الإسلاميّون في تونس وتحدّيات البناء السّياسي والاقتصادي للدّولة
Islamists in Tunisia and the Economic and Political Challenges of State Building
الملخّص
أُعْنَى في هذه الورقة بالنّظر في حدث وصول الإسلاميّين إلى الحكم في تونس باعتبار ذلك حدثا مهمّا في تاريخ البلاد المعاصر، فقد ظلّ الإسلاميّون في معزل عن تولّي مقاليد السّلطة منذ تأسيس ما يُسمّى بدولة الاستقلال. وقد أتاحت لهم ثورة 14 جانفي 2011 فرصة العودة للانخراط في النّسيج المجتمعيّ المدنيّ والفعل في المشهد السّياسي. وكان أن استثمرت حركة النّهضة ذات المرجعيّة الإسلاميّة ماضيها النّضالي على أحسن وجه، فقد أسهمت حقبة الظّلم والأحاديّة الحزبيّة في الدّولة القامعة في إبرازها في موقع المعارض الجادّ للدّيكتاتوريّة، واحتلّت مكانة مهمّة على جبهة نقد النّظام المستبدّ. وقد كانت انتخابات 23 أكتوبر 2011 تجربة ديمقراطيّة فريدة في تاريخ البلد، أدّت إلى التّمكين لحركة النّهضة داخل الاجتماع التونسي ومنحتها مزيدا من الشرعيّة، وذلك بعد فوزها بأغلبيّة المقاعد في المجلس التأسيسي، وهو ما أهّلها لتشكيل الحكومة وقيادة البلاد في هذه الفترة الانتقاليّة الدقيقة.
Abstract
This paper highlights how the arrival of Tunisian Islamists to power was a momentous event in the country’s contemporary history. Having been deprived of power since the establishment of Tunisia’s “Independent State,” the 2011 revolution has given them the opportunity to once again be part of the social and civic fabric of Tunisia and become active actors in its political scene. The elections held on October 23, 2011 constituted a unique democratic experiment in having the Ennahda Movement represent Tunisian society after they won the majority of seats in the Constituent Assembly. This majority enabled the movement to form a government that can lead during this critical transitional period, but it also prompts a number of questions. For instance, what are the most important political and economic challenges facing the Islamists in state building? Has the Ennahda Movement changed their point of view theoretically and structurally with its progression from being an opposition party? Has the movement worked toward making democracy a strategic choice? How have the Islamists dealt with the post-dictatorship era developments and realities, and have they been successful in achieving the expectations of Tunisians? In an effort to examine the process of political and economic state building in Tunisia, this paper attempts to offer an understanding to the key elements in question.
- مجلس تأسيسي
- مرحلة انتقالية
- حركة النهضة
- توافق سياسي
- الثورة التونسية
- Tunisian Revolution
- Constituent Assembly
- Ennahda Movement
- Economic and Political Challenges
- Ruling Party
- Transition Period
- Governance
- Political Conciliation
أُعْنَى في هذه الورقة بالنّظر في حدث وصول الإسلاميين إلى الحكم في تونس باعتبار ذلك حدثًا
مهما في تاريخ البلاد المعاصر؛ إذ ظلّ الإسلاميون في معزل عن تويلّ مقاليد السلطة منذ تأسيس
ما يُسمّى دولة الاستقلال. وقد أتاحت لهم ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011 فرصة العودة
للانخراط في النسيج المجتمعي المدني والفعل في المشهد السياسي. وكان أن استثمرت حركة
النهضة ذات المرجعية الإسلامية ماضيها النضالي على أحسن وجه، إذ ساهمت حقبة الظلم
والأحادية الحزبية في الدولة القامعة في إبرازها في موقع المعارض الجادّ للدكتاتورية، واحتلّت
مكانة مهمّة على جبهة نقد النظام المستبد. وقد كانت انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر
2011 تجربة ديمقراطية فريدة في تاريخ البلد، أدّت إلى التّمكين لحركة النهضة داخل الاجتماع
التونسي، ومنحتها مزيدًا من الشرعية، وذلك بعد فوزها بأغلبية المقاعد في المجلس التأسيسي،
وهو ما أهّلها لتشكيل الحكومة وقيادة البلاد في هذه الفترة الانتقالية الدقيقة. وهنا تطرح عدّة
أسئلة ستكون مدار نظرنا، لعلّ أهمّها: - ما هي أهم التحدّيات السياسية والاقتصاديّة التي تواجه بناء الدولة الجديدة على عهد
الإسلاميين؟ - كيف تمثّلت حركة النهضة التجربة السياسية الجديدة؟ وهل تغريّت مواقفها عند الانتقال من
موقع المعارض إلى موقع الحزب الحاكم؟ - هل انخرطت بسلاسة في مسار الخيار الديمقراطي؟ وما موقفها من الآخَر؟ - كيف تعامل الإسلاميون مع مستجدّات واقع ما بعد الدكتاتورية؟ وهل هم قادرون على
تحقيق توقعات جمهور الناخبين؟
مدخل
إن الانتقال من الأحادية إلى التعددية، ومن القمع إلى الحرّية حدث تاريخي، يؤدّي غالبًا إلى ظهور
قوى جديدة، وفاعلين سياسييّن تنتجهم صناديق الاقتراع، ويُفترَض فيهم العمل على تلبية توقّعات
الناس، وفي مقدّمتها توقهم إلى العدالة الاجتماعية والحرّيات العامة والخاصة، وتوقهم إلى السلام الأهلي والرفاه
الاقتصادي والعيش الكريم، وتلك مطامح يقتضي تحقيقها توافر إرادة سياسية حريصة على التّغيير، وإجماع
وطني على ضرورة الإصلاح، ومحيط إقليمي يساعد على التحوّل نحو الديمقراطية. وقد شهدت تونس عقب ثورة 71 كانون الأول/ديسمبر 2010 - 14 كانون الثاني/ يناير 0112 فترة انتقالية
صعبة جالّها شيوع الشعور بالخوف من المستقبل لدى أغلب المحكومين، وانتشار حالة من عدم اليقين لدى
الناس الذين هالهم الفراغ الذي خلّفته الدكتاتورية، وعزّز ذلك الشعور بالارتباك تراجعُ الأداء الاقتصادي
للبلاد وانخفاض نسبة النمو (2٫-2 تحت الصفر)، وتصاعد موجات الاحتجاج المنظّم أو الفوضوي على
أساس خلفيّات مطلبية متعدّدة متعلّقة بالتنمية والتشغيل، وتوسّع مجالات الحرّية في بداية المرحلة الانتقاليّة،
فتعاقبت على البلاد ثلاث حكومات انتقالية في غضون سنة واحدة (حكومة محمد الغنوشي؛ حكومة الباجي
قائد السبسي؛ حكومة الائتلاف الحاكم حاليّا). وكان انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي يوم 23 تشرين الأول/
أكتوبر 0112 استحقاقًا تاريخيًا معتبرًا، جسّد لأول مرّة في تاريخ البلاد الحديث بدايات الانتقال الفعلي نحو
الديمقراطية؛ فقد مارس الشعب حقّه في اختيار ممثّليه في كنف النزاهة والحرّية والمسؤولية، واعتلى الإسلاميون
ممُثَّلِين في حركة النهضة لأول مرّة سدّة الحكم لفوزهم بأغلبية المقاعد (89 مقعدًا من مجموع 721 مقعدًا)،
وانصرفوا إلى تشكيل حكومة ائتلافية جمعت علمانيين وإسلاميين لأول مرّة في تونس، في تحالف سياسي
سيادي واحد. ومع أن فوز النهضة بالأغلبية أشاع حالة من الارتياح لدى أتباعها ولدى عدد من الملاحظين الذين اعتبروا ذلك
بداية عهد التداول على السلطة، وتحكيم إرادة الشعب لتشكيل مؤسسات الدولة، وعدّوا فوز النهضة فرصة
لاختبارها والتثبّت من مدى اعتدالها، فإن آخرين رأوا في صعود الإسلاميين إلى مواقع القرار خطرًا على
الجمهورية وتهديدًا للمكاسب الحداثية لتونس (حرّية المرأة؛ مجلّة الأحوال الشخصية؛ التعدّدية الثقافيّة...)،
وأنذروا بأن النهضة ستسعى إلى أسلمة المجتمع بالقوة وإلى إعادة إنتاج الدكتاتورية في لبوس ديني، موظّفة
الديمقراطية للانقلاب على الديمقراطية، وشكّك فريق آخر في قدرة الحركة على رفع التحدّيات الاقتصادية
والسياسية والاجتماعية التي تواجه تونس اليوم. لذلك، نريد في هذه الورقة أن نبحث في مدى معقولية الخوف من حركة النهضة الإسلامية من ناحية، ومدى
قدرتها على الاستجابة لمقتضيات الانتقال من حزب معارض مُقىصً على مدى عقود إلى حزب حاكم، من ناحية
أخرى، ونركّز النّظر أساسًا على تجلية أهمّ التحدّيات التي تواجهها هذه الحركة في بناء معالم الدولة الجديدة بعد
الثورة. وقد صنّفنا التحدّيات إلى تحدّيات ذاتية وتحدّيات موضوعية. تتعلّق الأولى بمشكلات إعادة بناء حركة
النهضة لنفسها تنظيريًا وتنظيميًّا حتّى تستجيب لمستلزمات الاجتماع الديمقراطي بعد 14 كانون الثاني/ يناير
1 Stefano Maria Torelli, “The “AKP Model” and Tunisia’s al-Nahda: From Convergence to Competition,” Paper Presented at: “Revolution and Revolt: Understanding the Forms and Causes of Change,” (BRISMES Annual Conference, London School of Economics and Political Science, 26-28 March 2012).
011.2 وتتعلّق الثانية بتبنيّ أهمّ التحدّيات السياسية والاقتصادية التي تواجه الحركة والائتلاف الحاكم معها
في إدارة تجربة الحكم. وقد رأينا التركيز على الجانب السياسي لأنه قوام إدارة الشأن العام، وبحسْن تنظيمه يتسنّى
إقرار الاستقرار ويتيرسّ تسيير البلد، أمّا الاقتصاد فعصب الحياة وأصل المعاش، وفي تأمينه ضمان لكفاية الناس
وتحقيق لمطلبهم الرئيس في ضمان العيش الكريم. وقد اخترنا الاشتغال على النهضة دون غيرها من الإسلاميين لأنها أول حزب إسلامي مارس العمل السياسي
المعارض في السرّ والعلن ووصل إلى الحكم، ولأن أدبيّاتها قبل الثورة وبعدها متوافرة، وهو ما مكّننا من
مراجعتها وقراءتها وتمثّل تصوّراتها للحكم تنظيرًا وتطبيقًا. واخترنا هذا الموضوع أيضًا لأنه موضوع راهنيّ يتعلّق بتبنيّ واقع الممارسة السياسية لحزب إسلامي حاكم في
تونس في مرحلة الانتقال الديمقراطي، والوعي بآليّات إدارته للشأن العام، وهو مشغل لم يلق بعدُ حظّه من
المقاربة الموضوعية، فأغلب الدراسات الواردة في المجال واقعة تحت طائلة التمجيد للحركة، أو التحامل عليها
على أساس خلفيّات أيديولوجية وحزبية قَبْلِيّة. وسنحاول مقاربة هذا المشغل في منأى عن الأحكام المسبقة،
منطلقين من بيانات الحركة وكتاباتها، ومن منجَزها السياسي العملي في إدارة الحكم، لنخلص من ذلك إلى جملة
من النتائج التي تبقى نسبيّة على أهمّيتها. - ما المراد بالانتقال الديمقراطي والدولة الجديدة على جهة التفصيل؟ - ما هي أهمّ التحدّيات الذاتية والموضوعية، السياسية والاقتصادية التي تواجه النهضة وشركاءها في بناء
الدولة المدنية المنشودة؟ - إلى أيّ مدى كانت النهضة موفّقة في إدارة دفّة الحكم في المرحلة الانتقالية؟ هذه الأسئلة وغيرها ستوجّه بحثنا في هذه الورقة
أولا: في الانتقال الديمقراطي والدولة الجديدة
تؤسّس عملية الانتقال الديمقراطي لبداية عهد جديد في تاريخ المجتمعات، فهي مرحلة قطع عمليّ وتصوّري
مع أركان نظام سياسي سابق ثبت للمواطنين فشله في تأمين حياة مجَْعيّة مستقرّة، مترفّهة، تتوافر فيها الحقوق،
وتُوزّع فيها الواجبات والثّروات بطريقة عادلة؛ فانخرام النظام الدكتاتوري في دول الربيع العربي، وانخراط
المشرفين عليه في دوّامات الفساد المالي والإداري وفي مسارات الاستبداد المقنّن وغير المقنّن ساهما في قيام ثورات
شعبية قوّضت الحكم الفردي أو الأسري السائد، وشرّعت لقيام واقع سياسي جديد يعيد إلى المواطن دوره في
صوغ القرار وفي تشكيل مؤسسات الدولة. وقد أثبتت الدراسات التي أجرتها مكاتب الأمم المتحدة وأهل الاختصاص من المشتغلين بالبحث في
2 عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها (الدّوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات،.)2012
3 انظر: «المنتدى الدّولي حول مسارات التحوّل الديمقراطي: تقرير موجز حول التجارب الدولية، والدروس المستفادة، والطريق
قدما،» (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، -56 حزيران/ يونيو 0112)، و»تقرير منتدى المجتمع المدني العربي بشأن تطبيق توصيات
المشاركة المدنية في السياسات العامة تحت عنوان: الحراك الجديد ومسار النهضة العربيّة، القاهرة، -9 01 نيسان/ أبريل 0112،» (الأمم
المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)،.)2011
التحوّل الديمقراطي بالبلدان التي شهدت حالات حراك احتجاجي أو عمل ثوريّ من قبيل جنوب أفريقيا
والأرجنتين وتشيلي أن لمرحلة الانتقال الديمقراطي سمات تتكرّر من بلد إلى آخر، وأهمها:
- بطء عملية الانتقال نحو الديمقراطية بسبب بيروقراطية الإدارة التقليدية، واستمرار أجهزة النظام السابق في
الهيمنة على دواليب الدولة. - تزايد نسق المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. - الإحساس بالشكّ تجاه الحكم الجديد، والخوف من المستقبل لدى أغلب المواطنين. - صعوبة تفكيك شبكات الفساد. - طول مدّة التحوّل نحو الديمقراطية في بلدان لم تتعوّد ممارسة آليّات الحكم الديمقراطي. وينتظر المواطنون في دول الانتقال الديمقراطي تحقيق عدّة مطالب، في مقدّمتها تركيز أسس دولة مدنية
ديمقراطية جديدة، ذات مؤسّسات فاعلة وعادلة وشفّافة، فالدولة المدنية المنشودة يفترض أن تحقّق عدّة
مطامح، لعل أهمها: - استعادة الاستقرار الأمني والسلم الاجتماعي. - تحقيق الحدّ الأدنى من الرّفاه الاقتصادي.
- إقامة أسس العدالة الانتقالية. - ضمان الحرّيات العامة والخاصة.
- صوغ دستور تعاقدي ينظّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويحدّد صلاحيات هياكل الدولة ومسؤوليها،
ويضبط كيفيّات تشكيل مؤسساتها.
- إقامة دولة القانون والمؤسسات. - بلورة نظام حكم ديمقراطي. - توزيع الثّروة بطريقة عادلة وضمان تكافؤ الفرص. - تفعيل دور المجتمع المدني في التنوير والتحديث وصنع القرار. وقد وعدت حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية، والتي اعتلت سدّة الحكم في تونس بعد انتخابات 23
تشرين الأول/ أكتوبر 0112، بتحقيق عدّة مطالب عند إدارتها للحكم في المرحلة الانتقالية، من ذلك: - «تجنّب الانفراد بالقرار وتسويد العقلية التوافقية. - الجمع بين مبدأ المحاسبة والعدالة الانتقالية وروح التصالح. - السعي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية. - إجراء انتخابات ديمقراطية وصياغة الدّستور. - معالجة آثار مظالم العهد السابق وتفعيل العفو التشريعي العام». فإلى أيّ مدى أوفت الحركة بعهودها؟
4 برنامج حركة النهضة الانتخابي (أيلول/ سبتمبر 0112)، ص.14
ثانيًا: حركة النهضة: لمحة تاريخية
يمكن التّمييز بين حقبتين في تاريخ حركة النهضة، تمتد الحقبة الأولى من لحظة صدور البيان التّأسيسي لحركة
الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليّا) في 6 حزيران/ يونيو 9811 إلى حدود سقوط نظام زين العابدين بن
علي (14 كانون الثاني/ يناير 011.)2 وتشمل الحقبة الثانية مرحلة ما بعد الثورة في تونس. ولكلّ حقبة سمات
بارزة نوردها في ما يلي بإيجاز: -1 النهضة قبل ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011 ظهرت حركة النهضة في بداياتها الأولى في شكل جماعة دعوية تسمّت بالجماعة الإسلامية)1979 -1959(
وأسّسها راشد الغنوشي (أستاذ فلسفة) وعبد الفتّاح مورو (محام) بمعيّة عدد من الشباب المتديّن، المتأثّر بجماعة
«الدعوة والتبليغ» التي نهج نهجها في الدعوة إلى اتّباع السلف الصالح وإحياء سنّة النبي. كان أتباع الجماعة الإسلامية ينهلون أفكارهم من مصنّفات سيّد قطب وأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن
الندوي. وكان عملهم الدعوي ردّة فعل على احتذاء النظام الحاكم بنموذج التحديث على الطريقة الغربية مع
تحييده للمؤسسة الدينية وتحجيمه لدورها في صوغ المشهد الثقافي والمجتمعي بالبلاد، فرأت الجماعة العمل على
إعادة الاعتبار إلى الهوية العربية الإسلامية لتونس ومواجهة تيار العلمنة البورقيبية وصعود الثقافة الفرنكوفونية
وامتداد اليسار الشيوعي نقيضًا للطّرح الليبرالي. وقد دفعت حركة الاحتجاج الشعبي على نظام بورقيبة سنة 9781 بزعامة اتحاد الشّغل، وانتصار الثورة
الإسلامية في إيران على نظام الشاه سنة 9791، وأحداث قفصة سنة 9801 الجماعة الإسلامية إلى مراجعة
مقولاتها الدعوية، وتطوير منظومتها الأيديولوجية لتصبح منفتحة على الهمّ الاجتماعي والاقتصادي والعاملّي،
ومنخرطة في نسيج الحياة السياسية، وذلك استجابة لتطلّعات الناس ولشوقهم إلى بديل حزبي معارض يتحدّى
هيمنة التيار البورقيبي الدستوري وانفراده بالسلطة على مدى عقود بعد الاستقلال. وقد وجدت الجماعة تشريع بورقيبة للتعدّدية الحزبية (9811)، وحماسة محمد مزالي لذلك فرصة مناسبة لإعلان
تشكيلها حزبًا سياسيًا ذا مرجعية إسلامية تُسمّى لأول مرّة (-06 981-061) «حركة الاتجاه الإسلامي»، التي
عربّت في بيانها التأسيسي عن رغبتها في العمل القانوني باعتبارها فاعالً سياسيًا مدنيًا، يؤمن بالتعدّدية ويعترف
بالآخر ويقرّ بالتداول على السّلطة بالطرق السلمية، ويستمد برنامجه السياسي من المرجعية الإسلامية، ويسعى
إلى إقامة دولة عادلة، منغرسة في موروثها العربي الإسلامي، منفتحة على دول الجوار العربي والمتوسطي. وقد
دخلت الحركة في حوار مع أبرز مكوّنات الطّيف السياسي في بداية الثمانينيات، وخاصة حركة الديمقراطيين
الاشتراكيين والحزب الديمقراطي التقدمي بزعامة أحمد نجيب الشابي وعدد من وجوه التيار اليساري. غير أن
5 لمزيد من التوسّع في سيرة حركة النّهضة، انظر: بيانات ذكرى التأسيس لحركة النهضة التونسيّة (سلسلة قطوف النهضة، تونس،
حزيران/ يونيو 0122)، البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي، تونس، 6 حزيران/ يونيو 9811، ص -11 15؛ راشد الغنوشي،
من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس (تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع، 011 2)، والمبروك عبشة، الحركات الإسلاميّة في الجزائر
بين 1991-1931: مع مقارنة بين حركة النهضة التونسيّة والجبهة الإسلاميّة للإنقاذ (تونس: الدار المتوسطيّة للنشر، 0122)،
ص.354-330
6 في سيرة حركة النّهضة، انظر: الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، وعبشة، ص 453.-330
7 بيانات ذكرى التأسيس لحركة النهضة التونسيّة، البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي، تونس، 6 حزيران /يونيو 9811،
ص-11.15
الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم لم يرض للحركة الوليدة الاستمرار في العمل العلني، وعمد إلى تأليب
الحبيب بورقيبة عليها فأمر هذا الأخير بملاحقة قادتها واعتقال زعاماتها، ومحاصرة أنصارها، فزجّ بالمئات منهم
في المعتقلات، وحكم على زعيمها راشد الغنوشي بالإعدام. وبعد الانقلاب الأبيض الذي قام به زين العابدين بن علي على بورقيبة في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 987 فرج 1، أُ
عن قيادات حركة الاتجاه الإسلامي، ودخل النظام الحاكم في حوار مع الحركة بغية احتوائها، فأُشركت الحركة
في صوغ الميثاق الوطني الذي صدّقت عليه بمعيّة عدد من الأحزاب الوطنية المعترف بها، واستجابت لدعوة
السلطة بتغيير اسمها حتّى لا تبدو في موقع من يحتكر تمثيل الإسلام، فتسمّت باسم جديد هو «حركة النّهضة».
وشاركت الحركة في الانتخابات التشريعيّة سنة 9891 في صورة قوائم مستقلّة، وحصلت على 13 في المئة من
الأصوات، وهو ما أثار حفيظة الحزب الحاكم الذي استشعر اتّساع شعبيتها في صفوف الطبقة الوسطى والطلبة،
فعمد إلى التضييق عليها بداية من سنة 9911، وهو ما أدّى إلى مصادمات بين الأجهزة الأمنية وأتباع الحركة.
وأفضى ذلك إلى شنّ نظام بن علي حملة شعواء على حركة النهضة، وزجّ بالآلاف من أتباعها في السجون، في
حين اختّذ آخرون المهجر قِبلة لهم، فظلّت الجماعة تعاني ويلات الملاحقات الأمنية على مدى عقدين ونيف من
الزّمن، واستمرت حملة استئصالها على امتداد عقد التسعينيات، وتوزّع أتباعها بين الأسر والمنفى، وهو ما حدّ
من حضورها في الداخل التونسي، في حين ظلّت الحركة محافظة على طابعها المطلبي، ونهجها النضالي في الخارج،
داعية في المنابر الحقوقية والإعلامية إلى رفع المظلمة عنها وإلى إطلاق الحرّيات في تونس، وبناء مجتمع مدنيّ
تعدّديّ، مراوحة بين المطالبة بمصالحة وطنيّة والدعوة إلى الانتفاض على الدكتاتورية. وطوّرت الحركة في حقبة المنفى مقولاتها السياسية، وركّزت على أهمية تأسيس دولة ديمقراطية عادلة، تتّسع
لكلّ التونسييّن. وفي سنة 005 2 دخلت في حوار مع أطراف رئيسة في المعارضة التونسية؛ حوار فكّت به الحصار
الذي فرضه عليها النظام على امتداد سنين عدة. وقامت ببلورة ما يُسمّى وثيقة 81 أكتوبر التي اتّفقت فيها
مع عدد من الأحزاب العلمانية (الحزب الدّيمقراطي التقدّمي وحزب العامّل الشيوعي التونسي) على جملة من
اللوائح المتعلّقة بالحرّيات والمساواة بين المرأة والرّجل والتّداول على السلطة، وهو ما مكّنها من العودة للقيام
بدور مهمّ في المشهد السياسي التونسي المعاصر، أكّده حرصها على كشف عثرات النظام وإخفاقه في مقايضة
الحرّية بالأمن وسقوطه في مطبّ انتهاك حقوق التونسيين على وجه الإطلاق، وتماديه في سياسة الإقصاء للآخر
ونهج نشر الفساد بأشكاله المختلفة، وهو ما أدّى إلى انتفاض التونسيين على آلة الاستبداد وفرار بن علي وعصابته
من البلد في 14 تشرين الأول/.2012 - تميّزت هذه المرحلة من تاريخ الحركة بثلاث سمات بارزة: - انتقال الحركة من جماعة دعوية إلى حزب سياسي. - دخول الحركة في مواجهة مباشرة مع الآلة القمعية للدولة الحاكمة على عهد بورقيبة وعهد بن علي، وهو ما
ساهم في انحسار وجودها العلني في الساحة التونسية، واضطرّها إلى العمل السرّي وتحويل نشاطها إلى المهجر. - ساهمت حقبة النّفي والإقصاء في تطوير الحركة لمقولاتها السياسية (موقفها من الحرّيات، من المرأة، من التداول
على السلطة...)، ممّا أهّلها للقيام بدور فاعل في المشهد السياسي في تونس بعد 14 كانون الثاني/ يناير.2011
8 نجيب الشابي، «العلاقة بين الإسلامييّن والعلمانييّن: تجربة 8 1 أكتوبر في تونس،» الآداب، العددان 12-11 (0102)، على الموقع
<http://www.adabmag.com/print/353>. الإلكتروني:
-2 النهضة بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011 خرجت الحركة من طور المغالبة والمواجهة إلى طور المشاركة في صوغ المشهد السياسي لتونس الثورة، وبدت
حريصة على احترام حالة التنوّع الثقافي والأيديولوجي الذي يسم الاجتماع التونسي، مؤكّدة أنها لا تنصّب نفسها
في موقع الوصيّ على الإسلام أو الناطق باسمه، فأرسلت بذلك رسائل إيجابية إلى مكوّنات المجتمع المدني،
وانخرطت في مسار التنافس النّزيه على السلطة. وبدت الحركة على جانب كبير من الانتظام، واستعادت قدرتها
على التشكّل وعلى الاستقطاب في وقت قياسيّ، فقد أنشأت مراكز وفروعًا لها في مختلف المناطق والمحافظات،
ولمت شتات قواعدها في الداخل والخارج والتفّت حول مناضليها، وفعّلت عملها الخيري وجهدها الجمعياتي
في الجهات المحرومة، واقتربت من الطبقات الوسطى والمستضعفة، وصاغت استراتيجيا ذكيّة في استتباع
النّاس بصياغتها لبرنامج انتخابي واعد خلال الحملة الانتخابيّة، للتسابق على التمثيل في المجلس التأسيسي
في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 012 2، فبلورت برنامجًا شامالً وطموحًا في 364 نقطة تعلّقت بهموم التونسي
وأحلامه وكيفيّات تحقيق طموحاته في مجالات الرقي الاجتماعي والرّفاه الاقتصادي والعدالة الانتقاليّة والتعدّد
السياسي. ورفضت الحركة عقب الثورة الانخراط في موجات الاستقطاب الثنائي العلماني/ الإسلامي، كما
رفضت الدخول في صراع على هوية تونس أو الانشغال بالردّ على التّهم التي يوجّهها إليها خصومها من اليمين
واليسار، مركّزة على كسب معركة التنافس البرامجي. أثمرت تلك الاستراتيجيا فوزًا كاسحًا للحركة في أول انتخابات ديمقراطية يشهدها المجتمع التونسي؛ فقد
فازت ب 89 مقعدًا من مجموع 721 مقعدًا في المجلس التأسيسي، متقدّمة على جميع القوائم بحصولها على نسبة
74٫41 في المئة من مجموع النواب الممثّلين للشعب في المجلس الجديد، وذلك في انتخابات شهد الملاحظون في
الداخل والخارج بنزاهتها، وقُدّرت نسبة المشاركة فيها ب 1٫54 في المئة. ونتيجة لذلك، تولّت حركة النهضة،
باعتبارها حزب الأغلبية، تشكيل أول حكومة ائتلافية وطنية في تاريخ البلاد تجمع بين علمانيين وإسلاميين،
إذ تحالفت الحركة مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بزعامة المنصف المرزوقي (حاصل على 92 مقعدًا،
بنسبة 68٫9 في المئة)، وحزب التكتّل من أجل العمل والحرّيات (حاصل على 02 مقعدًا، بنسبة 68٫9 في
المئة)، وشكّلت ما مجموعه 813 مقعدًا في المجلس التأسيسي، وهو ما أهّلها لإدارة شؤون البلاد في المرحلة
الانتقالية. وقد باشرت حكومة الترويكا مهامّها يوم 16 كانون الأول/ ديسمبر 0112 بعد فوزها بثقة المجلس
التأسيسي في تونس، وذلك بحصولها على أغلبية 154 صوتًا في مقابل اعتراض 83 عضوًا وتحفّظ 11 آخرين
من بين أعضاء المجلس ال 7.21 والحكومة المنتخبة مكلّفة بإدارة الشأن العام في الفترة الانتقالية وإعادة هيكلة
مؤسّسات الدولة وتأهيلها للتحوّل الديمقراطي بالسّهر على احترام الحرّيات واستقرار الأمن، والعمل مع
المجلس التّأسيسي على صوغ دستور الجمهورية الثانية، وتهيئة البلاد لإجراء انتخابات تشريعية في أفق آذار/
مارس.2013 أحدثت ثورة 14 كانون الثاني/ يناير تحواّلً نوعيًا في حضور حركة النهضة داخل المجتمع التونسي تجىلّ من
خلال: - انتقال الحركة من مرحلة النّفي والإقصاء والعمل السرّي إلى مرحلة العمل السياسي العلني.
9 المصدر نفسه.
10 Alexis Arieff, “Political Transition in Tunisia,” (CRS Report for Congress, Congressional Research Service, 16 December 2011), p. 7.
- صوغ الحركة برنامجًا انتخابيًا مميّزًا أهّلها لاستقطاب أكبر عدد من المناضلين. - استعادة الحركة حيويّتها التنظيمية والهيكلية التي مكّنتها من المشاركة الفاعلة في المشهد السياسي التونسي. - اعتلاء الحركة سدّة الحكم بعد فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي، وتشكيلها حكومة ائتلافية تتزعمها
حركة إسلامية أول مرّة في تاريخ تونس الحديث.
ثالثًا: النهضة وتحدّيات إدارة الحكم في المرحلة الانتقالية
-1 التحدّيات الذاتية
أ- سؤال المراجعة النقدية
يُعدّ مطلب المراجعة رافدًا مهماًّ من روافد التجديد، ويُعتبر تحدّيًا أساسيًا يواجه حركة النهضة، ويفترض أن
يتمّ تفعيله على نحو إجرائيّ حتّى يواكب الحزب مستجدّات الظرف العمراني التونسي بعد الثورة؛ فضرورات
العمل السياسي في إطار السرّية تختلف عن مقتضيات العمل في إطار الشرعية، وما عاشته الحركة من نفي
وإقصاء وتشريد ومحاكمات خلال عقود سابقة في عهد حكم بورقيبة أو خَلفَه بن علي، ساهم في صوغ الحركة
تمثلّات أيديولوجية وخيارات تنظيمية كانت نتاج تلك المرحلة، وهي تحتاج إلى مزيد من التشذيب والتطوير
والمراجعة النقدية، وذلك حتّى تنخرط الحركة في مسار التحديث الذاتي، وتتفاعل إيجابيًا مع مكوّنات المجتمع
المدني الذي أنتجته الثورة، والذي يتطلّع إلى قيام دولة جمهورية فعلية تقطع مع أسباب الدولة القامعة ومع الفكر
الواحد وأدعياء امتلاك الحقيقة. لم تجرؤ الحركة بعدُ على القيام بمراجعات نقدية عميقة لمنجَزها السياسي الخاص نظريًا وتنظيميًا، كما لم تعربّ
صراحة عن التخيلّ عن عدد من المبادئ الأساسية التوجيهية التي تضمّنتها أدبيّات الحركة لحظة تأسيسها مطلع
الثمانينيات، فقارئ وثيقة «الرّؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة النهضة التونسية» الصادر في حزيران/ يونيو
0122 يتبنيّ أنها استبقت على محتوى التصوّر الفكري والعقدي والأصولي الذي أعلنه مؤتمر 9861 لحركة
الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليًا)، بل تمّ اعتبار هذا البيان «وثيقة رسمية من جملة الوثائق التي تحدّد
هوية الحركة». وتحتاج هذه الوثيقة إلى عدّة مراجعات، وتستلزم عدّة إضافات حتّى تواكب مستجدّات الاجتماع التونسي
اليوم؛ إذ بدا واضعوها متشبّثين بالطابع العقائدي للحركة رغم خروجها من جبّة العمل الدعوي إلى فضاء
العمل السياسي.
ب- جدل الدعوي والسياسي
يُفترَض في الحزب السياسي في المجتمعات الديمقراطية الحديثة أن يكون فاعالً في المجتمع المدني، ومؤسّسًا
على جملة من المبادئ التي توجّه فهمه للواقع، وترسم كيفيّات تمثّله للمستقبل. ويمارس الحزب السياسي نشاطه
في كنف العلنية والشفافية، وينافس خصومه على استقطاب الأتباع وعلى الوصول إلى سدّة الحكم، وذلك وفق
11 «الرّؤية الفكريّة والمنهج الأصولي لحركة النهضة التونسيّة،» (وثيقة، سلسلة قطوف النهضة، تونس، حزيران/ يونيو 2012)،
ص.1
برنامج يختاره، وجيُ لي فيه مناهج معالجته لقضايا الشأن العام في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية. ولا يُفترض في الحزب احتكار الوصاية على الدّين أو ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، أو التفرّد بالرصيد
القيمي المشترك للمجموعة الوطنية. ويتمثّل الإشكال مع حركة النهضة وغيرها من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في أنها لا ترى حرجًا في دمج
الدّيني بالسياسي وتزاوج بين العمل الدّعوي والعمل التعبوي لأغراض انتخابية، فتجري دغدغة الشعور
الإيماني لدى الناس، واستتباعهم على خلفيّة أن الحزب سينهل أحكامه من النصّ الدّيني، وسيكون الضّامن
لحماية المقدّسات، والمدافع عن الكيانات والمؤسسات الدّينية. ومعلوم أن هذا التوجّه في تلبيس الدّين بالسياسة
يؤدّي إلى احتكار طرف ما للمشترك الجمعي والنّطق باسمه، وهو ما يؤثّر في مسارات التنافس في العملية
الانتخابية وفي السلوك الانتخابي للمواطن.
ج - في الحركة والمرجعية
تقدّم حركة النهضة نفسها على أنها «حركة ذات مرجعية إسلامية» وأنها «حركة إصلاحية وسطية تجديدية
معتدلة» «سليلة الحركة الإصلاحية في تونس، من خير الدّين التونسي والشيخ الثعالبي والشيخ الطّاهر بن
عاشور وبقية أقرانهم في المشرق والمغرب»، وتؤمن ب «أن الإسلام يمكن أن يكون في قلب منظومة القيم
والتوجيه التي تنشئ الشخصية الفردية والجماعية»، وتعتبر «الالتزام بمبادئ الإسلام منهجًا وسلوكًا أرضية
عقائدية وفكرية تنبثق منها مختلف رؤاها واختياراتها من أجل المساهمة في بناء مجتمع مسلم معاصر». والملاحَظ من خلال هذا التعريف بهوية الحركة، وهو يتردّد في معظم بياناتها وأدبيّاتها، أهنّا حريصة على إبراز
ثلاث صفات لازمة لها، الأولىأنها حركة تتّخذ من الإسلام مرجعًا لها في صوغ منظومتها الأيديولوجية
ومشروعها الحضاري، والثانية أنها تنأى بنفسها عن الإسلام السلفي التقليدي المنغلق على نفسه لتندرج ضمن
سنّة تغييرية إصلاحية تجديدية وضع بواكيرها أعلام النهضة في الفكر الإصلاحي العربي الحديث، وفي مقدّمتهم
خير الدّين التونسي وجمال الدّين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم، والثالثة عملها على إقامة معالم مجتمع مسلم
معاصر في إطار الدولة الإسلامية. هذا النهج في التعريف، على أهميته في تقديم الحركة والكشف عن هويتها، يبقى موسومًا بالعموم من جهة أن
الجماعة لا تشرح لنا على جهة التفصيل آليّات استحضارها الفضاء المرجعي الإسلامي، فهل المراد استحضار
الإسلام النصّ أم الإسلام التاريخ؟ أم كليهما معًا؟ وعلى أيّ أساس يتمّ الأخذ بجوانب في الموروث الإسلامي
وتغييب أخرى؟ وكيف يتمّ الوصل بين الراهن بتحدّياته المختلفة وأسئلته الملحّة وبين الماضي بظرفيّاته الزمانية
والتاريخية الخاصة؟ وقد ظلّ العموم غالبًا على الإرث النظري للحركة في تعاملها مع السلف ومع التراث ومع النصّ المقدّس، إذ
بقيت أسئلة من قبيل تلك التي طرحها راشد الغنّوشي على الحركة الإسلامية في العالم العربي بلا جواب داخل
12 برنامج حركة النّهضة: من أجل تونس الحرّية والعدالة والتنمية (تونس، أيلول/ سبتمبر 0112)، ص.8
13 بيانات ذكرى التأسيس لحركة النهضة التونسيّة، ص.5
14 بيانات ذكرى التأسيس لحركة النهضة التونسيّة، بيان الذكرى الرابعة والعشرين لتأسيس حركة النهضة، 6 حزيران/ يونيو 0052،
ص.145
15 المصدر نفسه.
16 بيانات ذكرى التأسيس لحركة النهضة التونسيّة، بيان الذكرى السادسة لتأسيس حركة النهضة، 5 حزيران/ يونيو 9871، ص.35
حركة النهضة نفسها، وذلك إلى حدود مؤتمرها التاسع المنعقد من 12 إلى 71 تموز/ يوليو 012 2، فقد أ جِّلت
الإجابة عن عدد من الأسئلة إلى المؤتمر الاستثنائي للحركة في سنة 0142، وأهمّ تلك الأسئلة: ماذا نأخذ من
الإسلام؟ «ماذا نأخذ من التراث وماذا نترك؟ ما هو الملزم لنا وما هو غير الملزم؟ ما هي القيم الإيجابية الباقية
من تراثنا لنحتفظ بها؟ وما هي القيم السلبيّة؟».
وبذلك، يُعَدّ مفهوم المرجعية الإسلامية وتحديد سياقاتها وكيفيّات استقدامها وتوظيفها سؤاالً معلّقًا داخل
الحركة، وتحدّيًا معرفيًا وفكريًا يقتضي التوضيح والمراجعة ولزوم الدقّة في فترة تزايد فيها إقبال المريدين على
الحركة، واقتضت فيها تجربة الحكم توضيح المراجع والمقاصد حتّى يستبين الأمر للمواطن. ومن المفيد هنا التنبيه إلى أن حركة النهضة شهدت نقلة نوعية في مستوى أدائها النظري السياسي في العقد الأخير؛
فقارئ البرنامج الانتخابي للحركة يتبنيّ أنه إزاء برنامج ثوريّ، تنويريّ، حداثيّ بامتياز، فلا نجد في متنه حديثًا
عن الحكم الإسلامي، ولا عن تطبيق الشريعة، ولا عن استهجان الغرب، ولا عن التمترس خلف مسلمّات
أيديولوجية أو عقائدية جاهزة، ولا عن دولة إسلامية، بل نحن إزاء برنامج واعد يتمثّل هموم المواطنين في
المرحلة الانتقالية، ويعي تحدّيات الظرف الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، ويستشرف آفاق المستقبل، ويؤسّس
ل «تونس الحرّية والعدالة والتنمية»، ويستحضر قيم الديمقراطية الغربية والنظام الجمهوري من قبيل:
التعدّدية، وحقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع، واستقلالية القضاء، والمواطنة، والمساواة، والتداول السّلمي
على السلطة، وتكافؤ الفرص... وبناء عليه، برهنت الحركة عن وعي عميق باستحقاقات الظرف التاريخي بعد الثورة، وبلورت برنامجًا حداثيًا
متعدّد الأبعاد ومنسجامً مع تطلّعات التونسيين في المرحلة الانتقالية؛ فقد طوّرت الحركة مقولاتها السياسية في
العشرية الأخيرة خاصة، وذلك بعد أن ساهمت تجربتها النضالية في الداخل والخارج في نحت تصوّر جديد
للتعامل مع الآخر وبلورة فكر منفتح على الرافد الحضاري للثقافة السياسية الغربية يفيد منها ويحاول أن
يستوعب منجزاتها التنويرية الديمقراطية، ويدرجها في السياق الإسلامي على كيف مَا، وقد تأكّد ذلك عمليًا
من خلال انخراط الحركة سنة 0052 في حوار طويل مع الفرقاء السياسيين العلمانيين على الساحة التونسية،
وذلك في إطار جبهة 81 أكتوبر، وسعيها إلى البحث معهم عن سبل التوصّل إلى أرضية مشتركة في الانتصار
لحقوق الإنسان ومواجهة الدولة الاستبدادية، وقد تبلور ذلك نظريّا من خلال التوجّه قِبلة الديمقراطيّة
وإعلان الحركة تسليمها بضرورة «الجمع بين التوجّه الإسلامي والمطلب الديمقراطي». ورفّعت الحركة
من نسق انخراطها ضمن مسار الديمقراطية، وذهبت إلى أن «لا مجال للاستئثار بصفات الديمقراطيّة والحداثة
والوطنية»اله نأ اضيأ يعّدت اّهأنو،« اصلوً بتلك المشاريع والمطالب، ولا تناقض عندها بين الإسلامية
والحداثة فضالً عن الإسلامية والوطنية». وبذلك فارقت الحركة علنًا جماعات الإسلام السياسي الراديكالي والجماعات السلفية وأعلام الإسلام الجهادي
7 1 راشد الغنوشي، الحركة الإسلاميّة ومسألة التغيير (تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع، 0112)، ص.114
81 برنامج حركة النّهضة: من أجل تونس الحرّية والعدالة والتنمية.
91 الشابي، «العلاقة بين الإسلامييّن والعلمانييّن،» على الموقع الإلكتروني: <http://www.adabmag.com/print/353>.
0 2 بيانات ذكرى التأسيس لحركة النهضة التونسيّة، بيان الذكرى الرابعة والعشرين لتأسيس حركة النهضة، 6 حزيران/ يونيو
0052، ص.145
21 بيانات ذكرى التأسيس لحركة النهضة التونسيّة، بيان الذكرى الخامسة والعشرين: حركة النهضة تجدّد عهد الحرّية والهوية، ص.151
22 المصدر نفسه.
في اعتبارهم الديمقراطية كفرًا، والاحتذاء بالغرب بدعة، وسحبت في الوقت نفسه البساط من تحت الأحزاب
العلمانية التي تدّعي تفرّدها بالدفاع عن الديمقراطية والسعي في طلبها.
د- كاريزما الشيخ وإعادة بناء التنظيم
يُعتبر راشد الغنوشي (71 سنة) من أعلام حركة النهضة وزعمائها التاريخيين؛ فقد واكب الرجل نشأة الجماعة
وظهورها وانتشارها بين الناس، وعايش لحظات ازدهارها وسنوات انحسارها، وكان في صفّ المدافعين
الأوائل عن استمرارها أيام محنتها (-1991 0102)، وتولىّ رئاستها في السرّ وفي العلن، وأشرف على قيادتها
على مدى سنوات طويلة، ولم ينافسه في ذلك إالّ عدد قليل من رموزها ولفترات محدودة،. وتولىّ الرجل تمثيل
الحركة في المحافل الدولية، والتعريف بها في المنابر الحقوقية والإعلامية، وساهم بقسط وافر من الكتب في
التّأسيس لمهادها النظري وإطارها الأيديولوجي المرجعي، وفي بلورة شكلها التنظيمي وآليّات عملها وقت
السرّية وزمن الشرعية. وبدا جليّا من خلال المؤتمر الأخير للحركة حجمُ التأييد الذي يحظى به الغنّوشي داخل قواعد الجماعة وتدرّج
الحركة في ممارسة العمل الدّيمقراطي بين أنصارها، وذلك من خلال فتحها أبواب النقاش حول ماضيها
وحاضرها ومستقبلها، وصوغها تقريرًا أدبيًا كان محلّ خلاف ومدار نقد بين أتباعها، وتشريعها لحقّ التنافس
على منصب الرئاسة من داخل الحركة وتوسيعها لمجلس الشورى (بمنزلة البرلمان الصغير للحركة) ليشمل
حوالي 015 عضوًا من أنصار الحركة والمتعاطفين معها. ومع أهمية هذا السلوك الديمقراطي داخل حزب يتولىّ
إدارة دفّة الحكم في تونس في المرحلة الانتقالية، فإن الجانب التنظيمي في حركة النهضة يبقى في حاجة إلى مزيد
من المراجعات، وذلك في المستويات التالية: - ضرورة الخروج بالحركة من طابعها المشيخي الرئاسي إلى طابع مؤسساتي. - أهمية تحديد مدة ولاية رئيس الحركة وضبط صلاحياته على وجه الدقة. - أهمية تجديد الجهاز المصطلحي السياسي للحركة حتّى يواكب عصر الديمقراطية في تونس الجديدة. - تعزيز الدور الرقابي والاستشاري لبرلمان الحركة، وتوسيع دائرة المشاركين في اختّاذ القرار. - تجاوز النظام العنقودي الهرمي للحركة الذي واكب عصر السرّية وصوغ نظام إداري جديد يواكب عصر
العلنية، ويستجيب لمقتضيات الشفافية. - فتح الحركة على محيطها السياسي، وتشكيل هيئات للتفاعل مع مكوّنات المجتمع المدني. - تشبيب الحركة، ورفدها بكفاءات شبابية جديدة تستجيب لتطلّعات شباب الثورة، وتواكب حاجات العصر
الانتقالي. - ضرورة إعادة رسكلة [إعادة تدوير] المتشدّدين داخل الحركة ليقبلوا بمقتضيات الظّرف الديمقراطي
ومستلزمات بناء مجتمع تعدّدي.
23 في سيرة راشد الغنّوشي، انظر: مجدي عبد المعطي، راشد الغنوشي والنهضة الإسلاميّة في تونس (القاهرة: الدّار الذهبيّة للنشر
والتوزيع، 0132)، ص.6-5
24 توفيق المديني، «مؤتمر حركة النهضة التونسية والحفاظ على الوضع الراهن،» المستقبل، 012/7/272، ص.19
52 صالح عطيّة، «مؤتمر حركة النهضة ورياضة الحكم،» الحصاد (71 تموز/ يوليو 0122)، ص.4
ه- امتحان الحكم وسؤال الخبرة
بعد انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 0112، وجدت حركة النهضة نفسها تواجه تحدّيًا ذاتيًا أساسًا يتمثّل في
تجريب قدرتها على إدارة دفّة الحكم، وتحقيق مطالب التونسيين في الشّغل والعمل والحرّية والكرامة وإقامة دولة
المؤسسات وحقوق الإنسان. وتكمن الصعوبة الذاتيّة الرئيسة التي تواجه الحركة في هذا الإطار في أنها ليست
خبيرة بدواليب الحكم، وأنها أمضت أربعين سنة من تاريخها النضالي في ممارسة العمل السرّي أو في مقارعة
الدكتاتورية، ومعاناة عواقب المواجهة مع الأجهزة الأمنية للدولة القامعة في عهدي بورقيبة وزين العابدين بن
علي. ونجحت الحركة إلى حدّ كبير خلال الحقب السابقة في القيام بدور الحزب المعارض الفعّال، الذي لا يمُالئ
النظام الرسمي، ويمتاز عليه بنقد الموجود وتقديم المنشود، فكان أن وفّقت الحركة في كشف تآكل شرعية الدولة
البورقيبية وفي بيان غطرسة النظام الاستبدادي في عهد بن علي، وفشل معالجته الأمنية لملفّ الحركة الإسلامية،
وقيام نظامه على الأحادية والإقصاء الذي بلغ درجة استئصال الجماعة والعمل على تجفيف ينابيع كينونتها داخل
الاجتماع التونسي. وساهمت تلك السياسة الإقصائية الشمولية في إبراز الحركة في موقع الضحية وفي إظهار
النظام الحاكم في موقع ا الجّد الذي لا يعترف بالحرّيات العامة ويوغل في انتهاك حقوق الإنسان، وهو ما زاد في
التعاطف مع الحركة في الداخل والخارج، ومكّنها من كسر الطّوق المفروض عليها على مدى سنين عدة، فظلّت
حيّة في نفوس أتباعها، واكتسبت على مرّ الزمان (على امتداد سنوات القمع) شرعية نضالية وامتدادًا شعبيًا مهماًّ
زكّته الشرعية الانتخابية يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر 011.2 وكان السؤال المركزي الذي راود الملاحظين
عقب إعلان نتائج أول عملية انتخابية شفّافة في تاريخ تونس الحديث هو: هل تنجح حركة النهضة في إدارة تجربة الحكم بكفاءة في مرحلة انتقالية دقيقة من تاريخ تونس؟ وفي إجابة عن سؤال يتعلّق بمدى قدرة حركة النهضة على إدارة الحكومة في مرحلة انتقالية حرجة وحسّاسة،
قال راشد الغنّوشي: «أنا لا أقول إن الذين أداروا البلاد قبلنا أكفأ منّا وضربوا المثل، فقد قامت ثورة لأن أولئك
لم يحسنوا إدارة الدولة، فقامت ثورة عليهم، وأبناء الحركة الإسلامية ليسوا أقلّ معرفة من غيرهم، هم خريّجو
نفس الجامعات، نفس الجامعات التي خرّجت الشيوعي وخرّجت الليبرالي خرّجت الإسلامي، فلا يوجد
علم يتفوّق به غيرنا». وبذلك، فإن النهضة راعت الاعتبار العلمي أساسًا في تعيين ممثّليها في الائتلاف
الحاكم، وأغلبهم من وجوه الإنتلجنسيا الإسلامية في البلاد أو في المهجر. ولم تُولِمقياس الخبرة في التمرّس
بالحكم القدر الكبير من الأهمية، بل قصرت على المهارات المعرفية التي، على ضرورتها، تبقى تجريدية وتحتاج إلى
التجريب والتشذيب والتطوير، وهو ما يتطلّب وقتًا طويالً لا تسمح به فترة إدارة الحكم الانتقالي. ويرى عدد من الدارسين أن حركة النهضة بدت إلى حدود السنة الأولى من تولّيها زمام الحكم بمعيّة شركائها
السياسيين متردّدة في مستوى اختّاذ قرارات حاسمة ونهائية في خصوص فتح ملفّات الفساد، وإجراء مسار
العدالة الانتقاليّة، بما يقتضيه من مساءلة ومحاسبة ومصالحة؛ فما زال رموز الفساد منتشرين في مفاصل الدولة
وأجهزتها الإدارية. وهذا التردّد في ممارسة صلاحيات الإصلاح والتغيير أصبح يوحي بحالة من فوبيا
السلطة لدى بعض الوزراء الجدد الذين لم تسعفهم خبرتهم السياسية في معالجة الملفّات العاجلة، ولم يتسنّ
لهم الإمساك بدواليب وزارات لا يعرفون أجهزتها، ولم يعملوا فيها سابقًا، ولا يملكون سبل السيطرة على
وحداتها المركزية والفرعية.
62 انظر: حوار اجراه علي الظفيري مع راشد الغنوشي ضمن برنامج «في العمق»، على الموقع الإلكتروني: http://www.
aljazeera.net/programs/pages/940de209-2771-428a-aac6-0980010bf1ab.
بناء عليه، يبدو امتحان الحكم صعبًا، ويبدو إجراء برامج الإصلاح التي أعلنتها النهضة وشركاؤها في الحكم
قبل الانتخابات أمرًا مؤجاّلً. والظّاهر أن الائتلاف الحاكم قد اختار السياسة المرحلية في الإصلاح، ورضي
بالتغيير التدريجي بدل التغيير العاصف، وهو أمر يقتضي توافر الكثير من الوقت، ولا ينسجم مع شوق الثائرين
إلى العدالة وبناء معالم الولة المدنية الجديدة. -2 التحدّيات الموضوعية
أ- التحدّيات السياسية
تواجه النهضة، باعتبارها الحزب الأغلبيّ الحاكم، صعوبات عدة على مستوى إدارتها للشأن السياسي للبلاد،
وهي صعوبات ترقى إلى مقام التحدّيات، ومن أهمّها: المحافظة على حكم البلاد في إطار توافقيّ، ومواجهة
الثورة المضادة وصعود التيار السلفي، واستعادة هيبة الدولة، فضالً عن وضع الدستور وبلورة نظام حكم
ديمقراطي. (1) المحافظة على التوافق كانت حركة النهضة على دراية بطبيعة المشهد السياسي التونسي المتعدّد، وعلى علم بشوق التونسيين الأكيد
إلى بناء دولة ديمقراطية لا يحكمها حزب واحد، بل تتشارك في إدارتها أطياف سياسية متنوّعة؛ فادّعاء
الأغلبية واحتكار السلطة لا يستجيب لتطلّعات أغلب المواطنين، لذلك بادرت حركة النهضة إلى تشكيل
تحالف حكومي فريد في تاريخ تونس الحديث؛ إذ عقدت تآلفًا وزاريًا مع أحزاب علمانية تتباين عنها من حيث
الأيديولوجيا والبرامج، وذلك تقديامً لمطلب الوفاق الوطني على هاجس الحكم بشرعية الأغلبية الانتخابية. وقد
لاقت التجربة الارتياح في الداخل والخارج، وذهب بعض الدارسين إلى اعتبارها نموذجًا حيُتذى في التعاون بين
العلمانيين والإسلاميين، لكن هذا الوفاق الوليد يواجه عدّة مشكلات لعلّ أهمّها، خلال المرحلة الانتقالية: - غلبة المحاصصة الحزبية على الخيارات السياسية للحكومة (التعيينات). - صدور الائتلاف الحاكم عن خلفيات أيديولوجية متباينة قد يؤدّي إلى تباينات وخلافات جوهرية خطِرة بين
الفريقين في مستوى التعامل مع عدد من الملفّات الاقتصادية والحقوقية (مثال الموقف من حقوق المرأة.) - التنازع على الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث. - عدم التنسيق في مستوى التعاطي مع بعض المشكلات (تسليم البغدادي المحمودي إلى السلطات الليبية.) - غلبة الهمّ الانتخابي على استراتيجيات العمل السياسي داخل الائتلاف الحاكم (توظيف وسائل الإعلام/
التسابق على الظهور في المحافل الشعبية.) - الانشقاقات المشهودة في حزبي التكتّل والمؤتمر، وهو ما يؤثّر في أداء كلّ منها ضمن المجلس التأسيسي.
72 عرب 86 في المئة من التونسيين على أن من شروط إقامة دولة ديمقراطية توفير الحريات السياسيّة والمساواة بين المواطنين وإقامة نظام
حكم ديمقراطي، انظر: مشروع قياس الرأي العام العربي: المؤشر العربي، 2011 (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، 0122)، ص.34
82 انظر الحوارين الذين أجراهما علي الظفيري مع عزمي بشارة، ضمن برنامج «في العمق»، بتاريخ 011/12/19012/7/302 و 2،
<http://www.aljazeera.net/programs/pages/940de209-2771-428a-aac6-0980010bf1ab>, and على الموقعين الإلكترونيين:
<http://www.aljazeera.net/programs/pages/8b5b5136-1f87-4ce1-a7f6-f0217de5b219>.
- حالة العصيان المدني المشهود في بعض الوزارات، وعدم قدرة بعض الوزراء الجدد على تسيير دواليب
المؤسسات التابعة لهم. - بطء وتيرة الإصلاح الإداري وتعثّر مسار العدالة الانتقالية. - ضخامة تركة الفساد التي ورثتها الحكومة الوليدة، بقيادة النهضة، من العهود السابقة. - هشاشة المعارضة وعدم اقتناعها بالشرعية الانتخابية القائمة، وعدم مبادرتها إلى تقديم مقترحات تغييرية
شاملة، جدّية ومسؤولة. - رفض المعارضة الإقصائية تحويل النجاح الانتخابي للنهضة والفريق الحاكم معها إلى نجاح تنموي، فتعمد إلى
توظيف حضورها في اتحاد الشّغل وفي وسائل الإعلام لتأليب الناس على الائتلاف الحاكم، وتحويل المعركة من
كونها معركة بناء إلى معركة جدل أيديولوجي واستقطاب ثنائيّ بين الإسلاميين والعلمانيين.
- انتشار حالة الشكّ وانعدام اليقين التي يشرف على بثّها بعض وسائل الإعلام. (2) استعادة هيبة الدولة تُعدّ استعادة هيبة الدولة، باعتبارها جهازًا ضامنًا للحقوق وحاميًا للحرّيات وحارسًا لمطلب تأدية الواجبات،
تحدّيًا حقيقيًا يواجه النهضة وشركاءها في الحكم في المرحلة الانتقالية؛ فقيام الثورة لا يعني ضياع الدولة وتراجع
نفوذها في المجال العام باعتبارها صامّم الأمان في البناء المجتمعي المدني، والضامن للسّلم الأهلي. والملاحَظ
أن غطرسة الدولة القامعة في عهد بورقيبة وبن علي ضخّمت حجم المكبوت في الضمير الجمعي التونسي؛
إذ أمعنت في مصادرة الحرّيات والحقوق الفردية والجماعية، واستأثرت بالثروة، وأساءت توزيع ثمار جهد
المجموعة الوطنية بين الأفراد والجماعات والجهات، وهو ما ساهم في تآكل الطبقة الوسطى، وفي تفقير الطبقات
الضعيفة، وانتشار جيوب البؤس في المناطق الداخلية وحول المدن الكبرى. وقد زاد ذلك في تراكم حالات من
الاحتقان الاجتماعي الناجم عن الإحساس بالظلم والشعور بالغبن وانعدام العدل. وكان ذلك كله وقود الثورة
ونارها التي هدّت عرش بن علي والحزب الحاكم معه، فاغتنم كثيرون الثورة للتعبير عن الذات ورفع سقف
المطالب والتوقعات مع قيام المرحلة الانتقالية، فاتّسع مجال المطلبية، وتجاوز بعضهم ذلك الحدّ إلى درجة القيام
بأعمال انتقامية ثأرًا من عنف الدولة القامعة (حرق مقار مراكز الشرطة- مقار المعتمديات والبلديات، والهجوم
على مراكز المحافظات... إلخ). وقد كان لمؤسسة الجيش، التي تحظى باحترام عدد كبير من التونسييّن بسبب
التزامها الحياد في مرحلة الثورة وتأمينها مسار الانتقال الديمقراطي، الدّور الفعّال في محاصرة موجات العنف
وأعمال الشغب. ويُفترض في الائتلاف الحاكم، بمعيّة النهضة، أن يعيد الاعتبار إلى سلطة الدولة باعتبارها ضامنة للأمان ورادعة
للفوضى؛ فمن المهمّ ههنا إعادة بناء المؤسسة الأمنيّة وتأهيلها للتعامل مع المواطنين بطريقة حضارية من ناحية،
وإعادة بناء الذهنية الجماعية المواطنية لتتعامل مع رجل الأمن باعتباره فاعالً مدنيًا، يضطلع بدور خدماتي
ويسهر على ضمان الاستقرار لا حراسة الاستبداد كما كان الأمر سابقًا. فمن الضروري تعزيز الدور الرّدعي
9 2 عزمي بشارة، «أفكار لمقدّمة الطّبعة السادسة لكتاب «المجتمع المدني»،» (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 12 تموز /
يوليو 0122)، على الموقع الإلكتروني: <http://www.dohainstitute.org/release/2b72039a-c713-41e1-be86-6de0c05ca900>.
0 3 جاء في المؤرشّ العربيأن لدى 70 في المئة من التونسيين ثقة كبيرة بالجيش، انظر: مشروع قياس الرأي العام العربي: المؤشر العربي،
ص.47
للدولة في إطار القانون، وتفعيل الوسائل الزجرية ضد كلّ من يهدّد الأمن العام أو يعط ل المرافق العمومية، مع
بلورة ميثاق تعاقدي مدني يحدّد العلاقة بين المواطن ورجل الأمن. (3) الثورة المضادة مصطلح يُراد به ظهور جماعات وأفراد وهيئات تعارض نسق التغيير وواقع ما بعد الثورة، وتسعى إلى تعطيل
مسيرة الإصلاح ونهج المساءلة والمحاسبة، وتحاول إحياء عصر ما قبل الثورة بشكل أو بآخر، وذلك لما يمثّله
الوضع الجديد من تهديد لمصالحها وتحديد لمجالات نفوذها. ومن أهم قوى الضغط المضادة للحالة الثورية في
تونس اليوم، وهي تتعلّل باعتبار وصول الإسلاميين خطرًا على الدولة المدنية وترى ضرورة إطاحتهم وإطاحة
التجربة الائتلافية في الحكم، يمكن أن نذكر: - فلول النظام السابق: وهم أتباع حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي المنحل، وخاصة من تولّوا مناصب
قيادية فيه، ويواجهون حاليًا حالة من العطالة السياسية وتراجع نفوذهم بعد أن جرى تحجيم دورهم الديماغوجي
داخل المجتمع. - البيروقراطيّة الإدارية التقليدية التي أنتجها النظام السابق، وتأسّست على تنصيب الموالين للنظام في مراكز
إدارية مفصلية، والتمكين لهم في المؤسسات الحكوميّة والوزارات السيادية، وهُم يبذلون جهدهم لتعطيل
مسارات الإصلاح الإداري، الأمر الذي يساهم في استمرار دولة الفساد وتأجيل مشروع بناء الدولة المدنية الجديدة القائمة على الشفافية والنزاهة والمحاسبة. - عدد من الأحزاب التي فشلت في الاستحقاق الانتخابي ولم تحظ بتمثيلية عالية تحت قبّة المجلس التأسيسي
ترفض القبول، على جهتي التضمين أو التصريح، بالشرعية الانتخابيّة التي أنتجتها صناديق الاقتراع في 23
تشرين الأول/أكتوبر 0112، وتصرّ على استمرار الحالة الثورية، ولا تدفع نحو بناء الدولة في إطار توافقي. - رجال الأعمال المتواطئون مع النظام البوليسي المنحل، والعائلات المافيوية التي نهبت المال العام، واستحوذت على الشركات الكبرى والمشاريع الاستثمارية الناشئة، وترى في الحكم الانتقالي خطرًا يهدّد مصالحها. - عدد من الأطراف التي تسعى إلى تحزيب اتحاد الشغل، وتحويل دوره من منظمة نقابيّة عريقة (تأسّست سنة
9461) تدافع عن العمال وتعمل على تحسين ظروفهم المهنية والمعيشية إلى منظمة تخدم أجندات حزبية معيّنة،
وتحرّك الشارع متى تشاء (اعتصامات- إضرابات- تظاهرات) للضغط على الحكومة الجديدة، وهو ما يساهم
في تعطيل عودة العافية إلى الاقتصاد الوطني. - صعود العصبيات القبلية والجهوية التي تساهم في إشعال فتيلها لوبيّات الثورة المضادة مجتمعة، وتسعى إلى
تحويل معركة ما بعد الثورة من معركة تنمية وبناء لأسس الدولة المدنية إلى معركة تناحر داخلي وصراع هويّاتي
ينخر المجتمع من الداخل ويهدّد بتقويض الوحدة الوطنية. (4) صعود التيار السلفي شهد المجتمع التونسي بعد 14 كانون الثاني/ يناير 0122 عودة الكثير من التونسيين إلى مجال التعبير الدّيني.
وظهرت عدّة جماعات سلفية ودينية وعدّة أحزاب سياسية تتباين في تفسيرها للدّين وفي موقفها من الديمقراطية.
ووجد حزب النهضة، الموسوم بالمعتدل والمتحصّل على التّأشيرة بتاريخ 1 آذار/ مارس 0112، نفسه يواجه
تحدّيًا جديدًا في المرحلة الانتقالية يتمثّل في كيفية إدارة الحوار مع جماعات دينية سلفية يلتقي معها في المرجعية
الإسلامية، ويختلف معها في تمثّل النصّ التأسيسي قرآنًا وسنّة، ويتباين معها في الموقف من الدولة المدنية وفي
تصوّر منهج التغيير المجتمعي. ومن بين التيارات السلفية الصاعدة في الاجتماع التونسي اليوم، وهي تشكّل
تحدّيًا بالنسبة إلى حزب النهضة الحاكم وإلى مكوّنات المجتمع المدني لكونها لا تقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية،
وتقدّم قراءة مغالية للإسلام، وتهدّد الحرّيات الفردية والعامة، يمكن أن نذكر: - تيار السلفية الجهادية «الذي يرتبط بتنظيم القاعدة، ويصرّح برفضه الأنظمة الحاكمة، ويقطع بعدم شرعيتها
ويدعو لمقاومتها وإزالتها بالقوّة (...)». وهو يقف على طرفي نقيض مع حركة النهضة، من جهة أنها لا تكفّر
الحاكم، ولا تعتبر تونس أرض جهاد، ولا تعتمد الثورة في طلب التّغيير، بل تعتمد التعبير السّلمي. - تيار السلفية العلمية، وهو الذي يدعو إلى إسلام غير سياسي، محافظ وغير عنيف. يعارض القراءات التي
تريد تحرير أفهام الناس (...) ولا يستسيغ إقامة أيّ علاقة اتصالية مباشرة مع النصوص. وهو، بذلك،
يختلف مع حركة النهضة التي تعتبر الإسلام دينًا وهوية، وتقرّ بضرورة الاجتهاد وتجديد الدّين على مرّ الزمان. - حزب التحرير: تحصّل على تأشيرة العمل القانوني في تموز/ يوليو 012 2، وهو يدعو إلى إقامة نظام الخلافة،
ويعتبر أن «الديمقراطيّة تتناقض مع الإسلام مناقضة تامة». وبذلك يخالف الحزب حركة النهضة لأنها تدعو
إلى قيام دولة مدنية ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية، ولأنها تقرّ باحترام الحرّيات العامة والخاصة، وتعتبر
السيادة للشعب. وقد تزايد صعود السلفيين في تونس بعد الثورة، فقاموا بعدّة أعمال استعراضية وتظاهرات جماهيرية وحملات
مناهضة لحرّية التعبير واللّباس والتفكير، وهو ما أثار حفيظة مكوّنات المجتمع المدني. وقد ذهب بعض
الملاحظين إلى اهتّام حركة النهضة بالتواطؤ مع السلفيين ومهادنتهم لسكوتها عامّ يرتكبونه من تجاوزات في
فترة الحكم الانتقالي، وذهب آخرون إلى أن السلفية هي الذراع الطّولى لحركة النهضة ترهب بها من تشاء من
خصومها. أمام هذا التحدّي، جدّت الحركة في النّأي بنفسها عن التيار السلفي بعد أن رفضت دسترة الشريعة،
فبعثت برسالة طمأنة إلى الطّيف الليبرالي في البلاد. واتّسم أداء الحركة في مواجهة المدّ السلفي خلال المرحلة
الانتقالية بانتهاج نهج الترغيب والترهيب، إذ بدت ميّالة إلى دعوتهم إلى الخروج من حيّز السرّية والعمل في إطار
الشرعية، وعمدت إلى فتح حوار معهم قصد دمجهم في نسيج العملية السياسية القانونية حتّى يزاحموا الناس
بطرح مشاريعهم الفكرية والأيديولوجية بطريقة سلمية. وكان المراد تمدين تلك الجماعات وتأصيلها للانخراط
في المجتمع المدني وتلافي قمعها حتّى لا تظهر في موقع الضحية وتتزايد شعبيّتها. مع ذلك يبقى تحدّي استيعاب الجماعات السلفيّة وترويضها وتمدينها لتندرج في المسار الديمقراطي ولتنتمي إلى
الصف الإسلامي المعتدل تحدّيًا حقيقيًا يواجه حركة النهضة.
31 توفيق المديني، تاريخ المعارضة التونسية من النشأه إلى الثورة: الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية (تونس: مسكيلياني للنشر
والتوزيع، 0122)، ص.460
23 المصدر نفسه، ص.462
33 المصدر نفسه، ص 64.9
43 سعد الأهرع، حوار مع رضا بلحاج، الفجر، 012/7/202، ص.4
35 المديني، تاريخ المعارضة التونسية، ص.464
36 راشد الغنوشي، الحرّيات العامّة في الدّولة الإسلاميّة (تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،.)2011
(5) صياغة الدستور معلوم أن مرحلة التأسيس الدستوري هي مرحلة صعبة في فترة الحكم الانتقالي، باعتبارها تنبني على تفكيك
الدّستور القديم (دستور 9591)، وبناء دستور جديد يستجيب لتطلّعات شعب ثائر، يطمح إلى إقامة دولة
مستنيرة، تولي الاعتبار الأول لحقوق الإنسان، ولإقامة العدالة الاجتماعية، وإرساء سلطة القانون ونظام
المؤسسات المدنية. والتحدّي الحقيقي، حاليًا، ماثل في بلورة دستور وفاقي يرضي أكبر عدد من المواطنين. وقد
تجىلّ الخلاف أساسًا حول الفصل الأول من الدستور، إذ افترق أعضاء اللجان بين مؤيّد للتنصيص على الشريعة
الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيس للدستور وبين داع إلى الاكتفاء بمنطوق الفصل الأول من دستور 9591
في هذا الشأن، وهو يقول إن «تونس دولة حرّة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية
نظامها». وقد انتقل الجدل إلى خارج المجلس التأسيسي، واشتد النزاع على هوية الدولة وعلى مصدر التشريع في
الدستور الجديد بين السلفيين والعلمانيين وبين أنصار الشريعة والأحزاب ا الّئكية، وكاد يفجّر ما يسمّيه عزمي
بشارة «الصراع الهويّاتي» الذي يهدّد بنسف مسار التحوّل السلمي نحو الديمقراطية وبتمزيق نسيج الوحدة
الوطنية. وقد جاء موقف حركة النهضة في هذا الإطار باعثًا برسائل طمأنة إلى مكوّنات المجتمع المدني، مقدّمًا
المصلحة العامة على المصلحة الحزبية، ومرجّحًا الشرعية التوافقية على شرعية الأغلبية، وذلك حفاظًا على السّلم
الاجتماعي؛ فقد أقرّت الحركة اعتماد الفصل الأول من دستور 9591 من دون تغيير، معتبرة صيغته «واضحة
ومحلّ توافق بين كلّ مكوّنات المجتمع، وهي تحفظ الهوية العربية الإسلامية للولة التونسية، وتؤكّد مدنيّتها
وديمقراطيّتها في ذات الوقت، حيث تنصّ على أن الإسلام هو دين الدولة بما يقتضيه ذلك من دلالات».
وعلّق رئيس حزب النهضة راشد الغنّوشي على ذلك قائالً: «إن اعتماد حركته للفصل الأول من دستور 1 959
انتصار للدولة الديمقراطية المسلمة (...) والتونسيون بمختلف انتماءاتهم السياسية مجمعون على الإسلام دينًا
للدولة، لكنّ بعضهم يتوجّس من الشريعة بسبب سوء تطبيقها لها في العصر الحديث (...) واعتماد الفصل
الأول دون تغيير هو تنازل عن لفظ لا يتّفق حوله النّاس وقبول بلفظ يقبله الجميع (...) والدساتير تُبنى على
المشترك وليس على المختَلف حوله». وبذلك، بدا أن حزب النهضة ليس «حزبًا حديديًا»، بل هو حزب ينسجم مع اقتضاءات الظّرف السياسي
الذي ينتمي إليه؛ فقد أرسلت حركة النهضة بموقفها من إدراج الشريعة في الدستور من عدمه برسائل طمأنة إلى
النخبة العلمانية الليبرالية وإلى جموع التونسيين، ونأت بنفسها عن مطالب التيار السلفي، بحثًا عن شرعية وفاقية
تزكّي شرعيّتها الانتخابية وتاريخها النضالي في مواجهة الدولة الاستبدادية، وقد لاقى ذلك الموقف ردّات فعل
إيجابية في الداخل والخارج رغم إنكار السلفيّة له وتحامل بعض المحافظين في الحركة عليه. وبدا ظاهرًا، بحسب
فهمي هويدي، أن «النهضة ميّالة إلى اعتبار وحدة الجماعة الوطنية موقفًا استراتيجيًا، يتعنيّ الحفاظ عليه (...)
فكانت ترى المجتمع ووحدة قواه أوالً لا الجماعة ومشروعها أوالً».
7 3 بشارة، «أفكار لمقدّمة الطّبعة السادسة لكتاب «المجتمع المدني»،» على الموقع الإلكتروني: <http://www.dohainstitute.org/
release/2b72039a-c713-41e1-be86-6de0c05ca900>.
8 3 بيان صادر عن حركة النهضة بتوقيع فتحي العيّادي، رئيس الهيئة التأسيسيّة، بتاريخ 26 آذار/ مارس.2012
9 3 « نفى تنازل الحركة عن أي من أمور الدين: الغنوشي النهضة انتصرت للدولة الديمقراطية،» (الجزيرة. نت، 2012/3/29)،
<http://www.aljazeera.net/news/pages/df32c48c-562a-495f-bc2a-5b89b2d7a46b>. على الموقع الإلكتروني:
0 4 «الشيخ «راشد الغنوشي» في أول حوار له بعد إعادة انتخابه رئيسا لحركة «النهضة»:»النهضة» ليست قالبا حديديّا،» التونسية،
012/7/182، على الموقع الإلكتروني: <http://www.attounissia.com.tn/mobile/detail.php?id=64289&t=42 >.
41 فهمي هويدي، «دروس تونسية في قراءة الحالة المصرية،» السفير، 012/5/82، ص.19
والجدل في المسائل الدستورية لم يكن قاصرًا على الشريعة، بل دار حول قضايا أخرى شتّى، من بينها الجدل حول
المرأة، وإصرار الليبراليين على اعتبارها مساوية للرجل في الحقوق والواجبات على جهة الإطلاق، وذهاب
النهضة إلى أن العلاقة بين الطرفين علاقة تكامل لا مساواة تامة باعتبار استحالة نقض أحكام الإرث في مجتمع
مسلم، فضالً عامّ تثيره المساواة المطلقة من مشكلات تتعلّق بالإنفاق والنّسب داخل الأسرة. كما اشتدّ النزاع في
شأن صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء، ومدى استقلاليته وكيفيّات تعيين أعضائه؛ فقد دعا القضاة والمحامون
وأنصار الحزب الجمهوري إلى تأمين استقلالية مطلقة للمجلس من الناحيتين الإدارية والمالية، واعتباره سيّد
نفسه، وهو ما عارضته النهضة باعتبار أن ذلك قد يؤدّي إلى نشأة سلطة موازية لسلطة الدولة، وهو ما يقتضي
بقاء المجلس الأعلى للقضاء تحت رقابة هياكل تشريعية وتنفيذية موازية. وبذلك، أنتجت المرحلة الانتقالية في ظلّ حكم الائتلاف الحاكم بقيادة النهضة مشهدًا سياسيًا جدليًا وخلافيًا
بامتياز، قوّته في تنوّعه وفي تعدّده، فكانت النقاشات حيوية ودالّة على أن عملية التأسيس الدستوري هي
عملية تفاعلية تشاركية، لا عملية أحادية أو مسقطة من طرف مَا على الآخر تحت يافطة الأغلبية الحزبية أو
الشرعية النضالية. (6) اختيار نظام الحكم يُعدّ تحديد طبيعة نظام الحكم للدولة المدنية الجديدة تحدّيًا حقيقيًا يواجه حركة النهضة والائتلاف الحاكم معها في
الفترة الانتقالية. وقد توزّع التونسيون في هذا الشأن بين الدّاعين إلى إرساء نظام برلماني (حركة النهضة) والمطالبين
باعتماد نظام رئاسي (الحزب الجمهوري) والمناصرين لنظام مزدوج (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، حزب
التكتّل من أجل العمل والحرّيات، حركة نداء تونس). ورغم أن حركة النهضة تؤسّس في أدبيّاتها الأولى لقيام دولة الحكم الإسلامي، فإنها طوّرت مقولاتها على
التّدريج في العشرية الأخيرة، ورأت إمكان إحداث مزاوجة بين الإسلام والديمقراطية لبلورة نظام حكم مدني
مواكب للعصر، معتبرة أن «الديمقراطية هي أحد المفاتيح الكبرى للزمن الإصلاحي العربي الجديد». وقد
كانت الحركة صريحة في الإعراب عن انحيازها إلى فكرة تأسيس نظام حكم برلماني، إذ جاء في برنامجها الانتخابي
أن «النّظام السياسي نظام برلماني يعيد السلطة إلى الشعب يمارسها مباشرة وعبر ممثّليه في المجلس المنتخب».
وبرّر راشد الغنوشي هذا التوجّه للحركة بقوله «إن تجربتنا في تونس تجربة مريرة مع النظام الرئاسي، فالفساد
كلّه تسرّب لنا من هذا الباب، حيث ظلّ النظام الرئاسي يتضخّم حتّى ابتلع الدولة كلّها وابتلع الشعب
وابتلع المؤسسات (...) فتحوّلت مؤسسة الرئاسة إلى أخطبوط (...) لذلك نريد أن نجتث ثقافة التغوّل
الرئاسية الراسخة في تاريخنا منذ عهد البايات (...) ونعتقد أن النظام البرلماني هو الأفضل لاجتثاث التغوّل
والديكتاتورية». وبناء عليه، فإن الحركة ميّالة إلى اعتماد النظام البرلماني حتّى تحدّ من صلاحيات رئيس الجمهورية ومن إمكانية
تفرّده بالحكم. لكن التّعويل على الأغلبية البرلمانية وتوسيع مجالات اختصاصات رئيس الحكومة قد يساهم
42 سلمى الجلاصي، «الفصل 82 من الدستور ومبدأ المساواة بين الجنسين، هل انتصرت النظرة الرجعية أو بدأ تكبيل المرأة دستوريًا،»
الشعب (تونس)، 012/8/112، ص.9
43 البيان الختامي، المؤتمر التاسع لحركة النهضة (قصر المعارض بالكرم، تونس، -12 16 تموز/ يوليو.)2012
44 برنامج حركة النهضة الانتخابي (أيلول/ سبتمبر 2).011
54 الشيخ راشد الغنوسي في حديث الصّيف، في: عُرابيا (5 آب/ أغسطس 0122)، ص.9
في تغوّل الحزب المنتصر في العملية الانتخابية، وقد يؤدّي إلى تكريس دكتاتورية الأغلبية، والحال أن الحكم
الديمقراطي لا يُدار بهيمنة طرف معي، بل بتوسيع مجالات المسؤولية وتوزيع الأدوار الرقابية بين أطراف
الحكم على اختلافها (رئيس الجمهورية- رئيس الحكومة والبرلمان)، والتفريق بين السلطات التشريعية
والتنفيذية والقضائية. وقد وجد الميل المطلق نحو الحكم البرلماني لدى النهضة معارضة شديدة من جانب شركائها داخل الائتلاف
الحاكم ومن جانب الفرقاء السياسيين؛ إذ طالب حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بضرورة توسيع صلاحيات
رئيس الجمهورية، وبأن يكون منتخَبًا مباشرة من الشعب لا من البرلمان كما تذهب إليه النهضة، معتبرًا أن على
الرئيس «أن يمسك زمام الأمن الداخلي والخارجي وأن يكون الضامن لسلامة تراب الوطن واستقلاله والقائد
الأعلى للقوات المسلّحة والمسؤول الأول عن الدفاع (...) كما يمتلك حقّ اللجوء إلى الاستفتاء، فضالً عن قرار
حلّ البرلمان. أمّا في حالة خرقة للدستور، فلا بدّ أن يُتّخَذ قرار تجميده أو إقالته بثلث المجلس التشريعي، بشرط
موافقة المحكمة الدستورية». ويلتقي مع هذا التصوّر الميّال إلى ترجيح كفّة نظام الحكم الرئاسي طيف كبير من العلمانيين، (خاصة الحزب
الجمهوري، وحزب التكتل من أجل العمل والحرّيات، وحركة نداء تونس) الدّاعين إلى ضرورة تحقيق التوازن
بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وبين صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. ومن ثمّة، فإن مسارات تجنّب الدكتاتورية في شكلها الفردي أو الحزبي قد وجّهت رؤى المختلفين في تمثّل صيغة
نظام الحكم في الدستور الجديد للدولة القادمة. لذلك، يُعدّ كسب التوافق حول نمط نظام الحكم تحدّيًا حقيقيًا
يواجه الاجتماع التونسي عمومًا وحركة النّهضة خصوصًا في المرحلة الانتقالية.
ب- التحدّيات الاقتصادية
إن استعادة البلاد حيويّتها من الناحية الاقتصادية مطلب ضروري ومطمح شعبي، ورهان حقيقي يسعى
الائتلاف الحاكم بقيادة حركة النهضة إلى كسبه في المرحلة الحالية؛ فتحسين المؤشرات الاقتصادية (دخل الفرد،
معدّل النمو، الترقيم السيادي...) يساهم إلى حدّ كبير في استعادة الثقة بين المواطن والدولة، وفي وضع حدّ لحالة
عدم اليقين تجاه التجربة الديمقراطية الوليدة في الداخل والخارج، ويغري المستثمرين ورجال الأعمال والسياح
باختّاذ تونس قِبلة لهم في القادم من الأيام. (1) اقتصاد هشّ على عهد بن علي وإبّان الثورة ورثت حركة النهضة والائتلاف الحاكم معها وضعًا اقتصاديًا هشّا، تداعت أركانه في أواخر عهد بن علي الذي
سعى إلى بلورة معادلة مؤدّاها: أوفّر لكم الخبز والأمن على أن تضمنوا لي الاستفراد بالحكم وبالثروة، فعمل
على توفير بعض المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المحدودة في مقابل تأمين استقراره السياسي وتركيز نفوذه
والحزب الحاكم معه، لكن «الصفقة السلطوية فشلت في ظلّ تزايد عجز الاقتصاد عن خلق الوظائف للوافدين
الجدد على أسواق العمل من ذوي الشهادات الجامعية، وانتشار الوظائف الهامشية ومتدنّية الأجر في القطاع
غير الرسمي، وارتفاع التفاوت في الدخل والفوارق المناطقية. وشيئًا فشيئًا، فاق عدد الخاسرين من الأوضاع
46 Lamia Karray, Révolution et après?: La Tunisie face à son avenir , 2 ème éd. (Tunis: Simpact, 2011), p. 12-13.
7 4 أزهار الجربوعي، «هل يعيد النظام البرلماني الديكتاتورية إلى تونس؟،» الحصاد (71 تموز/ يوليو 0122)، ص.9
8 4 المصدر نفسه.
الاقتصادية السائدة عدد المستفيدين منها، ممّا أدّى إلى تآكل شرعية النظام» وثورة النّاس عليه يوم 71 كانون
الأول/ ديسمبر 010.2 واستمرت حركة الاحتجاج الشعبي على مدى شهر لتشمل كلّ الجهات، وليشارك
فيها جميع الفئات الاجتماعية والعمرية والسياسية، وهو ما أدّى إلى إطاحة نظام نهب ثروات البلاد على مدى
عقدين ويزيد. وقد أنتج واقع ما بعد الثورة صعوبات اقتصادية جمّة نتيجة انتشار الشعور بالخوف، وغياب الاستقرار، وغلبة
الانفلات الأمني في الشهور الأولى التي تلت رحيل بن علي (14 كانون الثاني/ يناير 011.)2 فعلى مدى
الفترة الانتقالية الأولى برئاسة محمد الغنوشي، والثانية بقيادة الباجي قائد السبسي، ارتفع عدد العاطلين عن
العمل من 005 ألف مع نهاية سنة 0102 إلى 700 ألف مع نهاية سنة 0112، وذلك بعد مغادرة أكثر من 80
شركة البلاد، وتسريح آلاف العمال، وتراجع الاستثمارات الأجنبية بنسبة 02 في المئة، وانخفاض مردود القطاع
السياحي في الاقتصاد الوطني بنسبة 05 في المئة، وارتفاع معدّل البطالة ليبلغ 71 في المئة مقارنة ب 14 في المئة في
عهد ما قبل الثورة. و«واجهت البلاد عقبة مزدوجة تمثّلت في نقص السيولة، وارتفاع تكلفة التمويل الخارجي
نظرًا لخفض درجة تصنيفها السّيادي». (2) تحدّيات اقتصادية تواجه الائتلاف الحاكم تسلّمت حركة النهضة والتحالف الحاكم معها البلد في وضع اقتصادي صعب، من أبرز صفاته: - تباطؤ نسق النمو العالمي سنة 0122، وخاصة في منطقة اليورو، شريك تونس الاقتصادي الرئيس. - عدم استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا التي تُعدّ شريك تونس الاقتصادي العربي الرئيس. - محدودية الموارد الذاتية الوطنية في مقابل تزايد نسق المطلبية الاجتماعية، وفي مقدّمتها التشغيل
والتنمية الجهوية. وقد بدت حركة النهضة على دراية بتحدّيات البناء الاقتصادي في المرحلة الانتقالية، ولخصتها في برنامجها
الانتخابي في النقاط التالية: - عجز المنوال الاقتصادي السابق عن حلّ مشكلات الاقتصاد التونسي، وعلى رأسها البطالة والتفاوت الجهوي. - غياب الحوكمة واستشراء الفساد. - ارتفاع عدد العاطلين من العمل، خاصّة بين أصحاب الشهادات العلمية العليا. - الاختلال بين الجهات وتوسّع دائرة الفقر. - غياب الثقة لدى المتدخّلين في الداخل والخارج. - ضغوط على ميزانية الدولة بسبب تنامي النفقات.
94 الحسن عاشي، «التحديات الاقتصاديّة في تونس،» (دراسة، مركز كارينغي للشرق الوسط، بيروت، 22 كانون الأول/ ديسمبر
0112)، ص.26
05 المصدر نفسه، ص.6
51 البرنامج الانتخابي لحركة النهضة، الباب الاقتصادي والاجتماعي: عدالة وتنمية ورفاه (تونس، أيلول/ سبتمبر 0112)، ص.16
(3) مقترحات النهضة الاقتصادية رغم محدودية الاهتمام بالتنظير للاقتصاد الإسلامي ومؤسّساته في أدبيّات حركة النهضة الإسلامية، فإن الناظر
في البرنامج الانتخابي الذي قدّمه الحزب للتنافس على مقاعد المجلس التأسيسي، يتبنيّ أنه برنامج واعد، خصّ
الإصلاح الاقتصادي بمقترحات عدة، وقدّم مقاربة منهجية شمولية، تحاول تغيير الوضع السائد من دون
أن تناقض أسس الفكر الاقتصادي المتداول على الساحة الدولية (اقتصاد السوق، الشراكة الاقتصادية، تحفيز
الاستثمار)، وقدّمت الحركة منواالً تنمويًا طموحًا يمتد من سنة 0122 إلى سنة 0162، ويروم تحقيق أهداف
عدة، أهمها: - إحداث حوالي 905 ألف موطن شغل، بما يؤدّي إلى تخفيض نسبة البطالة من 14 في المئة سنة 0112 إلى حدود
5٫8 في المئة سنة.2016 - الوصول إلى نسبة نمو ب 8 في المئة سنة 0162، أي بمعدّل نمو سنوي نسبته 7 في المئة خلال الفترة المتراوحة
بين سنتي 0120162 و 2، علامً بأن نسبة النمو لم تتجاوز 5٫1 في المئة سنة.2011 - رفع مستوى الدخل الفردي إلى حوالي 000٫01 دينار سنة 0162 في مقابل 0063 دينار سنة.2011 - التخفيض في نسبة التضخّم المالي لتصل إلى حدود 3 في المئة سنة.2016 - التوجّه نحو التخفيض التدريجي من التمويل الخارجي المصحوب بفائدة. - تخفيف العبء الجبائي عن ذوي الدخل المتدني والمتوسط. - توسيع الشراكات الاقتصادية وتنويعها. - دعم التوجّه نحو اقتصاد المعرفة والابتكار والذكاء. - رفع مستوى الإنتاجية، ودعم تموقع المنتجات الوطنية في الأسواق المحلّية والخارجية. - إحداث أقاليم تنمية تضمّ أقطابًا اقتصادية بحسب حاجة كل جهة. - تركيز مشاريع اقتصادية عدة لتوفير مواطن شغل في المناطق المحرومة. - توفير التمويلات اللازمة للمستثمرين في المناطق الداخلية. - تحويل تونس إلى مركز مالي إقليمي ذي إشعاع دولي. وبناء عليه، يتبنيّ لنا أن البرنامج الاقتصادي للحركة يراهن على تحقيق مطالب تنمويّة عدة نادت بها الجموع
الثائرة في 71 كانون الأول/ ديسمبر 01012، وفي مقدّمتها التشغيل، والتنمية المناطقية المتوازنة، وتحسين
المقدرة الشرائية، وضمان العيش الكريم لكلّ مواطن. والواقع أن حركة النهضة بتمثّلها لمطالب الشارع التونسي
وحاجاته قد ضمنت بطريقة ذكية استقطاب عدد كبير من الناخبين مكّنها من كسب أغلب المقاعد تحت قبّة
المجلس التأسيسي. لكن هذه الوعود تبدو اليوم ورقة ضغط على النهضة والائتلاف الحاكم معها، باعتبارهما
مطالَبين بتحقيق ما وعدا الناس به. وقد دفع ذلك النهضة إلى إبداء مرونة في إدارة العملية السياسية وفي إدارة
الحياة الاقتصادية، فبدت غير متشبّثة بمقولات إرساء اقتصادي إسلامي تكافلي محافظ، بل بدت منفتحة على
صوغ منوال تنموي ليبرالي يشجّع المبادرة الفردية، ولا يمنع من تدخّل الدولة في إدارة الشأن الاقتصادي،
حماية لمصالح الطبقات الوسطى والضعيفة. كما أبدت الحركة لينًا بخصوص ما تعلّق بالسياحة من نشاط أو
سلوك قد يناقض الشريعة الإسلامية، وأعرب مسؤولوها عن تعهّدهم بحماية القطاع، والعمل على تفعيله، وفي
ذلك يقول حمّادي الجبالي: «إن القطاع السياحي يُعدّ من المكتسبات التي لا مجال للمساس بها»، وأضاف «هل
من المعقول أن نصيب قطاعًا حيويًا مثل السياحة بالشّلل بمنع الخمور وارتداء لباس البحر». وفي السياق
نفسه قال راشد الغنوشي: «لا أحد يفقه تاريخ التشريع في الإسلام يسمح لنفسه بأن يغريّ أنماط الحياة من مأكل
وملبس ومشرب عن طريق القسر والإكراه والتهديد، فالله خلق الناس أحرارًا، ولم يعط لأحد سلطة في أن يقود
الناس حتّى للجنّة بالسلاسل». وبذلك، اختطّت الحركة لها مسارًا مميّزًا في التعامل مع قضايا الحرّيات الفردية والنشاط الاقتصادي داخل
الاجتماع التونسي، وجعلت بينها وبين التمثّل الإخواني التقليدي للإسلام وبينها وبين الفهم السلفي والراديكالي
له مسافة، فبدت ميّالة إلى الانخراط في الواقع ومسايرة خصوصية المجتمع الذي تنتمي إليه، محاولة فتح الإسلام
ليستوعب الراهن الحضاري للمجموعة الوطنية بدل السعي إلى أسلمة المجتمع ومناحي الحياة عمومًا، والحياة
الاقتصادية خصوصًا. وتتمثّل وسائل تحقيق المشروع الاقتصادي الإصلاحي لحركة النهضة خلال الرباعية القادمة في ما يلي: - «إرساء قواعد الحوكمة الرشيدة، وذلك بمكافحة الفساد الإداري والمالي، ودعم الشفافية، ومحاسبة
المسؤولين، وذلك ب ‹تكوين هيئة عليا مستقلّة لمكافحة الرشوة والفساد والمحسوبيّة، وتفعيل التصريح على
الشرف بالممتلكات لكبار المسؤولين›. - إصلاح منظومة الانتداب والتأجير والترقية في الوظيفة العمومية. - دعم اللامركزية والتخفيف من الإجراءات الإدارية. - ترشيد الإنفاق العمومي وتنويع التمويل وتوجيهه نحو مصادر غير حمُْدِثَة للمديونية. - تطوير البنية الأساسية والمرافق العمومية في المناطق الأقلّ حظًا في التنمية، بهدف تشجيع رأس المال المحيلّ
والأجنبي على الاستثمار فيها. - إحداث التشريعات الملائمة لتأسيس مصارف إسلامية. - توفير الشروط اللازمة، من حرّيات واستقرار أمني، لضمان التنمية الاقتصادية. - اعتماد معايير المحاسبة الدولية بالنسبة للمؤسسات المدرجة بالبورصة. - إيجاد منظومة حوافز تمكّن من الترفيع التدريجي في نسب تأطير أصحاب الشهائد [الشهادات] العليا في
المؤسسات. - وضع صيغ تعاون فاعل بين الدولة والجهات والجمعيات في مجال التنمية والتشغيل».
52 Richard Spencer, “Tunisia’s Victorious Islamists Vow to Uphold Country’s Liberal Laws,” Telegraph , 26/10/2011, on the Web: <www.telegraph.co.uk/news/worldnews/africandanddinindiaocean/tunisia/8851054/Tunisas-Victorious- Islamists-vow-to-uphildcountrys-liberal-laws.html>.
35 راشد الغنوشي في حوار مع مجلّة المجلّة العربيّة الصادرة بلندن بتاريخ 3 تشرين الأول/ أكتوبر.2011
45 البرنامج الانتخابي لحركة النهضة، الباب الاقتصادي والاجتماعي: عدالة وتنمية ورفاه، ص 52.-14
البنيّ من خلال ما تقدّم صعوبة الوضع الاقتصادي في الداخل التونسي وتعقّده. وقد بدت طموحات
النهضة عالية السقف، ويكاد يكون البرنامج الذي قدّمته شامالً معظم جوانب الأزمة التنموية في البلاد،
لكن تبقى جوانب عدة غير واضحة في هذا البرنامج، وفي مقدّمتها مَوْقعَة دور الدولة في القطاع الاقتصادي،
وتحديد مجالات تدخّلها على جهة الدقّة، وضبط أولويات الاقتصاد الوطني، وصوغ جدول زمني تفصيلي
لإجراءات الإصلاح ومشاريع النهوض الاقتصادي. يُضاف إلى ذلك عدم تصريح الحركة بموارد التمويل
لتنشيط المشاريع الاقتصادية المستقبلية، ومدى جاهزية مصادر التمويل المفترضة للمساهمة في النهضة
الاقتصادية المأمولة. والواقع أن ما حقّقته النهضة من منجزات على الصعيد الاقتصادي في الأشهر الثمانية الأولى من تولّيها الحكم
ما زال دون المطلوب؛ فنسبة البطالة لم تتراجع إلى الحدّ المقبول، وعجلة التنمية الجهويّة مازالت معطّلة بسبب
حركات الاحتجاج العشوائي (الإضرابات والاعتصامات)، وقضية تسوية ملفّات رجال أعمال من الذين
لحقت بهم شبهة فساد في العهد البائد لم تجد حتى الآن طريقها إلى الحلّ النهائي، فما زال بعضهم ممنوعًا من السّفر
رغم وعد السلطة بتسريع النّظر في هذا الملف، وتعجيل عودتهم إلى الدورة الاقتصادية. يضاف إلى ذلك
عدم فتح ملفّات التهرّب الجبائي والمخالفات الديوانية والاحتكار، والعائلات المافيوية التي نهبت المال العام. لكن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أن مناطق وأقطابًا صناعية كثيرة في البلاد استعادت نشاطها، وأغرت
المستثمرين بالعودة إلى السوق التونسية، كما استعادت السياحة عافيتها المعهودة خلال صائفة 0122، وتحسّن
معدّل النموّ ليبلغ 7 ٫2 في المئة، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي مع موىفّ تموز/ يوليو 2.012
الاستنتاجات
- أسّست حركة النهضة لتجربة توافق علماني/ إسلامي في إدارة دفّة الحكم، وهي أول تجربة شهدها تاريخ
تونس الحديثة السياسي، وهو ما ساهم في الحدّ من الأحادية الحزبية والفردية في إدارة الشأن العام التي عاشت
البلاد ويلاتها على مدى عقود خلت. - لم تنجح حركة النهضة والائتلاف الحاكم معها في تحويل نجاحها الانتخابي إلى نجاح تنموي لأسباب ذاتية
(قلّة الخبرة بالحكم؛ اختلاف الأرضيات الأيديولوجية؛ المحاصصة السياسية...)، وأسباب موضوعية (عودة
فلول النظام السابق؛ الأفعال الاحتجاجية الفوضوية؛ المعارضة الإقصائية؛ بيروقراطية الإدارة التقليدية...). - أثبتت تجربة الحكم الانتقالي أن النهضة على عثراتها لم توظّف الديمقراطية للانقلاب على الديمقراطية أو
للعمل على أسلمة المجتمع وعسكرة الدولة، وتلك سابقة في تاريخ الإسلام السياسي. - ليس حزب النهضة «حزبًا حديديًا» يتمترس خلف مسبقات أيديولوجية نهائية وأحكام ثابتة، بل هو حزب
براغماتي يستحضر الواقع ويستشرف المستقبل، ويراعي خصوصية المجتمع التونسي (التعدّد الثقافي؛ حقوق
المرأة؛ الانفتاح على الآخر؛ التعايش والاعتدال).
55 رضا السعيدي، «الوزير المكلّف بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية: الحكومة حريصة على طمأنة رجال الأعمال ونشر
الثقة والأمان،» وقائع (26 تموز/ يوليو 0122)، ص.3
56 انظر: المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي يختتم مشاورات ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ الرابعة ﻟﻌﺎﻡ 0122 مع تونس، 3 آب/ أغسطس
012 2، على الموقع الإلكتروني: <http://www.imf.org/external/arabic/np/sec/pn/2012/pn1296a.pdf >.
- جسّدت حركة النهضة أول تجربة إسلامية ديمقراطية للإسلام السياسي في البلاد العربية، تأسّست على
الإقرار بالآخر والتسليم بالديمقراطية والقبول بتحكيم الشعب واحترام حقوق الإنسان في ظلّ الدولة المدنية،
فردمت الهوّة بين الإسلام والحداثة، وخرجت من بوتقة التنظير للاجتماع الدّيني إلى فضاء التأسيس للاجتماع
المواطني. - بدا الأداء السياسي لحركة النهضة في الحكم باهتًا مقارنة بأدائها في المعارضة؛ فقد بدا الحزب والائتلاف الحاكم
معه في حالة تردّد وارتباك حيال اختّاذ إجراءات مستعجلة وحلول عمليّة بخصوص مكافحة الفساد، ومحاسبة
فلول النظام السابق، ومواجهة الفوضى الثورية، وإقامة العدالة الانتقالية، والتصدّي لأعلام الثورة المضادّة. يبقى المهاد المرجعي لحركة النهضة بحاجة إلى مزيد التجديد والتوضيح والتطوير والنّقد حتّى تواكب
مستجدّات العصر الديمقراطي لتونس الجديدة؛ فتصوّر الحركة لنظام الحكم وموقعتها للإسلام من العملية
السياسيّة وكيفيّات جمعها بين الدّين والديمقراطية مسائل ما زال يكتنفها الغموض في أدبيّات الحركة. - إن حركة النهضة حركة في صيرورة تنهل من صيرورة المجتمع المدني في تونس، وهي مع غيرها من القوى
المدنية والحزبية في البلاد مدعوّة إلى تأسيس مشهد سياسي ديمقراطي حداثي يفيد من أخطاء الماضي ويبني
للمستقبل، ويحوّل الثورة من حدث تاريخي إلى حدث فكري يساهم في تغيير العقول وإنتاج الأفكار النريّة
الجديدة، حتّى تنعم الأجيال القادمة بالعيش في كنف نظام جمهوري لا «جملوكي»، على حدّ تعبير المنصف
المرزوقي. ف «معمعان الحياة السياسية والحيّز العام النّشط، والتجربة والخطأ في المواقف (...) كلّ هذه العوامل
لا تفيد في طرح البدائل فحسب، بل أيضًا تحدث تغريّات بنيوية » في الواقع السياسي والمجتمعي. لذلك من
المهمّ تطوير تجربة الاجتماع الديمقراطي وترسيخها في أرض مدنية صلبة.
7 5 عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدّمة لبيان ديمقراطي عربي، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2010
8 5 عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقديّة، ط 6 (الدّوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0112)، ص.346
المراجع
-1 العربية
كتب
للأبحاث ودراسة السياسات،.2012
العربية،.2010
السياسات،.2011
والجبهة الإسلاميّة للإنقاذ. تونس: الدار المتوسطيّة للنشر،.2012 الغنوشي، راشد. الحركة الإسلاميّة ومسألة التغيير. تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،.2011
مسكيلياني للنشر والتوزيع،.2012
السياسات،.2012
دورية
مؤتمر
المؤتمر التاسع لحركة النهضة (قصر المعارض بالكرم، تونس، -12 16 تموز/ يوليو.)2012
بشارة، عزمي. الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. الدّوحة؛ بيروت: المركز العربي
. في المسألة العربية: مقدّمة لبيان ديمقراطي عربي. ط.2 بيروت: مركز دراسات الوحدة
. المجتمع المدني: دراسة نقديّة. ط.6 الدّوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة عبد السلّام، رفيق. تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية. تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،.2011 عبد المعطي، مجدي. راشد الغنوشي والنهضة الإسلاميّة في تونس. القاهرة: الدّار الذهبيّة للنشر والتوزيع، عبشة، المبروك. الحركات الإسلاميّة في الجزائر بين 1991-1931: مع مقارنة بين حركة النهضة التونسيّة
. الحرّيات العامّة في الدّولة الإسلاميّة. تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،.2011. من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس. تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،.2011 المديني، توفيق. تاريخ المعارضة التونسية من النشأه إلى الثورة: الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية. تونس:
مشروع قياس الرأي العام العربي: المؤشر العربي، 2011. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
نجيب الشابي، «العلاقة بين الإسلامييّن والعلمانييّن: تجربة 8 1 أكتوبر في تونس.» الآداب: العددان-1112،
وثائق
بشارة، عزمي. «أفكار لمقدّمة الطّبعة السادسة لكتاب «المجتمع المدني.» (المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، 12 تموز/ يوليو 0122)، على الموقع الإلكتروني: <. dohainstitute. www:// http
. > 6 de 0 c 05 ca 900- be 86-41 e 1-2 b 72039 a - c 713/ org / release بيانات ذكرى التأسيس لحركة النهضة التونسيّة (سلسلة قطوف النهضة، تونس، حزيران/ يونيو.)2012 «تقرير منتدى المجتمع المدني العربي بشأن تطبيق توصيات المشاركة المدنية في السياسات العامة تحت عنوان:
الحراك الجديد ومسار النهضة العربيّة، القاهرة، -9 01 نيسان/ أبريل 011».2 (الأمم المتحدة،
المجلس الاقتصادي والاجتماعي، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)،.)2011 الجمهوريّة التونسيّة، وزارة الماليّة. «تقرير حول مشروع ميزانيّة الدّولة،» (نيسان/ أبريل.)2012 «الرّؤية الفكريّة والمنهج الأصولي لحركة النهضة التونسيّة.» (وثيقة، سلسلة قطوف النهضة، تونس، حزيران/
يونيو.)2012 عاشي، الحسن. «التحديات الاقتصاديّة في تونس.» (دراسة، مركز كارينغي للشرق الوسط، بيروت، 22 كانون
الأول/ ديسمبر.)2011 «المنتدى الدّولي حول مسارات التحوّل الديمقراطي: تقرير موجز حول التجارب الدولية، والدروس المستفادة،
والطريق قدما. ” (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، -56 حزيران/ يونيو.)2011 -2 الأجنبية
Book Karray, Lamia. Révolution et après?: La Tunisie face à son avenir. 2 ème éd. Tunis: Simpact, 2011.
Conference “Revolution and Revolt: Understanding the Forms and Causes of Change.” (BRISMES Annual Conference, London School of Economics and Political Science, 26-28 March 2012).
Documents Arieff, Alexis. “Political Transition in Tunisia,” (CRS Report for Congress, Congressional Research Service, 16 December 2011). Martinez, Luis. «Tunisie et Libye: L’Apprentissage de la démocratie.» (Working Paper, Sciences Po, Novembre 2011).