العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عن ليبرالية موعودة تدمج الأفراد في طوائفهم نموذج متبلور في لبنان

عن ليبرالية موعودة تدمج الأفراد في طوائفهم نموذج متبلور في لبنان

On a Promised Liberalism Confining Individuals’ Integration to their Confessional Group: A Case Study of Lebanon

أحمد بعلبكي*

الملخّص

في ظل الانتفاضات العربية والمخاض الطويل الذي بدأته انطلقت هواجس تتعلق بتقبُّل العوام المنتفضة وتكيّفها مع أشكال وأطر للاندماج الاجتماعي التعددي الأكثر ديمقراطية، أو هواجس تهوين رجوع هذه العوام المنتفضة إلى أشكال تقبّل أطر الاندماج التقليدي والوقوع في غواية إعلان منفلت في ليبراليته المتخلفة يذهب إلى حد الإقرار بديمقراطية تفكيك التعددية الثقافية المألوفة في مجتمعاتنا، وشرعية العودة إلى أطر الانتماء إلى الطوائف. تنطرح إزاء ذلك مسألة الاندماج الاجتماعي التي نرى في التمهيد للبحث فيها أن ننطلق في معالجتها أولًا من توقف نقدي أمام تاريخية مفاهيم الاندماج المروَّج لها في مقاربات مؤسسي السوسيولوجيا الغربية. بعد المقدّمة، رصدنا أشكال تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي في النموذج اللبناني لليبرالية الموعودة في الإعلام النيوليبرالي المركزي والطرفي، واستعرضنا في نص ورقتنا ثمانية من أشكال هذا التعويق لمدنية الاندماج على كلٍّ من الصُعُد التالية: الدستور وإدارة الحكم والتمثيل النيابي؛ التشريع للتمثيل المحلي؛ تفاوت النمو بين المناطق والقطاعات؛ التشريع المهني والنقابي؛ تنظيم التعاونيات والجمعيات الأهلية؛ التربية والثقافة؛ ازدواجية الوعي في التواصل الاجتماعي؛ فرص النساء للاندماج الاجتماعي.

Abstract

The Arab revolutions have unleashed a difficult process of change in the region, raising concerns regarding social integration in the Arab world. Specific concerns raised include whether Arab populations will adapt to pluralistic and democratic forms of social integration, or whether the revolutionary Arab masses will eventually revert to traditional forms of social integration. In the latter case, the region could fall into the trap of a loose reactionary liberalism that could lead to the dismantling of a cultural plurality inherent to Arab societies, and promote integration within the confine of one’s confessional group. In this study, the concept of social integration, as promoted by the founders of Western sociology, is introduced through a critical lens. Using Lebanon as a case study, Baalbaki examines civic social integration in the Lebanese model of liberalism, which is promoted by neoliberal mainstream and local media. Throughout the paper, he discusses eight challenges to civic integration, including: the constitution, governance, and parliamentary representation; legislation for local representation; disparity in development between regions and sectors; legislation for unions and professional associations; the development of cooperatives and local non-governmental organizations; education and culture; cognitive dissonance in societal communication; and women’s opportunities for social integration.

الكلمات المفتاحية:
  • اندماج اجتماعي
  • طوائف لبنانية
  • ليبرالية
  • تمثيل نيابي
Keywords:
  • Social Integration
  • Sects in Lebanon
  • Governance
  • Legislative Representation
  • Social Networking

نموذج متبلور من لبنان

في ظل الانتفاضات العربية والمخاض الطويل الذي بدأته انطلقت هواجس تتعلق بتقبُّل العوام

المنتفضة وتكيّفها مع أشكال وأطر للاندماج الاجتماعي التعددي الأكثر ديمقراطية، أو هواجس

تهوين رجوع هذه العوام المنتفضة إلى أشكال تقبّل أطر الاندماج التقليدي والوقوع في غواية إعلان

منفلت في ليبراليته المتخلفة يذهب إلى حد الإقرار بديمقراطية تفكيك التعددية الثقافية المألوفة في

مجتمعاتنا، وشرعية العودة إلى أطر الانتماء إلى الطوائف. تنطرح إزاء ذلك مسألة الاندماج الاجتماعي

التي نرى في التمهيد للبحث فيها أن ننطلق في معالجتها أولا من توقف نقدي أمام تاريخية مفاهيم

الاندماج المروَّج لها في مقاربات مؤسسي السوسيولوجيا الغربية. بعد المقدّمة، رصدنا أشكال تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي في النموذج اللبناني لليبرالية الموعودة

في الإعلام النيوليبرالي المركزي والطرفي، واستعرضنا في نص ورقتنا ثمانية من أشكال هذا التعويق

لمدنية الاندماج على كلٍّ من الصعُد التالية: الدستور وإدارة الحكم والتمثيل النيابي؛ التشريع

للتمثيل المحلي؛ تفاوت النمو بين المناطق والقطاعات؛ التشريع المهني والنقابي؛ تنظيم التعاونيات

والجمعيات الأهلية؛ التربية والثقافة؛ ازدواجية الوعي في التواصل الاجتماعي؛ فرص النساء

للاندماج الاجتماعي.

تقديم البحث

تمثّلت أبرز فضائل الانتفاضات العربية في نجاحها بإسقاط بعض الأنظمة القائمة على علمنة

استبدادها. ومن فضائلها أيضًا أنها تنذر أنظمة أخرى قائمة على حماية عروبتها الإسلاموية. وفي ظل هذا المخاض المستديم للأنظمة، باتت تنطرح على العوام العربية وعلى نخبها الحاكمة هواجس صمود

أطر الاندماج الاجتماعي التقليدية التي سوّغت استبدادها بفعل تمثّل ثقافتها وقيمها.

وفي موازاة هواجس الأنظمة هذه ونخبها المحافظة، ينطرح في المقابل على أهل النظر والنخب المعارضة نوعان

من الهواجس: - هواجس تقبُّل العوام المنتفضة وتكيّفها مع ما يُبشر به إعلامها الوطني والديمقراطي من أشكال وأطر

للاندماج الاجتماعي التعددي الأكثر ديمقراطية. - هواجس تهوين رجوع هذه العوام المنتفضة إلى ما كانت عليه أشكال تقبُّلها أطر الاندماج التقليدي، والوقوع

في غواية إعلام منفلت في ليبراليته المتخلفة إلى حد الإقرار بديمقراطية تفكيك التعددية الثقافية المألوفة في

مجتمعاتنا؛ إعلام يذهب إلى حد التملق للعوام ونخبها بشرعية العودة إلى أطر الانتماءات إلى الطوائف؛ هذه

العودة المنذرة باستبداد أكبر في داخلها أو بتبعية للخارج أكثر من تبعية الأنظمة البائدة رسوخًا. هنا يجدر التذكير بأن مثل هذه العودة إلى الاندماج العصبوي مُرجّحة في أوساط العوام بفعل التدني المزمن

لمستويات الفرص المتاحة لها في المشاركة في خيارات النظام السياسي على صعُد تركيب السلطة وتثمير

الموارد وتوزيعها. ومن هنا تأتي أهمية طرح مسألة الاندماج الاجتماعي. إنها المسألة التي نرى في التمهيد لبحثها أن

ننطلق في معالجتها أوالً من توقف نقدي أمام تاريخية مفاهيم الاندماج المروَّجة في مقاربات مؤسسي

السوسيولوجيا الغربية.

تمهيد

نبدأ من الإشارة إلى أن مخاضات التحولات البنيوية التاريخية، التي أوصلت الأفراد في المجتمعات الليبرالية

المتطورة إلى الشكلين الراهنين من ارتباط الأفراد بالمجتمع الذي يعيشون فيه، لم يُتح لمجتمعاتنا العربية أن

تشهدها. ولهذا، كانت آليات تكوين هذه المجتمعات وأشكال ارتباط الأفراد بها - التي نفصّل لها أدناه - مختلفة

جذريًا عن شكلي الارتباط الشائعين في الأدبيات السوسيولوجية الغربية، وهما: - ارتباط يقوم على الدمج الاجتماعي Assimilation() المفروض على المهاجرين إلى المجتمعات الأوروبية

اللاتينية الغنية، من خلال تقبُّلهم القيم السائدة فيها والتزامهم بها واحترامهم لمؤسساتها التي تضمن مساواتهم

بمواطنيها على صعيد الحقوق والواجبات بمقتضى التشريعات والسياسات التي تعتمدها. وهنا يلُاحَظ أن

التوترات تتزايد بين المواطنين والمهاجرين بفعل صعوبات التقبّل المتبادل لاختلاف أنماط المعيشة وثقافات

التجاور بين الجماعات المتخالطة والمتحاشدة. وهذا ما يوفر مناخات ملائمة في المدن الغنية المقصودة لبروز

سلوكيات ميّالة لدى أوساط معيّنة إلى ممارسة العنصرية ضد الأفارقة السود والمسلمين، والعرب منهم خاصة،

فتلجأ إلى تحميلهم مسؤولية ارتفاع معدلات البطالة، واستنزاف الأموال المرصودة لأكلاف الحماية الاجتماعية،

وتردّي الأمن. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عنف قمع الشباب المنفعل على إقصائه الاجتماعي في ضواحي البطالة

والفقر الحاشدة كثيرًا ما يرتد في أوساط هذه الجماعات المهاجرة انشدادًا إلى أصولياتهم الدينية التي تعمل قياداتها

على استثمار انغلاقها. - ارتباط يقوم على اندماج اجتماعي Integration Sociale() ويرتكز في المجتمعات الأنغلوساكسونية

المتعددة الثقافات على الالتزام بقيم وتشريعات تضمن انفتاح المجتمع المديني المقصود على تقبُّل اختلاف

الخصائص الثقافية والاجتماعية للأفراد والجماعات الوافدة إليه، وتضمن توفير شروط أفضل للمشاركة في

الحياة الاقتصادية والسياسية، تاركة لآليات السوق أن تتحكم في قدرات الأفراد المهمَّشين على توفير الشروط

والأكلاف العالية للحماية الاجتماعية لهم ولعائلاتهم، ولتحمّل التبعات المتزايدة للبطالة خلال أزمات التراجع

الاقتصادي الدورية، وتاركة في المقابل لشبكات الضبط الأمني مواجهة الخروج على الحدود المقبولة من عفوية

سلوكياتهم الاجتماعية والشعائرية. وهنا أيضًا، يمكن أالّ تحول الأزمات الاقتصادية الضاربة أو السياسية الطارئة في مثل هذه المجتمعات، كتلك

المتكررة في الولايات المتحدة الأميركية، دون ارتداد المهاجرين عن أيديولوجيا الاندماج في المجتمع الليبرالي

التعاقدي الذي زعم أوغست كونت (1857 _ 7981) أنه تتوافر في سوقه الحرة يد غير مرئية تعمل على إنتاج

نظام اقتصادي _ اجتماعي متوازن. وفي مثل هذا الاتجاه تصوّر إميل دوركهايم 1917(_ 858 1) التشكّل الديناميكي للتضامن العضوي داخل

المجتمع الصناعي الليبرالي، معمِاّمً أنه تضامن يقوم على مبدأ تقسيم العمل، وعلى اعتماد الأفراد بعضهم على

بعض. وخيُتزل التشكّل والارتباط بين الأفراد واندماجهم في المجتمعات السابقة على الليبرالية الصناعية بأنه

تشكّل ميكانيكي بسيط يقوم بين أفراد متشابهين. وفي مثل هذا التوصيف الاختزالي الآلي المعمَّم على المجتمعات

ما قبل الصناعية، ومنها خاصة المجتمعات القبلية في الإمبراطورية العربية الإسلامية، لا يتوقف دوركهايم أمام

وجود الاختلافات في أدوار وخبرات وقدرات الأفراد والجماعات في أسواق الاقتصاد التبادلي البسيط ما قبل

الصناعي وما يترتب على مثل هذه الاختلافات من تفاوت بين المكانات الاجتماعية والسلطوية في هرم التراتب

داخل المجتمع المديني القبلي. ولا يتوقف في توصيفه الاختزالي أمام التطور التاريخي الذي سبق وتدرّجت عبره

المكانات الاجتماعية والسلطوية بحكم مصالحها في أسواق ذلك الاقتصاد ما قبل الصناعي، وهو ما فرض تدرّج

الحاجة في الحكم من شرع ديني إلى شرع عقلاني، على حد قول ابن خلدون في مقدمته منذ ستة قرون، عندما

تحدث عن «أن العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره» قائالً: «إعلم أنه قد تقدّم لنا في غير موضع

أن الاجتماع البشري ضروري، وهو معنى العمران الذي نتكلم فيه، وأنه لا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم

يرجعون إليه، وحكمه فيهم تارة يكون مستندًا إلى شرع منزل وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما

يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم، فالأولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع

بالمصالح في العاقبة ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة، والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط...». ونحن نرى أن «مقاربة الفلسفة الوضعية» في ما أسماه أوغست كونت قانون الحالات الثلاث التي تمر بها

الحضارة البشرية، ورغم ميله إلى المقاربة التعميمية في التصنيف التطوري لهذه الحالات، كانت مقاربة أكثر

ديناميكية في فهم تواريخ المجتمعات وأقرب إلى تاريخية ابن خلدون في توصيف الحضارة في حالة المجتمعات

العربية الإسلامية في القرن الرابع عشر، عندما أشار إلى ما يسمّيه الحالة التشريعية الانتقالية، التي تعقب في

تقديره الحالة اللاهوتية والعسكرية، وتسبق الحالة الوضعية والصناعية التي يتغلّب فيها تقدم المجتمع بفضل

تقدّم المعرفة والعلوم. وكانت مقاربة أقرب إلى التعبير عن سياق نمو المجتمعات القبلية العربية التي شهدت

انتقاالً متوسعًا إلى الشرع العقلاني بالتوازي مع توسع التجارة والأسواق بين أقاليمها. وليس من قبيل المصادفة

أن يتزامن مثل هذا الانتقال إلى التجارة «العقلانية» في المجتمعات العربية الإسلامية مع انطلاقة ما سُمّي في

1 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة العلامة ابن خلدون (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، [د. ت.])، الكتاب 1، الفصل

51، الباب 3، ص.303-302

تاريخ أوروبا الاقتصادي بالثورة التجارية وخروج الأساطيل الملكية الهولندية والبرتغالية والإسبانية من

شواطئها منذ مطلع القرن السابع عشر باتجاه موانئ المحيطين الأطلسي والهادئ لاستكشاف ثروات القارات

الأخرى وتحقيق التراكمات الرأسمالية الأولية الممهّدة على امتداد قرنين لانطلاقة الحالة الثالثة الوضعية المتجسدة

بالثورة الصناعية في إنكلترا وفرنسا. هذه الثورة المحفزة لاحقًا للسيطرة على الثروات والأسواق في جنوب آسيا

وشرقها، واستعمار بلدانها بفضل ما وفّرته الثورة الصناعية من تقدّم الأساطيل في مجال الملاحة البحرية وتسهيل

النقل عبر المحيطات. خلال تلك القرون الثلاثة بالذات، لم يكن إقليم بلاد الشام، ومنه مناطق لبنان اليوم على الساحل الجنوبي الشرقي

لحوض المتوسط، بمنأى عن تفكّك مركزية الدولة العربية الإسلامية والقطع الحضاري الذي شهده هذا الإقليم

وما انتهى إليه هذا القطع، على امتداد أربعة قرون، من تعويق النمو أو العمران في مفهوم ابن خلدون ومضامينه

التي يُلخصها ب «المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع»، وهي تقرب من مقاصد التضامن الاجتماعي المتمثّل في

تضييق الفجوة القائمة في توزيع نتائج النمو وفي المشاركة في الرفاه والقرار، وهي تُعتبر اليوم من بين المؤشرات

الدالة على استدامة التنمية في تقرير التنمية البشرية لسنة.2011 إن مثل هذا الفهم لطبيعة التعاون في الاجتماع البشري كضرورة لتحصين المُلك هو فهم لم يصدر عن مثالية

في تفكير ابن خلدون، وهو الذي انتقد في زمانه ما يُشاع عند الحكماء ممّا يسمونه «سياسة مدنية». وفصّل في

الفهم العقلاني للسياسة في العمران الذي خلص إلى بلورته وأسنده إلى مبادئ العدل واستقامة الحكم الضامنة

للاندماج المركّب للأفراد المتدرجين من البداوة إلى الحضر، وإلى «الاجتماع البشري الضروري». وفصّل معنى

هذه السياسة في «ما لا يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن

الحكام رأسًا ويسمّون المجتمع الذي يحصل فيه ما يُسمّى من ذلك بالمدينة الفاضلة والقوانين المراعاة في ذلك

بالسياسة المدنية وليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة. فإن هذه غير تلك

وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع...».

القطْع في مسيرة التقدم العمراني، والنكوص في أشكال الاندماج الاجتماعي

في تقديرنا أن التقدّم الحضاري، المتمثّل في عقلانية سياسة العمران والحكم التي بلغها بعض المجتمعات

العربية الإسلامية، والذي أشار إليه ابن خلدون، هو تقدّم ما كان يمكن أن يستمر في ظل المماليك وانغلاق

الأيديولوجيا الدينية على الاجتهاد الذي لا عمران من دونه، فكان لا بد من انتقال التقدم العمراني إلى مجتمعات

مجاورة في المدن الإيطالية المتوسطية والأوروبية التي بكّرت في استقطاب حركة التجارة من شرق المتوسط إلى

غربه، وبكّرت في ترسيخ معالم اقتصاد السوق بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر، وفي انتقال الفرد من الولاء

والاندماج الأحادي السلالي والديني إلى تعدد الولاءات والاندماجات الاجتماعية _ الاقتصادية، وهي المعالم

الأولى لليبرالية الأسواق التجارية. وفي تقديرنا أن القطع الحضاري Rupture civilisationnelle() الذي تعرضت له مجتمعات المدن العربية _

2 المصدر نفسه، ص.303

الإسلامية بعد العهد الفاطمي في مصر وشمال أفريقيا، ترافق مع تراجع تجارتها الإقليمية وانفتاح أسواقها على

المدن الإيطالية. وانعكس مثل هذا القطعالحضاري في المجتمعات العربية انكفاءً ثقافيًا واقتصاديًا على امتداد

العهدين المملوكي والعثماني، وإحياءً للانتماءات الموروثة التقليدية؛ إحياءً أدى ويؤدي إلى نكوص في مضامين

الاندماج وانكفائه على حدود الأطر العصبوية القبلية والجهوية والطائفية المتداخلة أحيانًا كثيرة في مجتمعات لم

تتح لها ظروف الهيمنة الريعية العثمانية والاستعمارية الأوروبية من بعدها ظروفًا ملائمة للتطور والانتقال إلى بُنى

اقتصاد التصنيع والتكامل القطاعي، ولا الانتقال إلى علاقات إنتاج تقوم على التقسيم التقني للعمل الذي قاد في

أوروبا إلى تراتب اجتماعي وإلى انتماءات يغلب على تركيب هويات الأفراد فيها تصنيفاتهم المهنية - الاجتماعية

لا تصنيفاتهم القرابية - الجهوية. وفي الوقت الذي كانت مثل هذه التصنيفات التقليدية الأخيرة خاصة تتعزز في الأرياف اللبنانية، كما في سواها

من الأرياف العربية، كانت تتراجع في المدن، منذ منتصف القرن العشرين، أُطر التضامن المهني لأهل الكار

الواحد في ما كان يُسمّى طوائف الحرف. وهي أطر غالبًا ما لم تكن الولاءات القبلية الريفية تشدّ من توحدها

واندماجها الاجتماعي المهني في المدينة بل ولاءاتها الروحية لفرِق دينية إسلامية تنتشر في محيطاتها الحضرية،

وتحصّن من اندماج أفرادها ومن حضورها، وتنفذها في إدارة أسواقها في المدن وفي تعاملاتها مع الحكام. بعد هذه اللمحة التاريخية لمسارات مجتمعاتنا ولأشكال ارتباط الأفراد بها نتحوّل إلى استعراض أبرز أشكال

التعويق لمدنية الاندماج في المجتمع اللبناني، الذي لطالما رضُب المثل بليبرالية التعددية الطوائفية فيه.

أولا: تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي على صعيد الدستور وإدارة الحكم

ليس من الصعب ملاحظة غلبة مبادئ الدولة المدنية والمواطنة في مواد الدستور اللبناني المؤسّسة للنظام السياسي

البرلماني، في ظل سلطة الانتداب الفرنسي على لبنان. وهي مواد مستوحاة من دستور الجمهورية الثالثة في

فرنسا، ومنها ما ينص على « أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها

حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو

تفضيل». لكن هذه الصياغات المدنية اقترنت منذ الاستقلال بالإقرار لمؤسسات الطوائف بصلاحية الإدارة

المستقلة لأحوال أتباعها الشخصية. وبتملّك المؤسسات الخاصة للتعليم والصحة، بالإضافة إلى مركز الإيواء

والإغاثة ما يضمن ارتباط جميع فئات أتباعها، ولاسيما الفئات الشعبية منها. وتملك إلى جانب ذلك كله أوقافًا

وأصوالً عقارية لا تعلن مواردها وقيمها. وهنا نذكّر بالرفض المطلق للمراجع الإسلامية في أواسط التسعينيات

لمشروع قانون يشرّع الزواج المدني الاختياري. وفي ظل حضور سياسي متفاوت ورعاية فرنسية تأسيسية، كان زعماء الطوائف قد توصلوا عشية الاستقلال

وغداته إلى توافق ميثاقي يقوم على اعتماد توزيع للرئاسات الثلاث بين الطوائف الثلاث الأكبر، وتوزيع نواب

البرلمان عليها بنسب أحجامها، بالإضافة إلى توزيع مجموعة من المراكز الأولى في إدارة الحكم. وأصبح هذا

التوافق عُرفًا يعتبره متداولو زعامات الطوائف أساسًا يقيمون عليه ما يسمّونه في مقدمة الدستور «احترام مبدأ

العيش المشترك». وقد نجح هؤلاء الزعماء في اختزال هذه الصياغة للأخلاقيات المفترَضة في الاحترام المتبادل

لخصائص الإيمان وضرورات التعاشر اليومي بين عوام الطوائف المتجاورة في القرى والمناطق والمتعاملة في

الأسواق. وقد عمد هؤلاء الزعماء إلى اختزال معاني هذه الصياغة المؤدلجة للعيش المشترك، فقصروها على ما

يجب أن تكون عليه الاعترافات المتبادلة بتمثيلهم شبه الحصري لطوائفهم في السلطة، فيتحكمون في توجهاتها

السيادية وفي قرارات توزيع الإنفاق الحكومي، وفي تقسيم خدمات الإدارة العامة إلى حصص من خلال نهج

زبائني يحصِّن شعبيتهم الانتخابية. ويعطون لأنفسهم، من خلال تفسيرهم مبدأ العيش المشترك، حق النقض

في تعطيل انعقاد مجلس النواب أو مجلس الوزراء عبر مقاطعة أي كتلة نواب محسوبة على طائفة معيّنة كما حصل

بعد قتل الرئيس رفيق الحريري. إن هذا الفهم للديمقراطية التوافقية في إدارة تعددية الطوائف المروَّج له في ثقافة العولمة النيوليبرالية قد تعزّز

بعد الحرب الداخلية - الخارجية في لبنان (1975 - 9901)، حيث يلاحظ تراجع مبدأ كونية احترام حقوق

الإنسان كفرد أوالً لصالح مبدأ كونية احترام الهويات الثقافية العرقية والدينية للجماعات، واستقلالها في البلدان

الفقيرة، وحيث يلاحَظ تراجع الحريات الشخصية في ممارسة التدين لصالح أولوية الحرية في الاستثمار التعبوي

لشعائر الطوائف. وتعززت غلبة أولوية فهم الطائفة أو المذهب ككتلة سياسية على فهمه كاجتهاد في الدِّين.

ويصبح الواجب السياسي الأول لعوامها هو شرعنة هيمنة زعاماتها المتوارثة من خلال صناديق الاقتراع التي

لا تعربّ غالبًا، وإلى أجَل بعيد - وفي غياب العقل والحرية كمكوّنين لماهية الإنسان/المواطن - عن وعي المعاني

الديمقراطية السياسية للانتخاب في النظم البرلمانية المتطورة. وتصبح الزعامة الطائفية هي التي تتوسط علاقة

الفرد بالدولة لأن الدولة غالبًا ما يتم التعامل مع مؤسساتها كأدوات سلطة تقرر في أدائها زعامات الطوائف،

و«رغم تداول أساطير مدنية متعددة ومتلاطمة يتردد صداها في لبنان، كالليبرالية الاقتصادية وتساوي المسافة

بين الدولة وكافة الجماعات الدينية، وكون الدولة راعية المؤسسات الدينية، فإن الأسطورة الأهم والأكثر

ثباتًا من أي قول آخر هي التعددية الطائفية التي ما فتئت تشكّل سمة الحياة العامة، وتحدد سياسات الهوية

في البلاد...». إن هذا التعارض المرسّخ في النموذج اللبناني لليبرالية، بين الروح المدنية في الدستور المتعلقة بالحريات والعدالة

والمساواة من جهة والروح العصبوية في منظومة الأعراف وآليات الممارسة السياسية في ظل التوافقية الطوائفية

من جهة أخرى، انحسم في الليبرالية الطرفية اللبنانية دائامً لصالح تجدد هذه التوافقية التي تقوم على إدماج

الأفراد داخل جماعاتهم. وهنا، لا بد من لفت الانتباه إلى أن ارتباطات هذه الزعامات بأنظمة إقليمية متنافرة

سياسيًا أدت، وما زالت تؤدي إلى تبعيات متنافرة، وإلى تحصين اندماجات منغلقة بين عوام الطوائف اللبنانية

وصلت إلى حدود التقاتل الأهلي والتهجير وتغريّ الخريطة السكانية في بعض مناطق البلاد. ويأتي في طليعة الاختزالات والتشويهات للمفاهيم المدنية ما أصاب مفهوم التمثيل السياسي من خلال

الانتخابات البرلمانية، حيث يلُاحَظ أن قانون الانتخابات الذي يربط بين مكان قيد نفوس الناخبين ومكان

تمثيلهم النيابي هو قانون يفرض على النازحين من الأقضية الفقيرة و/ أو النائية خاصة، إلى بيروت بنسب تراوح

بين 7.52 في المئة و 04 في المئة في بعلبك وبنت جبيل والنبطية وحاصبيا وجزين، أن يتمثلوا في هذه الأقضية

حيث لا يعيشون، وأن يعيشوا حيث لا يتمثّلون في العاصمة والضواحي التابعة لأقضية مجاورة لها في محافظة

جبل لبنان. يُضاف إلى ذلك أن التمثيل الطائفي المعتمد في توزيع النواب على المناطق يجعل الأقليات الطائفية

3 برنامج الأمم المتحدة الانمائي، التقرير الوطني للتنمية البشرية في لبنان: نحو دولة المواطن (موجز التقرير) (نيويورك: الأمم المتحدة،

0092)، ص.15

4 انظر: الوضع الاجتماعي الاقتصادي في لبنان: واقع وآفاق (بيروت: وزارة الشؤون الاجتماعية، 0042)، جدول رقم (2.4)، ص.72

تُقدّم، بتوجيهات من مراجعها الدينية وزعاماتها في مناطق أكثرياتها على التصويت للوائح زعامات الأكثريات

من غير طوائفها، وغالبًا في مقابل مبادلة توجيهات مماثلة. وبمقتضى هذه الصفقات الانتخابية بين زعامات

الطوائف، تبقى الأقليات مرتبطة بمراجعها الدينية والسياسية الموجودة بعيدًا عن مناطق عيشها وتمثيلها، وهذا

ما يدفع القيادات المسيحية إلى اعتبار أن حوالي ربع النواب المسيحيين يُنتخبون بأصوات أكثريات إسلامية على

لوائح زعاماتها، ويجعلهم أقل تمثيالً لسياسات زعامات الطائفة المسيحية، ويجعل ناخبيهم في الأقلية المسيحية

أقل استعدادًا للاندماج السياسي مع الأكثريات الإسلامية رغم اندماجهم معها في الأسواق والإدارة العامة

والحياة اليومية.

ثانيًا: تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي على صعيد تشريع التمثيل المحلي

بالرغم ممّا لحظه اتفاق الطائف (9891) من تعديلات أساسية على صعيد صلاحيات الرؤساء الثلاثة، باعتبار

أنها كافية لتوازن واستدامة نظام الديمقراطية التوافقية بين التيارات الطائفية، وممّا لحظه من تعديلات - لأهداف

تنموية - على مركزية آليات اتخاذ القرارات الحكومية وتنفيذها ودعوته إلى لا مركزية إدارية موسّعة هي أقرب

إلى اللاحصرية تقوم على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق تشكيل مجلس لكل

قضاء يرأسه قائمقام، تأمينًا للمشاركة المحلية، تتمثّل فيه البلديات الموسعة أو الاتحادات البلدية، وهي الأطر

المقصودة في تعبير الوحدات الصغرى ما دون القضاء، وعلى الرغم من الآمال الإصلاحية التي عُقدت على

اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، ظلّ زعماء الطوائف يعطلون تطبيق هذه الإصلاحات الضرورية، محافظين

على استمرارية العمل بقانون البلديات الذي عدّل الحجم الديموغرافي للمسجَّلين في الوحدات البشرية كشرط

لتأسيس مجلس بلدي فيها. وارتفع هذا الحجم من ثلاثمئة مسجَّل وما دون في القانون البلدي الصادر بموجب

مرسوم اشتراعي رقم 977/1181 إلى ألف مسجل وما دون في التعديل الصادر لهذا القانون سنة 997.1

وهكذا واصل هؤلاء الزعماء المقررون في التشريع التمثيلي اعتمادهم مكان قيد نفوس الناخبين لحصر حدود

نطاق تمثيلهم البلدي في الوحدات الكبيرة، كما في الوحدات الصغيرة في الأرياف التي يقل عدد المسجلين فيها

عن ألف نسمة. وباعتماد مثل هذه النطاقات الضيقة، التي تشهد في أرياف اربع محافظات نزوحًا واغترابًا يطاول

ما بين مخُس وثُلث المسجلين فيها، تستطيع الزعامات من خلال نهجها الخدماتي الزبائني المُفتِّت لوحدة الحاجات

والمصالح في مناطق القرى الصغيرة، ضمان نجاح مفاتيحها من وجهاء الأجباب والعائلات في القرى. وترجّح

النفوذ الانتخابي لهؤلاء الوجهاء بما يؤثر سلبًا في حظوظ أصحاب الكفاءات الثقافية _ التنموية في منافستهم

إالّ في ما ندر. وغني عن البيان أن في نطاق مثل هذا التمثيل البلدي، تشتد النعرات العائلية _ الحزبية الضيقة،

و«تصبح المجالس البلدية معاقة بفعل تنافر عصبياتها المتنافسة أو المتوافقة على الولاء للزعيم الذي تزوره بين

أسبوع وآخر ليصرِّف لها أمورها الإدارية والمالية مع مراجع الرقابة الإدارية والمالية في الأقضية والمحافظات

وصوالً إلى وزارة الداخلية». ويصبح أعضاء المجلس البلدي رهائن لأصوات عصبياتهم الضيقة لا يجرؤون

على الضغط على ناخبيهم فيها لجباية الرسوم المستحقة قانونيًا، فيبقى صندوق البلدية في عجز دائم يحول دون

5 وثيقة الوفاق الوطني الصادرة عن مؤتمر الطائف سنة 9891، وهي الوثيقة التي أصبحت بنودها في صلب الدستور اللبناني.

6 أحمد بعلبكي، قضايا ومعوقات التنمية: مقاربات في كتابين، 2 ج (بيروت: دار الفارابي، 007 2)، ج:2 حول معوقات التنمية في لبنان:

مقاربة اجتماعية- ثقافية، ص.64

ما يمكنه من الإنفاق على أي مبادرة محلية. ويصبح هؤلاء الأعضاء رهائن للزعامة السياسية التي اختارت

ترشيحهم داخل عائلاتهم وتستقبلهم لتسهيل علاقاتهم المالية والإدارية مع أصحاب القرار في الإدارة الرقابية،

وهؤلاء ليسوا بعيدين بدورهم عن الولاء لها أو عن التملق لها.

ثالثًا: تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي في الثقافة والتربية

تحرص النخب السلطوية في الطوائف على تأصيل خصائصها في تنشئة أبنائها في مدارس خاصة دينية محلية و/

أو أجنبية. وتتحصن الطوائف بما تملكه الرهبانيات والكنائس في مجال التعليم الخاص من مؤسسات تتدرج

من الروضة إلى الجامعة ترعى تعليم حوالي ربع عدد التلامذة والطلاب في لبنان؛ مؤسسات تسود فيها الأجواء

الملائمة لتعميق التباينات الثقافية والإيمانية والسياسية. وتتجسد هذه التباينات في ما تعتمده من أنواع الكتب

ومن نشاطات الترفيه وأُطر العمل الشبابي الاجتماعي والكشفي المدعومة بعلاقات متفاوتة مع الكنائس (حوالي

22 إطارًا شبابيًا تطوعيًا تعمل في المناطق اللبنانية). كما تتجسد تلك التباينات في قبول أو عدم قبول التخالط

في الصفوف بين الجنسين. وفي ما له علاقة باختيار اللغة الأجنبية وإتقان النطق والكتابة بما يُؤهل للوصول

إلى قطاعات العمل الراقية. وهذا ما يظهر في مناهج التعليم في لبنان التي تلحظ لتعليم اللغة الاجنبية عدد

ساعات يزيد على ما تلحظه لتعليم اللغة العربية، بخلاف الدول العربية مجتمعة. وإذا كان هذا التميز في

مجال تعليم اللغات الأجنبية قد ترسّخ بفعل قِدم المؤسسات الدينية الإرسالية الأجنبية والكنسية المحلية التي

تستوعب حوالي ربع عدد الملتحقين بمراحل التعليم، وتعزّز ليلبّي انفتاح اللبنانيين على اقتصاد الوساطة والمعرفة

والاغتراب، فإن إمكانات الانفتاح التعليمي- الثقافي على القطاعات الراقية في أسواق العمل في لبنان والعالم لم

تخفف - في ظل النظام السياسي الطوائفي - من انغلاق أشكال التنشئة الطائفية في التعليم الخاص. هكذا يمُارَس التعليم في ظل تغاير ثقافي ديني أو مذهبي تحت زعم ليبرالية التعليم وديمقراطية خيارات أهالي

التلامذة في مناهج تنشئة أولادهم على مذاهب أوليائهم. هذا ما توفّره المدارس غير الحكومية، ولاسيما الطائفية

منها، التي تستوعب حوالي ثلثي إجمالي التلاميذ قبل التعليم الثانوي، وهو ما يرضي الأهل الذين ينتظرون

منها مساعدتهم في الضبط الديني لاندماجات أبنائهم وبناتهم وسلوكياتهم، خاصة داخل العائلة ومحيطها.

ويلُاحَظ خاصة في أوساط الأصولية الشيعية ترابط جهود التنشئة والتطبيع الدِّيني المنسقة بصورة مباشرة وغير

مباشرة بين أحزاب الطائفة من جهة والمدارس المرتبطة بها في مناطق هيمنتها من جهة أخرى. وتُنظم في هذا

السياق جهود احتفالية سنوية لتحجيب الفتيات اللواتي لم يتجاوزن سن التاسعة باعتبار أنهن أصبحن في عمر

التكليف الشرعي، وهو تكليف يُغلّب في تحديد نضوج الطفلة بلوغها البدني على بلوغها العقلي، ويُفرض على

الطفلة غير الناضجة إدراكيًا لمقاصد الشرع في صدر الإسلام أن تندمج في التقاليد المحافظة كباقي النساء،

وأن تحصر حدود اندماجها داخل جماعتها وعصبيتها. وبمثل هذا الحرص على التنشئة التقليدية لأبناء الطائفة،

تحافظ النخبة السلطوية الدِّينية والأهلية والسياسية على نقاء روح جمهورها، وهذا ما يحوّل مبدأ احترام التنوع

الطائفي إلى ما يعوّق فرص التواصل الاجتماعي والتفاعل السياسي في إطار المجتمع والإدارة العامة، كما يلُاحَظ

ذلك منذ عقود في المواجهات المهدِّدة لكيان الدولة اللبنانية ولتجاوز مقتضيات ما سامّه ابن خلدون «الاجتماع

7 انظر: برنامج الأمم المتحدة الانمائي ومؤسسة محمد بن راشد المكتوم، تقرير المعرفة العربي للعام 2009: نحو تواصل معرفي منتج (دبي: البرنامج، 0092)، الجدول رقم (03)، ص.268

الضروري»، أو ما يجب أن يكون مضمون مفهوم العيش المشترك الذي تلغو به الطبقة الحاكمة في الليبرالية

اللبنانية الطرفية. وتذهب نخب الفئات التقليدية في مدارسها الخاصة إلى أدلجة التمييز الثقافي للجماعة الطائفية

ولموروثاتها تمييزًا يقترن - بالضرورة، وإن بأشكال غير مباشرة أو غير واعية - بالنيل من معتقدات الجماعات

الأخرى ومواريثها بدل تعريف جميع الطلاب باختلافات خصائصها الدِّينية وتقاليدها تعريفًا يمكّنهم من

التواصل وتجاوز الأفكار المسبقة ورهاب حُرمات الشعائر المستغربة لدى البعض منها. وهذا ما يمكن أن

تستثيره الذكرى السنوية لعاشوراء من مشاهد الندب بلهجة عراقية، ومشاهد اللطم والتطبير الدامي [ضرب

الرؤوس بالسكاكين أو السيوف] الذي يمارسه عشرات الشباب والأطفال الشيعة في لبنان يوم العاشر من

شهر محرم. وقد ساهم في توسع لجوء النخب التقليدية ضمن الفئات الوسطى خاصة إلى المدارس الطائفية، بالإضافة إلى

دافع التميز التحضري لدى البعض منها، وإلى ميل الأهالي إلى ضبط اندماجات أبنائهم وسلوكياتهم، دافع توسّع

الوعي الطائفي الذي روّجت له النخبة الطائفية الشيعية، خاصة بشأن إخلال ليبرالية العهود السياسية المتعاقبة

بالعدالة في التوزيع المناطقي للموارد الاقتصادية والخدمات الأساسية. وروّج هذا الوعي الإصلاحي الطائفي

لرفع الحرمان تعزيز أطر الاندماجات الطائفية التي تلوذ إليها العوام الموالية لزعمائها، توجسًا من صدامات

سبق أن شهدتها نتيجة مآزق سياسية داخلية _ إقليمية؛ صدامات يتورط فيها هؤلاء الزعماء نتيجة تحالفاتهم

الخارجية ويعجزون عن الخروج منها. وتبتعد هذه العوام الموالية عن مقتضيات الاندماج التي سبق لها وألفتها

في تعاملات الجيرة والأسواق والإدارة الحكومية والمدارس باتجاه آليات الدمج التعبوي القائم على التوجس

من التغاير المذهبي والموالاة السياسية المختلفة مع الجماعات والمناطق الأخرى. وتبرز، في مثل هذه الظروف

الحرجة، المبالغات التعبوية في ضرورات التفريق الذي يصل إلى حد التهجير المتبادل من الأحياء ومناطق العيش

المشترك للجماعات، الذي تواصل على امتداد قرون في الأرياف وعقود في الضواحي. وتميل النخب المتطرفة عادة إلى تحويل هوية الطائفة إلى هوية مركزية لأفرادها، يخرجون بمقتضاها عن الولاء

للدولة، ويرتدّون إلى موروث ثقافي تدعمه السلطات الأهلية والحكومية والدينية، معتقدين، كما يقول بريان

بري، «أنهم لن يحققوا النجاح أبدًا إالّ إذا ظلوا مخلصين لتلك الثقافة، وتمكنوا من ضمان أن أي تطور يحدث

سوف يحافظ على نقاء روح تلك الثقافة. وهذا النوع من التقليدية الأيديولوجية يتسبب بطبيعة الحال في نشوء

فكرة التجديد الثقافي باعتباره محاولة متعمدة للعودة إلى طرق السلوك التقليدية التي لم تعد قيد الاستخدام». وجدير بالذكر أن التأثر بالتعليم والتنشئة الطائفيين والميل إليهما يتبنيّ أكثر ما يكون في أوساط الفئات الوسطى

والشعبية الأكثر ارتباطًا بالمؤسسات الدينية داخل عوام الطوائف. ويضاف إلى تفارق أنماط التنشئة والاندماج

بين هذه العوام التفارق الاجتماعي _ الطبقي في توافر فرص التعليم المتاحة بين الفئات الاجتماعية المتراتبة

داخل كل طائفة، حيث يلُاحظ بوجه عام «أن الأقضية والمناطق التي تسجل أعلى نسبة من الفقر (الجدول رقم

()1) هي نفسها المناطق (الضواحي والأرياف النائية ذات الغالبية الإسلامية) التي تُسجّل فيها أدنى المؤشرات

التعليمية، سواء لجهة الأمية أو لجهة الالتحاق المدرسي، وأعلى معدلات التسرب المدرسي وعمالة الأطفال، أو

لجهة ارتفاع نسبة الالتحاق بالمدرسة الرسمية والخاصة المجانية، أم لجهة تراجع مؤشرات الإنجاز التربوي، أم

لجهة نسبة الجامعيين».

8 المصدر نفسه، جدول رقم (81)، ص.259

الجدول رقم (1)

نسبة المنتسبين إلى التعليم الرسمي في مقابل متوسط الدخل الشهري للأُسر

بحسب المحافظات (بآلاف الليرات)

بيروت الإداريةضواحي بيروتجبل لبنانالشمالالبقاعالجنوب
20.2718.4831.4849.0937.46.6497
20.9617241946123512641116

المصدر: الوضع الاجتماعي الاقتصادي في لبنان: واقع وآفاق (بيروت: وزارة الشؤون الاجتماعية، 0042)، ص.182

وفي هذا السياق، لا بد من الاستدراك بأنه في ظل التعليم الخاص والمُطيّف، كثيرًا ما يكون التناسب عكسيًا بين

معدل دخل الأُسر وميلها إلى الاندماج الطائفي.

رابعًا: تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي بفعل ازدواجية الوعي والتعبير في التواصل

إن صغر مساحة البلاد اتسع لتعاشر أقليات دينية ثقافية في دوائر الدولة ومدارسها، وفي أسواق المدن وأحيائها،

وفي الأقضية وداخل القرى، أقليات كبيرة نسبيًا تُقارب أحجامها المليون، أو أقليات محدودة لا تتجاوز أحجامها

المئات القليلة من الآلاف أو من عشرات الآلاف لا تتجاوز المئة ألف. وقد ساهم هذا التعاشر و«الاجتماع

البشري الضروري»، على حد قول ابن خلدون، في تكثيف التفاعل بين هذه الأقليات يوميًا تفاعالًازداد

عمقًا مع تزايد موجات النزوح من الريف إلى العاصمة وضواحيها. وقد غدت بيروت الكبرى في منتصف

التسعينيات تضم حوالي ثلث المقيمين في بلد يصل متوسط كثافة السكان فيه إلى حوالي 004 نسمة/ كلم ²،

ويصل في طرابلس وبيروت إلى أكثر من 8 آلاف نسمة/ كلم 2. وهذه كثافة تُعَدّ من بين الكثافات السكانية

الكبيرة في بلدان العالم بفعل ضيق المساحة. وغني عن البيان أن قِدم التعاشر بين جماعات مختلفة الأديان والمذاهب أسست، على امتداد لا يقل عن 14

قرنًا، ابتداءً من الفتح الإسلامي، لنمط من العيش المشترك، هو نمط من الاجتماع الضروري بنيويًا ودائامً،

والاضطراري ظرفيًا يترسّخ أحيانًا بالاحتكاكات العفوية الضرورية للعيش في الحياة اليومية للمجموعات

المتآلفة. وهو نمط يمكن رصده من خلال مقاربة ما يُسمّى علم اجتماع الحياة اليومية، أو علم اجتماع

الفعل والتفاعلية السلوكية والإرادية للأفراد في نظر أصحاب نظرية الفردانية المنهجية (Individualisme

méthodologique)، التي لا يميل معتمدوها التفسير بالحتميات الاجتماعية والتاريخية للظواهر الاجتماعية.

وقد تشكلت لهذا النمط من العيش المشترك لغة للتواصل والتفاعل يزدوج فيها وعي الأفراد عندما تدعو الحاجة

ليتلاءم مع تغريّ الظروف السياسية - الطائفية التي يتحكم بتبدلها توافق زعامات الطوائف أو تصارعها. وهذا

ما يرسّخ الطبيعة الوظائفية للوعي المتغير تبعًا للظرف:

9 لبنان، ادارة الإحصاء المركزي، بيانات مسح المعطيات الإحصائية للسكان والمساكن (بيروت: إدارة الإحصاء،.)1996

- فيكون وعيًا منفتحًا تخارجيًا Extraverti() في ظرف التوافق، حيث يميل عفويًا إلى إرساء العلاقات اليومية

والمبادلات، وإلى الاندماج المتوسع مع أبناء الجماعات الأخرى بعيدًا عن الحساسيات والضغوط المفروضة عليه؛

وعي يستتر بمألوف قيم الانفتاح الوطني والإنساني وثقافته، ويدفع عوام الطوائف في ظروف السلم الأهلي

إلى الإكثار من التعبيرات عن التشارك في الحياة والثقافة، وعن التوحد في المصير بين أبناء الطوائف المتعاشرة في

المنطقة الواحدة. وينطبق هذا النوع من الوعي على ما يُسمّى في الوسط الدرزي كلام «الاستتار بالمألوف»، وهو

وعي يقرب من تقليد التقية في التراث الشيعي الذي كان الأفراد الشيعة يلجأون إليه في حال اضطرارهم إلى

إقامة الصلاة مكتوفي الأيدي على طريقة أهل السنّة في مساجدهم. - وينقلب هذا الوعي الانفتاحي المعيشي لدى العوام المتعاشرة يوميًا إلى وعي جماعي تداخلي (Introverti)

في فترات التعبئة العصبوية، ويميل إلى حصر حدود التفاعل الاندماجي للأفراد في الجماعة التي ينتسبون إليها.

ولا يعود هذا الوعي الانغلاقي إلى الانفتاح، ولو بسرعات متفاوتة، إالّ بعد تصالح الزعماء الذين غالبًا ما لا

تنفصل أهداف تعبئتهم لعوامهم في لبنان عن أهداف تحالفاتهم الإقليمية التي تقرر حدود علاقاتهم. وهو وعي

يميل نحو استخباث نوايا الجماعات الأخرى ليشد من نعرتها تجاه الطوائف المتعارضة معها. وهذا ما عوّق ثقافة

الاندماج المدني لصالح ثقافة الاندماج العصبوي التي يعززها الإعلام السياسي، المرئي منه خاصة، والمتعارض

طوال العقود الأربعة الأخيرة، تاركًا لجماهيره ترويج الشائعات والاستخباث والاشتباه المتبادل بنوايا الجماعات

الأخرى ليشد من نعرتها اتجاه الطوائف المتعارضة معها.

خامسًا: تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي بفعل تفاوت النمو الاقتصادي بين المناطق والقطاعات

حال منطق الحكم التوافقي بين زعامات الطوائف ومرجعياتها الإقليمية منذ الاستقلال دون اعتماد سياسات

ماكرو - تنموية لتثمير الموارد الوطنية البشرية منها والمادية، تحقيقًا للاندماج الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق

والقطاعات الإنتاجية. وفي تقرير لبعثة إيرفد IRFED() الفرنسية، التي استدعتها الحكومة اللبنانية بعد المعارك

الداخلية - الخارجية عام 9581 للقيام بدراسة تشخيصية لحاجات التنمية وإمكاناتها في لبنان، ورد حول غياب

الدولة عن دورها ما يلي: «... لم تنجح في توفير بنية حكومية وإدارية ذات فعالية عالية، وهذا يعود في جزء

منه إلى المنافسة بين الطوائف بحجة التوازن، وإلى تدينّ الحس المدني على مستوى الطبقات الحاكمة والمتوسطة

والشعبية على السواء». وفي مطلع التسعينيات، لم تنجح برامج إعادة الإعمار المعتمدة بعد توقف المعارك في تنفيذ سياسات استثمارية

مترابطة قطاعيًا، وسياسات ضرائبية منصفة اجتماعيًا تمكّن من معالجة التفاوتات بين المحافظات على صعيد

مستويات أحوال المعيشة المبيّنة في الجدول التالي:

10 Besoins et possibilites de developpment du Liban: Etude preliminaire , 2 vols. (Beyrouth: Mission Irfed, 1960-1961), vol. 2: Problematique et orientation , chap. 9, p. 474.

الجدول رقم (2)

نسبة توزيع الأُسر وفق مؤشر الأحوال المعيشية بحسب المحافظات سنة 1996 المحافظات بيروت جبل لبنان الجنوب

البقاع

الشمال

النبطية

النبطيةالشمالالبقاعالجنوبجبل لبنانبيروتالمحافظات
المستويات
9.2818.6315.9318.4031.63.2496مرتفعة جدًا ومرتفعة
50.9037.6040.5836.9524.7318.34منخفضة جدًا ومنخفضة
39.8043.8043.5044.7043.6038.70متوسطة

متوسطة

المصدر: خارطة أحوال المعيشة في لبنان: دراسة تحليلية لنتائج مسح المعطيات الاحصائية للسكان والمساكن (بيروت: برنامج الامم المتحدة

الانمائي، 9981)، جدول رقم (92)، ص 74.

إن ما ورد في الجدول رقم (2) بشأن ما تحظى به الجماعات المتوسطة يجب أالّ يعني أو أالّ يترك انطباعًا بأن نسبة

الأُسر التي تحظى بمستويات متوسطة، لناحية إشباع الحاجات الأساسية في مجالات التعليم والسكن والدخل

والمياه والصرف الصحي، تمثّل نسبة الفئات المتوسطة في واقع المجتمع اللبناني التي تحظى، بحسب دليل التنمية

البشرية في لبنان، بمستويات متوسطة من تمكين القدرات والرفاه ومصادر الدخل والمشاركة في السلطة والثروة،

وهي مستويات تتجاوز إشباع الحاجات الأساسية المُشار إليها. وهذه مستويات لا تتوافر بالضرورة لدى

الفئات المتوسطة في لبنان، حيث إنها تمكّنت من إشباع حاجات أخرى كمالية أتاحها لها اقتصاد الحرب وفساد

الإدارة بفعل وضع يد زعامات الطوائف على مواردها وخدماتها، أو بفعل الاغتراب ومغانم التهجير وتضخّم

سوق العقارات بأشكال غير متناسبة مع مستوى الموارد النظامية للأسر كما يُشار إليها في التصريحات المتعلقة

بمستويات الدخل المجدولة في المسوحات الإحصائية. يبرز التفاوت في معوقات الاندماج الاجتماعي _ الاقتصادي أيضًا على صعيد الأقضية داخل المحافظات، حيث

تبنيّ أن التفاوت الأكبر هو بين قضاء كسروان المسيحي الماروني بوجه الإجمال في جبل لبنان من جهة، وقضاء

بنت جبيل الحدودي مع فلسطين، الشيعي بغالبية سكانه، من جهة أخرى، حيث يلُاحَظ أن نسبة الأُسر المصنَّفة في

درجة إشباع متدنية في قضاء بنت جبيل تبلغ 7.2 6 في المئة من الأُسر المقيمة في هذا القضاء، بينما لا تزيد هذه النسبة

في قضاء كسروان على 3.51 في المئة، مع التذكير بأن هذه النسبة تبلغ على الصعيد الوطني 2.13 في المئة. إن هذا التفاوت في مستويات الحرمان والإشباع للحاجات الأساسية بين الأقضية ينعكس تفاوتًا في مستويات

الاندماج الاجتماعي داخلها، وفي مستويات الاندماج المجتمعي بينها، وتفاوتًا بين طاقات الأسواق المناطقية

للعمل النظامي منه وغير النظامي، وفي استدامة فرص العمل وتوافر الدخل، وفي نسب البطالة باختلاف

تعريفاتها ومظاهرها. وهنا لا بد من الإشارة إلى البطالة الناجمة عن عدم وجود تشريع يعرّف العمل الزراعي

Code rural) (وحقوق العاملين فيه بالضمانات الاجتماعية، وعدم وجود تشريع للعمل التعاوني المتخصص

تحتضنه الدولة والقطاعان الخاص والاجتماعي. ولذلك، ترتفع معدلات البطالة في الأرياف، خاصة بفعل

تراجع استيعاب الزراعة للقوى العاملة الريفية من حوالي 8.91 في المئة سنة 9701 إلى 76. في المئة سنة

11 بعلبكي، ص.45

001 2، وذلك بفعل تعط ل تدابير الحماية خلال الحرب الأهلية، وبفعل سياسات تحرير الأسواق المعتمدة في

ظل الحكومات الحريرية منذ مطلع التسعينيات. وقد أدّى ذلك إلى ارتفاع نسب البطالة في لبنان بين سنتي

9700011 و 2 من 6 في المئة للذكور في مقابل 5.1 في المئة للإناث إلى 9 في المئة للذكور و 8.21 في المئة

للإناث. وارتفعت نسبة البطالة، وخصوصًا في أوساط الشباب الثانويين والجامعيين، إلى 82 في المئة و 21 في

المئة على التوالي. وقد سجلت الإحصاءات أن 0 2 في المئة من أُسر الأُجراء غير الدائمين وصغار المزارعين لا

يتجاوز متوسط دخلها 003 دولار أميركي، بحسب معطيات إدارة الإحصاء المركزي لسنة 004.2 وتفاوتت

حصص المحافظات من المنتسبين إلى أنظمة التأمين الاجتماعي بين العاملين في محافظتي بيروت وجبل لبنان،

حيث يتركز أكثر من نصف السكان، وتصل حصتهما إلى 90 في المئة من التسليفات المصرفية لسنة 000 2،

وتراوح نسبة انتساب القوى العاملة في كل منهما إلى أنظمة التأمين الاجتماعي بين حوالي الثلثين في مقابل نسبة

لا تتجاوز الثلث في المحافظات الأربع الأخرى. وجدير بالذكر أن الانفتاح المفرط لليبرالية اللبنانية، الذي شكّل شرطًا أساسيًا للقيام بدور الوساطة التجارية

والخدماتية بين الأسواق العالمية وأسواق المشرق والخليج العربيين، أدّى إلى ارتباط سوق العمل في لبنان بظروف

النمو الاقتصادي والطفرات المالية من جهة، وبظروف التوتر السياسي والحروب المتعاقبة منذ حوالي أربعة عقود

في المشرق، وعلى الأراضي اللبنانية بالذات. وساهمت ظروف التوتر هذه في التوجّه إلى القطاعات التي توفّر

الربحية الأسرع للاستثمارات في قطاعات السياحة والتجارة والعقار، وهي قطاعات ذات كثافة عمل منخفضة

جدًا ولا توفر فرص عمل لاستيعاب حوالي 04 ألف وافد لبناني جديد إلى سوق العمل سنويًا. يضاف إلى ذلك

ما ترتب على تدهور طاقة استيعاب العمل في قطاعي الزراعة والصناعة اللذين بات ما تبقى منهما يعتمد جزئيًا

على استخدام العمالة العربية والآسيوية الوافدة المنافِسة على صعيد الأجور، والمتنازلة بالضرورة عن أكلاف

التأمينات الاجتماعية. لقد أدّى توسّع الاستثمارات المتعجلة الأرباح عبر المشاريع الريعية، والمتأثرة كثيرًا بالطلبين الخليجي والاغترابي،

بالإضافة إلى الإنفاق الذي تطلّبته برامج إعادة إعمار البُنى التحتية في أوائل التسعينيات، إلى رفع معدلات نمو

الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هذا النمو الذي تحقق حتى منتصف التسعينيات لم يحُل دون ارتفاع معدلات

البطالة كما ورد اعلاه، و«ارتفاع معدل الهجرة الوسطي من 22 ألف مهاجر سنويًا خلال الفترة 1991 -

9951 إلى حوالي 72 ألف مهاجر في السنة خلال الفترة 1996 - 001 2 ». وجدير بالذكر أن توسّع البطالة، الناجم عن تدهور الإنتاج والتشغيل في قطاعات الصناعة والزراعة والح رف

بعد اعتماد الحكومات الحريرية لسياسة فتح الأسواق والخفض الكبير للرسوم الجمركية على الواردات، وبعد

الرفع المبالغ فيه لقيمة العملة اللبنانية في مقابل الدولار، كان قد أدّى إلى تعطيل قدرة الصادرات اللبنانية على

المنافسة في أسواقها التقليدية في المشرق والخليج العربيين. وحالت هذه السياسة الماكروية على صعيد التجارة

الخارجية دون صمود منشآت الإنتاج السلعي الكبيرة التي تحوّل الكثير من المستثمرين فيها، كما أشرنا، إلى

القطاعات الأسرع ربحية. ولكن هذه السياسة التي أدّت إلى إغراق الأسواق بالواردات الزراعية المدعومة

غالبًا في بلدان الجوار، بقيت قاصرة عن مواجهة البطالة المتوسعة في الأرياف والمدن، ومكتفية بتوفير التمويل

21 الوضع الاجتماعي الاقتصادي في لبنان، ص.118-117

13 لبنان، جمعية المصارف، التقرير السنوي لعام 2000 (بيروت: [الجمعية]،.)2001

41 ملامح التنمية البشرية المستدامة في لبنان، التقرير الوطني للتنمية البشرية (بيروت: برنامج الأمم المتحدة الانمائي، 9971)، ص.73

15 نجيب عيسى، معد، إطار استراتيجي لمكافحة البطالة (بيروت: المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، 0112)، ص.29

من منظمات دولية وأوروبية وأميركية وأهلية لبنانية من خلال قروض صغيرة لمشاريع توليد الدخل العائلية

الطابع، وبرامج لتدريب مختصر موجَّهة غالبًا إلى النساء والشباب توزعت بين 11 ألف مستفيد سنة 9991،

على سبيل المثال، ومكتفية بالتعاون مع مصارف لبنانية لمنح قروض مدعومة الفائدة لمنشآت متوسطة

(مؤسسة كفالات). وقد بلغ عدد القروض الممنوحة من هذه المؤسسة خلال الفترة 2000 - 0102 ما

مجموعه 0806 قرضًا. وقارب عدد فرص العمل التي وفّرتها المنشآت المقترضة خلال 8 سنوات بعد تأسيسها

ما مجموعه 0344 فرص عمل، تُضاف إلى برامج الإقراض المتوسط والصغير الهادفة إلى تشجيع المقترضين

المتوسطين على تطوير طاقاتهم الإنتاجية، وخلق فرص عمل جديدة، وتشجيع المقترضين الصغار على المبادرة

إلى توليد المداخيل والاندماج الاقتصادي _ الاجتماعي، بالإضافة إلى برامج التدريب المهني المعجّل، الحكومية

منها وغير الحكومية، التي هدفت المؤسسة الوطنية للاستخدام والمنظمات غير الحكومية من ورائها إلى تحفيز

الشباب المتسربين مدرسيًا والعاطلين عن العمل على اكتساب مهارات بمستويات متفاوتة. وقد لوحظ أن

برامج التدريب التي شارك فيها كلٌّ من المؤسسة الوطنية للاستخدام والبنك الدولي والاتحاد الاوروبي لم تتعد

الدورات إلى الدعم لإيجاد عمل إالّ نادرًا.

كما لوحظ أن فرص العمل التي وفّرتها برامج الإقراض الصغير، ومنها البرنامج الذي نفّذه الصندوق

الاقتصادي والاجتماعي للتنمية ESFD() بتمويل حكومي وأوروبي خلال عشر سنوات مضت على تأسيسه

(012-20032)، بلغت ما مجموعه 7541 فرصة عمل، يضاف إليها ما مجموعه 11 ألف فرصة عمل وفّرتها

برامج الإقراض الصغير والمتناهي الصغر التي نفّذتها المنظمات غير الحكومية. غير أن اقتصار مواجهة البطالة

في أوساط الشباب المتسرب مدرسيًا والنساء المتحفزات لزيادة الدخول المتدنية لعائلاتهن، على مثل هذا النوع

من الاقراض والتدريب، لم يكن كافيًا لمواجهة تفاقم البطالة في غياب تشريع وسياسات حمائية وخلق مؤسسات

حاضنة حكومية و/ أو غير حكومية متخصصة ترعاها فنيًا وتسويقيًا؛ حاضنات تمكّن هذه الفئات المعرضة

للبطالة من مواجهة المنافسات في الأسواق المفتوحة لقوى العمل الوافدة أو للواردات الإغراقية من السلع

الزراعية والحرفية. وظل قصور التدخلات الحكومية والدولية والمنظمات غير الحكومية في مجال مكافحة البطالة يتزايد مع تزايد

معدل البطالة الواضحة والمقنّعة في أوساط الشباب (8 1 _ 35 سنة) ممن وصلوا إلى خيار وحيد هو الهجرة،

حتى وصل معدل هجرة هذه الأعمار إلى ما يقارب 77« % من مجموع المهاجرين، وأن نسبة الجامعيين ترتفع عند

هؤلاء إلى »%45.6، بعد اليأس من توافر فرص عمل ملائمة تؤسس لاندماجهم المعيشي والاجتماعي في

وطنهم، وهذا ما جعل الشباب منهم خاصة يتقاطرون على أبواب السفارات الخليجية أو السفارات الأسترالية

والأميركية الشمالية خاصة، لا بحثًا عن فرص عمل فحسب، بل عن فرص للحصول على جنسيات أخرى. أمّا

بقية المهاجرين من غير الاختصاصيين الشباب، فيسعون إلى ما تبقى من فرص الكسب السريع فيأفريقيا السمراء

وحتى في أميركا الشمالية. وهم يمثّلون الفئات الأكثر ارتباكًا في ما يتعلق باندماجهم الاجتماعي، فلا يجدون بيئة

ثقافية متسامحة مع صخب عيشهم وتحسساتهم وجمهرة شعائر تديّنهم. وهذا ما يصعّب من اندماجهم الاجتماعي

فيها، ويزيد في ميول الكبار منهم خاصة إلى الانغلاق داخل نمط عيشهم التقليدي، ولذلك يواجهون إرباكًا من

نوع جديد وهُم الأغنياء الجدد الذين يعودون إلى مجتمعهم التقليدي بأموالهم وأنماط استهلاكهم، وتغريب أنماط

رفاهية شبابهم، فيقابلونهم أحيانًا كثيرة بانفعال أصولي.

61 المصدر نفسه، ص.37

71 المصدر نفسه، ص.56

سادسًا: تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي بفعل التشريع المهني والنقابي

تراجعت منذ تسعينيات القرن العشرين أطر التنظيمات النقابية العمالية التي استوحت بعد الحرب العالمية

الثانية تنظيمها وأدائها المطلبي من التجارب الغربية، بتحفيز من اليسار الشيوعي والإصلاحي. ولم تعد

الأدلجة بالوعي البروليتاري، الذي أدخلته هذه التجارب إلى فئات العمل المأجور والحرفيين وباقي أصحاب

الدخل المحدود، شرطًا كافيًا لتغليب المكوّن المهني الاجتماعي على المكوّنات الطائفية في تركيب هويات

هذه الفئات، ولاسيما بعد انهيار الموديل السوفياتي وتراجُع الأحزاب والنقابات اليسارية الراديكالية فعالً

وحضورًا. واقترنت هذه الظروف السياسية بظروف تعميم سياسات الإصلاحات الهيكلية وتحرير الأسواق

وتوسع إغراق المنتجات اللبنانية والبطالة، ولاسيما بعد التخلّع الاقتصادي لبعض القطاعات والمناطق.

وبرز تفارق الاندماجات العصبوية في أبهى صورها في ظل نظام سياسي يقوم على توافق الزعامات الطائفية

المتجددة بالزبائنية والمتحكمة في توزيع موارد الدولة وخدمات إداراتها؛ زعامات لا تُشغل نفسها بإدارة

الاقتصاد الذي تركته لليبرالية مركانتيلية منفلتة لم تُتح أكثر من ظهور بعض الصناعات التحويلية الخفيفة؛

صناعات تشكّل نسبة الوحدات الصغيرة التي يغلب عليها الطابع العائلي (أقل من 5 عمال) حوالي 89

في المئة من إجمالي منشآتها التي يتركز نصفها في بيروت ومحافظة جبل لبنان. وفي هذه البيئة الماكرو –

اقتصادية، ظلت الانتماءات الطائفية والعشائرية تشكّل المقوّمات الأولى المهيمنة للاندماج الاجتماعي للغالبية

في عوام الطوائف. وتشتد في هذه الانتماءات أشكال التضامن العصبوي، خاصة في فترات التأزم السياسي

الداخلي _ الإقليمي المترافق مع التأزم الاقتصادي. ولم يصمد من أطر التضامن المهني سوى نقابات المهن

الحرة (محامون، صيادلة، أطباء ومهندسون)، وهي أُطر غالبًا ما لا تقوم علاقتها بالسوق من خلال العمل

المأجور، ويشد من تضامنها المهني حماية عوائد خدماتها من خلال حصر منافسة الوافدين الأجانب إلى مهنها

(منع الفلسطينيين على وجه الخصوص من ممارسة هذه الخدمات) وحماية تعاقداتها مع مؤسسات الدولة

والمستشفيات الخاصة. ويلُاحَظ أن ما يبرز الآن من أُطر التضامن الاجتماعي _ المهني النقابي في أوساط الفئات الشعبية المأجورة، بات

لا يخلو من تأثير وحدة الانتماء الطائفي للأفراد واندماجهم الأحادي العصبوي، كما يبرز بأبهى صوره في الحالة

اللبنانية، ولا يتسع لتعدد اندماجات النقابيين المألوفة في المجتمعات الليبرالية المتطورة نسبيًا. وإن هذا التضامن

الذي تفكك لصالح تشديد الولاء الطائفي السياسي خلال الحرب اللبنانية الداخلية – الخارجية صمد على

العكس من ذلك، في أوساط المهن الحرة بفعل توزع غالبية ولاءات هذه النخب المميزة مهنيًا، والمتنفذة أهليًا على

زعامات الطوائف. هذه الزعامات التي جعلت من معارك انتخابات الأسلاك المهنية الحرة اختبارات مسبقة

لتوازنات قواها وتحالفاتها السياسية في الانتخابات البرلمانية اللاحقة. أمّا على صعيد تشريعات العمل وانعكاساته، فتجدر الإشارة بداية إلى أن قانون العمل الساري المفعول لم تدخل

عليه منذ صدوره سنة 946 1 إالّ تعديلات محدودة لا تطاول ما تطلّبته التطورات الطارئة على سوق العمل

ومصادر العروض الداخلية والخارجية الوافدة اليه، وتطورات النزاعات فيه التي أصبحت تتجاوز في علاقات

العمل المتطورة ما كانت عليه منذ ما ينوف على ستين سنة. وظل هذا القانون غير شامل للعاملين في الإدارة

8 1 الوضع الاجتماعي الاقتصادي في لبنان، ص.136

الحكومية ولا للعمال والعاملات المأجورين في الزراعة، وهذا ما أضر كثيرًا بعدم شمولهم بقانون العمل الراهن

الذي لا يعترف بعملهم في الأرض، وبالتالي لا يحكم في نزاعاتهم ولا ينص على حقوقهم في الاستفادة من الضمان الاجتماعي. وظلت محاولات تأطير العاملين في الزراعة متعثرة، تعتمد على مبادرات تنظيمية مسيّسة

وملتبسة التأطير لجماعات مختلفة: مزارعون، فلاحون، وعمال زراعيون، وهذا ما انعكس في دفع صغار المزارعين والعمال الموسميين اللبنانيين المحبَطين إلى النزوح عن الزراعة والأرياف باتجاه ضواحي المدن، وأفسح في المجال

أمام أصحاب الأعمال لخرق القانون، واستبدال العمال اللبنانيين المتواضعي المهارات إجماالً في الزراعة، كما

في المدن، بالعمالة العربية الوافدة المنافِسة لجهة انخفاض أجورها وعدم تحميلهم أكلاف تسجيلها في الضمان الاجتماعي. وانعكس ذلك في توسّع البطالة المقنّعة والإفقار اللذين يدفعان بهذه العمالة اللبنانية المتعطلة إلى

اليأس من قدرات الحكم والإدارة المعنية على حماية حقوقهم في سوق العمل المنفلت، واللجوء إلى الولاءات الإغاثية والزبائنية التي تستثمرها الزعامات الطائفية. يجدر ذكر أن أوجه قصور قانون العمل والإدارات المعنية بتطويره والسهر على تنفيذه في السوق المنفلتة تراكمت وانعكست سلبًا على التأطير النقابي للعمال. ويلُاحَظ ذلك في تفكك وحدة الاتحاد العمالي العام التي

ظلت حتى السنوات الأخيرة من الحرب الداخلية _ الخارجية قادرة على قيادة النضالات المطلبية. ولكن الاندماج المهني - النقابي بقيادة هذا الاتحاد شهد تدخلات سياسية عملت على تفكيكه طائفيًا ومناطقيًا

إلى أكثر من 15 اتحادًا بذريعة تطوير هيكلية النقابات ودمقرطتها عن طريق تفريع تنظيماتها الموحدة في

القطاعات، حتى بات ما بقي من تمثيل في الهيكلية المترهلة للاتحاد العمالي العام قاصرًا عن تمثيل الشتات

النقابي وعن الخروج على السياسات المتعارضة لزعامات الطوائف. إن ما تراكم من سياسات وتشريعات

وتدخلات معطِّلة للاندماج الاجتماعي المهني خلق مناخًا ملائامً لظهور حركة التنسيق النقابي للمعلمين

وموظفي القطاع العام خلال سنتي 0110122 و 2، ولما استطاعت أن تنظمه من تظاهرات وإضراب مفتوح، متجاوزة في تعبئتها واستقطابها حدود الطوائف والمناطق، ومتواجهة مع تشدُد تحالف النافذين في

الحكم وممثلي الهيئات الاقتصادية من أصحاب الأعمال في رفض مطالباتها لتعديل سلسلة الرتب والرواتب. إنه التحالف الذي دأب ويدأب على تعطيل نمو الاندماج الاجتماعي المهني وما يقترن به من وعي مطلبي لمصلحة وعي واندماج طائفيين منغلقين.

سابعًا: تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي في تنظيم التعاونيات والمنظمات غير الحكومية

منذ أن أدخلت «منظمة النقطة الرابعة» الأميركية في مطلع الخمسينيات فكرة أن تقوم الحكومة اللبنانية

بإنشاء التعاونيات الزراعية ودعمها، تمرس الشطّار من نخب الفئات المتوسطة والشعبية في رصد فرص الإفادة من مساعدات الوزارات للجمعيات التعاونية التي ينشؤونها في إطار معارفهم الريفية المحلية الضيقة. وراحوا يتقدمون بطلبات ترخيص من إدارة التعاون التي لا تتطلب منهم دراسات جدية حول الضرورة الاقتصادية والمناطقية لتأسيس الجمعيات التعاونية، وحول شروط الكفاءة المهنية والتشغيلية لدى المؤسسين لها. وعمد هؤلاء إلى حصر الانتساب في من يلوذ بهم ويضمن تجدد انتخابهم الشكلي

على إدارتها. ويصبح نشاط الشطّار المؤسسين مقتصرًا على تحصيل بعض الدعم المالي والعيني من خلال

ضغوط مراجعهم السياسية على الإدارة التعاونية، وإعادة توزيع هذا الدعم على من يرونه مخلصًا في

ترسيخ وجاهتهم المحلية. وهنا لابد من استثناء التأسيس الجدي لبعض التعاونيات (البيض، البطاطا،

الحليب والحمضيات) التي بادر إلى إنشائها كبار المزارعين، وهم الأكثر قدرة على تثمير العمل التعاوني

في توفير الإعفاءات على استثماراتهم ومستورداتهم، وأكثر تأثيرًا في الضغط على الإدارة الحكومية لتوسيع

أسواقهم الخارجية. وتجدر الإشارة إلى إن السجل التعاوني يلحظ قرارات ترخيص لمئات من التعاونيات

الجامدة تعيش في ظل إدارة قاصرة عن المتابعة السنوية لنشاطاتها وماليتها وتقيّدها بالحد الأدنى من

الأنظمة المعتمدة في الترخيص لها. يساعد في تدهور الاندماج المهني والاجتماعي لصغار المزارعين تخلّفُ قانون التعاونيات الذي أتاح مثل هذه

الخفة والانفلات في الترخيص، الذي لا يقوم على تدقيق موضوعي في الحاجة الاقتصادية للنطاق الجغرافي

الزراعي والمهني الذي يرخَّص للتعاونية كي تخدمه؛ فبدل أن يشترط القانون في الترخيص أن تكون التعاونية

متخصصة بقضاء إداري أو منطقة زراعية واسعة لتطاول عشرات، بل مئات المزارعين، يلُاحظ أنه لا يعارض

التراخيص لتعاونيات عامة في نطاق قرية معيّنة ولحفنة من المزارعين الفعليين وغير الفعليين، ولا يعارض

الترخيص لأكثر من تعاونية واحدة في القرية الواحدة، وهو ما أفقد الثقة الأخلاقية والمهنية بمبادرات تأسيس

التعاونيات، وبما يجب أن تجسده من حلول تؤثر في تحسين الاندماج المهني والاقتصادي والاجتماعي المحلي

لمن تصل نسبتهم إلى حوالي 12 في المئة من الأُسر اللبنانية التي تعمل على توفير دخل كيلّ أو جزئي من الزراعة

والصيد البحري والتصنيع الحرفي للمؤن الزراعية. هذا التصنيع الذي تنشط فيه بعض التعاونيات النسائية بدعم

تمويلي أو تدريبي من بعض المنظمات المانحة، وتعاني عدم وجود الحاضنات المؤهلة له إداريًا وتقنيًا واقتصاديًا

ومن صعوبات دخول الأسواق المفتوحة على المنافسات الإغراقية. ولم يكن قانون الجمعيات الموروث منذ سنة 9081 أكثر تطلبًا في الترخيص وأقل افساحًا في المجال للعشوائية

والزبائنية في تطبيقه على تأسيس ما يُسمّى الجمعيات الأهلية، الخيرية منها والاجتماعية- الثقافية والرياضية،

فساهم واقعيًا في تشويه مفهوم التكافل والاندماج الاجتماعي داخل الجماعات اللبنانية وبينها. وذلك لأن الإدارة

المعنية بالإشراف على تطبيق هذا القانون لا تتوافر لها الكفاءة، إنْ لجهة متابعة نشاطات تحقيق أهداف الجمعيات

المشار إليها في طلبات الترخيص أو لجهة وصف قدرات العاملين لديها، ولاسيما في مجالات تتطلب خبرات

علمية موثوقة ومصنَّفة، كالصحة وتوليد الدخل والتدريب المهني والتسويق. وإن عدم التدقيق في وظائف

المنظمات وقدرات العاملين فيها وفي تنسيق تدخلاتها مع حاجات المناطق وفي ما بينها وبين الوزارات المعنية،

ساعد في انفلات الترخيص لها، وترك للكثير الكثير منها أن تختار مناطق نشاطاتها ومجالات هذه النشاطات،

متكيفة مع ميول المراجع السياسية والطائفية لإدارتها ولزعامة المناطق التي تتوجّه للعمل فيها؛ هذه الزعامة

التي غالبًا ما تساعدها على توقيع عقود تمويل خدمات متنوعة مع وزارة الشؤون الاجتماعية. وغالبًا ما تتكيّف

تدخلات الجمعيات مع ميول مصدر التمويل ورغباته في تنويع النشاطات باستمرار، وهو ما يحول دون تراكم

خبراتها وتخصصها الموثوق. وتستفيد هذه المنظمات غير الحكومية أو الجمعيات ليس فقط من سهولة الترخيص

والتساهل في التوظيف ومن عدم تطلب المموّلين، حكوميين وأجانب ودوليين، بل أيضًا من غياب التنظيم

المؤسسي ومن غياب الجمعيات العمومية للمتطوعين أو للمستفيدين التي يُفترض بها المشاركة في تقييم إدارتها

المشخصنة غالبًا وفي متابعتها ومحاسبتها.

ثامنًا: تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي لعوام النساء في لبنان

التمييز بين النساء

يمُارس التمييز ضد النساء في الحقوق

والواجبات، ويتفاوت من طائفة إلى

أخرى، وداخل كل طائفة. ومن أبرز

مجالات التمييز ما يطاول شخصها وما

يتعلق بموقعها في الأسرة وبدورها فيها،

ولاسيما لجهة:

• الحرمان من الاستقلالية الشخصية في

موضوعات كالأهلية والحاجة إلى ولي أمر

(الأب والأخ والزوج والابن).

• التمييز أيضًا في عقد الزواج، ومن

خلاله، في النفقة والهجر وطلب الطلاق

والتعويض الناتج من الطلاق.

• التمييز في موضوع العلاقة بالأولاد

لجهة الحراسة والحضانة.

• التمييز في موضوع الإرث لجهة نسبة فقط.»0.32

حقوقها الإرثية ولجهة حصولها واقعيًا على

هذه الحقوق. ولم تتجاوز مشاركة المرأة إالّ القليل من موانع الارتقاء إلى مرتبة الموظفات الكبيرات والمديرات. وهنا تجدر

الإشارة إلى أن لبنان، الذي سجل في سنة 006 2 دليالً للتنمية البشرية بقيمة 796.0 في مقابل الأردن

(0.768) وتونس (0.761) وسورية (0.736) ومصر (0.517)، يتراجع ترتيبه وفق ترتيب دليل التنمية

المرتبطة بالجنسانية إلى أدنى من الأردن وتونس وسورية. يُضاف إلى اللامساواة بين الجنسين على صعيد أدلة

التنمية البشرية والجنسانية ما تعانيه المرأة اللبنانية من أوجه التمييز في مواطَنة النساء العائدة إلى مرجعية الولاء في

الانتماءات الأولوية الموروثة (الطائفة والعائلة) في الغالبية المطلقة للجماعات اللبنانية، وهي مرجعية تميل الثقافة

التقليدية بقيمها المهيمنة إلى حصرها غالبا بالذكور المتنفذين في أهل العصب وبيوت السلطة المتوارثة أو المنتقلة

لأهل المال والجاه. ولهذا يلاحَظ أن التمثيل النسائي في البرلمان، بعد مرور حوالي قرن على الخروج من تقليدية

السلطة العثمانية والدخول في حداثة الانتداب الفرنسي وتأثيراته في التشريع الدستوري، وانفتاح لبنان - الجسر

على التجارة والثقافة والاغتراب مع الغرب، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على صدور المرسوم الاشتراعي

73 الذي يُعطي المرأة حق الانتخاب والترشح (9531)، وبعد إبرام لبنان في سنة 9551 ل «اتفاقية الحقوق

السياسية للمرأة»، ظل تمثيالً في انتخابات 0052 يقل عن 4 في المئة من مجموع النواب، وتراجع هذا التمثيل سنة

9 1 برنامج الأمم المتحدة الانمائي، تقرير التنمية البشرية للعام 2004: الحرية الثقافية في عالمنا المتنوع (نيويورك: الامم المتحدة،.)2004

0 2 برنامج الأمم المتحدة الانمائي، التقرير الوطني للتنمية البشرية في لبنان: نحو دولة المواطن (نيويورك: الأمم المتحدة، 2009)،

ص -27 8.302 و

تحقق في لبنان حتى سنة 0042 ارتفاع في المكوّنات الثلاثة

لدليل التنمية الجنسانية (العمر المتوقع والتعليم والدخل)

وصل بقيمتها إلى ما نسبته 98.4 في المئة من قيمة دليل

التنمية البشرية في لبنان. وتحقق على صعيد ارتفاع معدل

النشاطية الاقتصادية للنساء من 7.51 في المئة سنة 9701

إلى 25 في المئة سنة 2001، علامً أن هذا المعدل لا يلحظ

نشاط المرأة خارج سوق العمل النظامي (العمل غير المصرَّح

به في الزراعة العائلية وفي القطاع غير النظامي، حيث لا يصل

إليها المتخصصون بالإحصاء). وعلى الرغم من ذلك، فإن

القصور في المساواة ما زال ملحوظًا في المكوّنات الأخرى

لدليل التنمية الجنسانية التي يجري قياسها في مجالات التمكين

الجنساني أو التمكين من المساواة الذي ارتفع إلى 0.350

في سنة 2004. غير أن القصور ظل بارزًا على صعيد

الارتفاع النسبي لأمّية البالغات في الأرياف وعلى صعيد

الدخل، حيث «تقدر نسبة دخل الأنثى إلى دخل الذكر ب

المصدر: برنامج الأمم المتحدة الانمائي، التقرير الوطني للتنمية البشرية في

لبنان: نحو دولة المواطن (نيويورك: الأمم المتحدة، 0092)، ص.38

0092 إلى ما دون 2 في المئة. وجدير بالذكر أن فوز الأعضاء من النساء في البرلمان مهدت له المواقع والقدرات

السلطوية الاستثنائية الموروثة في بيوتهن. ويلُاحَظ أن ارتفاع ن سب ترشيح المرأة ونجاحها في الانتخابات البلديةِ

بين سنتي 9980041 و 2 يمكن أن يفَّ بأن تمثيل المرأة للجماعة العائلية المؤيدة لها لا يغريّ في كون الزعامة

في الأرياف تبقى ثابتة بالضرورة للرجال فيها، وتبقى أعلى مرتبة من التمثيل في المجلس البلدي عندما تضطر

الجماعة في ظرف ما إلى أن تتمثّل في إحدى «أخوات» رجالها. يُضاف إلى هذا التعوق في دليل التنمية المرتبط بالجنوسة أو الجنسانية ودليل تمكين الجنوسة «التمييز على صعيد

التشريع حول ظروف النساء وإطاعتهن لتقاليد التنازل عن حقوقهن في تركة العائلة لصالح الإخوة الذكور،

قانطات وخمُالفات في ذلك الشرائع الدينية. كما ويضاف إلى هذا التمييز التعوق المرتبط بالموانع الواقعية التي

تحول غالبًا دون تمكين المرأة اللبنانية الريفية المأجورة في العمل الزراعي أو المساعدة في الزراعة العائلية أو حتى

في منظمات العمل الاجتماعي، من تشكيل لقوة ضاغطة أو لنقابة تمكّنها من فرض الاعتراف بحقوقها في قانون

العمل اللبناني اعترافًا يمكّنها من الانتساب إلى سجلات الضمان الاجتماعي».

خاتمة

بعد الرصد المفصّل الذي قمنا به لإبراز أشكال تعويق مدنية الاندماج الاجتماعي للأفراد في نموذج الليبرالية

اللبنانية المتبلور في المحيط العربي والمشرقي خاصة، رأينا أن نختم بحثنا بمجموعة من الأسئلة لم يحن بعدُ، في

تقديرنا، وقت بلورة أجوبة معقولة عنها. وسنبقى نهجس، في المدى المتوسط على الأقل، بأجوبة ملائمة لها.

ومن هذه الأسئلة: • هل سيتواصل ارتفاع الأكلاف الاجتماعية والاقتصادية لتفرّد الإسلام السياسي بالسلطة إلى مستويات يمكن

أن تحمل قياداته على تقبّل التحوّل من نهج الإسلام إلى نهج الإسلام المجتهد والشرع العقلاني؟

• متى ستقبل قيادات الإسلام السلطوي التحوّل عن الخطاب التعبوي القائم على ثنائية الإيمان والتكفير بدعم

من النيوليبرالية إلى الخطاب التنموي القائم على التعددية، وعلى الانتقال بالضرورة إلى الشرع العقلاني المحفز

لمختلف مكونات المجتمع، الإسلامية وغير الإسلامية، على المشاركة في تثمير الموارد وفي النأي بالدولة عن

الإذعان لشروط الدعم الخارجي وأهدافه البعيدة؟ • إلى متى ستواصل جماعات المعارضة غير الأصولية نهجها الذي لا يقل سلطوية في مواجهة الإسلام الأصولي،

من خلال تعطيل مؤسسات الدولة وضرب بناها التحتية والاجتماعية ودفعها إلى الإفلاس والتقبّل مكرهة

لشروط مراكز التمويل النيوليبرالية المتضمنة شروط التطبيع مع الاغتصاب الإسرائيلي؟ • إلى متى ستواصل التيارات غير الأصولية نهجها المركزي غير الديمقراطي المتمثّل في زعامات تنأى بنفسها عن

مسؤولية بناء المؤسسات والبرامج المحفزة على مساءلتها؟ • إلى متى ستواصل أوليغاركيات الريوع في المجتمعات، المنتفضة منها و النائمة، الإذعان لتوصيات المراكز

المقررة على الصعيد الدولي؟ هذه المراكز التي ترى أن العقلانية تقضي بإطلاق الحرية لآليات السوق في اقتصادات

البلدان الفقيرة، وتتجاهل هذه الأوليغاركيات قول آدم سميث عن ضرورة فرض عودة الأخلاق إلى حظيرة

اقتصاد السوق في الرأسماليات الصناعية الأولى. وكيف يمكن الاستمرار في إبعاد الليبراليات المتخلفة للأخلاق

عن حظائر الأسواق الفقيرة والفالتة؟

21 بعلبكي، ص.96

المراجع

-1 العربية ابن خلدون، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد. مقدمة العلامة ابن خلدون. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، [د. ت.]. برنامج الأمم المتحدة الانمائي. تقرير التنمية البشرية للعام 2004: الحرية الثقافية في عالمنا المتنوع. نيويورك: الامم المتحدة،.2004.. التقرير الوطني للتنمية البشرية في لبنان: نحو دولة المواطن. نيويورك: الأمم المتحدة،

.. التقرير الوطني للتنمية البشرية في لبنان: نحو دولة المواطن (موجز التقرير). نيويورك: الأمم المتحدة،.2009. ومؤسسة محمد بن راشد المكتوم. تقرير المعرفة العربي للعام 2009: نحو تواصل معرفي منتج. دبي: البرنامج،.2009 بعلبكي، أحمد. قضايا ومعوقات التنمية: مقاربات في كتابين. 2 ج. بيروت: دار الفارابي، 007.2 ج:2 حول معوقات التنمية في لبنان: مقاربة اجتماعية- ثقافية. خارطة أحوال المعيشة في لبنان: دراسة تحليلية لنتائج مسح المعطيات الاحصائية للسكان والمساكن. بيروت: برنامج الامم المتحدة الانمائي،.1998 عيسى، نجيب (معد) إطار استراتيجي لمكافحة البطالة. بيروت: المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق،

لبنان، ادارة الإحصاء المركزي. بيانات مسح المعطيات الإحصائية للسكان والمساكن. بيروت: إدارة الإحصاء،

لبنان، جمعية المصارف. التقرير السنوي لعام 2000. بيروت: [الجمعية]،.2001 ملامح التنمية البشرية المستدامة في لبنان. بيروت: برنامج الأمم المتحدة الانمائي، 997.1 (التقرير الوطني للتنمية البشرية) الوضع الاجتماعي الاقتصادي في لبنان: واقع وآفاق. بيروت: وزارة الشؤون الاجتماعية،.2004

-2 الأجنبية

Besoins et possibilites de developpment du Liban: Etude preliminaire. 2 vols. Beyrouth: Mission Irfed, 1960-1961. vol. 2: Problematique et orientation.