العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في إصدارات الإسكوا: الهجرة من المنطقة العربية بعد «الربيع العربي»

قراءة في إصدارات الإسكوا: الهجرة من المنطقة العربية بعد «الربيع العربي»

A Reading of ECSWA Publications: Migration from the Arab Region after the Arab Spring

عبد الرحمن أياس*

الملخّص

تحاول هذه الورقة قراءة إصدارات منظمة "الإسكوا" واستشراف مستقبل الربيع العربي من خلالها. ووجدت الورقة بأن نجاح حكومات ما بعد الثورات أو فشلها في حل المعضلات الاقتصادية، وفي طليعتها الفروق الاجتماعية والبطالة، سيشكّلان دافعًا للتجديد للأحزاب والائتلافات الحزبية الحاكمة الجديدة في الدورات المقبلة من الانتخابات، أو سببًا لسقوطها بشكل مدوٍ وإفساح المجال لأحزاب وائتلافات حزبية أخرى تحل محلها، على أمل أن تلبي طموحات شعوبها.

Abstract

This paper analyzes select publications from ECSWA and uses them to forecast the future of the Arab Spring. The paper finds that the success or failure of governments after the revolutions to solve economic problems, foremost among them social divides and unemployment, will provide the impetus for the renewal of the new ruling parties and party coalitions in the coming rounds of elections or a reason for their loud collapse, leaving the way open for other parties and coalitions to take their place, in the hope of meeting the aspirations of the people.

الكلمات المفتاحية:
  • ربيع عربي
  • إسكوا
  • هجرة
  • أحزاب سياسية
Keywords:
  • Arab Spring
  • ECSWA
  • Migration
  • Political Parties

جاء «الربيع العربي» بتغييرات ضخمة، ويعِد بتغييرات إضافية، منذ انبلاج فجره بوهج النيران التي

أضرمها الشاب التونسي محمد البوعزيزي في نفسه حتى الموت في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010

أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، احتجاجًا على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي بو زيد لعربة كان يبيع

عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وتنديدًا برفض سلطات المحافظة قبول شكوى أراد تقديمها في حق

الشرطية فايدة حمدي التي صفعته أمام الملأ وقالت له بالفرنسية: Dégage، أي إرحل، فأصبحت الكلمة

شعار الثورة التي أطاحت الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بعد ذلك بأسابيع، وكذلك شعار الثورات

العربية المتلاحقة. تتوقّع دراسات كثيرة أن يؤثر «الربيع العربي» في الهجرة من البلدان العربية، خصوصًا في صفوف الشباب،

على صعيدين، الأول لانتقال الفعلي للناس، خصوصًا الشباب، من هذه البلدان إلى بلدان تقع في مناطق

أخرى من العالم، والثاني التصورات المتعلقة بالهجرة والتي يرسمها المهاجرون والباقون والدول في الأذهان

والسياسات. وبعدما أوجدت ثورات «الربيع العربي» تغييرات جذرية في تونس ومصر وليبيا، وشبه جذرية

في اليمن والمغرب، وفيما لا تزال مستعرة سلميًا في الأردن، وكالنار تحت الرماد في البحرين، ودمويًا في سورية،

يصعب تحديد لاتجاهات التي ستتخذها آثارها على صعيد الهجرة. وفيما البلدان العربية، بما فيها تلك التي قلبت فيها الثورات الأنظمة، لا تزال تجهل ما إذا كانت الحكومات،

الجديدة والمتجددة، ستكون أكثر استجابة لطموحات الناس، السياسية منها و لاقتصادية، مقارنة بتلك التي

كانت قائمة قبل «الربيع العربي»، يمكن للمرء أن يتوقع تباطؤًا في موجات الهجرة من المنطقة العربية، وربما

عودة لمهاجرين عرب إلى بلدانهم الأم، كما يمكن توقّع العكس تمامًا في حال فشلت الحكومات في ضمان

الحريات السياسية والأمن لاقتصادي. كذلك يستحيل توقّع السياسات التي ستعتمدها الحكومات على صعيد

القضايا المرتبطة بالهجرة. شهدت البلدان العربية المتوسطية هجرة بدأت قبل خمسة عقود من الزمن. ولدى انطلاق شرارة ثورات

«الربيع العربي»، كانت هذه البلدان مصدرًا لحوالي ثمانية ملايين مهاجر من الجيل الأول – كان 62 في المئة منهم

يعيشون في البلدان الأعضاء في لاتحاد الأوروبي، و 27 في المئة في بلدان عربية أخرى (20 في المئة في بلدان مجلس

التعاون الخليجي)، و 11 في المئة في بلدان أخرى. وكانت البلدان العربية المتوسطية مصدّرة للمهاجرين من

الجيل الأول بما يزيد على المتوسط العالمي، البالغ 3 المئة من السكان؛ فقد بلغت النسبة 12 المئة في حال لبنان،

مثلا، فيما كانت ليبيا لاستثناء الوحيد، إذ بلغت النسبة في حالها 1 في المئة. أمّا في ما يتعلّق بأعداد المهاجرين العرب بعد انطلاق ثورات «الربيع العربي»، فإن الإحصاءات بشأنها تتصف

بأنها ضئيلة، لكن الإحصاءات المتوافرة تشير إلى استمرار لاتجاهات السابقة للثورات من دون تعديلات تذكَر؛

ففي لاتحاد الأوروبي، مثلا، لا تتوافر إحصاءات معنية بجنسيات المهاجرين سوى في أربعة بلدان هي ألمانيا

وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، التي زاد عدد المهاجرين (الشرعيين) إليها من المغرب والجزائر وتونس ومصر

ولبنان وسورية في عام 2011. لكن مراجعة للاتجاهات خلال الأعوام الخمسة الماضية لا تبينّ حصول أي تحوّل

في عام 2011؛ فالزيادة السنوية في العدد الإجمالي للمهاجرين الآتين من البلدان العربية المذكورة والمقيمين في

البلدان الأوروبية الأربعة بلغت 839٫90 مهاجرًا، مقارنة ب 214٫67 مهاجرًا في عام 2010، و 738٫111

مهاجرًا في عام.2009 كذلك يعود 72 في المئة من الزيادة في عام 2011 إلى مهاجرين من المغرب، البلد الذي بقيت فيه التظاهرات

لاحتجاجية محدودة وأدت إلى تحوّل سياسي هادئ لا إلى ثورة. وكانت الهجرة المصرية الأكثر زيادة، نسبيًا، بين

عامي 2007 و 2011، وذلك بنسبة 19 في المئة في ألمانيا و 22 في المئة في بريطانيا و 45 في المئة في إسبانيا و 58 في

المئة في إيطاليا. لكن الزيادة بقيت ضمن لاتجاهات العامة للهجرة المصرية، من دون قفزة لافتة في عام 2011.

ويصح الأمر نفسه على البلدان العربية الخمسة الأخرى المذكورة. ويمكن لاستنتاج من دون تعسف أن

ثورات «الربيع العربي» لم تؤدِّ إلى تغيير يذكَر في اتجاهات الهجرة العربية الشرعية إلى أوروبا.

أولا: الهجرة غير الشرعية

لكن على صعيد الهجرة غير الشرعية، تحوّلت تونس وليبيا، فور انطلاق الثورة في كل منهما، إلى نقاط لانطلاق

عشرات القوارب التي تقل أعدادًا ضخمة من المهاجرين إلى إيطاليا. وبين كانون الثاني/ يناير وأيلول/ سبتمبر

2011، دخل 807٫42 أشخاص إيطاليا في شكل غير شرعي وعبر البحر، وصل معظمهم إلى جزيرة

1 Philippe Farguesand Christine Fandrich, “Migration after the Arab Spring,” (MPC Research Report 2012/09, Migration Policy Centre, 2012), p. 1, on the Web: <www.migrationpolicycentre.eu/docs/MPC%202012%20EN%2009.pdf>.

2 المصدر نفسه.

3 المصدر نفسه.

4 المصدر نفسه، ص.3

5 المصدر نفسه.

لامبيدوزا التي تضم 4500 شخص فقط، مقارنة بأقل من 5000 مهاجر غير شرعي في عام 2010 وأقل من

000٫10 في عام 2009، ومتوسط سنوي يبلغ 788٫18 شخصًا خلال أعوام العقد السابق. لكن غالبية ح لات العبور غير الشرعي في ربيع 2011 حصلت حين كان ضبط السواحل في تونس وليبيا في

أسوأ ح لاته، كما ضم المهاجرون أعدادًا كبيرة من مواطني بلدان غير البلدين المذكورين، خصوصًا البلدان

الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وترافقت القفزة في الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا مع تراجع كبير فيها إلى

مالطا وإسبانيا. وأي مراجعة للهجرة الشرعية إلى البلدان الأوروبية الثلاثة مجتمعة تبينّ أن هذه الهجرة بلغت

مستويات مرتفعة في الأعوام 1999 و 2006 و 2008، لا في عام 2011. بيد أن الثورتين في ليبيا وسورية، اللتين اختّذت أولاهما منحى عنيفًا في مقابل عنف النظام، ولا تزال أُخراهما

في وضع مماثل، أفضتا إلى زيادة بارزة في الهجرة من البلدين إلى خارجهما؛ ففي ربيع 2011 وصيفه، فرّ حوالي

985٫128٫1 شخصًا من ليبيا إلى تونس ومصر والنيجر والجزائر وتشاد والسودان، إلى جانب إيطاليا ومالطا.

وشمل المهاجرون 912٫422 ليبيًا يعتقَد أن أغلبيتهم عادت إلى ليبيا مع سقوط النظام الليبي وانتهاء الأعمال

الحربية في خريف 2011. وشمل الباقون عمومًا عما من بلدان عربية وبلدان واقعة جنوب الصحراء الكبرى

كانوا يعملون في ليبيا قبل الثورة، إلى جانب مهاجرين إلى ليبيا لم يصنّفهم النظام السابق مهاجرين لأنه لم يوقّع

اتفاق جنيف المتعلّق بوضع المهاجرين الصادر عام 1951. وحصلت أزمة كبرى ثانية على صعيد المهاجرين مع تحوّل الثورة السورية إلى العنف في مواجهة القمع الدموي

من جانب النظام في صيف 2011، لتزداد الأزمة حدة في عام 2012؛ ففي 7 حزيران/ يونيو 2012، قدّرت

المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عددهم بحوالي 117٫115 شخصًا، توزعت أغلبيتهم في

البدان المجاورة لسورية (تركيا ولبنان والأردن والعراق). ومع أن أي هجرة سورية بارزة لم تسجَّل إلى لاتحاد

الأوروبي، فقد لفت الأخير في تقرير إلى أن 578 سوريًا حاولوا عبور الحدود البرية لفضاء دول شنغِن، المؤلف

من البلدان الأوروبية المعتمدة لتأشيرة دخول موحدة، بين تشرين الأول/ أكتوبر وكانون الأول/ ديسمبر

2011، مقارنة ب 210 سوريين في الفترة المقابلة من عام 2010.

ثانيًا: آثار الأزمة الاقتصادية العالمية

لكن من العوامل المؤثرة في الهجرة من البلدان العربية إلى خارجها عاملا حديثًا يستحق التوقف عنده، وليس

له صلة مباشرة ب «الربيع العربي»، وهو الأزمة لاقتصادية العالمية التي بدأت مالية، بل بالأحرى ائتمانية، بعد

انهيار مصرف ليمان براذرز الأميركي في أيلول/ سبتمبر 2009. وقد بدأت إرهاصات الأزمة في الظهور في

الولايات المتحدة مع ترنّح القطاع العقاري، خصوصًا في شقه الإسكاني، في عام 2007، ليطلق انهيار الرهون

6 المصدر نفسه.

7 المصدر نفسه.

8 انظر: المصدر نفسه، و «The 1951 Convention relating to the Status of Refugees,» (United Nations High Commissioner

for Refugees (UNHCR)), on the Web: <www.unhcr.org/pages/49da0e466.html>. 9 «Communication from the Commission to the European Parliament the Council: Biannual report on the Functioning of the Schengen Area, 1 November 2011 - 30 April 2012,” (European Commission, COM(2012) 230 final,Brussels, 16/5/2012), on the web:<ec.europa.eu/homeaffairs/doc_centre/borders/docs/Biannual%20report%20on%20the%20 functioning%20of%20the%20Schengen%20area%2020111101-20120430.pdf>.

العقارية الثانوية، المحفوفة بالأخطار، لأنها ممنوحة لمشتري منازل لا يتمتعون بملاءة مالية صلبة وكافية،

انهيارًا في قطاع الإقراض ككل، طاولت شظاياه أوروبا والخليج والجنوب الشرقي لآسيا، قبل أن تنطلق الأزمة

لاقتصادية العالمية وتتوالد منها أزمات حادة، ليس أقلها أزمات الديون السيادية في دول منطقة اليورو. وتبدو العناصر المحركة للأزمة لاقتصادية العالمية التي تراجعت تداعياتها من دون أن تنتهي فعلا، متعددة

الأوجه، ومرتبطة بمَواطن ضعف واختلالات، أبرزها عدم اتساق سياسات لاقتصاد الكلي، وعدم كفاية

الإصلاحات الهيكلية، والقصور في ضبط القطاع المالي والإشراف عليه ورصده، وعدم كفاءة آليات الرقابة

والإنذار المبكر، إضافة إلى السلوك غير المسؤول لأرباب القطاع. وقد بدأت الهجرة الدولية تتأثّر بالتداعيات

السلبية لهذه الأزمة، عن طريق خسارة الوافدين وظائفهم، خصوصًا في قطاعات البناء والصناعة وبيوت

المال والخدمات والمبيعات والسياحة، وتراجع أجور العمال الوافدين، وتردّي أوضاعهم في العمل، نظرًا إلى

سعي أصحاب العمل والشركات التي يعملون فيها إلى لادخار لمواجهة الأزمة، وتمييز المواط ين ضد الوافدين،

باعتبار أن الأخيرين يستولون على وظائفهم ويتشببون ببطالتهم وسوء معيشتهم، وعودة المهاجرين إلى بلدانهم

بعد صرفهم من وظائفهم أو سعيهم إلى إيجاد فرص عمل جديدة حيث هم ولو في مقابل أجور أدنى أو ظروف

أقل ملاءمة، وتدينّ حجم التحويلات التي يرسلها المهاجرون إلى بلدانهم، وهو ما ينعكس سلبًا على الأوضاع

المعيشية لأُسرهم واقتصادات بلدانهم، وازدياد الهجرة غير النظامية، وتوسّع سوق العمل غير الرسمي، ونمو

ظاهرة لاتجار بالبشر. وفي مواجهة رياح الأزمة لاقتصادية العالمية، تعاني المنطقة العربية نقطة ضعف أساسية، تتمثّل في أن نموها

يعتمد أساسًا على عوائد النفط و لاستثمارات العقارية، وعوائد السياحة والمعونات الخارجية، أكثر من اعتماده

على أوجه النشاط لاقتصادي الإنتاجي. وعلى الرغم من أن الأزمة لاقتصادية العالمية في شقّها المالي هوت

بمؤشرات أسواق الأسهم العربية إلى مستويات دنيا ولم تتمكن تلك المؤشرات من لارتفاع عنها إلا لمامًا، فلا

تزال تداعياتها على لاقتصاد الحقيقي محدودة نسبيًا، خصوصًا في بلدان الخليج المتمتعة بفوائض مالية كبيرة

بفضل ارتفاع عوائد النفط مع استمرار أسعاره فوق 100 دولار للبرميل الواحد، وهو السعر المتَّفَق عليه بين

البلدان المنتجة والمستهلكة كمستوى لا يعيق استثمارات الأولى في القطاع ولا يرهق لاقتصادات المتأزمة للثانية

وبالتالي يعرقل نموها. بيد أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلدان العربية تراجع من 6 في المئة عام 2007

إلى 4 في المئة عام 2009. أمّا تأثير الأزمة في الهجرة في المنطقة العربية، فلم يتبلور في شكل كامل إلى الآن، نظرًا إلى عدم توافر إحصاءات

دقيقة ومفصّلة حول الموضوع. غير أن تقارير صحافية متفرقة تشير إلى أن «الأزمة لاقتصادية تسبّب هجرة

10 عبد الرحمن أياس، «هل كان الجشع السبب الوحيد لانهيار سوق الإسكان الأميركية؟،» الحياة، 2011/4/26، على الموقع

الإلكتروني: <www.daralhayat.com>.

11 عبد الرحمن أياس، «في لاختلالات البنيوية للاقتصادين العالمي والأميركي،» الحياة، 2011/8/8، على الموقع الإلكتروني:

<www.daralhayat.com>.

12 لجنة الأمم المتحدة لاقتصادية و لاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، «آثار أزمة المال على الهجرة الدولية في المنطقة العربية،» التنمية

لاجتماعية، العدد 6 (2009)، ص 2، على الموقع الإلكتروني: <www.escwa.un.org/divisions/div_editor/Download.asp?table_ name=divisions_other&field_name=ID&FileID=1182>. 13 International Organization for Migration,»The Impact of the Global Financial Crisis on Migration,» IOM Policy Brief, January 2009.

14 كريستينا برينت، طارق الحق ونورا كامل، آثار أزمة المال والاقتصادية على البلدان العربية: أفكار بشأن استجابة سياسات الاستخدام

والحماية الاجتماعية (بيروت: منظمة العمل الدولية، المكتب الإقليمي للدول العربية،.)2009

عكسية»، وتؤدي إلى «تراجع حاد لاستقبال العمالة العربية في الخليج »؛ إذ إن «أزمة البطالة العربية تتفاقم

وضحاياها من الشباب» 17، كما تؤكد هذه التقارير أن «اللبنانيين العاملين في الخليج بدأوا الهجرة المعاكسة»،

وأن «أزمة المال تهدّد وظائف 45 في المئة من عمال البناء في الإمارات». وتنذر التقارير بأن «الإمارات تجمّد

مشاريع بناء ب 335 بليون دولار جراءالأزمة»، وبأن «ديون دبي 80 بليون دولار»، وأن هناك «توجه

لتقليص الوظائف». وهكذا اشتدت رياح تداعيات الأزمة لاقتصادية العربية في المنطقة العربية تدريجًا قبل

أن تبدأ ب لانحسار.

ثالثًا: الهجرة الدائرية للأدمغة

أدّت الأزمة لاقتصادية العالمية إلى تقليص حجم تيارات الهجرة بين الدول المصدّرة والدول المستقبلة. وكانت

العمالة غير الماهرة الفئة الأكثر تضررًا اقتصاديًا لأنها كانت الأكثر عرضة للاستغناء عنها، ولن تجد وسيلة أخرى

للخروج من دائرة الفقر، نظرًا إلى انخفاض قدرتها على المنافسة في سوق العمل. أمّا العمالة الماهرة، وخلافًا

للعمالة غير الماهرة، فكانت أكثر حظًا وأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الجديدة في سوق العمل، وذلك

من خلال التنقل من دولة إلى أخرى، أو التمكن من الحصول على فرصة عمل في مؤسسات اقتصادية أخرى في

الدولة نفسها. وتزايدت الهجرة الدائرية للعمالة الماهرة كنتيجة للأزمة لاقتصادية العالمية. وربما يدعو ذلك إلى

تأكيد أهمية تأهيل اليد العاملة لرفع قدرتها على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية. وتُعتبر الهجرة الدائرية في حد ذاتها حلا يعود بالنفع على الدولة المصدّرة والدولة المستقبلة على السواء. فهي تلبّي

الطلب على العمالة في بلد المقصد من دون حاجة إلى التطبيع أو لاندماج، وترفع مستوى مهارات قوة العمل

في بلد المنشأ عند عودة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، وتؤمّن للمهاجرين مستويات عالية من الدخل في دولة

المقصد، بالإضافة إلى تمكينهم من اكتساب مهارات ومعارف جديدة في أثناء العمل في الخارج. غير أن انخفاض

الطلب على القوى العاملة بسبب الأزمة لاقتصادية العالمية قد يؤدي إلى ارتفاع وتيرة الهجرة الدائرية، وهو ما

سيؤثر سلبًا في لاستقرار المهني و لاجتماعي لنسبة كبيرة من المهاجرين.

15 «الأزمة لاقتصادية تسبّب هجرة عكسيّة،» (الجزيرة نت، 2009/6/7)، على الموقع الإلكتروني: <www.aljazeera.net/ereports/

pages/9e6f6e41-9d42-43b4-af4b-433899744916>.

16 «تراجع حاد لاستقبال العمالة العربية في الخليج،» (الجزيرة نت، 2009/4/8)، على الموقع الإلكتروني: <www.aljazeera.net/

ebusiness/pages/6d392325-65b3-4582-ae3d-b39665aac56f>

17 «أزمة البطالة العربية تتفاقم وضحاياها من الشباب،» (الجزيرة نت، 2009/4/6)، على الموقع الإلكتروني: <www.aljazeera.net/

ereports/pages/59636d8f-fa2c-48c1-9e78-cbeb47b1f307>.

18 «اللبنانيون العاملون في الخليج بدأوا الهجرة المعاكسة،» (منتدى الإمارات لاقتصادي، مكتبة الأخبار:أخبار لاقتصاد الخليجي

والعربي، 2009/3/6)، على الموقع الإلكتروني: <www.uaeec.com/news-action-show-id-17676.htm>.

19 «أزمة المال تهدد وظائف 45 في المئة من عمال البناء في الإمارات،» (الجزيرة نت، 2009/12/24)، على الموقع الإلكتروني: <www.

aljazeera.net/ereports/pages/9f15acab-4834-4b71-a98a-36e369e0590d>.

20 «الإمارات تجمد مشاريع بناء ب 335 بليون دولار جراء الأزمة،» (الجزيرة نت، 2009/3/15)، على الموقع الإلكتروني: <www.

aljazeera.net/ebusiness/pages/f3b55762-78e3-4789-a8b2-2e51c05abf3a>.

21 «ديون دبي 80 مليار دولار وتوجه لتقليص الوظائف،» (الجزيرة نت، 2008/11/24)، على الموقع الإلكتروني: <www.

aljazeera.net/ebusiness/pages/1a303e6e-d25f-40a2-9f88-cfbaa4e5cd09>.

رابعًا: تأثير التركيبة الديموغرافية العربية

وللهجرة العربية أسباب تضرب جذورها في التركيبة الديموغرافية لبلدان المنطقة؛ فهذه البلدان تشهد تزايدًا

كبيرًا في أعداد سكانها، «وبما أن هذه الأعداد تشق طريقها نحو الفئات العمرية المختلفة، مؤدية إلى انحسار الفئة

العمرية (0 – 14)، وإلى تضخم نسبة السكان في الفئة العمرية الثانية (15 – 64)، وإلى ارتفاع طفيف جدًا في

نسبة الفئة الأخيرة، أي فئة السكان المسنيّن، ومع اعتماد سياسات ملائمة، قد يخلق هذا التغير في التركيبة العمرية

للسكان فرصة سانحة للنمو لاقتصادي في المستقبل القريب والمتوسط. ف لاتجاهات الهيكلية المرتقبة للسكان في

المنطقة قد تكون فرصة سانحة لزيادة لادخارات و لاستثمارات، وذلك نتيجة لتدينّ معدلات الإعالة في شكل

موازٍ لانخفاض معدلات الخصوبة». لكن الفرصة «قد تكون أيضًا غير سانحة إذا فشلت هذه لادخارات و لاستثمارات في رفع معدلات النمو

لاقتصادي وزيادة فرص العمل المنتج. وتعتربَ التبعات على التنمية إيجابية إذا تزامنت مع سياسات مناسبة

تستهدف الفئات العمرية الشابة والسكان في سن العمل، وقد تكون سلبية على التنمية إن لم يستطع متخذو

القرار التخطيط لها في شكل مبكر، وخلق الظروف المؤاتية والبيئة السياسية الملائمة للتعامل مع هذه الفرصة.

ومن النتائج السلبية التي تلوح في الأفق ارتفاع نسبة العاطلين من العمل، وتفاقم الطلب على الهجرة الدولية». الأسباب التي تدفع الناس للهجرة تختلف من شخص إلى آخر؛ فهي في بعض الأحيان اقتصادية، وفي أحيان

أخرى سياسية أو حتى اجتماعية. فالبعض كان يغادر بلاده بحثًا عن مستوى معيشي أفضل، أو ربما لممارسة

نشاط سياسي أو اجتماعي بحرّية أكبر، بالإضافة إلى أسباب أخرى. وهذا يصح في العرب، خصوصًا شبابهم،

بعد عقود من الزمن أرست فيها الأنظمة القمعية سياسات اقتصادية تخدم النخب الحاكمة، وهو ما أوجد فروقًا

اجتماعية لا يُستهان بها. وجاءت الأزمة المالية العالمية ونظيرتها لاقتصادية التي تلتها، لتزيد في الطنبور نغما. ويعوَّل اليوم أن تكون ثورات «الربيع العربي» التي نجحت في إحداث تغيير سياسي، أكان جذريًا أم أقل من

جذري، وتلك التي يؤمل أن تفضي إلى تغيير، خصوصًا بعد الأثمان البشرية والمادية الباهظة التي ترتبت عليها،

سبيلا إلى فتح المجال واسعًا أمام حرية سياسية ورخاء اقتصادي يضعان حدًا للهجرة العربية، خصوصًا في

صفوف الشباب. وربما كان نجاح حكومات ما بعد الثورات أو فشلها في حل المعضلات لاقتصادية، وفي

طليعتها الفروق لاجتماعية والبطالة، سيشكّلان دافعًا للتجديد للأحزاب و لائتلافات الحزبية الحاكمة الجديدة

في الدورات المقبلة من لانتخابات، أو سببًا لسقوطها بشكل مدوٍ وإفساح المجال لأحزاب وائتلافات حزبية

أخرى تحل محلها، على أمل أن تلبي طموحات شعوبها.

22 اللجنة لاقتصادية و لاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، تقرير السكان والتنمية، العدد الثاني: النافذة الديموغرافية فرصة للتنمية

في البلدان العربية (نيويورك: الأمم المتحدة، 2005)، على الموقع الإلكتروني: <www.escwa.un.org/information/publications/edit/

upload/SDD-2005-5-a.pdf>..

23 المصدر نفسه، ص viii.

24 بتول شكوري، «الترابط بين السكان والتنمية والفقر على صعيد لاقتصاد الكلي: فرصية الألفية للتنمية،» ورقة قدمت إلى: المنتدى

العربي للسكان، اللجنة لاقتصادية و لاجتماعية لغربي آسيا، 21-19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، (E/ESCWA/SDD/2004/

WG.1/11).