العودة إلى تفاصيل المؤلَّف «لماذا تفشل الأمم؟»

«لماذا تفشل الأمم؟»

تانيا هاشم*

الملخّص

العنوان الأصلي للكتاب: Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity and Poverty الكاتبان : دارون آسيموغلو وجيمس روبنسون الناشر: Profile Book Ltd مكان النشر: لندن تاريخ النشر: آذار/ مارس 2012 عدد الصفحات: 529

الكلمات المفتاحية:
  • الأمة
  • المؤسسات
  • فشل الدول
  • الاقتصاد والسياسة

الكاتبان: دارون آسيموغلو وجيمس روبنسون الناشر: Profile Book Ltd مكان النشر: لندن تاريخ النشر: آذار/ مارس 2012 عدد الصفحات: 529

مقدّمة

لماذا تفشل الأمم؟ كتاب ذو صياغة رائعة

وواضحة وموجزة، ويغلب عليه صدق

يبرهن للقارئ أن آسيموغلو D. Acemoglu()

وروبنسون J. Robinson() على دراية بالحقائق

الواقعية في عالمنا ويركزان عليها. ويأتي الكتاب نتيجة

أبحاث وأعمال ميدانية استمرت سنوات عدة. ولا

يتردد المؤلفان في تقديم أمثلة تاريخية تجيب بطريقة

مفيدة ومسلّية عن السؤال الغريزي للقراء: «أين

الدليل؟». يتمتع آسيموغلو، أستاذ الاقتصاد في معهد

ماساتشوستس للتكنولوجيا، وروبنسون، الأستاذ

1 تتضمن الأوراق التي تشكّل مقدمات هذا المجلد الضخم

نوعًا ما: «عكس الحظ: الجغرافيا والمؤسسات في التوزيع الحديث

للدخل العالمي» و«الأصول الاستعمارية للتنمية المقارنة».

Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity,: الكتاب and Poverty

في كلية الإدارة الحكومية في جامعة هارفرد، بتأثير

كبير، كلٌّ في اختصاصه. وهما يشكّلان معًا تمثيالً

رائعًا للنقاش الذي يثيره كتابهما بخصوص التداخل

والعلاقة الحاسمة بين الاقتصاد والسياسة. ويؤكدان

أن من يريد فهم اقتصاد دولة ما عليه ببساطة أن يبدأ

بسياستها. وغرضهما في كل ما سبق هو الوصول إلى

جذور مشكلة عدم المساواة في العالم.

تتمثّل الفرضية الأساسية للكتاب في أن وجود

المؤسسات هو الذي يفسر الفارق بين الأمم

الغنية والأمم الفقيرة، وأن هذه المؤسسات

تختلف تبعًا للحوادث التاريخية. ويصنّف المؤلفان

المؤسسات في فئتين هما المؤسسات الاقتصادية

الشاملة inclusive) (والمؤسسات الاقتصادية

الاستخراجية extractive) (. فالفئة الأولى «تتيح

وتشجع اشتراك السواد الأعظم من الناس في

نشاط اقتصادي يستثمر مواهبهم ومهاراتهم أفضل

استثمار، ويسمح للأفراد بانتقاء الخيارات التي

يريدون». ويجب أن تشجع هذه المؤسسات روح

المبادرة، وتضمن حقوق الملْكية الخاصة، وتكفل

وجود نظام قانوني نزيه، وتمهد الطريق أمام التقدم

في التكنولوجيا والتعليم، وتقدم خدمات عامة

توفر للناس فرصًا متكافئة للتبادل والتعاقد، وتخلق

أسواقًا اقتصادية شاملة. أمّا الفئة الثانية، «فتهدف إلى استخراج الدخل

والثروة (عبر باقة متنوعة من الوسائل، بدءًا من

أنظمة الضرائب الاستعمارية وانتهاءً بالحد من

الحريات الأساسية) من فئة في المجتمع لفائدة فئة

أخرى». وهي لا تتمتع بخصائص المؤسسات

الشاملة المذكورة أعلاه (بل لها في الواقع خصائص

معاكسة)، وبالتالي لا تقدم حوافز للتعليم ولا تحث

الحكومة على الاستثمار في البشر. ويعتقد المؤلّفان بوجود سلسلة من المنعطفات

الحاسمة في مسار التاريخ، وهي حوادث كبرى

تعطّل التوازن الاقتصادي أو السياسي القائم في

مجتمع معي، ويمكن أن تغريّ البلاد نحو الأفضل

أو الأسوأ. وعلى الرغم من أن جوانب كثيرة مرهونة

بالمصادفات التاريخية، فإن المؤسسات القائمة هي

التي تحدد مجرى الحوادث. ويقدم لنا المؤلفان أسبابًا

تفسر فشل النظريات السابقة في شرح عدم المساواة

في العالم، ليمضيا بنا بعد ذلك في رحلة مكوكية عبر

تاريخ العالم، منتقين أمثلة كثيرة عن صعود الدول

والمجتمعات والثورات وسقوطها، ومفسرين ذلك

كله من زاوية النجاح أو الفشل المؤسسي. وهما

يزودان القارئ بلمحة عن مؤسسات الإمبراطورية

الرومانية، والفتوحات الإسبانية، والعديد من

2 Daron Acemoglu and James Robinson, Why Nations Fail: The Origins of Power Prosperity and Poverty (London: Profile Books Ltd., 2012), p. 75.

3 تُعرَّف الأسواق الشاملة في هذه الحالة بأنها أسواق تمنح الأفراد

حرية الاختيار والسعي وراء مِهن تناسب مهاراتهم وتقدم لهم

فرصًا متكافئة لفعل ذلك بنجاح.)76(

4 المصدر نفسه، ص.75

5 المصدر نفسه، ص.76

6 المصدر نفسه، ص.101

الحالات العيانية لبلدان في أفريقيا وأميركا الجنوبية

فشلت في مرحلة ما بعد الاستقلال. علاوة على ذلك، يتردد مصطلح «التدمير الخلاق»

كثيرًا في هذا الكتاب. وهو مصطلح استخدمه

الخبير الاقتصادي الشهير جوزيف شومبيتر في

وصف استبدال القديم بالجديد. وعلى الرغم

من أن هذا المصطلح اقتصادي، يرى المؤلفان أن

السياسة تقع في صميمه؛ فغالبًا ما تحجب النخب

الحاكمة التدمير الخلاق عمدًا. والأمثلة التي يقدمها

الكتاب عن حكام يخشونه تتراوح من رفض الملكة

إليزابيث الأولى دعم مكننة الإنتاج السلعي لخوفها

من أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي، مرورًا

بما قام به الحكام الروس والهنغاريون النمساويون

في القرن السابع عشر من عرقلة متعمدة لمحاولات

إدخال استثمارات وتقنيات جديدة في البنى التحتية،

كخطوط السكك الحديد، وانتهاءً بمعارضة

السلطان العثماني للصحافة والطباعة، وهو ما أدى إلى

ضعف التعليم وضعف النجاح الاقتصادي. ويسلط الكتاب الضوء أيضًا على مصطلحين آخرين

هما الحلقة الإيجابية والحلقة المفرغة. والحلقة الإيجابية

هي عملية ردات فعل إيجابية تحافظ على المؤسسات

حتى عند انتقادها، وغالبًا ما تنتج هذه الحلقة من

التعددية وسيادة القانون. وهي تعتمد على فرضية

تقول إن المؤسسات السياسية الشاملة عادة ما تدعم

المؤسسات الاقتصادية الشاملة. أمّا الحلقة المفرغة،

فهي آلية تؤبد المؤسسات الاستخراجية «وتخلق قوى

مؤثرة تعزز ثباتها». وهي تعمل من خلال إطلاق

مسار من ردات الفعل السلبية: مؤسسات اقتصادية

استخراجية تشكّلها مؤسسات سياسية استخراجية

لتصبح في ما بعد أساس استمرار هذه الأخيرة. ومن

الأمثلة المقدمة نذكر الولايات الأميركية الجنوبية:

فعلى الرغم من إلغاء الرق نتيجة الحرب الأهلية،

7 المصدر نفسه، ص.84

8 المصدر نفسه، ص.183

9 المصدر نفسه، ص.215

10 المصدر نفسه، ص.308

11 المصدر نفسه، ص.365

وعوضًا عن الانتقال إلى مؤسسات أكثر شمولية،

شاهدنا ظهور قوانين جيم كرو. وكأمثلة أخرى، نذكر أيضًا سيراليون وغواتيمالا.

وأحد العناصر الأساسية في هذه الحلقة المفرغة هو

«القانون الحديدي لحكم الأقلية» لروبرت ميشلز

الذي ينص على أن «حكم الأقلية يعيد إنتاج نفسه

حتى لو جاءت إلى السلطة مجموعة مختلفة تمامًا».

ملخص للنقاشات والنتائج الرئيسة للكتاب

يبدأ الكتاب بقصة مدينتين (نوغاليس في أريزونا

بالولايات المتحدة ونوغاليس في سونورا بالمكسيك).

نوغاليس الأميركية أكثر ازدهارًا بكثير من جارتها

المكسيكية التي يفصلها عنها مجرد سور. ويهدف هذا

المثال إلى توضيح كيف أنه مع ثبات جميع العوامل

الأخرى، فإن اختلاف المؤسسات بين المدينتين

الجارتين هو ما يجعلهما عالمين مختلفين تمامًا. ثم

يُستخدم المثال لإطلاع القارئ على مناقشة مفصلة

عن تاريخ الاستعمار الأوروبي للأميركتين. ويقارن

المؤلفان بين المؤسسات الاستخراجية الإسبانية، مثل

نظامي إينكوميندا وميتا، والمؤسسات الأكثر شموالً

بكثير والتي أنشأها البريطانيون في أميركا الشمالية

(مع الإشارة إلى نظام «هيدرايت» الذي منح كل ذكَر

في المستعمرات أرضًا، وحرية، وصوتًا في الحكومة).

وبالانتقال سريعًا بضعة عقود لاحقة، نرى أن العولمة

(وهي منعطف حاسم هنا) هي التي تسببت في

مزيد من التباعد بين السياسة والاقتصاد ولاحقًا في

مستويات المعيشة بين الولايات المتحدة والمكسيك. يناقش المؤلفان في الفصل الثاني ما اعتبروه «النظريات

غير الصحيحة»، حيث يركزان بشيء من التفصيل

12 تشير هذه القوانين إلى «سلسلة كاملة من تشريعات الفصل

العنصري التي صدرت في الولايات الجنوبية بعد سنة »1865

مستهدفةً الأميركيين من أصل أفريقي. وقد تميزت بممارسة

القمع ضدهم وإقصائهم من السلطة، وبالعمل الزراعي في مزارع

ضخمة متدنية الأجور، وبطبقة عاملة أمّية.)353(

13 آسيموغلو وروبنسون، ص.345

14 المصدر نفسه، ص.360

على المقاربات الجغرافية والثقافية، وأيضًا على نظرية

الجهل، ويعتبرانها جميعًا تمثّل أجوبة غير شافية على

قضية عدم المساواة في العالم. ونظرًا إلى أن الكتاب

يقدم فرضية بديلة بشأن سبب نجاح الدول أو فشلها،

فإن القبول التام بفرضية آسيموغلو وروبنسون يلغي

الفرضيات المذكورة بطبيعة الحال. يقول نايل دياموند وجيفري ساكس، المؤيدان

الرئيسان لنظرية الجغرافيا، إن الفوارق الجغرافية هي

سبب عدم المساواة بين الأمم. وهما يفترضان أن

لعناصر الجغرافيا، أي الطقس والأمراض والإنتاجية

الزراعية، دورًا سبّاقًا في تحديد نجاح الأمّة أو فشلها.

لكن آسيموغلو وروبنسون يفنّدان هذه الحجة عبر

الإصرار على عدم وجود علاقة سببية مستمرة تاريخيًا

بين الطقس أو الجغرافيا وبين النجاح الاقتصادي،

وهما يبرهنان في الحقيقة أن الواقع معكوس؛ ففي

الماضي، كانت حضارات المناطق الاستوائية، مثل

شبه القارة الهندية وحضارة أنغكور في كمبوديا، أكثر

ازدهارًا من حضارات أميركا الشمالية وأوروبا.

أمّا نظرية الثقافة التي يؤيدها ديفيد لانديز في كتابه

ثروة (The Wealth and Poverty of Nations

الأمم وفقرها)، فتعزو عدم المساواة العالمي إلى فوارق

في الثقافة. ويقر آسيموغلو وروبنسون بأن المعايير

الاجتماعية مهمة ويمكن أن تدعم الفوارق المؤسسية،

لكنهما يستبعدان الثقافة كعامل مهم. وهما يستخفان

بنظرية ماكس فيبر في الأخلاق البروتستانتية ليصرحا

بأنه على الرغم من دور الدِّين، فإن الفوارق المؤسسية

بين البلدان أهم كثيرًا في موضوع الازدهار. وفي

النهاية، تبقى نظرية الثقافة عاجزة عن تفسير أمور كثيرة. أخيرًا، تقول نظرية الجهل إن الحكام ببساطة لا

يعرفون كيف ينقلون دولهم من الفقر إلى الغنى، أي

إن الدول فقيرة لأن صنّاع السياسات يتّبعون نصائح

خاطئة، أو يجهلون كيف يتغلبون على إخفاقات

15 يناقش هذه الفرضية في كتابه «بنادق، وجراثيم، وفولاذ.»

16 يناقش فرضية الجغرافيا في كتابه “ نهاية الفقر ”.

17 آسيموغلو وروبنسون، ص.50

18 المصدر نفسه، ص.61

الأسواق في اقتصاداتهم. ويرفض المؤلفان هذه

الحجة ويقولان بوضوح إنه لو كان الجهل هو المشكلة

لتعلم الحكام بسرعة السياسات المفيدة اقتصاديًا

واجتماعيًا ولتبنّوها عوضًا عن التوجه نحو إثراء

أنفسهم والتمسك بالسلطة. بعد ذلك، يأخذنا المؤلفان في رحلة شاملة عبر تاريخ

أوروبا، مع تركيز خاص على بريطانيا وفرنسا اللتين

تبدوان بؤرتي التغيير السياسي الذي نشر موجة

المؤسسات الشاملة في باقي أرجاء أوروبا. وقد شكّل

الموت الأسود منعطفًا حاسامً في أوروبا، إذ أحدث

تباعدًا بين غرب القارة وشرقها جرّاء فوارق بسيطة

في المؤسسات. وعندما بدأت الثورة الصناعية (وهي

منعطف حاسم آخر)، فضّلت المؤسسات القائمة في

بريطانيا روح الريادة والتدمير الخلاق، وكانت تستند

إلى أرضية راسخة من حقوق الملْكية وبالتالي نمت

بريطانيا بسرعة كبيرة.

علاوة على ذلك، يعيدنا الفصل الثالث عشر إلى

السؤال الجوهري: «لماذا تفشل الأمم؟». والسبب

الأكثر شيوعًا، بحسب آسيموغلو وروبنسون،

هو أن «مؤسساتها (الاقتصادية والسياسية)

استخراجية»، حيث تفشل هذه المؤسسات في

خلق حوافز تشجع الناس على الادخار أو الاستثمار

أو التبرع، وبالتالي تفشل أممها. وعلى الرغم من أن

الدول الأوروبية كانت أول من انتقل إلى المؤسسات

الشاملة، فإن الاستعمار الأوروبي، ويا لسخرية

الأقدار، هو الذي منع هذه المؤسسات من الظهور

في عدة أجزاء من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية،

أو شجع المؤسسات الاستخراجية فيها. وتوضح

حالة الكونغو كيف تعززت المؤسسات الاقتصادية

الاستخراجية القائمة كالرق بمجيء الحكم

الاستعماري في المنطقة، حيث لا يزال كثير منها قائامً

حتى يومنا هذا، وهو ما جعل الكونغو إحدى أفقر

الدول الأفريقية (إن لم تكن الأفقر). وفي الشرق

الأوسط، كان الحكم الاستعماري العثماني هو الذي

19 المصدر نفسه، ص.64

20 المصدر نفسه، ص.197

21 المصدر نفسه، ص.369

22 المصدر نفسه، ص.372

شكل المؤسسات السياسية والاقتصادية. وكان

للمؤسسات الاقتصادية الاستخراجية العثمانية (مثل

نظام الضرائب الزراعية الذي جعل الضرائب مرتفعة

جدًا) أثر مباشر في وتيرة ازدهار الشرق الأوسط في

ظل الاستعمار الأوروبي ولاحقًا الدول العربية في

مرحلة ما بعد الاستعمار. ويركز المؤلفان في نقاشهما بشأن الشرق الأوسط على

حالة مصر؛ فهما يشيران إلى أنه على الرغم من انفتاح

الأسواق بعد حكم عبد الناصر، بقيت هذه الأخيرة

استخراجية للغاية وتخضع لرقابة صارمة من قبل

الدولة وأصحاب النفوذ من رجال الأعمال. لقد

أُلّف هذا الكتاب مباشرة بعد ثورة 2011، ويحاول

المؤلفان استشراف مستقبل مصر: فبحسب القانون

الحديدي للحكم الأوليغاركي «لا تضمن الإطاحة

بنظام مبارك الاستخراجي بواسطة احتجاج شعبي

أن تتحول مصر إلى طريق المؤسسات الشاملة».

ومن جهة أخرى، أظهرت الثورة وعيًا بضرورة

التخلص من المؤسسات الاستخراجية واستبدالها

بأخرى شاملة، حيث تتمتع مصر بمجتمع مدني

نابض بالحياة يضم آلاف المنظمات غير الحكومية. علاوة على ذلك، لا يكتفي المؤلفان بدحض فكرة

ينادي بها البعض في الغرب مفادها أن الصين تمثّل

«مسارًا بديالً للنمو المستدام»، بل يتوقعان ركودها

أيضًا. وعلى الرغم من أن التنبؤات في الصفحات

الأولى من الكتاب بخصوص مستقبل الصين تبدو

جريئة نوعًا ما، فإن النظر في فكر المؤلفيَن في تركيزهما

على النمو في ظل المؤسسات الاستخراجية في الفصل

الخامس يلقي بعض الضوء على سبب اعتبار تنبؤهما

أكثر من معقول. ويؤكد المؤلفان بجرأة أن المؤسسات الاستخراجية

23 المصدر نفسه، ص.120

24 المصدر نفسه، ص.56

25 المصدر نفسه، ص.436

26 من المنظمات الحكومية نذكر «علشانك يا بلدي» (من أجل

تنمية مستدامة)، و«نهضة المحروسة» (من أجل تنمية اقتصادية)،

و«فاتحة خير» (تعمل لردم الهوة الاجتماعية الاقتصادية، كما تعمل

كمنبر للشباب والنساء). 27 آسيموغلو وروبنسون، ص.442

لا تولّد نموًا مستدامًا أو تقدمًا تكنولوجيًا لسببين:

أولهم غياب الحوافز الاقتصادية، وثانيهم مقاومة

النخب في المجتمع. ولكن هذا لا يعني

أنه لا يمكن أن يحدث نمو في ظل المؤسسات

الاستخراجية، بل يعني أن النمو المتحقق

سيفقد طاقته في نهاية المطاف بسبب اعتماده على

التكنولوجيا القائمة. ويرى المؤلفان أن الص ني

شهدت نموًا لأن لديها الكثير بحاجة إلى تطوير،

لكن المؤسسات الاستخراجية التي تتسم بانعدام

أمان حقوق الملكية والقيود الصارمة ع ىل حركة

اليد العاملة والرقابة على وسائل الإعلام ستمنعها

من النمو إلى الأبد. ويعرض الفصل الأخير من الكتاب وجهة نظر المؤلفين

بشأن المساعدات الخارجية وأفضل سبل معالجة

مشاكل الفقر وعدم المساواة. ويبدو أنهما ينضمان إلى

معسكر ويليام إيسترلي الذي يُظهر تشكيكًا كبيرًا في

المساعدات الخارجية عبر توجيه نقد شديد لمفهوم

«هندسة الازدهار». وهما يعتقدان أن تقديم معونة

ومساعدات خارجية إلى البلدان المتخلفة لا يعالج

جذور مشكلاتها، ألا وهي المؤسسات الاستخراجية.

وهما يقولان إن لهندسة الازدهار منهجيتين ضعيفتين

بطبيعتهما. فهي أولابتركيزها على التحسينات

الاقتصادية فقط تتجاهل الجانب السياسي من المشكلة.

وثانيًا، يُعتبر التركيز على إصلاح الإخفاقات الصغيرة

في السوق معيبًا لأن هذه الإخفاقات مجرد أعراض

للمؤسسات الاستخراجية. ويتعارض هذا النقد الأخير مع بعض مقترحات

التنمية الرئيسة التي ذكرها الخبيران الاقتصاديان

أبهيجيت بانيرجي وإستر دوفلو في كتابهما Poor

Economics؛ ففيما يقول آسيموغلو وروبنسون

إن المهم هو المؤسسات السياسية والاقتصادية

الكبيرة، يركز بانيرجي ودوفلو على تغيير المؤسسات

الصغيرة لإحداث الفارق، والدعوة إلى تحسين

الحوكمة والسياسة من دون تغيير الهياكل الاجتماعية

28 المصدر نفسه، ص.128

29 المصدر نفسه، ص.439 30 المصدر نفسه، ص.450

والسياسية. وبينما يصر آسيموغلو وروبنسون على

أن القادة يدركون حالة المؤسسات الاستخراجية

ويستفيدون منها على الرغم من أنها تضر بدولتهم،

يرى بانيرجي ودوفلو أن العديد من إخفاقات

الدول الفقيرة «لا تعود إلى مؤامرة كبرى من جانب

النخب للمحافظة على سيطرتها على الاقتصاد بقدر

ما تعود إلى عيوب يمكن تجنّبها في التصميم التفصيلي

للسياسات، إضافة إلى العناصر الثلاثة الدائمة

الوجود: الجهل والأيديولوجيا والجمود». أخيرًا، يقدم لنا آسيموغلو وروبنسون مبادئ توجيهية

يرجح أن تنمو المجتمعات من خلالها اقتصاديًا خلال

العقود القليلة القادمة؛ فهما يستبعدان أن تتغير دول

فاشلة مثل إثيوبيا وأفغانستان في المستقبل القريب.

أمّا البلدان التي تتصف بدرجة من المركزية، فيتوقّع

أن تنمو حتى في ظل مؤسسات استخراجية، في حين

ستنفذ طاقة دول كالصين.

نقد وتقويم

لقد أخطأ النقاد الذين يحكمون على نظرية المؤلفيَن

بالقول إنها لا تترك مجاالً على الإطلاق لأي عوامل

سببية خارج المؤسسات، لأن المؤلفيَن يتجاهلان

هذه الأمور باعتبارها تفاصيل صغيرة، وهما يقولان

إن كتابهما يسعى عوضًا عن ذلك إلى تقديم إطار

واسع وشامل قد لا يحيط بكل حالة بمفردها أو

يفسرها، لكنه يلائم القالب العام في معظم الحالات.

وتركيزهما على ما يعتبرانه أهم عنصر في لغز عدم

المساواة العالمي، أي المؤسسات، يمكّنهما من رسم

معالم التغييرات والصفات الدينامية لهذه المؤسسات

السياسية والاقتصادية. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين وبعض

الدراسات الميدانية يشيران إلى أن للجغرافيا والثقافة

والجهل دورًا في نجاح الأمم او في فشلها. وعلى

الرغم من أنها قد لا تفسر كل شيء، فإن السر يكمن

في فهم أنها ليست بالضرورة وجهات نظر بديلة بل

31 Esther Duflo and Abhijif V. Banerjee, Poor Economics (New York: Public Affairs, 2011), p 271.

32 المصدر نفسه، ص.271-270

33 المصدر نفسه، ص.436

إضافية. ويمكن اعتبار فرضية أن المؤسسات هي

التفسير الوحيد للاختلافات بين بلدان يبعد بعضها

عن بعض آلاف الكيلومترات على أنها تعميم؛ فلو

نظرنا إلى أنفسنا كأفراد، سنجد أن سؤال «لماذا نصبح

نحن كأفراد أغنياء أو فقراء؟» ينطوي على العديد من

العوامل. فكيف يمكننا إذن اختزال أسباب نجاح أمّة

بأكملها إلى عامل واحد هو المؤسسات؟

إضافة إلى ما سبق، كان من شأن توسيع النقاش الدائر

حول مقاييس أخرى لنجاح البلدان أن يعزز التحليل

الذي يقدمه الكتاب؛ إذ يمكن أن يحرم الفرد أو

الدولة من أمور عدة في عالم من الفقر متعدد الأبعاد؛

وفي المقابل، يمكن أن يأتي النجاح بأشكال عدة غير

الازدهار الاقتصادي، مثل الانخفاض النسبي في

مُعامل جيني، وارتفاع معدلات التعليم والصحة

العامة، وحتى وجود مقاييس للسعادة (تُستخدم على

نطاق واسع حاليًا في بوتان). وبالتالي، على الرغم من أن

بعض الدول ازدهرت اقتصاديًا وحققت تقدمًا واضحًا

على طريق بناء مؤسسات سياسية واقتصادية شاملة،

فإن اكتشاف نتائج سيئة في مؤشرات النجاح الأخرى

يوحي بوجود مؤسسات استخراجية قائمة بالفعل. وثمة مسألة أخرى تتعلق بعنوان الكتاب لماذا تفشل

الأمم؟ الذي يشير تحديدًا إلى الأمم، وهي عادة

تُعرّف بأنها مجموعة أفراد تجمعهم ثقافة وأنساب

وتقاليد مشتركة. ولكن بعد قراءة الكتاب، يتبين

أن المؤلفيَن يتحدثان عن الدول لا عن الأمم،

وهذا يعني وجود احتكار للسلطة في نطاق معنيّ.

كما تُظهر جميع الفصول ارتباكًا في الإطار العام

للكتاب؛ فمفهوم مصطلح «الأمّة» جديد، وفيما

يضرب المؤلفان أمثلة عدة عن مؤسسات الأمم،

فإنهما يتحدثان عن الحضارات عندما يناقشان الأنكا،

وعن الإمبراطوريات عندما يناقشان الرومان، وعن

المجتمعات المحلية عندما يناقشان النطوفيين.

علاوة على ذلك، على الرغم من اعتراف المؤلفيَن بأن

«المؤسسات الاستخراجية ليست متساوية جميعًا»

وأن طرحهما لا يعني أن «هذه المؤسسات غير قادرة

على توليد النمو»، فإن الكتاب لا يقدم إجابة عن

34 آسيموغلو وروبنسون، ص.91

تساؤل القارئ بخصوص ماذا يحدث عندما تصبح

طبيعة عناصر المؤسسات الشاملة استخراجية؟

فمناقشته للمؤسسات لا تفعل سوى التركيز الشديد

على الانقسام الشامل في مقابل الاستخراجي، لكن

ماذا بشأن ما بينهما؟ وأين هو الخط الفاصل؟ وهنا

يسأل المتشككون/الساخرون منا: كم هو عدد

الأشخاص اللازمين للاستفادة من الاستخراج قبل

أن تُعتبر المؤسسات الاستخراجية شاملة؟ يستحث استخدام كلمة «شاملة» مشاعر دافئة

بعالم مثالي، لكنه قد يضلل القارئ، فلا يتأمل في

المعنى الحقيقي للشمولية في هذه الحالة. ومن خلال

وصف المؤسسات الشاملة بأنها القطب المعاكس

للمؤسسات الاستخراجية، يميل القارئ إلى استنتاج

أن أي سياسة في ظل هذه المؤسسات المثالية لا

يمكن أن تكون استخراجية. ومع ذلك، فإن لدى

كثير من عناصر المؤسسات الشاملة متسعًا لنزعات

استخراجية؛ فالنظام القانوني النزيه مثالً سمة من

سمات المؤسسية الشاملة، لكن تحقيقه على أكمل وجه

أمر شبه مستحيل. فحتى في الولايات المتحدة يوجد

مجال واضح للتحيّز، حيث يقوم الرئيس باختيار

رئيس المحكمة العليا. وغالبًا ما يوجد لدى واضعي

القوانين تحيّز كامن أو فطري. والملْكية الخاصة

الآمنة أيضًا تمثّل مكونًا آخر من مكوّنات المؤسسات

الشاملة، لكن هذا يترك مجاالً لإقصاء قسم كبير

من السكان. كما أن للتكنولوجيا جانبًا سلبيًا هي

الأخرى، لأن تطبيق أحدث التقنيات باستمرار يعني

المخاطرة بجعل العمال عديمي الفائدة.

خاتمة

يُظهر كتاب لماذا تفشل الأمم؟ تفاؤالً أحيانًا، فيما يعزز

الدعوة المزعجة إلى التنبه للخطر في أحيان أخرى.

بيد أنه في المجمل يستحوذ على الاهتمام، إذ هو غني

جدًا بالمعلومات، مع تغطية تاريخية وجغرافية وثقافية

واسعة للغاية. كما أن مجموعة الحالات العيانية المأخوذة

من فترات تاريخية مختلفة تخدم تدعيم حجة المؤلفيَن بأن

مصدر نجاح الأمم أو فشلها يكمن في مؤسساتها، وأن

الفوارق التاريخية الصغيرة بينها ذات أهمية كبيرة.