكن لجنوب المتوسط الخروج
عن سيناريوهات ثلاثة: التنوع، بمنطق التعدد الذي يوحي بالصراع، واتخاذ التاريخ عقيدةً، ومن الأمثلة التي نشاهدها التقتيل على
الهوية الدينية والطائفية في العراق، وإنتاج دول فاشلة يملك فيها المسؤولون ميليشيات مُسل حة، فضلا عن
التدخل الأجنبي، أكان إقليميًا أم دوليًا. الصراع المفتوح، وهو محاولة الظَّفَر بالمخالف واغتنام الفرص لتحجيمه، والاحتراب المتواصل بين مكونات
البيت الداخلي، والاستقواء بالخارج لكسب بعض ما فضل من الداخل، فضلا عن الصدام العرقي والقَبلَي.
وهناك دول كثيرة تترنح تحت هذا الخيار بفعل العجز عن احتواء الاختلاف، وعدم القدرة على الاعتراف
بكونه طبيعيًا. التماثل، وهذا لن يتحقق بغير تخيلّ طرف عن خصوصياته، أو إفناء طرف طرفًا آخر. ولذا، فللمرور إلى هذا
السيناريو لابد من ممارسة السيناريوين السابقين. وخلاصة الأمر تتمثل في ضرورة البحث عن تنظيم التنوع. ونحن هنا نشدد على التنوع، بدل التعدد، لكوننا
نريد أن نصل إلى تنوع تتم فيه عملية تحييد لعناصر الصراع التي يمكن أن يثيرها التعدد. إن «تنظيم التنوع»
يحتاج إلى دراسات معمَّقة في مكونات المجتمع، ومحاولة إيجاد تلك العناصر التي تساعد على تثبيت الاستقرار،
ورعاية الحقوق والمصالح وحفظ الكرامات بين القوى الاجتماعية كافة. ليس هذا بالأمر الهين لكون التقاليد
خريف 2012
التاريخية محدودة جدًا في هذا الصدد، فالثقافة الدينية وأدبياتها لا تنفصل عراها عن ثقافة موروثة، وليست
قائمة على نصوص مؤسسة. فإذا كان النص المؤسِّس يقول ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِقَدْ تَّبَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي ﴾ّ.
فإن النصوص الدخيلة تقول: «عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صىلّ الله عليه وسلّم قال: «أُمِرْتُ أَنْ
أُقاتلَِ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُواْ أَن لاّ إلِهَ إلاِّ اللهُوأنَّ حمُمَّدًا رَسُولُ اللهوَيُقيمُواْ الصَلّاةَ وَيؤْتواْ الزَّكاةَ فَإذا فعَلُِواْ ذَلكَِ
عصَمُواْ مِنّي دِماءَهُمْ وأَمْواهلَ مْ إلاَِّ بحَقِّ الإِسلْامِ وَحِساهبُمْ عىلَ اللهتَعاىلَ».(متفَقٌ عليْه). بناء على ذلك، فإمّا أن
نعترف بكون الدِّين إرهابًا وإمّا أن هذا النص تاريخي ولا يتجاوز اللحظة التي قيل فيها، بمعنى أنه مظروف
بسياق تاريخي وظروف معيّنة لا تتجاوزه.
إن هذه أمثلة بسيطة وجب الارتكاز عليها لإحلال اليقظة وإعادة الاعتبار إلى إيمان الفرد والوصول إلى نقد المنظومة برمّتها، على حساب الإيمان القطيعي الذي ينضاف إليه عامل سلطة سياسية تحاول كل ما في وسعها
لحراسة مثل هذه العقائد، وتستغل الدِّين لإدامة ثقافة سلطوية وقهرية قاهرة للإبداع والحرية بمختلف أنواعها.
إن «تنظيم التنوع» مل وضوع غير مطروق في العالم العربي والإسلامي، ونحتاج إلى تعميق النظر فيه لكون عالمنا شديد التنوع إلى درجة التناقض، والتناحر. وقد شهد لبنان حربًا أهلية طاحنة (1989-1975)، والعراق (بدءًا
من اجتياحه عام 2003 إلى اليوم)، والصومال (1991 إلى اليوم) وأفغانستان (بدءًا من الاجتياح السوفياتي
عام 1979). وبغضّ النظر عن العامل الخارجي، أو المؤامرة، فإن هناك تناقضات في البنية الداخلية لم يستطع
إنسان العالم الإسلامي أن يلمّ بها ولا أن يدركها، ومنها سرطان الوحدة الذي يعني إلغاء الآخر، بدلا من
الائتلاف الذي يبقى مقبولا، وهو ما نص عليه النص المؤسس نفسه، بدلا من الوحدة. وسنحاول أن نبحث في مستقبل الأيام في قضية«تنظيم التنوع» بمداخل جديدة غير المدخل الأنثربولوجي والمدخل التركيبي الذي حاولنا استحضاره في هذه العجالة. إن التداخل الثقافي الذي يزخر به العالمان العربي والإسلامي، ومن ورائهما الحوض المتوسطي، بشكل عام، يمكن أن يبدو «إشكالية» وعرقلة للفرد مثلما يمكن أن يكون للمجتمع برمّته. والواقع أن الحل لا يكمن في
التطهير الثقافي أو العرقي، مهما تتعدد أساليبه، وقد شهد الحوض المتوسطي في البوسنة وكوسوفا حربًا ضروسًا
لم ينتصر فيها الجلاد ولا الضحية. وكان الاثنان يناديان بالكتاب المقدس، فالصرب تنادوا لقتال الكروات باسم الصليب المقدس، وهؤلاء تنادوا من جهتهم لقتال المسلمين والانتقام من حروب أصبحت عظام من شهدها
نخرة، ورميامً. ومع ذلك، كان لزامًا عليهم أن يتمسكوا بالمقدس ويؤوّلوه لكي يجد المقاتل حجة ومبررًا لذبح
ضحاياه بضمير مرتاح، أأحسن الق تْلةَ أم لم حيُْسِنْها، وسواء أراح ذبيحتَه أو لم يُرِحْها. وما مجزرة سريبرنيتسا منا
ببعيدة، وأقرب منها تاريخيًا تلك المجازر التي ارتكبها حكام العراق وميليشياتهم، وما قاموا به من تمييز طائفي،
وعرقي وديني من كل الجهات، ممّا يعرض السِّلْمَ الأهلي للخطر، ويتم ذلك بمبررات دينية في الغالب، مع أن
الدافع هو أمر آخر غير الدِّين بمفهومه المنصوص عليه في القواعد المرعية، والتقاليد التي بيَّنت أنَّ الإنسانَ أتى
لمهام خلافة الله، ومن ثَمّ، عليه أن يتخلق بأخلاق الله، بإقامة العمران، والإصلاح في الأرض، والنأي بنفسه
عن إهلاك الحرث والنسل.
27 المصدر نفسه، «سورة البقرة،» الآية.256 28 ﴿وألَفَّ بنَيَْ قلُوهبِ مْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا يفِ الأَرْضِ مجَِيعًا مَّآ ألَّفَتيم بنَيَْ قلُوهبِ مْ ولَٰكِنَّ اهللَّ ألَفَّ بَيْنَهُمْ إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِ﴾ٌ، «سورة الأنفال،» الآية.63
في الفصل بين الدِّين والثقافة: مدخل إلى تنظيم التنوع الثقافي
لكن لا يمكن أن نطالب الإنسان بمحو سريع للتاريخ، وللتقاليد الموروثة، وإن اصطبغت بالدِّين والمقدس؛
فهذا أمر مستحيل، لكون الثقل الثقافي كبيرًا وما علق في أذهان الناس من مفاهيم للدين سبقت إليهم، حتى
إنهم في الفقه جعلوا العرف مصدرًا من مصادر التشريع حتى لا يصطدم الناس بالدِّين وأعرافه الجديدة الموجَّهة
إليهم، فتساهلوا في ذلك حتى يستأنسوا ويتم الحفاظ على الاستقرار. ولسنا نعني هنا بالاستقرار ذاك الاستقرار
بالمفهوم البيولوجي / الأحيائي، فهو يعني الموت. إننا نشير في خضم الحديث عن «تنظيم التنوع»، إلى ضرورة حصول تفاوض بين الفرد والمجتمع، حول المسار
الذي ينبغي أن يتخذه النظام الثقافي والاجتماعي. فالمسؤولية ليست ملقاة على السياسة وحدها، ولا على النظام
العام، بل، هي مسؤولية الفرد في أن يجد له مكانًا مقبولا، ومريحًا ومتحررًا من الحرج والحيف. إننا نتحدث هنا
عن شبكة علاقات يتعاقد من خلالها الأفراد والمؤسسات الاجتماعية والثقافية، بخصوص الحدود التي عندها
تنتهي حرياتهم وتبدأ حريات المؤسسات، وهو ما يستدعي تدخلا تفاوضيًا سلميًا في جميع الأحوال، لكون
السلاح غير مبرر تحت أي ذريعة داخل الوطن الواحد. وقد يبدو هذا الطرح غائبًا عن الأنظار الواقعية، لكنه،
رغم ذلك، الأضمن والأقل خسارة للحرث والنسل. وعلى الذين يدعون إلى حقوقهم الثقافية والدينية والاجتماعية بصفة عامة أن يعوا رسْملة التميزات والخصائص
التي يملكونها، بمعنى أن يتقنوا تسويق خصوصياتهم، إذ كلما أقدموا، وإن كان بحسن نية، على المطالبة بطريقة
يظهر منها تهديد للاستقرار، أو نقض السِّلْم الاجتماعي، وظهورهم بمظهر الذي يهدد الهوية الواحدة، كان
استعمالهم للحق مضرًا. وفي مقابل تلك المطالب، وجب على الذين يمسكون بزمام الأمر أن يتفهموا، لا أن
يفهموا فقط، تلك المطالبات، وتلك الحقوق، وأن يتبّنوها لكون مواطنيهم رصيدًا بشريًّا وإنسانيًّا مُغْنيًّا للوطن
الواحد، وخصوصيات الأفراد والجماعات هي رصيد للجميع، وليس لتلك الفئة التي تنتمي إليها. إن «تنظيم
التنوع»، إذ ا، عملية تحتوي على نوع من الحركة، والسيرورة، وليست نهائية وثابتة؛ فهي، مثلما قلنا، عملية
تفاوض دائم بين حركة «التجميع» (Socialisation) باعتبارها نسقًا أو أنساقًا اجتماعية، و«تنوع الأفراد»
(Individual Variation) الذي يشكل تحديًا لتلك الأنساق. إن «تنظيم التنوع» ليس عملية تضطلع بها جهة رسمية؛ إنها عملية تلقائية تستجيب لأوَّاليّات (ميكانيزمات)
مفهومية ونموذجية لمسلسل تلقين الثقافة منذ الطفولة، بما في ذلك الروتين الثقافي، وبما في ذلك الرقصات
الشعبية والتقليدية، والألعاب، والعمل وطرقه، والتجميع اللساني (Language Socialisation) وغيرها من
المظاهر الثقافية والنماذج. فما نحتاج إليه هو تفَهُّم كيفية توليد هذه الأوَّاليّات لنتائجها عند الأطفال باعتبارهم
الوارثين الشرعيين لها، وهم من سيحملها في المستقبل ويكررها ويعيد إنتاجها في المجتمع، ومن ثَمّ، سيطول
أمدها، إن صلُحَت صلح المستقبل، وإلا فلا. و«تنظيم التنوع» يبقى وسيلة من وسائل الفهم و«التفهم» لدينا،
وقياس الاختلاف، حرصًا على تمكين الإنسان من أداء دور أكثر فاعلية، وتحييد قوى الصراع والعدوانية، أملا
بمستقبل أفضل يتعايش فيه الخلق بكرامة ويدخلون في السِّلْم كافة. «وفَوْقَ كُلِّ ذي عِلْمٍ عَلِيم.»
29 David F. Lancy, Playing on the Mother-ground: Cultural Routines for Children›s Development, Culture and Human Development (New York: Guilford Press, 1996).
خريف 2012
المراجع
العربية حاج حمد، محمد أبو القاسم. العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة. بيروت: دار ابن حزم،
مسلان، ميشال. علم الأديان: مساهمة في التأسيس. ترجمة عز الدين عناية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي؛ أبو ظبي: كلمة،.2009 الأجنبية
Corm, Georges. La Question religieuse au XXIe siècle: Géopolitique et crise de la postmoder nité. Paris: La Découverte, 2005 (Cahiers libres). Dortier, Jean-François. Les Sciences humaines: Panorama des connaissances. Auxerre: Ed. Sciences humaines, 1997. Dubuisson, Daniel. L’Occident et la religion: Mythes, science et idéologie. Bruxelles; [Paris]: Éd. Complexe, 1998 (Les Dieux dans la cité). Frye, Northrop. Myth and Metaphor: Selected Essays, 1974-1988. Edited by Robert D. Den ham. Charlottesville: University Press of Virginia, 1990. Frye, Northrop. The Cultural Development of Canada: An Address Delivered to the Social Sciences and Humanities Research Council of Canada and Associated Scholars at Hart House, University of Toronto, October 17, 1990 [Toronto, Ont.: Massey College, 1990]. Galland, Olivier et Yannick Lemel. Valeurs et cultures en Europe. Paris: La Découverte, 2007 (Repères: sciences politiques, droit; 501). Hervieu-Léger, Danièle et Jean-Paul Willaime. S ociologies et religion: Approches classiques. Paris: Presses universitaires de France, 2001 (Sociologie d’aujourd’hui). Lévi-Strauss, Claude. L’Anthropologie face aux problèmes du monde moderne. [Préface, Mau rice Olender] [Paris]: Ed. du Seuil, 2011. (La Librairie du XXIe siècle). Mattelart, Armand. Diversité culturelle et mondialisation. Paris: La Découverte, 2005 (Repères: Culture, communication. Thèses et débats). -----------. ----------. Nouvelle éd. Paris: La Découverte, 2006 (Repères: Culture, communica tion. Thèses et débats). Meslin, Michel. Pour une science des religions. Paris: Editions du Seuil, 1973. Vallet, Odon. Qu’est-ce qu’une religion?: Héritage et croyances dans les traditions monothé istes. Paris: A. Michel, 1999 (Espaces libres; 93).