اتّساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية في نظرية العدالة
Economic Freedom and Social Equality in the Theory of Justice: An Examination of a Sustainable Liberal Model for the Post-Ar
الملخّص
يستشرف هذا البحث الطبيعة العميقة لقِيم الحرية والمساواة والكرامة المُؤسِّسة لنظرية العدالة، وهي القيم التي ظلّت على مرّ التاريخ القديم والحديث متداخلة ومتجاذبة في آن معًا. فإن كان الوعي بهذه القِيم الجوهرية قد بدأ يترسّخ غداة الربيع العربي لدى أطراف عديد من ألوان الطّيف السياسي عبر التعلّم بالممارسة، فإنّ الثورات الجارية لم تستطع بعدُ استيعاب أبعادها المعرفية المُركّبة والمساهمة في توطينها الإبستيمي في البلاد العربية، في ظلّ غياب مقاربات معيارية تربط الحِراك المجتمعي والسياسي الحالي بأولويات البناء الاقتصادي والاجتماعي في المرحلة المقبلة، عبر مقاربة معيارية تدحض التّسويغات الواهية للأرثوذكسية النيوكلاسيكية المُؤَسِّسة للسياسات النيوليبرالية، وتُسائِل ماهيّة البُعد الاجتماعي والديمقراطي داخل الاقتصاد، ولا سيّما بترابط مع نظرية "العدالة كإنصاف" الرولزية، يُبيّن هذا المقال أن نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام تنطوي على حرية حقيقية متمثّلة في القدرات الفردية المضمّنة في ثنايا المساواة الاجتماعية والضامنة لتكافؤ الفرص، وهو ما يُفيد اتّساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية عبر الرّبط بين عمليات توزيع القيمة ومستويات توليدها، ويضمن استدامة هذا الاتساق من خلال انبثاق الاندماج والتآخي الاجتماعي كمنظور بعيد الأمد للعيش المشترك.
Abstract
This paper investigates the nature of freedom, equality, and dignity as values that serve as the founding blocks of the theory of justice. Throughout ancient and modern history, these values have intersected and interacted with each other. An awareness of these essential values began to take root in the Arab world—particularly among political factions—following the Arab Spring. While learning through praxis has permitted the integration of these values, the ongoing revolutions are incapable of theorizing their complex intellectual dimensions or inducing an epistemic localization of these values in Arab countries because of the absence of normative approaches that link the ongoing social and political movements to future economic and social priorities. This can be achieved through normative approaches that critique the thin veneer of Neoclassical orthodoxy, which is the basis that underpins neoliberal policies; these approaches should also question the nature of the social and democratic dimension of the economy, especially in terms of the Rawlsian theory of “justice as fairness”. The paper further argues that the theory of justice in the sustainable liberal model involves a substantive form of freedom, including individual freedoms that guarantee equal opportunity as a fundamental element of social equality. This can lead to a compatibility between economic freedom and social equality by linking the distribution of value processes to the production of value processes; this compatibility can be guaranteed and made sustainable through the emergence of social integration and solidarity as a long-term theory of coexistence.
- الحرية
- الربيع العربي
- مساواة
- كرامة
- نظرية العدالة
- Freedom
- Equal Opportunities
- Equality
- Dignity
- Theory of Justice
- Arab Spring
يستشرف هذا البحث الطبيعة العميقة لقِيم الحرية والمساواة والكرامة المُؤسِّسة لنظرية العدالة،
وهي القيم التي ظلّت على مرّ التاريخ القديم والحديث متداخلة ومتجاذبة في آن معًا. فإن كان
الوعي بهذه القِيم الجوهرية قد بدأ يترسّخ غداة الربيع العربي لدى أطراف عديد من ألوان
الطّيف السياسي عبر التعلّم بالممارسة، فإنّ الثورات الجارية لم تستطع بعدُ استيعاب أبعادها
المعرفية المُركّبة والمساهمة في توطينها الإبستيمي في البلاد العربية، في ظلّ غياب مقاربات معيارية تربط الحراك المجتمعي والسياسي الحالي بأولويات البناء الاقتصادي والاجتماعي في المرحلة المقبلة، عبر مقاربة معيارية تدحض التّسويغات الواهية للأرثوذكسية النيوكلاسيكية
المُؤَسِّسة للسياسات النيوليبرالية، وتُسائل ماهيّة البُعد الاجتماعي والديمقراطي داخل
الاقتصاد، ولا سيمّا بترابط مع نظرية «العدالة كإنصاف» الرولزية. يُبنيّ هذا المقال أن نظرية
العدالة في النموذج الليبرالي المستدام تنطوي على حرية حقيقية متمثّلة في القدرات الفردية المضمّنة في ثنايا المساواة الاجتماعية والضامنة لتكافؤ الفرص، وهو ما يُفيد اتّساق الحرية
الاقتصادية والمساواة الاجتماعية عبر الرّبط بين عمليات توزيع القيمة ومستويات توليدها،
ويضمن استدامة هذا الاتساق من خلال انبثاق الاندماج والتآخي الاجتماعي كمنظور بعيد الأمد للعيش المشترك.
مقدّمة
المساواة أَمِ الحرية أولا؟ أو العربة أَمِ الحصان أوالً؟ إنه السؤال الأساس الذي يُطرح بشكلٍ أو بآخر
أمام جميع الأشكال المجتمعية، بمعنى ما مدى أصالة أو امتياز المساواة على الحرية في الاجتماع البشري،
أو العكس؟ بعبارةٍ أخرى، هل المساواة هي الحجر الأساس القَبلْي في بناء المجتمع، والموْشور الذي يُنظر من
خلاله إلى جميع الإشكالات المتعلقة بالاجتماع الإنساني، أم أن الحرية هي ذلك كله؟ وهذا السؤال يَطرح نفسه
بحِدّة أشد في هذا الزمن الحاسم الذي يعيشه العالم العربي اليوم. فإذا كان الربيع العربي قد أعاد إحياء الشعور
العام بالحاجة الماسّة إلى الحرية والعدالة والكرامة، وإذا كانت هذه القِيم الجوهرية قد بدأت تترسّخ لدى
أطراف عديدة من ألوان الطّيف السياسي عبر التعلّم بالممارسة، فإن أهداف الثورات الجارية تكاد تنحصر في
«الأشكال الديمقراطية وليس بالمحتويات السياسية والاقتصادية»، ولم تبدأ البلاد العربية في الاجتّاه إالّ مؤخّرًا
نحو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي لن تستقيم دونها ممارسة الحقوق السياسية والمدنية في المجتمعات،
في حين أن «الحقّ في التنمية» هو في حقيقة الأمر يعادل «الحقّ في الحياة». ليست مصادفة إذًا أن الآليات
الفكرية الراهنة تظلّ قاصرة عن فهم واستيعاب الطبيعة العميقة والسيّر المعقّد لمجتمعات واقتصادات تقوم
على هذه القِيَم الإنسانية الجوهرية، وأن الحاجة تظلّ ماسّة لمقاربات معياريّة تربط الحراك المجتمعي والسياسي
الحالي بأولويات البناء الاقتصادي والاجتماعي في المرحلة المقبلة، وذلك من دون أن ننتقص من أهمية دور
الممارسة وبُعد التعلّم بالممارسة ومركزيته، فنحن نؤكّد هنا، وفقًا لتعبير محمود أمين العاملِ، أن عالمنا العربي هو
اليوم «في حاجة إلى أن نقف موقفًا نقديًّا واعيًا من هذه الفلسفة التي نتنفّسها كلّ يوم، لننتقل بها إلى مرحلة
الوعي والوضوح والنّضج»، ولنُحقّق علاقة إبداعية فاعلة بين الفكر والواقع. بادئ ذي بدء، سوف نعمل على إرساء التصميم العام للبحث، والمتمثّل في الإطار الفكري الذي ينبغي التفكير
ضمن حدوده في البدائل التي نرتجيها لبلداننا في مرحلة ما وراء الربيع العربي. فالإشكالات المتعلقة بالترابط المتلازم
بين الحرية والعدالة قلَّما جرى التّعرّض لها بعُمق في الماضي، مع أنها تشكّل أُسس الاجتماع البشري والتعاقد الطّوعي
للإرادات الفردية، خاصة في العالم المعاصر المُعَولم. وإذا كانت تُطرح اليوم بدرجة أساسيّة داخل إطار النموذج
الليبرالي، وبشكل أدقّ داخل إطار النيوليبرالية المهيمنة، فإن التحليلات المنهجية لتهافت هذا النموذج تبقى قاصرة،
وتظلّ الحاجة ماسّة للتأصيلات الفكرية للنماذج البديلة المرتجاة. وهذا ما نبدأ استطلاعه في المبحث الأول.
1 نواف بن عبد الرحمن القديمي، «الإسلاميّون وربيع الثّورات: الم مارسة المُنتجة للأفكار،» (دراسة، المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، نيسان/ أبريل ٢١٠٢)، ص.8
2 منير شفيق، «الثورات العربية والبديل الاقتصادي،» (دراسة، مركز الجزيرة للدراسات، ٣٢ تموز/ يوليو ١١٠٢، على الموقع
<http://studies.aljazeera.net/issues/2011/07/201172373331184894.htm>. الإلكتروني:
3 محمود عبد الفضيل، «حول إعمال وتفعيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي: إشكاليات الواقع وإستراتيجيات العمل،»
في: ممدوح سالم، محرر، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم العربي: أعمال الندوة العربية حول تفعيل العهد الدولي للحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الدار البيضاء 17-16 يوليو 2003 (القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان، 2004)، ص ٧٤.
4 المصدر نفسه، ص ٦٥.
5 محمود أمين العالم، «الهشاشة النظرية في الفكر العربي المعاصر،» في: محمود أمين العالم، مشرف، الفكر العربي على مشارف القرن الحادي
والعشرين: رؤية تحليلية نقدية، قضايا فكرية (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1995)، ص ٩.
6 كمال عبد اللطيف، أسئلة النهضة العربية: التاريخ، الحداثة، التواصل (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ٣٠٠٢).
7 إذا كان الفقهاء الأصوليون قد أجمعوا مثالً على أن «العدل هو أساس المُلك»، أو أن «الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا
ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مُؤمنة»، فإنهم قد سكتوا عمومًا عن الاستفاضة في الشروط العميقة لتحقّق العدل في المجتمع.
8 «لا شك في أن «الاقتصادي» يحكم، ويجور، ويهيمن على عالم اليوم، عالم العولمة. ولكي يستقيم العدل في عالم كهذا تبدو المساواة أفضل
الرّدود الملائمة». انظر: فهمي جدعان، «العدل في حدود د يونْطولوجيا عربية،» ورقة قدمت إلى: المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعيّة
والإنسانيّة، نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 30 – 31 مارس/آذار 2013، ص.41
أولا: الإطار العام للبحث: استقراء النماذج المستدامة البديلة من الأرثوذكسية النيوليبرالية
من الصعب تصوّر بناء مجتمعات واقتصادات عربية بعيدة من الاستبداد والفكر الأُحادي، وناجعة اقتصاديًا، وعادلة
اجتماعيًا، ومُستدامة، على أُسس الوصفات النيوليبرالية القائمة على التسويغات النيوكلاسيكية التي أصبح تهافتها
أكثر جلاءً بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة. فمن الواضح تمامًا أن النموذج النيوليبرالي، كشكل من أشكال
الداروينية الاجتماعية، هو متوحش، أي أنه ينشأ في اضطراب وعُنف وهيمنة الأقوى، من دون النظر إلى الإنسان أو
العدالة الاجتماعية أو الاستدامة على المدى الطويل. تكمن الطبيعة العميقة لهذا النموذج في إيلاءِ الأسبقية للسوق على الإنسان أو المجتمع، بمعنى «تأليه السوق» أو التحوّل إلى ما يسمّيه فرانك توماس بأيديولوجية «السوق بحقٍّ
إلهي». ولذا نجد أن هذه السياسات النيوليبرالية أصبحت تُواجه اليوم مأزقًا حتميًّا ومتفاقامً، سواءٌ في سياقات
تتوافر فيها الشروط المسبقة لاقتصاد السوق (من قَبيل الديمقراطية واحترام الحريات الفردية، وحقوق الملْكية
وإنفاذ العقود، ومجالس التنافسية واستقلال القضاء)، أم في سياقات تفتقد مثل هذه الشروط (لمصلحة علاقات الرّيع والرشوة والمحسوبية والزّبونية واستغلال النفوذ)، على مستويين رئيسين:
المستوى الأول هو التدهور المستمرّ للبيئة، وقد بدأ الوعي به في سبعينيات القرن الماضي (مع الأبحاث الرائدة
للاقتصادي الروماني نيكولاس جورجيسكو روكين بشأن الأنتروبيا وتقرير نادي روما)، وخصوصًا في أواخر
الثمانينيات (تقرير برونتلاند «مستقبلنا المشترك») وأوائل التسعينيات (مؤتمر قمّة الأرض في ريو دي جانيرو
سنة ٢٩٩١، والكشف عن ثقب طبقة الأوزون، وبداية ظاهرة الاحتباس الحراري)، وهو الذي لا يجد له أي حلول ناجعة اليوم. المستوى الثاني هو تعقيد الأوضاع الاجتماعية من خلال تضحية سياسات التقويم الهيكلي (وسياسات
التقشّف بعد ذلك) بكُلِّ ما هو اجتماعي، بحُجَّة الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكلّية (توافُق
واشنطن)، ومن ثمَّ إهدار مبدأ العدالة وتكافؤ الفُرص وتعميق الفوارق الاجتماعية (تأثير متَّى).
الوعي بهذه الإشكالات وربطها ببُعد الاستدامة تُوِّجا بنشر التقرير العالمي الأول بشأن التنمية البشرية
سنة ٠٩٩١، وهو التقرير الذي يقارن بين دول العالم وفقًا لمؤرشّ التنمية البشرية الذي يركّز بدرجة خاصة
9 وفقًا لسمير أمين، «يسمح الاقتصاد النيوكلاسيكي الذي يعتبر نفسه ‹محضًا› بإضفاء الط ابع ‹العلمي› على ‹الليبرالية
المفرطة›، كونه منفصالً عن الواقع لا يهمّ: مثل أيّ خرافة، هو يوظَّف فقط كذريعة»، انظر: Samir Amin, « Des pseudo-
mathématiques au cybermarché: L’Economie « pure », nouvelle sorcellerie,» Le Monde Diplomatique, no. 521 (Août 1997), p. 16. 10 Thomas Frank, One Market under God: Extreme Capitalism, Market Populism, and the End of Economic Democracy (New York: Anchor Books, 2000).
11 مثالً، أُنشئت «أسواق التّلويث » Emissions Trading Markets) (غداة اتفاق كيوتو الذي دخل حيّز التنفيذ سنة ٥٠٠٢. بعد بضع
سنوات من تفعيلها، من الواضح أن هذه الأسواق تفاقم المشكلة البيئية عبر نقلها إلى الدول الأكثر فقرا، عوض حل. ها
12 توافُق واشنطن Washington consensus) (هو مجموعة من التدابير المطبّقة في بداية ثمانينيات القرن الماضي في الاقتصادات النامية
التي كانت تعاني أزمة الديون والركود والتضخّم المفرط، من ق بَل المؤسسات المالية الدولية التي يوجد مقرّها في واشنطن (البنك الدولي
وصندوق النقد الدولي)، وبدعم من وزارة الخزانة الأميركية. في العقد الأخير، أصبح توافُق واشنطن يرمز إلى جميع التدابير النيوليبرالية
المستوحاة من أيديولوجية «مدرسة شيكاغو» النيوكلاسيكية.
13 تأثير متّى The Matthew Effect) (يُعربّ عن ظاهرة أن الأفضليات هي ذات طبيعة تراكمية في أغلب الحالات، وأن من هم أغنياء
يصبحون أكثر غنىً في المستقبل، ومن هم فقراء يزدادون فقرا. ندين في هذه التسمية لعاملِ الاجتماع روبرت ميرتون، الذي يُعتبر أول من
درس هذه الظاهرة في مجال البحث العلمي وأسماها «تأثير متّى» في إشارةٍ إلى آية من «الإنجيل بحسب القديس متّى» تقول: «لأنه سنُعطي
كلّ من له، وسيكون في الوفرة، ولكن لمن ليس له، فحتّى الذي عنده يُؤخذ منه» (الكتاب المقدس، «انجيل متّى،» الفصل 25، الآية ٩٢).
Robert K. Merton, “The Matthew Effect in Science,” Science (5 January 1968), pp. 56-63. انظر:
على أبعاد الصحة، والتعليم، ومستوى المعيشة، والتي لها جميعها تأثيرات مباشرة في الحريات السياسية
والاجتماعية والثقافية.
بيد أن المضاربات المالية الجامحة هي التي أصبحت تشكِّل حاليًا أكبر معضلة أمام الرأسمالية المتوحشة،
كما يتّضح جليًّا من أزمة الرّهن العقاري والتّوريق التي لا تزال موجاتها الارتدادية المدمِّرة مستمرّة إلى اليوم.
هذه الأزمة تظل مع ذلك رحيمة قياسًا بما تُنذِر به السّمسرة المالية الأوتوماتيكية والعالية التردّد في السنوات
المقبلة، والتي كانت «الأزمة الفجائية» لسنة ٠١٠٢ أُولى بواكيرها، من دون أن نغفل الرهانات المصيرية
الأخرى المرتبطة بعملية نزع الضوابط التجارية والنقدية والمالية، من قَبيل استفحال المديونية إلى مستويات
قياسية وزيادة حِدّة الطبيعة الدّورية للاقتصاد. يتجلى هذا المنطق النيوليبرالي منذ ثلاثة عقود في حثِّ الأغلبية الساحقة في المجتمع على تقديم التضحيات بحجّة
الحفاظ على التوازن الاقتصادي، في حين أن النتيجة تتلخّص فقط في توليد أقصى الأرباح لفائدة أقليّة ضئيلة،
14 من الضروري من الناحية التحليلية التّمييز بين مفهومي «اللّيبرالية المتوحّشة» و«الرأسمالية المتوحّشة». فالمفهوم الأخير، وإ ن كانِ
يتقاطع مع الأول في جوانب عديدة، فإنه يتوافق أيضًا مع أنساق غير ليبرالية تخدم هدفه الأسمى المتمثِّل في تعزيز تراكم رأس المال،
من دون أيّ اعتبارٍ لأيّ عامل آخر (الإنسان، الطبييعة...). انظر في ذلك مثالً: The Shock Doctrine: The Rise of Naomi Klein,
Disaster Capitalism (New York: Metropolitan Books; Henry Holt, 2007).
دفاع جون رولز مثالً عن النظام الليبرالي الذي يُسميه جيمس ميد J. Meade) («ديمقراطية وصول الجميع لتملّك الملكية » (Property-
owning Democracy)، كنظام بديل من النظام الرأسمالي برمّته، هو إذا مشروع تماما من هذا المنظور. إحدى السمّات الأساسية والمميّزة
لهذا النظام هي أنه يعمل على تفريق ملكية الثّروة ورأس المال وتفتيتها، وبالتالي على منع جزء صغير من المجتمع من السيطرة على
الاقتصاد، وبشكل غير مباشر، على الحياة السياسية أيضًا. وفي حين أن «رأسمالية دولة الرفاهية» تسمح لفئة صغيرة بأن يكون لها احتكار
وسائل الإنتاج، فإن ل«ديمقراطية وصول الجميع لتملّك الملكية» القدرة على تجنّب ذلك، لا عن طريق إعادة توزيع الدخل «بعديًّا» وإنما
من خلال ضمان ملكية الأصول المُنْتجة ورأس المال البشري على نطاق واسع «قبليًّا»، على خلفية الحريات الأساسية على قدم المساواة،
John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University والمساواة المنصفة في الفرص: Press, 1971), p. 279.
مثلما يُمكن أن يُفهَم أيضًا في هذا السّياق دفاع كريم مروّة عن مشروع توليد «المجتمع الليبرالي» القائم على الديمقراطية والمجتمع المدني
وحقوق المواطنة كمشروع يساريٍ مُتنافٍ تمامًا مع النظام الرأسمالي: كريم مروة، نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي: مع نصوص
منتقاة لماركس وإنجلز ولينين وبليخانوف وروزا لوكسمبورغ وغرامشي (بيروت: دار الساقي، ٠١٠٢).
15 خلال السنوات العشر الماضية، دخلت الوساطة المالية في الأسواق العالمية في سباق محموم على الزمن وعلى سرعة المعالجة الأوتوماتيكية
للبيانات. يتعلّق الأمر بالمعاملات المالية الأوتوماتيكية والعالية التردّد High-Frequency Trading) (التي تشير إلى إنجاز المعاملات المالية
عن طريق العقل الإلكتروني، من دون أيّ تدخّل للعنصر البشري سوى في عملية برمجة الحاسوب. تستطيع اليوم هذه السمسرة المالية
العالية التردّد تنفيذ المعاملات المالية الدولية في زمن قياسيّ يقلّ عن ٢ ميكروثانية (٢٠٠٠٠٠,٠ ثانية)! وتجري حيازة الأسهم في المتوسط
فقط لمدة ٢٢ ثانية قبل أن يتمّ بيعها! يكفي أن نعلم أن هذا «التداول المالي العالي التردّد» المنوطَِبالعقل الإلكتروني لا بالعنصر البشري،
يمثّل اليوم ثلثي المعاملات في بورصة نيويورك للأوراق المالية NYSE) (، لنُدرك هَول ما يمكن أن يَنتُج في المستقبل من «الانهيارات
الفجائيّة» التي قد يتسبّب فيها هذا التداول المالي الإلكتروني. انظر في ذلكِ: Jeff Hecht, “Light Is not Fast Enough for High-Speed
Stock Trading,” New Scientist, 1/10/2011, on the Web: <http://www.newscientist.com/article/mg21128324.700-light-is- not-fast-enough-for-highspeed-stock-trading.html >.
16 تمثّلت هذه الأزمة الفجائية Flash crash) (، بفعل عمليات سمسرة مالية أوتوماتيكيةٍ وبترابط مع سياق عدم الاستقرار السياسي
في اليونان، في خسارة مؤرشّ داو جونز الأميركي في 6 أيار/ مايو ٠١٠٢ (بين الساعة الثانية والدقيقة الثانية والأربعين والساعة الثانية
والدقيقة السابعة والأربعين من بعد الظهر) حوالى ٢٥,٨٩٩ نقطة في غضون خمس دقائق فقط (قبل أن يستعيد في وقت لاحق من اليوم
نفسه ٠٠٦ نقطة)، وهو ما يُمثّل ٢٫٩ في المئة من قيمته الإجمالية البالغة قرابة ٠٢ تريليون دولار!
17 التي ابتدأت مع قرار الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون في ٥١ آب/ أغسطس ١٧٩١ بتعليق قابليّة تحويل الدولار
للذهب الجاري بها العمل منذ اتفاق بريتون وودز Bretton Woods) (سنة ٤٤٩١، قبل أن تُلغى رسميّا غداة اتفاقات جامايكا (Jamaica
Agreements) في 8 كانون الثاني/ يناير ٦٧٩١. كنتيجة مباشرة، أصبح النّقد غير مادي؛ عبارةً عن دين، وأصبحت المصارف التجارية
الخاصة تمثّل العنصر المركزي في عملية خلق النّقد، وهو ما أشار إليه الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد موريس آلي: «في جوهرها، عملية
توفير النّقد انطلاقا من لا شيء ex nihilo) (من قِبَل النظام المصرفي الحالي هي شبيهة بخلق العملة من طرف المُزوّرين. عمليّا، كلاهما تؤدّي
إلى النتائج نفسها. والفارق الوحيد هو أن من يستفيدون منها ليسوا سواء:» La Crise Mondiale d’aujourd’hui: Maurice Allais,
Pour de profondes réformes des institutions financières et monétaires (Paris: C. Juglar, 1999), p. 110.
في تزامن مع تفاقم آثار الأزمات المالية المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي، خاصة أزمة الرّهن العقاري التي
تكتسي بشكل متزايد طابعًا نظاميًّا. كنتيجة مباشرة للمضاربات المالية الجامحة في الأسواق العالمية، ترتبط هذه
الأزمات أيضًا بإشكالية المديونية، وبانفجار حجم المعاملات المالية (الاقتصاد الافتراضي) مقارنةً بالاقتصاد
الحقيقي، وخصوصًا بسبب غياب أيّ تأطير لنسَب المضاربة داخلها. وهذا المنطق النيوليبرالي يظلّ هو نفسه مهما
يكن المُسمّى، ومهما يكن مستوى التنمية: • في ثُلَّة من الدول العربية ومعظم دول الجنوب، يمكن تلخيص منطق برامج التقويم الهيكلي التي فرضها صندوق
النقد الدولي في مبدأين اثنين: كسب أكثر وإنفاق أقل. من أجل ذلك، تهدف هذه السياسة إلى تحرير اقتصادات
الدول النامية إلى أقصى حدّ من خلال الخصخصة وفكّ ارتباط الدولة بالمجال الاقتصادي والاجتماعي على
مستوى الاقتصاد الوطني، ثمّ عبر زيادة صادرات القطاعات الاقتصادية الموجّهة إلى الخارج، وإزالة الحواجز
التجارية، وزيادة الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية على مستوى الاقتصاد الدولي. ليس من الضروري أن
يكون المرء متضلّعًا من الاقتصاد السياسي ليدرك إلى أيِّ مدى يمكن لهذا المنطق أن يكون مدمّرًا على المستوى
الاقتصادي، ناهيك عن المستويين الاجتماعي والبيئي. • في بلدان الشمالأيضًا سادت السياسات النيوليبرالية خلال الثلاثين سنة الماضية، تحت شعارات تكييف
الاقتصادات الوطنية مع قانون المنافسة الدولية، وجعل الشركات الوطنية أكثر تنافسية عالميًا، مع ما يتطلّبه
ذلك من رفع للقيود النّظامية، وإزالة جميع الحواجز الجمركية وغير الجمركية من أمام حرية مرور السلع
ورأس المال. هذه السياسات بدأ يتجىلّ إخفاقها على مستوى تفاقم اللامساواة وانعدام الأمن الاجتماعي،
خاصة بُعَيْد الأزمة العالمية الحالية وبداية تنفيذ سياسات التقشّف، ما دامت هذه التدابير تؤثّر سلبًا في الغالب
في الفئات الأقل حظًّا في المجتمع، كما يدل على ذلك مثالًالعديد من الحالات التي يتلازم فيه إعلان خطط
التسريح الجماعي للعمال مع انتعاش قيمة ما تتداوله الشركات من أسهم. حاليًا، يعمل مشروع الأرثوذكسية الاقتصادية على العودة إلى الوضع السابق Business as usual()، لكنه
يواجه عددًا من التناقضات الذاتية من حيث إن تماسكه الداخلي الهشّ اهتزّ بشدّة بفعل الأزمة. نحن اليوم
إذًا بصدد التحوّل من أزمة تنظيم الرأسمالية النيوليبرالية إلى أزمة نظامية شاملة: السؤال الجوهري المطروح
تحوَّل من مساءلة التدابير الإجرائية لتصحيح إخفاقات السوق إلى مساءلة قدرة النسق الرأسمالي برمّته على تلبية
الحاجات الاجتماعية بشكل مستدام، بحيث إنه أصبح من الممكن التفكير في أنساق اقتصادية بديلة تكون أكثر
استدامة. وهذا هو بالضبط ما ينبغي أن يطمح إليه أُفق ما بعد الربيع العربي. يؤكّد سمير أمين من هذا المنظور أن
الحركة الاحتجاجية الراهنة في العالم العربي إن كانت تهدف إلى دمقرطة المجتمع وإلى تحقيق سياسات اقتصادية
واجتماعية جديدة، فهي تتحدّى في الوقت نفسه النظام الدولي، بمعنى أنها تسائل أيضًا مكانة الدول العربية من
18 ينبغي هنا أن نوضّح أن مفهوم «الأزمة» يكتسي ثلاث دلالات أساسية في الاقتصاد السياسي: الأزمة الدورية Periodic) (، والأزمة
التّنظيمية Regulation) (، والأزمة النظامية الشاملة Systemic) (. ومن الواضح تمامًا أن الأزمة الحالية ليست أزمة دورية، بل هي أزمة
تنظيمية تتضمّن ما يكفي من العناصر كي تصبح أزمة نظاميّة شاملة.
19 هذه السياسات النيوليبرالية أعقبت مرحلة طويلة من النمو في معظم البلدان المتقدمة، امتدّت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتنفيذ
مخطّط مارشال إلى بداية السبعينيات، وسُمّيت «الثلاثين المجيدة » Trente Glorieuses) (، وتميّزت بدرجة معيّنة من التنظيم والاتّساق
بارتباط مباشرٍ مع التّوازن بين أجور العمال وأرباح الشركات الذي طبع هذه الفترة الفوردية. الانقلاب على هذا التوافق الاجتماعي،
على حساب أجور الطبقة العاملة التي لم تعد ترتفع بشكل متناسب مع أرباح الشركات كما كانت عليه الحال في فترة «الثلاثين المجيدة»،
تغشّاه في مرحلة أولى حجاب المديونية المفرطة للمستهلكين التي جعلت الاستهلاك يرتفع بشكل أسرع من الأجور ومن توسّع الفوارق
الاجتماعية. في مرحلةٍ ثانية، سوف تقوم المديونية بدور «الرفع المالي » Leverage) (هذا بالنسبة إلى جميع الفاعلين الاقتصاديين، من شركات
ودول قومية، في تزامن مع زيادة الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي إلى مستويات خيالية.
النظام الاقتصادي العالمي، وسبل خروجها من الرضوخ للنيوليبرالية، ومكانتها من النظام السياسي العالمي، أي
سبل انعتاقها من إملاءات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. ويؤكد منير شفيق بدوره أن مشروع
بناء النظام الاقتصادي العربي الداخلي لما بعد الربيع العربي لا ينفصل عن «إجراء نقد عميق وعلميٍّ للنظام
الرأسمالي الإمبريالي العولمي على المستوى العالمي كما على مستوى امتداده العالم ثالثي»، ومن ثمَّ «التفكّر الجادّ
بمشروع البديل الثالث للنظام الاقتصادي [من النظامين الاشتراكي والرأسمالي النيوليبرالي»]. يهدف هذا البحث، على وجه التحديد، إلى المساهمة في استقراء هذه السبل والآفاق الجديدة، خاصة أن بعض
معالمها موجود فعلا على أرض الواقع. من أجل ذلك، سوف نبدأ باستقراء معالم النموذج الليبرالي المرتجى
لما بعد الربيع العربي من خلال المناقشة الأولية للإشكالية الأساسية المتمثّلة في اتّساق الحرية والمساواة. ففي ظل
بداية انحسار شدّة وطأة الرأسمالية المتوحشة التي أصبحت تعاني اليوم أزمة أيديولوجية حقيقية، يسعى هذا
البحث إلى الذهاب أبعد من المقاربة «الوضعية» التي تنزع الغطاء عن الاختلالات العميقة النّاتجة من السياسات
النيوليبرالية، إلى مقاربة «معيارية» تدحض التسويغات الواهية للأرثوذكسية النيوكلاسيكية المؤسِّسة لهذه
السياسات، وتسائل الطبيعة العميقة للسوق وماهيّة البُعد الاجتماعي والديمقراطي داخل الاقتصاد.
من أجل ذلك، ننطلق من فكرة أن هذه الطبيعة العميقة مرتبطة ارتباطا وثيقا بإشكالية تَوافُق الحرية الاقتصادية
والمساواة الاجتماعية، لنبنيّ أصالة هذا الاتساق داخل نظام نسمّيه النموذج الليبرالي المستدام. مقاربتنا التحليلية هي إذا مرتبطة ارتباطًا وثيقا بنظريات التنمية البشرية المستدامة التي تأسّست انطلاقًا من
أبحاث الاقتصادي الهندي أمارتيا سِن، الذي هو في الوقت ذاته من أبرز المفكّرين المعاصرين الذين نظّروا
لمسألة اتساق الحرية والمساواة الاجتماعية في إطار النظام الليبرالي. لذا، تركّز ورقتنا البحثية بشكل محوريٍّ على
المقاربة «المعيارية» للاقتصاد السياسي، التي تستدل على استدامة النموذج الليبرالي تحت الشروط الإلزامية
لاتساق الحرية والمساواة، وإعادة تضمين العلاقة الاقتصادية داخل إطارها الصحيح، الإنساني والاجتماعي.
الحرية هنا تكتسي مدلولات غير مسبوقة من حيث كونها مبدأ أساسيًا للفعل الفردي ولخلق القيمة بقدر ما
20 «Samir Amin «C’est un mouvement qui va durer des mois et des années»,» Entretien réalisé par Hassane Zerrouky, L’Humanité, 1/8/2011, on the Web: <http://www.humanite.fr/31_07_2011-samir-amin-«c’est-un-mouvement-qui-va- durer-des-mois-et-des-années»-477187>.
21 شفيق، «الثورات العربية والبديل الاقتصادي.»
22 توجد اليوم بدائل حقيقية من إملاءات السياسات النيوليبرالية. على سبيل المثال، أيسلندا هي البلد الأوروبي الوحيد الذي رفض
في استفتاء شعبيّ غداة أزمة الرهن العقاري إنقاذ المصارف الخاصة، وترك البعض منها ينهار، كما حكم على العديد من المصرفيين على
جُنَحهم المالية. نتيجة لذلك، تشهد أيسلندا توقعات اقتصادية طموحة جدًا، وفقا لدراسات المفوضية الأوروبية لسنة ٢١٠٢، تصل إلى
ثلاثة أضعاف معدل نمو باقي دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن أنهت سنة ١١٠٢ بنسبة نُموٍّ بلغت 1٫.2 في المئة
23 Joseph E. Stiglitz, “The Ideological Crisis of Western Capitalism,” Project Syndicate, 6/7/2011, on the Web: <http:// www.project-syndicate.org/commentary/the-ideological-crisis-of-western-capitalism>. 24 Peter Söderbaum, «Democracy and Sustainable Development: Implications for Science and Economics,” Real- World Economics Review, no. 60 (June 2012), pp. 107-119.
25 ولا سيمّا عبر مساءلة النموذج الديمقراطي الغربي نفسه، الذي لا يخلو من نقائص، من قبيل بُعد «تَشْي يء» الإنسانِ (Reification)
Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique, introd. par Harold J. Laski; note: أليكسي دو توكفيل لّيه مثلاًالذي جيُ
préliminaire par J. P. Mayer; [sous le contrôle de la] Commission nationale pour la publication des oeuvres complètes d›Alexis de Tocqueville, 2 vols. ([Paris]: Gallimard, 1992), vol. 2, p. 434.
26 نوظّف مفهوم «الاستدامة» هنا في مدلوله العام المتعارف عليه، بمعنى الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية مع ضمان المساواة والعدالة
الاجتماعية، ومن دون التّخلي عن أهداف النمو الاقتصادي وخلق القيمة. أو بمعنى آخر، تلبية حاجات الحاضر من دون المساس بقدرة
الأجيال المقبلة على تلبية حاجاتها.
27 Sakiko Fukuda-Parr, «Millennium Development Goals: Why They Matter,» Global Governance, vol. 10, no. 4 (October 2004), p. 396.
هي مرتبطة بالتفاعل الاجتماعي وبتوزيع القيمة المُولّدة. فعلى الرغم من أن هذا النموذج يقوم على الفردانية
الأنطولوجية، فإن الفرد لا يظهر أساسًا في هذا النهج على أنه مستقل وذاتيٌّ كما هي الحال في النظريات التعاقدية
التقليدية، بقدر ما تُستمَد الحرية الفردية من اتساق التفاعل الاجتماعي.
يتمثّل أول أهداف هذا البحث إذًا في تعريف النموذج الليبرالي وتحديد طبيعته العميقة، حيث إنه يظل مبهامً
اليوم، أكان في شقّه الاقتصادي أم في شقّه السياسي، وحتى الفلسفي، ومتَّسِامً بسوء فهم عميق، بتزامن مع
غياب السياقات العربية الحاضنة له منذ عقود طويلة. فمن الواضح أن مفاهيم التحرير الاقتصادي والفردانية
أصبحت مرادفة للرأسمالية المتوحشة، والغياب الصارخ للعدالة الاجتماعية والأزمات المالية والاقتصادية
المتعاقبة. نُبنيّ في هذا البحث أن هذه التمظْهُرات، إنْ كانت تجد لها بعض التسويغات النيوكلاسيكية عبر
نَمذجاتها الرياضية البائسة للواقع الاقتصادي، فهي لا تُعربّ عن الطبيعة العميقة للنموذج الليبرالي التي تتمثّل
في تأكيد حرية التبادل الطّوعي لحقوق الملْكية ونمط التنسيق اللامركزي، والتي تتضمّن مجالات اتساق حقيقية
مع قِيم العدالة. فالعيب ليس في النموذج الليبرالي في حدّ ذاته، وإنمّا في تطبيقاته الخاطئة. وهذا النموذج يقوم
على طبيعة ذات أنساق معرفية متنوعة، تتمحور بالأساس حول مركزية الفرد وأولوية الحريات الفردية (حرية
الوعي والضمير، حرية التعبير والاعتقاد، حرية الاختيار والتبادل، حرية المقاولة...)، بالإضافة إلى حيادية
الدولة تجاه المبادرات والمعتقدات والقِيَم. ولذلك نجد أن الأنساق الليبرالية الاجتماعية مرتبطة تاريخيًّا بمشاريع
تحرير الإنسان من تسلُّط رجال الدِّين المستبدّين، ومن سيطرة الحكّام الظالمين، ومن تحكُّم التجار الجشعين.
المُسلَّمة الأساسية للفكر الليبرالي هي أصالة الفرد ومركزيته داخل أيّ نظام سياسي أو اقتصادي، بحيث يكون
النظام القائم نتيجة إجماع واتفاق بين الأفراد المكوّنين له، ومتجسّدًا في صورة عقد اجتماعي: النظام السياسي،
كما النظام الاقتصادي، ينبني على تعاقد أفراد يتخلّون بمقتضاه عن جزءٍ من حقوق ملْكيتهم عبر موالاة طوعيّة.
يضع إذًا النموذج الليبرالي في شكله الاجتماعي الإنسان والعدالة الاجتماعية في محور اهتماماته، لينبع من رافدَيْن
يتبلوران كلاهما داخل فكرة العقد الاجتماعي ويتكاملان بالتدريج: رافد الحرية الاقتصادية ورافد المساواة
الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
من الضروري إذًا مناقشة أُسس هذا النموذج من خلال دراسة توافق المساواة والحرية اللّتين تبدوان مستقلّتين
إحداهما عن الأخرى، سواءٌ في الفكر الاقتصادي أم في الفكر السياسي، وحتى الفلسفي. بل أكثر من ذلك،
غالبًا ما تُعتبران متعارضتين، أو حتّى متناقضتين، سواءٌ في الفكر العربي الإسلامي أم في الفكر الغربي. السّبب في
ذلك يعود، وفقًا لمحمد سبيلا، إلى انخفاض الطلب العمليّ عبر التاريخ على مثلِ هذه الإرشادات النظرية.
أمّا اليوم، فالطلب العمليّ المتولّد عن الربيع العربي هو «طلب فعّال» (بالمفهوم الكينزي)، بمعنى أن عالمنا العربي
لم يكن أحوجَ منه اليوم إلى مقاربات فكرية لآفاق اتساق الحرية والمساواة داخل نظرية العدالة. وهو ما نبدأ في
استطلاعه عبر قراءة نقدية لأهمّ ما أُنتج على المستوى الفكري بشأن هذه الإشكالية في العقود الأخيرة، والمرتبط
أساسًا بنظريّة العدالة عند جون رولز.
ثانيًا: الإطار النظري للبحث: النظرية الليبرالية للعدالة كإنصاف
إذا كانت إثارة مسألة العدالة الاجتماعية تحيل بديهيًّا على إشكالية خارجة عن نطاق التحليل الاقتصادي للنجاعة
الاقتصادية، ومتصلة أكثر بالمقاربات السياسية والفلسفية، فهذا البحث يسعى إلى إقامة الدليل على أنها إشكالية
28 محمد سبيلا، «العدالة والحرية: تعارضٌ أم تكامل؟،» التسامح، السنة 6، العدد ٤٢ (خريف ٨٠٠٢)، ص ٣٩.
29 المصدر نفسه.
اقتصادية بامتياز، وأن السعي إلى خلق القيمة مرتبط ارتباط ا وثيقًا بأنساق توزيعها، وأن عمليات تخصيص
الموارد وتوليدها هي متّصلة وغير منفصلة، بدرجة خاصة في الاقتصاد الجديد القائم على المعرفة. تشكّل إشكالية توافق الحرية والعدالة عنصرًا مركزيًّا لمرحلة ما بعد الربيع العربي، ينبني عليها الكثير من
الرهانات، سواءٌ السياسية أم الاقتصادية أم الاجتماعية. وإذا كان التعلّم بالممارسة قد سمح ببعض الارتقاء
في فهم هذه المفاهيم الجوهرية، فإن استيعابها الحقيقي يظلّ بعيد المنال وخارج نطاق الخطاب. في الوقت نفسه،
أصبح البعض يميل، غداة الربيع العربي، إلى إبراز بعض أشكال التناقض والتنافر بين الفضاء الفكري والفلسفي
من جهة، والفضاء الحقوقي والسياسي (والاقتصادي بعد ذلك) من جهة أخرى، مع الرتّجيح الضّمني لكفّة
هذا الأخير، في حين أن التراكم المعرفي الهادئ يظلّ مطلبًا مُلِحًّا وتظلّ الحاجة ماسّة أكثر من أيّ وقت مضى إلى
المساهمة في بلورة معالم المرحلة المقبلة، في ضوء النظريات المعاصرة للحرية والعدالة. وإذا كان فريدريش هايك قد عجز عن تقديم رؤية مُرضية، فإن جون رولز يُعتبر أبرز من قدّم إطارًا فكريًا
معاصرًا تتوافق ضمنه الحرية الفردية مع مستلزماتها الاجتماعية، بالاعتماد على نظريّات العقد الاجتماعي عند
جون لوك وجان جاك روسو وإمانويل كانط، وكبديل من التقليد المنفعي عند ديفيد هيوم وآدم سميث
وجيريمي بينثام وجون ستوارت مِل. كمفكِّر ليبرالي، يركِّز رولز مبدئيًّا على الحرية، إذ يُؤكِّد أنه «لا يمكن أن حتُ دَّ
الحرية إالّ باسم الحرية»، غير أنها «حرية حقيقيّة» وليست فقط صوريّة كما هي عند هايك، بمعنى أنها متوافقة
مع السِّمة الأساسية للعدالة الاجتماعية: حرية الوصول إلى ما يسمّيه «السّلع الاجتماعية الأولية ». يُعرِّف
رولز العدالة (من حيث صِلتها بالمؤسسات الاجتماعية) على النّحو التالي: المؤسّسة هي عادلة فقط عندما لا تقوم
بأيّ تمييز تعسّفيّ بين الأفراد في تخصيص الحقوق والواجبات، وعندما حتُدِّد توازنًا مناسبًا بين المطالب المتنافسة
على فوائد الحياة الاجتماعية. هذه العدالة هي إذًا إجرائية محضة، بمعنى أنه لا يوجد معيار مستقل للعدالة، وأن
ما هو عادل يُعرف بنتيجة الإجراء المنصف نفسه. من أجل أن يرسي رولز مقاربته المؤسساتية والإجرائية هاته، يضعنا ابتداءً في حالة افتراضية تسمّى «الوضعية
الأصلية»، يُوضع أطرافها، المفترض أهنّم جميعهم أفراد عقلانيّون، تحت «حجاب للجهل »، يحجب
30 القديمي، ص ٣-٤.
31 ناهيك عن كلّ ما يقتضيه التحوّل الإبستيمي العميق، بمفهوم ميشيل فوكو، من تراكمات معرفية وإدراكية تترسّب في الزمن
Michel Foucault, Les Mots et les choses: Une Archéologie des sciences humaines, bibliothèque:الأركيولوجي. راجع في ذلك des sciences humaines ([Paris]: Gallimard, 1966).
على أهميتها ومركزيتها في السياق العربي، قلمّا تمّ التعرّض لهذه الأبعاد الإبستيمية العميقة بتفصيل في الماضي، لتظلّ «الأيديولوجيا
العربية المعاصرة» لعبد الله العروي أبرز مقاربة شاملة لها إلى يومنا هذا: L’Idéologie arabe contemporaine, essai Abdallah Laroui,
critique, Préface de Maxime Rodinson (Paris: F. Maspero, 1967). 32 Rawls, p. 11.
33 المصدر نفسه، ص.302
34 يتّبع رولز بذلك روسو الذي أكّد: «في الحرية المشتركة، ليس لأحد الحقّ في فعل ما تمنعه منه حرية الآخر، والحرية الحقيقية ليست
أبدًا مُدمِّرة لنفسها. لذلك فالحرية من دون العدالة هي تناقض حقيقي.» Jean-Jacques Rousseau, «Lettres écrites de la Montagne,»
dans: Jean-Jacques Rousseau, Oeuvres complètes (Paris: Gallimard, 1964), p. 842. 35 Rawls, p. 62.
36 المصدر نفسه، ص.86
37 المصدر نفسه، ص.12
38 المصدر نفسه، ص.142
39 المصدر نفسه، ص.142-136
عنهم كلّ خصائصهم الشخصية أو الاجتماعية، بحيث لا يكون أحد قادرًا على تصميم مبادئ تخدم وضعيّته
الخاصة، وأن مبادئ العدالة تكون نتيجةً لمداولة منصفة. فُرقَاء الوضعية الأصلية يصلون بذلك إلى الاتفاق
على مَبْدأي أيّ مجتمع يسعى إلى أن يكون عادالً، يمكن في الواقع التّمييز ضمنهما بين ثلاثة مبادئ، كون المبدأ
الثاني مزدوجًا: • مبدأ الحرية على قدَمِ المساواة: لكل شخص حق متساو في النظام الأوسع من الحريات الأساسية المتساوية
بالنسبة إلى الجميع، وهو يتوافق مع النظام نفسه بالنسبة إلى الآخرين. • مبدأ تكافؤ الفرص الذي يقتضي أن اللامساواة في الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية هي مبرَّرة فقط
إذا كانت مرتبطة بوضعيات يكون لدى الجميع فيها فرصة منصِفة في احتلالها، وبوجود مواهب معيّنة لدى
كل فرد. • مبدأ الفارق (أو مبدأ الماكسيمين): المدخل الثاني لتبرير اللامساواة في الامتيازات الاجتماعية
والاقتصادية هو مساهمتها في تحسين وضع الأفراد الأقلّ حظًّا في المجتمع. وما ينبغي الرّفع منه قدر الإمكان
ليس مستوى الامتيازات السوسيو- اقتصادية مباشرة (من قبيل الدّخل مثلا)، وإنمّا الآفاق، والآمال،
والتوقّعات. مضمون مبدأ الفارق المُعقّد هذا، وهو نفسه خاضع لمبدأ التكافؤ المنصف في الفرص، هو أن من
هم الأقل حظًّا في المجتمع يمكنهم توقّع المصير الأفضل على وجه الممكن، بحيث إن الأفراد الذين يشغلون
أسوأ الوضعيات -حيث التوقّعات هي الأقل- يحصلون على نصيب أفضل في المتوسط من أولئك الذين
يشغلون أسوأ وضعية في أيّ شكل اجتماعي آخر ممكن. المبادئ الرولزية ناتجة من بناء هرميٍّ مؤسَّس ابتداءً على تكريس الحريات الأساسية الأولى، ثم يأتي بعدها
الحرص على تكافؤ الفرص. أمّا «مبدأ الفارق»، فهو الذي يُعطي الأولوية للدفاع عن مصالح الفئات الأقل
حظًّا في المجتمع، مؤكّدًا أنه يكفي أن تتحسّن وضعية الفئات الأسوأ حاالً كي تُعتبر الوضعية النهائية أكثر عدالة
من الوضعية الأولية. وحيث إن المبدأ الرولزي الثاني «المزدوج» يتضمّن مَعْنَينَيْ مستقليّن بعضهما عن بعض
(معنى «مصلحة كلّ واحد»، ومعنى «مفتوح بالتساوي للجميع»)، فإن رولز يلجأ إلى إبراز أربعة أوجُه ممكنة
لتأويل هذا المبدأ، من أجل رفع اللبس عنه وتوضيحه أكثر، تمثّل أربعة أنظمة افتراضية:
40 المصدر نفسه، ص 18 و.142-136
41 المصدر نفسه، ص.12
42 المصدر نفسه، ص 250 و.302
43 المصدر نفسه، ص.302
44 من المهم أن نؤكّد هنا أن رولز لا يسعى إلى تحقيق تعادُل النتائج وإنمّا إلى تكافؤ الفرص، بوضع الجميع على مستوى «بوّابة الانطلاق»
Starting-gate equality) (نفسها، وفقًا لتعبير رونالد دوركين، انظر: Ronald Dworkin, “What Is Equality?, Part 2: Equality of Resources,” Philosophy and Public Affairs, vol. 10, no. 4 (1981), pp. 185-246 and 283-345. 45 Rawls, pp. 76-80.
46 معيار الماكسيمين هذا يعني «تعظيم الأقل» Maximum Minimorum) (، بمعنى تعظيم مؤرشّ السّلع الاجتماعية الأوّلية لمن هم في
الوضعية الأقل حظًّا في المجتمع.
47 يمكن تبسيط هذه الفكرة الجوهرية عند رولز على النحو التالي: لنفترض أننا نوزّع ثروة المجتمع بشكل متساوٍ على جميع أفراده.
إذا كان الجميع يعلم سلفا بإعادة توزيع الثروة بشكل مستمر لتحقيق تعادل ثروة الجميع، فمن المرجَّح أن الحافز على العمل والتعلّم
والاستثمار والادّخار سينخفض في المعدّل بشكل ملموس، بحيث إنه ما يتاح في النهاية لكُل واحد سيكون أقلّ ممّا يمكن أن يكون متاحا
لمن لديه الأقلّ في حالة اللامساواة. بعبارة أخرى، ما يمكن أن يبرّر اللامساواة هو فقط كون ضحاياها يستفيدون منها. هذه الفكرة
أساسية وإن كانت تبدو مُفارقة: اللامساواة مشروعة إذا كانت تعود بالنفع على نحو مستدام على المعوزين في المجتمع.
الجدول رقم (1)
التأويلات الأربعة للمبدأ الرولزي الثاني)1(
مفتوح بالتساوي للجميع المساواة المحدّدة بالوظائف المفتوحة للمواهب المساواة العادلة للفرص • نظامالحرية الطبيعية، المتناسب مع فرضية السوق التنافسية عند آدم سميث: وفقًا لمبدأ الفعالية (مبدأ باريتو)،
لا يرى أحد في هذه الحالة أن حالته تتدهور لمصلحة أحد آخر؛ فإذا تركنا للمواهب الطبيعية التعبير عن نفسها
بحرّية وفقًا للمبدأ الأول، فإن المجتمع حيُقِّق أقصى قدر من الكفاءة الاقتصادية، التي يمكن أالّ تكون في
مصلحة الفئات الأقل حظًّا في المجتمع. • نظامالمساواة الليبرالية الذي يمثّل الوضع الذي يتمّ فيه تصحيح المعوّقات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعزّز
الكفاءة الاقتصادية لأنه يُتيح لمن هم أكثر كفاءة باحتلال الوضعيات الأكثر فعالية في السلَّم الاجتماعي.
• نظامالأرستقراطية الطبيعية الذي لم يتناوله رولز بإسهاب بل عرَّفَه باقتضاب اعتمادًا على العبارة الفرنسية
«النُّبْل يقتضي» Noblesse oblige()، التي تُشير إلى الواجبات الأخلاقية للنُّبلاء تجاه من هم الأقلّ حظًّا في
المجتمع. • نظام المساواة الديمقراطية الذي يتوافق مع الموقف الرولزي، بحيث يقوم على التكافؤ المنصف في الفرص. وفقًا لهذه المنظومة الرولزية، إذا انطلقنا من اختلالات وضع الحرية الطبيعية، فأيّ سياسة لمكافحة اللامساواة
في المجتمع يمكنها أن تستهدف أشكال اللامساواة ذات الأصل الطبيعي أو أشكال اللامساواة ذات الأصل
الاجتماعي، وهو ما نبُرزه في الجدول التالي: الجدول رقم (2)
سياسات مكافحة اللامساواة ذات الأصل الطبيعي وذات الأصل الاجتماعي
| الوضعية -أ- نظام الحرية الطبيعية | الوضعية -ب- الأرستقراطية الطبيعية | |
|---|---|---|
| الوضعية -ج- المساواة الليبرالية | الوضعية -د- المساواة الديمقراطية | |
تكافؤ شكليّ
في الفرص
مكافحة اللامساواة
ذات الأصل الاجتماعي
تكافؤ فعليّ
في الفُرص
49 المصدر نفسه، ص.72
05 المصدر نفسه، ص.73
15 المصدر نفسه، ص.75-74
25 المصدر نفسه، ص.75
مصلحة كلّ واحد مبدأ الفعاليّة
مبدأ الفارق نظام الحرية الطبيعية
الأرستقراطية الطبيعية المساواة الليبرالية
المساواة الديمقراطية
مُكافحة اللامساواة ذات الأصل الطبيعي مبدأ الفعاليّة
مبدأ الفارق
المساواة الليبرالية
المساواة الديمقراطية
48 Rawls, p. 65.
إذا اعتبرنا أن نظام الحرية الطبيعية (الوضعية -أ-) يمثّل «حالة الطبيعة»، فسياسات مكافحة اللامساواة ذات
الأصل الطبيعي سوف تقتضي بالأساس تدابير أخلاقية وخيرية لمصلحة المحرومين ومن هم الأقل حظًّا في
المجتمع، وبالتالي الاتجاه نحو نظام الأرستقراطية الطبيعية (الوضعية -ب-)، في حين أن سياسات مكافحة
اللامساواة ذات الأصل الاجتماعي سوف تتمثّل بالأساس في تدابير مؤسساتية إجرائية نحو تحقيق تكافؤ
حقيقي في الفرص، وبالتالي الاتجاه نحو نظام المساواة الليبرالية (الوضعية -ج-). يعتبر رولز أن النظامين كليهما
(الأرستقراطية الطبيعية والمساواة الليبرالية) غير مستقرّين، وأن النظام المستقر الوحيد هو الذي يتمكّن من
الجمع بين مبدأ تكافؤ الفرص الفعليّ (أو المنصف) ومبدأ الفارق، الأمر الذي يجعل جميع سياسات مكافحة
اللامساواة، سواءٌ ذات الأصل الطبيعي أم ذات الأصل الاجتماعي، تنحو في نهاية المطاف باتجاه نظام المساواة
الديمقراطية (الوضعية -د)-. نظرية رولز للعدالة تدخل إذًا تحت الإطار العام لنظريات «تكافؤ الفرص» وتتعارض مع نظريات «تعادل
الموارد»، التي تنطلق من نظرتها المسبقة للعملية الاقتصادية كلعبة من مجموع ثابت (رابح/خاسر)، في حين أن
نظريات تكافؤ الفرص تعتبر أن المحافظة على العامل التحفيزي حيُوِّل العملية الاقتصادية إلى لعبة من مجموع
إيجابي (رابح/رابح). نولي إذًا في هذا البحث اهتمامًا خاصًّا لهذه الأخيرة على اعتبار أنها الأكثر توافقًا مع النموذج
الليبرالي المستدام، إذ إنها تدعو إلى وضع الأفراد في إطار حالات اختيار متعادلة، بغضّ النظر عن اللامساواة
التي قد تنجم عن اختياراتهم الفردية. يتعلّق الأمر إذًا بقراءة لطبيعة التفاعل الاقتصادي والاجتماعي قائمة
على المسؤولية والجدارة، بمعنى وضع جميع الأفراد على «خطّ البداية» نفسه الذي يأخذ بعين الاعتبار المعوِّقات
الطبيعية والمواهب، ويجعل العدالة الاجتماعية مُقابلة للمسؤولية وللخيارات الأصلية للأفراد، بحيث تصبح
أوجه التفاوت في «خطّ النهاية» راجعة فقط إلى اختياراتهم وجهودهم الخاصة. بيد أن النظرية الرولزية -على ثرائها- تعاني ثُغَرًا أساسية مترتّبة عن البناء الافتراضي للوضعية الأصلية. هذه
الثُّغر تتمثّل بشكل خاص في عدم قدرة المنهجية البنائية الرولزية على معالجة التدافع الاجتماعي والسياسي
الناجم عن عدم تجانس المصالح الفردية والجماعية داخل المجتمع، كما تتمثّل في غياب الارتباط التحليلي
بالنجاعة الاقتصادية، وهو ما نناقشه في المبحث الثالث.
ثالثًا: قراءة نقدية للنظرية الرولزية للعدالة من منظور اقتصادي واقعي
كتاب رولز نظرية العدالة (1971) بصَم جميع الأبحاث اللاحقة حول موضوع العدالة خلال العقود الأربعة
الأخيرة، وهو ما كان قد تنبّأ به روبرت نوزيك - الذي لا يُشارك رولز مع ذلك آراءَه الاجتماعية- حين كتب
مباشرة بعد نشر الكتاب أنه «من الآن فصاعدًا يجب أن تشتغل الفلسفة السياسية ضمن إطار نظرية رولز، وإالّ
[عليها، إن لم تفعل] أن تشرح لماذا لم تشتغل ضمن هذا الإطار». وإذا كانت نظرية رولز قد لاقت ترحيبًا منقطع
النظير من أنصار الديمقراطية الاجتماعية، فإنها وُوجهت في الوقت ذاته بانتقادات عديدة، أبرزها من أمارتيا
سِن الذي يعتبر أنها غير مُرضية ما دامت مقتصرة على صيغة «السّلع الاجتماعية الأوّلية» المتمثّلة في الحريات
الأساسية وفُرص الحصول على الوظائف الاجتماعية والامتيازات السوسيو- اقتصادية المختلفة، في حين أن ما
35 المصدر نفسه، ص.74
45 المصدر نفسه، ص.75
55 Robert Nozick, Anarchy, State, and Utopia (New York: Basic Books, [1974]), p. 183.
يهمُّ حقًّا بالنسبة إلى الأفراد هو «القدرات الأساسية» على الانتفاع من هذه السّلع الاجتماعية الأوّلية، والاختيار
الحرّ بين أنماط الحياة المختلفة الممكنة، التي يُعرّفها سِن بكونها «قدرة المرء على القيام بأشياء أساسية»، من
قبيل توفير الطعام والكساء والمسكن، والتنقّل، والتعليم، والعلاج …. تتمثّل إذًا اللامساواة بالنسبة إلى سِن
في عدم تحقيق القدرات الأساسية لدى فئات معيّنة من المجتمع (الفئات الأكثر حرمانًا)، حيث من الممكن درء
حالات التفاوت هذه ومنح القدرات الأساسية لكلّ فرد في المجتمع بشكلٍ متساوٍ. يذهب سِن في كتابه الأخير، فكرة العدالة (2009 هدى إلى ذكرى جون رولز، أبعد من ذلك بحيث لا)، المُ
يسعى فقط إلى إقناع القرّاء بالتخيلّ عن نظرية رولز السياسية، وإنمّا بالتخيلّ أيضًا عن التقليد الفلسفي العريق
الذي ينضوي تحته الكاتب الأميركي، والذي يتناول «ترتيبات مثالية لمجتمع عادل» يشير إليها سِن على أنها
«المؤسساتية المتعالية» التي ليست ضرورية ولا كافية كي تكون نهجًا لتعزيز العدالة فعليًّا في العالم الحقيقي.
من أجل فهم نقد سِن لرولز فهامً دقيقًا، ينبغي أن نعرِض للخلفية الإبيستيمولوجية لنظرية رولز المؤسَّسة على
البنائية الكانطية التي تؤكّد أن الموضوعية الأخلاقية ينبغي أن تُفهَم وفقًا لوجهة نظر اجتماعية مبنيّة بشكل
عقلانيٍّ بحيث يقبلها الجميع، وأَن ليس هناك حقائق أخلاقية خارج الإجراء الإدراكي لمبادئ العدالة. مثل هذا
التصوّر القائم على فكرة العدالة الإجرائية المحضة يفترض إمكانية البناء العقلاني للعدالة على مستوى المجتمع
بأسره، عبر سَنِّ إجراء عادل متّسمٍ بالحيادية الموظّفة كضامن للإنصاف. نناقش هنا بتفصيل أُسس هذه الحيادية
الافتراضية التي يؤكّدها رولز على جميع مستويات «بناء» العدالة كإنصاف. -1 على مستوى “الوضعية الأصلية” الوضعية الأصلية، كوضعية افتراضية خالصة، متُاثل حالة الطبيعة في نظرية العقد الاجتماعي التقليديةِ،
بحيث إن خصائصها حُدِّدَت بطريقة تضمن حيادية عقلانية الأفراد في مداولتهم مبادئ العدالة، وعدم تأثير
المشاعر الناتجة من تفاوت الوضعيات الاجتماعية فيها: لا أحد يعرف مكانته في المجتمع أو وضعيّته الاجتماعية،
ولا أحد يعرف نصيبه من التوزيع الطبيعي للقدرات والمهارات، واختيار مبادئ العدالة يتمّ خلف «ستار من
الجهل». من خلال هذا البناء الدّقيق Tour de force() الذي يعتمده رولز ح «دنيويًا » لمفارقة المشرّع
عند جان جاك روسو، يسعى الكاتب الأميركي إلى ضمان التكافؤ بين الأفراد، بحيث لا يكون هناك من هو في
وضعية مواتية أو من هو في وضعية غير مواتية لاختيار المبادئ بناءً على حصيلة الحظ الطبيعي أو العوارض
الاجتماعية. وبما أن الجميع موجود في وضعية واحدة لا تسمح لأحد بأن يضع المبادئ التي تخدم مصلحته
الخاصة، فإن مبادئ العدالة المنبثقة من هذا التعاقد المنصف ستكون بدورها منصفة. يُفترض هنا نقل إنصاف
الإجراء إلى المبادئ والمؤسّسات الاجتماعية التي هي ثمرة تطبيقه، ومن ثَمَّ، التوزيع العادل للحقوق والواجبات
والامتيازات الاجتماعية.
56 Amartya Sen, “Equality of What?,” in: The Tanner Lectures on Human Values (Salt Lake City: University of Utah Press; Cambridge: Cambridge University Press, 1980), p. 218.
75 المصدر نفسه.
58 Amartya Sen, The Idea of Justice (Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University Press, 2009), pp. 65-66.
95 المصدر نفسه، ص.17-15
60 Rawls, p. 12.
61 المصدر نفسه، ص.19-18
62 Paul Ricoeur, Le Juste, philosophie (Paris: Esprit, 1995), p. 76. 63 Sen, The Idea of Justice, p. 56.
يتعلّق الأمر إذًا بفرضية معيارية قوية جدًّا، بمعنى أنها شديدة الابتعاد عن الواقع؛ فمن المستحيل بالنسبة
إلى الأفراد الرولزيين الرغبة في ما ليس هو «الأكثر مرغوبيةً فيه» من المنظور العقلاني، أو إيلاء مشاعر سلبية
للآخرين، ما دام حجاب الجهل يستبعد جميع الخصائص الفردية التي تجعل كلّ فرد في المجتمع متميّزًا من
الآخرين كلهم. وكون نظرية رولز تُعنى أساسًا بما ينبغي أن يكون، أي ما هو فلسفيًّا ضروري وكافٍ،
لا ينفي عنها تناقضها الداخلي إزاء ما هو كائن، فضلا عامّ يترتّب عن ذلك من تغييب للبُعد المركزي للتعلّم
بالممارسة، عبر إضعاف أو إقصاء الإمكانات الهائلة الكامنة في «المنطقة الدّانية للتنمية»، بين ما هو كائن وما
ينبغي أن يكون. -2 على مستوى عقلانية الأفراد المتعاقدين يفترض رولز أن الأفراد المتعاقدين هم جميعهم عناصر عقلانية محضة، يُفلحون في تقديم مبادئ العدالة التي
تحكم مجتمعهم في المستقبل ويعملون على تطبيقها في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية. يعتقد رولز أن الأفراد
المتعاقدين إذا ما غضّوا النظر عن ميولهم وأحاسيسهم فسوف يضعون بشكل حيادي قوانين عامة ومشتركة
على أساس حُكم العقل العملي المتعالي وحده. هذا الإجراء الذي يضع أحكاما أخلاقية حيادية هو «إدراكيٌّ»
محض، ناتج من حسابات ترجيحية (يُفترض أهنّا قرينة للعقلانية الديكارتية) للأفراد المتعاقدين. الشركاء في
الوضعية الأصلية يشبهون إلى حدٍّ ما تصوّر الفرد العقلاني في النظرية النيوكلاسيكية Homo-economicus()،
ما دامت المقاربتان كلتاهما تفترضان إجراءً «إدراكياً» محضا، منقطعًا عن جميع التعقيدات النفسية للأفراد، وجميع
التعقيدات الاجتماعية، ليفضي إلى نتيجة مثالية. مُراد رولز هو أن وحدة العقل العملي عند الأفراد كلهم تضمن
حيادية إجراء التداول حول القواعد العملية العامة للعدالة، مُعتبرًا أن توافق الأفراد ضمن إطار اجتماعي تفاعليٍ
مُعنيّ ليس له أيّ دور في إيجاد أو كشف حكم العقل. المشكل في هذا البناء الرولزي هو أن عقلانية الأفراد المتعاقدين «محدودة» وليست «مُطلقة». يضاف إلى ذلك
64 وهو ما يتباعد مع التأسيس الليبرالي لأصالة التنسيق اللامركزي القائم تحديدًا على استحالة تنسيق لامحدودية مثل هذه الخصائص
الفردية الذاتية Idiosyncrasies) (بشكل مركزي، كما نجده مثالً عند آدم سميث وفريدريش هايك.
65 مثلما يدلّعليه توظيف رولز للمفهوم الفلسفي «نقطة أرخميدس » Archimedean Point) (لوصف وجهة نظر «الوضعية الأصلية»
التي يمكن من خلالها تقويم بنية النظام الاجتماعي: «معرفة وضعيتنا في المجتمع من وجهة نظر هذه الوضعية [الأصلية] هي أن نراها من
وجهة نظر أبدية Sub specie aeternitatis) (: أن ننظر إلى الوضع الإنساني ليس فقط من جميع وجهات النظر الاجتماعية وإنمّا أيضا من
جميع وجهات النظر الزمنية:» Rawls, p. 587.
66 في نهاية عشرينيات وبداية ثلاثينيات القرن الماضي، ط وّر عالم النفس الاجتماعي السوفياتي ليف فيجوتسكي L. Vygotsky) (الأسُس
الأولى لنظرية الممارسة التي تُبنيّ أن المعرفة تتبلور بدايةً في الممارسة قبل أن يتمّ استيعابها: نحن نفعل الأشياء Opus operatum) (قبل معرفة
كيفيّة فعلها Modus operandi) (. هذه المُفارقة بين ما يعرفه الأفراد وما يفعلون تتُرجم دائامً إلى «مسافة» بين ما هم عليه وما يريدون أن
يصبحوا عليه، يُعرّفها فيجوتسكي ب«منطقة التّنمية الدّانية» Zone of Proximal Development) (، وهي حيث تكمن أفضل فرص
التعلّم. بُعد التعلّم المركزي هذا، خاصةً التعلّم بالممارسة، الذي نظ ر له أيضًا بيير بورديو P. Bourdieu) (، هو غائب تمامًا عن المقاربة
الرولزية للعملية الإجرائية المفضية لمبادئ العدالة كإنصاف. انظر في ذلك: Mind in Society: The Lev Semenovich Vygotskii,
Development of Higher Psychological Processes, Edited by Michael Cole [et al.] (Cambridge: Harvard University Press, 1978), and Pierre Bourdieu, Le Sens pratique, publié par la Maison des sciences de l’homme, le sens commun (Paris: Éditions de Minuit, 1980).
67 نظرية «العقلانية المحدودة» Bounded Rationality) (تُفنِّد فرضية العقلانية المُطلقة Omniscient Rationality) (في النظريات
التعاقدية (من قبيل الاقتصاد النيوكلاسيكي أو الفلسفة البنائية الرولزية)، وتُبنيّ أن عقلانية الفرد محدودة ليس فقط بسبب محدودية
المعلومات المتوافرة أو الزمن المتاح، وإنمّا بدرجة أساسيّة بسبب محدودية قدرات الفرد الإدراكية Cognitive Capabilities) (. الاختيار
الفردي العقلاني يقتضي بالتالي التوقّف عند أول اختيار مُرضٍSatisficing) (عِوَض السّعي نحو الاختيار (الافتراضي) الأمثَل
Optimizing) (، انظر: 3 vols. (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1982- Models of Bounded Rationality, Herbert A. Simon,
أن الأفراد المتعاقدين مُقْحَمون في محيط مطبوع جوهريًّا بعدم الاستقرار، والتّحيّزات الإدراكية، وعدم تماثل
المعلومات، والاختيار المعاكس، ومشكل «الوكالة»، الأمر الذي يجعل تفاعل الأفراد المتعاقدين «مُضمّناً» داخل
الإطار الاجتماعي، ويجعل العلاقات الاجتماعية من قبيل الثقة عنصرًا مركزيًّا في عملية التداول. -3 على مستوى النهج التعاقدي على عكس ما يفترض المنهج البنائي للعقود الكاملة، فإن جميع العقود غير مكتملة في أساسها. و«عدم الاكتمال
الطبيعي للعقود» هذا تجىلّ في عدد من الأبحاث الحديثة في مجالات متنوعة من قبيل الاقتصاد الصناعي أو الملْكية
الفكرية أو التجارة الدولية أو التاريخ الاقتصادي، وخاصةً نظريات التنظيم. تنبني هذه الأبحاث على أساس
ثلاث أفكار رئيسة: (أ) فرضية «عدم إمكان الإثبات» التي تعكس حالة عدم «تماثل المعلومات» بين الأطراف
المتعاقدة والمحاكم؛ (ب) «تكاليف المعاملات»، حيث العقود غير مكتملة لأن تضمينها بعض المتغريّات المعقّدة
يتطلّب توصيفها بوضوح كافٍ في العقد بحيث يمكن لأيّ محكمة أن تطلب إنفادها، وهو ما قد يكون مكلّفًا
للغاية؛ (ج) وجود حالات «الطوارئ غير المتوقّعة» التي من المستحيل التنبّؤ بها وتدوينها في العقد في المسبق
الأولّي ex ante()، حيث إن حالات الطبيعة هاته لا يمكن ملاحظتها بشكل علنيٍّ سوى في ا الّحق البَعدي ex(
post). ولذلك، فإنه من المستحيل تضمين العقد في المسبق الأولّي لجميع حيثيّات عملية التداول التي يمكن أن
تؤدّي إلى مبادئ العدالة كإنصاف. نستخلص من ذلك أن المنهج التعاقدي (والنهج البنائي بشكل عام) يظل
قاصرًا عن إمكان استيعاب جميع أبعاد نظرية العدالة. -4 على مستوى التوافق «القبليّ» الافتراضيّ للمجتمع إن أكبر إشكال - من وجهة نظرنا - في نظرية رولز هو أن فرضية «الوضعية الأصلية» تُزيح التوتّر الاجتماعي
الكامن في جميع أشكال الاجتماع البشري. هذه المقاربة - التي يبدو أنها تنطلق من فراغ تام Vacuum()، بحيث
لا توحي بأيّ إمكان لتحويل أنظمة التوزيع غير العادلة (الموجودة سلفًا) إلى أنظمة عادلة- تُقصي جميع العواطف
البدائية التي يمكن أن تنبثق من المقارنة بالآخرين، وربما تكون مشروعة تمامًا ما دامت تستند إلى ظلم حقيقيٍ في
المجتمع، ولا سيمّا أنها لا تفرسّ «كيف» أن مبدأ الفارق يمكن أن يساهم في تذليل العلاقة الاجتماعية. ينبغي أن نؤكّد
هنا أن العدالة، حتى عندما تشير إلى المستوى الذاتي للفرد (عدالة الفرد بالمفهوم الأخلاقي)، فهي تظل مُضمّنة
ضمن إطار المستوى الاجتماعي، بمعنى أنها عدالة «اجتماعية» بامتياز؛ فحيّ بن يقظان مثالً لم يسائل نفسه إطلاقًا
عن فكرة العدالة حين كان وحيدًا على جزيرة الوقواق، أي قبل أن يلتقي بأسال ويزور جزيرته. إن العدالة
مرتبطة إذًا ارتباطًا وثيقًا بموازين القوى في المجتمع، وبتوازن العلاقة بالآخر، أي بطبيعة العلائقية الاجتماعية.
استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، واستغلال الدول لدول أخرى، والرأسمالية المُعولمة والمتوحشة كما نعيشها اليوم،
هي كلّها شرور تسكت عنها نظرية رولز للعدالة وتغيّبها عن النقاش، مثلما أنها لا تخصّص سوى حيّز ضيّق للفئات
الاجتماعية الثلاث الراجحة في النقاشات الدائرة حول العدالة الاجتماعية: «الأعراق- الطبقات ».- النوع إن عدم وجود أيّ إشارة مباشرة، إن لم يكن توظيفًا تحليليًا، إلى فكرة الهيمنة السياسية يشكّل إذًا ثغرة أساسية
في نظرية رولز، بالنظر إلى أننا «عندما نوسّع دائرة العدالة إلى أبعاد دينامية التقسيم [...] نشمل النواة الأولى،
التي هي [نواة] النزاع». يؤكّد ريمون بودون من هذا المنظور: «يبدو أن رولز يتجاهل تعقيدات ما هو
68 أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل، حي بن يقظان، قدم له وحققه فاروق سعد، ط 2 (بيروت: دار الآفاق الجديدة،.)1978
69 Paul Ricoeur, La Critique et la conviction: Entretien avec François Azouvi et Marc de Launay (Paris: Calmann-Lévy, 1995), p. 183.
سياسي والبراغماتية التي يقتضيها. نتساءل (...) إذا ما كانت الفلسفة السياسية تُسقط بعض الشيء جوهر
السياسة. إذا تبعناه، فنحن لا نرى بالفعل لماذا قد توجد نزاعات وأحزاب سياسية متباينة، أو حتى حياة
سياسية». فالوضعية الأصلية تجمع- في الواقع- لا بين شركاء متوافقين، وإنما بين أفراد أنانيين إنْ لم
يكونوا متعادين في المجتمع، وبدالً من العمل معًا من أجل المؤانسة الحميمية، فإنهم يسعون بدرجة أولى إلى
تحقيق مكاسب ذاتية، أكانت على حساب الآخرين أم لم تكن. ولذا، فخطأ رولز الأساس من وجهة نظرنا
ليس الاعتقاد بأن المجتمع العادل هو المجتمع الذي ينهي الضغينة والعنف، وإنما كون الوضعية الأصلية
التي يبني على أساسها نظريته تُقصي هذا الإمكان، في حين أن «الرغبة في العدالة يمكن في حدّ ذاتها أن تصبح
محرّكًا للعنف». واهية إذًا حجّة رولز في التقليل من نزوع المجتمعات الحديثة إلى إطلاق سلسلة من انفعالات ومن ردّات فعل لا
يمكن السيطرة عليها، على أساس وحدة العقل العملي المتعالي داخل المجتمع؛ فالأفراد في المجتمع هم في تنافس
مستمر، وليس إنصاف الإجراء الذي يؤسِّس «بنائيًّا» قبْليًّا ex ante() للمبادئ الاجتماعية هو الذي سيلغي هذا
التنافس بجَرّة قَلَِم، وإنما ما حيَدُّ منه، وبدرجة أكثر دقّة، ما حيَدُّ من مستوياته الأكثر تدميرًا للرّابط الاجتماعي،
هو «الإحساس بالإنصاف» الذي يترتّب بَعديًّا ex post() عن التفاعل الاجتماعي، بمعنى أن ما جيُلي التعسّف
حقيقةً في المجتمع ليس حيادية التداول والإجراء القبلْي الذي يقود إلى مبادئ العدالة كإنصاف، بقدر ما هو
تعميم «الشعور» العام البَعدي بالعدالة في المجتمع. ومتى تزعزع هذا الشعور في ا الّحق البَعدي، فلن يُفيد أن
يكون الإجراء في المُسبق الأولي منصفًا أم لا. إن الترابط التحليلي بين المُسبق الأولي وا الّحق البَعدي مركزي في
مقاربتنا لنظرية العدالة، وهو ما نبيّنه في المبحث التالي.
رابعًا: أصالة الاتِّساق بين الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية
من خلال قراءتنا النقدية للنظريات المعاصرة للعلاقة بين الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية داخل النموذج
الليبرالي، خاصة النظرية الرولزية، نسعى إلى استقراء شروط انبثاق اقتصادات صلبة ومجتمعات متوازنة في
مرحلة ما بعد الربيع العربي، في ظلّ الآمال والآفاق الرحبة التي يفتحها الحراك المجتمعي والسياسي الجاري،
عبر بيان أصالة اتّساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية في نظرية العدالة. ننطلق هنا من فكرة أن الحرية،
إن كانت كاُلّلًا يتجزّأ، في السياسة كما في الاقتصاد، فإهنّا تحظى في العالم العربي بالإقرار أو التسليم بشكل
متزايد فقط في شقِّها السياسي، بيد أنها لا تزال مستهجَنة في شقِّها الاقتصادي، وأبعد من أن تحظى بالإجماع، مع
الافتراض الضّمني لأفضلية النماذج البديلة القائمة على المساواة أو على المركزية. من أجل رفع الالتباس المُلحَق بالحرية الاقتصادية وبيان أصالتها، سوف نبدأ بعرض طبيعة جميع الأنظمة التي قد
تنبثق من اعتماد الحرية أو المساواة الاجتماعية كأساس قبلْيٍّ للبناء المجتمعي والاقتصادي، أو كهدف بَعديٍّ تسعى
السياسات القائمة إلى تحقيقه. بدايةً، عبر التبنّي «الحصرّي» للعدالة كمساواة في الم سبق الأولّي ex ante() كما في
ا الّحق البَعدي ex post()، يتّضح جليًّا أن النموذج الشيوعي هو النموذج المثالي كما يوضحه الجدول التالي:
70 Raymond Boudon, «A propos des sentiments de justice: Nouvelles remarques sur la théorie de Rawls,» L’Année Sociologique, vol. 45, no. 2 (1995), pp. 273-295. 71 Jean-Pierre Dupuy, Libéralisme et justice sociale: Le Sacrifice et l’envie, Pluriel; 842 (Paris: Hachette-littératures, 2009), p. 226.
الجدول رقم (3)
موشور المساواة في المُسبق الأولّي واللاّحق البَعدي
| – | + | |
|---|---|---|
| – | الليبرالية المتوحشة | الاشتراكية |
| + | الليبرالية الاجتماعية | الشيوعية |
المساواة
في المُسبق الأولّي من البديهي أالّ يتمخّض نموذج الليبرالية المتوحشة عن أيّ شكل من أشكال المساواة، لا قبْليًّا ولا بَعديًّا،
ما دام قائامً على أساس حرّية صورية لا حقيقية، في حين أن الليبرالية الاجتماعية تؤكّد المساواة القبْلية من
خلال مبدأ تكافؤ الفرص، لكنها تقبل أشكال لامساواة بَعديّة تعتبرها عادلة. أمّا النموذج الاشتراكي، فهو
لا ينبني على فكرة تحقيق المساواة القبْليّة للأفراد على جميع المستويات، وإنمّا يرتكز على أساس إعادة توزيع
بَعديّةٍ لتحقيق المساواة في الثروة بين جميع أفراد المجتمع. يتجىلّ إذًا أعلى مستويات المساواة على مستوى المُسبَق
الأولّي في نفي الملْكية الخاصة والتملّك المشترك لوسائل الإنتاج (الأراضي والمصانع والشركات.. إلخ.)، ثمّ
على مستوى ا الّحق البَعدي، بإعطاء كُلٍّ بحسب حاجته (لا بحسب جهده أو جدارته)، وهذا ما يتوافق مع
النموذج الشيوعي (من «مَشاعيّة» الملْكية للأرض ووسائل الإنتاج). أمّا الإشكال الأكبر في ما وراء طوباوية
هذا النموذج فهو أنه يقضي على العامل التحفيزي الفردي الذي هو أساس الاجتماع البشري. وضّحنا أعلاه
أن معرفة العناصر الاقتصادية في المُسبَق الأولّي بإعادة توزيع الثروة بشكل منهجي في ا الّحق البَعدي بغرض
معادلة ثروة الجميع يحدُّ حتامً من الحافز على العمل والتعلّم والاستثمار والادّخار، وهو ما يترتّب عنه تقلّص
القيمة المنتَجة في المجتمع بشكل ملحوظ. في النهاية، ما سوف يكون متاحًا لأيّ فرد سيكون أقلّ ممّا كان يمكن
أن يكون متاحًا لديه في حالة عدم مساواة الموارد.
من ناحيةٍ أخرى، يفضي التبنّي «الحصريّ» للحرية في المُسبق الأولّي وفي ا الّحق البَعدي إلى نموذج
الليبرالية المتوحشة: الجدول رقم (4)
موشور الحرية في المُسبق الأولّي واللاّحق البَعدي
| – | + | |
|---|---|---|
| – | التوتاليتارية | المجتمع المنفتح |
| + | الليبرالية الاجتماعية | الليبرالية المتوحشة |
الحرية
في المُسبق الأولّي
المساواة
في ا الّحق البَعدي
الحرية
في اللاّحق البَعدي
إن انعدام الحدود الدنيا من الحرية، سواءٌ قبليًّا أم بَعديًّا، يتوافق مع النموذج المتسلّط أو التوتاليتاري، الذي
اختّذت البلدان العربية في مجملها أشكاالً مماثلة له في العقود الأخيرة، تَنتقِص في الوقت نفسه من الحرّية والمساواة
إلى حدودهما الدنيا، وتقوم فقط على إعادة «إنتاج الفساد» وسدّ الطريق أمام «التراكم الإنتاجي». الليبرالية
الاجتماعية تنبني من جهتها على أعلى مستويات الحرية في المُسبق الأولّي، لكنها تسعى إلى تحقيق أعلى مستويات
المساواة كإنصاف في ا الّحق البَعدي، مع ما يفترضه ذلك من وضع حدود للحرية، في حين أن «المجتمع المنفتح»
الذي طوّره كارل بوبر انطلاقًا من أعمال هنري برغسون، يبقى افتراضيًّا جدًّا. إن إطلاق مجال الحرية في المُسبَق
الأولّي (الحرية في حيازة الملْكية الخاصة Abusus() وفي استخدامها Usus()) يتناسب مع النموذج الليبرالي، بيد أن
الحرية المطلقة في الاستفادة من ثمار الملْكية الخاصةِFructus() في ا الّحق البَعدي، من دون قيد أو شرط، تجعل هذا
النموذج متوحشًا وغير مستدام. التركيز الحصري على الحرية يؤدّي حتامً إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية والاقتصادية،
ويجعل هذه الحرية صورية فقط وغير حقيقية، بل مفرغة من جوهرها المتمثّل في القدرة على الاختيار. الماضي القريب الموسوم بهيمنة المركزية (والتوتاليتارية)، والحاضر المتَّسم بهيمنة الليبرالية المتوحشة (والمستفحِل
بالأزمة العالمية الحالية)، يجعلان هذين النموذجين سيَّان من حيث أن كلاهما مُرَوِّع وغير مستدام للتنمية البشرية
المتَّسقة في بلادنا العربية. نستخلص من ذلك ضرورة التوفيق بين المساواة والحرية داخل أيّ نموذج مستدام
للاجتماع البشري، أكان عبر جعل المساواة أرضية مؤسِّسة في المُسبَق الأولّي والحرية مطلبًا فرعيًّا في ا الّحق
البَعدي، أم العكس. في الحالة الأولى، حين نضع المساواة كأرضية مؤسِّسة في المُسبَق الأولّي، ثم نسعى إلى تحقيق
أهداف الحرية في ا الّحق البَعدي، لا تستطيع «النماذج المركزية الموجَّهة» أن تحقّق سوى درجات ضعيفة من
الحرية (النموذج الشيوعي) أو مجزَّأة منها (النموذج الاشتراكي): الجدول رقم (5)
موشور العدالة في المُسبق الأولّي والحرية في اللاّحق البَعدي الحرية
في ا الّحق البَعدي
| – | + | |
|---|---|---|
| – | الاشتراكية | الليبرالية المتوحشة |
| + | الشيوعية | الليبرالية الاجتماعية |
المساواة
في المُسبق الأولّي النموذج الليبرالي وحده، في صيغته «الاجتماعية» لا «المتوحشة»، يسمح بضمان المساواة في المُسبَق الأولّي (على
أساس اعتبارها في المقام الأول تكافؤًا للفرص، ووضع الجميع على مستوى «بوّابة الانطلاق» نفسها)، بشكل
متزامن مع استنادها إلى الحرية في ا الّحق البَعدي.
72 محمود عبد الفضيل، «الاقتصاد السياسى للفساد،» الشروق، /4/1١١٠٢.
73 يُعرّف بوبر «المجتمع المنفتح» على طرفي نقيض «المجتمع المنغلق» الذي يشبّهه بالقطيع أو بالقبيلة، من حيث إنه وحدة شبه عضوية
يرتبط أعضاؤها بعضهم ببعض بروابط شبه بيولوجية لا بروابط اجتماعية مجرّدة. هذا المجتمع هو إذ ا افتراضي بحكم طبيعته المجرّدة
وا الّشخصية «المطلقة»، انظر: Karl R. Popper, The Open Society and its Enemies, 2 vols. (London: G. Routledge & sons. ltd., 2006), vol. 1: The spell of Plato
في الحالة الثانية، حين نضع الحرية كأرضية مؤسِّسة في الم سبَق الأولّي، هنا أيضًا يسمح فقط نموذج «الليبرالية
الاجتماعية» بالتوفيق بين كلا الهدفين: (أ) عبر ضمان مبدأ الحرية على قدم المساواة في المُسبَق الأولّي، (ب) عبر
استيعاب أشكال المساواة الاجتماعية المُكمِّلة في ا الّحق البَعدي، من قبيل «التمييز الإيجابي»: الجدول رقم (6)
موشور الحرية في المُسبق الأولّي والعدالة في اللاّحق البَعدي المساواة
في ا الّحق البَعدي
| – | + | |
|---|---|---|
| – | التوتاليتارية | المجتمع المنفتح |
| + | الليبرالية المتوحشة | الليبرالية الاجتماعية |
الحرية
في المُسبق الأولّي اعتمادًا على الترتيب الهرمي لمبادئ العدالة عند رولز، الذي يولي «الأولوية الأبجدية» لمبدأ الحرية على قدَم
المساواة، وتوليفها مع المساواة في الاجتماع الإنساني، يتّضح أن هذا الترتيب الليبرالي الاجتماعي هو الأمثل.
فالتشديد على الحرية الفردية في المُسبق الأولّي كمبدأ أساس لا يعني أن الليبرالية عمياء، وأنها تتنافى مع أيّ رقابة
قبْلية أو بَعدية على السيّر الحُرِّ للسوق، بل هي تستند إلى أحكام و«حدود» لا تستقيم ممارسة الحرية من دونها.
مثالً، لضمان تنسيق تَنقُّل السيارات، فإن الحرية المطلقة في التحرّك في جميع الاتجاهات، كُلٌّ على هواه، لا يمكن
أن تؤدّي إالّ إلى الازدحام والحوادث والفوضى، مثلما أن التحديد المركزي لوقت مغادرة كلّ سيارة، ولسرعتها
ولمسارها، هو أمر غير واقعيّ على الإطلاق، وغير فعال في آن. يبقى إذًا النمط الوحيد الناجع هو نمط التنسيق
ا الّمركزي الذي يقتضي إعطاء الحرية لكلّ سيارة في التنقّل وتقرير سرعتها ومسارها، مع فرض «حدود» لازمة
لهذه الحرية، بمعنى فرض قانون للسيّر وفرض احترام هذا القانون. قواعد السيّر هاته هي ذات طبيعة «مجرّدة»،
أي إنها ذات طبيعة عامة تصلح لجميع أوضاع حركة السير، في كلِّ زمان وكلِّ مكان وكلِّ سِياق، وتُطبّق
على الجميع بشكل حيادي. وهذا المنطق نفسه يخضع له اقتصاد السوق وإطلاق الحريات في المجتمع (سواءٌ
السياسية أم الاقتصادية أم العامة، وسواء الفردية أم الجماعية). ففي ظِلّ استحالة التنسيق المركزي للاختيار الحرّ
والطّوعي لكلّ فرد في المجتمع، النمط الوحيد القادر على تنسيق هذه الفرديات وهذه الخصوصيات، هو نمط
التنسيق اللامركزي، الذي يقتضي إطلاق الحريات وتقييدها بحدود عامّة ومجردة، قد تتوسّع أو تتقلّص بحسب
الظروف والسياقات. من أجل توضيح هذه المقاربة والإجابة عن الثُّغَر التي سجّلناها على النظرية الراولزية في المبحث السابق، نضع
ثلاث فرضيّات رئيسة للبحث، انطلاقًا من التحليل الاقتصادي لتوليد الثروة وإعادة توزيعها داخل المجتمع.
تتعلّق الفرضية الأولى بطبيعة «الحرية الحقيقية» في نموذج الليبرالية الاجتماعية المستدامة:
74 Rawls, p. 43.
الفرضية الأولى: على خلاف الطبيعة الصّورية للحرية في النموذج النيوليبرالي المتوحش، ينطوي النموذج
الليبرالي المستدام على حرية حقيقية متمثّلة في القدرات الفردية المضمَّنة في ثنايا المساواة الاجتماعية، والضامنة
لتكافؤ الفرص في المُسبَق الأولّي. أمّا الفرضية الثانية، فتتعلّق بأصالة اتّساق الحرية والمساواة الاجتماعية من
منظور الاقتصاد السياسي، وتحديدًا بطبيعة ارتباط عملية توزيع القيمة بمستوى توليد القيمة. بعبارة أخرى،
يُنتج التوزيع المتساوي لكعكة صغيرة الحجم رفاهًا اجتماعيًّا أقلّ كثيرًا من التوزيع غير المتساوي (على أساس
الكفاءات والجهود المبذولة) لكعكة ذات حجم مضاعَف. ففي غياب أنظمة تحفيزية فعّالة في المُسبَق الأولّي
قائمة على الحرية، فإن مَنْ هُوَ أكثر إنتاجًا يُصبح الأقلّ إنتاجًا، ولن يوجد، في نهاية المطاف، ما يُمكن اقتسامه أو
إعادة توزيعه. الفرضية الثانية: يضمن النموذج الليبرالي المستدام الحفاظ على المحفِّزات الفردية لتوليد الثروة من خلال
الترابط التلازمي بين الحرية في المُسبَق الأولّي والمساواة الاجتماعية في ا الّحق البَعدي. فإذا كانت هذه الأخيرة
تَنتقِص من المحفزّات الفردية في المُسبَق الأولّي، فإن أثرها في توليد الثروة في ا الّحق البَعدي مضاعَف بشكل
أكبر تناسُبيًّا. من أهمّ الثُّغَر في معظم نظريات العدالة أنها تركّز على مسألة توزيع مجموعة من السّلع (موارد مادية، أجور،
سلع اجتماعية، تكافؤ الفرص، تكافؤ الوصول إلى الوضعيات الاجتماعية...) من دون مساءلة كيفيّة إنتاجها.
وحجّتنا الرئيسة في هذا البحث هي أن توزيع الثروة (وتوزيع جميع السّلع الاجتماعية) غير منفصلين عن
مستويات توليدها ومحفّزاته، بل هما مترابطان ترابطًا تلازميًّا. هذا الترابط الأساس غالبًا ما يَغِيب أو يُغَيَّب في
أغلب المقاربات النظرية التي يغلب عليها الجانب الأيديولوجي. حجّتنا لبيان أصالة اتّساق الحرية الاقتصادية
والمساواة الاجتماعية تتمثّل في إدخال بُعدٍ ثالث رئيس في مقاربتنا المعيارية للعدالة: الإخاء، وهو ما يسمح لنا
بصوغ الفرضية الثالثة لنظرية العدالة على أساس اتّساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية. الفرضية الثالثة: اتّساق الحرية بالمساواة داخل نظرية العدالة لا يستقيم من دون انبثاق عنصر ثالث هو الإخاء،
لتصبح بذلك مقاربتنا للعدالة القائمة على أساس التوفيق بين النجاعة الاقتصادية والمساواة الاجتماعية سَمِيَّة
لشعار الثورة الفرنسية: حرية – مساواة - إخاء Liberté-Egalité-Fraternité(). نهجنا هذا يحاول أن يعطي
صياغة دقيقة للفكرة البديهية التي مؤداها أن التوزيع منصِف حيث لا يُكِنُّ أيُّ شخص ضغينة أو حقدًا اجتماعيًّا
لشخص آخر على أساس هذا التوزيع. من خلال الربط بين مجالي توليد القيمة (النجاعة الاقتصادية) وتوزيع
القيمة (الإنصاف الاجتماعي)، يتّضح أن توزيع مجموعة من الأصول على قدَمِ المساواة، من دون طرح سؤال
كيفيّة تشجيع إنتاجها، هو توزيع غير فعّال على الإطلاق. خلافًا لذلك، فإن المنطق الإنتاجي بمفرده غير مستدام
ما دام يُؤدّي إلى حالات من اللامساواة الاجتماعية (في ا الّحق البَعدي) التي تحول دون إرساء «العلائقية
الاجتماعية» المضمَّنَة داخِلَها عمليّة الإنتاج (في المُسبق الأولّي). من أجل إثبات أصالة مقاربة العدالة هاته، نبدأ ببيان أن إدماج المساواة الاجتماعية داخل النموذج الليبرالي
ينتقص حتامً من المحفزّات الفردية على الكدّ والعمل وتوليد القيمة:
75، مع وجود مستويات عالية من الضريبة على الدخل (نموذج الضريبة التّصاعدية)، قد يسمح عمل أقلّ بالمرور إلى وعاء ضريبيمثلا
أدنى، أو حتى إلى وعاء ضريبي مُعفى، وهو ما قد يترتّب عنه دخل إجمالي أكبر.
الجدول رقم (7)
المساواة كعامل مقيّد لخلق القيمة
| + | – | |
|---|---|---|
| – | ||
| نظام تحفيزيّ ضعيف | نظام تحفيزي ّ قويّ | + |
| خفض خلق القيمة (ق 1) |
الحرية
في المُسبق الأولّي
سيكون هذا هو الوضع إذا أغفلنا الآثار الجانبية الإيجابية المضاعفة Spillovers() لاعتماد مبدأ المساواة الاجتماعية
على العملية الاقتصادية برمَّتها، وهي التي تجعل المساواة الاجتماعية تساهم في إرساء السِّلْم الاجتماعي وتعزيزه،
والثّقة داخل المجتمع (بين الأفراد وفي المؤسسات)، ورأس المال الاجتماعي، والعلائقية الاجتماعية القوية، وفي
كلمة، الإخاء الاجتماعي: الجدول رقم (8)
المساواة كعامل مقوًّ لخلق القيمة
| + | – | |
|---|---|---|
| – | ||
| إخاء اجتماعي مرتفع | إخاء اجتماعي منخفض | + |
| ا لرّفع من خلق القيمة (ق2) |
الحرية
في المُسبق الأولّي
يعزّز هذا الإخاء، باعتباره عنصرًا أساسًا في العملية الاقتصادية كما أوضحت ذلك السوسيولوجيا الاقتصادية
الجديدة، عمليات خلق القيمة ويقويّها. بل أكثر من ذلك، أبرزت الأبحاث الحديثة أن هذا الدّور أصبح مضاعَفا
المساواة
في ا الّحق البَعدي
القيمة (ق 1)
المساواة
في ا الّحق البَعدي
القيمة (ق 2)
في الاقتصاد الجديد القائم على المعرفة. لذا، في إمكاننا أن نؤكد أن نسبة رفع القيمة المول دة في العملية الاقتصادية
(ق ٢) مضاعَفة مقارنةً بمستوى خفض القيمة المولَّدة الناتج من إضعاف النظام التحفيزي (ق ١ ا، تكمن). إذً
حجّتنا الرئيسة الواردة في بحثنا في هذا الترابط المتلازم بين التناسق الاجتماعي الناجم عن المساواة الاجتماعية
من جهة والنجاعة الاقتصادية من جهة أخرى، وفي أن هذا الترابط مضاعَف عندما يتعلّق الأمر بعمليات توليد
المعرفة التي تنبني على أساسها عملية خلق القيمة في الاقتصاد القائم على المعرفة، ليتجىلّ لنا بذلك أول معالم
النموذج الليبرالي المستدام لما بعد الربيع العربي.
خامسًا: معالم النموذج الاقتصادي والاجتماعي المُتَّسق والمستدام لما بعد الربيع العربي
إن مقاربتنا للعدالة في هذا البحث تكمِّل نظرية رولز، متجاوزة إطارها النظري. إنها مكمِّلة لها من حيث إنها
تُدخل مبدأ العلائقية الاجتماعية والإخاء الاجتماعي كمبدأ ثالث مُكمّل لمبدأي الحرية والمساواة عند رولز، وهي
تتجاوز أساسها الإبيستيمولوجي من حيث إنها تُسقِط الفرضية البنائية اللاواقعية للوضعية الأصلية وحجاب
الجهل، وتكتفي بالمنطق الاقتصادي لتلازم إنتاج القيمة وتوزيعها لإرساء نظرية العدالة كأساس للنموذج
الليبرالي الاجتماعي المستدام. تقوم مقاربتنا للعدالة هاته على أساس شعار «الحرية – المساواة - الإخاء» الذي نشأ في عصر الأنوار، قبل أن
يتبلور في الثورة الفرنسية، وهو يلخّص تمامًا منظورنا للعدالة الاجتماعية. فهذا الشعار، مع شيوعه وشهرته، نادرًا
ما جرى في الماضي التطرّق إلى معنى الترابط بين مكوّناته الثلاثة. ندافع في هذا البحث عن أصالة هذا التواصل
المتلازم، لا بين الطرفين الأوّلين فحسب، وإنما أيضًا مع الطرف الثالث، لنؤسِّس لمقاربتنا للعدالة داخل النموذج
الليبرالي التي تربط بين مبدأي الحرية والمساواة، وتجعل المبدأ الثالث، مبدأ الإخاء، مبدأ اجتماعيًّا وسيطًا يمكن
التعبير بواسطته عن تكامل المبدأين الأوّلين. هذا الربط بين المبادئ الثلاثة، الحرية – المساواة - الإخاء، الذي
تؤكّده مقاربات عديدة في الماضي، بشكل مُضمّن في أغلب الحالات، أو عبر ربط إعادة التوزيع بالبُعد الأخلاقي
ومن دون إقحام عنصر النّجاعة الاقتصادية، يمثّل أُفقًا مفتوحًا بالنسبة إلى غَد ما بعد الربيع العربي. حاولنا جاهدين في هذا البحث استطلاع بعض هذه الأسئلة الجوهرية المتعلّقة بأُسس بناء هذا النموذج المستدام
لما بعد الربيع العربي، بمعنى النظام التحفيزي الفعّال الذي يستند إلى الحرية الفردية المسبَقة بقدر ما يستعيد
الأمل الديمقراطي في عدالة توزيعيةٍ بَعديّة، ولا يلغي (أي النظام التحفيزي) السوق بل يعيد تضمينها في
العلاقة الاجتماعية المستدامة؛ النّموذج الحافظ ل«الحريات الأساسية والمساواة في الفرص وفي توزيع الخيرات
الاجتماعية، مع الإقرار بالتفاوت وإنصاف الأفراد والفئات الأقلّ حظًّا، وتعزيز القواعد الحامية للهوية في إطار
تنمية القدرات والملَكات الفردية الحريصة على الجمع بين خير الفرد وخير الجماعة، واجتناب مخاطر ‘ الأنا الذرّية ’
الفردانية والنرجسية، وتعزيز مبدأ الخير العام، وإرساء بنيان المساواة النسوية بإبداع قراءة تأويلية مساواتية
للنصوص الدينيّة التي يُفيد ظاهرها ‘ المتشابه ’ أوضاعًا لا مساواتية وغير عادلة »؛ النموذج حيث «البقاء
ليس للأقوى وإنمّا للأنجع»؛ النموذج حيث يتمتّع الأفراد بحريتهم في الاختيار، وحيث تقودهم هذه الحرية
76 جدعان، ص.48
77 إدريس لكريني، «استقلالية القضاء ورهانات الديمقراطية والتنمية،» الديمقراطية، العدد ٤٤ (تشرين الأول/ أكتوبر ١١٠٢)،
ص ٧٤١.
إلى الخلق والإبداع؛ النموذج الذي يتمثّل الإنسان العربي من خلاله إمكان استعادة حريته الطبيعية بانضوائه
داخل شكل اجتماعي قائم على عقد تشاركيٍّ الغاية منه ليست التفويض والخضوع وإنما الإدماج والاحترام
للإرادة العامة التي تسهر على ضمان الحرية والكرامة؛ النموذج الذي يصعُب من دون ما يحويه من حريات
سياسيةٍ وديمقراطية واعتراف بحقوق الأفراد تحقيق أيّ إصلاح اقتصادي أو اجتماعي؛ النموذج الذي يحُدّ من
اللامساواة والتفاوت الاجتماعي الصّارخ (في توزيع الملْكية، والأصول، والحقوق، والسلطة، والآمال)، وما
يُمكن أن تؤدّي إليه من صراعات وتوتّرات أو إحباطات وثورات؛ النموذج الذي يستند إلى أهداف المساواة
الاجتماعية البَعدية، بقدر ما يرتكز على تحقيق تكافؤ الفرص وشروط التنافس الشريف القبْلية، كضامن حقيقي
للتماسك والانسجام الاجتماعي. ومن ثَمَّ، على عكس «نموذج الرّفاه»، حيث السوق خارج المجتمع ويُصبح اتّساقها مُهدَّدًا باستمرار بفعل الآثار
الاقتصادية الجانبية السلبية، تصبح الحدود بين المجتمع والسوق أكثر «مَسامِّية» في النموذج الليبرالي الاجتماعي،
ويصبح تناسق المجتمع مفتاح النجاعة الاقتصادية. لذا، فإن فريدريش هايك في منظور هذا البحث على خطأ
تام عندما يؤكّد أن «المجتمع العادل» لا معنى له من وجهة النظر الاقتصادية البحتة. عوضًا عن ذلك، نؤكّد
هنا أن «المجتمع العادل» أكثر نجاعة اقتصادية من «المجتمع غير العادل»، وأن العلائقية الاجتماعية عنصر
مركزي في الاقتصاد. وهذه الحقيقة تتجىلّ بشكل أوضح في إطار الاقتصاد الجديد القائم على المعرفة، حيث
تُعطَى الأولوية ل«توليد الموارد» عوضًا عن «تخصيص الموارد»، وحيث تصبح أبعاد نكران الذات ومنح الذات،
والحوافز الكامنة، وقوة الروابط الاجتماعية الضعيفة، ورأس المال الاجتماعي، والثقة، وجماعات الممارَسة، أبعادًا
أساسية في الأنظمة التحفيزية لتوليد المعرفة والثروة؛ فمن الواضح أن هذه الأبعاد جميعها مُضمّنة داخل أشكال
مجتمعية قائمة على اتِّساق الحرية والعدالة، وداعمة لإِعادة صوغ اللعبة الاقتصادية من مجموع ثابت (رابح/
خاسر) إلى مجموع إيجابي (رابح/رابح). ينبغي اليوم لأي نظرية مستدامة للعدالة أن تحاول التوفيق، داخل نظام عام متناسق، بين الاحترام المتساوي لتنوّع
تصوّرات الحياة الجيّدة في المجتمع والاهتمام المتساوي بمصالح جميع أفراد المجتمع. في التصوّرات التقليدية
للعدالة، ما كان يكتسي أهمّية بالدّرجة الأولى هو تحديد ماهيّة الحياة الجيّدة والناجحة، قبل النظر في ماهية المجتمع
العادل، الذي يُنظَر إليه، تبعًا لذلك، كمجتمع تُكافأ مؤسساته وفقًا للمثل الأعلى للحياة الجيدة، ويَنبُذ أشكال
النشاط غير المتوافقة مع هذا المثل الأعلى. الحرية هنا هي حجر الزاوية في النظرية الليبرالية المستدامة للعدالة
التي تسعى إلى التوفيق بين هذا البُعد الليبرالي والبُعد المساواتي، بمعنى الاهتمام المتساوي بمصلحة الجميع. فعلى
النقيض من النيوليبرالية القائمة على أساس الحقوق الطبيعية في الملْكية الخاصة لكلّ ما هو موجود في الكون، أو
المزعوم أنها طبيعية، تؤكّد الليبرالية الاجتماعية أن كلّ شيء – ومن ذلك نظام الملْكيّة مثلاًِ– إن كان ينبثق حصريًا
من المستوى الأنطولوجي الفرداني Individualist()، أو من المستوى الإبيستيمولوجي بين - الفرداني (Inter-
individualist)، فهو لا يكتسي شرعيّة إال على المستوى الفينومينولوجي المجتمعاتي Communitarian()،
أي إزاء مصلحة الجميع التي من دونها تنعدم أيّ مصلحة فردية. هذه الطبيعة المساواتية لا تتعارض مع تبرير
بعض أشكال ا الّمساواة، وذلك بسبب المكانة التي ينبغي تخصيصها للمسؤولية الشخصية وللجدارة، وهو
ما يعني أن أيّ تصوّر مستدام للعدالة اليوم ينبغي أن يُنظَر إليه أوالً من منظور الفرص والإمكانات والحريات
الحقيقية والقدرات، بدالً من مستوى الرّفاه أو النتائج، ثم بعد ذلك من منظور طبيعة العلائقية الاجتماعية
وطبيعة الإخاء الاجتماعي.
لذلك، ستظل مقاربة أيّ نظام اجتماعي واقتصادي على أساس العدالة والاستدامة أمرًا في غاية التعقيد؛ فمن
جهة، ينبغي لها أن تجيب عن الشرط المسبق لتكافؤ الفرص الحقيقي لا الصّوري (من قبيل الإجابة عن إشكالية
حقوق التوريث وبناء نظام تعليميّ عادل ومنصف). ومن جهة أخرى، ينبغي أن تقترن بمبدأ الاستحقاق
والمسؤولية، وأخيرًا، أن تُلجِم المشاعر الأكثر هدمًا للرابط الاجتماعي، أي مشاعر الغيرة والحسد الراسخة
في أعماق الطبيعة الإنسانية، ومشاعر الضغينة الناتجة من أوضاع الظّلم الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي
والاستبداد السياسي، وأن تُرشدها في قنوات تفريغ ملائمة، كَيمْا تترتّب عنها مجتمعات قويّة ومتناسقة ومنسجمة
مع نفسها ومع الطبيعة في آن. وبذلك تتجىلّ لنا معالم النموذج اللّيبرالي المستدام على خمسة مستويات رئيسة: - اتّساق الحرية والمساواة، فالنموذج اللّيبرالي في شكله الاجتماعي قائم على الاتفاق الطوعي والتعاقد المنصف
بين الأفراد، ومن حيث إن السّعي إلى خلق القيمة مرتبط ارتباط ا وثيقًا بأنساق توزيعها؛ فكلمّا كان النّظام متّسقًا
ومتساويًا، كان أكثر توليدًا للقيمة وللثروة. ولذا، نجد أن أكثر الدول مساواتية في العالم (الدول الإسكندنافية)
هي أكثرها غنى ورفاهًا في الآن نفسه. - تكافؤ الفرص المنصف، وهو يعني وضع الجميع على مستوى «بوّابة الانطلاق» نفسها، ويقوم على نظام
التربية والتعليم الذي يسهر على تأمين حصول الجميع على التربية المتناسبة، وعلى حقّ الوصول إلى أعلى المناصب
الاجتماعية، ثمّ بعد ذلك على نظام المواريث والهبات الذي يقتضي فرض ضرائب وقيود على الرتِّكات من أجل
منع انتقال الامتيازات من جيل إلى جيل أو الحدّ منه، وأخيرًا على نظام التمييز الإيجابي الذي يجعل من ا الّمساواة
ومن التّمييز آليات لتحقيق تكافؤ الفرص الحقيقي لا الشّكلي فحسب. - الجدارة والاستحقاق: التفاضل الذي يُقرّه النظام اللّيبرالي، بل ويشجّع عليه، هو التّفاضل القائم على أساس
الجهد وقيمة العمل. ولما كانت قابليّات الأفراد متفاوتة في التحصيل والفهم والإدراك وفي بذل الجهد والاستثمارّ،
كان تمايز الأفراد من الناحية العملية الاكتسابية أمرًا حتميًّا، ينبغي أن تعكسه آليات العدالة وإجراءاتها كإنصاف،
بإجازة وإقرار التّفاوت المنصف الذي يسمو فوق المساواتية المحضة. - تحديد الملْكية: تتمثّل الحرية الحقيقية في حرية الملْكية أكثر ممّا هي في حرية الفعل. ولذلك نجد أن حرية
الملْكية مقدّسة في النسق الليبرالي، في حين لن تجد ليبراليّا واحدًا (في جميع أطياف اللّون اللّيبرالي، على اعتبار أن
الآناركيين أو الفوضويين ليسوا ليبراليين) يقول بقدسية حرية الفعل أو بلا محدوديتها. ومن ثَمّ، يتمثّل استقراء
الطبيعة العميقة للحرية بالأساس في مناقشة «حدود الملْكية» عوضًا عن «حدود الفعل»: هذا هو بالضبط الخيط
الرفيع الفاصل بين اللّيبرالية المتوحشة واللّيبرالية الاجتماعية؛ ففي حين لا تعترف الأولى بأيّ قيود على الملْكية
الخاصة (من قبيل القيود على تراكم رأس المال وتركّزه) على اعتبار أصالتها، ومن ثَمّ عدم جواز تقييدها بأيّ
مبدأ آخر ولأيّ اعتبار كان، نجد أن الأخيرة تنبني على فكرة تحديد الملْكية الخاصّة بدرجة أساس عبر نموذج
«ديمقراطية وصول الجميع لتملّك الملْكية». - المنظور البعيد للعيش المشترك، وذلك على اعتبار أن التوازنات والتسويات المؤقّتة الناتجة من صراع القوى الموجودة في الواقع وتدافعها لا يمكن أن تكون مستقرّة، وقد تتفجّر في أيّ لحظة متى تزعزعت موازين القوى
هاته، فضالً عن أنها لا تستطيع بأيّ حال أن تشكّل أساسًا صلبًا للبناء وللارتقاء. وقد بَيّنا أعلاه أن العلائقيّة
الاجتماعية القائمة على التآخي هي وحدها قادرة على أن تمنح ه منظورًا كهذا.
خاتمة
سعَينا في هذا البحث إلى المساهمة في التأسيس لرؤية نظرية معرفية ذات دور في بناء المشروع النهضوي لما بعد
الربيع العربي؛ رؤية مستقاة من الرتّاكم المعرفي الحديث (بكلّ مشاربه)، بقدر ما هي ناظرة إلى حقائق واقعنا
وعصرنا وحاجاته وتحدّياته. ومن غير أيّ نزعة طوباوية أو أخلاقانية، واعتمادًا على المنطق الاقتصادي المحض،
لم نتعرّض بشكل مباشر لتحليل أولويات معالجة الوضع الاقتصادي الداخلي في المرحلة الانتقالية، بقدر ما
حاولنا إبراز الأبعاد الاستراتيجية لبناء قدرات قوية داخليًا وتنافسية عالميًا، وانبثاق مجتمعات عربية مُتّسقة
وقائمة على العدالة الاجتماعية، مع التأصيل للإطار الفلسفي العام الذي يُؤسِّس لها.
إن التراكم العلمي الغنيّ في العقود الأخيرة بشأن نظرية العدالة يوفّر لا محالة أرضية خصبة لاستقراء نظرية
العدالة المؤسِّسة للنموذج الليبرالي الاجتماعي، كبديل من جميع النُّظُم التي أثبت الواقع إخفاقها، من تخطيط
مركزيٍّ أو ليبرتارية متوحشة. وأبرز هذه الإفرازات العلمية هي اليوم مرتبطة بنظرية العدالة كإنصاف عند
جون رولز، وهي تمثّل طفرة نوعية تُغني بشكل ملموس الإطار النظري لمناقشة إشكالات العدالة. على الرغم
من ذلك، بَيَّنا في هذا البحث أن هذه المقاربة المحورية تبقى مع ذلك قاصرة عن إشباع هذا الحقل المعرفي،
وأن الحاجة تظلّ ماسّة لمقاربات نقديّة مُكمّلة. في هذا الإطار، ارتكز نقدنا للأساس البنائي عند جون رولز
القائم على فرضية «الوضعية الأصلية» في المُسبق الأولّي، على مقاربة اقتصادية واقعية تربط بين الحرية والمساواة
عبر انبثاق الإخاء الاجتماعي في ا الّحق البَعدي. فكرة أن الأفراد العقلانييّن قد يختلفون ويتعارضون في ما
بينهم، هي في صُلب قراءتنا النّقدية لنظرية العدالة الراولزية التي إن كانت لها ميزة إحداث قطيعة مع مذهب
النفعية الاقتصادية المؤسِّس للأرثوذكسية النيوكلاسيكية والسياسات النيوليبرالية، فهي تبقى قاصرة بمقاربتها
الحداثية البنائية المحضة، وبتغييب منطق الهيمنة. ولئن كان تطوّر السوق كمجال للنشاط الاقتصادي، وتطوّر
الديمقراطية كمجال للنشاط السياسي يساهمان على وجه التأكيد كقنوات لاستيعاب الأهواء الإنسانية والمشاعر
الهدّامة للرّابط الاجتماعي، فإنهما وحدهما غير قادِرَيْن على ضمان الانسجام الاجتماعي بشكل مستدام. إذا، ليس
تحييد العنف المتأصّل في جميع مجالات الحياة الاجتماعية من قِبَل السوق والديمقراطية كامالً ولا دائامً، ويُمكن
في أيّ لحظة أن يتحوّل التدافع الاجتماعي إلى صراع مفتوح. ولذلك، فإن الافتراض القوي للوضعية الأصلية،
وإنْ كانت له فائدة تحليلية أكيدة، فإنه ليس ضروريا ما دام المنطق الاقتصادي وحده قادرًا على توصيف عملية
التوزيع المنصف للثروة، كأساس للعدالة في المجتمع، من خلال ربطها بعملية توليدها. بعبارةٍ أخرى، إن الفكرة
الرئيسة التي دافعنا عنها هي أن ما يؤَسِّس للعملية الاقتصادية وما يَنتجُ منها ليس فقط قيمةً أو ثروةً أو كعكةً
يتمّ تقاسمها، وإنمّا ينبثق منه أيضًا مشاعر ورغبات وضغائن و«أصول غير ملموسة» تؤدّي دورًا أساسًا في
الاقتصاد، وينبغي بالتالي السّعي إلى تنسيقها، فضلا عن تنسيق جميع «الأصول الملموسة»، بمعنى أن خلق القيمة
يخضع لمستويات توزيع الرّفاه الاجتماعي وطبيعته، وللشعور الاجتماعي المترتّب عن هذا التوزيع، بقدر ما
يخضع للمحدّدات الجليّة الأخرى، المادّية والمؤسساتية. ولذلك، يقوم النموذج الليبرالي المستدام على العلائقية
الاجتماعية المتوازنة، وعلى التفاعل الديمقراطي لا بين النقيض والنقيض وإنما بين القرين والقرين، وهو ما
يتطابق مع تعريفنا المتقدّم للعدالة، كالتّسوية بالمثل وليس بالنّظير عينه.
أخيرا، تأخذ الرؤية التي قمنا بتطويرها في هذا البحث بُعدًا آخر وجلاءً أكبر في سياق ظهور مجتمع المعلومات
والاقتصاد القائم على المعرفة؛ فهي تكتسي كلّ أهميتها في هذا النظام الجديد للتراكم الذي يقوم على أساس
البناء والتشبيك المؤسساتي، بقدر ما يرتبط بالسّياقات الاجتماعية والسياسية والإبيستيمية المؤسِّسة للديناميات
المعرفية، وهو ما مِن شأن النموذج الليبرالي المستدام أن يشكّل إحدى دعائمه الأساس في المستقبل العربي المرتجى.
المراجع
-1 العربية كتب الجديدة،.1978 دراسات الوحدة العربية، ٩٠٠٢.
المنظمة العربية لحقوق الإنسان،.2004 دار المستقبل العربي، 1995. (قضايا فكرية)
منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ٢١٠٢. للأبحاث ودراسة السياسات، ٢١٠٢. عبد الحي. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢١٠٢. وروزا لوكسمبورغ وغرامشي. بيروت: دار الساقي، ٠١٠٢.
دورية
أكتوبر ١١٠٢.
مؤتمر 30 – 31 مارس/آذار.2013
وثائق تموز/ يوليو ١١٠٢، على الموقع
es/2011/07/201172373331184894.htm>.
للأبحاث ودراسة السياسات، نيسان/ أبريل ٢١٠٢). -2 الأجنبية
ابن طفيل، أبو بكر محمد بن عبد الملك. حي بن يقظان. قدم له وحققه فاروق سعد. ط 2. بيروت: دار الآفاق أبو زيد، سمير. العلم والنظرة العربية الى العالم: التجربة العربية والتأسيس العلمي للنهضة. بيروت: مركز بشارة، عزمي. في الثورة و القابلية للثورة. بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢١٠٢.
سالم، ممدوح (محرر). الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم العربي: أعمال الندوة العربية حول تفعيل
العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الدار البيضاء 17-16 يوليو 2003. القاهرة: العالم، محمود أمين (مشرف). الفكر العربي على مشارف القرن الحادي والعشرين: رؤية تحليلية نقدية. القاهرة: عبد اللطيف، كمال. أسئلة النهضة العربية: التاريخ، الحداثة، التواصل. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ٣٠٠٢.
. مجتمع المواطنة ودولة المؤسسات: في صعوبات التحديث السياسي العربي. الرباط:. المعرفي، الأيديولوجي، الشبكي: تقاطعات ورهانات. بيروت؛ الدوحة: المركز العربي مالكي، أمحمد [وآخرون]. الانفجار العربي الكبير في الأبعاد الثقافية والسياسية. إعداد كمال عبد اللطيف ووليد مروة، كريم. نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي: مع نصوص منتقاة لماركس وإنجلز ولينين وبليخانوف
سبيلا، محمد. «العدالة والحرية: تعارضٌ أم تكامل؟.» التسامح: السنة 6، العدد ٤٢، خريف ٨٠٠٢.
لكريني، إدريس. «استقلالية القضاء ورهانات الديمقراطية والتنمية.» الديمقراطية: العدد ٤٤، تشرين الأول/
المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،
شفيق، منير. «الثورات العربية والبديل الاقتصادي،» (دراسة، مركز الجزيرة للدراسات، ٣٢
<http://studies.aljazeera.net/issu الإلكتروني:
القديمي، نواف بن عبد الرحمن. «الإسلاميّون وربيع الثّورات: الممُارسة المُنتجة للأفكار.» (دراسة، المركز العربي
Books
Baquiast, Paul. Les Pelletan: Une Dynastie de la bourgeoisie républicaine. Paris; Montréal: L’Harmattan, 1996. (Chemins de la mémoire) Bourdieu, Pierre. Le Sens pratique. Publié par la Maison des sciences de l’homme. Paris: Éditions
de Minuit, 1980. (Le Sens commun) Dupuy, Jean-Pierre. Libéralisme et justice sociale: Le Sacrifice et l’envie. Paris: Hachette- littératures, 2009. (Pluriel; 842) Foucault, Michel. Les Mots et les choses: Une Archéologie des sciences humaines. [Paris]: Gallimard, 1966. (Bibliothèque des sciences humaines) Frank, Thomas. One Market under God: Extreme Capitalism, Market Populism, and the End of Economic Democracy. New York: Anchor Books, 2000. Fraser, Nancy. Qu’est-ce que la justice sociale?: Reconnaissance et redistribution. Edition traduite de l’anglais, établie et introduite par Estelle Ferrarese. Paris: La Découverte, 2011. (La Découverte-poche. Sciences humaines et sociales) Georgescu-Roegen, Nicholas. The Entropy Law and the Economic Process. Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1971. Hayek, Friedrich A. von. Law, Legislation and Liberty: A New Statement of the Liberal Principles of Justice and Political Economy. 3 vols. Chicago, Ill.: University of Chicago Press, 1973- 1979. Vol. 1: Rules and Order. __________. The Constitution of Liberty. [Chicago]: University of Chicago Press, [1960]. Klein, Naomi. The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism. New York: Metropolitan Books; Henry Holt , 2007. Laroui, Abdallah. L’Idéologie arabe contemporaine, essai critique. Préface de Maxime Rodinson. Paris: F. Maspero, 1967. Meadows, Donella H. [et al.]. The Limits to Growth; a Report for the Club of Rome’s Project on the Predicament of Mankind. New York: Universe Books, [1972]. Nozick, Robert. Anarchy, State, and Utopia. New York: Basic Books, [1974]. Popper, Karl R. The Open Society and its Enemies. 2 vols. London: G. Routledge & sons, ltd., 2006. Vol. 1: The spell of Plato. Rawls, John. Political Liberalism. New York: Columbia University Press, 1993. (John Dewey Essays in Philosophy; no. 4) _______. A Theory of Justice. Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University Press, 1971. Ricoeur, Paul. La Critique et la conviction: Entretien avec François Azouvi et Marc de Launay. Paris: Calmann-Lévy, 1995. _______. Le Juste. Paris: Esprit, 1995. (Philosophie) _______. Soi-même comme un autre. Paris: Seuil, 1990. (L’Ordre philosophique). Rousseau, Jean-Jacques. Du contrat social. Présentation, notes, bibliogr. et chronologie par Bruno Bernardi. Paris: Flammarion, 2001. (GF; 1058) __________. Oeuvres complètes. Paris: Gallimard, 1964. Sen, Amartya. The Idea of Justice. Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University Press, Simon, Herbert A. Models of Bounded Rationality. 3 vols. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1982-1997. The Tanner Lectures on Human Values. Salt Lake City: University of Utah Press; Cambridge: Cambridge University Press, 1980. United Nations Development Programme. Human Development Report, 1990. New York: Oxford University Press, 1990. Vygotskii, Lev Semenovich. Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. edited by Michael Cole [et al.]. Cambridge: Harvard University Press, 1978. World Commission on Environment and Development. Our Common Future. Oxford; New York: Oxford University Press, 1987. (Oxford paperbacks)
Periodicals
Amin, Samir. « Des pseudo-mathématiques au cybermarché: L’Economie « pure », nouvelle sorcellerie. » Le Monde Diplomatique: no. 521, Août 1997. Boudon, Raymond. «A propos des sentiments de justice: Nouvelles remarques sur la théorie de Rawls.» L’Année Sociologique: vol. 45, no. 2, 1995. Dworkin, Ronald. “What Is Equality?, Part 2: Equality of Resources.” Philosophy and Public Affairs: vol. 10, no. 4, 1981. Fukuda-Parr, Sakiko. “Millennium Development Goals: Why They Matter.” Global Governance: vol. 10, no. 4, October 2004. Hayek, Friedrich A. von. “The Use of Knowledge in Society.” American Economic Review: vol. 35, no. 4, September 1945. Söderbaum, Peter. “Democracy and Sustainable Development: Implications for Science and Economics.” Real-World Economics Review: no. 60, June 2012.