العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التحوّل الديمقراطي: المدينة ومواطنيها في البرازيل

التحوّل الديمقراطي: المدينة ومواطنيها في البرازيل

“Managing Oil Resources: The Norwegian Model” by Farouk Al-Kasim

دينا قدومي*

الملخّص

* باحثة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Abstract

Book Title: Managing Oil Resources: The Norwegian Model Author: Farouk al-Kasim Place of publication: Kuwait Publisher: National Council for Culture, Arts, and Literature, Alam al-Maarifa Series, No. 373 Date of publication: 2010 Number of pages: 424

الكلمات المفتاحية:
  • التحول الديمقراطي
  • المواطنة في البرازيل
  • المدينة
Keywords:
  • Norway
  • Oil Resources
  • Management

الكاتب: ج. هولستن مكان النشر: برينستون (الولايات المتحدة) الناشر: جامعة برينستون تاريخ النشر: 2008 عدد الصفحات: 396

شهدت هذه المرحلة الحرجة من مراحل «التحول الديمقراطي» في العالم العربي، تساؤلات تشكّك في الفائدة الناجمة عن أي تغيير سياسي. تبدو هذه الشكوك متوقَّعة، وإن تكن سابقة لأوانها، في ظل استمرار غياب العدالة، وانسداد الحوار الوطني، وظهور أشكال جديدة من العنف المديني. في الواقع، إن أي تقييم للتحولات الديمقراطية القائمة، يجب أن يأخذ في عين لاعتبار أولا حالة التعبير عن الفعل الفردي التي شهدها «الربيع العربي»، وأن يدرس العمليات لاجتماعية

Insurgent Citizenship: Disjunctions of Democracy and: الكتاب Modernity in Brazil

التي أنتجت هذا التأكيد الصارخ للمواطَنة الفردية والجمْعية. أليس في الإمكان أن نرى في هذه الظواهر أنها تتجاوز مجرّد ردّ الفعل على انتحار محمد البوعزيزي، كونها تعربّ في الواقع عن تماهٍمع نضاله من أجل انتزاع حيّز لنفسه كمواطن؟ من هذا المنطلق، يقدّم لنا كتاب جيمس هولستن (J. Holston) مواطَنة متمرّدة، دراسة مهمّة ومفيدة وذات مغزى، بسبب الأوضاع التي تعيشها المنطقة العربية حاليًا؛ إذ يتضمّن الكتاب تحليلاعميقًا ومتعدّد الأبعاد لتشكّل المواطَنة في مدينة ساو باولو

خاصة، والبرازيل عامة، مبيّنا أن التوسّع الحضري، مدفوعًا بتلاقٍ فريدٍ للعوامل لاجتماعية والسياسية، قد شجّع على نشوء ما يمكن تسميته «المواطَنة المتمرّدة». يؤرخ الكتاب لتطور مفهوم المواطَنة في البرازيل بمختلف أشكاله على مدى القر ين المنصرمين: من عهد الدولة لاستعمارية، مرورا بالجمهورية فالديكتاتورية، وصوأخيرًا إلى الديمقراطية. ويشرح هولستن أن ما يسمّيه «المواطَنة المتمرّدة» نشأت في آخر المطاف، مخلخلة الأدوار والعلاقات لاجتماعية القائمة في البلد. ونظرًا إلى عملية التغيير الشاملة والسريعة التي عصفت بالبرازيل (وبدول أخرى في أميركا اللاتينية)، لا بد من إجراء دراسات مقارنة بالعالم العربي. إضافة إلى ذلك، لم يكن هذا التحول في البرازيل وليد نض لات تقليدية للطبقة العامّلية، وإنما نجم عن مجتمع متديِّن في أغلبيته، ومتنوع اجتماعيًا، وبطريركيّ البنية، تقمعه سلطة ديكتاتورية تنال شرعيتها من مظاهر ديمقراطية صُوَرية، وتستمدّها من خوف المجتمع من غياب لاستقرار. ويبدو التشابه بين هذه التجربة وتجربة العالم العربي واضحا دونما حاجة إلى تبرير. لهذا السبب، ثمة حاجة إلى إطار معرفي جديد يتيح فهم مسبّبات الحراك لاجتماعي هذا ودوافعه. لذلك يقترح هولستن مقاربة نشوء المواطَنة وتشكُّل الديمقراطية من خلال اعتماد نماذج تختلف عن النماذج التي تعتمدها العلوم السياسية التقليدية التي صُمّمت أساسا لدراسة المجتمعات في شمال الكرة الأرضية. وقد تكون تلك المقاربة إمّا عبر دراسة

1 في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، عقدت جامعة نوتردام في الولايات المتحدة ندوة بعنوان «التحولات الديمقراطية والربيع العربي: هل تقدم أميركا اللاتينية دروسًا لمنطقة الشرق الأوسط؟». انظر:

الشارع كحلبة للجدل السياسي، وإمّا عبر تقييم حيازة الأراضي والحيز الحضري. ومن هذا المنظور تحديدًا، تتضح أهمية كتاب هولستن في إطار دراسة المواطَنة والديمقراطية في المنطقة العربية. كتاب مواطَنة متمرّدة هو تتويج لأكثر من عقدين أمضاهما الباحث في دراسة البرازيل. وقد قام هولستن بأبحاث الكتاب ثم كَتبها متنقلا بين البرازيل والولايات المتحدة وفرنسا. خلال هذه الفترة الطويلة، قام هولستن، وهو باحث في الأنثروبولوجيا السياسية، بتعديل فرضياته كي يستجيب لما طرأ على الخطاب العام البرازيلي، الذي رأى في المواطَنة أساسًا للتعبئة لاجتماعية والسياسية. يعلن هولستن منذ البداية أنه يرى نفسه مشاركًا في عملية تنمية مدينة ساو باولو، وأنه، كمقيم في المدينة، تساوره أسئلة ومخاوف تتجاوز تلك التي تستثير الأكاديمي الفضولي. وكمواطن أميركي، ينظر إلى بحثه هذا على أنه تحليل نقدي لمفهوم المواطَنة في الولايات المتحدة الأميركية. توحي هذه المساءلة الذاتية، إضافة إلى مقاربة «البحث العَملَي» التي يعتمدها هولستن، بأن الكتاب كان وليد الإنتاج المشترك للمعرفة. وهو يعترف بقوله: «أرى عملي جزءا من مشروع للتحوّل لاجتماعي». بعد عرض سليم لمجموعة كبيرة من الأبحاث القانونية والتاريخية والمقارنة والإثنوغرافية وإحالتها المرجعية، يطرح هولستن ثلاث مقولات أساسية؛ فبعد أن وضّح مقاربته المفهومية لموضوع المواطَنة في الفصل الأول من الكتاب، فصّل حججه في ثلاثة أقسام هي: «التفاوتات» (أو انعدام المساواة) و«التمرّدات» و«التفكّكات».

3 انظر:

يشكّل موضوع «التفاوتات» القسم الأكبر من الكتاب، ويشرح الكاتب كيف أن المواطَنة البرازيلية ظلّت، في عهود حكومات عدّة، شاملة ولكنها لم تحقق المساواة. وتفيد حجة هولستن الثانية التي يفصّلها في قسم «التمرّدات»، بأن عملية التوسّع الحضري – وبخاصة تكوّن الأطراف المدينية التي يقطنها الفقراء- قد أسّست لمواطَنة متمرّدة. وفي القسم الأخير، «التفكّكات»، يقول هولستن إن المواجهة بين المفاهيم المتمايزة والمتمرّدة للمواطَنة، أنتجت في الشارع عنفًا وتمزقًا وقسوةً، وقد تكون هذه مرحلة لا غنى عنها على طريق التحوّل الديمقراطي.

أولا: مواطَنة شاملة لا تحقّق المساواة

يبدأ هولستن بحثه بدراسة نشوء المواطَنة في البرازيل، عبر النصوص القانونية أو عبر التطبيق الفعلي لها. ويبرهن في إطار بحثه هذا أن توترًا تخلل عملية التوفيق بين مفهوم المواطَنة المتساوية و«سياسات لاختلاف»، بسبب الرغبة في نيل المساواة بمعنييْها، الإجرائي والفعلي. وتؤكد مقاربته لموضوع المواطَنة الطابع الجمْعي للمفهوم بشكل جلي، أكان في ارتباطه بالدولة أم في ارتباطه ببقية المواط ين. وتشير هذه التفاعلات التي تجري في الحيّز العام إلى حدود المواطَنة وتعرّفها. وتنبثق خلاصة هولستن الرئيسة من أن المواطَنة في البرازيل تطورت تاريخيًا لتكون مواطَنة شاملة للجميع، إلا أنها فشلت في تحقيق المساواة. فهو يوصّف كيف أن التمايزات السياسية في صفوف المواطَنة البرازيلية أثّرت في إمكانية حيازة الأراضي في البلد، وولّدت بالتالي عناصر الفصل لاجتماعي والمكاني داخل المدينة. ويجمع تحليله بين المستوى الكيلّ للتحليل والمستوى الجزئي، إذ يشرح كيف أن تاريخ البرازيل، كدولة استعمارية يرفدها عمل الرقيق، قد أنتج دولة برازيلية تتنافس على جذب المستوط ين الأوروبيين، وتضع موانع قانونية تحول دون ملكية الأراضي. «وقد نجم عن هذا الإقصاء عن ملْكية الأرض نتائج وخيمة على المواطَنة البرازيلية». يقارن هولستن بين تشكّل المواطَنة في فرنسا والولايات المتحدة وتشكّلها في البرازيل ليدعم نظريته الأساس بشأن نشوء مواطَنة برازيلية شاملة ولكنها لا تحقق المساواة. وتبدو مقارنة البرازيل بالولايات المتحدة مهمة؛ إذ إنهما كانتا دولتين استعماريتين تعتمدان على عمل الرقيق وتتضمّنان أعدادا كبيرة من السكان الأصليين. غير أن الأوضاع المتشابهة بينهما أنتجت مفهومينْ متعارضينْ للمواطَنة، كرّسهما القانون. ففي أميركا اقتصرت المواطَنة السياسية على فئات محدّدة، بسبب العنف والعنصرية، ولكنها ساوت بين هؤلاء «المواط ين»، في حين أن المواطَنة السياسية في البرازيل شملت الجميع، ولكن بدرجات متمايزة. ويبدو هذا الأمر في تعامل البلدين مع سكانهما الأصليين من الهنود الحمر. في الولايات المتحدة، اعتبُر المواطنون الأصليون – قانونًا - أمّة منفصلة، ولم يحظوا بحق المواطَنة على هذا الأساس، بينما شملت المواطَنة في البرازيل السكان الأصليين من دون جدال أو اعتراض، وشجعت الدولةُ «اختلاط» الأعراق إلى درجة جعلت منه مفخرة وطنية للبرازيل. لكن سرعان ما تبين أن هذه السياسة لم تكن إلاّ وسيلة لمصادرة أراضي السكان الأصليين ونشر الدم البرتغالي. «هكذا، تم في القرى تنصير الهنود وتحضيرهم وتخليصهم من هنديتهم وتحويلهم إلى برازيليين». على الرغم من ادعاءات المواطَنة الشاملة، كان البرازيليون خاضعين لبنية اجتماعية -سياسية تحافظ على هيمنة النخبة. ودعّم هولستن تحليله

بالإحصاءات السكانية والسجلات لانتخابية والمناورات القانونية التي أُجريت، مثبتًا أن الكثير من البرازيليين، وتحديدًا الفقراء منهم، كانوا محرومين من مواطَنة حقيقية. فعلى سبيل المثال، كان حق لانتخاب محصورًا في «الرجال الجيّدين»، بمعنى أن المواط ين الذين ينعمون بشخصية مقبولة ويملكون ثروة مناسبة ويتمتعون بالذكاء المطلوب، هم وحدهم قادرون على المشاركة في العملية السياسية.. وقد أثّر تحويل المواطَنة إلى درجات متمايزة في إمكانية حيازة الأراضي، وبالتالي في إمكانية التحكّم في العمال. ويزخر كتاب هولستن بصورة خاصة بشروح تتناول العلاقة بين الأرض والعمل وجميع سياسات الحيز المكاني التي صاغتها. ف لانتقال من الملْكية العامة إلى الملْكية الخاصة وما يتبعه من إجراءات لاستملاك الأراضي وإنفاذ قوا ين التصنيف العقاري، هي عمليات مرتبطة ب لاقتصاد العالمي، كما أنها وسيلة لتعزيز سلطة النخبة على المستوى المحلي. من هنا، يقول هولستن إن أغلبية البرازيليين وجدوا أنفسهم مقصييّن عن نظام ملْكية الأرض الذي يعاني البيروقراطية المفرطة ويعطي الأفضلية لمن يتمتع بالمعرفة القانونية وبوسائل التحكّم فيها. وقد أجبرت قوا ين الأرض المعقّدة هذه - إضافة إلى هدم السلطة المساكن التي كان يقطنها العمال الفقراء في وسط المدينة بحجّة دافع التحديث- فقراءَ المدينة على لاستقرار في أطرافها. هنا انطلقت عمليّة يسمّيها هولستن «البناء الذاتي»، إذ اشترى عمال المدينة والمهاجرون الجدد قِطعًا صغيرة من الأرض تقع في أطراف المدينة، غير موصولة بالخدمات الأساسية في أغلبية الأحيان. وبنى هؤلاء السكان منازلهم بأنفسهم على هذه الأراضي وأنشأوا خدماتهم المشتركة. فوفّرهذا البناء البسيط للمدينة بيئة مستقلة عن الرقابة السياسية والعسكرية القائمة في وسط المدينة، وهو ما أنتج حيّزا عامًا جديدًا يسمح بنموّ أشكال بديلة من المواطَنة.

ثانيًا: المواطَنة المتمرّدة

يشكّل هذا النوع من المواطَنة ردًّا مؤثرا على السياسات الإقصائية، لاجتماعية والمكانية، ويفتح آفاقًا جديدة للمواطَنة في البرازيل. تتلخّص مقولة هولستن الثانية في أن مواطَنة متمرّدة نشأت في الأطراف المدينية لمدينة ساو باولو. ويوضح المؤلف كيف أن سكان الأطراف شهدوا تحوًّ على مدى ثلاثين عامًا انتقلوا فيها من اعتماد تدابير رجعية، بل عنفية، إلى تنظيم حملات استباقية واستراتيجية بغية الحؤول دون الإخلاء القسري ومصادرة الأراضي. فقد أتاح الوضع الجديد لهؤلاء السكان، -كونهم ملاّكًا يدفعون الضرائب ومستهلكين- تأمينَ حقوقهم، كما مك نهم من رفع مطالب جديدة إلى الحكومة. هنا يتفادى هولستن المبالغة في إضفاء صبغة رومنسية على هذه التطورات. ولاتزال هذه المجتمعات المحلية تعيش في أغلبيتها من دون صكوك ملْكية، إلاّ إنها نجحت في استعمال القانون ليتماشى ومصلحتها. يقول الكاتب «عمليا، يوفر هذا الوضع المستحدث للطبقات الفقيرة استراتيجيا قانونية كان قد صمّمتها أساسًا النخبة لاستعمارية في البرازيل». يشرح هولستن مسار هذا التطوّر عبر دراسة الدعاوى القانونية المتعلّقة بملْكية الأرض في حييّن من الأحياء الواقعة على أطراف مدينة ساو باولو، هما حي جاردم) وحي Jardim das Camélias داس كاميلياس (لار ناسيونال (LarNacional). ويبينّ الكاتب عبر هذه الدراسة القانونية، المفصّلة والمعقّدة أحيانًا، كيف أن ملْكية الأرض في هذين الحييّن اللذين يمثلّان البرازيل، تحوّلت إلى عملية بالغة البيروقراطية. وقد امتزجت الشروط القانونية للملْكية بالشروط غير القانونية، حتى بدت عملية إنشاء حيازة قانونية للأرض أمرًا مستحيلا. فقد اشترى السكان بحسن

نية هذه الأراضي من مقاول عقاري اعتقدوا أنه يملك صكوك ملْكية أصيلة، ليجدوا أنفسهم بعد أعوام في قلب معركة قانونية طويلة الأمد؛ إذ طالب عدد كبير من ا المّك بالأرض التي كانوا قد اشتروها. هكذا، وجد السكان المحليون أنفسهم جزءًا من سوق غير قانونية للأراضي، وأضحوا مهدَّدين بالإخلاء القسري. شرح هولستن التكتيكات التي اعتمدتها هذه المجموعات المقيمة في نضالها لتفادي الإخلاء القسري والتجريد من الحيازة. لقد اضطلعت منظمات عدة بهذا الدور، بعضها مناطقي وبعضها الآخر ديني. وقد تعاونت هذه الجمعيات في ما بينها على مستوى الحي ومستوى المدينة. ويكشف هولستن الديناميّات والنقاشات الداخلية ضمن هذه المجموعات، والوسائل التي اعتمدتها في التنظيم، ويبينّ كيف أن نض لات السكان أدّت إلى تغيير صورتهم لأنفسهم كمواط ين، إضافة إلى تغيير نظرة الآخرين إليهم ضمن المدينة. يقول الكاتب: «أنتجت لا قانونية السكن فورة في الحقوق السياسية والمدنية لدى فقراء المدن». وقد لجأ الفقراء إلى العصيان ضمن مقاربة متعدّدة الأبعاد تتضمّن لاستفادة من القانون لمنع الإخلاءات، وبناء تحالفات مع الجامعات والأكاديميين (على غرار هولستن)، والتحدث إلى المسؤولين الحكوميين مباشرة، وتنظيم لاحتجاجات الشعبية إضافة إلى نشاطات التواصل الإعلامي. وتمكّن السكان من تجنّب الإخلاء عبر اعتمادهم ذريعة تحمل بعض المجازفة، إذ وضّحوا أنهم اشتروا الأراضي بحسن نيّة، وساهموا في بيئة المدينة عبر بناء منازلهم، وأكّدوا أنهم مواطنون يدفعون الضرائب. وصحيح أن المحاكم لم تكن قادرة على تحديد الملْكية وعلى إصدار صكوك بحيازة الأراضي، إلا أن هذه لاستراتيجيا أتاحت تفادي الإخلاء القسري. واكتسب السكان المحليون، من خلال تلك العملية، معرفة بالقانون وبحقوقهم، وهو ما أنتج تحوّل ا في هويتهم كمواط ين، وأعاد تحديد معايير المواطَنة نفسها.

ثالثًا: العنف والفظاظة

تتلخص مقولة هولستن الأخيرة في كون المواجهة بين هذه الأشكال الجديدة من المواطَنة المتمرّدة والمفهوم السائد للمواطَنة المتمايزة في البرازيل، أفضت إلى نشوب صراع تجىلّ في العنف والفظاظة في الشارع. على الرغم من تحقيق البرازيل مكاسب كبيرة في مجال التنمية الديمقراطية، شهد البلد تناميا في ح لات العنف المديني. وقد أثّر هذا الواقع الجديد في الحيّز الحضري بشكل عميق، إذ شهدت المدن انتشار الأحياء المسوّرة وتشديدا في الإجراءات الأمنية، في حين بدأ الحيز العام يتبدّد. فترسّخ بعض مظاهر المواطَنة في البرازيل، في حين تعرّضت مظاهر أخرى للركود وللقمع. يحاول هولستن أن يفهم سبب هذه لاختلالات، فيشرح فكرة «التمايز الرمزي اليومي في المكانة لاجتماعية»كي يثبت كيف أن تفكيك حيّز لامتيازات قد سبّب مخاوف، بل استياءً، في صفوف النخب البرازيلية. يقدم الكاتب أمثلة لهذا الواقع الجديد، ومن بينها تحليله لتغيير دينامية الحركة المكانية في شقق المباني التي تقطنها الطبقة الوسطى، بين ا المّك والأفراد الذين يخدمونهم. هنا، ينتقل الكاتب مجدّدًا بين المقياس الجزئي والمقياس الكلي للسياسة المكانية، فيعرضها من وجهة نظر السكان والمدينة والدولة. ويبينّ أن العلاقات المكانية الجديدة ضمن الحيّز الحميم للمنزل، ساهمت في بلورة سلوك عنصري تجاه الفقراء، وأدّت إلى عزلة النخب (التي اختارت «الأمان» المتوافر في المساحات الخاصّة المسوّرة)، وولّدت حنينًا إلى زمان الديكتاتورية العسكرية.

وقد أدّى هذا الموقف العنصري إلى تعزيز عنف الشرطة، إذ «رأى عدد كبير من المواط ين أن عمليات القتل التي ترتكبها الشرطة إنما هي تجسيد لحقّهم في الأمان». وساهم نظام قضائي منحاز وغير فعّال، في مفاقمة حدّة التوتر بين المجموعات لاجتماعية. يؤكد هولستن أن المحاكم غير العادلة هي التي تعيق التقدم الديمقراطي، وأن هذه الهوّة بين الديمقراطية السياسية والعدالة الديمقراطية هي أساس التنافر بين مختلف المجموعات لاجتماعية. يعرض هذا التحليل إذًا التعارض القائم بين توقّعات عملية التحوّل الديمقراطي وواقعها. وللمفارقة، يلاحظ الكاتب أن خطاب الحقوق والمواطَنةتمأسس في المجتمع البرازيلي بصورة شاملة؛ إذ يلجأ الجميع إلى لغة الحقوق لتحقيق غاياتهم، كمثل سكان أطراف المدن وهم يناضلون من أجل المسكن، والشرطة حين تبرّر لاستعمال المفرط للعنف، أو حين يحاول أفراد العصابات الدفاع عن أشكال العنف التي يمارسونها. يعكس هذا التناقض الصارخ بين الديمقراطية والعنف، استدامة علاقات القوّة المشوّهة ويعربّ عن عجز كبير عن إصلاح النظام القضائي. ولا يقتصر التحليل الذي يقدّمه هولستن على لاقتصاد السياسي، إذ يتيح الكاتب للقارئ استخلاص ما يراه مناسبا بشأن سبب استمرارية هذه التفاوتات، وكيف تمدّ في أجَل المواطَنة المتمايزة في البرازيل. إلاّ أنه بغضّ النظر عن ذلك، يتبنى الرأيُ العام البرازيلي في معظم الأحوال، سرديةً ترى في الدولة البوليسية القوية وفي تعزيز الأمن في المجتمع، الترياقَ الشافي من الخوف والعنف. وانتشرت هذه التفسيرات شعبيًا في عدد كبير من المدن عالميا، مزيلة الحدود بين دور الجيش والشرطة من جهة، وحقوق المواطن من جهة أخرى.

11 المصدر السابق 12 انظر

خلاصات

يشكّل كتاب مواطَنة متمرّدة دراسة مهمّة في مجال تشكّل المواطَنة. ولا تقتصر أهميته على الباحثين الذين يدرسون البرازيل والعمران والتوسّع الحضري، بل إنها تطاول المعنيين بالديمقراطية وبالحركات لاجتماعية. صحيح أن تحليل هولستن يغلب عليه الطابع القانوني والمكاني، إلاّ إنه يتناول هذه العناصر بوصفها جزءًا من عملية التحوّل الديمقراطي الذي يشكّل خلفية الدراسة. قد يكون تعدّد التخصصات دليلا على منعطف شهده البحث الأكاديمي بعد أن اكتسب التحليل المكاني أهمية، بعد أن سادت مفاهيم الزمن والتاريخ طويلاكوسائط للتنظير للمجتمع. غير أن مقاربة هولستن للمواطَنة في البرازيل تبدو مبررة؛ إذ ساهمت نظُم الإدارة المحلية الجديدة في البرازيل وإعداد الميزانيات المحلية التشاركية فيها وإقرار “ قانون المدينة ”، في تحفيز مشاركة أكبر للمواط ين عالميًا، حتى في المدن التي تقع شمال الكرة الأرضية. يقول هولستن إن «قانون المدينة» «حوّل التخطيط إلى وسيلة لتحقيق المساواة لاجتماعية والعدالة». نظرًا إلى هذه لابتكارات في مج لات الحوكمة والديمقراطية المباشرة والعلاقات بين الدولة والمجتمع، كان طبيعيا أن تستضيف مدينة ريو دي جانيرو المنتدى الحضري العالمي الخامس عام.2010 ترى مقاربة هولستن في المواطَنة الحقّة عنصرًا أساسيًا لنشوء الديمقراطية وترسيخها. ومن اللافت أن الكاتب يستعمل المدينة وحدة للتحليل، متيحًا للقارئ رصد تأثير السياسات الوطنية في التجربة الحضرية. فالديمقراطية تتيح علاقة بين المواطن والدولة أكثر انفتاحًا، بدلا من كونها أحادية الجانب. وعلى الرغم من ذلك، لم تنجم أشكال الأفعال التي

13 انظر

قام بها المجتمع المدني المحلي، عن بطالة الشباب أو عن مطالبة العمال بحقوقهم أو عن الدعوة للمساواة العرقية، بل انطلقت التعبئة من المنزل، وهو موقع يصرف النظر عنه عادة كونه غير مسيَّس. وهذا يدلّ على أن مفاهيم الحيّز السياسي توسعت لتشمل المساحات الخاصة و لاجتماعية، وهذا التحوّل ضروري لتحقيق ثقافة ديمقراطية ممُأسسة. يضاف إلى ذلك أن تحليلا قائما على أساس التمييز بين الجنسين قد يبينّ أن موقع لاستهلاك (المنزل) يؤمّن الحاضنة الشاملة التي تسمح بترجمة المعطى السياسي إلى معطى اجتماعي. وفي مدينة ساو باولو، أدّى عزل الأطراف عن المركز إلى نشوء حسّ اجتماعي مشترك وحقّق استقلالية نسبية لهذه الأحياء ولقاطنيها. فيما تبدأ الحركات الثورية في العالم العربي ب لانتقال إلى حلبات جديدة، كالحيّز العام والمحاكم ومكان العمل والحيّ، تبدو الموضوعات التي نوقشت في كتاب مواطَنة متمرّدة بالغة الأهمية. يقول هولستن «إنه تمرّد ينطلق من النضال من أجل الحق في حياة يومية في المدينة، حياة تليق بكرامة المواطن». لقد كانت المطالبة بحياة كريمة شعارًا متكرّرًا من تونس إلى مصر والبحرين. وقد أدى هذا التطلع البسيط إلى استنهاض شعبي واجتماعي شامل. ولكن يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن لهذا المفهوم المبسّط عن الكرامة أن يدفع بالتحوّل الديمقراطي قُدمًا؟

مراجع

Bayat, A., 2010, Life as Politics, Stanford:

Stanford University Press.

Graham, S., 2010, Cities Under Siege

The New Military Urbanism,

London, New York: Verso.

Holston, J., 2008, Insurgent Citizenship:

of

Disjunctions of Democracy and

Modernity in Brazil, Princeton:

Princeton University Press.

Kellogg Institute for International

Studies and Kroc Institute for

International Peace Studies, 2012,

The Tipping Point: Transitions to

Democracy in Latin America and

the Middle East, University of

Notre Dame. Available at http://

kellogg.nd.edu/about/Tipping%20

Point-Arab%20Spring.pdf

[Accessed June 7, 2012]

Soja, E., 2010, Seeking Spatial Justice,

Minneapolis: University

Minnesota Press.

Young, I.M., 1990, Justice and the

Politics of Difference, Princeton:

Princeton University Press..