العودة إلى تفاصيل المؤلَّف زمن القبيلة وإشكالية السلطة والعنف في المجتمع الصحراوي

زمن القبيلة وإشكالية السلطة والعنف في المجتمع الصحراوي

The Age of the Tribe and the Dialectic between Authority and Violence in Desert Societies

عبد الله هرهار*

الملخّص

الكاتب : رحال بوبريك مكان النشر : الرباط، المغرب الناشر : دار أبي رقراق تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات: 354

Abstract

Book Title: The Age of the Tribe and the Dialectic between Authority and Violence in Desert Societies Author: Rahhal Boubreik Place of publication: Rabat Publisher: Dar Abi Raqraq Date of publication: 2012 Number of pages: 354

الكلمات المفتاحية:
  • القبيلة
  • العنف
  • السلطة
  • المجتمع الصحراوي
Keywords:
  • Tribe
  • Violence
  • Authority
  • Desert Society

الكاتب: رحال بوبريك مكان النشر: الرباط، المغرب الناشر: دار أبي رقراق تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات: 354

تقديم

كيف تحضر الجماعة في المجتمع الصحراوي؟ ما تعبيراتها ودلالاتها الاجتماعية والسياسية؟ حول ماذا تنبني شرعية الجماعة كسلطة سياسية؟ وممّ تتشكل؟ كيف تشتغل مجالسها؟ وما الذي يميز الجماعة من جماعة آيت أربعين؟ كيف تنظر الجماعة إلى ذاتها وإلى أعرافها؟ ثم كيف يمكن للقبيلة أن تحافظ على الأمن والسلم والنظام في مجتمع تغيب فيه الدولة؟ هذه مجموعة أسئلة تحاول هذه المقالة الإجابة عنها من خلال قراءة كتاب زمن القبيلة ومراجعته،

وهو كتاب يتميز برصانته العلمية وعمق تاريخي وأنثربولوجي. يتضمن كتاب زمن القبيلة بابين، يتمحور الأول حول زمن القبيلة وآليات التدبير الذاتي للعنف، ويتمحور الثاني حول سلطتي الدولة والقبيلة. تواجهنا في الباب الأول ثلاثة فصول، يتمحور أولها حول مؤسسات السلطة بين الجماعي والفردي، والثاني حول العرف والعصبية والدِّين، والثالث حول الذبيحة وأنماط الحماية وطقوسها. يسلط الباب الثاني الضوء على سلطة الدولة وسلطة القبيلة، ويتعرض فيه لطبيعة العلاقة بين القبيلة ورجال المخزن [الحكومة]، والقبيلة ونظام الدولة.

أولا: القبيلة وآليات تدبير العنف

تُعتبر الجماعة أهم جهاز لتدبير شؤون القبيلة. وهذا النوع من المؤسسات ليس حديثًا في شمال أفريقيا، إذ نجد في سياسة ابن تومرت في العهد الموحدي ما يحيل إلى «أهل الجماعة» و«أهل الخمسين» الذين يملكون السلطة العليا في تدبير شؤون المجتمع. يورد الباحث نص «جوامع المهمات» لجماعة قبيلة الركيبات في الصحراء، وهو النص الذي مكّنه من تتبّع خيوط سلطة الجماعة وميكانيزماتها المبنية على مجموعة من القواعد، منها التشاور على اختيار قادتها (المقدم)، ويشترط فيه التوفر على خصائص ومميزات تميزه في شخصه، وتؤهله لدور الوسيط بين قرارات جماعة آيت أربعين وجماعته. كما أن قيام الجماعة يحكمه منطق دفاعي عن الذات، ومواجهة كل عدو خارجي افتراضي، ما دام الوضع في الصحراء محكومًا بقاعدة الحرب الدائمة، و«الحرب هنا ليست نتاجًا لعدوانية كامنة في البدو ورغبة جامحة في تطبع سلوكهم، بل نمط إنتاج قائم بذاته، يجلب الثروة عن طريق الغنائم» (ص 22). ثم إن وظيفة الجماعة ليس دورًا تقنيًا، بل وظيفتها سياسية، تكمن في القيام بدور «الحاكم» في قيادة. إن شرعية الجماعة ليست اجتماعية وسياسية فقط، بل شرعية دينية أيضًا؛ إذ تقوم مقام السلطان في الحفاظ على أحوال المجتمع من الانحراف والتسيب وانتشار الفوضى والمفاسد. يقارن الباحث بين السلطة المبنية على الاجتماع والتوافق والسلطة المبنية على الأسس الدينية. إذا كانت القبيلة هي الإطار السياسي العام الذي تتشكّل داخله الجماعة من «كل الرجال البالغين والقادرين على حمل السلاح، أو من أعيان يمثّلون كل فخذة من القبيلة» (ص. 26) من هنا، فالجماعة، ومنها جماعة آيت أربعين، تتكوّن من أفخاذ، وكل فخذ يتكوّن من عدد من الرجال قد يصل عددهم إلى اثني عشر أو خمسة عشر رجالً. كما أن الوضعية الديموغرافية والإثنية والسياسية للمجموعات المتفاعلة في الصحراء تجعل بعض الأفخاذ يذوب في أخرى، وتشكل وحدة سياسية قد تكون الجماعة أحد تمظهراتها. يستفيض الباحث في مناقشته مؤسسة آيت أربعين، من خلال وقوفه على التسمية وملابساتها، مناقشًا ما ذهب إليه ديفيد هارت D. Hart() من خلال استحضار حجج تتعلق أحيانًا بدراسات روبير مونتان R. Montagne()، وأحيانًا أخرى بشهادات مسنّين من الصحراء، مستفيدًا في ذلك من وثائق تاريخية توافرت له. إن مؤسسة آيت أربعين تشكّل مجلسًا مؤقتًا ذا سلطة تنفيذية، وهي مؤسسة عرفية لا توجد في غرب الصحراء إلاّ في شمال بلاد البيضان. إن مثيل هذه المؤسسة يحضر في موريتانيا من خلال ما يسمّى الدعامة أو الركيزة. إن اجتماعات هذا المجلس تفرضها التهديدات الخارجية والنزاعات الداخلية، وأعضاؤه غير دائمين، ينظرون في المشكلات العالقة، ويتّخذون القرارات المهمة. يتولى رئاسة المجلس مقدّم يقوم باختيار مساعدين له من رجالات الجماعة. ويسعى المجلس لأن يكون محايدًا في علاقته بالنزاعات الداخلية وتدبيرها. إن الحياة القبلية في الصحراء هي حياة ترحال تتم من خلال وحدات قرابية، يُعتبر الفريك أصغرها، ويليه المحصر الذي قد يضم ما بين مئة ومئتي خيمة، وبعدها تأتي الحلة التي يفوق عددها المئتي خيمة (ص. 32) ولا يحصل الاجتماع في صيغة محصر وحلة إالّ في حالات الحرب، التي تقتضي العدة والعتاد دفاعًا عن القبيلة وترابها.

يلاحظ الباحث وجود علاقات قرابية مباشرة، تغذي وحدة الفريك، باعتباره مجاالً رمزيًا للأفراد. ومن هذه النقطة السياسية تنشأ علاقات أخرى تشمل الاقتصاد والرعي، وتنتهي بتبادل النساء وباقي الخيرات. من هنا، فالعشيرة لن تكون سوى اتحاد هذه الوحدات الصغرى، وهي الوحدات التي تعود إليها ملْكية التراب في صيغة جماعات سلالية هي التي تشكل القبيلة. إن آيت أربعين مجلس مؤقت، ومؤسسة غير دائمة لا وجود لها إالّ في الفترات الصعبة والحرجة من تاريخ القبيلة، في حين أن مجلس الجماعة مجلس دائم. عمليًا لا يمكن للجماعة أن تمارس نفوذها وسياستها إالّ من خلال أدوات أو آليات معدة لذلك؛ إذ تفوض سلطتها إلى زعيم قد يكون شيخًا أو مقدمًا، «مع أن هناك تباينًا بين الوظيفتين حسب القبائل والمناطق، فالشيخ له سلطة أكبر من المقدم، كما أنه في الغالب يستمر في منصبه حتى وفاته» (ص. 9)3 يتميز الشيخ بمجموعة من الخصال والخصائص، منها: التوقير والاحترام؛ الانتماء إلى عائلة ذات سلطة وجاه وهو ما لا يرتبط دائما بالمال والثروة؛ كِبر السن؛ حنكة الفصل في النزاعات؛ حُسن اختيار مكان بناء الخيام؛ توجيه القبيلة والجماعة وأفعالهما. أمّا المقدّم، فيتميز في شخصه ووظيفته بما يلي: اختياره من الأفخاذ، وتولّيه قيادة الحرب حتى نهايتها. في حالة افتقاره إلى الكفاءة، يعوَّض بأحد أقربائه. وفي أوقات السلم، يجري اختياره من أفخاذ، ويراعى في اختياره نسبه إلى أولياء أو زوايا القبيلة. تتباين وظائف الشيخ أو الزعيم بحسب الوضعية التي تعيشها القبيلة: «إن سلطة الزعيم التي لا يمكن معارضتها أيام الحرب، تعود بسرعة مع السلم تحت مراقبة مجلس جماعي مشكّل من الأعيان؛ فالسلطة العادية هي السلطة القائمة على الإجماع وليس على الإكراه»(ص. 44) يبين الباحث أن تاريخ القبيلة في الصحراء نادرًا ما يشهد وجود إجماع حول المشيخة، بمعنى أن الشيخ لا يحكم بل «يضمن النظام الاجتماعي ووسيط في الخلافات» (ص 44). ويقوم بدور الحكم الذي يتوخى الصلح لا العقاب، ويعمل من أجل التخفيف من النزاعات الداخلية حتى لا تتطور. أمّا سلطة المقدّم، فتكمن في كونه «يمثل الجماعة، ويُنتخب سنويًا أو حين تحتم الظروف ذلك» (ص. 45). كما أنه يختار بدوره أفرادًا كهيئة تنفيذية تساعده في تنفيذ أوامر الجماعة وآيت أربعين، وهو لا يمتلك سلطة مطلقة دون غيره. تحد وظيفة المقدّم وآيت أربعين من استفراد شيخ القبيلة بالسلطة، ويُشترط في المقدم، لكي يحافظ على وظيفته، أن يكون ثريًا وسياسيًا. وينتهي الباحث إلى خلاصة مفادها: «إن جوهر السلطة في المجتمع الصحراوي التقليدي كان لا يرتكز على العنف والإكراه.. كما هو الأمر في مجتمع الدولة المركزية» (ص. 54) والأمر الذي يدعم هذه الأطروحة هو: -1 «التسميات التي تُطلق على رئيس القبيلة، والتي تبين أنها لا تحمل دلالات سلطوية، فعبارة ‘ شيخ ’ تحيل إلى فئة عمرية لما يميّزها من حكمة ووقار وحنكة، وكذلك عبارة ‘ مقدم ’ الجماعة، فهو مقدم على قومه.. المقدمة، وهاتان العبارتان لا تحملان مضمونًا يوحي إلى السلطة والرئاسة» (ص.-54 55) 2 - «نمط عيش شيوخ القبائل وزعمائها شاهد على طبيعة السلطة، ذلك أن الشيخ والمقدّم لا يتوفران على امتيازات، أو يعيشان في بذخ وغنى فاحش يميزهما عن باقي أفراد المجتمع» (ص. 55) وهؤلاء الشيوخ والزعماء يتميزون بالهيبة، والقدرة

على الإقناع والتحكيم، وممارسة الصلح. لذلك، «يجب على الزعيم أن يكون قادرًا على الهبة والسخاء والجود. فلا وجود هنا لسلطة فردية يغيب فيها دور وعامل العطاء، وبواسطة هذا العطاء التبادلي يتم الوصول إلى الخضوع الإرادي للرعية» (ص. 0)6 نحن أمام سلطة تمارَس بالتواطؤ المتبادل، وهي «السلطة القائمة على التوازن والتوافق بين الأطراف، وحتى في حالة وجود هرمية وتراتبية، فإنها تنال رضا إن لم يكن الصمت المبيت والضمني للمجتمع الذي يقبلها بشكل طبيعي، أو هكذا يراد لها أن تكون» (ص. 62)

ثانيًا: سلطة الجماعة أمام العُرف والشرف والدِّين

يعرّف الباحث العُرف بكونه «مجموعة من القوانين الوضعية التي تسهر القبيلة على سنّها، في سبيل تنظيم شؤونها الداخلية والخارجية» (9 ص.)6 والملاحَظ أن العرف غير ثابت، بل يخضع دائمًا للتغير والتأقلم بحسب الحالة أو الوضع أو المجال الجغرافي. فضلا عن ذلك، فهو لا يمثّل فقط الجوانب الزجرية والعقابية، بل «يجسّد» أيضًا «وحدة العشيرة أو القبيلة، فالعلاقات القبلية والقرابية غير كافية لخلق جو ملائم للتعاون السلمي بين أفراد المجموعة، لذا تحتم وجود قانون شفوي أو مكتوب يمكّن من ضبط علاقاتهم، ويضع قواعد ترمي إلى حماية المجموعة من الانحراف والفوضى» (ص 70). من وظائف العرف حماية الفرد وممتلكاته في مجتمع تنعدم فيه سلطة فوقية تقوم بهذه الوظيفة. لكن رغم ذلك، تميّز النظر إلى العُرف باعتباره «نظامًا» مخالفًا للشرع. ولم تتغير هذه النظرة إلى العُرف، حتى عندما استُند إلى الدراسات الاستشراقية أو الأنثروبولوجية. إن الاعتراف بوجود نظام قانوني شفوي أو مكتوب، كان لا يتناسب مع النظرة والرؤية الجاهزة التي كوّنتها النخبة العالمة الإسلامية أو كوّنها بعدها الدارسون الأوربيون «الذين اشتغلوا حول البدو الرحل» (75 ص). إن أغلب القبائل في الصحراء دوّنت أعرافها، وهي القوانين الصادرة عن جهاز القبيلة، وهي بمنزلة سلطة تشريعية قضائية وتنفيذية، تطبق في إطار مجموعة بشرية مبنية على العصبية القبلية كأيديولوجيا تدفع نحو الترابط والتماسك، وهي نزعة يعتبرها ابن خلدون طبيعية في البشر، إذ يقول: «إن النسب أمر وهمي لا حقيقة له، ونفعه إنما هو في الوصلة والالتحام» (ص. 77) العرف نص قانوني يجسد إرادة الجماعة وروحها كوحدة نسبية متضامنة ومتماسكة. وهو الذي يتأسس على مجموعة قواعد، أهمها نظام التعويض والتراضي الذي يخوّل تطبيق بنود العرف لأعضاء مجلس الجماعة أو آيت أربعين. إن الأحكام العرفية الصادرة عن مجلس القبيلة هي أحكام تقتضي الخضوع والانصياع من قبل الجاني، وقد يقتضي ذلك ممارسة إكراهات مادية أو رمزية. لذلك، تحاول الجماعة من خ الل أعرافها، احتواء مختلف أشكال النزاعات وتجفيف منابع التوتر داخل القبيلة. من هنا، يترجم العرف روح التضامن والتعاضد الاجتماعي، وهي القيم التي يراد لها أن تسود داخل القبيلة، تفاديًا للقصاص والثأر. يتجسد العِرض لدى الإنسان الصحراوي في المرأة والخيمة؛ إذ يشدد العُرف على معاقبة المرأة في حالة حملها خارج مؤسسة الزواج، والخيمة حرمة يجب أالّ تثار فيها الفتن أو تُمس قدسيتها. ولا يقف العِرض هنا، بل يشمل أيضًا

الأرض الجماعية والممتلكات، وهو يحتل مكانًا مركزيًا في المجتمع البدوي الصحراوي؛ «فقد تدور معارك طاحنة بسبب إهانة أو مس في العِرض ولو باستعمال عنف لفظي» (ص. 1). 00 لذلك، تسعى الجماعة إلى تقنين كل ما يمكن أن يصدر عن الإنسان، كالتهديد بالعنف، والمس بالكرامة أو الإهانة أو الشتم، فضالً عن ممارسات أخرى مرتبطة بالضرب والجرح والسرقة.. بهذه الإجراءات التنظيمية تكون الجماعة قد احتفظت لنفسها باحتكار السلطة لتجعل من نفسها المرجع القانوني الوحيد داخل مجالها. إن العُرف لا يقتصر على احتواء العلاقات الداخلية لأفراد القبيلة، بل «يتعداه إلى العلاقة بين القبائل على شكل اتفاقيات ثنائية أو جماعية بين مكوّنات قبلية تتقاسم مجاالً معينًا، وتحتم ظروف ومكان الترحال والاحتكاك الدائم بين أفرادها» (ص -103 04.)1 كما لا يقتصر العُرف على ما أشرنا إليه سابقًا، بل يشمل أيضًا «التنظيم الأمني للطرق والأسواق والمواسم والغابة، وتدبير شؤون السقي وضيافة المسافرين والمسجد والقطيع، وغيرها من القضايا المتعلقة بجوانب الحياة الاجتماعية» (06 ص.)1 لقد كان العُرف تعبيرًا تلقائيًا عن روح الجماعة ووعيها، وهو الذي كان يستحضر المشكلات والحلول، ويجيب الحاجات الطارئة. وتبدو الأحكام العرفية أكثر إنسية وأقل عنفًا، لكونها «تطبَّق على أبناء القبيلة الواحدة، وتراعى فيها مجموعة عناصر تتحكم فيها روابط النسب وأواصر القرابة والدم المشترك» (ص 09.)1 ومن خ الل تفسير طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة، ينتصر الباحث لأطروحة بيار بورديو P. Bourdieu) (بشأن الهابيتوس habitus()، مبرزًا أن «الفرد هو تجسيد للاجتماعي ولا يملك أي حرية في التفرد أو الخروج من الهابيتوس الاجتماعي. إن الأمر لا يتعلق بمجرد اعتبار الجماعة محددًا للفرد بل موجهًا له» (ص 111). أنتج المجتمع الصحراوي الكثير من الفقهاء والقضاة في أمور الإرث والزواج وتحرير العقود. وقد قام الاستعمار بدور مهم في توفير القضاء الشرعي، وذلك من خلال تعيين قضاة رسميين يتم اللجوء إليهم في حل النزاعات. يؤكد جلنر أن جماعات القبائل لم تكن تميّز بين العُرف والشرع؛ «فأحكام الشرع هي بدرجة من التعقيد وسعة المجال، يصبح معه من العسير على العامة معرفتها، كما أن الغموض بين ما هو شرعي وعرفي يظل هو الميزة السائدة لدى هؤلاء الفقهاء» (ص 123). بل إن الشرع ظل هو مصدر القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية. أمّا أسطورة التضاد بين العرف والشرع، فليست بالضرورة صحيحة دائمًا؛ فعندما تحاول الجماعة إضفاء طابع الشرعية على قوانينها العرفية، فهي إنما تهدف إلى سن بنية قانونية محلية، مع مراعاة النصوص الشرعية في ذلك.

ثالثًا: الجماعة وآليات الاندماج والإدماج

القانون العرفي وحده لا يكفي لضمان الأمن والنظام، لذلك يتم اللجوء في الغالب إلى الذبيحة والتركيبة من أجل الاحتماء. وتتخذ الحماية أشكاالً قد تكون مؤقتة وقد تكون دائمة. ولم تشمل الحماية في المغرب أهل الجاه والشوكة فقط، بل شملت أيضًا رجال الدِّين، وأصحاب البركة والزوايا والشرف، وأضرحة الأولياء. كما أن الحماية لا تقتصر على توفير الأمن لمرتكب جريمة أو لمتمرد منفي من قبيلته، بل تشمل أيضًا المسافرين وغيرهم من التجار الذين يجوبون الأسواق. ومن شروط

الحماية ألا يضر ذلك بمصلحة القبيلة الحامية لطالبيها، كما أن الحماية لا يقوم بها إالّ من هو في موقع القوة، ويملك القدرة على تحمّل آثار تلك الحماية. لا تقتصر الحماية على الأفراد، بل يمكن أن تشمل حتى بعض القبائل أو فروعًا منها على الأقل تكون شوكتها قد انكسرت في معارك ما، وأصبحت تحت حماية قبائل أقوى ورحمتها. وقد يفضي بها وضعها الجديد إلى فقدان اسمها الأول والحصول على اسم آخر. وكان الأشخاص والجماعات المحمية يدفعون في مقابل حمايتهم ضرائب تسمّى الحرمة والغرامة، حيث الأولى تحيل إلى الحماية والثانية تحيل إلى الخضوع: «إن المغرم يؤدى بشكل منتظم من طرف عصبية ضعيفة غير قادرة على حماية نفسها. أمّا القبائل التي لم تكن تملك من الشوكة ما تدافع به عن نفسها، فتبحث أو يفرض عليها ضرائب الحرمة والغرامة من طرف قبائل حمل السلاح الذي يتخذ مع الزمن طابعًا إلزاميًا» (ص 136). كما كانت هناك آليات أخرى طبعت المجتمع الصحراوي، منها الذبيحة والخاوة، ومن وظائفهما: ربط العلاقة بين أفراد ومجموعات خارج رابطة الدم المعهودة، من أجل تأسيس علاقات جديدة مبنية على الخاوة (الأخوّة)، وهي علاقة هرمية يحتل فيها الذابح مرتبة دنيا أمام المذبوح عليه. وتكون الذبيحة لغاية الحماية أو الإدماج في القبيلة، أو للترضية وصون العِرض. تكون الحماية مؤقتة عندما يتعلق الأمر بوجود مؤقت في مجال ما، بغاية الرعي أو التجارة أو السفر. إن الذبيحة التي تقدَّم ليست مقابالً ماديًا لاستغلال مراعي القبيلة، بل قيمتها سياسية تكمن في الاعتراف بسيادة القبيلة على ذلك المجال. ومع الاستعمار، سينتهي العمل بقانوني الذبيحة والغفر. وأصبح الحامي في الوضع الجديد هو السلطة الاستعمارية، وذلك في مقابل ضرائب سنوية. إن طبيعة الحياة في الصحراء، التي تقتضي من الجماعات البشرية التنقل والترحال، يترتب عنها عدم ديمومة التحالفات، ولهذا غالبًا ما يتم الانتقال من تحالف إل آخر. أمّا عملية الاندماج الاجتماعي، فلا تعني في الغالب سوى الأفراد أو العائلات. وتتم هذه العملية من خلال طقوس الذبح، التي يلجأ إليها الأشخاص المطرودون من جماعتهم الأصلية والمنفيون عنها. كما يتم اللجوء في بعض الأحيان إلى الأماكن المقدسة احتماء بغطائها الرمزي والقدسي، حيث يلزم الشخص المزواك أن يحد من تحركاته حتى لا يثير خصومه، فضالً عن ضرورة الالتزام بالقوانين التي تفرضها الجماعة الحامية. وتتم عملية الإدماج أيضًا من خلال تقديم أضحية، ويُعتبر ذلك إعلان ميلاد علاقة دموية جديدة أساسها الدم والطعام، وميثاقها العهد والوفاء. غير أن إدماج الدخ الء والغرباء داخل القبيلة لا يخوّلهم تبوّء المكانة والوظائف الاجتماعية والسياسية ذات الأهمية: «إن الانتماء للقبيلة عن طريق الولاء يمنح الفرد حمل نسبها، ولكن لا يمنحه المساواة مع باقي مكوّناتها التي تعتبر نفسها من عصب، فشجرات النسب الدموية تظل محددًا للمكانة الاجتماعية والسياسية للفرد داخل القبيلة» (ص 115).

رابعًا: السياسة بين القبيلة والدولة

يعرض الباحث النقاشات النظرية بشأن السياسة والدولة ومجتمع اللادولة، كما تبلور ذلك في علم الاجتماع والأنثربولوجيا. إن ولادة الدولة تتأسس على أنقاض القبيلة، «والدولة بهذا المعنى

تتطلب انقراض التنظيم القبلي، لأنها تقوم على مراقبة مجال ترابي يعيش عليه أفراد منضوون في مجموعات ترابية وليس في مجموعات قرابية» (84 ص.)1 ووفقًا للخطاطة التي وضعها مورغان، فإن البشرية تسير من التوحش والبرية في اتجاه الحضارة. وهذه النظرة التطورية للتاريخ سيكون لها تأثير كبير في ما بعد، سواء مع إنجلز أو مع الدراسات الأنثروبولوجية اللاحقة، خصوصا مع مرشال سالنز M. Sahlins(). كان من اللازم انتظار بداية الأربعينيات من القرن الماضي، والتعرف إلى أعمال إفنس بريتشارد E. Pritchard() المتعلقة بقبائل النوير جنوب السودان، وثلة من الباحثين الذين اشتغلوا بشأن أفريقيا السوداء، وصوالً إلى الدراسات اللاحقة في ما يتعلق بالمغرب، مع إرنست كلنر E. Kilner() وهارت وريمون جاموس، فضالً عن مساهمات المدرسة الفرنسية، خاصة مع الأنثروبولوجيا السياسية (جورج بلاندييه)، من خلال تركيزه على عنصر القرابة. كما أن الأنثروبولوجيا السياسية ركزت بدورها على الجانب الطقوسي والرمزي في دراستها للسلطة. هذا وقد انتهت الدراسات الأنثربولوجية من خلال هذا التراكم المعرفي، إلى تجاوز مفهوم السياسة كما تجسدها الدولة، «فأصبحت السياسة تتخذ أبعادًا كثيرة ودلالات أغلبها ربط فعل السياسة بالتحكيم والوساطة والحق في استعمال القوة؛ ففي المجتمعات التي تهيمن فيها روابط القرابة، تكون المواطنة مشروطة ومحددة بنمط الانحدار النسبي، أبويًا كان أم أموميًا. فالدور والمكانة والوظيفة السياسية ومراكز السلطة تحددها عوامل عشائرية وسلالية قبلية»(ص 921) أكثر ممّا تحددها عوامل ومتغيرات أخرى. تطرّق الباحث كذلك إلى ثنائية المخزن والسيبة كما تبلورت مع شارل دو فوكو Ch. de Foucauld()، ثم وقف على اجتهادات مؤرخين مغاربة. وينتهي الباحث إلى أن بلاد الصحراء من واد نون إلى وادي الذهب «عرفت تنظيمًا سياسيًا ظلت فيه السلطة في حدود القبيلة» (ص 062)؛ إذ بقيت السلطة السياسة في الصحراء في حدود القبيلة. وقد استغرق الباحث في تفاصيل كثيرة بشأن كرونولوجيا الرسائل السلطانية، وأحداث ووقائع كثيرة تنم عن تفاصيل وطرق اشتغال أسر ذات نفوذ اقتصادي وتطلعات سياسية. أكد الباحث بعد ذلك أن النظام القائدي في المغرب لم يكن وليد عوامل خارجية فحسب، بل كان يجد نشأته وتطوره في عوامل داخلية أيضًا. وقد لقي هذا النظام عناية ودراسة كلّ من مونتان في البداية ثم بول باسكون P. Pascon() في ما بعد. يلخص هذا الأخير التيارات التي هيمنت على الأطروحة القائدية في المغرب في ثلاثة عناصر: -1 إن أمغار (الشيخ) يظهر على هامش السلطة المركزية وكل طموحه أن يصبح زعيمًا مخزنيًا من خ الل اعتراف المخزن بسلطته على القبيلة (مونتان)؛ -2 حين يقترب المخزن من القبيلة إبان «حركاته»، تلغي القبيلة دور الجماعة وتفوض أمر قيادتها لأمغار يقود المقاومة ضد الجيش المخزني. ونتائج هذه المقاومة هي التي تجعل منه إمّا زعيمًا مستقالً يطمح إلى تأسيس سلالة حاكمة وإمّا قائدًا يؤدي دور الوسيط بين المخزن والقبيلة؛ -3 الظاهرة القائدية من صنع السياسة الاستعمارية (أطروحة الحركة الوطنية.) يؤكد الباحث أن تجربة الصحراء لم تشهد نظامًا قائديًا ولا شخصيات استبدادية على شاكلة كبار قواد الأطلس، الذين سمّتهم الكتابات

الاستعمارية الأسياد الفيوداليين. أمّا النموذج القائدي الذي عرفته منطقة واد نون، فكان حديث العهد، وقد تجلى في مؤسسة القائد المخزني في أواخر القرن التاسع عشر. وتبيّن الدراسة أن السلطة المركزية لم تكن تهدف إلى الحصول على المغارم والضرائب، بل إلى منع التغلغل الأجنبي في السواحل الصحراوية: «رغم ضعف سلطة المخزن المباشرة في الصحراء، خاصة مع العقد الأول من القرن العشرين، ظل تأثير السلطان على المستوى الرمزي حاضرًا، فالزعامات القبلية لم تعد تكتفي بالشرعية المحلية، بل أصبحت تبحث بأي ثمن عن شرعية من المركز» (ص 722). إن وجود القواد المخزنيين لم يلغ دور جماعة القبيلة، لغياب آليات ميدانية في يد القواد. ثم إن تعيين قواد من خارج القبيلة تواجهه صعوبات، من أهمها كون القبيلة بعيدة جغرافيًا عن المركز، إذ يصعب على قائد من دون قوة عسكرية ولا إمكانات بسط نفوذه على تلك القبائل. والقبائل لا ترضى دائمًا على القواد الذين يأتونها من الخارج. يضاف إلى ذلك أن القواد القبليين لم يكونوا الجهة الوحيدة المخاطبة من قِبل السلطة المركزية؛ فالسلطة تعتمد أيضًا على أرباب الزوايا. ومن أمثلة هؤلاء الشيخ ماء العينين. إن هؤلاء القواد كانوا شبه موظفين، يفتقرون إلى الوسائل التي تمكّنهم من الحلول محل الجماعة في تسيير شؤون القبيلة. واقتصر دورهم على الوساطة بين المخزن ومجال قبيلتهم.

خامسًا: المؤسسات التقليدية بين التقويض والمقاومة

يؤكد الباحث أن الجيوش الفرنسية لم تصل إلى منطقة وادي نون إالّ في سنة 934.1 وتلا ذلك وضعُ تنظيم إداري على شاكلة التنظيم الذي كان في شمال المغرب، وذلك من خلال هيكلة السلطة داخل القبيلة. وهكذا حافظت سلطات الحماية على مؤسسات المخزن التقليدية كمؤسسات صورية. ولم يستطع المقيم العام ليوطي إلغاء مؤسسة السلطان لشرعيته الدينية كأمير للمؤمنين يسود ويحكم. وكان الهدف من إبقاء السلطان في مكانه استغلال شرعيته الدينية وتجنّب غضب المغاربة. كما أن المحافظة على النظام المخزني كان بغاية الاستفادة من خبرات وتجارب موظفيه في تدبير البلد. وقد اعتمدت الحماية الفرنسية على هذا النظام من خلال توجيهه ومراقبته. إن تبنّي النظام القائدي هو تبنٍّ للسلطة الفردية بغاية توفير مخاطب واحد لبتِّ قضايا القبيلة. وقد أصبحت وظيفة القائد «الاستعماري» وظيفة إخبارية وتطبيق السياسة الاستعمارية، و أصبح مجرد موظف مساعد لمسؤول الشؤون الأهلية التابع له، ووسيط بين السلطة والقبيلة. وقد عملت السلطات الفرنسية على جعل هؤلاء القواد والشيوخ يتمتعون بالشرعية، وحدّت وفي الوقت نفسه من طموحهم للاستقلال عنها. وكانت الوظائف التي أُسندت إلى هؤلاء القواد تجعلهم في مواقف حرجة مع قبائلهم؛ فبعض الشيوخ الذين رفضوا الانصياع للأوامر جرت تنحيتهم بسهولة أو رُحلوا برفقة مقربيهم إلى مكان آخر. بعد السيطرة الميدانية على الأرض، أجرى «المخزن الفرنسي» تغييرات مسّت جوهر السلطة داخل القبيلة، فتم الانتقال بها من السلطة الجماعية إلى السلطة الفردية؛ إذ شرع الفرنسيون في التفكير في وضع تنظيم إداري في المغرب، ولم يجدوا غير الجماعة كمؤسسة سياسية تقوم بمهمة تنظيم المجتمع، فتم التركيز على هذه المؤسسة بسبب عمقها التاريخي وقدرتها على تنظيم الحياة العامة في البوادي.

عمدت فرنسا منذ احتلالها الجزء الشمالي من الصحراء، على تقويض الجماعة القاعدية التقليدية، لصالح نظام إداري وسياسي جديد، فأصبحت «الجماعة القضائية» تتكوّن من فرد من كل فخذ، وهي الجماعة التي أصبحت لا تتضمن شيوخ الأفخاذ التي يقترح أعضاؤها من طرف المراقب المدني، إذ لم تعد القبيلة هي التي تختار أعيانها بل أصبح الاختيار يتم من جانب السلطة الاستعمارية والمخزن. قلصت السلطة الاستعمارية من الدور السياسي للجماعة لصالح سلطة فردية، تتجسد في الشيخ والقائد. أمّا الجماعة القضائية، «فلم تكن في مكانة ودور الجماعة التقليدية. احتفظت القبيلة في الصحراء ببعض وجوهها من الأعيان ورجال دين لهم سمعة وجاه ومكانة خارج دواليب الإدارة الاستعمارية المراقبة والمباشرة. هذا الاستمرار السياسي للقبيلة، كان ضرورة سوسيولوجية داخلية لتدبير شؤون القبيلة، ومقاومة صامتة لإدارتها، ورفضًا للأعيان الذين فرضتهم الإدارة الاستعمارية. يؤكد الباحث أن الإسبان لم يكن لديهم حتى عشرينيات القرن الماضي أي رغبة في إخضاع القبائل الصحراوية. كما أن ساكنة الصحراء كانت ترى في الإسبان قبل سنة 9341 مجرد تجار يزاولون تجارتهم في الصحراء، أو يمارسون الصيد. وكان الأمر الذي ساهم في هذه الرؤية هو طبيعة السياسة السلمية الإسبانية في المنطقة، ثم العمل على استقطاب أعيان القبيلة والشخصيات الدينية. وابتداء من سنة 9341 بدأت إسبانيا تضع أسس تنظيم سياسي وإداري وعسكري للتحكم في المنطقة. إالّ أن هذا التنظيم تميّز، مقارنة بمثيله الفرنسي، بالمرونة في التسيير وعدم التدخل الدائم في شؤون القبيلة. وانتهجت سياسة التدبير غير المباشر عبر توظيف الأعيان المحليين كمخبرين. ومنذ سنة 9581 تدخل جيش التحرير في الجنوب، وهو ما عجّل بتغيير السياسة في المنطقة؛ إذ شجعت إسبانيا الاستقرار في المنطقة من خلال تقديم مساعدات للساكنة، وبداية التمهيد لاستغلال خيراتها. وفي سنة 9611، صدر قانون لتنظيم القضاء يأخذ بعين الاعتبار خصوصية البلد، ويدعو إلى ضرورة تأقلم النظام الإداري مع هذه الخصوصية الجغرافية والثقافية. وقامت إسبانيا في نهاية الستينيات بإنشاء «الجمعية العامة للصحراء» كوسيلة لرفع «تمثيلية» الصحراويين، وهي ما ستُعرف لاحقًا باسم «الجماعة» (ص. 302) لقد استلهم النظام السياسي المعاصر أحيانًا لغته من الأنماط التنظيمية التقليدية، كي يضفي عليها شرعية وتمنحه صدقية، من أجل تدبير علاقته بالساكنة. وسواء تعلّق الأمر بإسبانيا أو بفرنسا، فإنهما تتعاملان بانتقائية وانتهازية مع المؤسسات التقليدية كالجماعة، وتوظفانها لأغراضهما بعد إفراغها من محتواها السوسيولوجي والرمزي. وقف الباحث على التحول الذي عرفه العرف، بما يجسده من نظم، وما يعبّر عنه من نظام يعكس هوية القبيلة وقدرتها على تدبير علاقاتها القرابية. ويسجِّل أيضًا أن التعارض بين العرف والشرع، متجسدًا في الكتابات الفقهية، كرّسته الحقبة الاستعمارية، فأصبح العرف قانونًا لائكيًا والشرع قانونًا إسلاميًا. هذا وقد ساهمت دراسات الحقبة الاستعمارية في توسيع الهوة بين العرف والشرع، من منطلق أن العرف هو قانون لائكي دنيوي والشرع هو نص إسلامي ديني. وقد بيّن الباحث أن منظّري المدرسة السوسيولوجية الكولونياية، وغيرهم ممن درسوا قواعد التنظيم الإداري القضائي في مغرب الحماية، فصلوا بين بلاد العرف وبلاد الشرع، كما ميّزوا بين قبائل عربية وأخرى أمازيغية. إن التصور الذي

سيدته الإدارة الاستعمارية وعمّمته كان خاطئًا في نظر الباحث، لأننا في الصحراء أمام قبائل لسانها غير أمازيغي، ولكنها تخضع للعُرف كما تخضع للجماعة، «كما نجد قبائل أمازيغية، كان للشرع فيها مكانة مهمة وكانت مشبعة بقيم الإسلام» (ص 314). وينتهي إلى القول إن السياسة الاستعمارية لم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية قبائل الصحراء، وكانت متذبذبة، إذ وجدت نفسها أمام وضعيات مركّبة ومعقّدة، يختلط فيها، في كثير من الأحيان، الأمازيغي والعربي. ولكن تحوالً مهمًّا طرأ على مجال الصحراء يتمثّل في انتقال النزاعات بين القبائل من نزاعات مسلحة إلى أشكال سلمية وهادئة. وقد تحوّل أيضًا مجال انتجاع القبيلة إلى تراب محدد ومسير بقواعد بيروقراطية صارمة ولصالح السلطة المركزية. وظهر أيضًا تحوّل على مظاهر الحياة البدوية، مع ظهور مراكز مستقرة، وهو ما أفضى بشكل تدريجي إلى انخراط البدو في الجيش وشركات الفوسفات والتجارة. ويعلن الباحث نهاية التراتبية الاجتماعية التي كانت تقوم على توزيع وظيفي للأدوار، حمل السلاح (حسان)، الكتاب (الزوايا)، وازناكة (الفئات التابعة). إن إدماج القبائل ضمن سلطة مركزية، هو بداية تفكك القبيلة، ولذلك ستظهر مؤسسة القائد كسلطة لها شرعية، وستدمج في دواليب الإدارة التي أضفت عليها طابعًا مؤسساتيًا. يستنتج الباحث أن القوانين العرفية، كمؤسسة الخاوة والذبيحة، هي من أهم العوامل التي تقنن العنف. وتُعتبر مؤسسة الجماعة أهم جهاز يسن العُرف ويسهر على تطبيقه. وقد تحوّل كل شيء مع الاستعمار وبعده، وهو تحوّل مس القبيلة في علاقتها بذاتها وبآليات اشتغالها؛ تحوّل شمل أيضًا العلاقة بين القبائل، كما شمل علاقة القبائل بالدولة المركزية.