هل تقود الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟ نموذجا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
Will a Demographic Revolution Lead to a Democratic Revolution?
الملخّص
ما هي الأواصر التي تجمع بين الديموغرافيا والديمقراطية؟ المؤرخ البريطاني لورنس ستون أكد في مقال صدر له في العام 1969 وجود علاقة سببية بين التعليم والثورة. فالاضطرابات السياسية برأيه تبدأ حين تبلغ نسبة المتعلمين من الذكور 50 في المئة من السكان. فهل الخلاصة التي توصّل إليها ستون قبل أكثر من أربعة عقود يمكن سحبها على الانتفاضات العربية التي هبّت على المنطقة في مطلع العام 2011؟ هناك الكثير من العناصر المتشابهة التي حصلت في العالم في ستينيات القرن الماضي وما يحصل في العالم العربي في العقد الثاني من القرن الجاري، وتحديدًا في مجالي ارتفاع نسبة التعليم وظاهرة الطفرة الشبابية. فهذه العوامل الديموغرافية – التربوية ساهمت في دفع العلاقات الاجتماعية إلى نوع من اللااستقرار السياسي الناتج أصلًا من اللاتوازن الديموغرافي – الاقتصادي.
Abstract
3 Lawrence Stone, “Literacy and Education in England, 1640-1800”, Past and Present , no. 42 (February 1969), p.
- ديموغرافيا
- طفرة شبابية
- ديموقراطية
- شرق أوسط
- شمال إفريقيا
- Demography
- Democracy
- Education
- Middle East
نموذجا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
ما هي الأواصر التي تجمع بين الديموغرافيا والديمقراطية؟ المؤرخ البريطاني لورنس ستون
أكد في مقال صدر له في العام 1969 وجود علاقة سببية بين التعليم والثورة. فالاضطرابات
السياسية برأيه تبدأ حين تبلغ نسبة المتعلمين من الذكور 50 في المئة من السكان. فهل الخلاصة
التي توصّل إليها ستون قبل أكثر من أربعة عقود يمكن سحبها على الانتفاضات العربية التي
هبّت على المنطقة في مطلع العام 2011؟ هناك الكثير من العناصر المتشابهة التي حصلت في العالم في ستينيات القرن الماضي وما يحصل
في العالم العربي في العقد الثاني من القرن الجاري، وتحديدًا في مجالي ارتفاع نسبة التعليم وظاهرة
الطفرة الشبابية. فهذه العوامل الديموغرافية – التربوية ساهمت في دفع العلاقات الاجتماعية إلى
نوع من اللااستقرار السياسي الناتج أصالً من اللاتوازن الديموغرافي – الاقتصادي.
مقدِّمة
سيبينّ هذا البحث أولا كيف أن التحوّل الديموغرافي، بمعناه الأوسع، لهوَ ظاهرة كونية، تشمل
الآن العالم العربي (والعالم الإسلامي). إلاّ أن القصد من هذه الورقة تجاوز الديموغرافية الوصفية
ليشتمل على السياسة، وبخاصة في ما يتعلق ب لانتفاضات العربية الجارية حاليا. إن هذا النوع من الربط بين
التعليم والديموغرافيا والسياسة ليس اكتشافًا جديدًا، فقد أوجد المؤرخ البريطاني لورنس ستون L. Stone()
مؤخرًا صلة بين التعليم والثورة في مناخ آخر في مقال نشر، بالمصادفة، بعد عام من ثورة أيار / مايو. 1968
1 التحوّل الديموغرافي هو عبارة عن دورة تاريخية تتلخّص في ارتفاع نسبة الذكور القادرين على القراءة والكتابة، ومن ثم ارتفاع نسبة
الإلمام بالقراءة والكتابة لدى الإناث، وهو ما يؤدي إلى انخفاض نسبة الخصوبة بسبب استعمال وسائل منع الحمل وارتفاع سن الزواج.
2 درس ستون الثورة التي أدت إلى إعدام الملك تشارلز الأول عام 1649، ولكن ستون لم يضمّن العوامل الديموغرافية في تحليله.
كان استنتاجه الأساسي فيه أن القلاقل السياسية تبدأ ما إن تبلغ نسبة المتعلمين في صفوف الشبّان 50 في المئة
من إجمالي السكان. وعليه، فإن هذا لاجتّاه نحو زيادة التعليم كان ولا يزال ويبقى عاملا من عوامل التمزّق لاجتماعي، بخاصة
حين يكون الشباب هم الفئة الديموغرافية الطاغية في المجتمع، كما هي الحال من المغرب إلى عمُان. يناقش الجزء
الثاني من البحث ظاهرة «النمو في أعداد الشباب»، ولكن هذا لاختلال لن يدوم إلى الأبد، فمن الممكن توقّع
مستقبل أهدأ، وفقا للمؤشرات الديموغرافية. فقد دخلت جميع هذه الدول اليوم في مرحلة من التقارب مع العالم المتقدم، وهو ما يعني أن «النمو في أعداد الشباب» سيبدأ ب لانخفاض من دون أن يترافق ذلك مع ارتفاع كبير في نسبة المسنيّن. تقدّم هذه الديموغرافيا
الجديدة فرصًا هائلة للعالم العربي وللمنطقة، وبخاصة من الناحية لاقتصادية. وقد يكون الأثر الأساسي
اقتصاديًا بامتياز، ولكنه سياسي بالتأكيد، يشمل الجزء الأخير من الورقة هذه التوقعات.
أولا: من الثورة الديموغرافية إلى الثورة الديمقراطية
فوجئ الجميع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ب لاندلاع السريع للأحداث في كانون الأول / ديسمبر 2010،
وأُصيبوا بالدهشة جرّاء توسّع نطاقها. وصف هذه الحالة وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، الذي يتوقَّع منه
أن يكون من أقل لاشخاص تعاطفًا مع هذه التطورات، بأنها تسونامي، في حين اصطُلح سريعا على تسميتها «انتفاضات». ولكن كان لا بد لهذه التطوّرات أن تحدث، نظرا إلى كونيّة الحالة الإنسانية، إذ ليس ثمة فروق جوهرية بين البشر،
وإنما الفروق تكمن في درجة تطوّرهم. لذا، كان وصول تلك لانتفاضات إلى البلدان العربية حتميا، بعد أن
كانت قد انطلقت من إنكلترا وأزهرت في فرنسا قبل أن تنتشر في أرجاء أوروبا والعالم. شهدت الدول العربية طوال العقود الأربعة لاخيرة، وبالتناسب مع درجة تقدّمها، تحولّات ثقافية وديموغرافية
وأنثروبولوجية وعائلية تشبه تلك التي عاشتها أوروبا منذ نشوب الثورة البريطانية (-1640 1660) والثورة
الفرنسية (-1789 1793). وبعكس ما تدّعيه النظريات الجوهرية أو الثقافية، لا يشكّل العالم العربي استثناءً
لهذه التطورات، ويتناقض التفكير عكس ذلك جوهريا، وفكرة التقدم البشري، أي ما يتعارض مع التاريخ
المعاصر، وهذا ما سنثبته لاحقًا. -1 التعليم جذر التحولّات الديموغرافية تعود عمليات التحولّات الديموغرافية المتعددة التي مرّت بها الدول العربية إلى انتشار التعليم بين الذكور أولًا،
ومن ثم بين الإناث. باتت أغلبية الشباب – التي كانت أمّية بالكامل تقريبًا منذ بضعة عقود - قادرة على الكتابة
والقراءة عند بلوغها سن ال -20 24 عامًا، وهي السن التي يبدأ معها الزواج والإنجاب. باتت بعض نتائج
هذه التحولّات معروفة ومدروسة جيدًا (كالعلاقة بين التعليم وانخفاض الخصوبة). ولكننا لا نزال نحتاج الى
رؤية كلية متكاملة تربط بين المراحل المتعددة لهذه المراحل، بدءا بانتشار التعليم ووصوًالى الثورة.
ذكور إناث
كويت لبنان األردن
فلسطني قطر البحرين
وجه أخص، لهوَ خطوة أساسية في تفرّد المرء واكتسابه استقلاليته. -2 التحوّل الديموغرافي: الوفيات، والخصوبة
الوفيات في أوروبا، وهو شرط أساسي لانخفاض الخصوبة.
الشكل رقم (1)
نسبة الشباب العربي بحسب الجنس (19-15 عامًا) القادر على الكتابة والقراءة،
بحسب البلد، 2010
عُامن
اليمن
ليبيا
مرص السودان املغرب موريتانيا
اململكة العربية السعودية تونس سورية اجلزائر العراق
اإلمارات العربية املتحدة
في سياق عملية التحديث والتحوّل الديموغرافي، من الضروري تأكيد أن اكتساب مهارة القراءة، والكتابة على
تشكّل الخصوبة العامل الأهم والأكثر فعالية الذي يتأثر بالتعليم، وإن كان التعليم يقلّص أيضًا نسبة الوفيّات.
يمكن ردّ بداية التحوّل الديموغرافي إلى القرن السابع عشر، حين ساهم التقدّم في مجال الطب في خفض نسبة وعلى نحو مشابه، وإن متأخّر، لم تكن الخصوبة العربية لتتقلّص لولا أن انخفاض نسبة الوفيات كان سابقًا
عليها، الأمر الذي رفع متوسط العمر المتوقع من 40 عامًا في الخمسينيات ليتجاوز اليوم ال 75 عامًا. فكان
لانخفاض معدل الوفيات هذا أثر عميق في الحالة الديموغرافية، بما يتجاوز المعايير الديموغرافية. وكثيرًا ما تم
توصيف الشعوب العربية – على عجالة - بأنها شعوب قدَرية، وهو توصيف كثيرًا ما تطلقه الشعوب العربية
على نفسها أيضًا. قد يكون مردّ ذلك إلى أن المجتمعات العربية اعتادت الموت الذي يأتي مفاجئًا ومن دون إنذار.
لهذا السبب، يشبه انخفاض معدل الوفيات ما يشبه الثورة الذهنية في عقلية الشعوب إذ أبعدتها عن القدَرية. وكما فعلت الشعوب القديمة في أوروبا، لجأت هذه المجتمعات حديثاًالى ضبط الخصوبة، وهي إجراءات
ضرورية لمواجهة النمو السكاني؛ فقد انخفض معدّل الخصوبة اليوم من 7.5 أولاد للمرأة إلى أقل من 3
أولاد في الفترة التي سبقت الفترة لانتقالية؛ وقد اقترب كثير من الدول من معدّل الإحلال – أو التعويض -
4 François Furet et Jacque Ozouf, Lire et Ecrire: l’Alphabétisation des Français de Calvin à Jules Ferry , éd. Par le Centre de Recherches Historiques de l’EHESS, coll. « Le Sens Commun, » 2 vols. (Paris: Editions de Minuit, 1977).
الديموغرافي (2.1) أو بات أدنى منه. نتيجةً لذلك، انخفض معدّل الخصوبة في إيران اليوم (1.8) ليمسي
أدنى من المعدّل في اسكندنافيا. أمّا في لبنان، وهو بلد 60 في المئة من سكانه مسلمون، فمعدّل الخصوبة فيه
(1.6) أدنى من معدّل الخصوبة في بلجيكا (1.8). في حين أن فرق معدّل الخصوبة في كل من تونس (2.05)
والمغرب (2.19) وتركيا (2.10)، مقارنة بمتوسط الخصوبة في النموذج الفرنسي الجميل، لا يتجاوز الفواصل
العشرية. يتناول البحث لاحقا شرطا آخر للتحوّل الديموغرافي، ألا وهو العلمنة (الشكل رقم)).2(الشكل رقم (2)
معدلّات الخصوبة العامة في البلدان العربية قبل مرحلة التحوّل الديموغرافي، وفي العام 2010
ذكور 50٫3 00٫3
إناث 50٫2
سورية
األردن
مرص
اليمن فلسطني العراق
الكويت
اململكة العربية السعودية
لا مجال هنا لتكرار ﻷﺍﺳﺒﺎﺏ ﳌﺍﺒﺎﺷﺮﺓ ﺍﻟمُحدّدﺓ ﻟﻠﺨﺼﻮﺑﺔ والمتداولة عالميًا؛ فقد تسبّب انتشار التعليم،
وخاصة تعليم الفتيات، في تأجيل سن الزواج، وانتشار وسائل منع الحمل – التي لا تتعارض مع الدِّين
بالنسبة إلى المسلمين وإلى قسم كبير من المسيحيين العرب – وهو ما أدى إلى انخفاض سريع في معدل الخصوبة
ليقارب المعدل الأوروبي المنخفض، أي ولدين. وهذا ما حصل في المناطق الأكثر تقدمًا في حوض المتوسّط
والشرق الأوسط كشمال أفريقيا ولبنان (ليس فقط بين المسيحيين، ولكن أيضًا بين المسلمين، سنّةً وشيعة)
وتركيا وإيران. -3 الزواج، زواج الأقارب/الزواج من خارج العائلة، والمجتمع الأبوي، وأدوار الجنسين لم يعد الزواج التزامًا دينيًا واجتماعيًا مقدّسًا مثلما كان في الماضي. وليست الحالة المغربية سوى مثال لذلك؛ إذ
لا يزال 42 في المئة من الرجال و 33 في المئة من النساء – عام 2010 الذين يتراوح عمرهم بين – 30 و 34
5 لاع على دراسة مفصلة عن التحوّل الديموغرافي في البلدان العربية و لاسلامية، انظر للاطّ: Youssef Courbage and Emmanuel
Todd, A Convergence of Civilizations: The Transformations of Muslim Societies Around the World , Translated by George.Holoch (New York: Columbia University Press, 2011), p. 134
6 للمقارنة بين المؤشرات الديموغرافية للمسيحيين والمسلمين في الشرق الأوسط وتركيا، انظر: Youssef Courbage and Philippe
.Fargues, Christians and Jews under Islam , Translated by Judy Mabro (London; New York: Tauris, 1997), p. 245
لبنان
اجلزائر عُامن ليبيا
املغرب تونس
قطر البحرين
اإلمارات العربية املتحدة
وغياب الحريّة.
المتجذرة في المجتمع منذ أزمان غابرة (الشكل رقم (3)).
إلى صنعاء البعيدة.
عامًا، عازبين أو من دون زواج، يعود ذلك، لدى البعض، إلى الخيار الشخصي. أمّا في الجزائر وتونس ولبنان،
فيقارب اليوم متوسط العمر للزواج 30 عامًا أو قد يفوقه، وهو تقريبا ضعف ما كان عليه في الستينيات. لم ينخفض معدّل الزواج فحسب، بل تغريّت طبيعته أيضًا. انخفض زواج الأقارب- أو ما كان يُعرف بالزواج
العربي- إلى النصف، وكان يعني ختما للعائلة الممتدّة وإقفالا على الروابط لاجتماعية، وهو ما أدّى إلى مؤسسات
متصلّبة. تجدر الإشارة، بعيدًا عن الحسابات الديموغرافية البحتة، إلى أن إمكانية المجتمع للانفتاح تتزايد مع
ازدياد ح لات الزواج من خارج العائلة (أو زواج الأباعد) كما في المغرب، حيث انخفضت نسبة الزواج بين
الأقارب من 30 في المئة إلى 15 في المئة بين عامي 1995 و 2010. بل يمكن القول إن هذا لانفتاح لاجتماعي
قد يكون عنصرًا ممهّدًا للثورة، خاصةً حين يحكم الشعبَ طغاة مستبدون، وهي الحال تقريبًا في جميع أنحاء
المنطقة العربية. من هنا، قد يفرسّ تضافر عوامل ديموغرافية عدّة (انتشار التعليم، وانخفاض الوفيات، والخيار
الشخصي في مسائل الزواج والخصوبة وغيرها) أسبابَ لانتفاضات التي تندلع ضد الأوضاع المعيشية القاسية لم تَعُد البنى والعقليات البطريركية قادرة على مقاومة التغيير الديموغرافي؛ ففي المغرب وتونس ولبنان وإيران
وتركيا وبعض مناطق سورية (المحافظات التي يسكنها العلويون والدروز والإسماعيليون)، بات معدّل الخصوبة
اليوم يقارب الولديْن، أو دون ذلك. ويبينّ الشكل أدناه، أن احتمالات عدم إنجاب مولود ذكر تتزايد باطّراد
مع انخفاض نسبة الخصوبة. وفي حين أن هذا لاحتمال يبقى ضئيلا مع معدل عام للخصوبة يتجاوز الأربعة
أولاد، وتتزايد بشكل كبير حين يقارب معدل الخصوبة الولدين، وهو ما يعني أن 25 في المئة من الأزواج في
المغرب ولبنان وتركيا وإيران والمناطق الساحلية والجبلية في سورية يرتضون بأن يُرزقوا بابنتين فقط، من دون
وريث ذكر. وهذا قد يتعارض وتعاليم الإسلام وربما، قد يتناقض بشكل أعمق، والأفكار البطريركيّة التقليدية الشكل رقم (3)
النسبة المئوية لاحتمالات عدم إنجاب أبناء ذكور بحسب عدد الأولاد
وفي ما يتعلق بأدوار الجنسين، فبعد أن كان دور المرأة مقتصرًا على الإنجاب والعمل المنزلي، اقتحمت النساء
العربيات (والإيرانيات أيضًا) المشهد السياسي منذ الأحداث الأخيرة بدءا بالدار البيضاء مرورا بدرعا، وصوً
فقد انتهى عصر «عزل» النساء في إثر مجموعة من التحولّات الديموغرافية والتعليمية الناجحة التي أعادت
تشكيل المجتمعات العربية وهيّأتها لظهور دور المرأة فيها. وهذا ما يظهر واضحًا في نسب وصول الإناث إلى
التعليم الثانوي والجامعي والشهادات العليا التي تحوزها النساء اليوم (الشكل رقم (4)). ففي التعليم الثانوي،
يزيد صافي معدّل لالتحاق بالمدارس لدى الفتيات عن مثيلته لدى الذكور في أغلبية الدول العربية، بدءا بالجزائر
(65/68) مرورا بفلسطين (82/87)، وصوً إلى شبه الجزيرة العربية بما فيها الكويت). 88/92(ويبدو التحصيل العلمي الجامعي للنساء لافتًا، إذ يتبينّ أن الفتيات هنّ اكثر تعليما من نظرائهم الذكور في كل
مكان باستثناء اليمن. بناءً على هذه المعطيات، ليس من الصعب على الباحث ان يتوقّع كيف يمكن لهذه الأرقام
أن تترجم عمليًا في مج لات التوظيف والسياسة وغيرها (الإعلام). الشكل رقم 4
معدل الالتحاق بالجامعات (24-18 عامًا) بحسب الجنس والبلد (حوالي عام 2010)
ذكور إناث
ليبيا لبنان فلسطني
البحرين األردن تونس اإلمارات العربية املتحدة اجلزائر اململكة العربية السعودية
-4 الآثار المتضاربة للتعليم ولوسائل منع الحمل إلاّ أن للتعليم أيضًا وجهًا خفيًا؛ فالتعليم في حد ذاته واستخدام وسائل منع الحمل، الناجم عن التعليم، يشكّلان
معا عاملين متضاربين، بمعنى أن نتائجهما قد تكون إيجابية وسلبية في الوقت نفسه. يؤدي اكتساب التعليم لدى الإناث والذكور على حد سواء، إلى انخفاض معدل الخصوبة، وهو ضروري
لتحقيق التقدم لاقتصادي. ولم يُلحظ سوى هذا الجانب الإيجابي، منذ عصر التنوير وصوً إلى إميل دوركهايم. غير أن المفكرين، في نهاية القرن التاسع عشر، شدّدوا على الجانب المظلم لعملية التحديث، مثل زيادة
معدلات لانتحار كنتاج ثانوي لها. وللأسباب نفسها، جعل تعلم القراءة والكتابة الأفراد والشعوب أكثر
وعيًا؛ فقد يؤدي التقدم الثقافي في بداياته إلى اضطراب فكري، وهذا ما نشهده فعلا في المجتمع العربي مترافقًا
مع انتشار التعليم:
املغرب اليمن
السودان موريتانيا
عُامن
مرص قطر الكويت سورية العراق
• يستطيع لابن أن يقرأ ويكتب، أمّا أبوه فلا يستطيع، علما إنه هو الذي يمسك بالسلطة المطلقة في المجتمعات
البطريركية؛ • تبلغ الأخوات المستوى التعليمي ذاته الذي يبلغه إخوتهن (وربما يصلن إلى مستوى أعلى)؛ • تصل الزوجات إلى المستوى التعليمي نفسه الذي وصل إليه أزواجهن (وأحيانًا مستوى أعلى)؛ • يقوّض انتشار وسائل منع الحمل- وهو ظاهرة تنتج من التعليم- الهيمنة التقليدية للرجل على المرأة. وهكذا، فقد يزعزع تعميم التعليم علاقات السلطة داخل العائلة، في حين أن منع الحمل يهدّدها بشكل غير
مباشر. وقد تؤدي هذه لاختلالات إلى اضطراب ذهني في المجتمع. فمنع الحمل هو تطور مرحب به لأن الحد من عدد الأولاد يتيح للأهل أن يولوا كل طفل على حدة قدرًا أكبر من
لاهتمام، فيحظى الطفل بالتالي بتغذية وتعليم ورعاية صحية أفضل، ويتلقّى حنانًا أكبر. وتكون مهمة الوالدين في عائلة صغيرة الحجم، بخاصة في ما يتعلق بالتفاعل بين الأب والأم، أكثر ديمقراطية وحرية – وهو ما قد يترك
أثرًا إيجابيًا في المجتمع والحوكمة بشكل عام. في المقابل، قد تولّد عائلة يسيطر عليها أب أمّي ويمارس سلطته على
أولاد يحظون بمستوى تعليمي لم يُتح لآبائهم – ولا سيمّا في المجتمعات البطريركية – خليطا قابل للانفجار. قد يكون تعليم النساء في بدايته عامل اضطراب؛ إذ حين تلجأ النساء إلى وسائل منع الحمل، كما يفعل نحو ثلثي
النساء في شمال أفريقيا، فما الذي يضمن لأزواجهن ألاّ يخنّهم؟ يجب عدم التقليل من أهمية هذا التوتر النفسي،
خاصة في مجتمعات تقليدية لم تختف منها تمامًا بقايا البطريركيّة. -5 العلمنة: شرط مسبق للتحوّل الديموغرافي؟ يُظهر لنا التاريخ أن علمنة الأفراد في المجتمع كانت تأتي، عادةً، بعد اختراق التعليم مختلف الشرائح لاجتماعية
في المجتمعات الأوروبية، وإن حدث ذلك بدرجات مختلفة. كانت فرنسا السبّاقة في ذلك؛ إذ بدأت الخصوبة تنخفض منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر حين قامت
النساء الفرنسيات بمخالفة صريحة لتعاليم الكنيسة للحد من خصوبتهن، فلجأن إلى الجماع الناقص أو استخدام واقيات ذكرية بدائية مصنوعة من أمعاء المواشي. في تلك الفترة، اشتكى كاهن فرنسي من منطقة إيل دي فرنس من أن «خداع الطبيعة وصل إلى الريف». ثم مرّت بقية بلدان أوروبا بعملية العلمنة نفسها، ولكن بفارق قرن،
وهو ما أخّر التحوّل الديموغرافي على الرغم من أن أغلبية هذه البلدان كانت تتمتّع بمعدلّات في الإلمام بالقراءة
والكتابة أعلى ممّا هي عليه في فرنسا. أمّا المجتمعات العربية التي سجّلت تحوّلاًاستثنائيًا سريعا في الخصوبة على الرغم من جميع الصعوبات، فهي
تعيش بالتأكيد عملية العلمنة هذه نفسها، ولكن يصعب قياسها، إذ تبقى استطلاعات الرأي بشأن الموقف
من العلمنة نادرة في المنطقة؛ فلا يزال الموضوع يُعتبر نوعًا من المحرّمات. إلاّ أن المغرب استثناء في هذا المجال،
إذ يمكن أن جيُرى فيه هذا النوع من لاستطلاعات. صحيح أن المغرب هو، رسميا، من أكثر البلدان العربية محافظة في المجال الدّيني، حيث إن الملك هو أيضًا «أمير المؤم ين»، إلا أن لاستطلاعات فيه تشير إلى أن الممارسة
الدّينية تتراجع بين الأجيال الشابّة بخلاف الصورة النمطية الشائعة: يدّعي 47 في المئة فقط من الشباب المغربي
أنه يحافظ على عقلية دينية، 36 في المئة من الذكور و 59 في المئة من الإناث.
لهذا أثر ملحوظ في الحدّ الطوعي لعدد الأطفال؛ إذ يشير منع الحمل إلى أن الجميع - سواءً تعلق الأمر بالمسيحيين
في أوروبا أو بالمسلمين العرب- بدأوا يشعرون بأنهم وحدهم مسؤولون عن خياراتهم الإنجابية. وعليه لم يعد «التدخّل الإلهي» هو سبب الإنجاب، وبات الأفراد يفهمون أن منح الحياة هو مسؤوليتهم الفردية، وأنه قرار
يجب ألاّ تتحكم فيه العائلة أو القبيلة أو أي سلطة سياسية أو دينية. تشير البيانات التجريبية، على محدوديتها، إلى هذا التطور العميق في المفاهيم. فمنذ نحو أربعين عاما، أُجري أول
استطلاعات الرأي بشأن الموقف من الإنجاب في العالم العربي. كان أحد لاسئلة التي طُرحت في لاستطلاع:
«ما هو العدد المثالي للأولاد بالنسبة إليك؟»، فأجابت نسبة كبيرة من النساء عبر ردود غير رقمية؛ فبدً من القول إنهن يرغبن في طفلين أو ثلاثة أو عشرة، كانت كثيرات منهن يجبن بجُمل من نوع «إنها مشيئة الله»، «أنا لا
أؤمن بالمباعدة بين الولادات، إن الله هو من يختار»، وغيرها من العبارات التي لا تتضمن أي إشارة إلى أرقام. أمّا اليوم، فقد اختفت هذه الإجابات غير المحددة بشكل شبه كامل من استطلاعات الرأي. تترك العلمنة أيضا عميق الأثر في العلاقات بين مختلف الثقافات المختلفة؛ فبخلاف ادعاءات المحذّرين من
«صراع الحضارات»، يشهد العالم العربي والإسلامي، وبخاصة في شمال أفريقيا، حاليا عملية علمنة. يجدر التوضيح هنا أن العلمنة لا توازي الإلحاد أو اللاأدرية، ولكنها تعني أن الفرد أصبح علمانيًا بالكامل في سلوكه
اليومي، وبخاصة في المجال لاكثر أهمية ألا وهو القدرة على منح الحياة. وهذا لا يتناقض بشكل جوهري مع استمرار الفرد في الذهاب إلى الكنيسة أو الجامع أو المعبد. تشهد المجتمعات العربية اليوم ما أسماه ماكس فيبر ظاهرة «التخلص من الأوهام السائدة في العالم»، وهو ما جرى في الغرب منذ قر ين من الزمن. وبعكس ادعاءات النظريات الجوهرية، يمر العالم العربي اليوم بتحول ديموغرافي ناجم أيضًا عن زيادة العلمنة. قد يبدو غريبًا وربما استفزازيًا الحديث عن علمنة المجتمع العربي في زمن تراكم فيه الأحزاب الإسلامية
النجاحات في لانتخابات الواحد تلو الآخر (أيار/ مايو 2012)، بدءا بالنهضة في تونس، مرورا بحزب
العدالة والديمقراطية في المغرب، وصوًالى الإخوان المسلمين والسلفيين في مصر وظهورهم في دول أخرى (ليبيا وسورية واليمن). غير أن نجاحات الأحزاب لاسلامية هذه، تعكس جبن الأحزاب اليسارية والليبرالية واستهتارها، بعد أن
تشرذمت مجموعاتٍ متعدّدة متناهية الصغر، أكثر ممّا تشير إلى جاذبية الإسلام في حد ذاته. إضافة إلى ذلك،
تسنّى لأغلبية العرب التعرّف حصرًا إلى الجانب الأسوأ للقوى العلمانية، طغاة ومستبدين: حزبا البعث العراقي
والسوري، وبصورة أخفّ بن علي في تونس والقذافي في ليبيا ومبارك في مصر وعلي عبد الله صالح في اليمن. -6 الديمقراطية أم الفوضى الإسلامية؟ لا توجد ضرورة لتعليل العنف الذي تفرزه المجتمعات العربية للحكم على نوع خاص من الإسلام. يكفي أن نتذكر سرعة التحوّل الديموغرافي في تلك البلدان المتمثّل في انخفاض معدل الخصوبة العام من 7.5
إلى أقل من 3 و 2 خلال أربعة عقود، وهي عملية استغرقت قرونًا في أوروبا. لذلك، لا تزال المجتمعات
العربية تعيش في حالة من لارتباك؛ إذ إنها تمر بتغيرات سريعة وفجائية في أنماط التفكير، مرفقةً بانتشار التعليم وبنسق يشبه ما مرت به أوروبا: معرفة الذكور بالقراءة والكتابة، ومعرفة الإناث بالقراءة والكتابة، وانتشار منع الحمل وانخفاض الخصوبة. إضافة إلى ذلك، يشهد أيضًا كثير من المجتمعات غير الإسلامية التي تعيش هذه
التحولّات (من انتشار التعليم ووسائل منع الحمل)، تقلّبات سياسية حادّة: رواندا، وكينيا، وساحل العاج،
وسري لانكا، وهايتي، على سبيل المثال. يخطئ كثير من الباحثين في الشمال والجنوب، إضافة إلى الإعلام، حين يعتبرون أن هذه الأزمات هي عبارة عن
ظواهر انكفائية، في حين أنها أزمات انتقالية تجري خلالها عملية تحديث تربك الشعوب وتخلخل الأنظمة السياسية. وعليه، يجب ألاّ نركز فقط على العوامل السلبية في التطوّرات الديموغرافية العربية، ونتناسى لاتجاهات
الإيجابية والمشجعة. وفي هذا المجال، ربطت مؤخرًا بعض الدراسات بين الديموغرافيا في العالم العربي
والإسلامي والتطرف وعدم لاستقرار. ومن بين هذه الدراسات، تقرير استراتيجي أعدّه جنر لات متقاعدون
ومسؤولون رفيعو المستوى في منظمة حلف شمال الأطلسي، أو الناتو، حمل عنوان: «نحو استراتيجية شاملة
لعالم غير مستقر». يشير التقرير إلى الدول العربية والإسلامية على أنها أقل المناطق استقرارًا في العالم، وتحديدًا بسبب «النمو في
أعداد الشباب» فيها، الأمر الذي، بحسب معدّي التقرير، يعزّز عوامل لاضطراب و لالتباس ويشجّع
التعصّب السياسي والإسلام المتطرف – الذي قد يغذّيه « لانفجار الديموغرافي». -7 من منظور النمو في أعداد الشباب «النمو في أعداد الشباب» مفهوم صاغه علماء السياسة الثلاثة غونار هاينسوهن ()G. Heinsohn8 وغاري
فولر (G. Fuller) وجاك غولدستون (J. Goldstone). وهو مفهوم يدلّ على ارتفاع نسبة من هم في الفئة
العمرية -15 24 عامًا قياسًا بإجمالي عدد السكان. هناك مقياس آخر يقارن من هم في الفئة العمرية 24-15
عامًا بالفئة «الناضجة» من السكان، أي تلك التي تتراوح سنّها بين 25 و 64 عامًا. هذا تأثير آلي فحسب ينتج
من مجمل مراحل عملية التحوّل الديموغرافي، حين تنخفض الوفيات وتبقى الخصوبة على مستواها (أو ترتفع
أحيانًا) ثم تنخفض، وتساهم كلّها في إعادة تشكيل البنية العمرية بشكل جذري. ففي مرحلة أولى يزيد حجم التحوّل الديموغرافي، وحصة الفئة الأكثر شغبا في المجتمع فيه، ألا وهي الشباب.
وفقا لأدبيات المفهوم الجديد هذا، فإن طفرة أعداد الشباب الذكور في المجتمع تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية
وإلى الحرب والإرهاب، وذلك بسبب « لابن الثالث والرابع» الذي لا يجد لنفسه موقعًا محترمًا في المجتمع، فيبرّر
اندفاعه للتنافس لاجتماعي من باب الدِّين والعقيدة السياسية. ولدى العودة إلى الماضي البعيد، إلى زمن الحروب اليونانية، يمكن ملاحظة تطابق قوي بين وتيرة اندلاع العنف –
من حرب إلى إرهاب – ونسبة الشباب الذكور في المجتمع مقارنة بالفئة «الناضجة» منه. لقد قام هاينسوهن بدراسة
7 Klaus Naumann, [et. Al.], Towards a Grand Strategy for an Uncertain World: Renewing Transatlantic Partnership , (Lunteren: Noaber Foundation, 2007), p.157. 8 Gunnar Heinsohn, “Demography and War », (A City Forum Defence Round Table: Defence Training, How will training be delivered to 2020? National Liberal Club, Monday 20 November, 2007), and “Islamism and War: The Demographics of Rage”, (Open Democracy, 16 July 2007); Jonas Attenhoffer, “Youth Bulge’ Violence”, The Jerusalem Post , 10/4/ 2007; Lionel Beehner, “The Effects of Youth Bulge on Civil Conflicts”, (Council of Foreign Relations, 27 April 2007) and “Middle East Youth Bulge: Challenge or Opportunity?,” Washington, DC: Brookings Institution, 22 May 2009). 9 Graham Fuller, “The Demographic Backdrop to Ethnic Conflict: A Geographical Overview”, (Washington: 1995); and The Youth Factor: The New Demographics of the Middle East and the Implications for U.S. Policy , Analysis Paper; no. 3 (Washington, DC: Saban Center for Middle East Policy at the Brookings Institution, 2003). 10 Youssef Courbage, “The Demographic Factor in Ireland’s Movement Towards Partition (1607-1921),” Population: An English Selection , vol. 9 (1997).
أغلبية فترات القلاقل التاريخية وعمليات الإبادة بوصفها آثارًا جانبية للنمو في أعداد الشباب: لاستعمار الأوروبي،
والفاشية، ومؤخرًا النزاعات الدائرة في دارفور، وأفغانستان، وفلسطين/ إسرائيل. لهذا، يقول هربرت مولر
(H. Moller): «يجب النظر إلى الفئات العمرية للسكان على أنها مُعامِل أساسي في نشوء السلوك العنفي». وبالنسبة إلى صامويل هنتنغتون، تشكّل الديموغرافيا عاملا محدّدًا أساسيًا في صراع الحضارات، وخصوصًا
الحضارات الإسلامية والحضارات غير الإسلامية: «إن نمو السكان في البلدان الإسلامية، وبخاصة تزايد الفئة
العمرية بين -15 24 عامًا، يوفّر لاستقطاب للتيارات الأصولية ويشجّع التمرد والهجرة؛ فالنمو لاقتصادي
يعزّز حكومات آسيا، في حين أن النمو الديموغرافي يهدّد الحكومات الإسلامية والمجتمعات غير الإسلامية».
وهناك علاقة مباشرة في ارتفاع مستوى التعليم: «يضم الناشطون الإسلاميون في صفوفهم نسبة عالية جدًا وغير
متناسبة من أفضل الشباب تعليما وأكثرهم ذكاء في مجتمعاتهم، بمن فيهم أطباء ومحامون ومهندسون وعلماء». وطُرحت نظريات عدّة لتفسير نزوع الشباب، من العرب أو من غير العرب، إلى العنف مقارنةً بالفئة السكانية
الأكثر نضجًا. يبدو أن مفهوم الموت لدى الشباب أقل تطورًا من نظيره لدى المتقدمين في السن، وقد يعود ذلك إلى
سبب بيولوجي: إن الفص الجبهي من الدماغ الذي يحدّ من التصرفات المتهورة لا يكتمل نموّه قبل سن النضج.
ومن الناحية الإحصائية، يرتكب الشباب جرائم القتل و لاعتداءات على الأملاك أكثر ممّا يرتكبها المسنّون. وتؤدي الديموغرافيا العائلية دورًا في هذه النزعة: ففي العائلات الأكبر حجما، حيث الشباب بأعداد وافرة، يسود
العنف عادة أكثر ممّا هو عليه في العائلات الصغيرة. لهذا، من السهل القفز إلى لاستنتاج بأن الإرهاب والعمليات
لانتحارية ظواهر مرتبطة بالشباب ارتباطًا وثيقًا، وبالتالي، بالمجموعات السكانية التي تسود فيها فئة الشباب. قد تجد طبقة الشباب «المعدمين-» التائهين في الشوارع من دون عمل بسبب البطالة المرتفعة- نفسها وقد
انجرّت بسهولة إلى أعمال الشغب والعنف والتطرف. وتتسبّب العزوبية وتأخر سن الزواج حالة من الكبت
الجنسي وبخاصة في المجتمعات المحافظة، كالمجتمعات العربية والإسلامية. ولكن ظاهرة المشاركة في الأعمال
العنفيّة ليست مقتصرة على هذه المجتمعات، كما يبينّ مثال إيرلندا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. تكمن المشكلة الأساسية لدى هذه المدرسة الفكرية – التي تعتمد منظور النمو في أعداد الشباب - في أنها
تصوّر الواقع المتغريّ بسرعة في هذه المجتمعات على أنها حالة ثابتة، وتُرجع تلك الظاهرة العابرة إلى عوامل
حضارية ودينية. وهي، بحسب هذه الأدبيات، تصوّر العرب والمسلمين بأنهم معادون للحداثة وبأن سلوكهم
الديموغرافي ثابت محدّد إلى الأبد. تفرسّ ظاهرة النمو في أعداد الشباب - وهي نتيجة إمّا خصوبة مرتفعة وإمّا
ازدياد الخصوبة- بأنها مترسخة في الذهن، وبأن نفسيات هؤلاء غير قابلة للتقدّم؛ إذ إن هذه الأدبيات ترفض
لاعتراف بالتنوّع العميق بين المجتمعات العربية، فتحلل سلوك المسلمين ب لاعتماد حصرًا على ديانتهم المشتركة.
11 Herbert Moller, “Youth as a Force in the Modern World”, Comparative Studies in Society and History , vol. 10, no. 3 (April 1968).
12 تجدر الإشارة هنا إلى أن مفهوم «صراع الحضارات» صاغه برنارد لويس في مقالة عنوانها «جذور الغضب الإسلامي» نشرت في مجلة
أتلانتك الشهرية عام 1990، قبل أن يخلّد هنتنغتون المفهوم في كتابه الشهير. انظر: Bernard Lewis, “The Roots of Muslim Rage,”
Atlantic (September 1990). 13 Samuel Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order , (New York: Simon and Shuster, 1996), p. 103.
14 المصدر نفسه، ص.113
15 أظهر استطلاع للرأي سبق لانتخابات الفرنسية في نيسان / أبريل -أيار / مايو) 2011 أن حزب الجبهة الوطنية المتطرّف يمينيا هو
الحزب الأكثر شعبية بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 24 عامًا.
السياسي والتطرف لاسلامي؟
المغرب الجزائر تونس ليبيا
سورية لبنان فلسطين مصر
المملكة العربية السعودية
اليمن العراق الأردن
وعلى النقيض من ذلك، وكما نرى في الشكل رقم (5) والشكل رقم (6)، فإن اختلافات كبيرة كانت ولا تزال
تعتري الدول العربية وغير العربية في المنطقة، وستبقى كذلك في المستقبل. ويشكّل النمو في أعداد الشباب
مرحلة عابرة في التحوّل الديموغرافي. وعليه، لماذا لا نتوقّع مجتمعات أكثر استقرارًا تتبع مرحلة لاضطراب الشكل رقم (5)
النمو في أعداد الشباب ومستقبله في المغرب العربي، 2050-1965
الشكل رقم (6)
النمو في أعداد الشباب، ومستقبله في الشرق الأوسط، 2050-1965
بالنظر إلى ست دول عربية في المشرق: مصر وسورية ولبنان وفلسطين والسعودية واليمن، وإلى دولتين في المغرب
العربي: المغرب والجزائر، يتبينّ أن تقاربًا ديموغرافيًا سيتحقق بعد أربعة عقود بين هذه الدول والعالم المتقدم؛
إذ ستكون الأوضاع الديموغرافية في الدول العربية و لاسلامية الأكثر تقدّما في عام 2050 شبيهة بتلك السائدة
في مناطق العالم المتقدم: أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا، حيث ستشكّل فئة الشباب الذين تتراوح سنّهم بين
15 و 24 عامًا نسبة 12.8 في المئة من إجمالي السكان، وستوازي نسبة هؤلاء إلى الفئة العمرية -25 64 عامًا
نسبة 23.4 في المئة. ينطبق ذلك على لبنان والمغرب والجزائر وتركيا، في حين أن إيران ستكون أكثر تقدمًا على المسار الديموغرافي.
على الرغم من ذلك، شهدت هذه الدول نموا حادًّا في أعداد الشباب، وهي تنتمي إلى ما يمكن تسميته الجانب
«المظلم» للانتقال الديموغرافي. هذه حقيقة لا شك فيها، غير أن الخطأ الذي ارتكبه أتباع برنارد لويس – الذي
صاغ مفهوم «صراع الحضارات» قبل هنتنغتون – كمن في اعتبار هذه المرحلة دائمة، وأنها انعكاس لجوهر
المسلمين ولمعتقداتهم الدينية. ولكن الأشكال الواردة ضمن النص تؤكّد أن الأسوأ قد مضى، بعد اجتياز تلك
المراحل الصعبة. لقد باتت ذروة الطفرة الشبابية من الماضي في أغلبية تلك الدول، باستثناء فلسطين (2020) واليمن:)2010(المغرب 2000؛ الجزائر 2000؛ سورية 2005؛ لبنان 1985؛ فلسطين 2020؛ مصر 2005؛ المملكة العربية
السعودية 2000؛ إيران 2005؛ تركيا 1995؛ اليمن 2010؛ - المعدّل: 2002.5 وعليه، نشهد حاليًا نهاية مرحلة النمو في أعداد الشباب؛ إذ نعيش في خضم عملية تحديث كونيّة، وهي دورة
طويلة ترتفع فيها معدلات التعليم والعلمنة ثم الخصوبة المنخفضة، وهو ما يؤدي بداية إلى تفاقم لاختلافات
في النمو الديموغرافي بين مختلف المناطق، ولكنه يؤدي في النهاية إلى التقارب؛ فالعالم العربي والإسلامي اليوم
هو في قلب عملية لانتقال إلى الحداثة. وقد لحقت بعض هذه الدول بمعايير الخصوبة المنخفضة السائدة في
أوروبا، مثل لبنان وتونس والمغرب وإيران، في حين أن بعضها الآخر لا تزال على الطريق، مثل اليمن وفلسطين
– اللتين ينخفض فيهما معدل الخصوبة بتسارع ملحوظ. ونحن نتوقّع أن يجري خلال فترة زمنية قصيرة تقارب
جميع هذه الدول ومناطق العالم المتقدم. وعليه، هناك ما يدعو إلى التفاؤل، ليس في المجال السكاني لاقتصادي فحسب، بل في المجال السياسي أيضًا، كما
سيتبينّ لاحقًا. يتيح التحوّل الديموغرافي حاليًا آفاقًا جديدة، في حين أن النمو في أعداد الشباب – الفزّاعة التي
طالما لجأ إليها مناصرو «صراع الحضارات» – قد بدأ ب لانحسار. لذا، سيتقلص منذ الآن الضغط على سوق العمالة نتيجة تعاظم فئة الشبّان بصورة ملحوظة. وستتناسب عملية
إعادة تشكيل الفئات العمرية الناجمة عن انخفاض معدلات الخصوبة، وتوسّع القطاع لاقتصادي، وسترتفع
بالتالي انتاجيّة العمالة مع التحوّل من الكميّة إلى النوعيّة. وبهذا، سيتمكن كل عامل من تحويل مساعدات نقدية وعينية أكبر، يرسلها إلى أهله المسنيّن، الأمر الذي سيحدّ
16 لم يتم تمثيل الأردن والعراق وتونس لتفادي الإثقال على الأشكال بأرقام إضافية. وينطبق الأمر نفسه على الإمارات في الخليج: عمُان
والكويت وقطر والبحرين والإمارات العربية، إذ لا يعود للأشكال معنى بسبب غلبة الكتلة السكانية المهاجرة في هذه الدول.
من أثر الشيخوخة، وهي مسألة ستصبح أكثر أهمية في الدول العربية ممّا هي عليه في أوروبا، بسبب السرعة
والفجائية التي ستنمو بها فئة المس ين ونسبتهم في هذه الدول. سيسمح تباطؤ « لاستثمار الديموغرافي» في مقابل صعود « لاستثمار لاقتصادي» للدولة، كفاعل اقتصادي،
بأن تصب اهتمامها على القطاعات الأكثر صلة مباشرة بالإنتاج وبتوليد الوظائف، كما سيستفيد القطاع الخاص
أيضًا من هذا التحول الديموغرافي. وسيؤدي التغيير الذي سيطرأ على الفئات العمرية إلى زيادة في نسبة الكبار
إلى الصغار، وهو ما يرفع بالتالي نسبة المنتجين الى المستهلكين، في حين أن انخفاض معدل الخصوبة سيزيد من
حجم الفئة العمرية التي تميل إلى لادخار، الشيء الذي يرفع معدل لادخار القومي. وهناك أثر حقيقي إضافي للتحوّل الديموغرافي وإن يكن خفيا، ألا وهو تضييق الهوة في توزيع الدخل. قبل بدء
التحوّل الديموغرافي، لم تكن الحصة الأصغر من الدخل الوطني تذهب إلى العمال الأشد فقرا فحسب، بل كان
على هؤلاء دعم عائلات أكبر. كانت لاختلافات في معدل الخصوبة بين الأغنياء والفقراء تشكّل عاملا مهما
للتفاوت في مستوى المعيشة بين مختلف الطبقات لاجتماعية في البلدان العربية. ويشكّل تقليص فجوة الخصوبة
بين الأغنياء والفقراء رافعة مهمّة للنهوض لاقتصادي (كما في تجربة نمور آسيا.) إن تقليص الفروق في توزيع الثروة وانتشار أكثر عدً للمعرفة هما عاملان يعطيان دفعًا للطبقات الوسطى،
ويشجعان على التعددية. وعليه، فإنه ليس من المبالغة الموازاة بين التحول الديموغرافي والتحوّل الديمقراطي.
ثانيًا: جذور التحول الديمقراطي
لم يكن أحد قادرًا على التنبؤ على نحو دقيق بموعد اندلاع الثورات العربية؛ فالمسألة تشبه التنبؤ بحصول زلزال
في كوبيه أو بورت أو برنس؛ إذ إن علماء الزلازل يجزمون بأن زلزالا مدمرًا سيقع في هذه المناطق، ولكنهم
غير قادرين على التنبؤ بموعده. وينطبق ذلك على علماء لاجتماع أو الديموغرافيا، إذ إنهم قادرون على إطلاق
توقعات بناءً على المؤشرات المتوافرة لديهم: مستوى التعليم، والتمدن، والخصوبة، والزواج، والزواج من
خارج العائلة، والنمو في أعداد الشباب، والبطالة، وغيرها من المؤشرات. قد يجزم الديموغرافيون، اعتمادًا على
هذه المعطيات، بأن شيئًا ما – ثورة، أو تمرّد، أو اضطرابات – سيحصل في هذه الدول، ولكنهم غير قادرين على
تحديد متى وكيف. مثلا، لماذا شقّت تونس الدرب أمام الثورة العربية الأولى وتبعتها مصر، في حين أن الأوضاع العامّة في مصر
كانت أسوأ كثيرًا ممّا كانت عليه في تونس؟ ولماذا أُلحقت ليبيا واليمن بركب الثورات في ما بعد؟ وكيف يمكن
للأحداث في سورية (والبحرين) أن تتطور في ضوء لاختلافات الديموغرافية المتميزة في ما بينها؟ كما أكّدنا أعلاه، يتيح التاريخ المقارن أن نفهم أننا في قلب عملية انتقال كونية الطابع، يشكل التحوّل
الديموغرافي عنصرها الأساس. هذه العملية تقود المجتمعات من التعليم إلى العلمنة، ومنع الحمل، وصوً
الى الثورة السياسية. فقد انطلقت هذه العملية التاريخية في أوروبا، ولا يوجد سبب يمنعها من لانتشار في العالم
العربي، بل إن اكتمال هذه الدورة التاريخية خلال أقل من أربعة عقود في العالم العربي هو مثال آخر على تسارع
الوتيرة التاريخية.
17 للمزيد من المعلومات عن الآثار لاقتصادية المتوقعة للتحول الديموغرافي العربي، انظر: New Demographic Youssef Courbage,
Scenarios in the Mediterranean, (Paris: INED, 2003).
منذ 46 عامًا، كان علماء لاجتماع ينظرون إلى العالم لاسلامي على أنه كوكب غريب. من هنا، فصّل الديموغرافي
الأميركي الشهير دودلي كيرك (D. Kirk) مجموعة «قوا ين» خاصة بالديموغرافيا الإسلامية. فاعتبر كيرك
أن الخصوبة الإسلامية تمتاز بارتفاعها، وأنها لا تُظهر بوادر انخفاض، وأنها ستبقى أعلى من مثيلاتها لدى
أتباع الديانات لاخرى. غير أن انهيار معدل الخصوبة في المنطقة برهان قاطع على بطلان هذا المنطق. وحدهم
المفكرون الجوهريون /الثقافيون رأوا أن العالم لاسلامي معادٍ بطبيعته للتقدّم وللحداثة. وإذا ذهبنا أبعد من ذلك، نستنتج أنه لو التزم العرب جميع مراحل التحول الديموغرافي، بما في ذلك
التعليم ومنع الحمل والعلمنة، لباتوا جاهزين لتكبّد مشقّة السير على الدرب الطويل للثورة السياسية
والتحوّل الديمقراطي. لا يمكن للتحولّات العميقة على المستوى الفردي أن تتحقّق من دون إعادة تنظيم التراتبيات المتأصلة منذ
القِدم، كمفهوم السلطة الأبوية المطلقة التي يمارسها الأب تجاه أولاده؛ إذ لا تعود هذه المفاهيم تلاقي قبوً في
ظل تعايش مرتبك يجمع بين أولاد متعلمين يرزحون تحت نير أبيهم الأمّي. كما أن النساء اللواتي يصبحن أكثر
تعلما من أزواجهن، يصبحن أقل قابلية للخضوع المطلق لإرادة الزوج. وقد ينطبق ذلك على العلاقة التقليدية
التي تربط الأخ بأخواته الإناث. تؤدي هذه العوامل بالتالي، إلى إعادة النظر في البنية التقليدية للعائلة، التي كانت تُعدّ من الثوابت في السابق.
ولكن ما يحدث على المستوى الفردي والعائلي لا بد له أن ينعكس على المستوى لاجتماعي، ما دام المجتمع صورة
مكربّة للعائلة الصغيرة. إن التشكيك في السلطة لا يتوقف عند المستوى الصُّغري؛ إذ إن الفرد الذي يتحدّى سلطة والده لن
يلبث أن يشكك بشرعيّة الرئيس – خصوصًا إذا كان «رئيسا مدى الحياة» كما هي الحال في الدول العربية
[باستثناء لبنان]. غير أن التحول الديموغرافي ليس مرادفا للنعيم، إذ تعتريه عوائق وأخطار متعدّدة. وينجم أحد هذه المخاطر
- وكنا ألمحنا إليه أعلاه بشكل غير مباشر- عن المقاومة الشديدة التي تمارسها المكوّنات البطريركيّة والذكورية
في المجتمع. وسيستغرق تغيير طبيعة العلاقة بين الجنسين، لوضع حدّ للهيمنة الذكورية وصو الى تفاعلات
سلمية هادئة، أكثر من بضعة عقود. يفرسّ التهديد التي تسلّطه الهيمنة الذكورية على أغلبية شرائح المجتمع سبب ح ين بعض فئات المجتمع إلى
طريقة التفكير السلفية، وهي تعني العودة الى المجتمع المثالي المتخيّل لبدايات الإسلام. وقد باتت اليوم مرئية
ومسموعة في المشهد العام أكثر من ذي قبل: الحجاب واللحية والمآذن المدوية. لكن بصورة عامة، وفي ما يتعدى
الحجاب واللحية والمئذنة، لا بد أن يلاحظ المرء التقدم الحتمي الذي يسجّله التعليم ومنع الحمل. وبالنسبة إلى أغلبية السكان العظمى (غير السلفية)، باتت القاعدة هي منع الحمل وسن الزواج المتأخر. ومع
تقلص حجم العائلة في المجتمعات العربية، بدأت العلاقات بين الأزواج وبين الأهل والأبناء تميل الى مزيد
Dudley Kirk, “Factors Affecting Muslim Natality », in Bernard Berelson, Family Planning and Population 18 Programs: a Review of World Developments (Chicago: University of Chicago Press, [1966]).
19 لقد كان تحصيل التعليم الأساس عاملا أساسيًا للثورات العربية أكثر كثيرًا مما اصطُلح على تسميته «التكنولوجيا الجديدة» بما تشمله
من شبكة عنكبوتية ومواقع التواصل لاجتماعي – فيسبوك وتويتر -، التي كانت مجرّد وسيلة لتعميم المعرفة والتبشير بضرورة التغيير
السياسي، ولكنها لم تكن أساس الحراك. على أي حال، لا قيمة للشبكة العنكبوتية في غياب القدرة على الكتابة والقراءة.
من المساواة والتكافؤ، وباتت أقل توترا بسبب انخفاض الضغط على موارد العائلة. لم نعد نجد نموذج «رب
العائلة» الذي يحكم بقبضة من حديد كي يفرض النظام على منزل مزدحم يحتوي على أكثر من دزينة من الأولاد. لا بد لهذه التحولّات أن تنتج تغييرات إيجابية على المستويين لاجتماعي والسياسي، إلاّ أننا لا نسمع هذا التحليل
يتردد كثيرًا - وقد يعود ذلك إلى تجزئة العلوم لاجتماعية؛ إذ إن الدراسات الديموغرافية تبحث في المسائل
السكانية، في حين أن الدراسات السياسية تتناول السياسيات، ونادرًا ما يرد تحليل يشرح كيفية تأثير التحولّات
الفردية والعائلية في السياسة، مع أن فصل التغريّات على المستوى الفردي والعائلي عن التغريّات الكبرى منهج
غير مجد. بناءً على ما تقدّم، ليس من المبالغة القول إن على الرغم من لاستثناءات على المستويين العالمي والعربي، هناك
علاقة بين مرحلة التحول الديموغرافي ومرحلة الديمقراطية. بمعنى آخر، إن المجتمعات التي يسود فيها حجم
العائلة التقليدي هي أكثر قابلية لأن يتحكم فيها مستبدون وطغاة. إذًا يبدو تحوّل النظام الديموغرافي إلى نمط
العائلة الصغيرة شرطًا ضروريًا – وان لم يكن كافيًا – للخروج من التسلّط إلى الديمقراطية. مهما يكن من أمر، هناك فجوات لا يمكن تجنّبها قائمة بين وتائر التحولّات الديموغرافية والسياسية؛ فتونس
مثلا هي أكثر الدول العربية تقدّمًا في المج لات كلّها: التعليم، والخصوبة، والزواج، التحرضّ، وردم الفجوة بين
الجنسين، وغيرها. صحيح أن المجتمع التونسي ينعم بتجانس طائفي و إثنيّ، إلاّ أنه كان على تونس أن تنتظر
حتى كانون الثاني/ يناير 2011 لتطلق ثورة الياسمين. فلو جرى لاعتماد على تحليل المؤشرات الإيجابية في
تونس، ولا سيما أن معدل الخصوبة الكلي اقترب من معدل 2 منذ أكثر من عشرة أعوام، لكان متوقّعًا أن تتم
إطاحة النظام التسلّطي في زمن أبكر. وعلى عكس ذلك، تمكّن اليمن، وهو أكثر الدول تخلفًا على القائمة، بما في ذلك أسوأ المؤشرات الديموغرافية
(معدل الخصوبة الكلي 5) و لاقتصادية- لاجتماعية – وهو بهذه المعايير بعيد جدًا عن تونس – من التخلص
من رئيس تسلّطي حكم أكثر من ثلاثة عقود، وذلك بعد أشهر قليلة من [ثورة] تونس. وبين هذين المثالين
المتطرفين نجد أن مصر وليبيا وسورية تمر بمرحلة التحوّل الديموغرافي نفسها، ولكنها تتبع مسارات سياسية
مختلفة للغاية. من مفارقات التاريخ أن السلطة السياسية هي التي تطلق عملية التحديث، التي ستؤدي في النهاية إلى زوالها (أي
السلطة)؛ فقد زرع الحكّام العرب الذين تقتصر أهدافهم على البقاء على كرسي الحكم – بشكل غير واعٍ – بذور
انهيار أنظمتهم. وقد أدت عملية التحديث، بما تشمله من إتاحة التعليم ومنع الحمل والعلمنة، في تونس – منذ عهد بورقيبة
الذي كان أول من تمسّك بموقع الرئاسة مدى الحياة قبل أن يخلعه مستبد آخر- وفي أغلبية الدول الأخرى إلى
تسريع سقوط الطغاة وقيام الديمقراطية. بينما كان البعض الآخر من الحكّام المستبدين أكثر حذرًا؛ ففي سورية
مثلا، تمّت التضحية بمستوى التعليم بشكل إرادي، وهو ما قضى أيضًا على دوره التحديثي. ولكن لم يتمكن أي
بلد عربي، مع استثناءات قليلة تاريخيًا، من وقف هذا المطلب لاجتماعي الذي يطلق عملية التحول الديموغرافي
وهي تعلن، بدورها، الحكم بالإعدام على هذه الأنظمة المستبدة.
20 تناول بحث لم ينشر بعد، هذا الموضوع، انظر: Jaak Valge, “Demographic Modernization of Societies and the Road to
Democracy,” (Unpublished manuscript, Demographic Modernization of Societies, 2007).
خاتمة
يمكن القول إنه قد أُتيح في جميع بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التعليم لأغلبية الذكور أولا، ثم
لحقه تعليم أغلبية الإناث اللواتي أصبحن قادرات على القراءة والكتابة أيضًا، الأمر الذي رفع مستوى الوعي
لدى الأفراد ومستوى فردانيتهم، وهو ما أدى بدوره إلى علمنة العقلية. وقد تبع ذلك منع الحمل، فانخفض
معدل الخصوبة وتقلّص حجم العائلة. هذه العوامل كلها هي شروط مسبقة تحّفز عملية التحوّل الديمقراطي. أمّا العنصر المشترك في تجربة جميع هذه الدول، فيكمن في سرعة تحولّها الديموغرافي الفجائي، حتى في الدول
الأكثر تخلفًا كاليمن، حيث معدلات الخصوبة الحالية التي لا تزال عالية جدًا (5 أولاد) هي أقل من نصف ما
كانت عليه عام 1990. وعليه، لا يمكن للشعوب أن تمسك بزمام قدرها الديموغرافي وأن تسمح لغيرها تقرير
مستقبلها السياسي.