العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الأزمة المالية الأوروبية ومعضلة اليورو: دراسة في إدارة الأزمات المالية

الأزمة المالية الأوروبية ومعضلة اليورو: دراسة في إدارة الأزمات المالية

The European Financial Crisis and the Problem of the Euro: An Analysis of Europe’s Financial Crisis Management

هدى حوا*

الملخّص

تقوم هذه الدراسة بتحليل إدارة الأزمات المالية في منطقة العملة الأوروبية الموحّدة في السنوات الثلاث الأولى للأزمة، وتكشف عن طبيعة جديدة للعلاقات بين الدول الأوروبية، منطلقة من نشأة اليورو وتبدلات البيئة المحيطة بالمشروع الأوروبي في العقدين الأخيرين. وتعالج الأزمة وإدارتها في إطار معضلة العملة الأوروبية الموّحدة وتوزيع أعبائها. وتعتبر أن سياسات الأزمة المالية الأوروبية تسير في مراحل، وتخطو في كل مرحلة خطوات جزئية. ومرحلة السنوات الثلاث الأولى تركّزت على تصحيح مسار اليورو، وتحميل الدول المتأزمة أو غيرها تبعات هذا التصحيح، على حساب إيجاد حل للمشكلة المالية المصرفية، وهي مرحلة طغت فيها ضغوط الأسواق المالية التي تأسست في إطارها سياسات أوروبية تجاه الدول الصغيرة المتأزمة، وصفقات بين دولها الكبيرة، فضلًا عن علاجات تخفيفية مؤقتة لقطاع مصرفي ينوء تحت ديون ثقيلة. وتفترض الدراسة أن تأجيل الحل الشامل للأزمة المالية، الذي راكم أعباء مديونية عامة وخاصة متزايدة، وراكم أعباء ثقيلة على البنك المركزي الأوروبي، تدفع الدول الأوروبية إلى مرحلة تالية لتقديم علاج مشترك للمشكلة المصرفية ستتداخل فيها وتليها مرحلة تثبيت استقرار العملة الأوروبية الواحدة، التي ستقود دولها، إذا ما نجحت، إلى مزيد من الاندماج. وتستخلص أن الدول الأوروبية أنشأت في مسار الإنقاذ شروطًا وحيثيات وآليات ذات آثار متناقضة في تسوية أبعد مدى في منطقة اليورو الأوروبية، تقيّم الدراسة على اعتبار أن الدينامية الاندماجية الأوروبية رعتها مصالح دولها القومية أكثر من أي اعتبارات أخرى، وبوجهة تمنع نشوء دولة مهيمنة، وإن المتغ الجديد فيها هو استقواء المصالح الاقتصادية العابرة للوطنية في نزوع إلى تطبيق سياسات نيوليبرالية، لكن بحدود قد تفرضها ضرورات التوافق السياسي وصعوباته.

Abstract

This study analyzes the management of the financial crisis that gripped the Eurozone during its first three years. The author seeks to exemplify the emergence of a new form of intra-European relations starting at the birth of the single European currency to the changes taking place within the European Union over the last two decades. Furthermore, she tackles the root causes of the European financial crisis, and its management, within the framework of the challenges posed by a unified currency. A thorough examination of the policies taking place at the start of the European financial crisis demonstrates that for the first three years of the crisis these policies sought to “correct the path” of the Euro; however, rather than focus on resolving the financial-monetary problem, they blamed the crisis-ridden smaller countries in crisis, forcing them to bear the responsibility. These policies were formulated at a time when pressure of the financial market’s collapse was imminent . During the same period, a number of agreements between the larger states within the European Union took place, as well as many temporary mitigating measures for the banking sector, which was reeling under heavy debt burden. The author believes that postponing a comprehensive solution to the crisis led to a rise in public and private sector debt, and placed unnecessary burdens on the European Central Bank, and will eventually lead to a joint effort among European states to alleviate the pressure from the banking crisis. In the event that the Euro succeeds in stabilizing, , prompting further integration between the states is expected. In their efforts to save their currency, European states have set a number of conditions, minutiae, and mechanisms, all of which will have contradictory outcomes regarding an ultimate resolution within the Eurozone. The study is based on the assumption that the European integrationist dynamic was primarily nurtured by each country’s own interest to avoid the emergence of a single hegemonic state. The new emerging variable is the increased potency of trans-national economic forces wanting to apply neoliberal policies, though they may face challenges in achieving political consensus.

الكلمات المفتاحية:
  • يورو
  • سياسات نيوليبرالية
  • الأزمة المالية الأوروبية
  • البنك المركزي
Keywords:
  • European Financial Crisis
  • European Union
  • European Central Bank
  • Financial Markets
  • Political Conciliation
  • National Interests
  • Neo-Liberal Policies

تقوم هذه الدراسة بتحليل إدارة الأزمات المالية في منطقة العملة الأوروبية الموحّدة في السنوات

الثلاث الأولى للأزمة، وتكشف عن طبيعة جديدة للعلاقات بين الدول الأوروبية، منطلقة من نشأة

اليورو وتبدلات البيئة المحيطة بالمشروع الأوروبي في العقدين الأخيرين. وتعالج الأزمة وإدارتها في

إطار معضلة العملة الأوروبية الموّحدة وتوزيع أعبائها. وتعتبر أن سياسات الأزمة المالية الأوروبية

تسير في مراحل، وتخطو في كل مرحلة خطوات جزئية. ومرحلة السنوات الثلاث الأولى تركّزت

على تصحيح مسار اليورو، وتحميل الدول المتأزمة أو غيرها تبعات هذا التصحيح، على حساب

إيجاد حل للمشكلة المالية المصرفية، وهي مرحلة طغت فيها ضغوط الأسواق المالية التي تأسست

في إطارها سياسات أوروبية تجاه الدول الصغيرة المتأزمة، وصفقات بين دولها الكبيرة، فضلا عن

علاجات تخفيفية مؤقتة لقطاع مصرفي ينوء تحت ديون ثقيلة. وتفترض الدراسة أن تأجيل الحل

الشامل للأزمة المالية، الذي راكم أعباء مديونية عامة وخاصة متزايدة، وراكم أعباء ثقيلة على

البنك المركزي الأوروبي، تدفع الدول الأوروبية إلى مرحلة تالية لتقديم علاج مشترك للمشكلة

المصرفية ستتداخل فيها وتليها مرحلة تثبيت استقرار العملة الأوروبية الواحدة، التي ستقود دولها،

إذا ما نجحت، إلى مزيد من الاندماج. وتستخلص أن الدول الأوروبية أنشأت في مسار الإنقاذ

شروطًا وحيثيات وآليات ذات آثار متناقضة في تسوية أبعد مدى في منطقة اليورو الأوروبية، تقيّم

الدراسة على اعتبار أن الدينامية الاندماجية الأوروبية رعتها مصالح دولها القومية أكثر من أي

اعتبارات أخرى، وبوجهة تمنع نشوء دولة مهيمنة، وإن المتغريّ الجديد فيها هو استقواء المصالح

الاقتصادية العابرة للوطنية في نزوع إلى تطبيق سياسات نيوليبرالية، لكن بحدود قد تفرضها

ضرورات التوافق السياسي وصعوباته.

مقدّمة

تركت الأزمة المالية العالمية، التي بدأت في الولايات المتحدة الأميركية سنة 0082 أثرًا بالغًا في الوضع

الأوروبي، لم تظهر نتائجه إالّ في وقت لاحق؛ فقد تغاضت الدول الأوروبية عن التصدّي الفعلي

لمشكلاتها المالية حتى سنة 010.2 وعندها، ظهرت الأزمة المالية مجزّأة ومتمثّلة بشكل رئيس في أزمات ديون

سيادية تنتقل من بلد إلى آخر، ابتداء من اليونان التي تعرّضت سنداتها الحكومية لفوائد عالية فاضطرت إلى

الاقتراض أوروبيًا في أيار/ مايو 010 2، مرورًا بإيرلندا والبرتغال اللتين سارتا على الطريق نفسه، ووصوالً إلى

إيطاليا وإسبانيا منذ أواخر سنة 011.2 وبعد ما يقارب ثلاث سنوات على هذه الاضطرابات، بدأت الدول

الأوروبية تتصدّى لمشكلة المصارف، بعد طول تأجيل. لقد كشفت الاضطرابات المالية في منطقة اليورو عن مشكلتين أساسيتين: أُولاهما أن المصارف الأميركية لم تكن

وحدها متورطة في توسّع ائتماني مبني على سياسات تزيد من حجم الاقتراض وأشكاله المختلفة؛ فالمصارف

الأوروبية دخلت أيضًا نسقًا شبيهًا، وإنْ يكن مختلفًا ومتفاوتًا بين بلد وآخر، كما أنها دخلت اللعبةَ نفسها التي

تسمح للقطاع المالي بأن يقوم بخلق المال بصورة مستقلة عن القطاع الإنتاجي وحاجاته. وثانيتهما أن الأزمة

المالية كشفت عن مشكلة أوروبية خاصة؛ مشكلة عملتها الموحّدة، أي اليورو. لقد أتاحت عملة اليورو، من جهة، نمو توسّع ائتماني أوروبي خاص بها، مع ما فرضته من تساوٍ في معدلات

الفائدة على القروض في إطار العملة الواحدة بين دول متفاوتة الأوضاع الاقتصادية، كما أتاحت انتقاالً مهماًّ

لرؤوس الأموال إلى البلدان الأضعف اقتصاديًا، كاليونان وإيرلندا والبرتغال وإسبانيا. لكن الأزمة المالية في

إطار اليورو أظهرت من جهة أخرى صعوبة صوغ توافق بين دول ذات سيادة ومصالح خاصة للوصول إلى

سياسة أوروبية مركزية تضطّرها إليها العملة الأوروبية الموحّدة. وعوضًا عن حلّ مركزي أوروبي للأزمة، عملت السياسة الأوروبية في السنوات الثلاث الأولى من التأزم

(012-20102) على إدارة الأزمة، أي على توزيع أعبائها على الدول المأزومة من دون تقديم حل شامل لها.

وكانت النتائج التي أظهرتها الأزمة مذهلة بحجمها، وخصوصًا في بلد كاليونان؛ إذ ناهزت قروض الإنقاذ

ال 002 مليار يورو، وبحجم ديون خاصة مستعصية في إيرلندا وإسبانيا، بلغت سنة 0092، بحسب بعض

المصادر، ستة أضعاف الناتج المحلي في إيرلندا وثلاثة أضعاف الناتج المحلي في إسبانيا. في إطار الإنقاذ، أظهرت السياسة الأوروبية مشكلتها الأهم، وهي أن الدول الأوروبية تتوّزعها سيادات سياسية

ومصالح قومية مختلفة، مع كل ما يترتب على ذلك من صعوبة الوصول إلى سياسات مشتركة بينها. كانت

السياسات تأتي دائامً متأخرة، وتتأسس على اعتبارات المصالح الاقتصادية للقوى المهيمنة؛ فالإنقاذ الأوروبي

كان يحصل في اللحظة الأخيرة الحرجة، عندما تصل معدلات الفائدة على الديون السيادية إلى مستويات لا

يمكن تحمّلها. وارتبط الإنقاذ بشروط تتماهى مع سياسات التقشّف وإضعاف دولة الرفاه وإصلاحات يفرضها

صندوق النقد الدولي عادةً. لكن الشروط اقترنت في الوضع الأوروبي بقدرة تحكّم وسيطرة أكبر، كما عكست

أجندات أخرى في إطار معضلة اليورو. وبعد انتهاء سنوات ثلاث من الاضطرابات، خرجت الدول الأوروبية

في أغلبها بمديونية (خاصة وعامة) أعظم ممّا سبق، وبأعباء إنقاذ ثقيلة، أي أنها راكمت مشكلات الأزمة قبل أن

تبدأ بعلاج أكثر جذريةً من طريق التصدّي لمشكلة المصارف.

1 Michel Aglietta, “The European Vortex,” New Left Review , no. 75 (May-June 2012), pp. 17-18.

تبحث هذه الدراسة في إدارة الأزمات المالية في منطقة اليورو خلال السنوات الثلاث الأولى، وتحاول أن تخلص

في ما يخص السياسات الأوروبية إلى استنتاجات توافقها أو تخالفها، وإلى واقع الإنقاذ وما يترتب عليه بالنسبة

إلى مستقبل العلاقات الأوروبية. وتعتبر الدراسة أن أهمية السياسة النقدية في نهوض المشروع الأوروبي، وفي

مستقبله، تصعّب على الدول الأوروبية الأعضاء في منطقة اليورو الاستغناء بسهولة عن العملة الأوروبية

الموحّدة. وهي تفترض تداخالً مهامًّ بين سياسات الإنقاذ تلك مع السياسات الأوروبية الأبعد مدى بشأن

استقرار العملة الموحّدة، وتحاول أن تصل إلى استنتاجات في هذا الخصوص. تعالج الدراسة سياسات الأزمة من خلال المعضلة التي تطرحها العملة الأوروبية الموحّدة في وجهين. أولهما

أن أوروبا ليست الحالة الأمثل لتحقيق العملة الموحّدة بسبب التفاوت في قدرات دولها الاقتصادية واختلاف

سياساتها. وثانيهما أن السياسة النقدية الأوروبية الموحّدة ليست سياسة مكتملة العناصر، لافتقاد الحكومات

ملجأً أخيرًا، حيث إن معاهدة ماستريخت (993-19921) تحظر على البنك المركزي الأوروبي تأدية هذا

الدور وتمنعه من تقديم دعم مباشر للحكومات، ولوجود سياسة مالية غير مضبوطة ببقائها ضمن مسؤولية

الحكومات. ويشكل هذان النقصان طرفين في معادلة السياسات بين دول اليورو الأوروبية؛ فطريق الكفالة

النقدية للحكومات يمّر عبر تنازلها عن قدر من سيادتها المالية. إن السياسة الأوروبية في معالجة الأزمة المالية تجري على مراحل، وفي إطار خطوات جزئية تتعلّق بكل مرحلة.

وتفترض الدراسة أن السنوات الثلاث الأولى تركزت بشكل رئيس على توزيع الأعباء بين الدول في إطار

تصحيح مسار اليورو، وأن السياسة الأوروبية احتكمت في تلك المرحلة إلى معادلة الإنقاذ في مقابل شروط

التقشّف والإصلاح، لكنها أسست في الوقت نفسه، وعلى المدى البعيد، لنتائج تسعى هذه الدراسة إلى تبيانها.

ويُقصد بالمدى البعيد تثبيت استقرار العملة الأوروبية الموحّدة، مع ما قد يتطلبه ذلك من شراكة في الأعباء

(الديون) في مقابل مركزية في التحكّم (مزيد من الاندماج السياسي). ولذلك، تبدأ الدراسة بفصلين تمهيديين

بشأن الخصوصية الأوروبية التي قادت إلى عملة اليورو وتجربة هذه العملة خلال العقد الأخير، لتنتقل إلى

تحليل تطوّرات الأزمة المالية في تتبع كرونولوجي يقف على إدارة الأزمة كما طُرحت بالنسبة إلى الدول الصغيرة،

والمصارف، والدول الكبيرة.

أولا: محورية السياسة النقدية والطريق إلى العملة الأوروبية الموحّدة

في بحث تحولّات مهمّة في تطوّر المشروع الأوروبي، كولادة العملة الأوروبية الموحّدة، تواجهنا الدولة القومية

كطرف رئيس؛ فالاندماج الأوروبي تأسس على الحاجة إلى إعادة بناء الدول القومية بعد حرب مدمّرة، وهي

الحاجة التي أبقت لهذه الدول، كما يفيدنا البحث التاريخي لميلورد، «سيطرتها المُحكمة على مخلوقها الجديد».

قاد هذا الاندماج من البداية إلى تكريس دولة الرفاه، وانتصر لحماية القطاع الزراعي وإشراك العمل النقابي في

آلية صوغ السياسات، مع نزوع إلى تدخّل الدولة في التحديث ودعم بعض الصناعات. فالدولة الخارجة

2 Alan S. Milward, The European Rescue of the Nation-State , With the Assistance of George Brennan and Federico Romero, 2 nd ed. (London; New York: Routledge, 2000), p. 12.

3 تضمنت معاهدة روما «التزامًا صريحًا للحفاظ على مستويات عالية من الرعاية الاجتماعية، وأسبوع عمل قصيرًا». انظر: المصدر نفسه،

ص -3031، 35 و.38

من حرب مدمّرة، حسب ميلورد، احتاجت إلى الاعتماد «على أوسع إجماع سياسي، وأن تُظهر استجابة أكثر

لحاجات مجموعة أكبر من مواطنيها لتكون شرعيتها مقبولة». وقد ارتهن نجاحها بتحقيق نهوض اقتصادي

اعتمد على ثلاثة عناصر هي: التجارة مع ألمانيا، وتوسيع التجارة، وإبقاء الحماية على قطاعات محدّدة. وشكّلت

تلك العناصر «السوق المشتركة كأفضل ترتيب للجمع بينها». وامتدت هذه السياسة مع التوسع الأوروبي

في الثمانينيات إلى بلدان مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا، لمساعدتها على توطيد دعائم النظام الديمقراطي بعد

سقوط أنظمتها السلطوية السابقة، لكنها ما لبثت أن ضعفت مع موجة التوسّع في التسعينيات باتجاه دول أوروبا

الشرقية، إذ اتجهت السياسة الأوروبية إلى التحرير الاقتصادي منه لترسيخ دعائم نظام اجتماعي. طغى على السياسات الأوروبية المسعى الدائم للتوفيق بين الدولة القومية كوحدة تنظيمية أساسية والتنازل

عن بعض من سلطتها الوطنية للمستوى الأوروبي. ويرى المحلّلون أن النهج الوظيفي ما فوق الوطني، الذي

تعزّز في معاهدة روما (9571) وميلاد المجموعة الأوروبية الاقتصادية، قابله في الستينيات نهج «ديغولي» يعيد

الاعتبار إلى فكرة أوروبا المتشكّلة من دولها، ويقوم «على مسلّمة أن للدول وجهات نظر وقدرات ومصالح

متباينة»، وأن «مساهمتها والتزاماتها على المستوى الفردي تختلف بين مجال من العمل المشترك وآخر». واندمج

هذان الوجهان في السعي الأوروبي المستمر للتوفيق بين المصالح الوطنية والسياسات المشتركة، وتركّز معه

التعاون الفرنسي- الألماني في قيادة الدول الأوروبية الأخرى، بحيث «بات تعاونهما ركيزة التقدّم الأوروبي

واختلافهما يقود إلى تعثّره». كانت العملة الأوروبية الموحّدة تتويجًا لهذا التعاون الثنائي، وما لبث أن ضعف بعده الاستعداد الأوروبي

للاندماج في وضع كانت أوروبا تتجه فيه نحو توسيع عضويتها شرقًا، وتجارتها عالميًا، مؤدية إلى تغييرات مهمّة

في العلاقات بين دولها، التي كانت حين بدأت الأزمة المالية قد رست على وضع يسمح لألمانيا بترجمة قوتها

الاقتصادية إلى سياسات أكثر من أي وقت مضى. تتبنّى هذا الدراسة المقاربة الاقتصادية السياسية، التي تبحث في عناصر الدينامية الاندماجية الأوروبية في إطار

علاقات التوافق وموازين القوى بين الدول، تفاديًا لقوّة أوروبية مهيمنة. فقد طُرحت هذه الدينامية منذ البداية

في إطار حاجة الدول الأوروبية إلى ألمانيا، بسبب محورية دور الأخيرة الاقتصادي بالنسبة إلى الدول الأخرى،

وحاجة فرنسا إلى احتواء ألمانيا انطلاقًا من مخاوف متعلقة بمستقبلها، بينما رأت ألمانيا في الاندماج طريقًا لاستعادة

سيادتها وتأكيد دورها المركزي وتفوّقها الاقتصادي في أوروبا. وبينما كان على فرنسا أن تتنازل سياسيًا في إطار

هذا المشروع، راعت ألمانيا من جانب آخر «الحاجة إلى ترتيب يُرضي المصالح الاقتصادية لدول غرب أوروبا».

وتعطي هكذا مقاربة أيضًا اعتبارًا للتطلعات المشتركة التي نشأت بعد الحرب لضمان الاستقرار الأمني، وليكون

لأوروبا صوت أقوى في الشؤون العالمية، مع الصعود الأميركي والروسي. لقد نشأت العملة الموحّدة الأوروبية في سياقات هذه الدينامية وتبدلاتها في منعطفات مهمّة ساهمت في تطوير

السياسة النقدية، أكان ذلك عقب انهيار سياسة برتن وودز النقدية العالمية، أم مع اتفاقية السوق الأوروبية الواحدة،

ثم في تغريّات النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وإعادة توحيد ألمانيا، والانفتاح التجاري العالمي.

4 المصدر نفسه، ص 27، 44، 0.14212 و

5 David P. Calleo, Rethinking Europe’s Future (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001), p. 288.

6 المصدر نفسه، ص.289

7 Milward, pp. 198, 223.

-1 من النظام النقدي الى العملة الموحّدة تشكّل «النظام النقدي الأوروبي المشترك» سنة 9791 كآلية لضبط أسعار صرف العملات الأوروبية (بهامش

تقلُّب لا يتعدّى زائد أو ناقص.252 في المئة بالنسبة إلى معدل قياسي لوحدة العملات، مع استثناءات مهمّة)،

وحاجة فرضتها السوق المشتركة بعد انهيار نظام برتن وودز النقدي العالمي (ربط العملات الأوروبية بالدولار)

في أوائل السبعينيات. وشكّل أحد أهم المؤثرات في إعادة الدينامية إلى المشروع الأوروبي بعد فترة ركود في

السبعينيات، وساعد على تأكيد استقلالها في الشؤون الدولية، وشجّع على توطيد معدلّات تضخم منخفضة

ارتباطًا بمبدأ التخفيض الدائم في معدّل التضخم الذي تبنّته الدول الغربية في أواخر السبعينيات. كما عزّز

النظام النقدي موقع ألمانيا، في أول مبادرة رئيسة لها على المستوى الأوروبي، وتقوّت معه أواصر التعاون الألماني-

الفرنسي، إذ شكّل المارك الألماني العملة الوطيدة في ضبط أسعار الصرف بسبب معدلات التضخم المنخفضة

في ألمانيا وبسبب قوة الاقتصاد الألماني. وفي المقابل شكّل بالنسبة إلى فرنسا المكوّن الأساس في استراتيجيتها

النقدية باستخدام الربط المحكم بالمارك الألماني من أجل مكافحة التضخم، والحفاظ على مصداقية الفرنك

الفرنسي وقوّته.

جاءت العملة الموحّدة الأوروبية لترسو على نجاحات هذا النظام، لكن تحرُّكها دوافع جديدة حصلت مع

منعطف أوروبي تمثّل في معاهدة «القانون الأوروبي الواحد» (987-19861)، وإقرارها مبدأ السوق

الأوروبية الواحدة، تزامنا مع الاندفاعة التجارية التحررية الأميركية إبّان عهد رونالد ريغان؛ فنظرًا إلى أن

تطبيق السوق الواحدة سيُطرح بشكل أولّي كتحرير للأسواق المالية، نشأ منذ البداية تفكير في أن السوق الواحدة

ستحتاج إلى العملة الواحدة. كانت الدول الأوروبية حريصة على أالّ تخسر في إطار خطوة اندماجية جديدة

سيادتها الوطنية في مجالات حسّاسة، ولذلك ترافقت السوق الواحدة، في إطار معاهدة «القانون الأوروبي

الواحد»، مع تقوية المؤسسات الأوروبية ذات الطابع الحكومي، بحيث جرت مأسسة الاجتماعات الرئاسية

في صيغة «المجلس الأوروبي» كمشرّع رئيس للقرارات الأوروبية. وكان واضحًا أن ما سيتم تحقيقه من تقدّم

في السوق الواحدة سيعتمد بالتالي على استعداد الحكومات وقبولها (وحتى الحين لم تدخل السوق الواحدة

قطاعات مهمّة كالطاقة والخدمات الاجتماعية...).

هيمن في غمرة إنشاء العملة الأوروبية الموحّدة من البداية منطق الإسراع في اعتمادها أكثر من أي اعتبار آخر.

وتتالت خطوات تحقيقها بسرعة، مع تحويل النظام النقدي الأوروبي المشترك من نظام مرن إلى نظام ثابت في

سنة 987 1، ومن ثم تقديم رئيس المفوّضية الأوروبية جاك دي لور في حزيران/ يونيو 9881 تقريره

حول خطة تطوير وحدة نقدية في ثلاث مراحل. وبدأ تنفيذ المرحلة الأولى (-1990 9941)، التي هدفت إلى

تحرير حركة رأس المال تحريرًا كامالً، وتحقيق اندماجًا كليًّا للأسواق المالية، حتى قبل الموافقة عليها على شكل

معاهدة في ماستريخت (-1992 993.)1 وبعد المعاهدة، جرى تنفيذ المرحلة الثانية (999-19951)، وهي

8 شملت الاستثناءات إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبريطانيا بتحديد هامش تقلّب لأسعار عملتها بنسبة 6 في المئة إزاء وحدة العملات

الأوروبية، التي أصبحت عملة الحساب في المجموعة الأوروبية، وسلف للعملة الأوروبية الموحّدة.

9 George Zis, “The European Monetary System, 1979-1984: An Assessment,” Journal of Common Market Studies , vol. 23 (September 1984). 10 Rawi Abdelal, “The Politics of Monetary Leadership and Followership: Stability in the European Monetary System since the Currency Crisis of 1992,” Political Studies , vol. 46, no. 2 (June 1998), p. 236.

11 استجابت أوروبا لضغط الإدراة الأميركية بموافقتها على بدء مفاوضات جولة الأوروغواي للغات في أيلول/ سبتمبر 9861، وهي

الجولة التي انتهت بإنشاء منظمة التجارة العالمية في.1995/1/1

12 مع النظام الثابت لم تعد الدول قادرة على إعادة ترتيب معدلات الصرف المركزية لعملاتها.

مرحلة التأسيس والانتقال إلى العملة الموحّدة، بطريقة قفزت فوق الأحداث والمعايير. وقد حصل، للمفارقة،

تأسيس العملة الواحدة بعد الأزمة النقدية الطاحنة سنة 9921 واضطراب الأسواق (نتيجة رفع قيمة المارك

الألماني)، واضطرار إيطاليا وبريطانيا إلى الخروج من النظام النقدي، ورفع هامش تقلّب النظام النقدي الأوروبي

للعملات إلى نسبة 15 في المئة (بدلا من 5٫2 في المئة). وتم إنجاز المرحلة على حساب تحقيق معايير التقارب،

ففي وقت متأخر من سنة 9971، كانت لوكسمبورغ وفنلندا فقط من بين دول الاتحاد الأوروبي اللتان حققتا

هذه المعايير، والحكومات الرائدة في أوروبا القارية «استجابت بمزيج من تخفيضات قاسية وحسابات بدرجة

من الابتداع»، وسُمح باستثناءات في شأن المعايير لدول مثل إيطاليا وبلجيكا، اللتين زادت نسبة دينهما من

الناتج المحلي على 06 في المئة (بمعدل ضعفين تقريبًا) وقبول دخولهما شريطة أن تكون نسبة ديونهما متجهة نحو

الانخفاض. وحصل ذلك لكي يجري إخراج العملة الأوروبية إلى النور سنة 9991 (وإلى حيّز التداول سنة

-2 العملة الموحّدة: اعتبارات ودوافع كانت الجدوى الاقتصادية للعملة الموحدة موضع تساؤل من البداية؛ فتصوّر أن السوق الواحدة تستدعي

العملة الواحدة لم يكن له أساس اقتصادي. وبحسب كاترين ماكنمارا، «كان الفاعلون في دفع التكامل النقدي

إلى الأمام هم القادة الوطنيين ونخب صنّاع السياسات، بينما وفّرت مجموعات المصالح المجتمعية، في أحسن

الأحوال، إجماعًا متساهالً». وغلبت الاعتبارات الاستراتجية في رؤية المنفعة الاقتصادية للعملة الموحّدة.

ولذلك رآها البعض محاولة طموحة تندرج «في صميم الجهود المبذولة لدمج غرب أوروبا»، أي إنها

مسعى سياسي بالدرجة الأولى. ويرى غيلبن أن الاندماج الاقتصادي لا يقود بالضرورة إلى اندماج سياسي،

فاقتصادات أميركا الشمالية – الولايات المتحدة وكندا والمكسيك – تجمعها في إطار اتفاقية «النافتا» درجة مهمّة

من الاندماج الاقتصادي تفوق أوروبا، «لكنها لا تواجه ضغطًا لاندماج سياسي بينها». جرى تصوير منافع العملة الموحّدة بالعلاقة بسياقين. الأولداخلي، لتغليب وجهة الاندماج الاقتصادي على

الانقسامات الوطنية، وتندرج فيه مسائل مثل الكفاءة التجارية ومحاربة التضخم وإلغاء التنافس على تخفيض

العملات وزيادة الشفافية، وبشكل عام تسريع الاندماج الاقتصادي والسياسي والمالي. والسياق الآخر

خارجي بهدف تقوية التكتل الأوروبي في المنافسة الدولية، كتقوية الموقف التفاوضي الأوروبي عالميًا، وإعادة

هيكلة قطاع الأعمال للمنافسة العالمية، وكذلك مساعدة الدول في أن لا تقاوم بمفردها قوى السوق المستقوية

في ظل العولمة. وتوقّع بعض الاقتصاديين نتائج سيئة لها نظرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يشكّل المنطقة الأمثل لتوحيد العملة،

13 Calleo, p. 193. 14 Marco Annunziata, The Economics of the Financial Crisis: Lessons and New Threats (Houndmills, Basingstoke; New York: Palgrave Macmillan, 2011), p. 177. 15 Kathleen R. Mcknamara, “Economic and Monetary Union: Innovation and Challenges for the Euro,” in: Helen Wallace, William Wallace and Mark A. Pollack, eds., Policy-Making in the European Union , New European Union Series, 5 th ed. (Oxford; New York: Oxford University Press, 2005), p. 143. 16 Robert Gilpin, The Challenge of Global Capitalism: The World Economy in the 21st Century , with the Assistance of Jean Millis Gilpin (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000), p. 196.

71 المصدر نفسه، ص.194

81 مقتبسة من: المصدر نفسه، ص.205

91 مقتبسة من: المصدر نفسه، ص.205

وإنما المنطقة الأمثل هي تلك التي تتقاسمها بلدان «تميل إلى أن تكون عرضة لصدمات اقتصادية مشتركة، وتنتقل

فيها العمالة ورأس المال بسهولة نسبية»، بينما منطقة اليورو بعيدة عن هذه الحالة لأنها «تتشكل من بلدان لديها

بنى اقتصادية مختلفة جدًّا»، وحيث «انتقال العمالة فيها عبر الحدود الوطنية أمر لا يُذكر بسبب الاختلافات في

اللغة والثقافة». ولذلك، ستعرّض العملة الموحّدة أعضاءها ل «مزيد من الصدمات الاقتصادية وانخفاض

قدرتهم على التعامل معها». وقد ينتج من ذلك «ركود طويل ومؤلم» في المناطق المتعرضة، وسيكون «من

الصعب التكهّن بقبول المواطنين ممارسة درجة عالية من الصبر حيال أزمات طويلة». ومن الممكن التخفيف

من هذه الحالة من خلال تحويلات في الميزانية من المناطق الأكثر تطوّرًا إلى الأقل تطوّرًا، كما يحصل على مستوى

بلد واحد بين شمال إيطاليا وجنوبها أو داخل الولايات المتحّدة الأميركية، على سبيل المثال. يفيد في تفسير معنى الارتباط بين العملة الموحّدة والسوق الواحدة فهم الدوافع الخاصة للدول الأوروبية

نفسها، ومخاوفها من أن يؤدي تحرير الأسواق المالية إلى هيمنة واضحة للمارك الألماني. لقد كان «من المفترض

أن «تؤرب» اليورو التطوّر المحتمل نحو مارك ألماني يديره طرف واحد (ألمانيا)». ومن الصعب القول ما

إذا كان هذا المشروع سينجح في غياب إعادة توحيد ألمانيا، التي شكّلت الثمن السياسي لمقايضة اليورو. ويرى

غيلبن أن «مفاضلة بين المصالح السياسية والاقتصادية شكّلت قاعدة أساسية للتحالف الفرنسي- الألماني»،

باعتبار أن ألمانيا ستكون المستفيد الأكبر من قيام السوق الواحدة وتوسيع الاتحاد الاوروبي، «وفي موقعها بين

الشرق والغرب الأوروبيين أرادت سياسة أوروبية مشتركة اقتصادية وخارجية وأمنية»، و»فرنسا ستستفيد

أيضًا، لكنها كانت معنيّة أكثر بالحصول على قدر من التحكّم على ألمانيا الموحّدة والقوية». وهي مفاضلة

ظل الحذر يشوبها من الجانبين، ومن جانب جمهورهما. فبينما واجه المستشار الألماني حينها (هيلموت كول)

«مشكلة سياسية رئيسة في إقناع مواطنيه» باستبدال المارك الألماني الذي يعتزوّن به، أظهر الاستفتاء الفرنسي

على معاهدة ماستريخت في أيلول/ سبتمبر 9921، وهو الاستفتاء الذي بالكاد نجح، موقفًا فرنسيًا ضعيفًا تجاه

التوحيد السياسي. العملة الأوروبية التي نجمت عن هذه المفاضلات ولدت ناقصة ومقيّدة بالسياسة الألمانية النقدية الصارمة.

فقد كانت ألمانيا حريصة على يورو قوية مع إبقاء التضخم منخفضًا، وعدم إعطاء البنك المركزي الأوروبي أي

وظيفة أخرى غير الحدّ من التضخم، في مواجهة الاعتبارات المغايرة لاعتبارات شريكها الفرنسي الذي يعطي

أولوية لدفع النمو الاقتصادي وخلق وظائف بدل محاربة التضخم، ويفضّل عملة أوروبية أضعف. في إطار السياسة النقدية الموحّدة، تنازلت الحكومات الوطنية عن مسؤولياتها بالنسبة إلى السياسة النقدية.

وتحمّل البنك المركزي الأوروبي المسؤولية كاملة في هذا المجال، وباستقلالية عن جميع المؤسسات الأوروبية، أي

باستقلالية لا تقارن بأي بنك مركزي آخر، رغم أنه يبقى في النهاية عاكسًا لميزان القوى بين الدول الأوروبية.

وقد أعطيت للبنك المركزي الأوروبي وظائف محدودة، بحسب نظامه الداخلي، الذي يحدّد له هدفًا رئيسًا واحدًا

20 Annunziata , p. 176. 21 Gilpin, p. 208.

22 المصدر نفسه، ص.209

23 Kess van der Pijl, Otto Holman and Or Raviv, “The Resurgence of German Capital in Europe: EU Integration and the Restructuring of Atlantic Networks of Interlocking Directorates after 1991,” Review of International Political Economy , vol. 18, no. 3 (October 2011), p. 391. 24 Gilpin, p. 199. 25 Calleo, p.191.

وهو الحفاظ على استقرار الأسعار، وهدفًا عامًّا هو «دعم السياسات الاقتصادية للمجموعة الأوروبية».

ووضعت معاهدة ماستريخت عليه شروطًا وضوابط بأن حظّرت التمويل المباشر للهيئات الحكومية عن طريق

البنوك المركزية إالّ لغرض السياسة النقدية. وبذلك، لم تنقل مهمّتا البنك المركزي الأساسيتان في النطاق

الوطني، المسؤولية النهائية عن استقرار النظام المالي أو إصدار سندات دين على نطاق المنظومة، إلى المستوى

الأوروبي؛ فالتحوّل نحو نظام نقدي موحّد لم يكن تحواّلً مكتملاً. اعتمدت العملة الأوروبية في المقابل على سياسة مالية غير مضبوطة، في إطار ما يسمّى ميثاق النمو والاستقرار

المالي، الذي يضع تقييدات على معدلات عجز الميزانيّة الحكومية بأن لا تتجاوز 3 في المئة من الناتج المحلي، وعلى

نسب الدَّين العام بأن لا تتجاوزِ 06 في المئة من الناتج المحلي، لكنه يترك للحكومات مسؤولية تقرير سياساتها

المالية على المستوى الوطني ضمن هذه الحدود، ولاجتماع وزراء المالية الأوربيين (إيكوفين) تقدير الظروف التي

قد تبرر العجز الزائد أو لا تبرره. وأضافت معاهدة ماستريخت إلى تلك الشروط بندًا يعتبر أن لا الدولة العضو

ولا المجموعة الأوروبية مسؤولة عن، أو تتحمّل، التزامات لدولة أخرى. هذه الضمانات كانت الحد الأدنى

للاتفاق بين بلدان لها تاريخ مختلف من التعامل مع الانضباط المالي. لقد دشنّت معاهدة ماستريخت أيضًا نهج المسارات الخاصة؛ فبريطانيا لم تكن معنيّة بتعميق عمليّة الاندماج،

لكن موافقتها على تمرير الاتفاقية سمحت بأن تندرج معاهدة ماستريخت في النطاق المؤسساتي للاتحاد الأوروبي.

وبذلك، طبّقت الاتفاقية المبدأ الديغولي بأن «يكون لدى الدول المستعدة الحق في المضي قدُمًا في أشكال جديدة

للتعاون». ومن مجموع 72 بلدًا في الاتحاد الأوروبي، انضوى في منطقة اليورو 71 بلدًا، لكن المنطق وراء

إنشاء العملة الموحّدة استمر في فتح الأبواب لأعضاء جدد.

ثانيًا: عقد على اليورو، الجمع الصعب

طغت بعد معاهدة ماستريخت (993-19921)، على مستوى العمل الأوروبي المشترك، سياسات التوسّع على

فعل الاندماج؛ إذ إن جميع المعاهدات الأوروبية التي تلت انعطافة ماستريخت، كاتفاقيتي أمستردام (9971)

ونيس (001 2)، وصوالً إلى معاهدة لشبونة (0092)، كانت تعديلات تنظيمية على اتفاقية الاتحاد الأوروبي

لاستيعاب توسّعه شرقًا. وعلى المستوى الوطني، رأى بعض المحللين أنه كان هناك «نوع من رد فعل ضد

نزعات مركزية داخل الاتحاد الأوروبي منذ الانتهاء من المعاهدة»، وتجسّد في «مقاومة حكومات الدول الأعضاء

نقل مزيد من الصلاحيات للمفوّضية، والسعي لأشكال تنسيق بين السياسات اكثر ليونة». وظهرت

سياسات حمائية في مقاومة استكمال السوق الواحدة بوجود معارضة لتوحيد الأسواق واللبرلة الاقتصادية

في قطاعات خدماتية رئيسة، خاصة تلك التي ترتبط بمجتمع الرفاه، رغم الدعم الذي وفّرته قرارات محكمة

العدل الأوروبية المؤيدة لتحرير اقتصادي في هذه القطاعات.

26 Hanspeter K. Scheller, The European Central Bank: History, Role and Functions , 2 nd revised ed. (Frankfurt am Main: European Central Bank, 2006), on the web: <http://www.ecb.int/pub/pdf/other/ecbhistoryrolefunctions2006en.pdf?d63035648f6d7925e221e2ee05a7623f>. 27 Mcknamara, p. 150. 28 Calleo, p. 288.

92 انضمت إستونيا في 011/1/12 رغم الأزمة المالية.

30 Wallace, Wallace and Pollack, eds., p. 507.

31 المصدر نفسه.

رغم ذلك، شك لت المعاهدة، بشقيّها، بشأن سياسة نقدية لتحقيق العملة الأوروبية الموحّدة كما وإنشاء الاتحاد

الأوروبي، خطوة تكيّف مهمّة مع الواقع الجديد المتجّه نحو التوسّع الأوروبي شرقًا وعالميًا. فالاتحاد الأوروبي،

الذي شكّل عنوانًا لمظلة جمعت الاتفاقيات الأوروبية السابقة، وعزّز الوضع المؤسساتي، وأضاف إلى نطاق

السياسات الأوروبية سياسات جديدة تتعلق بالخارجية والدفاع والأمن الداخلي والعدل، قدّم إطارًا تنظيميًا

ممهّدًا لتطوير السياسات. أمّا السياسة النقدية الموحّدة، وصوالً إلى تحقيق عملة اليورو، فقد وفّرت إطارًا جامعًا

عمّق الإعتماد المتبادل بين الدول المنضوية فيها. رأى البعض أن معاهدة ماستريخت عربّت عن انتهاء مرحلة، كانت الدينامية الاندماجية فيها تحرّكها سيرورة

من المبادرات الفرنسية لاحتواء الانبعاث الألماني و«أوربته»، وأنه حصل انتقال إلى دينامية جديدة لإعادة

تجهيز الاتحاد الأوروبي على أسس نيوليبرالية، وذلك بعد أن استنفدت الدينامية السابقة دورها مع إعادة

توحيد ألمانيا سنة 991 1، ومع دخول ملحوظ للمصالح الخاصة للشركات العابرة الكبيرة على خط تقرير

السياسات الأوروبية. انتقلت الدول الأوروبية الكبرى تدريجيًا، ومنذ التسعينيات، إلى التموضع العالمي عبر الوطني transnational()،

وحصل ذلك بتفاوت في النجاح بين دولها، وبتقدم ألماني واضح ليس أوروبيًا فحسب، بل عالميًا أيضًا. وتوضّح

دراسة كيس وهولمان ورافيف أن التشبيك الإداري (التشارك بمديرين اثنين أو أكثر)، الذي كان في سنة

9921 ضعيفًا جدًا بين الشركات الأوروبية وقويًا بين الشركات الأميركية، شهد تطورًا، وبشكل لافت، بعد

سنة 0002 باندماجه على المستوى الأطلسي (أي مع الشركات الأميركية) وباحتلال الشركات الألمانية الدور

المركزي فيه. ويخلص الباحثون إلى استنتاجين: الأولهو «العودة إلى مجموعة أطلسية واحدة، وهذه المرّة مع

الشركات الألمانية في المركز» لا الأميركية. والثاني «هو الانفكاك الجزئي للرأسمال الألماني عن الاتحاد الأوروبي

كمنطقة توسّع بعد سنة 000 2». في إطار هذا النزوع الأوروبي، بدا «الاندماج الأوروبي أفضل وسيلة لكسر (ما اعتبُر) التصلّب الأوروبي

European Scelorsis) (المزروع عميقًا في اقتصادات أوروبا الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية – أكان

في أسواق العمل غير المرنة، أم في الإنفاق المالي والضرائب المرتفعة والأنظمة غير التنافسية»؛ فمزيد من

الاندماج سيعني تطويع الإرادة السياسية الوطنية، لأن أوروبا «لا يمكن في هذه الحال أن تقبل الحلول الوسط

على أساس القاسم المشترك الأدنى المقبول لدى مختلف الدول». لقد كانت أوروبا، بحسب ديفيد كاليو، في حالة توتر «بين النيومركانتيلية الأوروبية، الموجّهة نحو المنافسة

الهجومية، ودولة الرفاه، الموجّهة نحو السلم الإجتماعي»، وهو توتر ينحو إلى الاشتداد تحت ضغط التطوّر

التكنولوجي والوصول إلى الأسواق العالمية. واعتبر أن الطريقة الوحيدة للتوفيق بين هذين التنازعين كانت في

32 Van der Pijl, p. 393.

33 المصدر نفسه، ص.385

34 المصدر نفسه، ص 93-392.3

35 تتبّع الباحثون في دراستهم شبكة المديرين المتعددين، وهي أقرب إلى شبكة من المتخصصين منها إلى مديرين فعليين، باعتبارهم

الدائرة الداخلية في نظرية النخبة للشركات. انظر: المصدر نفسه.

36 المصدر نفسه، ص.401-399

37 Calleo, p. 230. 38 Gilpin, p. 213.

«ممارسة الحمائية في الداخل، جنبًا إلى جنب مع الاستثمار المباشر الكثيف في الخارج»؛ فبينما تستثمر أوروبا

بشكل مكثّف في الخارج، ف«لا تزال الدول الأوروبية في كثير من الأحيان تقاوم عمليات الاستحواذ للشركات

الوطنية حتى من قبل شركات أوروبية أخرى». بدت أوروبا أيضًا في حالة انفصام بين ترجمة نزوعها المركنتيلي في علاقاتها التجارية الخارجية وبين سوقها الداخلي؛

فمع صوغ ما سمّي استراتيجية «أوروبا العالمية» سنة 0062، بدأ الاتحاد الأوروبي يعقد اتفاقيات تجارية حرّة

(توقيع اتفاقية مع كوريا الجنوبية وبدء مفاوضات مع كندا) من نوع جديد ومختلف عن الاتفاقيات الأوروبية

السابقة (التي اقتصرت على تحرير تجارة السلع وليس الخدمات)، وأقرب إلى الاتفاقيات التجارية الأميركية الحرّة

ذات الطابع الشمولي. إن هذه الحالة الأوروبية التي تسعى إلى ممارسة حرية تجارية أقوى في الخارج، خاصة مع

ما بدأ يظهر من نزوع إلى مفاوضات مع الولايات المتحدة لتحرير الخدمات بعد فشل مفاوضات منظمة التجارة

العالمية في الدوحة في أواخر سنة 011 2، تزيد من الضغط لتغيير السياسات الداخلية. كان التباعد في السياسات الداخلية للدول الأوروبية المعْلم الأهم لهذه المفارقات. وقد عملت ألمانيا على

تحولّها منذ أواخر السبعينيات، وبشكل دائم (إلى هذا الحد أو ذاك)، إلى «علاجها التقليدي في السعي لميزانية

متوازنة وسياسة نقدية صارمة»، ول«جعل نموّها الاقتصادي يعتمد على كبح نمو الطلب المحلي بهدف

خفض التكاليف والأجور والأسعار... ومن أجل تعزيز الصادرات». وتعمّقت هذه السياسة في العقدين

الأخيرين تحت ضغط الوحدة الألمانية، لتعزيز التنافسية في إطار العولمة وصعود التحدي الآسيوي. واعتبر

البعض أن إعادة توحيد ألمانيا دمّرت اقتصاد ألمانيا الفدرالية، و«فرضت ضريبة كبيرة على نظام التأمينات

الاجتماعية القائم لجمهورية ألمانيا الاتحادية إلى نقطة الانهيار، وبالتالي قامت بتسريع عملية الانتقال من الليبرالية

إلى النيوليبرالية». هذا، في حين عملت الدول الأوروبية الكبيرة الأخرى في نهج مغاير، واختلفت السياسات

الأوروبية حول «الأفضليات الوطنية بشأن التوازن بين القطاعين العام والخاص، وبين حماية العمالة وخلق

فرص العمل، وبين الشركات والبنوك كمشاريع وطنية أو متعددة الجنسيات». هذا التباعد ستظهر نتائجه

بشكل أوضح بعد دخول العملة الأوروبية الموحّدة حيّز التداول. -1 العملة الموحّدة: خلل التوازنات والتصحيح الصعب خلال عقد على تداول عملة اليورو، ازداد التباعد بين دول اليورو أوروبية بدال من أن تتقارب؛ إذ توسعت

الهوّة الاقتصادية، وزادت فوارق الإنتاجية، وتضخمت الفجوة التجارية، كما حصل انتقال رؤوس أموال

على مستوى عال بين المصارف من البلدان المتقدمة إلى بلدان الجنوب. لقد أدّت اليورو الى ارتفاع الأسعار

والأجور في الدول ذات العملات الأضعف سابقًا، بينما كان التأثير معكوسا بالنسبة إلى ألمانيا بسبب قوّة المارك

الألماني في وقت سابق على اليورو. وزاد ذلك في تنافسية البضائع الألمانية في الأسواق الأخرى، معزّزًا الفجوة

التجارية ومساهمًا في زيادة الخلل في الهيكل الاقتصادي لدول الأطراف. ويقدّر أن الخسارة في التنافسية لدى

39 Calleo, p. 228.

04 المصدر نفسه، ص.227-225

41 Raymond J. Ahearn, “Europe’s Preferential Trade Agreements: Status, Content, and Implications,” (Congressional Research Service, CRS Report for Congress, 3 March 2011). 42 Alan Beattie, “Rich Economies Eye Deal outside Doha,” Financial Times , 12/12/2011. 43 Robert Brenner, The Economics of Global Turbulence (New York: Verso Press, 1997), p. 229. 44 Van der Pijl, p. 402. 45 Wallace, Wallace and Pollack, eds., p. 491.

دول الأطراف الأوروبية بالنسبة إلى ألمانيا في الفترة 1999 - 0092 وصلت إلى ما نسبته 03 إلى 04 في المئة.

وترتّب على انخفاض الفوائد على القروض بالنسبة إلى تلك الدول، تسهيل الأمر على الحكومات والشركات

والمصارف والأفراد للاقتراض بشروط أفضل، مؤديًا الى تسارع كبير في النمو الائتماني. والمفارقة هي أن في الوقت الذي كانت الإنتاجية النسبية تضعف في بعض البلدان المتأثرة، كانت معدلات النمو

الاقتصادي تزداد، ذلك أن رؤوس الأموال الوافدة الى تلك البلدان منذ سنة 0032 كانت على شكل قروض،

في حين أن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يشهد ازديادًا. ولم يشكّل التدهور في الميزان التجاري للدول المعنية

ضائقة آنية في ظل العملة الموحّدة، بالنظر إلى أن تلك الدول لم تكن بحاجة إلى عملة صعبة لسد هذا العجز،

الذي كان يسجّل في حسابات البنك المركزي الأوروبي (تحت بند «تارغت تو») بين البلدان المصدِّرة والبلدان

المستورِدة من خلال المعاملات المصرفية للبنوك المركزية، بحيث إن مطالبات البندز بانك الألماني من البنوك

المركزية للدول المستورِدة وصلت إلى نصف تريليون يورو عند اندلاع الأزمة الاقتصادية، ولو جرى الاستغناء

عن اليورو في بداية الأزمة المالية لخسرت ألمانيا هذا المبلغ. ولذلك، اعتبر المحللون أن العجز التجاري بين

دول اليورو يعربّ، بهذه الطريقة، عن أن دوالً أوروبية تعتاش على حساب دول أخرى. ويوضح أنونزياتا أن تدهور الميزان التجاري كان أكثر أهمية لدى الدول التي عرفت نموًا مفرطًا في التحويلات

الائتمانية، وفي زيادة الاستهلاك العام والخاص؛ إذ ارتفعت في اليونان نسبة العجز التجاري من 3 في المئة من

الناتج المحلي سنة 9981 الى 14 في المئة من الناتج المحلي سنة 0072، ووصلت في سنة 0082 في البرتغال إلى

1.61 في المئة، وفي إسبانيا الى 9.7 في المئة، وفي إيرلندا إلى 5.2 في المئة، وهي البلدان التي شهدت معدلات

نمو اقتصادي مرتفعة في تلك الفترة، مقارنةً بنِسب نمو منخفضة في إيطاليا، التي لم تتأثر بهذه الظاهرة

التوسعية الائتمانية. ويعتبر الكاتب أن البلدان التي عاقبتها الأسواق بشكل أكبر خلال الأزمة المالية كانت تلك

التي كانت نسبة العجز التجاري من الناتج المحلي فيها أعلى. لا شك أن حالات عدم التوازن هذه كانت ذات أثر أيضًا في قدرة الحكومات على التحكم في المعايير المالية

للعملة. وقد اهتز المبدأ الذي يلقي على الحكومة الوطنية «مسؤولية تنفيذ سياسات الاتحاد الأوروبي على أساس

الثقة المتبادلة والالتزام، مع وجود احتمال لتحدّي هذه القاعدة من قبل محكمة العدل الأوروبية». وكانت

الدول الكبيرة (مثل ألمانيا وفرنسا) هي البادئة في خرق الانضباط في سنتي 0030042 و 2، أي البقاء عند

حدود نسبة لعجز الموازنة الحكومية لا تزيد على 3 في المئة من الناتج المحلي، وكان من الصعب تصوّر بقاء العجز

الحكومي عند هذه النسبة لدى حكومات الدول الضعيفة التي تعاني اختلالات متزايدة في بُناها الاقتصادية،

وقد كان هناك عند بداية الأزمة المالية سنة 0082 ست دول مخالفة. بدت الأزمة المالية وكأنها استحدثت شروطًا لفرصة تصحيحية في هذا المجال؛ فالدول المأزومة كانت معدومة

الإرادة أمام سطوة الأسواق، في ظل سياسة نقدية غير مكتملة وضعتها أمام مصدر واحد للجوء إليه من أجل

46 Annunziata, p. 179.

74 يظهر انكشاف واضح للبنوك الألمانية والفرنسية بنسبة 24 في المئة لكل منها على القروض الإسبانية، و 801 و 3 في المئة على التوالي

على القروض البرتغالية، و 15 و 26 في المئة على التوالي على القروض اليونانية.

Costas Lapavitsas, etal., Crisis in the Eurozone (London and New York: Verso Press, 2013), pp 83-4, 87-8. 48 Christian Rickens, “European Debt Crisis: The Hidden Risks Lurk in ECB’s Accounts,” Spiegel on Line , 26/3/2012. 49 Annunziata, p. 179.

05 المصدر نفسه، ص.181

51 Wallace, Wallace and Pollack, eds., p. 496.

بيع سنداتها كشكل من أشكال الاقتراض، وهي البنوك التجارية، معظ مة من سطوة الأسواق المالية، إذ لا

تستطيع تغيير سعر صرف العملة ولا الاعتماد على بنك مركزي كملجأ أخير. وازدادت هيمنة الدول ذات

القدرات المالية على تقرير سياسات الدول الأخرى، وبرزت ألمانيا كقوّة مهيمنة في الأزمة. وقد أظهرت النتائج

المترتبة على جعل البنوك تحل محل الحكومات في خلق المال مخاطر للقروض ذات الفائدة على الدَّين العام.

والبنوك المركزية التي نشأت تاريخيًا لتقوم بالتغلب على هذا الوضع تدفع باتجاه أن يقوم البنك المركزي الأوروبي

بتويلّ أمر هذا الدور، ولو بالتدريج. لقد عملت السياسات الأوروبية خلال الأزمة المالية بين هذين الحديّن، في دفع إملاءات على البلدان المتأزمة

(أو غيرها) تعكس وجهة تصحيحية تنتصر للسياسة النيوليبرالية، من جهة، وسياسة تعطي البنك المركزي

الأوروبي - وبشكل تدريجي - وظائف استثنائية متزايدة، من جهة أخرى. لكن المأسسة الفعلية لهكذا سياسات

تنتظر توافقًا سياسيًا أقوى ومساومات صعبة وشاقة بين الدول، لا تزال نتائجها غير معروفة.

ثالثًا: الأزمات المالية والسياسات الأوروبية

تظهر الأزمة المالية الأوروبية كأزمة مركبّة؛ فهي من ناحية، جزء من الأزمة المالية العالمية التي أصابت المصارف

في صميم النظام المالي، وانعكست على النظام الاقتصادي ككل، كما أنها انجلت على معضلة أوروبية خاصة هي

معضلة عملتها الموحّدة اليورو. وإذا كانت هذه المعضلة عامالً أساسيًا مساهمًا في الأزمة، بخلقها فضاء ماليًا

مندمجًا سمح بتوسيع الإقراض والائتمان المالي، فإنها شكلّت معضلة أكبر في طريق مواجهة الأزمة. كان حجم التوسّع الائتماني الأوروبي، بحسب تقرير للبنك المركزي الأوروبي، أكبر من المعدلات العالمية

خلال فترة التداول بالعملة الموحّدة (-1999 0062)، وازداد كميًا بنسبة 84 في المئة في الفترة نفسها. وقد

حصلت الزيادة الأكبر في سندات الديون الخاصة (الصادرة عن مؤسسات مالية). ورغم أن المديونية الحكومية

زادت أيضًا، فإن أهميتها النسبية انخفضت. لكن التقرير، يقلّل رغم ذلك، من أهمية الأوراق المالية للديون

باعتبارها بقيت مستقرة نسبيًا، وتشكّل نسبة 15 في المئة من مجموع ما هو مطلوب. هذا، في حين كانت أسواق

التوريق الأوروبية غير متطورة حتى بضع سنوات مضت، ويقارنها التقرير بأسواق التوريق الأميركية التي

وصلت (قبل الأزمة) إلى ما يقارب 6٫8 تريليون دولار (5٫6 تريليون يورو)، بينما بلغ حجم أسواق التوريق

الأوروبية 8٫0 تريليون يورو. لم تقدّم السياسة الأوروبية معالجة فعلية لمشكلة الديون الخاصة في البداية، وذلك بسبب صعوبة الوصول إلى

سياسة أوروبية مشتركة (رفضت ألمانيا حينها فكرة اتحاد مصرفي أوروبي)، وتركت اجتماعات القمة الأوروبية

52 Michael Hudson, “Will Greece let EU Central Bankers Destroy Democracy?,” (Ekathimerini, 14/6/2011), on the Web: <www.ekathimeirni.com>.

53 للمقارنة، شكّلت الأوراق المالية للديون بعملة اليورو 72 في المئة من الإجمالي في سنة 0062 في مقابل ما نسبته 22 في المئة سنة

9991 (زادت قيمتها من 85. تريليون يورو إلى 9.8 تريليون يورو)، بينما شكّلت الأوراق المالية للديون بالدولار نسبة 43 في المئة

14 في المئة للفترة نفسها. والدول الأوروبية التي سجلت المعدلات الأعلى لهذا النمو كانت إيرلندا واليونان وفرنسا والبرتغال وألمانيا.

وتضاءلت الأهمية النسبية للسندات التي تقف وراءها السلطات الحكومية في دول اليورو من نسبة 75 في المئة سنة 9991 الى 74 في المئة

سنة.2006

Euro Bonds and Derivatives Markets (June 2007), pp. 7-8 and 10, on the web: <www.ecb.int/pub/pdf/other/ eurobondmarketstudy200706en.pdf >.

54 المصدر نفسه، ص 15، 7.25-241 و

سنة 0082 لكل حكومة القيام بما تراه مناسبًا لدعم مصارفها. وكما يُظهر أغليتا، سمحت «الحكومات الفرنسية

والألمانية والإسبانية لبنوكها بتجميد ديونها السيئة، بدالً من إجبارها على إعادة هيكلتها». كان على المصارف

الأوروبية أن تواجه المشكلات الناجمة عن انكشافها على الأزمة المالية الأميركية، كما على الأزمة المالية ذات البُعد

اليورو أوروبي. وتفيد التقديرات بأن درجة انكشاف البنوك الأوروبية على البنوك الأميركية وصلت إلى حدود

5 تريليونات دولار في سنتي 0072 و 0072، بينما كانت درجة انكشاف البنوك الأميركية على تلك الأوروبية

أقل من تريليون دولار للفترة 008-20052، وارتفعت إلى اكثر من تريليون بقليل في سنة 009 2. بهذا المعنى، لم تعبر الأزمة المالية الأوروبية بل تفرّعت إلى مجموعة من الأزمات لدول متعرضة لاضطراب

الأسواق وارتفاع الفوائد على سنداتها، قبل أن تبدأ بوادر سياسة أوروبية نحو القطاع المالي بعد ما يقارب ثلاث

سنوات على بدء أزمة اليورو. وقد هيمنت على السياسة الأوروبية في هذه الأثناء دوافع تصحيح مسار اليورو،

وتعميم سياسات التقشّف المالي، وإصلاح أسواق العمل أوروبيًا، بدءًا من التحكّم في مالية الدول الصغيرة عبر

القرض الإنقاذي، ومن ثم الوصول إلى صفقة بين الدول الكبيرة، ومعالجة مستمرة تخفيفية لمشكلة المصارف.

كانت السياسات الجزئية الأوروبية ممكنة بمساعدة البنك المركزي الأوروبي (الذي انطلق من وضع مريح)،

كي يتدخّل للفصل بين الأزمات، ولتجنّب تأثير تداعياتها وفق نظرية الدومينو. واستفادت السياسة الأوروبية

من التجربة الأميركية في محاولة تجنّب حالة إفلاس في وضع اليونان، لكي لا تنشر ذعرًا كما حصل تجاه إفلاس

شركة الخدمات المالية «ليمان براذرز». وعكست سياسة الخطوات الإنقاذية الجزئية، بشكل رئيس، مواقف القوة

الاقتصادية المهيمنة، ألمانيا، تاركة لاضطرابات الأسواق أن تنشئ وضعًا يحتاج إلى إنقاذ، وللسياسة الأوروبية أن

تتدخّل في اللحظة الحرجة، فارضة شروطها بأقل مقاومة ممكنة. -1 إنقاذ الدول الصغيرة: سياسات راهنة وأهداف بعيدة إن تأخر السياسة الأوروبية عن الفعل في الأزمات المالية للدول المتعرضة نشأ على قاعدة، وهي أن الإنقاذ

(اي الاستدانة خارج الأسواق أو عبر أي وسائل تخفيف أخرى) لا يستدعى إالّ عندما تصل معدلات الفائدة

على الديون السيادية إلى حد لا يمكن تحمّله. وظهر أن هذا الحد هو معدل فائدة قدره 7 في المئة أو ما يتعداه

قليالً، وذلك حتى لو تراكمت الفوائد والديون بطريقة تضرّ بقدرات البلد على الاستدامة على المدى الأطول،

كما حصل في الحالة اليونانية. وهناك داوفع كامنة أيضًا في تأخير سياسات الإنقاذ لجعل البلد يتحمّل أعباء

إضافية، كما حصل تجاه إيرلندا التي أخذت الحكومة على عاتقها دعم مصارفها المأزومة من خلال رفع معدلات

الاستدانة الخارجية. لقد نشأت الأزمة المالية العالمية بينما كان لا يزال هناك استحقاقات أوروبية أخرى لم تُستكمل بعدُ، وأهمها إنجاز

التصديق على معاهدة لشبونة التنظيمية، بعد أن تعرضت للعرقلة بفعل استفتاءين أُجريا في فرنسا وإيرلندا

سنة 0082 وأسفرا عن رفضها. وانتهى التصديق عليها في أواخر سنة 0092 بعد الاستفتاء الإيرلندي. لكن

القادة الأوروبيين كانوا قد هيأوا خطة لإنقاذ دول منطقة اليورو الصغيرة منذ أوائل سنة 0092، كان قد جرى

التوصل إليها من دون أن تُعلَن، وتبنيّ أنها ستحصل في إطار مشترك مع صندوق النقد الدولي، الذي تم

الاتفاق على مضاعفة موارده إلى مبلغ 005 مليار دولار من خلال مساهمات أوروبية بالدرجة الأولى (في قمة

55 Aglietta, p. 17. 56 Lapavitsas, p 109. 57 “EU Says ‘Solution’ Is Ready for any Euro-Zone Country in Trouble,” (Reuters, 3 March 2009).

شباط/ فبراير 009 2، وأُقر بعد شهر واحد في قمة العشرين). وانتظر تنفيذ هذه الخطة أكثر من سنة واحدة،

سبقه الوقوف على الأوضاع المأزومة في عدد من دول أوروبا الشرقية (تحتل المصارف الأوروبية الغربية في المنطقة

70 في المئة من مجمل الأرصدة بمبلغ يصل الى 1.2 تريليون يورو)، فضالً عن الركود الاقتصادي الأوروبي

سنة 0092، الذي ضاعف من وقع الأزمة المالية على البلدان المتأثرة. وعندما بدأ تنفيذ الخطة الإنقاذية لمنطقة

اليورو، ابتداء من اليونان، كانت الأوضاع السياسية قد تهيأت أيضًا بعد الانتخابات البرلمانية في أيلول/ سبتمبر

في اليونان (التي جاءت بحكومة اشتراكية ذات أكثرية برلمانية مريحة). جاء قرض الإنقاذ الأوروبي (بالاشتراك مع صندوق النقد الدولي) لليونان بقيمة 011 مليارات يورو (قمة

أيار/ مايو 0102) بعد سنتين متتاليتين من التأزم الاقتصادي والمالي في اليونان (ركود اقتصادي تفاقم في سنة

0092، وتزايد مطرد لمعدلات الفوائد على السندات الحكومية)، ووسط توقّعات مؤداها أن اليونان شارفت

على الإفلاس، أي أنها باتت تحتاج إلى أكثر من قرض إنقاذ. ورغم ذلك، لم يكن هذا القرض ميرسًّا، بل كان

بمعدلات فائدة عالية (5 في المئة على القرض الأوروبي بقيمة 80 مليار يورو، و 3 في المئة على قرض صندوق

النقد الدولي بقيمة 0 3 مليار يورو)، وعلى أساس أن يغطي حاجات اليونان لمدة ثلاثة أعوام. ووضِعت اليونان

خارج مضاربات الأسواق، كما وضِعت، في سبيل تطبيق مشروطية القرض للتقشّف والإصلاح، تحت إشراف

وتحكّم ثلاثي من جانب «ترويكا» تضم ممثلين عن المفوضيّة الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق

النقد الدولي. كانت طبيعة القرض أيضًا تجارية، ضمن آلية مؤقتة مدتها ثلاثة أعوام يتعهدها صندوق إنقاذ مسجّل كشركة

تجارية برأس مال قدره 044 مليار يورو (ومن مساهمات دول منطقة اليورو الأوروبية، كل حسب حجمها)،

ويعمل بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي (ومساهمته قدرها 025 مليار يورو). وعربّ ذلك عن نزوع أوروبي لا

يتوخّى التضامن السريع، كما أكّدت المستشارة الألمانية (في 010/3/172) أن التضامن «يجب أن يتأسس على

التزامات تشكّل أساس العملة الموحّدة». ومع إنشاء الصندوق المؤقت في أيار/ مايو 0102، تبنّى البنك المركزي الأوروبي آليات إجرائية جديدة مؤقتة

تسمح له بشراء السندات الحكومية مباشرة من الحكومات. وتُرك للبنك المركزي تفعيل هذه الإجراءات بحسب

الظرف، وبالتحديد عندما تُطرح الحاجة إلى تجنب تزامن الأزمات أو التخفيف من مضاربات الأسواق. حتى

ذلك الحين، كانت آليات البنك الإجرائية المؤقتة (ومنذ سنة 0072) مقصورة على دعم المصارف، كتخفيض

معدّل الفائدة إلى 1 في المئة، وتوفير مجموعة تدابير للتيسير الكمّي، وشراء سندات حكومية من الأسواق. تميّزت السياسة الأوروبية في هذه المرحلة بقدر كبير من التحكّم لم يسمح بمفاوضات فعليّة مع البلد المعني

بعملية الإنقاذ. وكانت قدرة المناورة لدى اليونان، والدول الأوروبية الأخرى التي تبعتها على طريق الإنقاذ

نفسه، كإيرلندا في تشرين الأول/أكتوبر 0102 (بقرض قيمته 7.56 مليار يورو)، والبرتغال في نيسان/

85 وافقت القمة الأوروبية في آذار/ مارس 0092 على زيادة الدعم الأوروبي لصندوق النقد الدولي بقيمة 75 مليار إضافية، وإعطائه

مهمة إقراض مشروطة لحكومات دول أوروبا الشرقية.

95 ارتفع مؤشر انتشار السندات الحكومية اليونانية (لمدة عشر سنوات) مقارنةً بالسندات الألمانية من 53 نقطة في أوائل سنة 0082 الى

721 نقطة في أواخر السنة نفسها، وإلى 732 نقطة (تعادل زيادة 732. في المئة في معدلات الفائدة) في الشهر الأول من سنة 2009،

واعتبُر ذلك أسوأ مؤشر حتى قبل بدء التعامل باليورو. انظر: Ekathimerini: 3/11/208, 8/12/2008 and 21/1/2009.

60 Manfred Ertel, “Suffocated by Debt: Greece Teeters on the Verge of Bankruptcy,” Spiegel on line , 7/4/2009. 61 European Central Bank. “The ECB’s Monetary Policy Stance during the Financial Crisis,” Monthly Bulletin (January 2010), on the Web: <http://www.ecb.int/pub/pdf/other/art1_mb201001en_pp63-71en.pdf>.

أبريل 0112 (بقرض قيمته 78 مليار يورو)، مفقودة في مواجهة الأسواق. كما أن الانسجام الألماني- الفرنسي

كان عامالً مساعدًا في ضبط سير هذه المرحلة. وظهرت في إدارة الأزمة دفّة يوجّهها الثنائي الألماني – الفرنسي

(المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل و الرئيس الفرنسي حينها نيكولا ساركوزي)، إذ باتت اجتماعاتهما تسبق كل

قمّة وتطرح صيغة تقرير مسار الأزمة. كانت هذه الثنائية تخدم في الأساس المبادرات الألمانية، كسياسة حدّية لا

تخلو من المعايير الأخلاقية العقابية، وتعطي وزنًا أقل لتمكين تلك البلدان من الخروج من أزمتها. لم تقدم سياسات الإنقاذ حلوالً لعودة تلك البلدان إلى الأسواق، بقدر ما ركزّت على الالتزامات الصعبة

التي يتعنيّ على تلك الدول تحقيقها بهدف الوصول إلى موازنة حكومية خالية من العجز، وتستطيع في الوقت

نفسه دفع أقساط مديونية متزايدة وضمن ظروف تقشّف تدفع باتجاه الركود الاقتصادي الطويل. هذه المهمة

المستحيلة وضعت تلك الدول في حلقة مفرغة؛ في وضع كانت تصرف فيه قروض الإنقاذ على دعم البنوك

وسداد ديون سابقة. وتوقّع المحللون هبوط شديد في مستوى دخل المواطنين، جرّاء سياسات التقشّف وحالة

الركود، من دون الخروج من دوامة الاستدانة. بدأ يظهر في حالتي هذه الدول أن سياسة الإنقاذ وشروطها لا تساهم في تخفيض القروض بل في زيادتها (انظر

الجداول في الملحق). وبرزت تلك كمعضلة في الخيار التي تبنّته السياسة الأوروبية، وبشكل رئيس ألمانيا،

برفضها علاجًا مركزيًا أوروبيًا، والاندفاع لتعميم إجراءات تقشّف وإصلاح (أسواق العمل) بنهج نيوليبرالي

أوروبيًا، وفي محاولة قسرية لردم الهوّة التنافسية وتحميل الدول أعباء نموّها المالي الاصطناعي الذي يفرسّ كانتقال

رؤوس أموال من دول على حساب دول أخرى. لكن النتائج أيضًا كان لها مدلولها على الأمد البعيد، بما أن ما

باتت هذه البلدان تتحمّله يفوق قدراتها على الاستمرار فيه، ويحمّلها أعباء حالية ومستقبلية في ما يترتب عليها

من ديون، وتخلق بالتالي رابطًا يجعل العملة الأوروبية مسألة مصيرية. انطوت تلك السياسة على درجة عالية من المخاطر أيضًا، باستغلال اضطرابات الأسواق في وضع مصرفي غير

مستقر، وبشكل خاص مع وجود حالة يونانية متردية جدًا. وقد قامت الوكالة الإحصائية الأوروبية بمراجعة

القيمة الفعلية للديون اليونانية (تشرين الثاني/ نوفمبر 0102)، ورفعت قيمتها لسنة 0092 إلى 982 مليار

يورو، منطلقة من نسبة مديونية وصلت الى 145 في المئة من الناتج المحلي، وما زالت تتجه صعودًا. وأعلنت

اليونان نفسها حالة مستعصية على الإنقاذ، باعتبار أنها ستحصل على 03 مليار يورو سنويًا لمدة ثلاثة أعوام،

لكن حاجتها إلى إعادة تدوير ديونها السنوية ستكون أكبر من ذلك. إن إعادة جدولة الديون بالنسبة إلى اليونان

باتت على جدول الأعمال، وسط خلاف ألماني - فرنسي بشأنها، وأحدثت في طريقها منافذ لأهم اضطرابات

عرفتها الأزمة الأوروبية. -2 بناء غير مكتمل: آلية دائمة للاستقرار المالي الأوروبي شكّلت خطوة الانتقال من الإنقاذ المؤقت إلى وضع أسس لآلية للاستقرار المالي الدائم لمنطقة اليورو التزامًا

صريحًا بالعملة الموحّدة، واقترن بتصريحات من المستشارة الألمانية ميركل (في 010/11/142) والرئيس

الفرنسي ساركوزي (011/1/262) تربط مصير اليورو بمصير الاتحاد الأوروبي، بل بمصير أوروبا. وتوضّح

62 Carsten Volkery, “Drastic Cuts and Punitive Interest Rates: The EU Is Pushing Ireland to the Brink of Ruin,” S piegel on line, 8/12/2010.

63 زادت أيضًا تقديرات عجز الميزانية من الناتج المحلي للسنة نفسها إلى 15.4 في المئة بدل 13.6 في المئة. انظر: “EU Raises

. Greece’s 2009 Deficit, Debt Estimates,” Athens News, 15/11/2010

أيضًا منذ خريف 0102 أن الأزمة لن تكون محصورة في البلدان الصغيرة الحجم، وأن دول اليورو تحتاج إلى

سياسة أكثر ثباتًا للاستقرار المالي، باعتبار أن صندوق الإنقاذ المؤقت لن يسمح بإقراض الدول الأكبر حجامً

بطريقة تخرجها من الأسواق. وبما أن تثبيت آلية دائمة للاستقرار المالي الأوروبي ستأخذ شكل صيغة معاهدة

حكومية بين الأعضاء في منطقة اليورو، وستحتاج إلى الوقت اللازم للموافقة والتصديق عليها، فقد أعطت

الدول الأوروبية نفسها مهلة ثلاثة أعوام لتحقيق ذلك. أطلق الاجتماع الثنائي الفرنسي- الألماني في منتجع دوفيل (010/10/182) المبادرة لهذه الآلية ولصندوقها،

وكانت الموافقة على معالمها الأساسية قد تمّت في القمة الأوروبية اللاحقة (82 و 010/10/29 2)، ووضِعت

صيغة القرار النهائي لها في اجتماع القمة الأوروبية في آذار/ مارس 0112، مع الاتفاق على العمل للإسراع في

تنفيذها قبل انتهاء مدة الأعوام الثلاثة للصندوق المؤقت في بداية سنة 013.2 وجرى اعتماد صيغة قانونية

تسمح بتغيير محدود لمعاهدة لشبونة الأوروبية (إضافة جملتين على المادة 136)، يساعد على إنجاز التصديق

عليها بحلول أواخر سنة 012 2، وتحصر شروط التصديق عليها في دول منطقة اليورو. شكلت آلية الاستقرار المالي حجر أساس في بناء سياسة يورو أوروبية مستقبلية، وبصيغة مرنة تسمح بإضافة

وظائف جديدة لها أو رفع مستوى تمويلها، أي يمكن البناء عليها. ومن البداية جرى الاتفاق على أن تتعدى

وظائف الآلية إقراض الحكومات، وتمكينها أيضًا من شراء سندات حكومية من الحكومات مباشرة، على أن

تكون المشروطية (المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية) سمة ملازمة لكل عملية. واتُّفق على حجم صندوقها

المالي ليلبّي مبلغًا صافيًا من القروض بقيمة 005 مليار يورو، بالإضافة إلى مبالغ أخرى على شكل ضمانات يبلغ

مجموعها 700 مليار يورو، بهدف تحقيق تصنيف ائتماني عال لسنداتها. وتلازم مع هذه الآلية، وبمبادرة ألمانية، الاتفاق (قمة آذار/مارس 0112) على «ميثاق إضافي لليورو» (Euro

Plus Pact)، جاء بصيغة مخفّفة، بعد اعتراضات فرنسية وإيطالية على أالّ تكون العقوبات (المتعلقة بالعجز

الحكومي) تلقائية بل مرنة، يتُرك للحكومات التقرير بشأنها. واعتبُرت هذه الخطوة بداية في حاكمية اقتصادية

تتألف من خمسة محددات، وهي: - سياسة مالية أوروبية صارمة مع عقوبات؛ - تدعيم القدرة التنافسية التي تتضمن تناسب الأجور مع الإنتاجية، وفتح المهن المحميّة، وتحسين نظام التعليم

وبنية الأعمال؛ - جعل العمالة مرنة ودعمها بإجراءات أمان اجتماعي؛ - إصلاح نظام التقاعد والعناية الصحية والدعم الاجتماعي؛ - اعتبار أن الضرائب تبقى ضمن الكفاءة الوطنية مع العمل على التنسيق. كان ذلك القاسم المشترك الممكن بين الحكومات الأوروبية، بينما لم تُطرح موضوعات مثل الخصخصة والتحرير

الاقتصادي والضرائب، رغم أنها بقيت على جدول أعمال أوروبي في إطار الضغط الذي يمارَس على الدول

الأضعف. ورغم ذلك، لم يأخذ الميثاق المذكور صفة معاهدة يمكن أن تُلزم بها المؤسسات الأوروبية، وبقي

دون ما تطمح إليه ألمانيا التي سعت لاحقًا إلى إدارج السياسة المالية في إطار معاهدة.

64 تتخذ هذه المنظمة قراراتها بحسب نسب المساهمة في التمويل، وتحتاج إلى أكثر منِ 80 اذ القرارات، أيفي المئة من الأصوات في اختّ

إن من يملك ما نسبته 02 في المئة من التمويل (والدولة المؤهلة لذلك هي ألمانيا) لديه حق فيتو عملي.

جاءت آلية الاستقرار كحجر أساس في بناء لم يحدَّد له هيكل، ولا أهداف بعيدة لاستقرار العملة الأوروبية

الموحدة، أي أنها كانت خطوة أولية من دون خطة طريق، وهي السياسة المفضّلة لدى ألمانيا، البلد الأوروبي

الأقوى اقتصاديًا، نظرًا إلى أنها لن تنطوي على أي إلتزامات مسبقة للمستقبل، وتبقي المبادرة لها في تقرير

الخطوات الجزئية التي ستلي. وبسبب هذا النقص، بدأت تظهر دعوات لتحديد أهداف الوصول إلى سندات

أوروبية مشتركة (تشاركية بقسم من الديون). وكان الموقف الألماني - الفرنسي (اجتماع القمة الثنائي في

010/12/102) قاطعًا في رفضه للسندات الأوروبية، باعتبارها فكرة سابقة لأوانها وتحتاج إلى مزيد من

«التكامل السياسي» و«التماسك» في السياسات الاقتصادية، ولأن هناك حاجة إلى تحمّل الدول لمسؤولياتها لا إلى

نزع المسؤوليات عنها. وبدل خطة طريق نحو آلية استقرار مكتملة، وضعت الدول اليورو أوروبية ثلاثة محدّدات استراتيجية (اجتماع

القمة في 011/2/4:)2 تتعلق الأولىبالحزمة الاستراتيجية للحاكمية الاقتصادية، والثانية باقتراحات ملموسة

لتقوية آلية الاستقرار الدائمة، والثالثة لاختبار التحمّل للقطاع المصرفي وإصلاح القطاع المالي. وهي أبعاد

مترابطة أو متلازمة؛ فتطوير آلية الاستقرار الدائمة، الذي تدعمه فرنسا ودول أوروبية أخرى، تقابله استراتيجيا

لحاكمية اقتصادية، التي تضغط من أجلها ألمانيا، بينما يفرض موضوع إصلاح القطاع المصرفي نفسه في ظروف

الأزمة، وبضغط من فاعلين عالميين، تخوفًا من تداعيات خطِرة له. ولم يكن الاتحاد الأوروبي حتى ذلك الحين

قد وضع مشكلة دعم المصارف وإصلاحها على جدول أعماله، واكتفت المفوضيّة بالقيام بأول اختبار إجهاد

للمصارف الأوروبية في أواخر سنة 0102، بتحفيز من خطوات إسبانية تجاه بنوكها المأزومة، اعتبر اختبارًا

ضعيفًا وغير شفاف ولا يتيح إصلاحًا هيكليًا للبنوك. إن ما تحقق بقي أقل كثيرًا من التطلعات المعلنة والمتضاربة للدول الأوروبية؛ فبالنسبة إلى ألمانيا، التي تتمسك

بمقولة «الاتحاد النقدي لن يعمل من دون اتحاد سياسي»، لا يزال ما تحقق «بعيدا كلّ البعد عامّ يحتاج إليه الاتحاد

النقدي». هذا في حين أن آلية الاستقرار وحجم تمويلها المحدود لم يقدّما جوابًا لمشكلات الاقتصاديات

الأوروبية الكبيرة. وحتى في النطاق المتّفق عليه، كانت الاتفاقية «بيتًا في منتصف البناء»، بحسب وصف

الفايننشال تايمز، باعتبار أن آلية التمويل لم تكتمل، وأن المبلغ الذي سيُدفع جرى تمديد فترة دفعه خمسة أعوام

ومن غير المعروف كيف سيطبّق في حالة طارئة. وبدأ الموقف الفرنسي يضغط باتجاه إعطاء البنك المركزي

الأوروبي دورًا في تمويل الآلية الجديدة، بينما تعارضه مواقف ألمانية ترى في استمرار ضغط الأسواق طريقة

لمقايضة التنازلات من الدول الأخرى. -3 المخاوف المصرفية: دعم المصارف يسبق إصلاحها من خطوة جزئية وآنية ببُعدها الإنقاذي، وهي جدولة القطاع المصرفي الخاص للديون اليونانية، من أجل

65 ظهرت فكرة السندات الأوروبية عام 9931 من لدن ستيوارت هولاند، مستشار سابق لرئيس المفوّضية الأورويية الأسبق جاك

ديلور، الذي اقترح قيام البنك المركزي الأوروبي بشراء سندات الحكومات بما يعادل 06 في المئة من الناتج المحلي لكل منها، وتحويلها الى

سندات اوروبية يمكن بيعها في الأسواق لغير الأوروبيين أيضًا. انظر: Athens Dimitris Yannopoulos, “EU Needs a Gestalt Shift,”

. News , 5/12/2010

66 «ساركوزي وميركل يشكّلان “ جبهة ” لمواجهة فكرة إصدار سندات موحّدة في منطقة اليورو،» الحياة،.2010/12/11

67 “European Council, 4 February 2011: Conclusions,” (European Council, Brussels, 8/3/2011), on the web: <http:// www.consilium.europa.eu/uedocs/cms_data/docs/pressdata/en/ec/119175.pdf>. 68 Spiegel Interview with Ex-ECB, Chief Economist Issing, in: Spiegel on line , 23/3/2011. 69 Peter Spiegel, “EU Agrees Incomplete Financial Package,” Financial Times , 25/3/2011.

تجنّب واقعة «ليمان براذرز» أوروبية إذا ما تخلّفت اليونان عن دفع ديونها، دخلت السياسة الأوروبية متاهة

الأوضاع المصرفية غير المستقرّة، وتشنّجات الأسواق في ما يتعلق بالسندات الحكومية نقلت وضع منطقة اليورو

سنة 0112 من صيف حار إلى خريف مضطرب. لم يكن من الممكن تجنّب مسألة الجدولة في الحالة اليونانية

المستعصية، وقد ترتب على الحكومة اليونانية في المقابل أن توافق على برنامج خصخصة بقيمة 05 مليار يورو

قبل اجتماع قمة آذار/ مارس 0112، لكن المصالح الفرنسية الخاصة، بسبب تورط بنوكها في الديون اليونانية،

أعطت لهذا الموضوع حجامّ أكبر، وأجّلت الوصول الى حلول فعلية له لغاية أواخر السنة. أمّا الحكومة الألمانية، التي كانت المبادرة إلى طرح موضوع الجدولة، مع تقدير أن اليونان ستحتاج إلى إعادة

جدولة نصف ديونها، فقد واجهتها معارضة فرنسية قوية جنّدت دعم البنك المركزي الأوروبي، الذي استمر

رئيسه الفرنسي كلود تيرشت يرفض الجدولة باعتبار أنها ستؤدي إلى انتفاء قيمة السندات الحكومية اليونانية،

وهو ما قد يعني توقُّف البنك عن شراء سندات اليونان. واضطّرت ألمانيا إلى تخفيض توقّعاتها وإلى الحديث

عن ترحيل السندات إلى أجل أطول وبشكل طوعي (الاجتماع الثنائي الألماني- الفرنسي في 011/6/16.)2

وأخذت فرنسا، التي يعود إلى مصارفها نصف السندات التي يبحث في أمر تمديدها وتستحق في الأعوام الثلاثة

التالية (لغاية نهاية سنة 0142) بقيمة 85 مليار يورو، المبادرة في طرح خطة اعتبرت أنها ستزيد في مشكلات

الديون اليونانية بدل أن تقلّل منها. وجرى رفضها حتى من قِبل الاجتماع المصرفي الذي عُقد تحت إشراف معهد

التمويل الدولي (2011/7/5). لكن الخطّة الفرنسية استمرت تشكّل قاعدة ومصدر إلهام للنقاش. رغم اضطراب الأسواق، خرجت القمة الأوروبية (011/7/212) بمقايضة جزئية جدًا، تخفّف عن البنوك

وطأة جدولة الديون من خلال حصر هذه الجدولة إلى الحد الأدنى، وحصول البنوك على فائدة منها.

وحصلت اليونان في مقابله على قرض ثان بقيمة 091 مليارات يورو من الدول الأوروبية وصندوق النقد

الدولي، بما يبقيها في وضع قادر على سداد الديون لغاية سنة 0142، ومشاركة من القطاع الخاص تقلّص نسبة

المديونية ب 12 نقطة من 016 في المئة من الدخل المحلي إلى 814 في المئة. وجرى أيضًا تخفيض الفائدة على

قروض الإنقاذ للدول الثلاث (اليونان وإيرلندا والبرتغال.) ورأى المحللون أن القمة كانت انتصارًا ظاهرًا

للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، بالرغم من أنها لم تحمّل ألمانيا شيئًا لا تريد تحمّله، وكان الانتصار بشكل

رئيس على حساب اليونان، التي لم تحصل على جدولة فعلية، لكنها ستتحمل حكوماتها فوائد عالية وطويلة

الأمد على سندات مرحَّلة.

70 Christian Reiermann and Michael Sauga, “The Haircut War: Tensions Worsen Between Berlin and European Central Bank,” Spiegel on line , 30/5/2011. 71 لمضمون الخطة الفرنسية، انظر: Nick Malkoutzis, “Greece May Have Inadvertently Ducked the Rollover Bullet: Rejection

. of French Proposal Means more Comprehensive Suggestions Are now Being Discussed,” (Ekathimerini, 10 July 2011)

72 تمّ تأجيل استحقاق ما قيمته 73 مليار من السندات لأجل طويل مع فائدة عالية جدًا على أساس القيمة الاسمية للسندات (رغم

ان قيمتها الفعلية انخفضت إلى النصف). وفي أربعة أشكال يمكن أن خيُتار منها (تبادل أو ترحيل سندات بالقيمة الاسمية - أو 80 في

المئة منها- لمدة 03 عامًا بفوائد عالية تتراوح بين 6.42 في المئة و 9 5. في المئة و 4.5 في المئة). وأُعطيت ضمانات للمصارف، بحيث

تستطيع مبادلة سنداتها اليونانية (بقيمة 6٫12 مليار يورو) بسندات صادرة عن آلية الاستقرار المالي، أي سندات ذات مصداقية عالية.

“European Council, July 2011: Conclusions,” on the web: <www.consilium.europa.eu/uedocs/cms_data/docs/.../123978. pdf>.

73 خفضت الفائدة على قروض الإنقاذ من 5 في المئة إلى 3.5 في المئة، ومدّد أجلها بالنسبة إلى اليونان من 5٫7 سنوات الى 15 سنة كحد

أدنى و 03 سنة كحد أقصى، مع فترة سماح مدتّها عشر سنوات، في مقابل حصول الدول المدينة على المطالبة بتعويضات بحال التخلّف عن

دفع الدَّين من حكومات الدولة المستدينة.

وسط أخطر اضطرابات مالية عرفتها أوروبا بالنسبة إلى المصارف كما بالنسبة إلى السندات، وفي الطريق

إلى استكمال جدولة الديون اليونانية، خاضت دول اليورو الأوروبية أهم صفقة بين دولها الكبار. كان عنوان

المقايضة واضحًا من اجتماع القمة الثنائية الألمانية - الفرنسية (منتصف آب/ أغسطس 0112)، بأن الموافقة

الألمانية على تسهيل التمويل تقابله شروط تتعلق بتقوية الحاكمية الاقتصادية (بتبنّي أحكام متعلقة بضبط الموازنة

وكبح الديون في دساتير البلدان اليورو أوروبية) وفي إطار معاهدة مالية. تلا القمة الثنائية بعض الانفراج،

مع قيام البنك المركزي الأوروبي بإعلانه معاودة تدخّله لشراء السندات الحكومية (011/8/242) بعد توقف

دام 91 أسبوعًا، وقيامه أيضًا بتمديد توفير السيولة للبنوك لمدة سنة واحدة (011/9/262)، وهو إجراء سبق

أن قام به البنك لمدة محدودة في أواخر سنة 0082، مع انهيار «ليمن براذرز». لكن الشكل النهائي للمقايضة توّضح في الطريق إلى القمّة الأوروبية (تشرين الأول/ أكتوبر 0112)، وتحت

ضغط عالمي متزايد لدعم القطاع المصرفي وإصلاحه، مع قيام المستثمرين الأميركيين بسحب تمويلهم للدولار

في سوق اليورو، واعتبار الرئيس الأميركي باراك أوباما «أن الأوروبيين لم ينهضوا تمامًا من أزمة سنة 0072، ولم

يهتموا أبدًا بشكل فعلي للصعوبات التي واجهتها مصارفهم». فالخطة الأوروبية، التي وصفتها صحيفة دير

شبيغلب «الخطة ب »، تتطلب توفير البنك المركزي الأوروبي تسهيلات مالية كبيرة للمصارف، التي ستقوم

بدورها بتخفيف ضغط الأسواق عن الاقتصادات الكبيرة، في مقابل شروط الاتفاق على معاهدة مالية واتّباع

الدول المعنيّة سياسات تقشّف. لم تعكس قرارات القمة الأوروبية (011/10/272) هذه التفصيلات بالكامل، واكتفت بإعلان الاتفاق

على جدولة الديون اليونانية، وبهدف تخفيض نسبتها إلى 012 في المئة من الناتج المحلي بحلول سنة 020.2

وقدمت وعودً (في ملحق خاص) إلى المصارف بإجراءات لمعالجة حاجات تمويل البنوك على المدى المتوسط.

وابتدعت وسائل لزيادة تمويل صندوق آلية الاستقرار، لم تقدّم تمويالً إضافيًا فعليًا بقدر ما شكلت عناوين

للمستقبل. ولم تأت القرارات إلى ذكر المعاهدة المالية، لكن كان هناك اتفاق ضمني ظهرت تداعياته بعد

القمّة مباشرة. -4 مقايضات الدول الكبيرة: المعاهدة المالية والتقشّف الاقتصادي أظهرت تداعيات الأزمة المالية بالنسبة إلى الدول الكبيرة الحجم أنها تحتاج إلى درجة من التنسيق الأوروبي

السياسي، والمقايضة مع دول لا يمكن أن يجري إخراجها من الأسواق ووضعها تحت مظلة الإنقاذ. ففي خضم

أعنف اضطراب مالي شهدته منطقة اليورو، حيث وصل ضغط الأسواق على السندات الإيطالية والإسبانية إلى

74 في آب/أغسطس 0112، تعرّضت مصارف فرنسية وإيطالية لانحدار شديد في أسهمها، الأمر الذي اضطر فرنسا وإيطاليا وإسبانيا

وبلجيكا إلى فرض حظر بيع قصير المدى للأسهم. وفي أيلول/ سبتمبر أعلن البنك البلجيكي الفرنسي «دكسيا» إفلاسه.

75 اعتبر وزير المالية الألماني وولفغانغ سشوبل أن الإصلاحات تتطلب معاهدة أوروبية جديدة لتوسيع صلاحيات صنع القرار في

. “Euro Rescue Debate: Schauble Pushes for New EU Treaty,” Spiegel on line , 2/9/2011:السياسات المالية. انظر

76 في كلمة في منتدى عقد في سيليكون فالي، كاليفورنيا. انظر:، 011/9/28.2 الحياة

77 Stefan Kaiser, “Bailouts or Bankruptcies?: Europe Begins Working on Plan B for the Euro,” Spiegel on line ,

78 Euro Summit Statement, Brussels, 26 October 2011.

79 طرحت القمة وسيلتين مبتكرتين، الأولىموجّهة إلى المستثمرين في السندات لعرض شراء تأمين ضد المخاطر كخيار عند شراء

السندات في الأسواق الرئيسية، والثانية تعتمد على مركبّات ذات أغراض خاصة بغية زيادة التمويل من خلال بيعها لمستثمرين آخرين.

وكان من المشكوك فيه قدرة هاتين الوسيلتين على تحقيق هدف رفع قيمة التمويل إلى 1.4 مليار يورو، خاصة أن الدول الأخرى التي

دُعيت إلى المشاركة لم تبدِ حماسة لمشروع غير منجَز.

مستويات حرجة (في خريف 0112 مباشرة بعد اجتماع القمة الأوروبية)، تكرّست سيرورة بدأت بالتخلص من

رئيس الحكومة الإيطالية سلفيو برلسكوني (011/11/92)، وقبله بيومين رئيس الوزراء اليوناني إثر طرحه

الاستفتاء على شروط التقشف الأوروبية (011/11/62)، لصالح حكومتين برئاسة تكنوقراط. كانت هذه

المرّة الأولى التي تتدخّل فيها دول أوروبية في شؤون سياسية لدول أوروبية أخرى على هذا المستوى. ولم تخفِ

صحيفة الفايننشل تايمز مختلف أدوار البنك المركزي الأوروبي (ورئيسه الإيطالي الجديد ماريو دراغي)، الذي

توقف عن شراء السندات الحكومية (بعد أن كان عاود شراءها في آب/أغسطس 0112)، ولما يسمّى «مجموعة

فرانكفورت» (والتسمية تعود الى اجتماع طارئ حصل في تشرين الأول/أكتوبر)، التي تتألف من سبعة قياديين،

من بينهم ساكوزي وميركل، وأيضًا رؤساء في منظمات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. خرجت الصفقة إلى النور من اجتماع القمة الثلاثي الألماني - الفرنسي - الإيطالي (الذي أصبح ممكنًا بعد رحيل

برلسكوني) في /11/24 0112، في شكل خطة طوارئ أقرّها وزراء المال الأوروبيون (011/29112)،

وضمنت خطوات عملية يجري تنفيذها في عشرة أيام تنتهي باجتماع القمّة الأوروبية في 8 - 9 كانون الأول/

ديسمبر 011.2 خلال الأيام العشرة، يقرّ البرلمان اليوناني ميزانية تقشّف جديدة، ويقدّم زعيم المعارضة

الرسمية اليونانية تعهّدًا خطيًا بالموافقة عليها، وتقدّم الحكومة الإيطالية خطّة تقشّف لتقليص العجز الحكومي

خلال السنتين المقبلتين لكي تحقق موازنة الميزانية سنة 0132، وتنتهي في اجتماع القمة الأوروبي بموافقة مبدئية

على معاهدة مالية تقدمت بها ألمانيا، في الوقت الذي يقرّر في اليوم نفسه البنك المركزي الأوروبي إجراءات

لمواجهة الأزمة، وأهمها توفير قروض لبنوك منطقة اليورو مدتها ثلاثة أعوام. ومع الانفراج الأوروبي تكرّس

أيضًا انفراج عالمي بقيام ستة بنوك مركزية عالمية (011/11/292) باستباق قرار البنك المركزي الأوروبي

والعمل على تسهيل عملية إقراض البنوك الأجنبية. انطوى مشروع المعاهدة المالية (الذي نال الموافقة المبدئية في قمة تشرين الثاني/ نوفمبر)على تحديد صارم للنفقات

الحكومية، كأن يجري تخفيض العجز الحكومي الأساس (أي النفقات الجارية) إلى 0.5 في المئة، وإلزامها في

الدساتير الوطنية، وفرض عقوبات على المخالفين عبر اللجوء إلى المحكمة الأوروبية. كان للموقف الفرنسي

تحفّظه (كما ظهر في اجتماع القمة الثنائي الألماني - الفرنسي السابق على القمة) على صيغة المعاهدة، وفق ما

عربّ عنه الرئيس الفرنسي ساركوزي، بأن «لا تضرّ الإصلاحات بالشرعية الديمقراطية للحكومات الوطنية»،

مؤيدًا مسارًا توافقيًا بين الحكومات. إلاّ أن شكل المعاهدة الذي تقرّر في هذه القمة لم يعطها صفة معاهدة

اتحاد أوروبي، بسبب رفض رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الموافقة عليها بالرغم من أنها ليست ملزمة

لبريطانيا. وشكّل ذلك دعامً غير مباشر للتحفظ الفرنسي. وكما أشارت الصحف، فإن ساركوزي خرج من

اجتماع القمّة مبتسامً. وقد قدّم مشروع المعاهدة المالية أيضًا نافذة على المستقبل، بشقّه المتعلق بالديون الحكومية،

باعتبار أن الديون التي تزيد على نسبة 06 في المئة من الناتج المحلي (وهو معدل ميثاق استقرار اليورو) تفرض

على الحكومة المعنية أن تقوم بسدادها على مدى 02 سنة، بما يعني أن الحكومة ذات المديونية العالية ستستمر في

تحمّل تكاليف تقشّف في المستقبل.

80 Peter Spiegel, “Brussels’ New-Found Aggression Raises Hackles,” Financial Times , 7/11/2011.

81 قام البنك الفدرالي الأميركي، وبمسعى منسق مع بنوك مركزية أخرى، بالتخفيض إلى النصف معدلات الفائدة الجزائية التي كانت

مفروضة سابقًا (نسبة 1.6 في المئة لتحويل اليورو إلى دولار.)

82 حصل ساكوزي أيضًا على تغيير في قواعد آلية الاستقرار، بأن تتطلب القرارات أغلبية 85 في المئة بدل 80 في المئة، بما يجعل فرنسا،

إلى جانب ألمانيا، قادرة وحدها على فرض الفيتو. انظر: Financial Hugh Carnegy, “Paris Wary of Ceding Power to Brussels,”

. 2011 / 11 / 30 , Times

سبقت سياسات التقشّف وإصلاح أنظمة العمل لدى الدول الكبيرة المعنيّة بها قيام البنك المركزي الأوروبي

بالإيفاء بتعّهده، وإطلاقه (011/12/212) حزمة أولى لأكبر عملية إقراض طويلة الأجل (ثلاثة أعوام)

للمصارف بقيمة 894 مليار يورو، أو ما يساوي 5 في المئة من مجموع الناتج المحلي لمنطقة اليورو، وحزمة

ثانية مباشرة قبل انعقاد قمة آذار/ مارس (التوقيع الرسمي على المعاهدة المالية) بقيمة 9.552 مليار يورو،

رافعًا إجمالي القروض للأجل الطويل إلى أكثر من تريليون يورو. وأقرّ البرلمان الإيطالي (منتصف كانون الأول/

ديسمبر) برنامجًا لتقليص العجز بمبلغ 04 مليار يورو، وعادت الحكومة الإيطالية، بعد لقاء قمة ثنائي بين

المستشارة الألمانية ورئيس الحكومة الإيطالية الجديد كارلو مونتي (012/1/102)، إلى وضع حزمة إصلاح

للمهن المغلقة (012/1/182)، كمقدمة لإصلاح سوق العمل في وقت لاحق. وقامت الحكومة الفرنسية،

قبل يوم واحد من اجتماع القمّة الأوروبية في 03 كانون الثاني/ يناير بإعلان إصلاحات مهمّة في سوق العمل

تحاكي الإصلاحات الألمانية. وكانت الحكومة الفرنسية قد عزّزت خطط التقشّف في في آب/ أغسطس،

وذلك بزيادة تخفيض عجز الميزانية (من 4٫84 مليار يورو إلى 7٫64 مليار يورو بحلول سنة.)2016 وقّعت المعاهدةَ المالية رسميًا في القمة الأوروبية في 82 آذار/ مارس 0122، 25 دولة أوروبية (ولم توقّعها

بريطانيا وهنغاريا). وكان لا يزال على الدول الأوروبية أن تفي بالتزاماتها الدولية وتعالج مشكلة زيادة تمويل

صندوق آلية الاستقرار المالي، وهو شرط وضعته قمة العشرين العالمية لزيادة مشاركتها في تمويل صندوق النقد

الدولي. ووجدت القمة الأوروبية صيغة مخفّفة لتحقيق ذلك من خلال الجمع بين الصندوق الجديد لآلية

الاستقرار المالي مع ما تبقى من تمويل من الصندوق المؤقت الذي تنتهي مدّته في ربيع سنة 0132، ومن خلال

زيادة تمويلها لصندوق النقد الدولي بقيمة 00 2 مليار يورو. إالّ أن احتساب هذا التمويل، الذي لم يكن مشكلة

بالنسبة إلى دولة مثل فرنسا (نقلت مبلغ 6.5 مليار يورو إلى دَينها العام بزيادته بنسبة 1 في المئة)، وضع ألمانيا

(بسبب قوانينها المتعلّقة بسقف الدَّين الصافي والقاضية بأالّ يتعدى نسبة 0,35 في المئة من الناتج الاقتصادي)،

وهولندا في وضع حرج، نظرًا إلى سعيهما إ لاقتطاعه من المواطنين مباشرة عبر سياسة تقشّف، مؤديًا إلى أزمة

حكومية في هولندا (نيسان/أبريل) وإعلان انتخابات برلمانية مبكرة، بينما أظهرت الانتخابات الفرعية في ألمانيا

(أيار/ مايو)، مع هزيمة الحزب الحاكم، أن هكذا سياسات تقشّف لم تعُد مقبولة. بقيت إسبانيا المشكلة العالقة، نظرًا إلى وضع بنوكها الخاص المأزوم، الذي كان الخوف من تداعياته المصرفية

يستدعي طرحه في إطار ضمانات تقدَّم إلى القطاع المصرفي ككل. وكان التوقّع منذ بداية سنة 0122 لدى

مسؤولين وخبراء ألمان أن هذه السنة ستكون الأصعب، وستكون حافلة بالتحدّيات الكبيرة بالنسبة إلى منطقة

اليورو، وذلك بالتحديد لأنها تطرح موضوع التصدي لمشكلة المصارف، التي تعيد أوروبا إلى المربع الأول. -5 المشكلة المصرفية والسياسات المتأخرة إن الانتقال الأوروبي إلى مرحلة جديدة من التعاطي مع الأزمة باعتبارها أزمة مصارف، قد شك ل تقدّمًا في

83 قام البنك المركزي الأوروبي أيضًا بتخفيض الفائدة من 1.25 في المئة إلى 1 في المئة، وتوسيع نطاق الضمانات المقبولة من أجل توفير

القرض، مع تخفيض مستويات التقييم وقبول مصارف صغيرة ومتوسطة الحجم لأول مرة. وخفّض البنك زيادة نسبة الودائع التي يتعني

على المصارف وضعها في بنوكها المركزية من 2 في المئة الى 1 في المئة. انظر: Ralph Atkins and Tracy Alloway, “ECB Launches New

. Support for Banks,” Financial Times , 8/12/2011

84 أعلن ساركوزي تخفيضًا في تكلفة العمل بقيمة 13 مليار يورو، وتخفيضًا للرسوم الاجتماعية على أرباب العمل في مقابل زيادة

الضريبة على القيمة المضافة، والسماح للشركات بالتفاوض على ساعات عمل مرنة ومستويات أجور مع النقابات. انظر: Hugh Carnegy,

. “ Sarkozy to Bring in German-Style Reforms,” Financial Times , 29/1/2012

85 بتوقّع أن يصل إلى ما مجموعه 005 مليار دولار، أكثر من نصف المبلغ مموَّل من الدول الأوروبية.

معالجة الأزمة المالية، لكن من دون أن يعني أن سياسات الخطوات الأوروبية الجزئية والبطيئة انتهت؛ فالاتحاد

الأوروبي لم يقدّم بعد مضي ثلاثة أعوام على الأزمة الأوروبية كشف حساب فعليًا لحقيقة المشكلة المصرفية،

حيث إن نتائج اختبار الإجهاد للمصارف الأوروبية التي ظهرت في أواخر سنة 0112 وطرحت حاجة 03

مصرفًا إلى 115 مليار يورو للتوافق مع المتطلبات الجديدة من أجل توفير نسبة رأس المال قدرها 9 في المئة،

لم تكن متناسبة مع توقّعات صندوق النقد الدولي التي فحواها أن على البنوك الأوروبية تخفيض ديونها بقيمة

تريليوني يورو، أي 7 في المئة من عائداتها في نهاية السنة المقبلة، محذّرًا من أن تقليصًا كبيرًا على هذا المستوى يأتي

متضافرًا، قد يعرّض الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي للخطر. سمح هذا الاستعداد الأوروبي لإسبانيا بأن تبدأ سياسة دعم لمصارفها وإعادة هيكلتها، إذ هي تنوء تحت ثقل

أعباء حوالي تريليون يورو على شكل قروض هشّة ذات صلة بالقطاع العقاري المتعثر، وتحتاج لعزل المخاطر

إلى رؤوس أموال جديدة تقدّر بحوالي 002 مليار يورو، كانت لغاية حينه شبه مجمّدة. ويُنتظر في هذه العملية

أن تقوم الحكومة الإسبانية بنقل أعباء الديون الخاصة إلى ديون حكومية (التي كانت لا تزال نسبتها بالمقياس

الأوروبي غير مرتفعة، وتصل إلى 70 في المئة من الناتج المحلي)، وهي مسألة تصرّ عليها الحكومة الألمانية قبل

القيام بأي خطوات أوروبية مساعِدة. وقد انضمت إسبانيا إلى البلدان السابقة كي تقترض من صندوق الإنقاذ

الأوروبي المؤقت مبلغ 001 مليار يورو (012/7/202) من أجل دعم مصارفها، مع توقّع أن تطلب دعامً

لاحقًا، في مقابل شروط تسمح بالإشراف الأوروبي على إصلاح البنوك المستفيدة من القرض وعلى هيكلتها.

وسرعان ما تبنيّ أن على إسبانيا أن تبدأ مسيرة تقشّفها من أول الطريق تقريبًا، بعدما ظهر أن الحكومة السابقة لم

تحقق الأهداف الأوروبية المتوخّاة لتقليص العجز الحكومي، وبنقص قدره 02 مليار يورو لسنة 011.2 ورغم

أن الحكومة الإسبانية استطاعت أن تقنع وزراء المال الأوروبيين بتغيير أهداف تقليص العجز للأعوام المقبلة،

فقد التزمت برزمة تقشّف هائلة (65 مليار يورو لمدة ثلاثة أعوام)، تشمل بشكل رئيس الصحة والتعليم،

خاصة في ميزانيات المناطق التي وضِعت تحت ضوابط مركزية غير عادية. هذا، بالإضافة إلى خطة «إصلاحات»

لسوق العمل سبق أن أعلنتها (012/2/9 2) ووصِفت بالأكثر راديكالية منذ سقوط نظام فرانكو. ومع القلق الذي بات يثيره العلاج الإسباني المنفرد، في مسار بدا كأنه يتشّكل لدول الجنوب الأوروبي عمومًا، مع

نمو (ولو بطيء) لظاهرة هروب الودائع من البنوك الإسبانية، والانسلاخ التدرجي الذي يحصل بين المصارف

الأوروبية من خلال إعادة تنظيم وفق خطوط وطنية تصبح فيه الدولة المالك الرئيس للبنوك بطريقة تنشئ

جدارًا غير مرئي بين دول الشمال والجنوب، مع هذا القلق طغت على الاجتماعات الأوروبية فكرة «الاتحاد

المصرفي الأوروبي»، التي تجنّد لها دعم كبير من جانب رئيس البنك المركزي الأوروبي وتحالف إيطالي –

إسباني (ومن أصحاب المصالح). إن حل هذه المشكلة يطرح آلية عمل تسمح بشراكة أوروبية فعلية. لكن

86 البنوك اليونانية وجِدت تعاني نقصًا قدره 03 مليار يورو، والإسبانية 6.22 مليار يورو، ومن ثم الإيطالية 15.4 مليار يورو

والفرنسية 7.3 مليار يورو. وأعطت السلطات المصرفية الأوروبية مهلة لغاية منتصف سنة 0122 لتلبية حاجات الرسملة. انظر:

. “ Stress Test Results: European Banks Need 115 Billion Euros,” Spiegel on line , 8/12/2011

87 Claire Jones and Brooke Masters, “IMF Sees Banks Deleveraging by $2.6 Trillion,” Financial Times , 18/4/2012.

88 تحددت للحكومة الإسبانية أهداف جديدة لتقليص العجز الحكومي بأن يصل، انطلاقًا من نسبة عجز 8.5 في المئة من الناتج المحلي

في سنة 0112، إلى 6 في المئة بدل 4 في المئة لسنة 0122، و 4.5 في المئة بدل 3 في المئة لسنة 0132، و 82. في المئة لسنة 014:.2 انظر

Miles Johnson and Peter Spiegel, “Spain Given Extra Time to Cut Deficit,” Financial Times , 9/7/2012.

89 فكرة الاتحاد المصرفي الأوروبي تستند إلى ثلاثة محددات: رقابة مصرفية أوروبية على المؤسسات الكبيرة العابرة للحدود، وتأمين

مشترك على ضمان الودائع مع سلطة تقريرية، وصندوق مموّل من المصارف.

التجاوب الذي أظهرته الحكومة الألمانية لفكرة اتحاد مصرفي لم يخطُ بشكل فعلي في هذا الاتجاه، مع الإصرار

كالعادة على خطوات جزئية من دون خريطة طريق. وقد قرّر اجتماع القمة الأوروبي (/6/28 0122) السماح لآلية الاستقرار الأوروبي (وللصندوق المؤقت

أيضًا) بأن تساهم في إعادة رسملة البنوك الأوروبية مباشرة، مع تأجيل تنفيذ القرار لغاية الاتفاق على آلية رقابة

موحّدة خلال فترة زمنية لا تتعدى أواخر سنة 012.2 كانت تلك خطوة جزئية تنازلت فيها ألمانيا لشركائها

في نقطتين أساسيتين، حيث تضمّن القرار إشارة إلى دور البنك المركزي الأوروبي في آلية الرقابة الموحّدة (وهو

يمهّد لاضطلاع البنك بدور أكبر في إطار تحقيق اتحاد مصرفي لاحقًا)، وكذلك بجعل قروض الإنقاذ الأوروبي

في المنزلة نفسها للقروض الأخرى (أي المستثمرين الخارجيين في البنوك المحلية.) وكسبت ألمانيا، في المقابل،

أن يكون دعم آلية الاستقرار المالي للبنوك مشروطًا على مستويات متعددة: مستوى المؤسسة المدعومة، والقطاع

الاقتصادي، والاقتصاد ككل، بما يوّفر نطاقًا مهامّ للتدخّل في شؤون البلد المعني وشروط الإنقاذ. وبقيت

خلافات بارزة في شأن شكل تنفيذ القرار، وبشأن أي من المؤسسات الأوروبية ستتدخّل في مهمات الاشراف،

والبنوك التي ستجري مساعدتها (تسعى الحكومة الألمانية لحصرها في البنوك الكبيرة)، وكذلك بشأن آلية العمل،

حيث بادرت الحكومة الألمانية إلى دعم اقتراح سابق أعّده رئيس المفوضية الأوروبية مانويل باروسو، رأى

المحللون أنه «لا يقدم مثالً جيدًا لتخطّي العقبات السياسية أمام إدماج قواعد البنوك في الاتحاد الأوروبي»، بما

أنه «يعمل على خطوط السكة التي تحمي إشراف الحكومات الوطنية على المصارف الوطنية»، وتبقي «السلطات

الوطنية المسؤولة عن تغطية نظام بنوكها كالملاذ الأخير». خرجت القمة الأوروبية في كانون الأول/ ديسمبر

0122 باتفاق عام على تشكيل مشرف مشترك في إطار البنك المركزي على المصارف اليورو أوروبية الكبيرة التي

يزيد حجم ودائعها عن 03 مليار يورو، وأعطت تطمينات للدول خارج منطقة اليورو، كبريطانيا والسويد،

في تقييد سلطات البنك المركزي الأوروبي. لكن تنفيذ ذلك والبدء باستخدام أموال الصندوق الأوروبي لدعم

المصارف مباشرة لن يبدآ قبل ربيع سنة 014.2 كما أن الاتفاق اقتصر على الإشراف من دون الاتجاه إلى تشكيل

ودائع تأمين مشتركة بين المصارف. هدفت السياسة الأوروبية المصرفية بشكل رئيس أيضًا إلى كسر العلاقة/ المعضلة بين المالية الحكومية والقطاع

المصرفي في الدول المتأزمة. وهذه المعضلة أصبحت محريّة بالنسبة إلى تلك الدول، حيث باتت البنوك المحلية

المالك الأكبر للسندات الحكومية والحكومات المالك للبنوك، بما يضعها في حلقة مفرغة. ولهذا، فقرار السماح

لآلية الاستقرار بدعم البنوك سيخدم بشكل رئيس دوالً مثل إيرلندا والبرتغال لتجنّب قرض أوروبي جديد،

ومحاولة العودة إلى الأسواق، كما أنه يساعد اليونان على تخفيض عبء المديونية الكبير، حيث إن معظم قروض

الإنقاذ تذهب لتدوير الديون ودعم البنوك. بقي على القادة الأوروبيين، وهم على العتبة الأخيرة من مسار الإنقاذ المؤقت، أن يقفوا على موضوع اضطرابات

90 لكن ضمان حصة المستثمرين في البنوك تعرّض لاهتزاز شديد في إطار المعالجة الأوروبية لأزمة البنوك القبرصية في آذار/ مارس

0132، وما ترتب عليها من تحميل المستثمرين والمودعين (أكثر من 001 ألف يورو) خسائر مهمة.

91 دعم وزير المالية الألماني، في مقابلة مع صحيفة الفايننشل تايمز، فكرة «الاتحاد المصرفي»، لكنه اعتبر أن عليها أن تسير خطوة خطوة،

مؤيدًا ما اقترحه باروسو في هذا الخصوص، ومكررِّا رفض ألمانيا للسندات الحكومية. انظر: “Combating the Crisis: Berlin and

. EU Weigh Greater Bank Oversight,” Spiegel on line , 5/6/2012

92 Alex Barker, “National Interests Threaten EU Bank Reforms,” Financial Times , 5/6/2012.

93 قدّر وزير المالية اليوناني السابق أن مجموع ما خُصص للبنوك من إنقاذ منذ سنة 0082 وصل إلى 155 مليار يورو، منها 106

مليارات يورو جرى تفعيلها واستخدامها. انظر: Ekathimerini.com, 21 November 2012.

الأسواق، خاصة بالنسبة إلى السندات الحكومية الإيطالية والإسبانية، التي ما انفكت تتعرض لارتفاعات حادة

في معدلات الفائدة. ووسط تشنج شديد، خاصة بين ألمانيا وإيطاليا، تجنّد ضغط دولي للوصول إلى سياسة

توفيقية، فخرجت قمة العشرين العالمية (012/6/202)، التي سبقت القمة الأوروبية بأيام، ببيان يملي على

السياسة الأوروبية تخفيض تكاليف الاقتراض في منطقة اليورو. وتكثفت الدعوات لسندات أوروبية مشتركة

من جانب مؤسسات أوروبية (التقرير المشترك الذي صدر في أيار/ مايو عن ثلاث رئاسات)،ومنظمة

التعاون والتنمية الاقتصادية (012/5/212)، واقتراح من قادة أوروبيين سابقين لوكالة قروض (من بينهم

المستشار الألماني السابق هلموت شميدت ورئيس المفوضيّة الأوروبية السابق جاك ديلور).

السندات الأوروبية لم تكن مسألة واردة على جدول الأعمال الأوروبي، علاوة على أن ألمانيا رفضتها رفضًا قاطعًا

(وبكلام صريح للمستشارة الألمانية التي قالت «لن يكون لها وجود ما دمت في قيد الحياة»)، وجاراها الموقف

الفرنسي الذي انتقل إلى التريّث، لأن السندات الأوروبية تطرح تعديلات على المعاهدة الأوروبية، وهي عملية

طويلة ستستغرق وقتًا، كما اعترف بذلك الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند (في أعقاب قمة ايار/مايو). ذلك كله

ترك المبادرة للبنك المركزي الأوروبي، الذي أعلن رئيسه، بعد قيامه (أي البنك) بسلسلة من الإجراءات الآنية،

كتخفيض معدلات الفائدة من 1 في المئة إلى 0.75 في المئة (012/7/42) ومعاودة شراء السندات الحكومية

من الاسواق (012/7/252) التي دفعت إيطاليا ثمنها بإعلانها في 012/7/52، أي بعيد زيارة المستشارة

الألمانية لإيطاليا مباشرة، اقتطاعات إضافية في عجز الميزانية (بقيمة 26 مليار يورو لغاية نهاية سنة 0142)،

مفاجأته الكبرى، وهو استعداده لشراء غير محدود للسندات الحكومية القصيرة الأجل (من الاسواق) في مقابل

مشروطية وتحكّم أوروبيين. بقيت موضوعَ الخلاف الرئيس معضلةُ النمو الاقتصادي في إطار سياسات التقشف، بوجود سبع بلدان يورو

أوروبية (منها ثلاث دول كبيرة) تقوم بتنفيذ برنامج تقشّف جذري يمتد بضعة أعوام. فميثاق النمو (الذي

خرج عن اجتماع قمة حزيران/ يونيو 012 2) لم يكن إلاّ واجهة إخراجية لعدم إحراج موقف الرئيس الفرنسي

الجديد هولاند، الذي وضعه في مركز حملته الانتخابية، وتلبيةً لطلب الحزب الاشتراكي الألماني الذي حدّده

شرطًا لموافقته البرلمانية على المعاهدة المالية. ولم يُضِف أي جديد ولا زاد من التمويل. ومع المعضلة التي

بات يشكّلها انحدار النمو ووقوع البلدان المتأزمة في حلقة مفرغة من انحدار حاد في النمو، وبالتالي في القدرة

على زيادة الضرائب والاضطرار إلى تقليص متزايد للإنفاق الحكومي، وعدم التمكن من تخفيض العجز نتيجة

ارتفاع الديون واستحقاقاتها، شُجّع على موقف أوروبي أكثر ليونة تمثّل بشكل رئيس في تأجيل أهداف تقليص

العجز الحكومي لمدة سنتين تقريبًا لكلٍّ من إسبانيا والبرتغال واليونان.

لقد أظهرت الحالة اليونانية حقيقة هذا الاستعصاء في اضطرار السياسة الأوروبية للمرة الثالثة إلى القيام

بإعادة جدولة الديون اليونانية، في وضع أصبحت فيه اليونان (بعد ثلاث مبادرات إنقاذ) مدينة بشكل رئيس

94 صدر التقرير عن رئيس المجلس الأوروبي هارمن فان رومبوي، ورئيس مجموعة اليورو الأوروبية جان كلود جنكر، ورئيس

المفوضّية الأوروبية جوزي مانويل باروسو، ويهدف إلى إثارة نقاش حول السندات الأوروبية.

95 تضمّن الاقتراح إصدارًا أوليًّا للديون بنسبة 01 في المئة من الناتج الوطني لكل دولة، من خلال وكالة ديون أوروبية، وتزيد النسبة

بحسب رغبة كل دولة، لكن في مقابل تخلّيها أكثر عن صلاحيات وطنية بما يخص الموازنة، استناد إلى مبدأ بأن «السيادة تنتهي عندما تنهي

السيولة»، وصوالً إلى نسبة 06 في المئة، حيث سيكون للوكالة سلطة رسمية مباشرة على الميزانية. انظر: Peter Spiegel, “Delors and

. Schmidt Back Eurozone Debt Agency,” Financial Times , 25/6/2012

96 أعادت نقاطه الثلاث تأكيد الوسائل السابقة، كصندوق الهيكلية لدعم المشاريع الإقليمية، وإضافة 01 مليارات يورو على تمويل بنك

الاستثمار الأوروبي، واستحداث وسيلة لدعم استثمارات القطاع الخاص في البنى التحتية من خلال توفير ضمانات للمستثمرين (قيمة

مليار يورو) تتيح لهم الاقتراض بمعدلات فائدة أفضل.

للحكومات الأوروبية الأخرى (أكثر من 70 في المئة من ديونها العامة)، الأمر الذي بدأ يسبب إحراجًا سياسيًا

بالنسبة إلى الدول المدينة التي ستكون مضطرة إلى مطالبة مواطنيها بمزيد من الأعباء. وتُظهر الحالة اليونانية

أن المعضلة هي مشكلة الديون في واقع أن الميزانية الحكومية اليونانية أظهرت (في تشرين الأول/ أكتوبر 0122)

أن نسبة الدَّين العام من الناتج المحلي الاجمالي ستصل الى 891 في المئة في سنة 0132 بدل نسبة 716 في المئة

المتوقّعة، في حين أن اليونان حققت فائضًا في ميزانيتها الأساسية (أي من دون استحقاقات الديون) في أواخر

سنة 0122 وقلصت عجزها التجاري بشكل حاد (انظر الجداول في الملحق)، لكنها عرفت انحدارًا حادًا في

النمو قارب ال 02 في المئة في السنوات الخمس الأخيرة. شكّل قيام رئيس البنك المركزي الأوروبي في 012/9/52 بإعلان برنامج جديد تحت مسمّى «المعاملات

النقدية التامة»، وهو برنامج سيقوم على أساسه بتوفير شراء من دون حدود للسندات الحكومية القصيرة المدى

(من الاسواق) في مقابل مشروطية إصلاحات تحت الإشراف الثلاثي (الترويكا)، نقطة تحوّل في السياسة

الأوروبية تحقّق المقايضة المعروفة بين زيادة التمويل وزيادة التحكّم مع المشروطية، ولو إنها تميل إلى صالح

الأولى، بطريقة تعطي البنك المركزي وظيفة تتماهى مع وظيفة الملجأ الأخير. ومع هذه الوظيفة الاستثنائية

المؤقتة، تكون الدول الأوروبية قد شارفت على إعلان نهاية مرحلة الإنقاذ؛ فهذا القرار سيساعد على إخراج

الدول الأوروبية التي قارب قرضها على الانتهاء، كالبرتغال وإيرلندا على سبيل المثال، من تحت مظلة الإنقاذ

المؤقت عبر شراء سنداتها (في الاسواق)، مع استمرار الشروط وآلية التحكّم نفسها. ويترك ذلك لصندوق آلية

الاستقرار المحدود الموارد ليقوم بمهمته المصرفية. وسيكون البنك المركزي قادرًا على فرض المشروطية نفسها

على الدول الكبيرة بحال تعرضت للاضطراب مجددًا. وبذلك يحلّ دعم البنك المركزي المشروط محل السندات

الأوروبية، التي تنتظر الوصول لتخفيض مهم في العجز الحكومي لعدد من الدول في الأعوام القليلة القادمة،

وتخطّي العقبات السياسية، بالرغم من أن تكاليفها، على ما يبدو، ليست مرتفعة، نظرًا إلى أن مجموع الدَّين

الحكومي اليورو أوروبي يصل إلى ما نسبته 88 في المئة من الناتج المحلي، وهو معدل يقلّ عن دول رأسمالية

أخرى كالولايات المتحدة واليابان. وصيغة البنك المركزي، التي رضيت بها ألمانيا، رغم ما توفّره من تمويل، هي

في النهاية صيغة مؤقتة يمكن، في حال الاضطرار، استبدالها بأشكال أخرى. يعطي تمويل البنك المركزي الحكومات الأوروبية فرصة ويتيح لها وقتًا للعمل على إيجاد صيغة ممأسسة لتثبيت

استقرار العملة الأوروبية الموحّدة، في حال توفرّت الإرادة السياسية لذلك. وقد يتطلب ذلك إعادة الاعتبار

للتسوية الألمانية - الفرنسية، بعد أن شهدت العلاقات الثنائية بينهما تبدالً مع مجيء الرئيس الفرنسي هولاند،

بحيث لم تعد الاجتماعات الثنائية الألمانية - الفرنسية ملازمة لاجتماعات القمم الأوروبية، كما في السابق. ويعربّ

هذا التنشيط لدور البنك المركزي عن الفراغ السياسي الذي بات يعطي دورًا أكبر للمؤسسات الأوروبية، مع

دور متنامٍ لها في التحكّم بسياسات الدول المالية التي تحتاج إلى دعم، ودورًا آخر في ضمان وجود أهداف بعيدة

للسياسات الأوروبية. وتبدو المواقف الأوروبية، مع ذلك، أقل تشنجًا ممّا كانت عليه في السابق، مع التأييد

97 خطة الجدولة الثالثة لليونان وزعت الأعباء على الشكل التالي: زيادة في برنامج التقشف للحكومة اليونانية لسنة 0132 من 9

مليارات إلى 13.5 مليار يورو، وتسريع وتيرة الخصخصة، وتخفيض الفائدة على قروض الإنقاذ (وهو ما سيجعل دوال مثل إسبانيا

والبرتغال تدفع فوائد على ديونها أكثر من الفوائد التي تجنيها من القرض اليوناني)، وتأخير استحقاق تلك القروض مدة 15 سنة، وقيام

الحكومة اليونانية بإعادة شراء سنداتها من القطاع الخاص (المتبقية بشكل رئيس من مصارفها وفي صناديق التحويط) بأسعار السوق التي

تقل عن السعر الأصلي.

98 انظر المقترح المشترك للمؤسسات الأوروبية في ما يخص السندات الأوروبية، وأيضًا التقرير الذي صدر عن رئاسة المجلس الأوروبي

قبيل اجتماع قمة حزيران/ يونيو 0122 وربط بين ثلاثة مستويات من الاندماج- في الميزانية وبالنسبة إلى القطاع المصرفي وعلى المستوى

السياسي، وكذلك بداية الحديث لرئيس المفوضيّة الأوروبية عن كونفدرالية أوروبية.

الفرنسي المعلَن للمعاهدة المالية، والمرونة الألمانية تجاه التمويل، رغم أن الأوضاع الداخلية لا تزال تضغط في

جميع البلدان وتؤثّر في مستوى صنع القرار، خاصة في ألمانيا التي تشهد دورًا متزايدًا للمحكمة الدستورية العليا

في تقرير مصير اليورو، وانقسامًا داخل نخبتها السياسية والأكاديمية بين مؤيد ومعارض للشراكة في الديون

التي يمكن أن تشكّل حالً لتثبيت الاستقرار الأوروبي.

رابعًا: خلاصات مرحلة في مسار لم يكتمل

أظهرت العملة الأوروبية الموحّدة من خلال هذه الأزمة المالية أنها في حالة من الخلل الوظيفي والبنيوي،

بوجود سياسة نقدية غير مكتملة، وتفاوت في القدرات الاقتصادية، وتباعد في السياسات الاقتصادية بين دولها.

والسياسات الأوروبية، التي تواجه أزمات المديونية المختلفة، بما فيها أزمة المصارف، هي في إعادة بناء أسس

لهذه العملة ولاستقرارها. وإعادة البناء هذه، إذا ما نجحت، ليست حيادية، أي إنها لا تنفصل عن اعتبارات

المصالح لدى دول منطقة اليورو الأوروبية، ولا عن الاعتبارات الأيديولوجية للسياسات الاقتصادية، ولا

حتى عن البُعد التاريخي الذي نشأ في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي واستقواء النزوع العولمي ما فوق الوطني

للشركات العابرة. لقد قامت السياسة الأوروبية، وهي في طريقها إلى إنقاذ الدول المتعرضة لارتفاع الفوائد على سنداتها في الأعوام

الثلاثة الأولى من التأزم، بالتعامل بشكل أحادي الجانب في إطار معضلة اليورو. وكانت منطقة اليورو في

الأعوام الثلاثة الأولى من الاضطرابات الاقتصادية كساحة حرب، سلاحها الفائدة على السندات، لاسترجاع

رؤوس الأموال التي توجهت جنوبًا خلال عقد ونيّف من دخول اليورو عملةً، عبر فرض سياسة تقشّف على

الدول التي نما ائتمانها (العام أو الخاص) من دون نمو إنتاجها الفعلي، وتلك التي لديها عجز تجاري (انظر

الجدول رقم ()6) بات يعتبر أنه يقع في الدائرة الرمادية على الحدود الاقتصادية التي لم تعد مرسومة بشكل

واضح مع دخول عملة اليورو. وفي حين كانت إدارة الأزمة تجاه الدول الصغيرة سهلة في إطار التحّكم في

سياساتها المالية من خلال قرض إنقاذ يخرجها من الأسواق، حصلت إدارة الأزمة على مستوى الدول الكبيرة

في ظل اضطرابات مالية استثنائية، وعبر تنسيق مهم من وراء الستار بين الفاعلين الرئيسيين فيها، لتحريك

الأحجار السياسية من أجل بناء سياسة تقشّف وإصلاح. لقد كانت خطة الطريق الوحيدة التي رسمتها السياسة الأوروبية خلال الأعوام الثلاثة هي وضع جدول زمني

ليجري، من خلال سياسات التقشّف، تخفيض معدلات العجز الحكومي بالنسبة إلى الناتج المحلي لعدد من

الدول الأوروبية كي تتناسب مع المعاهدة المالية، التي لا تزال في طور التصديق عليها. وأرست طريقًا لتحميل

الدول الأضعف تكاليف مديونيتها على مدى أعوام. ورغم ذلك، فإن المهمة غير منجزة، ولا يزال أمامها

بضعة أعوام، ومقاومة مجتمعية لا يستهان بها؛ فإسبانيا بدأت في أواخر فترة الإنقاذ سياسات تقشّف وإصلاح

جذرية، وسط احتجاج اجتماعي ومقاومة مناطقية. والحكومة البرتغالية، تحت ضغط مجتمعي متعدد الجهات،

بدأت بعد سنتين من التقشّف تُراجع سياسة تخفيض الأجور التي أملاها الخبراء الأوروبيون. وإيطاليا، التي

قبلت تدريجيًا بسياسات التقشّف، واجهت في سنة 0132 استحقاقًا انتخابيًا لم يسمح بتحقيق نجاح مريح

للسياسيين المؤيديين ل«الإصلاحات»». وتواجه ألمانيا استحقاقًا انتخابيًا قريبًا سيكون لنتائجه تأثير مهم في

مسار السياسات الأوروبية. ويظهر أن السياسات الحديّة التي اتّبعت لا يمكن الاستمرار بها، لكن تخطيّها لن يمر عبر تعديل أهداف

التقشّف أو زيادة النمو، بل من خلال تسهيلات أخرى (من غير المعروف مدى تأثيرها بعدُ) توّفرها مؤسستان

أوروبيتان هما البنك المركزي الأوروبي، من خلال شرائه المشروط للسندات الحكومية، وآلية الاستقرار المالي في

دعمها المباشر للبنوك. وتتحقق من خلال ذلك درجة عالية من تحّكم المؤسسات الأوروبية في السياسات المالية

والمصرفية للحكومات المعنية. وقد يساعد ذلك أيضًا في تسهيل الوصول إلى أهداف أخرى على المدى الأبعد،

في حال توافرت لدى البنك المركزي الأوروبي كمية كبيرة من السندات الحكومية، مسهاّلً عملية الانتقال إلى

السندات الأوروبية المشتركة مستقبالً. وآلية الاستقرار المالي الثابتة التي رأت النور وظيفيًا في تشرين الأول/

أكتوبر 0122، وهي في منزلة البناء الذي يُستكمل بالتدريج، تُظهر عبر زيادة وظائفها أنها أصبحت قادرة

على إقراض الحكومات، وشراء سندات حكومية من الأسواق، ولاحقًا تقديم دعم مباشر إلى القطاع المصرفي.

وهي قادرة على احتمالات أخرى، من قبيل إصدار سندات خاصة بها، ترشّحها مستقبالً حتى لبيعها كسندات أوروبية لمستثمرين خارجيين، أي إنها، بعبارة أخرى، البيت المالي الأوروبي المستقبلي في حال اكتملت عناصر استقرار العملة الأوروبية الموحّدة. وبهذا، تتداخل عملية الإنقاذ المؤقت التي حصلت في الأعوام الثلاثة الماضية مع أهداف بعيدة لاستقرار العملة الأوروبية الموحّدة. وهي حقّقت إجرائيًا تحميل الدول الضعيفة تكاليف اقتصادية آنية وبعيدة المدى (على المستوى

البنيوي)، وإعطاء صلاحيات استثنائية للبنك المركزي الأوروبي تتماهى مع الملجأ الأخير، وجعل التحكّم الأوروبي في السياسات المالية للدول ممكنة (على المستوى الوظيفي). لكنها عملت، في الوقت نفسه، على إحداث خلل بنيوي من نوع آخر، وذلك بزيادة الشرخ بين دول الشمال والجنوب؛ فهناك فك ارتباط مضى بعيدًا على مستوى القطاع

المصرفي بين دول الشمال والجنوب، وتوسعت الهوّة المعيشية والاجتماعية، وتكرّست سمات مشتركة تقسم دول

اليورو إلى بلدان ضعيفة تعيش حالة من الركود المستدام والبطالة الفاقعة وتدينّ مستوى المعيشة، وهي حالة لا تبدو

أنها ستقف عند حدود الأزمة، نظرًا إلى المديونية الضخمة التي تراكمت على هذه الدول. كانت هذه السياسات أيضًا بمثابة حرب على الذات؛ فالدول الأوروبية تقف أمام أزمة مصرفية مهمة وبأعباء

وأثقال مديونية أهم كثيرًا ممّا انطلقت منه. كما أن الدول المأزومة تحمل أقساطًا على شكل تكاليف اجتماعية

ستكون لها مفاعيل طويلة على مستوى ظروف سكانها الاقتصادية والاجتماعية. وكانت وجهة السياسات حتى

ذلك الحين في اتجاه واحد. ويتوقَّع مع انتقال الأزمة إلى مرحلة جديدة بأن تتبلور خطوات في الاتجاه المعاكس، تُضطر فيها الدول الاقتصادية الأقوى إلى مراعاة وضع القارة الاقتصادي وكذلك الوضع السياسي الداخلي؛

فالنهج النيوليبرالي الذي تعزّز في ألمانيا في إطار الاندفاعة العالمية والتوحّد شرقًا، من المحتمل أن يرتد بعض

الشيء لإعادة الاعتبار إلى الطلب الداخلي في إطار التأقلم مع تبعات الوجهة الاتحادية غربًا. ومن الصعب

تصوّر حلٍّ للمشكلة المصرفية من دون حزمة إجراءات لدفع النمو، كما حصل في الولايات المتحدة، وهي

إجراءات ستقع بالدرجة الأولى على عاتق ألمانيا، في ظل التقشّف الذي تمارسه الدولة الأوروبية الثانية، أي

فرنسا، لتخفيض عجز الميزانية بحوالي 001 مليار يورو لغاية سنة 016.2 وكان قد ظهر في أيار/ مايو 0122

ميل نحو إنعاش اقتصادي ألماني يقوده الطلب، ويؤدي أيضًا إلى تخفيض فائض ميزان مدفوعاتها العالي جدًا.

وقبلت الحكومة الألمانية بزيادة التضخم بمعدلات أعلى (3 في المئة بدل 2 في المئة) من المعدلات الأوروبية (أي زيادة الأجور). إن عقدة المساومة الأوروبية تكمن هنا، أي في تهذيب الهوّة الاقتصادية البنيوية بين دولها بالسير

في اتجاهين. لكنها مساومة تُصنع، في حال حصلت، على فراش مشذّب بسياسات نيوليبرالية لمصلحة الشركات

العابرة في الدول الرئيسة لتعيد تموضعها على مستوى القارة وأبعد.

الملحق

جدول رقم (1): مقارنة نسبة الديون الحكومية من الناتج المحلي)%(

لبعض الدول اليور أوروبية للفترة 2006-1999

(في أثناء التداول باليورو)

20062005200420032002200120001999البلد
69.367.761.959.256.653.550.449.4البرتغال
107.3101.298.997.4101.7103.7103.494اليونان
24.627.329.530.73235.235.148إيرلندا
39.743.240.348.852.655.659.44.26إسبانيا
106.1105.4103.4103.9105.1108.2108.5311إيطاليا
6466.76563.25956.957.458.9فرنسا
68.168.666.364.460.759.160.23.16ألمانيا
47.451.852.45250.550.7.3581.16هولندا

هولندا

جدول رقم (2): مقارنة نسبة الديون الحكومية من الناتج المحلي)%(

لبعض الدول اليور أوروبية لسنوات 2012-2007

(في أثناء الأزمة)

201220112010200920082007البلد
123.6107.893.383.171.668.3البرتغال
156.9165.5145129.4113107.4اليونان
117.6106.592.2.4695.4452إيرلندا
84.269.161.353.940.23.63إسبانيا
127120.1118.6116105.7103.1إيطاليا
90.68682.379.268.22.46فرنسا
81.980.682.474.4.6672.56ألمانيا
71.265.262.860.658.53.54هولندا

هولندا

Eurostat Indicators

Eurostat Inidcators

20062005200420032002200120001999البلد
209.4200.4193.1192.6187.9184170.7519.4البرتغال
9890.278.67268.36558.249.6اليونان
205.3192.3170.9153.5160.1419.4....إيرلندا
200.4176.6159.9147.8139.5132.5122.397.2إسبانيا
107.510194.590.886.78479.574.9إيطاليا
136.8131.6126.9123.7124.1123.7117.2110.5فرنسا
124.3128.2131.1135.5135.9133131.4217.7ألمانيا
212.6210.55٫204202.6195191189.5178.7هولندا

هولندا

20112010200920082007البلد
249.1250.2252.5420.41.322البرتغال
125125.2122.7119.3107.6اليونان
..341.3336.12843.512إيرلندا
215.9226.6226.9220.5512إسبانيا
..126.4125.6119.3.4119إيطاليا
..159.8156.8419.95.241فرنسا
127.8127.2310.56.3213.221ألمانيا
224.6225.3225.5211120.9هولندا

هولندا

جدول رقم (3): مقارنة نسبة الديون الخاصة من الناتج المحلي)%(لبعض الدول اليور أوروبية للفترة 2006-1999 (في أثناء التداول باليورو)

Eurostat indicators

جدول رقم (4): مقارنة نسبة الديون الخاصة من الناتج المحلي)%(لبعض الدول اليور أوروبية للفترة 2011-2007 (في أثناء الأزمة)

Eurostat Indicators

الجدول رقم (5): مقارنة نسبة العجز الحكومي من الناتج المحلي)%(لبعض الدول الأوروبية للفترة 2012-2002

20122011201020092008200720062005200420032002البلد
6.4-4.2-9.8-10.2-3.6-3.1-4.6-6.5-4.0-3.7-4.3-البرتغال
10-9.1-10.3-15.6-9.8-6.5-5.7-5.2-7.5-5.6-.48-اليونان
7.6-13.1-31.2-14-7.3-0,12.91.71.40.40.4-إيرلندا
10.6-8.5-9.3-11.2-4.5-1.92.41.30.1-0.3-0.2-إسبانيا
3-3.9-4.6-5.4-2.7-1.6-3.4-4.4-3.5-3.6-1.3-إيطاليا
4.8-5.2-7.1-7.5-3.3-2.7-2.3-2.9-3.6-4.1-1.3-فرنسا
0.21.0-4.3-3.2-0.1-0.21.6-3.3-3.8-4.2-.38-ألمانيا
4.1-4.7-5.1-5.6-0.50.20.50.3-1.7-3.1-1.2-هولندا

الجدول رقم (7): نسبة الحساب الجاري من الناتج المحلي)%(لبعض الدول اليورو أوروبية في الفترة 2011-2001

Eurostat Indicators

20112010200920082007200620052004200320022001البلد
9.8-10.1-11.1-14.9-14.6-11.4-7.6-5.8-6.5-6.5-7.2-اليونان
6.4-10-10.9-12.5-10.1-10.7-10.3-8.3-6.4-8.2-10.3-البرتغال
0.70.52.9-5.6-5.3-3.5-3.5-0.6-01-0.6-ايرلندا
3.5-4.5-4.8-9.6-10-9-7.4-5.2-3.5-3.3-.39-إسبانيا
3.2-3.5-2-2.9-1.3-1.5-0.9-0.3-0.8-0.4-0.3ايطاليا
2-1.6-1.3-1.7-1-0.6-0.5-0.50.71.2.18فرنسا
5.765.96.27.46.35.14.71.920ألمانيا
8.774.14.36.79.37.47.65.56.26.2هولندا

Eurostat Indicators

المراجع

Books Annunziata, Marco. The Economics of the Financial Crisis: Lessons and New Threats. Houndmills, Basingstoke; New York: Palgrave Macmillan, 2011. Brenner, Robert. The Economics of Global Turbulence. New York: Verso Press,

Calleo, David P. Rethinking Europe’s Future. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001. Gilpin, Robert. The Challenge of Global Capitalism: The World Economy in the 21st Century. With the Assistance of Jean Millis Gilpin. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000. Lapavitsas, Costas. Crisis in the Eurozone. London & NY: Verso Press, 2012

Milward, Alan S. The European Rescue of the Nation-State. With the Assistance of George Brennan and Federico Romero. 2 nd ed. London; New York: Routledge,

Scheller, Hanspeter K. The European Central Bank: History, Role and Functions. 2 nd revised ed. Frankfurt am Main: European Central Bank, 2006. Wallace, Helen, William Wallace and Mark A. Pollack (eds.). Policy-Making in the European Union. 5 th ed. Oxford; New York: Oxford University Press, 2005. (New European Union Series)

Periodicals Abdelal, Rawi. “The Politics of Monetary Leadership and Followership: Stability in the European Monetary System since the Currency Crisis of 1992.” Political Studies: vol. 46, no. 2, June 1998. Aglietta, Michel. “The European Vortex.” New Left Review: no. 75, May-June 2012. Eichengreen, Barry. “The Euro’s Never-Ending Crisis.” Current History: March

European Central Bank. “The ECB’s Monetary Policy Stance during the Financial Crisis.” Monthly Bulletin: January 2010. On the Web: <http://www.ecb.int/ pub/pdf/other/art1_mb201001en_pp63-71en.pdf>.

Farrell, Henry and John Quiggin. “How to Save the Euro – and the EU.” Foreign Affairs: May- June, 2011. Habermas, Jurgen. “Germany and the Euro-Crisis.” Nation: 28/6/2010.

Masera, Rainer S. “Single Market, Exchange Rates and Monetary Unification.” World Economy: vol. 17, no. 3, May 1994. Streeck, Wolfgang. “Markets and Peoples: Democratic Capitalism and European Integration,” New Left Review: vol. 73, January-February 2012. Supiot, Alain. “Under Eastern Eyes” (Turmoil in Europe). New Left Review: vol. 73, January-February 2012. Van der Pijl, Kess, Otto Holman and Or Raviv. “The Resurgence of German Capi- tal in Europe: EU Integration and the Restructuring of Atlantic Networks of Interlocking Directorates after 1991.” Review of International Political Econ- omy: vol. 18, no. 3, October 2011. Zis, George. “The European Monetary System, 1979-1984: An Assessment.” Jour- nal of Common Market Studies: vol. 23, September 1984.

Documents Ahearn, Raymond J. “Europe’s Preferential Trade Agreements: Status, Content, and Implications.” (Congressional Research Service, CRS Report for Congress, 3 March 2011). Conclusions of the European Councils meetings 2010-2012, on the web: <www. consilium.europa.eu/uedocs/cms_data/docs/>.