مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب/محمد جادور
الملخّص
الكاتب : محمد جادور مكان النشر : الدار البيضاء الناشر : منشورات عكاظ تاريخ النشر: 2011 عدد الصفحات: 572
- المخزن
- المؤسسة الملكية
- التاريخ المغربي
- المخزن السعدي
- المخزن العلوي
الكاتب: محمد جادور مكان النشر: الدار البيضاء الناشر: منشورات عكاظ تاريخ النشر: 2011 عدد الصفحات: 527
يحاول المؤرخ المغربي محمد جادور في كتابه مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب، أن يعيد قراءة منظومة المخزن في القرنين السادس عشر والسابع عشر، عبر قراءة مقارنة لتجربتين متتاليتين، أُولاهما للمخزن السعدي في شخص السلطان أحمد المنصور الذهبي، والأخرىللمخزن العلوي في شخص المولى إسماعيل، لاستخلاص الخصائص المميّزة لكل مخزن منهما، وتحديد القواسم المشتركة، ورصد التباينات التي تميز كل واحد منهما من الآخر، وهو الأمر الذي أملى على المؤلّف النبش لا في الأبعاد المادية لمؤسسة المخزن فحسب، بل تعداها إلى
استنطاق البنية الرمزية لنظيمة المخزن وخلخلة هذه البنية. لقد شكّل المخزن في المغرب محطة بارزة طبعت مسار التطور التاريخي السياسي لهذا البلاد. وتُعتبر هذه الأطروحة محاولة من المحاولات التي تروم سدِّ الفراغ التاريخي في هذا الشأن، عبر مقاربته لمؤسسة المخزن في شخص السلطان المغربي، متناوالًالظروف التاريخية التي شكّلت العلاقة، ومستندًا إلى المقارنة التركيبية لتفكيكها، ليتساءل القارئ: هل نحن أمام مخزن واحد أم مخزن متعدد؟ هكذا يقف هذا الباحث أمام معضلة معرفيّة عند تشخيصه جسد المخزن،
تتعلق بالمادة التاريخية التي تؤرخ للسلطان المغربي، وهي ذات مسارب متعددة الأوجه وحاملة معانٍ كثيرة عن المغرب. ولتوضيح هذا الأمر، ينقل لنا جادور ما يجري في ورش العلوم الاجتماعية؛ فالباحثون كثيرًا ما يتعاملون مع المخزن في حقل العلوم السياسية كمعطى ثابت، وهو ما فعله كذلك روّاد السوسيولوجيا الانقسامية، حيث البُعد التاريخي معدوم، لأن الهاجس الأساس للدراسات السياسية والسوسيولوجية لمؤسسة المخزن لا تخرج عن المعادلة التحليلية التي تختزله في مفهومَي الدولة والشرف، وبذلك تسيّج هذه الدراسات نفسها بالمفاهيم المعاصرة التي لا تمت بأي صلة، لتجربة سياسية متجذرة في التاريخ - وفي اللاشعور التاريخي للأفراد والجماعات- الذي يعدّ المصدر الوحيد للفهم والتوجيه. عبر تأكيد المؤلف ضرورة فهم المخزن كمؤسسة سياسية، في سياقها التاريخي، تبرز لنا النزعة التاريخانية للمؤرخ، من دون أن يعني هذا تجاهله للمقاربات المعرفية للعلوم الإنسانية والاجتماعية الرديفة، ليخلص إلى تسميته الجهاز تارة، والمنظومة تارة أخرى، لا كمؤسسة أو دولة أو كيان سياسي، أو حتى سلطة سياسية كما يذهب إلى ذلك كوكبة من المؤرخين، ليتمحور هذا العمل حول إشكال مركزي: كيف انتقل المخزن من جهاز إلى مؤسسة؟ وقد جاء مدخل الكتاب ليطرح إشكالية المفاهيم في الكتابة التاريخية، لذا سعى الباحث إلى رفع اللُبس عن جملة من المفاهيم المتداولة التي تُستعمل للتعبير عن المخزن، كالمؤسسة والسلطة والدولة، وهو ما أملى عليه إيجاد إطار نظري لهذا الثالوث من المفاهيم، على أن ما يجمع هذا العمل حلُمتها في السياق ونسبيتها في التاريخ. وفي رأي المؤلّف، فإن الدولة مفهوم زئبقي ونسبي تعود أصوله النظرية إلى التراث الأوروبي في شقّيه الروماني والنهضوي. أمّا السلطة، وهي المفهوم الثاني المعربّ عن دلالة المخزن، فإهنّا تتخذ - في بُعديها المادي والرمزي- شكلين: ديني واقتصادي، وبين هذين المفهومين، الدولة والسلطة، يبحث الكتاب عن المخزن الذي شكّل لغزًا سياسيًا مركّبًا.
المخزن، المؤسسة وأشكال الحضور: القوة والرمز
لا مندوحة من القول إن من غير الممكن فهم الشخصية الأسطورية للسلطان المغربي بمعزل عن طاحونة الآلة العسكرية التي أخمدت الخصوم السياسيين، وترافقها مع أسطرة دينيّة أخذت أشكاالً عديدة كالرؤى، والبشارة، والأحلام، وهي عناصر ثابتة تزكّي شرعية الخلافة الدينية. وعبر تحليل الثيولوجيا الدينية المغربيّة وعلاقة الأسطورة بالتاريخ، يتتبّع المؤلف الخطاب الميتافزيقي الذي قدّم صورة مثلى للسلطان، تعكس المؤهلات المادية والأخلاقية المستمَدة من سيرة الخليفة المسلم الورع، التي استوحاها من نسبه الشريف، ومن قدراته التنظيمية النابعة من شخصيته؛ فقد شكلت الميثولوجيا الإسلامية في شقّيها الأسطوري والتاريخي، الأداة الفعالة لدى ثلة من الإخباريين، سعت إلى ترسيخ رؤية قوامها أن الممارسة السلطانية ما هي إالّ محاكاة للأسلاف وعودة إلى الأصل، ليجري في تاريخ المؤسسة السياسية المغربية استنطاق اللاشعور التاريخي الإسلامي المنغرس في ذهنية الإخباريين، وإقامة التماثل في الحاضر، حيث معركة «وادي المخازن» تقابل غزوة بدر، وسلوكيات السلطان المغربي هي ذاتها سلوكيّات الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب. اتخذت إذًا الأسطوغرافية المحلية من البُعد الديني مصدرًا أساسًا تستمد منه الصفات الشخصية للسلطان، وتشكّل في آن إطارًا ثقافيًّا وسياسيًّا، به
تُسيّج مؤسسة المخزن، في حين أن البعد السياسي هو ما تجعل منه الكتابات الأجنبية مادة استفهامية تتناول أسلوب حكم العاهل المغربي وقدراته العسكرية. نحن إذًا أمام مرجعيتين مختلفتين لتشريح جسد المخزن: رؤية دينية يمثّلها الباحثون المحليون، ورؤية سياسية يمثلها الغرب، وبالتالي فالاستنتاجات منغلقة بين تمجيد الذات وتعظيمها، وتبخيس للأنا من طرف «الآخر» الأوروبي. هكذا ترافق الحضور المادي للمخزن الذي تجسّد في الجيش والإدارة، مع التبرير الأيديولوجي؛ إذ قدّم السلطان المغربي مسوّغات دينية، من قبيل «الجهاد ضد النصارى»، إمّا لاسترجاع بلاد الأندلس وإمّا لحماية الثغور القريبة من «بلاد الكفر»، وإن كانت الآلة العسكريّة في الأصل، موجهة نحو الداخل لإخماد الفتن الداخلية، ليستخلص الباحث الحضور المكثَّف للبُعد الديني في الممارسة السياسية وتبعاتها الاقتصادية والديبلوماسية في تحديث مؤسسة العسكر، مخلّفًا تساؤالً حول عملية عصرنة مؤسسة الجيش، هل هي نتاج ردة فعل أملتها عوامل خارجية، أم مسألة تعود إلى صيرورة بنيوية مجتمعية؟ لم يكن حضور مؤسسة المخزن من دون سند ديني؛ فقد كان الوعي بثنائية الدِّين والسياسة «حاضرًا في اختيارات السلطانين [السلاطين] الذين وظّفا [وظفوا] البُعدين تارة بشكل متداخل، وأخرى بشكل منفصل. لكنَّ السياق العام لهذا التوظيف اتسم في الغالب الأعم باستحضار البُعد الأول لخدمة الثاني، نظرًا لما له من أهمية في إسباغ الشرعية، وفي تدعيم السلطة وضمان استمرارها، إذ كان اكتمال السياسي رهينًا بدعم الديني». وتُشكّل «الحرْكة» (وهي حملة تأديبية يقوم بها السلطان ضد القبائل لانتزاع الضرائب عنوة ولإجبارها على الاعتراف بسلطته السياسية) جوهر العملية في استخلاص الجبايات الشرعية والعادية، التي حتَ تَكمُ إلى سياسة العصا والجزرة. وفي هذا الإطار يميز المؤرخ بين نوعين من الحرْكات: أولهما ناتج من ردّات فعل المخزن ضد حركات التمرد الداخلية الساعية إلى تركيع قياداتها، وتندرج ضمن ما يسميه محمد جادور مبدأ «تأطير القبائل»، وثانيهما يتخذ طابعًا مؤسساتيًا إكراهيًا وإلزاميًا، بغضّ النظر عن تكاليفها الباهظة وقلة مردوديتها. إن الهدف من «الحَرْكات» إذًا، كما يقول الباحث، هو تصدير ونشر أجهزة جبائية دائمة تُغني المخزن عن عَناء التنقل، نظرًا إلى مشكلات تزعزع الأمن الذي رافق عملية تأدية الضرائب. لذا تُعتبر السنوات السمان للبلاد مبررًا يزداد فيه طلب المخزن على الضرائب الشرعية.
أشكال الحضور الرمزي للمخزن
تُعتبر الرمزية السياسية أحد المداخل الأساسية التي تساعد على فهم أشكال السلطة السياسية لمؤسسة المخزن. وبحسب جادور، فإن هذه الرمزية تأخذ مظاهر عديدة: ثابتة ومتغيرة، مرئية ومجردة، ويمثّل النسق الثقافي الإسلامي لمؤسسة المخزن الوعاء الموجِّه لها، وهي تتجلى في ظاهرة الاحتفالية (المراسيم) مثل مواكب تنقّل السلطان، وفي «العمارة»، أي البناء والترميم. وتُعتبر الأعياد الدينية (الفطر والأضحى والمولد النبوي الشريف) أدوات للاستعراضية الدينية، تبُرز من خلالها صورة المخزن. ويكشف الباحث عن ثنائيات متناقضة تستوعبها الممارسة الخطابيّة بشكلها الماديّ والمعنويّ مثل: التعالي والبساطة، الهيبة والتواضع، الدِّين والسياسة، الفضاء الخاص للسلطان في مقابل الفضاء العام للرعايا. وتؤثث النخبة الدينية إلى جانب كبار رجال بلاط المخزن الموكب السلطاني لإحياء الأعياد المقدسة التي
هي تعبير استعراضيّ لأبهة السلطان وعظمته، وقوة رمزية مترسخة في تراث الأسلاف جتُدد مشروعيتها الثيولوجية أمام الرعايا. وهنا تكمن الدلالة النفسية الاجتماعية للتأثير في سيكولوجية الرعايا رمزيًا، وهو ما يتيح استمراريتها في الأذهان. تلك إذن جزء من الأدبيات المخزنية لممارسة الوصايا الدينية في ثوبها المادي والأخلاقي على شريحة اجتماعية ظلت عبر السنين تحت أعين سلاطين المخزن. ويركّز المؤلف على فضيلة الكرم بوصفها سلطة مادية ومعنوية في آن واحد، تُرجمت تعبيراتها في سياقات متنوعة في أيام اليسُر وفي زمن العسر، لتظهر على شكل مناسبات دينيّة تُقام في زمن المجاعة أو في إثر الغلاء المعيشي، أو بانفراج الصحة البدنية للسلطان، أو عقب حادث سياسي. وعليه، فالكرم، كطقس مناسباتي ولحظوي، محكوم بالزمان والمكان. ونبّه الباحث، في استنطاقه أبعاد الكرم بوصفه يجسد المخزن الرمزي، إلى حجم التضخيم والمبالغة في الخطاب الأسطوغرافي الرسمي الذي سعى إلى رسم صورة ذات بُعدين مزدوجين عن سلطة الكرم، يحمل أحدهما الصفات الأخلاقية للسلطان المخزني، ويترجم الآخر البُعد السياسي للكرم، وهذه مؤشرات لدعم الوجود السياسي للمخزن بين أحضان الشرائح الاجتماعية. تمثّل الدبلوماسية شكالآخر للحضور الرمزي للمخزن، الذي يلجأ للاستعراضية العسكرية بكل أطيافها - الطلقات المدفعية، ونغمات الفِرق الموسيقية أمام الرعايا والأجانب. هذا المشهد الدرامي يُضمر بين ثناياه ترسيخ الاستمرارية في الأذهان والانبهار بعظمته وضخامة آلياته، وهو ما يجعل الناس يسعون بوعي أو من دون وعي طلبًا للجندية في أسلاكه، أو كما يقول الباحث التسليم بتفوقه الدائم، وبغرض ونية إبهار الأغيار الأوروبيين وإذهالهم.
الممارسات المخزنية: الآليات والأبعاد
تناول الباحث الإشكال النظري القديم /الجديد المتمثّل في العلاقة المتناقضة بين الدِّين المعياري والممارسة الواقعية، أو ما يعربّ عنه بتناقضات الفرز بين كلام الشارع وكلام الشارح، ليشير إلى التوظيف الفعّال للنَّسب البيولوجي للسلطان بُغية استمالة القوى الدينية المنتشرة في جغرافية البلاد. على أن ما يميّز هذه العلاقة المتشنجة بين بعض الأطراف (المخزن والقوى الدينية المعارضة) هو سعيه الدائم إلى الحفاظ على هويته الخاصة من دون أن يذوب في الأخويات (الزوايا) الدينية، أو يتحول إلى سلطة تيوقراطية، على اعتبار إيمانه الراسخ بأدواره المتعددة، الدينية منها والدنيوية. تختزل القاعدة اللغوية التالية: «إذا التقى ساكنان حيُذف ما سبق»، جدلية الخطاب الديني والسياسي، إذ يتم تغليب السياسة على الشرع إذا اصطدمت مصالح المخزن ضد الشريعة، وهو ما ولّد ردودًا فقهية رافضة لاحتكار القرار السياسي، من منطلق مبدأ الواجب الشرعي، ولاسيما أن المخزن أضمر النيات الحقيقية تجاه الآلة العسكرية المحترفة، التي نادى مجتمع الفقهاء في تصويبها نحو الهدف المطلوب شرعًا، ألا هو الجهاد، لاسترجاع بلاد الأندلس بدل استعراض جيوش المخزن أيام الإحتفالات الدينية، الأمر الذي يثير إشكالية إبستيمية تتمثّل في علاقة السياسة بالأخلاق. ويوضّح الباحث ذلك من خلال تعامل المخزن مع «الزوايا الدينية» التي شكّلت منافسًا لسلطته الدينيّة؛ فقد انتقلت الوظيفة الأخلاقية للزوايا تدريجيًا، مع صيرورة الزمن، واتخذت طابعًا مؤسساتيًا يخشاها المخزن، لذلك نجده يتحالف معها ويعمل على كسب ودها، ويحرص في الوقت نفسه على احتوائها بإعادة ترتيبها من الداخل عن طريق كسر شوكة
زعمائها والتأليب بينهم، والعمل على توريطها من خلال عرض قضايا ونوازل فقهية شائكة عليها، بغية إزالة صفات التقديس والتعظيم عنها، وبالتالي تبديد الشعور الديني لدى المريدين والأتباع.
منظومة المخزن: المضامين والدلالات
وتوصل الباحث إلى مطاطية مفهوم المخزن، وما يثيره من جدل نظري، ويميز بين ثلاثة اتجاهات نظرية حاولت تحديد المفهوم، الأوليعتبر المخزن معطى بديهيًا يجب التسليم به (المؤرخ)، والثانيأنه بنية سياسية معقدة وصعبة التحديد (السوسيولوجي)، والثالثجعل منه نظامًا سياسيًا ذا خصوصيات مميزة انفرد بها المغرب (الأنثروبولوجي)، ليستنتج أن الاتجاهات النظرية الثلاثة، بالرغم من تعدد أدواتها المنهجية، لم تستطع أن تقدم مفهومًا محددًا ومضبوطًا لمؤسسة المخزن. وفي إطار مقاربة المؤلف للمفهوم، يذكّر بزمن ولادة المفهوم، العصر الوسيط، وتطوره إلى مؤسسة، ابتداء من العصر الحديث، ليتمظهر على شكل تنظيمات إدارية، ينتقل بعدها إلى التمييز بين العوامل المساهمة في ظهور مؤسسة المخزن في المغرب، ليخلص إلى فكرة مؤدّاها أن العوامل المرتبطة بالتجارة ساهمت في ظهورها، لكنها لم تتمكن من إحداث تغيرات بنيوية، يمكن المراهنة عليها للانتقال إلى حالة الدولة كما وُلدت في أوروبا. وفي رأي محمد جادور أن خصوصيّة المخزن في الحالة المغربيّة لا ترتبط بال«قوة» فحسب، بل بتقاليد وأخلاقيات أيضًا؛ ففُسيفسائية الانتماءات الجغرافية والأسرية التي ينحدر منها خدام المخزن (العنصر العربي والعلوجي والقبلي، والمكانة الاجتماعية والمصاهرة البيولوجية)، كلها عناصر أدّت إلى التنافس والتصادم في بعض الأحيان بين الأطر الإدارية، على اعتبار أن توزيعهم يتم على أساس معايير محدّدة مسبقًا، كالمؤهلات الشخصية، والسجيةُ والطبع، والسيرة الحسنة، والكفاءات العلمية والدينية والعدلية، والدُربة والحنكة العسكرية، والمؤهلات السياسية؛ فالهدف هو ترسيخ فعالية الجهاز الإداري، وإثبات تفوقه على الناس، لما لهذه النخبة المخزنية من سلطات واسعة: مالية، وعسكرية، وقضائية. هذا التنوّع الشديد هو الذي سبّب تعدد المنظورات التي تناولت المخزن وانقسمت إلى: المنظور اللغوي، والأنثروبولوجي، والسياسي، وجلّها – في رأي الباحث - جرّد المخزن من سياقه التاريخي وأسقطه «في معضلة الاختزال التي أفقدت مؤسسة المخزن وحدتها المفاهيمية، التي تتجاوز أبعادها الوظائف السابقة (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والإدارية) لتمتد إلى ما هو ثقافي وديني، وإلى كل مجال يتداخل فيه حضورها ماديًا ورمزيًا... مما يعني أنها أهملت في تحليلاتها البعد التاريخي لمؤسسة المخزن، التي نمت في رحم مدى زمني طويل أسهم في تشكيل بنياتها وصقلها». ومن المجازفة مقاربة مؤسسة المخزن بالمفهوم الأوروبي للدولة، كما ذهب إلى ذلك الباحث، وهو ما يجعلنا نهتدي إلى إجابة قطعية مفادها أن المخزن لا يعني الدولة بالمفهوم الحديث. وهذا لا يعني نفيًا لسلطة مركزية تقوم مقام أجهزة الدولة. صحيح أن عناصر التشابه بين المخزن والدولة الوطنية في أوروبا متشابهة، من حيث الجيش والعلاقات التجارية والدبلوماسية، إالّ أنها غير كافية للحديث عن الدولة في مغرب القرنين السادس عشر والسابع عشر، لأن هناك مظاهر أخرى، كما يقول الباحث، أكثر أهمية ومتميزة «أسهمت في التخلي عن الشعور بالولاء للأسرة وللجماعة وللتنظيم الديني لفائدة الدولة»، في الوقت الذي بقي فيه المغرب تقليديًا في كل إنتاجاته، ومختزالً لمفهوم الدولة في الأُسرة الحاكمة.
ثم تساءل الباحث عن المفارقة بين الدولة الوطنية ومصطلح الأمة، ليستخلص أن مخزن السلطان جزء لا ينفصل عن جسد الأمة الإسلامية، له خصوصية معيّنة تحددت وفق صيرورة محلية؛ إنه صورة مصغّرة يجري من خلالها إعادة إنتاج دولة الخلافة في المخيال الذهني للشعوب، ولاسيما أن التمثلّات الاجتماعية لمفهوم المخزن تجسدت في شخص السلطان، فهو يرمز إلى الخوف وعدم الثقة، ويدل على الأمن، وأخيرًا يؤشر إلى الهيبة والجاه. يتجلى التمثّل الأولفي أن السلطان يمثّل عصا الرحى التي تدور حوله مؤسسة المخزن، ويتجسد أكثر من خلال تنقلّاته الكثيفة المراد بها انتزاع الاعتراف بسلطته وتجديدها. أمّا التمثّل الثاني، فيختزل عبارة «المخزن لا ثقة به» عظمته في الأذهان وقدرته الترويضية على الانضباط لأوامره بشكل حرفي. أمّا التمثّل الثالث، فيعني تحقيق السلم والطمأنينة وتجنيب البلاد الفتن، وأخيرًا يتجسد التمثّل الرابعفي المظاهر الخارجية، أي جميع أشكال الاستعراضات المادية.
المخزن: أسس الحكم ومكامن الهشاشة
يحاول جادور التعرّف على أساليب ممارسة السلطة في الخطاب المخزني، مع وقوفه على مجمل الصور التي تحملها الشرائح الاجتماعية بشأن مؤسسة المخزن. فعلى الصعيد الأول، تعمّدت النخب المخزنية تحديد ضوابط لممارسة السلطة، بقصد الإبقاء على مسافة احترازية في العلاقات مع مختلف الفئات الاجتماعية، تهدف إلى إشعار كل منها بحدود مكانتها، وترسيخ نظام يكرس تعاليه. وعلى الصعيد الثاني، يحاول السلطان المغربي اتّباع الحذر والسرية تجاه الأطراف كافة، سواء الرعية (القبائل والمدن) أو الأطر المخزنية، حتى لا يطّلع الغرباء على أسرار المخزن. لذلك آثر استعمال السياسة والدهاء وملازمة السرّية والتكتم، كما نهج أساليب من قبيل تهجير قبائل وتوطينها في مناطق أخرى، وتجريد قبائل من السلاح، ومصادرة ممتلكات كإجراء وقائي. كما أنه تشدد في مراقبته تجاوزات الأطر المخزنية، وضرب بيد من حديد كل من ثبت تورطه في تخطّي الحدود المرسومة، وكانت عيونه وآذانه بالمرصاد لتتبّع أخبار الآخرين وأسرارهم وكشفها. أمّا على الصعيد الثالث، فتعكس آليات الحزم التي سامّها الباحث الهيبة والتفرد. وتندرج ضمن أدبيات التعامل مع الآخرين، كعدم مخالطة السلطان للعامة، وإبراز الاستعراضات العسكرية، من أجل ترسيخ العظمة والتمايز والسمو. ويتمثّل الصعيد الرابعفي عملية ضخ دماء جديدة في عروق المخزن، بحيث لجأ السلطان إلى المصاهرة، كأوالية (ميكانيزم) لخلق توازنات مع أهم التشكيلات الاجتماعية، بغرض تقوية القرابة الدموية مع القبائل الحليفة. يقول الباحث في هذا الشأن: «وتؤكد... مدى أهمية مؤسسة الزواج في تمكين السلطان من اختراق المجموعات السكانية المستهدفة، وربط مصالحه، حتى أضحت المصاهرة وسيلة لجذب الأتباع، وتخويلهم فرص الترقّي في السلم الاجتماعي». وفي حين يوضح الباحث تبعيات الزواج السلطاني على المشهد السياسي الداخلي والخارجي، ولا سيما في اللحظات التاريخية التي تعصف بالمخزن، كوفاة السلطان، حيث أثبتت مشاركة الحريم السلطاني في شأن التدبير السياسي للمخزن، فإن استراتيجية القرابة الدموية تتباين بين السلاطين، نتيجة ظروف تاريخية لكل منهم. قارن الباحث، في مقاربته للسمات السياسية للملكيات المطلقة الأوروبية التي تستمد مشروعيتها من السماء، بين نمطي حكم فرنسا وإنكلترا، واستخلص الصورة التأليهية للملك الأوروبي، مستبعدًا فكرة التطابق مع السلطان المغربي، نظرًا إلى تباين المنطلقات، واختلاف
الظروف التي أفرزت ك منهما، من دون أن يمنع الباحث من تحديد ثلاثة تقاطعات بين المخزن المغربي والملكية الأوروبية، على الشكل التالي: أولا: غلبة الطابع الاستبدادي على مفهوم السلطة لدى المخزن، كتجسيد للحكم المطلق، يختلط فيه شخص السلطان والدولة، في حين تختزل عبارة لويس الرابع عشر «أنا الدولة» مضمون الفكرة السابقة. ثانيًا: توظيف الدِّين في السياسة، فكلٌّ من السلطان المغربي والملك الفرنسي استمد مشروعيته من الميتافيزيقا الدينية. ثالثًا: الطابع الأبوي الذي جسده كلٌّ من السلطان والملك، من خلال الأدوار التحكيمية، لتأمين التوازن داخل التركيبات الاجتماعية لكلٍّ منهما. وعليه، استنتج الباحث «وجود قواسم مشتركة على مستوى ممارسة السياسية بشكل عام، بغضّ النظر عن طبيعة الفوارق التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت في بلورة كل نظام على حدة. بعد أن قارن الباحث بين المخزن وأنماط الحكم السياسي في كلٍّ من الإمبراطورية العثمانية والملكيات المطلقة في أوروبا، انتقل إلى الحديث عن مكامن الهشاشة لدى المخزن، وهي تتضح، بحسب الباحث، من خلال غياب القوانين التي تنظم المعاملات التجارية مع الأوروبيين. لأن السلطان كان يحتكر التجارة، بالإضافة إلى أن البنية الجماعية للأرض حالت دون تطوير الإنتاج وتحقيق التراكم المادي. تلك كانت جملة من العوامل التي أعاقت تطور الاقتصاد الزراعي بالمغرب. يعكس هذا التحليل أن الباحث كان مسكونًا بهاجس التقدم من خلال محاولته تقديم إجابة عن إشكالية تخلّف المغرب، وتطور الآخر، تُلخص مقولاته التالية طموحاته وآماله: «كان في الإمكان لو تم السماح بتصدير محاصيلها أن تعود بالنفع العميم عليهم وتُساهم في تحسين مداخيلهم، ووسائلهم الإنتاجية». هذا ما حصل فعالمع الفلاحين الفرنسيين، وهو ما مكّنهم من تصدير إنتاجهم وتحسين مداخيلهم، وبالتالي أفضى إلى تخفيف وطأة الأزمات عليها. وسجّل الباحث مسألة هشاشة التقنيات، بالرغم من أن المخزن لم يستطع أن يستفيد على الأقل من تجربة السلف، ويتعلق الأمر بتقنية العجلة التي كانت توظف في عهده، وهو ما جعل الباحث يستغرب سر اختفائها، من دون الحديث عن قضية مسايرة مستجدات الغرب! جعل الباحث يهتدي إلى إجابة ذات بُعد أمني لدى البلاط المخزني، يقول في هذا الشأن: «يعني هذا أن كل الوسائل التي يمكن أن تشكل مصدر قوة، يجب الاستئثار بها، والحذر من سقوطها في أيدي كل من يتردد في تحقيق التوازن تجاه مؤسسة المخزن، التي لا تطمئن على استمراريتها إالّ عبر تجريد الآخرين من ركائز قوتهم، ومن تم كانت ترى في تشييد البنيات التحتية وخاصة القناطر والطرق، تهديدًا لإمساكها بزمام الأمور، نظرًا لما توفره من تسهيلات لتنقل المتمردين والمطلوبين للعدالة». ينضاف إلى السبب السابق (اليد الطولى للمخزن) في فهم تخلف الصنائع، عامل أهم. يتعلق الأمر بمسألة الذهنيان، ومردّه إلى التفكير الغيبي المترسخ لدى العامة بفعل النسق القيمي لدى الزوايا، وكان في منزلة «مقاومة شعبية» للتقدم وحفاظ على الهوية الثقافية، إلى جانب تواطؤ المخزن في تثبيتها. لقد جعل الباحث يصطلح عليها ب«ثقافة العادة» التي حالت دون الانفتاح على التحولات الطارئة لدى «الآخر» المسيحي.
خاتمة
بعد أن خلخل الباحث ماهية المخزن، حيث دل في البداية على المكان (المستودع) لينتقل إلى عملية جباية
الضرائب (المخزن الاقتصادي) ثم ليستقر في نهاية المطاف كنظام حكم (المخزن السياسي)، وهو تطور لم يرتق بمؤسسة المخزن إلى مرتبة الدولة، كما حدث في دول أوروبا. وخلص الباحث إلى أن السلطان يمثّل العمود الفقري للمخزن، وبذلك لا يمكن تصوره من دونه، لأنه وحده يضفي عليه الشرعية، وبواسطته يحقق وجوده الروحي والمادي معًا، الأمر الذي خول له تجميع السلطة بيده، وهذا يفيد بأن السلطة السياسية تمارَس من أعلى قمة الهرم السياسي إلى قاعدته.