اليهود المغاربة، من منبت الأصول إلى رياح الفرقة
“Moroccan Jewry from Origins to Winds of Departure” by Ahmed Chahlan
الملخّص
عنوان الكتاب: اليهود المغاربة، من منبت الأصول إلى رياح الفرقة الكاتب : أحمد شحلان مكان النشر : الرباط الناشر : دار أبي رقراقّ تاريخ النشر: 2009 عدد الصفحات: 328
Abstract
Book Title: Moroccan Jewry from Origins to Winds of Departure Author: Ahmed Chahlan Place of publication: Rabat Publisher: Dar Abi Raqraq Date of publication: 2009 Number of pages: 328
- اليهود المغاربة
- الأصول
- التشتت
- Moroccan Jews
- Origins
- Dispersion
الكاتب: أحمد شحلان مكان النشرد: الرباط النّاشر: دار أبي رقراق تاريخ النشر: 2009 عدد الصّفحات: 328
ترجع أهمية اختيار كتاب اليهود المغاربة، من منبت الأصول إلى رياح الفرقة، للأكاديمي المغربي أحمد شحلان، إلى قيمة قضيّته
الدوحة.
1 أستاذ اللّغة العبريّة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة
محمد الخامس بالرباط، وهو من المتخصّصين العرب المعدودين
في الدّراسات اليهودية والإسرائيلية، ويُعتبر رائدًا للدّراسات
اليهودية في المغرب، لما له من مساهمات علميّةٍ مرجعيّةٍ في مجال
تراث اليهود المغاربة. من مؤلفات أحمد شحلان، نذكر: المدخل
إلى اللغة العبرية، وكتاب يهود الأندلس والمغرب. وقد ترجم من
اللغة العبرية إلى اللغة العربية عدّة كتب. وله أيضًا كتاب: ابن رشد
والفكر العبري الوسيط: فعل الثّقافة العربية الإسلامية في الفكر
العبري الوسيط، التراث العبري اليهوديّ في الغرب الإسلامي و:
المرتبطة براهن الوطن العربي. إذ هي تندرج في مشروع «القومنة الطائفية وصناعة الهويّات ».
طرح هذا الموضوع بالنّسبة إلى الباحثين في وطننا
العربي، لمواجهة أسئلةٍمتعلِّقةٍبمشروع القومنة
الطائفيّة المُمَنهجة في بعض الأقطار العربية، ورصد
نواظم منهج صناعة الهويّات في الأقطار العربية.
التسامح الحقّ. مجمع البحرين: من الفنيقيّة إلى العربيّة: دراسة و
مقارنة في المعجم واللّغات القديمة. التوراة والقضية الفلسطينية و.
وترجم - بالاشتراك - من اللغة الفرنسية إلى العربية كتابألف
عام من حياة اليهود بالمغربللباحث المغربي حاييم الزّعفراني.
2 استخدم جمال باروت مفهوم «قومنة الدّولة وتنظيم الهويات»
في كتابه: الدولة والنهضة والحداثة، ط 2، (سوريا: دار الحوار،
ط 2،.)2004
أمّا قيمة الكتاب في مجال الدّراسات اليهوديّة المغربيّة،
فتكمن في ما يقدِّمه من معطياتٍ، وما يطرحه
من أسئلةٍ بخصوص وضعيّة اليهود المغاربة. فقد
اتّسمت معالجته بجرأةٍ ووضوحٍ يغيبان عادةً عن
مجال الدّراسات اليهوديّة المغربية، في ظلّ فضاءٍ
سياسيٍّ تحاصره الخطوط الحمر، وغياب مؤسّسةٍ
أكاديميّةٍ وطنيّةٍ متخصّصةٍ، أو صعوبة الوصول إلى
وثائق وشهاداتٍ تكشف حقائقَ أُريد لها أن تبقى طيّ
المسكوت عنه في تاريخ المغرب. ونجد في الكتاب انعكاسًا لخلفيّة الباحث الأكاديميّة؛
إذ استطاع أن يعالج مسألة اليهود المغاربة من الزّاويتنيْ: المعرفيّة والتّاريخيّة السّياسيّة. وقد كثّف
الزّاويتنيْ في العنوان الثّانوي للكتاب «منبت الأصول
ورياح الفرقة». فإذا كان «منبت الأصول» يحيلنا على المدخل المعرفي للكتاب، ويتضمّن الجذور
المغربيّة الضّاربة في القدم لليهود المغاربة، وكسبهم
الثّقافي والفكري داخل الحضارة العربية الإسلامية؛
فإنّ «رياح الفرقة» تفتح الباب واسعًا أمام السّؤال
التّاريخي السياسي في مسألة اليهود المغاربة. وهو
السّؤال الذي طرح نفسه ولايزال؛ منذ أن تعرّض
اليهود المغاربة لعمليّة تهجيرٍ بمئات الآلاف نحو
فلسطين المحتلّة. يختم الباحث كتابه بفصلٍ لم ينته بعدُ من تاريخ
المغرب، وسيبقى منفتحًا على احتمالات المستقبل
وتطوّراته. وهو ما يجعلنا نفك ر بعمقٍفي مسألة قومنة
اليهود المغاربة من جانب الصّهيونية العالميّة؛ بعد أن
وقع تحوير هويّتهم المغربية، وأُعطِيَت بعدًا إسرائيليًّا.
ومن هذا المنطلق، سنحتاج إلى تأمّل خلفيّات هذه
المسألة ومآلاهتِا، وعلاقتها بمشاريع أخرى تستهدف الوحدة الوطنيّة في المغرب.
منبت الأصول
حاول المؤلّف في هذا المستوى من كتابه أن يعرض
لعنصريْن أساسينّيْ في منهج الباحث الدّقيق. يتعلّق
خريف 2012
الأوّلمنهما بالأصول المغربية لليهود المغاربة، ويُعنى
الثّاني بمساهمة هؤلاء الثّقافيّة في إغناء المشرتَك
المغربي، وفي بناء نموذجٍ للرتّ اث اليهودي. وقد تميّز
تناوُل أحمد شحلان لتفاصيل هذيْن العنصريْن بنفَسٍ
دفاعيٍّ، خيُ في وراءه رغبةَ الوطنيِّ الغيور في دحض
أكاذيب رائجةٍ. ويظهر ذلك من خلال تشديده على
حقيقة انتماء اليهود المغاربة إلى وطنهم، أو من خلال
تأكيده تميُّز تراثهم الثّقافي في ظلّ الحضارة الإسلامية
عن أيّ تراثٍ يهوديٍّ في ظلّ حضارةٍ أخرى. يقول أحمد شحلان في هذا الصّدد: «ما كان يهود
المغرب في أصولهم إالّ مغاربةً أقحاحًا رفضوا في قديم
العهود الوثنيّةَ، واعتنقوا التّوحيد الموسوي لم ا بلغتهمّ
الرسالة» (ص 11). فهو يرى أهنّم ليسوا ممّن أجلاهم
الملك البابلي نبوخذ نصر مع الشّعب اليهودي من
بلاد الكنعانييّن إلى بابل عام 586 ق.م، على حد
زعم الأسطورة الصّهيونيّة. «وما كان كل يهود الدنيا
من بقايا هذا الجلاء. ولا ترجع أصول كلّ اليهود
إلى بلاد كنعان، أو هم من نسل يعقوب بن إسحاق
بن إبراهيم عليه السلام، ليُعدّوا من بين من جرى
عليهم الجلاء. لقد عرف يهود المغرب هذه الحقيقة،
واختاروا أن يُسمَّوْا طائفةً وكفى» (ص. 11) وقد امتزج هؤلاء في فتراتٍ لاحقةٍ مع إخوانهم الذين
وصلوا إلى المغرب مع الفينيقييّن، ابتداءً من القرن
الثّاني عشر قبل الميلاد، أو مع الذين لجأوا إلى المغرب
بعد طردهم من الأندلس عام 1492. فكانت أرض
المغرب حاضنًا للجميع؛ حيث «تشاركوا في ماء
البئر الواحدة، وتبادلوا طقوس التعبّد على الصعيد
الواحد، وع وا عن أفراحهم بنفس الأهازيج،
وعانوا القحط والمجاعات بنفس القدر من الصبّر
ومنعشات الأمل (...) وتساكنوا إلى حدّ أن تشارك
الأطفال في حليب الأمّهات» (ص. 12) ووجد اليهود المغاربة في فضاء الحضارة الإسلاميّة
مجالا واسعًا وخصبًا للإبداع والعطاء والمنافسة.
ويشهد على ذلك تاريخهم، ومؤلَّفاهتُم وتُراثهم
الدّيني والثّقافي الذي عرف ازدهارًا فريدًا. وفي سياق حديثه عن جوانب من ذلك الازدهار؛ أبرز
شحلان تميّز هذه المساهمة الحضاريّة لليهود المغاربة
قائلا: «اعتبر يهود المغرب بلادهم أرحب في مجال
المعرفة، وأحقّ بالتّقديس في مجال التّعبد، وأفسح في
السيّر في الأرض لكسب العيش. وإذا كانت القدس
في فلسطين تُعتبر عند اليهود عامّةً رمزًا دينيًّا؛ فإنّ يهود
المغرب لم يخصّوها بذلك وحدها، بل أشركوا معها
مدنهم المغربيّة التي مكّنت لهم في العيش، ومكّنت لهم
في المعرفة، ومك نت لهم في هناء التّعبد، ورأى النّور
فيها سلسلةٌ من الفقهاء والعلماء وكبار الأحبار الذين
استنجدت فلسطين بعلمهم (...). لقد اعتبر يهود
المغرب فاس قدسًا، ومرّاكش قدسًا، واعتبروا تطوان
قدسًا، ودبدو قدسًا، واعتبروا تخوم الصّحراء المغربيّة
منازل كمنازل موسى في سيناء» (ص. 14) ويعضد المؤلّف موقفه بما يُقدِّمه من مشاهد التقطها
ممّا خلّفه فقهاء اليهود المغاربة من تراثٍ فقهيٍّ، أو
ممّا راج بينهم قبل قرونٍمن مصطلحاتهم ورموزهم
وأمثالهم وأقوالهم السّائرة. وقد تقاسموا جزءًا من
ذلك مع جيرانهم وأصدقائهم المسلمين. وقد أبرز الباحث أصالة اليهود المغاربة من الزّاوية
الاجتماعيّة وعلاقتهم بالسّلطان؛ وذلك عندما تحدّث
عن مواقف اجتماعيّةٍ لليهود المغاربة مستمَدّةٍ من عمق
النّسيج المغربي، أو عندما ذكر اعتماد السلّاطين على
الكفاءات اليهوديّة في مناصب حكوميّةٍ أو اقتصاديّةٍ.
فالشّواهد العمرانيّة والتّاريخية تثبت أنّ اليهود المغاربة
كانوا تحت حماية السلطان بشكلٍ مباشرٍ، ولاتزال
حارة اليهود (الملاح) في المدن القديمة المغربيّة شاهدة
على هذه الحقيقة. فقد كانت تُشيَّد بالقرب من قصر
السّلطا ن. وقد برزت فاعليّة قانون «أهل الذّمة» في
عهد السّلطان محمد الخامس؛ عندما وضعت فرنسا
3 محمد الصّقلي، اليهود في الغناء المغاربي والعربي، ط 1، (الدار
البيضاء: اتّصالات سبو، 2008.23)، ص
-وهي تحت الاحتلال النّازي- قوانين تمييزيّة ضد
اليهود، فرفض السّلطان تطبيق تلك القوانين على
اليهود المغاربة، وذلك على الرّغم من أنّ بلاده تخضع
لوصاية الاحتلال الفرنسي. وبرّر ذلك بخصوصيّة
القوانين الرشّعية التي تحكم هؤلاء. إنّ تأكيد أحمد شحلان تميّز الرتّاث اليهودي المغربي،
وأصالة الانتماء اليهودي المغربي، لاينفي بتاتًا الموقف
العلمي الذي ينفي الاستقلاليّة عن الرتّاث والثّقافة
اليهودييّن؛ فقد أبرز أنّ كسب اليهود وعطاءهم
المعنويّ والمادّي كانا يقعان دائامً من داخل الحضارات
التي ينتمون إليها، وبناءً على مقدِّماتها ومنهجها.
يقول شحلان في هذا السّياق: «..امتشق من يهود
المغرب من امتشق القلم، على مدى تاريخهم المعرفي
في أرض المغرب، بنفس الهمّ والح يطة؛ ففرسّوا كتابهم
بنفس المنهج الذي فرسّ به المفِّ المسلم، وأفتَوْا
في دينهم بنفس الحدود، ووضعوا في اللّغة بنفس
القواعد، شاذ ها وشائعِها، ونظّموا في القول بنفس
الصيغ والقوالب والقوافي والأوزان..» (ص. 12) وقد بلغ هذا التأثّر اليهودي بالبيئة الثّقافية الإسلاميّة
إلى حدود إقدام ثُلّةٍ من المغنيّن اليهود على التّغنّي
بالمديح النّبوي. وفي هذا الإطار، يذكر الباحث محمد
الصّقلي أسماء وأعمال مجموعةٍ من الفنّانين اليهود
المغاربييّن الذين نالوا شهرةً شعبيّةً من خلال المديح
النّبوي. وفي السّياق ذاته، يقول إرنست رينان: «وليست
جميع ثقافة اليهود الأدبيّة في القرون الوسطى، غير
انعكاسٍ للثّقافة الإسلاميّة [...]. وبلغ هذا الأمر
من الشّهرة، ما لم يخش غليوم الأُفِرني (Guillaume
d'Auvergne) أن يقول معه إنه لم يبق بين اليهود
الخاضعين للعرب واحدٌ لم يترك دين إبراهيم، ولم
4 محمد العربي المساري، «عودة إلى يهود المغرب»، جريدة العلم
(المغربيّة)، العدد 19456، بتاريخ: 26 آب / أغسطس.2003
5 محمد الصقلي، المرجع السّابق، ص.29
تُفسِده ضلالات العرب أو ضلالات الفلاسفة ». ويرى عبد الوهاب المسيري أنّه لاوجود ل «ثقافةٍ
يهوديّةٍمستقلّةٍعالميّةٍ، تع عن وجدان أعضاء
الجماعات اليهوديّة وسلوكهم؛ وإنمّا توجد ثقافات
يهوديّةٌ مختلفةٌ باختلاف التّشكيل الحضاري الذي
يوجد أعضاء الجماعات اليهوديّة داخله. ولذا يجدر
بنا أن نتحدّث عن ثقافةٍ غربيّةٍ يهوديّةٍ أو ثقافةٍ عربيّةٍ
يهوديّةٍ، وبذلك نخفّض مستوى تعميمنا حتى
يتلاءم مع الظّاهرة التي ندرسها. ولكنّنا لو فعلنا
ذلك؛ فإنّنا سنكتشف -على سبيل المثال- أنّ الثّقافة
العربية اليهوديّة هي -في نهاية الأمر- جزءٌ من الثّقافة
العربيّة. ولا توجد ملامح يهوديةٌ خاصّة إال في بعض
الموضوعات وبعض المضامين المختلفة؛ إذ تظلّ البنية
العامّة بنيةً عربيّة»ً. ويبدو أنّ اندفاعة أحمد شحلان لإبطال المغالطات
الصّهيونيّة، وتأثّره بما آل إليه حال اليهود المغاربة
وتراثهم الثّقافي، لم يتركا له المجال لتفصيل القول في
هذه الجزئيّة. وذلك حين بنيّ أنّ الانتماء الأصيل ليهود
المغرب إلى منبتهم التّاريخي والمعرفي والاجتماعي
الذي لا يعرفون سواه قد منحهم التّميّز في الكسب
الثّقافي والعلمي الذي لا يضاهيه كسب مجموعةٍ
يهوديّةٍ أخرى في مكانٍآخر من العالم، حتى اشتهر
في التراث اليهودي قولهم عن الفيلسوف اليهودي
المغربي موسى بن ميمون (1204-1135 م): «من
موسى [الرّسول] إلى موسى [بن ميمون] لم يظهر
مثل موسى.»
رياح الفرقة
يلخّص هذا العنوان هدف المؤلف من كتابه، ويبرز
جوابه على الأسئلة التي أثارها في مقاربته لمجال
6 إرنست رينان، ابن رشد والرّشديّة، ترجمة: عادل زعيتر،
(القاهرة: دار إحياء الكتب العربيّة، 1957)، ص.185
7 عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية،
جزءان، ط 6، (القاهرة: دار الرشّ،2006)، المجلّد 1، ص وق
خريف 2012
الرتّاث اليهودي المغربي؛ إذ أتاح له التخصّصُ
الاطّلاعَ على وثائق ونصوصٍفي غاية الأهميّة،
والتقى بشهودٍ وأشخاصٍ يصعب عادةً على غيره
الوصول إليهم. فأراد إطلاع الأجيال الجديدة على
حقائق غابت عن تاريخ بلادهم الرّسمي. يقول أحمد
شحلان: «وأخيرا في الكتاب الفصلُ الذي حرّكنا إلى
هذا التّحبير، وهو غضبة لما آل إليه أمر هؤلاء النّاس
[اليهود المغاربة]، بعد مناورات جاءت تفاصيلها في
الفصلين الأوّل وهذا الأخير. لقد عكر صفوَ هذا
التّاريخ المغربي المتحرِّك فعلٌ طارئٌ أجنبيٌّ، وأغراضُ
هوى من بعض يهود المغرب، أو من بعض ذوي القوّة
والسّلطة. فقضتْ النّتائج الحتميّة لكلّ هذا، على تواد
وتوافقٍوانسجامٍ صنعه كلٌّ من المسلمين واليهود
على مرّ العصور؛ قبل أن تهبّ الرّيح العاصفة التي
حرّكتها أطماع التدخّل في مغربٍ كان ذيلَ طاووسٍ
يُغري، وجنّةً بين ضفّتيْ بحرين تسلب العقول»
.)8(ص ويعتقد المؤلِّف أنّ رياح الصّهيونية العالميّة المستعينة
بقوى داخليّة نجحتْ في بثّ الفُرقة بين المغاربة
يهودًا ومسلمين. وقد وقع ذلك من خلال الرتّ ويج
لأباطيل «معاداة السّاميّة»، التي لا يعرفُ أحدٌ معناها
في ربوع المغرب. ذلك أنّ ما لح ق باليهود عبر تاريخ
المغرب من شدّةٍ ومصائبَ اقتصاديّةٍ أو أمنيّةٍ لم يكن
خيُطئ جيرانهم المسلمين أيضًا، غير أنّ المؤامرة كانت
مصرّةً على أهدافها منذ البداية. يُرجع الكاتب التدخّل الأجنبي في شؤون اليهود
المغاربة إلى منتصف النّصف الثّاني من القرن التّاسع
عشر؛ إذ أسّس الاحت اد العالمي الإسرائيلي، الذي
يوجد مقرّه في باريس سنة 1862، أوّل مدرسةٍ
تابعةٍ له في تطوان، قبل أن يُنشِئ مدارس أخرى
في مدنٍمغربيّةٍ عديدةٍ. وقد خرّجتْ هذه المدارس
نخبةً يهوديّةً خلال القرنين التّاسع عشر والعشرين
ص.)296(برز التدخّل الصّهيوني سنة 1897 في أوّل
مؤتمرٍ صهيونيٍّ في بال بسويسرا؛ إذ أُثيرت قضيّة
150.000 يهودي مغربي يعيشون فقرًا مُدقعًا. كما
قرّر المؤتمر الرّابع عام 1900 إرسالَ عضوٍ من لجنة
العمل الصّهيوني إلى المغرب، وكان يؤمن بوجود يهودٍ
أكثر ملاءَمةً للاستنبات في فلسطين. في حين أعلن
المؤتمر الخامس عام 1901 وجودَ تجمّعاتٍ صهيونيّةٍ
في طنجة وتطوان والصّويرة وفاس ومرّاكش. وفي ما
بين عامي 1900 و 1912 ظهرتْ مجموعاتٌ تروِّج
للصّهيونية في عدّة مدنٍمغربيّةٍ (ص. 297) لم يؤثِّر رفض الجهات الدّينية اليهودية الأرثوذكسيّة
لهذا المشروع، ولا الرصّ اع الذي كان قائامً بين فرنسا
وبريطانيا حينئذٍ في استمرار المؤامرة الصّهيونيّة؛
تلك التي وَجدتْ في ضعف السّلطان وانهيار
الأوضاع المغربيّة فرصتَها التّاريخيّة لكيْ تنفذ إلى
عمق النّسيج اليهودي المغربي؛ مستغلّةً أساطيرها
والوضع الاقتصادي والسّياسي الذي آل إليه حال
المغرب. تُوِّجتْ جهود الصّهيونيّة العالميّة بتنظيم حملات
التّهجير اليهودي إلى أرض فلسطين. وكانت المرحلة
الأولى منها بين عامي 1949 و 1957، وهُجِّر خلالها
ما يناهز 22000 يهوديٍّ مغربيٍّ؛ بينما كانت المرحلة
الثّانية عام 1957، أي بعد عام واحد من الاستقلال،
واستمرّت حتّى عام 1961، وهُجِّر خلالها ما يناهز
29472 يهوديًّا. أمّا المرحلة الثّالثة، فقد استمرّت
خمس سنواتٍ (من 1961 إلى 1966)، وغادر فيها
إلى فلسطين المحتلّة ما يقارب 97005 من اليهود المغاربة. يقول شحلان عن هذه المرحلة: «وقد
أُعِدَّ لهذه المرحلة في مفاوضاتٍ ولقاءاتٍ وتدخُّل
شخصيّاتٍ، من منظَّماتٍيهوديّةٍكبرى ورجال
سياسةٍ، من مشارب متعدِّدةٍ، داخل المغرب وخارجه.
كما اتُّفِق على أن تكون هذه الهجرة بشروطٍ كان فيها
الرّبح لكثيرين سياسيًّا وماديًّا: سياسيًّا لأولئك الذين
استجلبوا يدًا عاملةً وأجسامًا ذات نفوسٍ لوضعهم
في أرضٍ لها أصحابها، وماديًّا لأولئك الذين جنوا
19.150.000 دولارٍ؛ بلغ ثمن الرّأس فيها [قيمة
ما دُفع مقابل كلِّ مُهجَّرٍ] ما بين 100 دولار و 250
دولارًا، وهباتٍ أخرى»(ص. 313). ولايزال حدث تهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين
المحتلّة يشكِّل موضوعًا ثريًّا للبحث والدّراسة،
لاسيمّا مع بروز معطياتٍ ووثائقَ تكشف جوانب
من الحقائق والحيثيّات التي أحاطت بالحدث. وفي
هذا السّياق ذكر الصحافي البريطاني ستيفن هيوز،
الذي كان في عام 1952 أوّل مراسلٍ لوكالة رويترز
(Reuters) في المغرب، أنّ مسؤولين مغاربة تلقّوْا
رشاوى من الصهاينة لتسهيل تهجير اليهود المغاربة.
واهتّم هيوز وزير التّعليم -آنذاك- عبد الكريم
بنجلّون، من حزب الاستقلال، بعقد صفقة سرّيةٍ مع
عملاء للموساد في فندقٍ بمدينة جنيف، في خريف
1961. وقد ربح منها بنجلّون نصف مليون دولار؛
بينما حصلت الحكومة المغربية على 250 دولارًا عن
كلّ يهوديٍّ يجري تهجيره . وجاء في كتاب L'insoumis للكاتبنيْ أبراهام
الرسّفاتي وميكائيل الباز، استنادًا إلى مصادر من
الموساد، تفاصيل عن هذه الصّفقة. وهي تكشف
أسماء شخصيّاتٍ يهوديّةٍ ومسلمةٍ مغربيّةٍ، كان لها
ضلعٌ في القضيّة؛ منها روبير أصراف، ودافيد عامّر،
ورضا أكديرة. وتكشف وثيقةٌ ديبلوماسيّة
إنكليزيّةٌ حصل عليها الباحث المغربي محمد النّاسك
عن دور وزير الخارجية المغربي أحمد بلافريج، في
صفقة تهجير اليهود المغاربة في تشرين الثاني/نوفمبر
1961؛ وذلك عقِب زيارته للولايات المتّحدة،
وتوقيعه اتّفاقيةٍ سرّيةٍ مع منظّماتٍ يهوديّةٍ أميركيّة،
8 ويحيل المؤلّف هنا على دراسةٍ هي التّالية:
Yigal Bin Nun, La négociation de l› évacuation en masse des juifs du Maroc, p. 25- 27. 9 Stephen O. Hughes, Morocco under king Hassan , 1 ed. (Ithaca Press: 2001), p. 65. 10 Abraham Serfaty, Mikhael Elbaz, L’Insoumis Juif: Marocains et rebelles (Paris: Desclée de Brouwer, 2002), pp. 46- 47.
تنصّ على تسهيل تهجير اليهود المغاربة إلى إسرائيل،
مقابل هبةٍ من قمحٍ أو شعيرٍ. لم يغفل المؤلّف عند تناوله مؤامرة اقتلاع اليهود
المغاربة من جذورهم، عن إثارة موضوع نهب
الرتّاث الثّقافي اليهودي المغربي على مرأى السّلطات
ومسمعها. ويذكر هنا جهوده التي بذلها لمعالجة هذه
الكارثة التي لحِقتْ بالرتّاث الوطني، وذلك من
خلال مكاتَبته للسّلطات الحكوميّة، «لكنْ لا أحد
فعل شيئًا» بحسب تعبيره. ويشير في السّياق ذاته
إلى دعوته المسؤولين إلى إيجاد مؤسّسةٍ وطنيةٍ مغربيةٍ
جامعيةٍ متخصِّصةٍ، تُعنى بالحفاظ على المخطوطات
والوثائق، واسترجاع ما هُرِّب منها. غير أنّه فوجئ
بإنشاء مركزٍ للبحوث حول يهود المغرب، ليس
من همِّه العمل الأكاديمي وخدمة الرتّاث اليهودي
الوطني. وقد وصفه بأنّه «تابعٌ سياسيًّا، لم يكن
همّه هو مهَِّي». وأضاف شحلان: «لقد كان ارتباط
«مركز الأبحاث حول يهود المغرب» بالجهات التي
ارتبط بها، مضُرًّا لنا نحن الباحثين الذين أردنا منه أن
يكون مركزًا مغربيًّا يمكِّننا من المساهمة في البحث في
ثقافةٍ نعتبرها جزءًا من ثقافتنا. وكرّس حرماننا من
الاشتراك بفعالية في هذه الثقافة، لأنّه حوّل مرجعيته
إلى جهةٍ عانيْنا من انتساب الثّقافة العبرية والمعارف
اليهودية المغربية إليها، ونعاني اليوم» (ص. 27) أمام هذه المعطيات وغيرها ممّا لم تكشف عنه البحوث،
يمكن تفهُّم غيرة المؤلِّف في مواجهة الزَّيْف الصّهيوني
وتأكيده المصالح الوطنية، وهو ما يف أيضًا التماسَه
الأعذار لأولئك الذين هُجِّروا من بلادهم. غير أنّه في
اعتقادي، تبقى مسؤوليّة الم هجّرين قائمةً باستجابتهم
لدعوة الصّهيونيّة العالميّة، وتعريض تاريخهم وتراثهم
للضّياع. ومن المؤكَّد أيضًا أنّ تداعيات هذه النّكبة
11 خذت هذه الورقة عن الباحث المغربي محمد الناسك الذيأُ
يعدّ دراسة دكتوراه عن الموضوع.
- PRO, British Consulate General, The Jews in Morocco, Ref: FCO: 39/151 – 106348, Restricted, Casablanca, February 1968, p. 15.
خريف 2012
الوطنيّة ستستمر، وستظهر آثارها السّلبيّة في العقود
القادمة، سواء على المستوى الثقافي أو على المستويين
الحقوقي والسّياسي.
قومنة اليهود المغاربة
تقوم القومنة الطائفيّة على مغالطاتٍ معرفيّةٍ تبدو
لأوّل وهلةٍ وجيهةً، غير أنّ تمحيصها يكشف زيف
أهدافِها المُعلنَة، وخطورة مآلاهتِا. يتحدّث عزمي
بشارة في هذا الصّدد عن: «تدخّل الاستعمار في
تشكيل الطائفيّة وتسييسها، وقومنة الطائفيّة، وبذلك
تحويل الطّوائف من كياناتٍ اجتماعيّةٍ إلى كياناتٍ
سياسيّةٍ. ذلك أنّ الطائفيّة تستند إلى الدّيماغوجيا
كونها قائمة على مجموعة مغالطاتٍ، لكنّها تبدو
منطقيّةً [...]. ومن جملة المغالطات التي تقوم
عليها الطائفيّة والنظام الطائفيّ، القول إنّ التّعدديّة
الطائفيّة هي التّعددية الديمقراطيّة ومحاولة مطابقة
هذه بهذه». إنّ مهندسي القومنة الطّائفيّة لا يعتمدون في خططهم
على الدّعاوى وعلى الترويج فقط، بل يستندون
كذلك إلى البرامج الطويلة المدى وإلى الضّغوط
الدّيبلوماسية والاقتصادية، وكل الوسائل التي
يمكنها أن تحقّق أهدافهم. وتبدو هذه الآليّات بارزة
في مشروع قومنة اليهود المغاربة. تعود جذور مشروع قومنة اليهود المغاربة إلى النصف
الأوّل من القرن التّاسع عشر؛ إذ بدأتْ تلوح في الأفقِ
محاولاتٌ أوروبيّةٌ للتدخّل في شؤون اليهود المغاربة،
وللاقتراب من تلك المرحلة. وننقل هنا نصًّا تاريخيًّا
12 - عزمي بشارة، محاضرة «الثورة العربيّة والديمقراطية: جذور
النّزعات الطائفيّة وسبل مكافحتها»، المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسات، الدوحة، بتاريخ: 2012/01/28،
ملخص المحاضرة على موقع المركز:
h t t p: / / w w w. d o h a i n s t i t u t e. o r g / H o m e / Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0- d92cbb5dd3e4&resourceId=b39ebe7c-1f13-4b0f-9960- 683fa0a014f6
يعود إلى عام 1859، وهو للمؤرِّخ المغربي النّاصري
(مؤرِّخٌ رسميّ)، يوضِّح فيه جانبًا من تداعيات هزيمة
المغرب في معركة تطوان 1860 أمام الإسبان. فقد
استغلّ اليهود الامتيازات التي أقرتّها اتِّفاقية الهزيمة
مع إسبانيا، للحصول على ما يُعرف ب «الحماية» من
جانب القناصل والتجّار الأوروبييّن في بعض المدن
المغربية، وهو ما شك ل مسًّا بسيادة المغرب، وفتح
الباب واسعًا أمام التدخّل الأجنبي في أمر يهود
المغرب. يقول في هذا السياق: «وفي هذه السّنة، ورد
يهوديٌّ من اللّوندرة [بريطانيا] على السلطان بمراكش
يطلب منه الحرّية ليهود المغرب. وذلك لأنّه لم ا كانتّ
وقعة تطوان، ودهمَ الناسَ ما دمهَهم من أمر الحمايات،
وأكثر من تعلّق بها اليهود؛ لم يقتصروا على ذلك، وراموا الحرية تشبّهًا بيهود مصر ونحوها. فكتبوا إلى
يهوديٍّ من كبار تجّارهم باللّوندرة اسمه روشاييل،
وكان هذا اليهودي قارون زمانه، وكانت له وجاهة كبيرةٌ في دولة الإنجليز. فكتب يهود المغرب إليه أو
بعضهم يشكون إليه ما هم فيه من الذلّة والصّغار،
ويطلبون منه الوساطة لهم عند السّلطان في الإنعام
عليهم بالحرية. فعنيّ هذا اليهوديّ صهرًا له للوفادة
على السّلطان رحمه الله في هذا الغرض وغيره، وأصحبه
هدايا نفيسةً، وسأل من دولة الإنجليز أن يشفعوا له عند السّلطان، ويكتبوا له في قضاء غرضه، ففعلوا.
وقدِم على السّلطان بمراكش، وقدّم هداياه، وسأل
تنفيذ مطلبه. فتجافى السلطان عن ردّه مخفقًا، وأعطاه
ظهيرًا، فتمسّك به اليهود، يتضمن صريح الرشّ، ع
وما أوجب الله لهم من حفظ الذمّة، وعدم الظلم
والعسف، ولم يعطهم فيه حريةً كحريّة النّصارى». وممّا يؤكِّد سوء قصد التدخلّات الأوروبية في شؤون
يهود المغرب، ما ذكره محمد بيرم الخامس التونسي في
كتابه صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
من أنّ يهود المغرب رفضوا التدخّل الأجنبيّ في
13 أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى،
ج 4، (القاهرة: الطبعة المصرية، د.ت)، ص.228-227
شؤونهم، وأرسلوا إلى إخوانهم في أوروبّا يطالبونهم
أن يدَعُوهم على عادتهم المألوفة.
وقد أخذت تلك التدخلّات شكل ضغوطٍ
ديبلوماسيّةٍ في ما بعد، في مؤتمر مدريد. يقول المؤرِّخ
المغربي محمد المنوني: «في عام 1880 نجد يهوديًّا
إنجليزيًّا يزور مدريد أثناء انعقادمؤتمر الحمايات
بها، ليعمل على عرقلة أعمال النّائب المغربي بها». وقد غريّت مذكَّرات الأوروبييّن ورحلاتهم نظرتهم
إلى اليهود المغاربة في نهاية القرن التاسع عشر
وبداية القرن العشرين. ويتحدّث كتاب الرحّالة
الفرنسي أندري شوفريون) A. Chevrillon (
1864(– 1957) -الذي زار المغرب بين عامي
1903 و-1905 عن يهود مدينة فاس، قائلا:
«..لقد جاوزنا لتوِّنا باب ا المّ ح [حارة اليهود] بين
مصراعيه الهائلنيْ المُزيَّننَيْ بالبرونز، اللّذين يُدفعان
ليغلَقا كلّ مساءٍ، كي يكون هذا (الغيتو) كلّ ليلةٍ
محكم الإغلاق. ويكون يهود فاس بأكملهم محبوسين
هناك وراء المزلاج الحديدي البدائي. نعم، إنّه مدخل
عالمٍ آخر وحقبةٍ أخرى، أي مسافة تفصلنا فجأةً عن
المدينة المغربية الكئيبة [...]. ها نحن محاطون بحشدٍ
من الصّبيان يتبعوننا، والصغار منهم يرسلون لنا
القبلات، أمّا الكبار فيصرخون فينا ببونجور،
صباح الخير بالفرنسية. هؤلاء المرشّحون للحضارة
يحتفون بالأوروبييّن الذين يتعلّمون لغتهم في
مدارس الرّابطة الإسرائيلية، وكل هذا يبدو لنا ممتعًا
بعد عدّة أسابيع من إكراهات فاس الغريبة والمنغلقة
عن قصدٍ مسبَقٍ». هكذا كانت الصّورة تتشك ل
في المخيال الأوروبي عن اليهود المغاربة حينئذ، وهي
مبدوءةٌ بنظرة الفصل ثقافيًّا، لتنتهي بنظرة الفصل
سياسيًّا. بدأت تلك النّظرة بترويج صورة اليهودي
14 محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، ط 2، (بيروت:
دار الغرب الإسلامي، 1985)، ص.59
15 محمد المنوني، «ملاحظات حول بعض ردود فعل المغاربة تجاه
الدعوة إلى الإصلاح في القرن 19 من خلال وثيقة موضوعية»،
مجلّة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، العدد 9، الرّباط، ص -145 16 أندري شوفريون، رحلة إلى المغرب، ترجمة: فريد الزاهي،
ط 1، (أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والرتّ،2010)، ص.121 اث
المغربي القريب من الأوروبييّن، مقابل المسلم المغربي
البعيد عنهم. فالأوّل في اعتقادهم هو أكثرُ انسجامًا
وتجاوبًا مع قيم المدنيّةِ الغربيّةِ ومناخِها، بينما الثّاني
لا يبدو كذلك تمامًا. وعلى هذا الأساس تبلورت
أفكار إلحاق اليهود المغاربة بالحضارة الغربية، وهي
قائمة على أساس أنّ من واجبها أن تنقذهم من الفقر
والجهل والتّعسّف. وقد وظّفت فرنسا في تلك المرحلة نتائج باحثيها وعلمائها في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، لتخترق المجال اليهودي المغربي. فبدأتْ بجمع المعطيات،
وتسجيل الملاحظات عن تلك التجمّعات اليهوديّة.
وقد ساهمتْ الرّوابط الدّينية بين يهود المغرب وأوروبّا
في تسهيل هذه المهامّ، إلى أن فُتحت أبواب مدارس
الاحتّاد الإسرائيلي العالمي عام 1862، فربطت بشكل
مباشرٍ بين فرنسا ويهود المغرب، من خلال اللّغة الفرنسيّة ومفردات الثّقافة الغربيّة، وهو ما ساعدها
أيضًا على تذليل الصّعاب التي كانت تحول دون
احتلال المغرب؛ ذاك الذي تحقّق أخيرًا عام.1912
وقد عمّق المشروع الصّهيوني كلّ جهود قومنة اليهود
المغاربة، أو بالأحرى صَهْينَت هم؛ وذلك بصناعةِ
هويّةٍ جديدةٍ لهم، تتّفق مع قيم الغرب «المتقدّم »
خريف 2012
وأطماع القوى الإمبريالية، وأساطير الوهم الصهيوني. ووجد ذلك المشروع بين هؤلاء اليهود من يستجيب له، لاسيمّا أنّ صفوف النّخبة اليهودية
أصبحت ترى نفسها جزءًا من الاحتلال الفرنسي
والمنظومة الغربيّة. وختامًا، يمثِّل كتاب اليهود المغاربة، من مَنبتِ
الأصول إلى رياح الفُرقة لمؤلفه أحمد شحلان، إضافة
نوعيّةً في حقل الدّراسات اليهوديّة المغربيّة والعربيّة،
لكونه لم يفصل بين الموقف الوطني والنزاهة العلمية. وهو ما تفتقر إليه الكثير من الكتابات التي تتجنّب
الخوض في بعض التفاصيل المتصلة بمسألة اليهود المغاربة، وذلك ما يجعلنا ننتظر من باحثين وأكاديمييّن
مغاربة في حقل الثّقافة الأمازيغية، خطوات مماثلة، أو
بالأحرى مواقف علمية وطنية تؤكّد أصالة الثّقافة الأمازيغية وكامل حقوقها، لكنها تكشف -في الآن
نفسه- عن توجّهاتٍ في القومنة الطائفيّة وصناعة
الهويّات تعمل منذ عقود على موضوع الأمازيغية في
المغرب العربي، والذي أسّس مقدماته على فرضياتٍ
يعلم الجميع أنها لم حتُسم بعدُ في مختبرات الدّرس الأنثروبولوجي.