الثورة اليمنية: الخلفية والآفاق
The Yemeni Revolution: Background and Opportunities
الملخّص
الكاتب : مجموعة مؤلفين مكان النشر : الدوحة؛ بيروت الناشر : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات: 494
Abstract
Book Title: The Yemeni Revolution: Background and Opportunities Author: Several Place of publication: Doha/Beirut Publisher: ACRPS Date of publication: 2012 Number of pages: 494
- الثورة اليمنية
- الربيع العربي
- علي عبد الله صالح
- Yemeni revolution
- Arab Spring
- Ali Abdallah Saleh
الكاتب: مجموعة مؤلفين مكان النشر: الدوحة؛ بيروت الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات: ٤٩٤
مقدِّمة
لم يغب اليمن عن الثورات العربية، بل حضر في المشهد منذ الأسابيع الأولى من خلال الاحتجاجات التي انطلقت للمطالبة بإسقاط نظام علي عبد الله صالح. وقد تطلب ذلك أشهرًا طويلة قبل تحققه، في الوقت الذي يعاني البلد أزمات كثيرة باتت في جزء منها تهدد وحدته، وهو ما يستدعي معالجات تحاكي جوهر الأزمات التي تواجه اليمن لا مجرد معالجات شكلية، على غرار ما كان يحدث طوال الأعوام التي أعقبت توقيع الوحدة بين الشمال والجنوب. ضمن هذا السياق يكتسب كتاب الثورة اليمنية: الخلفية والآفاق، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أهميته بوصفه من الكتب الأولى التي تطرّقت إلى الثورة الشبابية بكثير من التفصيل، انطلاقًا من مكوّنات المجتمع اليمني ودورها، بعيدًا عن الإسقاطات الخاطئة. كما أن الموضوعات التي تناولتها أوراق البحث،
التي شارك في إعدادها أحد عشر من الباحثين اليمنيين المتخصصين، تميّزت بالغنى، فلم تترك مرحلة من مراحل تاريخ اليمن المعاصر إالّ وتوقفت عندها، وبشكل خاص فترة ما بعد الوحدة اليمنية (عام 9901) وما أفرزته من مشكلات، فضلا عن إفراد الكتاب مساحة لتفكيك مكوّنات المجتمع اليمني وتقويم أدائها. كما نجحت الأبحاث الاقتصادية الثلاثة في تقديم رؤية نقدية للواقع الاقتصادي اليمني، والمعوّقات التي تعرقل النهوض به.
أولا: اليمن في حضرة التاريخ ونشوء الدولة
كانت الدولة المدنية والديمقراطية من الأهداف الأولى التي أكد شباب الثورة اليمنية أنهم يسعون إلى تحقيقها، انطلاقًا من اقتناع ترسخ لدى هؤلاء فحواه أن أحوال البلد لن تشهد أي تقدم من دون هذه الدولة. لكن هذا الهدف يصطدم بكثير من العقبات توقف عندها الباحثفؤاد عبد الجليل الصلاحي، الذي يرى في ورقته المعنونة ب «نشوء الدولة في اليمن ومسار تشكّلها» أن الدولة، بمفهومها الشائع باعتبارها «سلطة ممأسسة تعتمد القانون والتنظيم في أجهزتها البيروقراطية فضالً عن الشرعية التي يجب توافرها من جانب الشعب ودورها التأسيسي»، تغيب عن المجتمع اليمني؛ إذ فشل مسار تشكّل الدولة في اليمن في ترسيخ مكوّناتها وأسسها. الشواهد على هذا الواقع كثيرة، ليس أقلها سيطرة التحالف القوي المؤلَّف من رموز القبيلة والجماعات والأحزاب الدينية، إلى جانب رموز قطاع الأعمال وقيادات المؤسسة العسكرية في الدولة (السلطة)، بعد إقصاء جميع الأطراف الأخرى، أكانت سياسية أم اجتماعية أم حتى اقتصادية، لتكون الغلبة لمؤسسات تقليدية تنتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة. وإذا كان لا بد من طرح سؤال حول أسباب هذا الواقع، فلا بد من العودة إلى التاريخ اليمني الذي حمل تبديدًا متتاليًا لحلم بناء الدولة، أكان ذلك نتيجة تصرفات الإمام الذي اتجه نحو التفرد بالحكم والتوريث بعد الاستقلال الأول عن الاحت الل التركي وتأسيس الدولة المتوكلية سنة ٧١٩١، أم نتيجة الحرب الأهلية بين الملكيين والجمهوريين التي امتدت ثمانية أعوام عقب ثورة 9621، فيما كان جنوب اليمن يغرق بدوره في دورات من العنف. أخذًا لهذه الوقائع بعين الاعتبار، يخلص الصلاحي إلى أن ليس في اليمن خيارات متاحة للعبور نحو الدولة المدنية إالّ وفقًا لمنطق الثورة وفلسفتها، وهو ما وفرته ثورة الشباب، حيث تبلور في اليمن أول مرة خطاب سياسي واضح تجاه مفهوم الدولة ودلالاتها. لكن الأهم يبقى في أن مسار التحقق العملي لهذه الدولة مرهون بقوة الضغط الشعبي لإنجاز مسار التغيير الثوري، وبعدم التفاف الأحزاب والنخب السياسية، كعادتها، وإعادة إنتاج النظام السابق بما يمثّله من امتداد لمرحلة ما قبل الدولة. وفي حضرة التاريخ ودوره في مسار الدولة اليمنية، اهتم الباحث قادري أحمد حيدر في ورقته «الحضور التاريخي وخصوصيته في اليمن» بتصحيح عدد من المفاهيم الشائعة والمغلوط فيها عن تركيبة المجتمع المدني، أولها ذلك المتعلق بالقبيلة؛ فحضور البنية القبَلية ديموغرافيًا، مقارنةً بعدد السكان في اليمن، قد لا يتجاوز في أحسن الأحوال ال 25 في المئة. أمّا دور القبيلة، ومكانتها تحديدًا في عهد الجمهورية والوحدة، فيتأتيان من الدور السياسي المركزي المنوط بها. ولذلك يعتبر حيدر أن تصنيف اليمن بأنه مجتمع قبَلي
خطأ أيديولوجي وسياسي، من دون تجاهل أنه مع سقوط سلطة الإمام المركزية سنة ٢٦٩١ فُتح الباب على مصراعيه أمام المشايخ، وأمام النظام القبَلي للمنافسة على السلطة التي كانت مقصورة على الإمامة، وبذلك يصبح في الإمكان القول إنهم ورثوا الإمامة وحلّوا مكانها. فالحضور التاريخي في خصوصيته القديمة/ الإمامية تحول إلى حالة جديدة تعيد إنتاج نفسها في صورة وارثي الإمامة (مشايخ القبائل والعسكر) بصورة ثنائية القبيلة والدولة، حيث تحوّل شيوخ القبيلة إلى العصب المركزي في الدولة، وهو ما يفسر انتشار قيم القبيلة ومفاهيمها وتعميمها على المجتمع كله. كما يتوقف حيدر عند مقولة «واحدية الثورة اليمنية» في الشمال والجنوب، منتقدًا إياها، على اعتبار أن الهدف من وراء هذا القول منع إدراك خصوصية كل ثورة؛ فثورة ٤١ تشرين الأول/ أكتوبر ٣٦٩١ قامت لمقاومة الاستعمار البريطاني المحتل للجنوب، من خلال كفاح مسلح شارك فيه أبناء الجنوب والشمال، حيث كانت الجبهة القومية رائدة الكفاح الوطني المسلح. أمّا في الشمال، فكانت ثورة 26 أيلول/ سبتمبر 9621 ضد الاستبداد الداخلي الإمامي من أجل إزالة حكم ثيوقراطي حكم البلد تاريخيًا باسم الدِّين والمذهب والحق السلالي. وإذا كان هدف الثورتين النهائي واحدًا، هو الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية على طريق إنشاء يمن ديمقراطي موحد، فإن الثورتين قامتا على قواعد وشروط كفاح ونضال مختلفة، فضالعن اصطفافات مختلفة محليًا ووطنيًا وقوميًا (إقليميًا ودوليًا). أمّا ثورة ١١٠ ٢، فتشكّل، من منظور حيدر، أول «بروفة» سياسية تاريخية لإعادة الشعب إلى قلب التاريخ، وإلى قمة الحضور التاريخي بخصوصيته اليمنية الثورية الديمقراطية، ولذلك لم يتردد في وصفها بأنها المحطة السياسية التاريخية الثالثة التي تعقب نشأة الأحزاب وثورتي 9629631 و 1 «بعد أن أخرجت/ أو هي في طريقها إلى إخراج السياسي من وصاية العسكر والقبيلة والدِّين السياسي».
ثانيًا: إخفاقات شباب الثورة
التفاؤل بالثورة، وبالتغيير الذي يتطلع كثيرون إلى تحقّقه عبرها، يقابله تسليط الباحث ماجد المذحجيفي ورقته «ثورة الشباب: محدداتها وآفاقها المستقلبية» على عدد من الإخفاقات التي واجهت الفاعلية السياسية للقوى الشبابية، التي تنشط في ساحات التغيير والحرية في اليمن منذ اندلاع الثورة إلى اليوم. فالثورة اليمنية، ممثّلةً بشبابها، وجدت نفسها في مواجهة نظام علي عبد الله صالح ومراكز القوى المتعددة في المجتمع، وفي جوارٍ إقليمي قلق وأولويات أمنية دولية تنظر إلى اليمن كإحدى ساحات الحرب الدولية على الإرهاب. وقد عمل جميع هذه الأطراف على أن يقتصر التغيير في اليمن على رأس النظام، من دون أن يهدد بقية الجسد الذي تشكّل الأحزاب والقوى القبلية ومراكز القوى من طرفي السلطة والمعارضة جزءًا منه. وإذا كان من غير الممكن تجاهل أن الثورة الشبابية استطاعت انتزاع الشرعية الشعبية، فإنها في المقابل وجدت نفسها مطوَّقة بثقل الحضور الحزبي في الحركة الثورية، واستيلائه على الموقع المركزي في قرارات الثورة. وقد فشل الشباب في فرض خياراتهم على القوى السياسية المحسوبة على الثورة، قياسًا بقدرتهم على فرض خيار التغيير، نسبيًا، على السلطة الحاكمة التي قامت الثورة ضدها. وشكّلت المبادرة الخليجية التي وقّعت في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 0112، بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح واللقاء المشترك في الرياض،
الوسيلة الأهم لامتصاص هذا الفائض الثوري والسياسي. وإلى جانب العلاقة الملتبسة بين الأحزاب والشباب المستقل في الثورة، شكّلت العلاقة بين الشباب والقوى القبلية المنضمة إلى الثورة أحد المستويات السياسية غير الواضحة، إذ أعلنت القوى القبلية أنها جزء من الثورة، ولا تستهدف سرقتها من الشباب، في حين كان لدى الشباب هواجس متعددة إزاء أغراض هذه القوى التي كانت إلى عهد قريب، جزءًا من النظام.
ثالثًا: القبَلية والحفاظ على موقعها
يتوقف الباحث عبد الكريم غانمفي ورقته «القبيلة ودورها وموقعها في الثورة اليمنية والتغيير السياسي» عند دور القوى القبلية في المجتمع اليمني، وهي التي كانت حتى الأمس القريب أحد عوامل قوة النظام بسبب مساندتها له. فالرئيس السابق علي عبد الله صالح كان يرى فيها شريكًا آمنًا في الحكم. كما كان يرى في النظام القبَلي عامالً يساهم في الحد من إحداث أي تغيير، ولا يتعدى عمله إنتاج ما هو قائم. ضمن هذا السياق، لم يكن انضمام شيوخ القبائل إلى الثورة اليمنية بمعزل عن رغبتهم في محاولة إنقاذ النظام السياسي الذي يضم تحقيق مصالحهم والتضحية برأس النظام (الرئيس السابق علي عبد الله صالح) لامتصاص غضب القوى الشعبية الثائرة من جهة، والتخلص من صالح من جهة أخرى، وذلك لميله نحو سياسة الإقصاء لبعضهم. أمّا شباب القبائل، فلم يكن لديهم هذا التخطيط؛ اذ جاء انضمامهم بهدف تغيير النظام الذي أخفق في تلبية المطالب التنموية الملحة. ولأن النظام السياسي كان في معظمه مختزاَلً بشخص الرئيس، حصل التباس في مفهوم التغيير لدى بعض القوى القبلية، التي اختزلت التغيير برحيل صالح عن الحكم واستبداله بآخر.
رابعًا: التجمّع اليمني للإصلاح
طرف آخر في الثورة، اختار الباحث عبد الباري الطاهر تسليط الضوء عليه في ورقته« المجتمع المدني ودوره في الثورة الإصلاح نموذجًا»، هو المجتمع المدني في اليمن، الذي يرى الباحث أن تأثيره غير حاسم في الحياة العامة، وهو ما جعل للأحزاب دورًا أكثر فعالية، وبالتحديد التجمع اليمني للإصلاح الذي يمكن القول إنه يتألف من ثلاثة أجنحة (الجناح القبَلي، وجناح الإخوان المسلمين، وهو حجر الزاوية في التجمع، وأخيرًا جناح المستقلين الذين يمثّلون مجموعات التجار والفئات الاجتماعية المختلفة). وقد امتلك الحزب قدرة على التمدد في المجتمع المدني، منطلقًا من الروابط القوية التي يمتلكها مع المجتمع التقليدي (نقابات مثل المعلمين والأطباء والصحافيين). كما نجح في بلورة تحالفات مع باقي الأحزاب تجسّدت في انضمامه إلى تكتل «اللقاء المشترك» الذي ضم مختلف ألوان الطيف السياسي المعارض لحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، من غير أن يحول ذلك دون ظهور ازدواجية في خطاب الإص الح، وتحديدًا خ الل الثورة الشبابية، وهي ازدواجية لا يمكن فصلها عن القوى والتيارات التي يتكوّن منها وتظهر بوضوح عند مناقشة مسائل حساسة، بينها الدولة المدنية الديمقراطية، والفدرالية التي يعد موقف الإصلاح منها غامضًا.
خامسًا: الثورة ووسائل التواصل الاجتماعي
في إطار الثورة اليمنية وظواهرها، يرى الباحث يحيى الريويفي ورقته «الثورة اليمنية ووسائل التواصل الاجتماعي» أن في مقابل فشل مستشاري النظام في تقدير أثر وسائل الإعلام الحديثة، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت الثورة في القنوات غير الحكومية وبقية قنوات الإعلام الفضائي ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها الفيسبوك، منبرًا مفنِّدًا للتعتيم والتشويه اللذين مارستهما قنوات النظام. وأتاحت شبكات التواصل الاجتماعي لليمنيين حرية تعبير افتقدوها على أرض الواقع، من دون أن يعني ذلك أن تشكّل الوعي الثوري وانطلاق الثورة الشبابية في اليمن تمّا بين عشية وضحاها أو بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي فقط.
سادسًا: أزمات لا بد من حلها
إذا كانت الثورة قد نجحت في تحريك المشهد السياسي اليمني، فإنها لم تنجح حتى اللحظة في تقديم أي معالجة لأبرز الأزمات التي يعانيها اليمن. الباحث عيدروس النقيب يعالج في ورقته «التحديات التي تواجه الوحدة اليمنية» هذه الأزمات التي يعَدّ أبرزها مطلب فك الارتباط بين جنوب اليمن وشماله، الذي ترفعه تيارات رئيسة في الحراك الجنوبي اليوم، نظرًا إلى تهديده للوحدة اليمنية التي أعيد فرضها بالقوة عام 994.1 يؤكد النقيب أن من نتائج تلك الحرب تحوّل الجنوب بدولته وأرضه ومواطنيه وتاريخه وثرواته إلى غنيمة حرب في أيدي المنتصرين، إذ تنامت نزعة النهب والسلب، وتصاعد الانفلات الأمني والإداري. نتيجة فشل الوحدة الاندماجية والوحدة بالحرب، يرى النقيب أن الوضع في اليمن أمام خيارين: إمّا الذهاب باتجاه العودة إلى النظام الشطري وإمّا إعادة بناء المشروع الوحدوي على أسس جديدة تلغي الدولة المركزية الاتحادية، وتنتقل إلى الدولة اللامركزية من خلال منظومة تحمي اليمن من التفكك. في المقابل، يتحدث الباحث فضل الربيعي في ورقته التي حملت عنوان «القضية الجنوبية والحراك الجنوبي الخلفية والأسباب» عن ثلاثة اتجاهات سائدة لمعالجة القضية، أولها الاتجاه القائل إن أي حل يجب أن يتم في إطار الوحدة. وهو طرح مدعوم من أحزاب اللقاء المشترك ومختلف التيارات السياسية في الشمال. الاتجاهالثانييرى أن معالجة القضية الجنوبية يجب أن تتم من خلال إقامة دولة فدرالية بإقليمين شمالي وجنوبي، لمدة محددة زمنيًا، يليها استفتاء أبناء الجنوب على خياري الوحدة أو الانفصال. أمّا الاتجاه الثالث، فينادي بالتحرير والاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية، وهو الخيار المتنامي بين صفوف الجنوبيين، وخصوصًا جيل الشباب، وذلك نتيجة الزخم الذي اكتسبه الحراك الجنوبي على مدى أعوام، وأهّله ليكون الحامل السياسي للقضية الجنوبية بعد مسيرة نضالية امتدت منذ حرب 994 1 مباشرة وتصاعدت على مدى أعوام، إلى أن انكسر حاجز الخوف عند خروج العسكريين المتقاعدين يوم 7 تموز/ يوليو 0072 في تجمّع اعتُبر الأكبر في حينه. ومنذ ذلك اليوم بات الجنوبيون يخرجون إلى الشوارع باستمرار للمطالبة بإصلاح الوحدة قبل أن يصبح فك الارتباط مطلبهم الرئيس. وعلى الرغم من أهمية القضية الجنوبية ومركزيتها، فإنها ليست المشكلة الوحيدة، بل يبرز أيضًا انقسام المؤسسة العسكرية. هنا يرى الباحث عيدروس النقيب أن بعد التدمير الكامل للجيش الجنوبي في حرب 9941، سيطرت
عقيدة جيش الجمهورية العربية اليمنية الذي بُنيت مكوناته على أساس عائلي، بعيدًا عن أي بناء مؤسسي فني ومهني قتالي ومادي منظَّم. وفي حين سبّبت حروب صعدة المتكررة مع جماعة الحوثي إنهاكًا واستنزافًا للجيش، أدت الثورة الشبابية إلى إحداث مزيد من الانقسام داخله بعد انشقاق عدد من الألوية، وهو ما بات يمثّل خطرًا لا على وحدة البلد وتماسك نظام الحكم فحسب، بل على أمن البلد واستقراره أيضًا. لذلك تبرز أهمية إنهاء الانقسام، وإعادة هيكلة المؤسسات على أسس مهنية. كما تبرز أهمية إعادة تأهيل القيادات العسكرية فنيًا ومهنيًا وسياسيًا.
سابعًا: الحوثيون
اندلعت بين النظام اليمني والحركة الحوثية منذ سنة 0042 ست حروب، كان محركها بدء روّاد الحركة، وتحديدًا حسين الحوثي، بتناول موضوع الحكم، والحديث عن مبدأ الخلافة وضرورة التصدي للحكام الجائرين، في مقابل بداية الترويج لتوريث أحمد، نجل علي عبد الله صالح، الحكم. هذا التصادم سرعان ما تفجّر في حروب ست من دون أن تشهد أي معالجة لأسبابها الحقيقية، بما يجعل المشكلة الجذرية والأساسية قائمة مع ما تشكله من أخطار على الأمن والاستقرار والتنمية، فضالً عن تهديدها وحدة اليمن نظرًا إلى مضاعفة الخلاف حالة الانقسام الوطني على أساس مذهبي وطائفي.
ثامنًا: الاقتصاد
أن تمتلك موارد ولا تعرف كيفية استغلالها بالطريقة الأمثل، فذلك يعني مشكلات اقتصادية لا تُعَد ولا تُحصى، وهو ما ينطبق على اليمن. ويرى الباحث عبد الله العاضيفي ورقته «بنية الاقتصاد اليمني والتحديات التي تعترض مسار تطوره»، أن على الرغم من توافر عدد من المقوّمات الرئيسة في نشاط اليمن الاقتصادي، ولا سيما القطاعات الرئيسة المتمثّلة في القطاع الزراعي والسمكي، فضلا عن القطاع السياحي وقطاع المعادن، فإن الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية يتسم بالقصور من حيث الكفاءة الإنتاجية. أمّا السبب فيعود إلى غياب سياسات واضحة وملائمة لبناء اقتصاد قوي، وبخاصة في جانب الموارد القابلة للنضوب. ولا يزال اليمن يعتمد على النفط الخام باعتباره داعمًا رئيسًا للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، متجاهلا ضرورة تنويع مصادر الدخل القومي، وإعداد الكفاءات البشرية ذات المهارات المتقدمة لبناء اقتصاد فاعل ومتنوع. ولعل من أبرز المشكلات التي تواجه الاقتصاد اليمني تدنّي الاستخدام الأمثل للموارد البشرية، وترافقه مع ارتفاع معدلات البطالة والركود الاقتصاد الاقتصادي وارتفاع معدل النمو السكني. يضاف إلى ذلك كله ظاهرة الفساد التي تضافر على تهيئة بيئة مناسبة لها سوء الإدارة، وضعف الكفاءات الإدارية، وطبيعة النظام الانتخابي، وغياب القضاء العادل، وغياب الشفافية. وهو ما يستوجب سياسات إصلاح اقتصادي فعالة. عند هذه النقطة، يشدد الباحثعلي الوافيفي ورقته «دور القطاع الخاص في عملية التطور الاقتصادي في المرحلة المقبلة» على أن اليمن، الذي يعد واحدًا من أفقر ٦٢ بلدًا في العالم - بدخل فردي لا يتعدى ٠٠٩ دولار أميركي سنويًا- يعوّل على القطاع الخاص فيه لإيجاد الاستثمارات الضرورية من أجل توسيع قاعدتي الاستثمار والتوظيف، إلى جانب التسريع في عملية النمو الاقتصادي.
لكن القطاع الخاص نفسه لا يزال محدود الدور، ويعاني معوقات حكومية وصعوبات ذاتية، من نتائجها السلبية تقليل الشراكة الخارجية وعدم جذب الاستثمارات الخليجية، وحتى الأجنبية، إلى اليمن. وهو ما ركز عليه أيضًا الباحث محمد الأفنديفي ورقته «شركاء اليمن في التنمية (الشركاء الإقليميون والدوليون)»؛ ففشل شراكة اليمن والمؤسسات الاقتصادية الدولية، وتحديدًا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على مدى الأعوام الماضية، لم يعد في الإمكان الاستمرار فيه، ولا سيما بعد أن باتت الدول الغربية ترى في التنمية والإصلاح الاقتصادي عاملين رئيسين لا بد من التركيز عليهما، إلى جانب الإصلاح السياسي بغية التصدي للتحدي الأمني المتمثّل في الإرهاب.
تاسعًا: التدخّل الخارجي
يتحدث الباحث عبد السلام يحيي المحطوريفي ورقته «مسار التدخلّات الخارجية» عن أهمية اليمن الاستراتيجية على الصعيد الإقليمي، بوصفه ثاني أكبر دولة في شبه الجزيرة من حيث المساحة، فضالً عن امتلاكه ثروة طبيعية وبشرية. ويترافق ذلك مع اشتماله على شواطئ تجعله يطل على أهم ممرات الملاحة الدولية وخطوطها في المحيط الهندي والبحر العربي وخليج عدن والبحر الأحمر. وقد تزايدت أهمية اليمن مع تصاعد أعمال القرصنة في هذه المناطق البحرية. فظاهرة القرصنة التي تنطلق من الصومال، تحولت إلى مهدد لحركة الملاحة وتدفق النفط. كذلك تعززت مؤخرًا أهمية اليمن الاستراتيجية بعد التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز أمام تدفق النفط عبر موانىء الدول المطلة على الخليج العربي. وفي حال حدوث ذلك، فإن في وسع اليمن أن يشكّل المنفذ الذي يمكّن هذه الدول من الالتفاف على مثل هذه الخطوة. لكن الأهم يبقى تشكيله عمقًا أمنيًا لدول الخليج في مواجهة الكثير من التحديات، بينها تنظيم القاعدة الذي دفع أيضًا الولايات المتحدة إلى إطلاق حملة عسكرية داخل اليمن لملاحقة عناصر «تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية». لكن التدخل العسكري الأميركي لم يكن التدخّل الدولي الأول من نوعه في تاريخ اليمن، منذ عصوره القديمة. أمّا إقليميًا، فلا يمكن إغفال الحديث عن التدخلّات السعودية في اليمن منذ حرب ٤٣٩١، عندما أعلنت المملكة العربية السعودية الحرب على المملكة اليمنية، أو بعد ثورة سبتمبر/ أيلول ٢٦٩١، عندما وقفت السعودية بوضوح ضد الثورة وضد المصريين، وقدمت إلى الملكيين كل الدعم المالي والعسكري، وحفزتهم على القتال. ومن جديد، عادت السعودية لتدعم طرفًا مقابل آخر، فآزرت النظام في الشمال في مواجهة النظام الماركسي في عدن، كما اشترت ولاء القبائل، وسعت، بعد توقيع الشطرين الشمالي والجنوبي اتفاقية الوحدة في القاهرة في ٨٢ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٧٩ ١، إلى وقف الوحدة، لتحقق نجاحًا مؤقتًا. وشمل التدخل السعودي في اليمن أيضًا تصدير الوهابية السلفية منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. كما شاركت السعودية مباشرة في حرب صعدة السادسة سنة ٩٠٠٢، في محاولة للقضاء على الحركة الحوثية من جهة والمذهب الزيدي من جهة أخرى. وخلال الثورة الشبابية، اتخذت دول مجلس التعاون الخليجي قرارًا حاسمًا بالتدخل المباشر، فقدمت المبادرة الخليجية، بدعم ومباركة من الأميركيين والأوروبيين، لتتمكن هذه الدول من فرض أجندتها في عدم السماح بسقوط النظام وفرض رؤيتها على الأطراف كافة. وقد مهّد التدخل السعودي في صعدة الطريق لإيران لتعيد حساباتها في شبه الجزيرة العربية، وفي اليمن على وجه الخصوص.
محور العدد:
الدستور في الفكر العربي الحديث: II() قضايا راهنة
هذا •
دراسات من المكتبة العدد تقارير مناقشات ومراجعات