العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العدالة الانتقالية والسلطوية المُلبرلَة: نموذج المغرب

العدالة الانتقالية والسلطوية المُلبرلَة: نموذج المغرب

Selective Justice and Liberalized Authoritarianism in Morocco

عبد الحي مؤذن*

الملخّص

تعالج الورقة تدبير الإرث السياسي العنيف، في إطار مقاربة العدالة الانتقالية التي تبلورت في صورة تجربة جديدة منذ بداية الثمانينيات، وتحوّلت إلى نموذج طبّقته دول كثيرة، يناهز عددها خمسًا وثلاثين دولة. وتتميّز مقاربة العدالة الانتقالية بسعيها إلى البحث عن بدائل للعدالة العقابية من الجرائم السياسية، وبمحاولتها تحقيق المصالحة بين الأطراف المتعارضة، وذلك من خلال تدابير الكشف عن الحقيقة، وجبر الضّرر، والحفاظ على الذاكرة الأليمة، والالتزام بالتخلّي عن العنف في تدبير الخلافات السياسية. وفي هذا السياق، ستركِّز هذه الورقة على الحالة المغربية، وستثير مسألة المصالحة في ظل السلطوية، وآفاق ترسيخ حقوق الإنسان باعتبارها مبادئ سلمية في الممارسة السياسية من دون شرط الدّمقرطة.

Abstract

This paper deals with the question of how a violent political legacy can be surpassed through a selective justice approach. This approach emerged during the early 1980s and was adopted by over 35 countries. Selective justice seeks alternatives to punitive justice for political crimes, attempting to establish a reconciliation between opposing parties, which can be achieved through revealing past acts, compensating for damages, maintaining memories, and committing to abandoning violence through the management of political differences. The paper focuses on Morocco, and discusses the question of reconciliation under the shadow of authoritarianism, as well as the enshrinement of human rights, as principles that guide political practice, in the absence of democratization.

الكلمات المفتاحية:
  • عدالة انتقالية
  • سلطوية ملبرلة
  • عدالة عقابية
  • المغرب
Keywords:
  • Transition Justice
  • Liberal Authoritarianism
  • Retributive Justice
  • Political Crimes
  • Reconciliation

تعالج الورقة تدبير الإرث السياسي العنيف، في إطار مقاربة العدالة الانتقالية التي تبلورت في

صورة تجربة جديدة منذ بداية الثمانينيات، وتحوّلت إلى نموذج طبّقته دول كثيرة، يناهز عددها

خمسًا وثلاثين دولة. وتتميّز مقاربة العدالة الانتقالية بسعيها إلى البحث عن بدائل للعدالة العقابية

من الجرائم السياسية، وبمحاولتها تحقيق المصالحة بين الأطراف المتعارضة، وذلك من خلال

تدابير الكشف عن الحقيقة، وجبر الرضّر، والحفاظ على الذاكرة الأليمة، والالتزام بالتخيلّ عن

العنف في تدبير الخلافات السياسية. وفي هذا السياق، ستركِّز هذه الورقة على الحالة المغربية،

وستثير مسألة المصالحة في ظل السلطوية، وآفاق ترسيخ حقوق الإنسان باعتبارها مبادئ سلمية

في الممارسة السياسية من دون شرط الدّمقرطة.

مقدّمة

ارتبطت العدالة الانتقالية - بما هي مقاربة جديدة ظهرت في نهاية الثمانينيات - بمسألة التدبير

السِّلمي للانتقال الديمقراطي في عدد من بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. وكان ذلك

يعني – من جهة - ترسيخ مؤسّسات وثقافة بديلة للسلطوية التي كانت نُخَبها المؤثِّرة لا تعارض فكرة

الدمقرطة، ويحيل - من جهة أخرى – على البحث عن مخرج سياسي وقانوني لكيفية تدبير إرث العنف

سابق في هيئة الإنصاف والمصالحة – المغرب.

1 يعربّ مفهوم الديمقراطية عن وضعية سياسية مكتملة، بينما تحيل الدمقرطة على مرحلة انتقالية تتشكّل فيها معالم تحوّل محتمل إلى

الديمقراطية، من بين مظاهرها حرية التعبير والتنظيم، والتعددية الحزبية، وتقلّص ممارسة العنف لضبط المعارضة المجتمعية لكن من

دون أن يتّسم النظام السياسي بفصل فعلي للسلطات، ومن دون أن يتم إخضاع فاعليه السياسيين المركزيين إلى سلطة الانتخابات

الحرّة  المتواترة.

السِّياسي للسّلطوية، تلك التي لم تكن منهارة كما هي الحال في وضعية الثّورات النّاجحة، على الرّغم من

الأزمات التي كانت تواجهها. ضمن هذا السّياق التاريخي غير المسبوق، تبلور مفهوم العدالة الانتقالية ليعكس مجموعة من الخيارات السياسية

التي رافقت عملية توسيع المشاركة المجتمعية في ظل أفكار الليبرالية السياسية. غير أن تلك التجارب السياسية

طوّرت خيارات مخالفة للعدالة بمفهومها الليبرالي، في أثناء مواجهتها ماضي السلطوية الأليم. وانطلاقًا من

اعتبارات البراغماتية السياسية، قامت الخيارات الجديدة على أساس التخيلّ عن العدالة العقابية، أو تأجيلها في

حقّ المتَّهمين بها من المسؤولين في النظام السلطوي، وتعويضها بتدابير بديلة تمثّلت في: معرفة حقيقة الجرائم

وتوثيقها وعرضها على العموم، وتقديم أشكال متنوِّعة من جبر الرضّر المادّي والرّمزي للضحايا، والحفاظ على

ذاكرتهم الأليمة، والالتزامبعدم تكرار الانتهاكات، وبترسيخ الديمقراطية. وقد شكّلت هذه الإجراءات التي عُرفت بالعدالة التعويضية ركنًا أساسًا من أركان العدالة الانتقالية التي

عُدّت عدالة مؤقّتة في انتظار ترسيخ الديمقراطية، ومثّلت نهجًا سياسيًا يهدف إلى تجنّب المواجهة الدموية بين

الأطراف المتعارضة، وتحقيق المصالحة بينها لضمان مسلسل سلمي للدمقرطة يكون بديالً من الثورات ذات

الطابع العنيف. وكان الشّكل المتميز الذي اختّذه هذا النوع من العدالة الانتقالية قائامً على تأسيس هيئات لتحقيق

هذه الأهداف، عُرفت بهيئات الحقيقة والمصالحة. وقد أُسست أولى هذه الهيئات سنة 1982، وتلاها عدد من

الهيئات عبر العالم وصل - حتى الآن - إلى 40 هيئة أُسست في 35 دولة، وأشهرها هيئات الأرجنتين التي

أنهت مهامّها خلال الفترة 1984-1983، وتشيلي (1991-1990)، وجنوب أفريقيا (1992)، وغواتيمالا أُسّست «هيئة الإنصاف والمصالحة » في المغرب خلال الفترة الممتدّة من سنة 2004 إلى سنة 2005، ضمن

مقاربة العدالة الانتقالية للماضي الأليم؛ وذلك على اعتبار أنها أول تجربة على صعيد العالم الإسلامي. وقد

أصبحت تصنَّف ضمن النمّاذج الرّائدة عالميًا في هذا المجال. وعلى الرغم من أن ممارسة العدالة الانتقالية

في المغرب تلتقي مع باقي التجارب الأخرى في إشكالية تدبير الإرث العنيف للسلطوية، فإن أهمّ ما يميزها

هو كونها تشكّلت ومارست مهامها ورشُع في تنفيذ توصياتها في ظل نوع النظام السياسي نفسه. وكانت مطالبةً

بتوثيق تفاصيل عنفه، وبتهيئة شروط المصالحة مع ضحاياه، وبالبحث عن تدابير تمنعه من اللجوء إلى العنف

كأداة لتدبير الشأن السياسي. لقد صاحبت «الهيئة» في المغرب سياق الإصلاحات الذي شهده عدد من الأنظمة

السلطوية؛ إذ همّت بتوسيع حرية التعبير والتنظيم والتعددية الحزبية وإجراء انتخابات تشريعية ومحلية. غير

2 Paige Arthur, “How “Transitions” Reshaped Human Rights: A Conceptual History of Transitional Justice,” Human

Rights Quarterly , vol. 31, no. 2 (May 2009). 3 Priscilla B. Hayner, Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions , 2 nd ed. (New York: Routledge, 2011).

تسجِّل بريسيلا هاينر خمس دول عرفت هيأتين للمصالحة. وعلى الرغم من أن أوغندا كانت السبّاقة على المستوى العالمي إلى تأسيس أول

هيئة للبحث في حالات الاختفاء سنة 1975، تلتها هيئة ثانية تشكّلت في أوغندا سنة 1986، فإن هذه التجربة الأوغندية الأولى لم تترك

أثرًا يُذكر على المستوى الوطني أو الدولي. انظر: المصدر المذكور، ص.52

4 للاختصار، سنشير إلى اسم «هيئة الإنصاف والمصالحة» في هذه الورقة تحت عبارة «الهيئة».

5 صنّفتها هاينز، التي تُعَدّ من أكثر الخبرات شهرة في هذا المجال، ضمن هيئات الحقيقة الخمس لأكبر قوّة على الصعيد العالمي. كما شملها

بيير هازان بدراسة مستفيضة في كتابه المتميز حول موضوع الحقيقة والمصالحة: Judging War, Judging History: Behind Pierre Hazan,

Truth and Reconciliation, Translated by Sarah Meyer de Stadelhofen, Stanford Studies in Human Rights (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 2010).

أن هذه الإصلاحات التي أُطلق عليها سلطوية مُلبرَلة)Liberalized Authoritarianism(، لم تمسّ

صلب النظام السلطوي؛ إذ بقي ذلك النظام في يد حاكم مركزي غير منتخب يحتكر القرارات الاستراتيجية،

وتواصل بفضل مؤسسات لا تعرف ممارسة فعلية لفصل السلطات، واستمر في ظل انتخابات لا تهدِّد هذه

الاستمرارية السلطوية. وبذلك، شكّلت تلك الإصلاحات تجربة ميدانية عُدّت متعارضة مع أطروحات

مراحل الانتقال الدّيمقراطي. إن ما يميّز ممارسة العدالة الانتقالية في المغرب هو تركيزها على مسألة عنف الدولة الذي ظلّ موضوعًا

محرَّمًا في «السلطويات»، حتى الليبرالية منها؛ فقد نقلت السلطوياتِ السِّياسيةَ إلى مستويات غير مسبوقة من

الإصلاحات. ووفّرت بذلك مادة نادرة في فهم الدور الذي يؤديه العنف كأداة في التدبير السياسي، ومدى

قدرة السلطوية على تجاوز العنف من دون أن يهدِّد ذلك استمراريتها. وتشكّل معالجة الموضوع من هذه الزاوية

مساهمة ميدانية وتنظيرية في دراسة العلاقة بين حقوق الإنسان كأدوات لتجاوز العنف السياسي، والبحث في

آفاق تحقّقها في غياب الديمقراطية. تركِّز هذه الورقة على العدالة الانتقالية في المغرب، بما هي تجربة تلتقي مع النماذج العالمية في المصالحة مع الماضي

الأليم. كما تركِّز - في الوقت نفسه - على الخاصية المغربية التي تتمثّل في سعي النظام السلطوي إلى تجاوز العنف

في تدبير الشأن السياسي، في إطار ليبرالية دون ديمقراطية. وتُطرح هذه الإشكاليات تحت العناوين التالية (ولا

حاجة بنا إلى تكرار فكرة أن جميع تلك العناوين تحيل بشكل أساس على الحالة المغربية، على الرغم من سعيها

إلى وضع هذه التجربة في سياقها العالمي): العنف في مرحلة ما قبل السلطوية الليبرالية؛ خصائص المصالحة؛

المصالحة في ظل السلطوية المُلبرلَة؛ التّأصيل النّظري للعدالة الانتقالية؛ الجدل السياسي والنظري بشأن المصالحة؛

المصالحة وتفكيك العنف السياسي في ظل السلطوية المُلبرلَة.

أولا: العنف في فترة ما قبل السلطوية المُلبرلَة

لم يكن العنف الذي تمارسه الدولة في المغرب على مواطنيها موضوع جدل سياسي داخلي، إلى حدود سنة 1989؛

إذ كانت الدولة تنكر هذه الممارسة، أو تبرِّرها. كان العنف يمُارَس في سرية. وعلى الرغم من أن ضحايا عنف

الدولة وأقرباءهم والتيارات السياسية الموالية لهم على الصعيدين الوطني والدّولي، كانت قوى تعمل على فضح

ممارسات الدولة، فإن الدولة كانت تقابلها با الّمبالاة. وكان ذلك موضوعًا للشائعات، ينحصر الحديث عنه في

نقاشات الفضاءات الخاصة. كان عنف الدولة يبرَّر على أنه وسيلة ضرورية وناجعة لحماية الوطن من أعدائه،

ولضمان الاستقرار الضروري للدولة والمجتمع.

6 هناك مصطلحات متداولة في الأدبيات السياسية تُطلَق على الأنظمة السلطوية التي شهدت إصلاحات مرتبطة بتوسيع الحريات،

ولكنها احتفظت باحتكارها للسلطة السياسىة. من بين هذه المصطلحات «الأتوقراطية الم» لَبرة Liberalized Autocracy) (استعملها

دانييل برومبروغ، ومصطلح «السلطوية المرقّاة» Upgraded Authoritarianism) (وظّفها ستيفن هايديمان. غير أنني أعتبر أن الأتوقراطية

باعتبارها تركز على الطبيعة الفردية للحكم لا تنطبق على النظام المغربي. كما أن مصطلح السلطوية المرقّاة لا يعكس الأدوار التي

أدتّها الإصلاحات الليبرالية في ظل السلطوية في خلق ديناميات مجتمعية متميزة من السلطوية التقليدية. انظر: Daniel Brumberg,

“ Liberalization Versus Democracy,” in: Thomas Carothers and Marina Ottaway, eds., Uncharted Journey: Promoting Democracy in the Middle East, Global Policy Books (Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 2005), pp. 15-35, and Steven Heydemann, “Upgrading Authoritarianism in the Arab World,” (Analysis Paper; no. 13, Saban Center for Middle East Policy at the Brookings Institution, October 2007). 7 Anthony J. Langlois, “Human Rights without Democracy? A Critique of the Separationist Thesis,” Human Rights Quarterly, vol. 25, no. 4 (November 2003).

ولم تجعل السياقات الوطنية ولا الإقليمية ولا الدولية من العنف السلطوي مشكلة سياسية كبيرة للدولة؛ فالرقابة

المتشدِّدة والفعّالة كانت تمنع الممارسات العنيفة للدولة من أن تتحوّل إلى موضوع متداول تداوالً واسعًا في

المجال العمومي. كما أن المبرِّرات الرسمية للتعامل القمعي مع المعارضة تبدو منسجمة مع الإطار الأيديولوجي

الذي تشتغل الدولة في إطاره، ذاك الذي يعتمد على أولوية الاستقرار السياسي الذي تسعى الدولة إلى ضمانه،

ومواجهة الأعداء الخارجيين، واعتبار العنف أداة مقبولة في تدبير الشأن السياسي. ولم يكن هذا التصوّر مختلفًا

عامّ كان متداواَلً بشكل واسع على مستوى المنطقة العربية، بل والعالم الثالث بصفة أعمّ. وعلى المستوى الدولي،

لم تعط القوى الكبرى أهمية تُذكر للعنف السلطوي بما هو مشكلة، بل عُدّ جزءًا من التدبير السياسي الذي يخدم

مصالح القوى السياسية في ظلّ الحرب الباردة. لكن، على الرغم من كون هذه الصورة العامة كانت هي السائدة، فإن العنف الذي تمارسه الدولة ظلّ يطرح

إشكالات؛ فعلى المستوى الوطني، مثّل العنف ثغرة في مبدأ إجماع جميع أفراد الأمّة على القبول بالنظام القائم،

على الرغم من سعي الدولة إلى تبريره. وعلى المستوى الإقليمي، كان هناك تمييز في تقييم العنف بحسب نوع

الأنظمة السياسية في الجدل السياسي، على الرغم من أن العنف كان يُعَدّ وسيلة مقبولة في ممارسة السياسة.

وكان التقسيم الأكثر رواجًا في الساحة الفكرية هو الذي يميّز بين أنظمة تابعة للغرب ومرتبطة بالتقاليد ما قبل

الحداثية، وأنظمة مستقلّة عن الغرب، ولا تتردّد في الدخول في مواجهات علنية وقوية معه، وتتبنّى خيارات

سياسية تستمد أفكارها وبرامجها من مراجع حديثة، لكنّها - في الوقت نفسه - كانت حداثة اشتراكية متعارضة

مع الحداثة الرأسمالية. وفي إطار هذا التقسيم، كان عنف الأنظمة الموالية للغرب (وكانت تُنعَت بالرّجعية)

يُطرح باعتباره استمرارًا لعنف الغرب الاستعماري، بينما كان عنف الأنظمة الاشتراكية (تُعتبر أنظمة تقدّمية)

يُعدّ امتدادًا لعنف حركات التحرّر. ومن هذا المنظور، كانت الملكية المغربية تصنَّف على غرار مثيلاتها في العالم

العربي، ضمن الأنظمة الرجعية. وكان عنفها يفتقر إلى هذا البُعد من مشروعية عنف المقاومة، أو عنف النضال،

الذي كان يُعَدّ مقبوالً في الثقافة السياسية السائدة وقتها. أمّاعلى المستوى الدولي، فعلى الرغم من أن مناخ الحرب الباردة كان يوفِّر الغطاء الأيديولوجي لممارسة العنف

السلطوي، فإنه لم يكن كافيًا على المستوى الفكري لتبرير تناقضاته مع مقوِّمات الليبرالية. وبعد نهاية حرب فيتنام،

سعت أميركا إلى بلورة أطروحة تمنح سياستها الخارجية نفَسًا جديدًا ترمِّم به هزيمتها العسكرية والأخلاقية في

جنوب شرق آسيا. وفي هذا الإطار، تبنّت إدارة كارتر حقوق الإنسان كمرجعية في تحديد علاقاتها الخارجية.

ومع أن الإدارات الأميركية لم تنضبط لهذه المرجعية، ووظّفتها بالأساس في خدمة الحرب الباردة، فإن مبادرة

كارتر ساهمت في أن تتحوّل حقوق الإنسان تدريجيًا إلى ضوابط تُقاس في ضوئها السياسات التي تتّبعها الأنظمة

عبر العالم، بما فيها السلطويات الحليفة للغرب. ونتيجةً لهذا التوجّه الجديد، أصبح النظام المغربي مُطالَبًا بأن يقدِّم

أمام الإدارة الأميركية والمجتمع الدّولي تفسيرات للعنف الذي يمارسه ضدّ مواطنيه، والذي أصبح يعرَّف على

أنه انتهاكات لحقوق الإنسان.

ثانيًا: خصائص المصالحة في المغرب

طرأت تغييرات على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية، هيأت كلّها ظروف التّغيير في ممارسة الدولة

للعنف، وفي تعاملها مع ماضيها العنيف.

ولقد أدّى سقوط الاتحاد السوفياتي - على المستوى الدولي - إلى وضع حدٍّ للحرب الباردة، وللحسابات

السياسية التي كانت تحدِّد العلاقات الدولية وقتها. ولم يعد عنف السلطويات قابالً للتبّرير من منطلق محاربة

الشيوعية. أمّا على المستوى الإقليمي، فقد فقدت الأنظمة التي كانت موالية للمعسكر الشرقي حلفاءها الأقوياء

في السابق. وعلى الرغم من أن هذه الوضعية الجديدة أضعفت خصوم السلطويات «الرجعية»، فإن تلك

السلطويات أصبحت مطالَبةً بأن تتصرّف بطريقة مخالفة للسلطويات الاشتراكية، وغير متعارضة مع الأفكار

الليبرالية في مجال حقوق الإنسان. وقد هيأت هذه التحولّات لبروز السلطوية المُلبرلَة التي شكّلت تحواّلً في

مقاربة النظام السلطوي لمسألة العنف السياسي. ومع التّشابه في هذه العوامل الخارجية التي شهدتها الأنظمة كلها، فإن السياقات الداخلية هي التي أطّرت

الكيفية التي حدّد بها كلّ نظام على حدة مستوى ممارسته للعنف، ودبّر بها إرثه العنيف. وكان أبرز معالم السياقات المغربية في هذا المجال مرتبط- من جهة أولىًا - بتصوّر الملك الحسن الثّاني للكيفية

التي يرغب في أن يُنهي بها حكمه، و يهيئ بها انتقال الحكم إلى وارثه. كما ارتبطت - من جهة ثانية - بالتطوّر

الذي عرفته المعارضة بفصائلها المتعدّدة، وحصل لدى معظمها الاقتناع بقدرة النظام القائم على الحفاظ على

مقوِّماته، واستعداده المبدئي- في الوقت نفسه - بالسماح للمعارضة بالمشاركة في تدبير الشأن العام. وعلى الرغم

من أن هذا الاستعداد لم يوحِ بمبادرة النظام إلى تحوّل ديمقراطي عميق، فإنه لم يكن يقفل الباب كلّيةً في وجه

إمكانات مغرية لتطوير الملَكية المغربية ووظائفها وأساليبها في الحكم. وقد تعلّقت السياقات الداخلية للمغرب

- من جهة ثالثة - بحصول قناعة مشرتَكة بين النظام السياسي والمعارضة اليسارية خاصة، بالتحالف لمواجهة

الأصولية الدينية المعارضة التي أصبح يُنظر إليها باعتبارها الخطر الأكبر الذي يهدِّد مستقبل البلاد. وكان هذا

المسار يحظى بدعم القوى الكبرى التي أصبحت في حقبة ما بعد الحرب الباردة تعدّ الأصولية الإسلامية عدوّها

الأساس على الصعيد الدولي. كان تدبير السلطوية للعنف السياسي يشمل شقنّيْ: ارتبط الشق الأول في المغرب- مثلما كان الأمر بالنسبة إلى

باقي السلطويات الم -ُلبرلَة بتبنّي مرجعيات من القانون الدولي، تضع ضوابط قانونية لعنف الدولة، وختُضِع

هذه الممارسات لمساءلات في منتديات دولية. لم تضع هذه التّدابير حدًّا لعنف الدولة، إالّ أنها أشاعت مناخًا

جديدًا يتّسم بتوفير فرص أكبر للتعريف بحالات العنف وتوثيقها والكشف عن تفاصيلها بشكل يختلف عن

السابق، لما كان عنف الدولة يجري بسرّية حتُّرِّر مرتكبيه من أي ضوابط قانونية أو أخلاقية أو عقلانية. إذن،

كان همّ هذا الشق الأول السلطويات كلها. لكن الشقّ الثاني - المتمثِّل في شق الحقيقة والمصالحة، وهو يعني

اعتراف الدولة بماضيها العنيف وسعيها إلى تحقيق المصالحة بينها وبين ضحاياها - لم يتبنّه إالّ عدد محدود من

الدول، كانت إمّا أنظمة ديمقراطية تراجع ماضيها، وإمّا سلطويات تعيش مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية.

وعلى الرغم من أن النظام السياسي المغربي لا يندرج في هذين التصنيفنيْ، فإنه جرّب مقاربة الحقيقة والمصالحة

في تدبير العنف السياسي. ولذلك، يُعَدّ المغرب حالة فريدة ضمن ممارسات الحقيقة والمصالحة في العالم لنظام لم

يكن يشهد تحولّات مؤسساتية مهمّة، على غرار حالة جنوب أفريقيا، ولم يعش فترة حرب أهلية دموية على غرار

البيرو أو رواندا، ولم يواجه أزمة مشروعية حادّة كما هي الحال بالنسبة إلى السلطويات العسكرية اللاتينية، ولم

يتعرّض لهزيمة عسكرية مدمِّرة أو مُذِلّة كما حصل بالنسبة إلى الأرجنتين.

في غياب هذا السياق الذي ارتبط بتجارب المصالحة على المستوى الدولي، تُظهِر حالة المغرب التحوّل الحاصل

في تصوّر السلطوية المغربية الاستراتيجي لمستقبلها السياسي في ظل نهاية الحرب الباردة، وفي بحثها عن بدائل

للعنف كوسيلة لتدبير الشّأن السياسي، مع المحافظة على ركائز النظام الملكي. وتبرُز هذه الخصائص في النقاط

الست التالية: - تلتقي الممارسة المغربية مع فكرة العدالة الانتقالية على المستوى العالمي، في كونها عُدَّت مقاربة بديلة للعدالة

الجنائية، وأنها بذلك لم تؤدِّ إلى محاسبة ا الجّدين على غرار جلّ تجارب العدالة الانتقالية في العالم. - غير أن تلك التجربة في المغرب تتميّز بالتدرّج، الذي لا يبدو أنه كان نتاجًا لاستراتيجيا مخطَّط لها منذ البداية،

بقدر ما كان يع عن مسايرة متقلِّبة تتميز بالبراغماتية واللّيونة. ومرّ ذلك التدرّج بمراحل متميزة خلال 14

سنة؛ إذ ابتدأ في سنة 1989 بإصدار العفو على المعتقَلين السياسيين، ولا يزال يشهد - حتى الآن - تفعيل

توصيات التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة. - في ظل هذه المقاربة الليّنة، كان هناك أهداف تسعى الدولة إلى تجنّبها. وقد حرصت على إيجاد إطار مؤسسّي

وطني، يجنِّبها تدويل معالجة العنف الذي مارسته، ويوفِّر لها الدّعم المحيلّ في مقاربتها الجديدة. وقد شك ل

المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الإطارَ الملائم الذي اختارته لهذا الغرض. وكان هذا الإطار يهدف أيضًا

إلى جعل المقاربة تبدو خيارًا ملكيًا لا تعبيرًا عن رضوخ سياسي لضغوط دولية أو محلية. - كما أنها حرصت على الرتّكيز على مقاربة العدالة التّعويضية كبديل من العدالة الجنائية. وتميّزت التجربة

المغربية بسبقها البارز في هذا المجال على الصعيد الدولي. - بيد أن هذا التميز لم يعن التخيلّ نهائيًا عن مسار العدالة الجنائية؛ إذ لم يصدر في المغرب عفو عن ا الجّدين،

واحتُفِظ بحقِّ الضحايا في متابعة جالّديهم عن طريق القضاء. - على عكس تجربة جنوب أفريقيا التي اعتمدت طقوسًا دينية في معالجتها لماضيها العنيف، كانت المقاربة المغربية

علمانية بامتياز. ولم تجر الإشارة إلى بعض المفاهيم الدّينية إالّ بشكل عابر، أكان ذلك في عرض لجنة التّعويض، أم

في الخطابين الملك نيْ اللّذين افتتح بهما الملك أعمال «هيئة الإنصاف والمصالحة» واختتمها بهما.

ثالثًا: المصالحة وخصوصيات النظام السياسي المغربي

كان سياق المصالحة في المغرب مختلفًا عن السياقات التي أفرزت التجارب المؤسِّسة في هذا المجال؛ فعنف الدولة

في المغرب لم يكن نتيجة للحرب الأهلية التي تندلع في ظل الدولة الفاشلة، بل يُعَدُّ نموذجًا للعنف المؤسساتي

المرتبط بسلطوية الدولة القوية، باستثناء عنف بدايات الاستقلال. ولم يشهد المغرب أزمة سياسية كتلك التي

عرفتها السلطوية العسكرية في الأرجنتين مثالً، أو النظام العنصري في جنوب أفريقيا. إذا كانت سياقات المصالحة في الحالات السابقة هي الهزيمة العسكرية أو الأزمة السياسية، فإنها تمثّلت في حالة

المغرب في ترسيخ مشروعية النظام على أساس جديد يسعى إلى التبرّؤ من العنف. وتلك السياقات لم تنطلق

8 Marguerite Rollinde, Le Mouvement marocain des droits de l’homme: Entre consensus national et engagement citoyen , préf. d’Abderrahim Berrada, Hommes et sociétés (Paris: Éd. Karthala; Saint-Denis: Institut Maghreb-Europe,

9 انظر التّعريف الذي يعطيه برومبورغ للدولة القوية، وتصنيفه للمغرب كدولة قوية: Daniel Brumberg and Dina Shehata,

«Introduction,» in: Daniel Brumberg and Dina Shehata, eds., Conflict, Identity, and Reform in the Muslim World: Challenges for U.S. Engagement (Washington, DC: U.S. Institute of Peace Press, 2009), pp. 1-41.

بسبب أزمة، بقدر ما كانت تع عن تصوّر سياسي يسعى إلى تجاوز العنف كوسيلة بديلة لتدبير السياسة.

ويمكن قراءتها على أنها نموذج للتحديث السياسي الذي يروم عقلنة العلاقة بين الدولة والمجتمع، والتخيلّ

عن الترهيب والتخويف والتعذيب البدني؛ وهي أساليب توظِّفها السلطويات بغية تنحية المعارضة وإضعافها

والاحتفاظ باحتكارها للعنف. لكنّنا نجد هذا البُعد - – بطريقة أو بأخرى ضمن مقوّمات السلطوية المُلبرلَة.

وما يميّز المصالحة هو أنها لا تتوقّف على البحث عن وسيلة بديلة للعنف، بل تقوم بالاعتراف بماضيها العنيف،

وتطرحه للنقاش العمومي، وتفسح المجال للضحايا للتّعبير عن معاناتهم، وتسعى إلى المصالحة معهم. وجميعها

خصائص لم تمارسها أي من السلطويات المُلبرلَة، باستثناء المغرب.

رابعًا: التّأصيل النّظري للعدالة الانتقالية

حتّى تؤصِّل المصالحة في المغرب ممارساتها، اعتمدت على النقاط التالية: عودة الوعي؛ إصلاحات المستبدّ

العادل؛ ضرورات التّنمية؛ الوعد بالانتقال الديمقراطي. - عودة الوعي: في البداية، مثّلت المصالحة خلال فترة حكم الملك الحسن الثاني لحظة عودة الوعي لدى الحاكم

المستبد، الذي يعترف بأنه مارس العنف، لكنّه يرى أن له الحق كملك في أن يرتكبه؛ إذ هو داخل في نطاق مجاله

المحفوظ، وهو «حديقته السرية». إالّ أن الملك لم يعدّ تلك الممارسات العنيفة أخطاءَ ارتكبها هو، بقدر ما عدّها

إجراءات كانت تمليها ضرورات السياسة في مواجهة المخاطر التي تهدِّد الوطن والنظام والاستقرار. والمسؤول

عنها ليس شخص الملك نفسه، بل المحيطون به الذين كانوا محلّ ثقة لم يكونوا أهالً لها. هذا هو الخطأ السياسي

الذي يعترف به الملك، لكنّه يطرحه باعتباره نتيجة لاختياره اقتسام السلطة مع معاونيه، ولتردّده في معاقبتهم

بحزم عوض التسامح معهم، أي إن الخطأ السّياسي الذي يعترف الحسن الثاني بارتكابه كان متمثِاّلً في تسامحه

وضعف نزعة احتكار السلطة لديه. - إصلاحات المستبد العادل: ارتبطت المصالحة برزنامة الإصلاحات التي قادها ملك جديد ذو تصوّرات

جديدة لكيفية تدبير الملْك. وكانت الوسيلة التي وقع بواسطتها تأصيل العدالة الانتقالية في المغرب هي وضع

تجربة الهيئة في إطار الإصلاحات السياسية التي شرع المغرب في بلورتها منذ وصول الملك محمد السّادس إلى

الحكم، وهي الإصلاحات التي عُنيت خصوصًا بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المرأة. - ضرورات التنمية: تهدف معالجة الماضي العنيف إلى تحقيق الشروط السياسية الملائمة للتنمية الاقتصادية، عن

طريق التصالح مع الماضي. وقد عُدّت الانتهاكات سببًا من أسباب غياب التعبئة المجتمعية للمشاركة السياسية،

ونُظر إليها باعتبار أنها كانت تشيع أجواء التوتّر تجاه الدولة وتدعو إلى الخوف منها، وهي كلّها عوامل غير

مساعِدة على توفير مناخ التنمية الاقتصادية. - الوعد بالانتقال الديمقراطي: عُدّت التجربة غير منحصرة في المصالحة مع الماضي فحسب، بل ممتدة كي تهيئ

لشروط الانتقال الديمقراطي؛ فلقد مثّل المغرب حالة استثنائية ضمن تجارب العدالة الانتقالية، لأنه بادر إلى

10 هذه اسنتاجات مستخلصة من دراسة نصوص خطب الحسن الثاني واستجواباته الصحافية، من سلسلة انبعاث أمّة. انظر: ذاكرة

ملك: الحسن الثاني: أجرى الحوارات إيريك لوران، ط 2 ([جدة]: الشركة السعودية للأبحاث والنشر، 1993)، ص 99-91؛ والحسن

الثاني، ملك المغرب، انبعاث أمة (الرباط: مطبوعات القصر الملكي، [د. ت.])، ج 17 (1972)، ص 233، 242 و-255 256، ج 29

(1984)، ص 83 و 279، ج 36 (1991)، ص 5 و 174، ج 37 (1992)، ص 8، 69 و 218، وج 38 (1993)، ص 205 -.210

معالجة ماضيه العنيف في ظل النظام السياسي نفسه. فالملك الذي جرت في عهده تجربة معالجة الماضي العنيف،

هو وارث المُلك من سلفه، أي من والده الذي وقعت في عهده الانتهاكات. وعلى الرغم من الإصلاحات

الليبرالية التي تبنّاها الملك الجديد في مجالات المرأة والمسألة الأمازيغية والليبرالية السياسية، فإن دعائم النظام

السياسي لم تعرف أي تغيير مؤسَّساتي. ومع ذلك، فإن تجربة «هيئة الإنصاف والمصالحة» قُدِّمت على أنها تهيئ

للانتقال الديمقراطي. لم تكن عملية المصالحة - بما هي علامة تحوّل في النظام السلطوي الذي يسعى إلى التحديث السياسي والاقتصادي

- كافية لتعبئة عناصر اليسار ودفعهم إلى الانخراط فيها، حتّى عندما تصل تلك المصالحة إلى مستوى إطلاق

المعتقَلين وتطبيق معايير العدالة التعويضية؛ إذ كانت تتطلّب في الوقت نفسه إعطاءها بُعدًا إصلاحيًا أوسع،

يتمثّل في الوعد بتحقيق تغييرات مؤسساتية. وقد عكس محتوى هذه التغييرات وتوقيتها البراغماتية السياسية

التي طبعت فصائل واسعة من اليسار، بما فيها اليسار الراديكالي. كانت معالم هذه البراغماتية تتمثّل أولا في

اعتراف اليسار بضعفه وعدم تمكّنه من أن يكون قوّة قادرة على التعبئة المجتمعية الواسعة، وتتمثّل ثانيًا في

الاقتناع بصلابة ترسّخ الملَكية كمؤسّسة وثقافة في البيئة المغربية، وتتمثّل ثالثًا في تبنّي خيار التّغيير، في ظلّ

توازن القوّة القائم على الدِّفاع المتدرِّج عن مبادئ حقوق الإنسان بما هو إطار غير راديكالي، ولكنّه ممكن لتحقيق

التّعايش والمصالحة بين اليسار والملكية، بل وتحقيق التّحالف بينهما في مواجهة تحدِّيات فترة المدّ الأصولي.

خامسًا: الجدل السياسي والنظري بشأن المصالحة

ارتكز الدِّفاع عن مقاربة المصالحة على البراغماتية السياسية في معالجة مخلَّفات الماضي، وعلى الوعد بتحقيق

انتقال ديمقراطي في المستقبل، وتهيئة شروط تحقّقه التدرّجي. وفي مقابل ذلك، أثار معارضو المقاربة المغربية

للإصلاح انتقادات تلتقي في عدد من نقاطها مع الانتقادات التي تُوجَّه إلى المصالحة على المستوى العالمي، كما

أثاروا انتقادات أخرى لا تهمّ إالّ الحالة المغربية بشكل خاصّ. وظهرت تلك الانتقادات في شكل مقالات

صحافية وكتابات أكاديمية وبلاغات وتقارير لمنظّمات حقوقية مغربية ودولية. وطرحت فكرة أن المصالحة

والعدالة التعويضية تتعارضان مع مبادئ العدالة الليبرالية، وتهدفان أساسًا إلى شرعنة الاستبداد لا إلى تهيئة

الانتقال الديمقراطي، وأهنمّا تعكسان تصوّرات مثالية متعارضة مع الفكرة الجوهرية للسياسة. ولقد رأى المنتقدون في تغييب المتَّهمين بممارسة عنف الدولة عن المساهمة في النقاش العمومي بشأن ماضي

المغرب الأليم، وحمايتهم من المحاكمة أو المحاسبة الأخلاقية العلنية، إفلاتًا للجالّدين من العقاب. كما رأوا في

غياب المحاكمات تعارضًا مع مبادئ العدالة الليبرالية التي لا يمكن أن تبرَّر بحسابات البراغماتية السياسية. ثمّ

إن العدالة التعويضية لا يمكنها أن تُقبل بديالً من العدالة الجزائية، التي هي وحدها الوسيلة المشروعة لضمان

تحقيق مبدأ العدل، وحصول اقتناع كبير لدى الضحايا بتحقّقه. إن الجزاء - لا المصالحة - هو الركن المركزي

للعدل في مفهومه الليبرالي. وبدائله ليست إالّ وسائل مرفوضة من الناحيتين القانونية والأخلاقية. ولا تتعدّى

نتائج المصالحة في نهاية الأمر تبرير ا الّعدل الذي لا يمكن تبنّيه انطلاقًا من حسابات البراغماتية السياسية غير

المقنعة البتة؛ ذلك بأن ليس ثمة دلائل مقنعة على أن تقديم المسؤولين إلى المحاكمات يمثِّل خطرًا فعليًا على

11 «Morocco’s Truth Commission: Honoring Past Victims during an Uncertain Present,” Human Rights Watch , vol. 17, no. 11 (November 2005), and Patricia J. Campbell, “Morocco in Transition: Overcoming the Democratic and Human Rights Legacy of King Hassan II,” African Studies Quarterly, vol. 7, no. 1 (March 2011).

استقرار النِّظام السياسي وضمان مسار الإصلاحات، وأنهم لا يشك لون بحقّ معارضة متمتِّعة بقدرة كافية على

وقف مسار المحاكمات أو تغيير النظام القائم. إذا كان هذا الشقّ الأول من انتقادات المصالحة في صيغتها المغربية يتردّد بشكل واسع في الكتابات المعارضة

للمصالحة وللعدالة الانتقالية على الصعيد العالمي، فإن الشقّ الثاني يبُرز لنا الخصائص المميزة للحالة المغربية. لا تتوقّف هذه الانتقادات على الكيفية التي مورست بها العدالة التعويضية وتقنيات إجرائها، بل تركِّز كذلك على

إفراغها من بُعدها الحقوقي. وتقرأها على اعتبار أنها أيديولوجيا ختُفي حقيقة الاستمرار الفعلي لنظام سلطوي لا

يتغير، وأنها مكوِّن لسياسات تقدَّم في الظاهر كإصلاحات، بينما هي ليست في الواقع العميق غير خدع سياسية

تسعى إلى تجميل الاستبداد. ورأت هذه الانتقادات أن فصائل المعارضين السابقين التي انخرطت في عملية

المصالحة ليست إالّ ضحايا الخدع السياسية التي يتقنها نظام سياسي تقليدي يراكم قرونًا من التجارب في هذا

المجال ويوظِّفها في احتواء معارضيه. بل إنها ذهبت في بعض هذه الكتابات إلى التشكيك في نزاهة المساهمين في

تلك التجربة، بالنّظر إلى ما حصلوا عليه من منافع مادية ثمنًا لتبنّيهم خيار المصالحة الخادعة. وما أعطى هذا النوع من الانتقادات صدى أكبر في المغرب، مقارنةً بما حصل في دول أخرى، هو أن المصالحة

مع الماضي الأليم حدثت بشكل استثنائي في المغرب، في غياب تغييرات موازيةٍ مهمة على مستوى المؤسسات

والنخب السياسية الحاكمة. لا شك في أن الكتابات المتأثِّرة بمقاربات «المصطنع والاصطناع»، توفِّر إمكانات نظرية مغرية لإغناء قراءة

الظاهرة السياسية. لكنّها تسمح - في الوقت نفسه - بحرّية مطلقة للمحلِّل في أن يؤوِّل الحوادث في غياب

أدوات المراقبة المنهجية والتّمحيص في قيمة التّوثيق. وتضعف القيمة التنظيرية لهذه النصوص، عندما تغلب

عليها أولوية تصفية الحسابات السياسية على هاجس تعميق فهم خدع السياسة. عندما نُخرج الجدل في هذه القضايا من نطاق المواجهة الأيديولوجية بين فاعلين متنافسين، تتمثّل أولوياتهم

كلها في تحقيق أهداف سياسية، فإنّنا نبقى أمام سؤالين مركز نيْ: هل تمكّنت المصالحة التي تنبني على البراغماتية

السياسية من تحقيق إنجازات غير متعارضة مع فكرة العدالة بمفهومها الليبرالي؟ وإذا لم تقدِّم العدالة العقابية -

باعتبارها أحد المقوِّمات الرئيسة للعدالة الليبرالية - نماذج مقنعة ميدانيًا حتى الآن في التعامل مع عنف الدولة،

فما هي آفاق تحقّقها مستقبالً في صيغتها القائمة الحالية؟ لقد تمكّنت المصالحة من تحقيق إنجازات لا يمكن إنكارها، أكان في المغرب أم على الصعيد العالمي. وتتطلّب

قيمة هذه الإنجازات التركيز على كلّ حالة على حدة. ويرتبط بعض أبعاد هذه المصالحة بما حقّقه بالنسبة إلى

الضحايا كأفراد، سواء على المستوى المادّي أو على المستوى المعنوي. كما ترتبط أبعادها الأخرى بانعكاسها

على المستوى الوطني الأشمل، بما هي تحقيق لشروط الانتقال الديمقراطي السِّلمي، أو تهيئة لأحوال التعايش

بين طوائف إثنية أو سياسية بعد فترات الحروب الأهلية الدموية. وبالنسبة إلى حالة المغرب، لا يُعدّ ما حقّقته

العدالة الانتقالية من إنجازات بالنسبة إلى الضحايا كأفراد على المستويين المادّي والمعنوي، محلّ خلافات جذرية،

وذلك على الرغم من أن أهمّ الانتقادات في هذا المجال تهمّ حجم التعويضات الممنوحة للضحايا، وعدد الذين

12 انظر مراجعة لمقارنة هذا العهد: عبد الحي مودن، «التّغيير السِّياسي في المغرب بين أطروحتي الإصلاح والتّمويه،» وجهة نظر

(المغرب)، العدد 31 (2007)، على الموقع الإلكتروني: <http://www.ribatalkoutoub.ma/index.php?option=com_content&vie

w=article&id=25:lautrefacedepolituquemaroc&catid=50:lecture&Itemid=18>.

13 جان بودريار، المصطنع والاصطناع، ترجمة جوزيف عبد الله؛ مراجعة سعود المولى (بيروت: المنظّمة العربية للرتّجمة،.)2008

يستحقّون تعويضات مماثلة، ونوعية الخدمات التي توفَّر ضمن جبر الرضّر المعنوي، وهي كلّها انتقادات لا تمسّ

مقاربة المصالحة في جوهرها، بما هي تقويم سياسي للعملية. وتزداد إنجازات العدالة الانتقالية أهمية في مجال مساءلة جرائم الدّولة؛ إذ تبقى مبادئ العدالة الليبرالية

غايات مثالية لم يتحقّق منها عمليًا إالّ حالات محدودة جدًّا؛ فمقابل ما يناهز سبعين مليونًا من ضحايا جرائم

الدولة، لم يحاكَم من رؤساء الدول المتَّهمين بارتكاب تلك الجرائم ولم تنفَّذ في حقِّهم الأحكام الجزائية،

إال 17 رئيسًا فقط. ولا يبدو أن هذا الواقع سيعرف تغييرًا يُذكر في ظل السياقات السياسية الحالية أو

المتوقَّعة في أفق قريب. غير أن المسألة التي يصعب الجزم بشأنها تتعلّق بمدى مساهمة هذه المصالحة في إفشال تطوّر محتمَل مستقبالً

نحو تطبيق العدالة العقابية؛ بالنّظر إلى أنها ساهمت في إفلات ا الجّدين من العقاب، بإسراعها إلى المصالحة بين

الضحايا ودولتهم الظالمة. ومع أنه كان من الصّعب تقدير عدد ا الجّدين الذين كان من المحتمَل معاقبتهم لولا

تجربة العدالة التعويضية، فإن هذه التجارب لم تمنع - في بعض الحالات - من اللّجوء إلى العدالة العقابية عندما

توافرت شروطها السياسية؛ ففي حالات الأرجنتين مثالً، قُدِّم إلى المحاكمة متَّهمون بارتكاب جرائم الدولة،

وذلك بعد سنوات من تطبيق تجربة المصالحة، ونُفِّذت في حقِّهم الأحكام. تؤكِّد هذه الحالات، على قلّتها، عدم وجود تعارض- على مستوى الممارسة - بين العدالتين التعويضية والجنائية.

وعلى المستوى النظري، لا يبدو التعارض بين المقاربتنيْ للعدالة من دون مخرج؛ إذ توفِّر المقاربة التي يطرحها أمارتيا

سِن لمفهوم العدالة مرجعًا نظريًا في غاية الأهمية بالنسبة إلى هذا الموضوع. وهو يقترح تجاوز الأطروحات السائدة

بشأن العدالة، تلك التي تعتمد على منظور فلاسفة الأنوار، وممثِّلهم في العصر الراهن هو الفيلسوف جون رولز.

فقد بقيت - بحسب س - مثالية متعارضةً مع الواقع المعيش. إن الأولوية في تعريف العدالة وتقويمها ترتبط ن

بتقييم المنجزات الاجتماعية التي تتحقّق فعالً، بدالً من الاقتصار على تصوّر المؤسّسات وعلى الرتّتيبات غير الممكنة

التحقّق على أرض الواقع؛ تلك التي تسعى إلى ضمان العدالة الكاملة والمطلَقة على المستوى النظري. إن العدالة،

بحسب سِن، ليست مرتَبة كاملة مجرّدة يجب أن نطمح إلى تحقّقها في عالم غير تاريخي كما يقدِّمها رولز، ولكنّها

سلسلة من الممارسات ومن الإصلاحات غير الكاملة، التي نقوم بها في واقع موجود في الحاضر. وتوفِّر مقاربة سِن

مدخالً جديدًا لإعادة النظر في علاقة العدالة الانتقالية بفكرة العدالة الليبرالية، وذلك انطلاقًا من صُلب فلسفة

الحق الأنوارية. ومن هذه الزاوية، لايصبح تقويم قضايا المصالحة وجبر الرضّر الفردي والجماعي وجلسات

الاستماع إلى الضحايا، إجراءات تنطلق من مدى التطابق مع فكرة العدالة المثالية، بل يصير دورها متمثِاّلً في تقليص

الظّلم على المستوى الميداني اعتمادًا على ما أُنجز عمليًا. ولا تكمن أهمية ما أنجزته العدالة الانتقالية من هذا المنظور

في ما تَعِد بتحقيقه مستقبالً، خصوصًا أهنّا تسعى إلى أن تحقِّق العدالة الكاملة دونما تمكّنٍمن ذلك، بل هي تتمثّل في

مساهمة ما تطبِّقه عمليًا على أرض الواقع في التّقليص الفعلي للظّلم. ولقد وُجِّه الصّنف الأخير من انتقادات المصالحة من منطلق النظرية السياسية؛ ففي وقت كانت تتبلور فيه فكرة

المصالحة، هناك من عدّها متناقضة مع جوهر السياسة نفسها، وقدَّر أهنّا غير ممكنة التّحقّق على المستوى السياسي،

14 Robert Meister, After Evil: A Politics of Human Rights , Columbia Studies in Political Thought/Political History (New York: Columbia University Press, 2011), p. 318. 15 Ellen L. Lutz and Caitlin Reiger, eds., Prosecuting Heads of State (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2009), pp. 12-14. 16 Amartya Sen, The Idea of Justice (London: Allen Lane, 2009).

وأنها تبقى فكرة مثالية. وفيما تسعى المصالحة إلى الشِّفاء وبثّ التّناغم والإجماع والتوحّد، تتّجه السياسة نحو

الخلاف والِّاع والتعدّد. إن السياسة تنبني فعالً على التنافر بين أطراف غير متّفقة، وهوما يسمّيه كارل شميت «التّنافر بين العدو

والصديق». ومن هذا المنظور، لا يمكن تصوّر وحدة سياسية في غياب هذا التنافر. بيد أن الانتقاد الذي

يوجَّه إلى المصالحة على اعتبار أنها متنافية مع السياسة، ينطلق من أن المصالحة تعني نهاية التنافر تمامًا. وهي قراءة

غير دقيقة؛ تتبنّى تصوّرًا مثاليًا للمصالحة، ولا تنتبه إلى الكيفية التي متُارس بها على أرض الواقع. إن المصالحة

عندما تُقدَّم على أنها تشكِّل نهاية التنافر السياسي، لا تكون إالّ أيديولوجيا لتسويق المصالحة. غير أن التّنافر لا

ينتهي خلال عملية المصالحة؛ إنّه يستمر، لكنّه يتّخذ أشكاالً وأساليب جديدة، ويعتمد على تحالفات جديدة. يمكن لهذا التّأويل أن يشكِّل أيضًا قراءة نقدية لأطروحة شميت التي لا تعترف بأن الأطراف المتجابهة سياسيًا

يمكنها أن تدافع عن مصالحها من منطلق أيديولوجيات التعاون والتضامن والسِّلم، بالقدر نفسه الذي تنطلق

فيه من مفاهيم الصراع والعداء والمواجهة؛ ذلك أن هذه التّوظيفات ترتبط بالسياقات التاريخية والسياسية

والفكرية التي تتبلور فيها، أكثر من أن تلتصق بمفهوم للسياسة قارٍّ ودائم ومتأصِّل.

سادسًا: المصالحة وتفكيك العنف السياسي

توفِّر الحالات التي مورست فيها تجارب الحقيقة والمصالحة منذ بداية الثمانينيات، مواد غنية لفهم الأنظمة

السلطوية بصورة أعمق، وللدّور الذي كان للعنف في استمرارها ثمّ في التحولات التي شهِدتها. ولقد مثّلت

عمليات توثيق الانتهاكات التي مورست، وعُرضت على العموم - من خلال جلسات الاستماع في بعض

الدول، أو من خلال نشر التقارير النهائية التي وثّقت الانتهاكات، أو من خلال الدِّراسات التي رافقت

هذه التجارب - موادّ غير مسبوقة لتجاوز حواجز التحريم والمنع والتوجّس التي طبعت البحث في مسألة

عنف السلطويات. لقد ظل التصوّر السائد بشأن السلطوية يَنظُر بطريقة معلنة أو ضمنية إلى عنف الدولة - في شكله المادي المرئي،

أو في أشكاله البنيوية والرّمزية - باعتباره يمثِّل الدّعامة المركزية لهذا النوع من الأنظمة. ونظرًا إلى أن العنف

يُعدُّ الأداة التي تعوِّض عن غياب الإرادة المجتمعية، فإن تعرية حقيقته وبسط تفاصيله على العموم لا يمكن

إالّ أن يزعزعا أركان السلطوية القائمة ويدعوا إلى سقوطها. لقد كانت السرية هي الطابع السائد في ممارسة

عنف الدولة، والرقابة هي الأداة التي تسعى إلى منع تداول موضوع عنف الدولة في الفضاءات العمومية. ولم

تقع تعرية تفاصيل عنف السلطويات إالّ بعد سقوطها، أو في مراحل متقدّمة من تحولّها. غير أن بسط عنف

الدولة من دون حدوث تغييرات في طبيعة النظام السياسي (وهو الخاصية المتميزة للتّجربة المغربية في المصالحة)،

يوفِّر حالة نادرة لتوثيق حجم العنف في السلطويات، وللكيفية التي تتمكّن بها السلطويات من نبذ العنف

على المستوى النّظري. وتسمح الكيفية التي جرت بها عملية اعتراف النظام بممارساته العنفية، بتحديد ما يعدّه

17 Andrew Schaap, Political Reconciliation , Routledge Innovations in Political Theory; 15 (London; New York: Routledge, 2005), p. 8. 18 Carl Schmitt, The Concept of the Political , Translation, Introduction, and Notes by George Schwab; with Leo Strauss’s Notes on Schmitt’s Essay; Translated by J. Harvey Lomax; Foreword by Tracy B. Strong (Chicago: University of Chicago Press, 1996).

النِّظام مصادر قوّته البديلة من العنف. كما أنه يوفِّر مناسبة للتساؤل عن آفاق ترسّخ سلطوية من دون عنف، أو

لاعتبار المفهومين متعارضين على المستويين النّظري والعملي. لقد سمحت تجربة المصالحة بتوثيق غير مسبوق في دقّته للعنف الذي مارسته الدولة تجاه مواطنيها، منذ

الاستقلال وطوال أربعة عقود ونصف عقد من الزمن. ويوفِّر الأرشيف العمومي للهيئة - فضالً عن التقرير

الختامي - تسجيلات جلسات الاستماع العمومية، وتقارير ولوائح مازالت تُنشر منذ انتهاء فترة الهيئة من جانب

المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي تكفّل بالإشراف على تنفيذ توصيات الهيئة. إضافة إلى ذلك، توفّرت

لنا نصوص غنية تتعلق بالاعتقال وأوضاعه وسياقاته. وقد كانت في قيد التداول بشكل سرّي ومحدود، لكنّ

التوسّع التدريجي لحرية التعبير ومناخ المصالحة حولها قد سمح ببروز نوع أدبي واسع الانتشار يُعرف بكتابات

الاعتقال، وهو يُدرج اليوم في القنوات الإعلامية وفي البرامج التّعليمية. كما أن تقارير الجمعيات الحقوقية

المغربية والدّولية ومنشوراتها ومختلف أشكال نشاطها، تساهم هي بدورها في إغناء المعطيات المتعلقة بهذا

الموضوع الذي لم تبق مناقشته مقتصرة على الفضاء الخاص المراقَب والمحارصَ. تشير المعطيات الكمّية إلى أن عنف الدولة في المغرب مورِس طوال فترة الاستقلال، وأنه ارتبط بحوادث

تاريخية وسياسية مختلفة، وأنه مسّ في فترات متباينة ك من المناطق القروية والحضرية، وأن ضحاياه

متنوِّعون من حيث انتماءاتهم السياسية ما بين وطنيين ويساريين وراديكاليين وعسكريين ومدنيين وأفراد

لا انتماء حزبي لهم، وصحراويين وإسلاميين. وهم يضمّون رجاالً ونساءً من أعمار متباينة. ولقد تباينت

أنواع العنف المرتكب ضدّهم ما بين الاحتجاز القسري، والتعذيب، والاغتيال. ونشرت تقارير الهيئة قائمة

كاملة بالضحايا، ومعطيات عن أنواع الانتهاكات التي تعرّضوا لها. كما أن مسلسل المصالحة شمل تقديم

تعويضات مالية لما يناهز عشرة آلاف من الضحايا وذويهم، والرشّوع في برامج لحفظ الذّاكرة وجبر الرضّر

المعنوي. وقد تأسّس في مناطق مختلفة من المغرب، في شكل مراكز ومؤسَّسات ثقافية واجتماعية تهدف إلى ردّ

الاعتبار إلى الضحايا وذاكرتهم. يُعدّ هذا الاعتراف العلني بالجرائم التي ارتكبتها الدولة غير مسبوقٍ في تاريخ السلطويات. وقد ارتبط في

الحالات التي شهدت مثيله بحدوث تحوّل سياسي، وُظِّفت فيه المعطيات عن العنف لإدانة النظام السابق من

جهة، ولتبرير النظام الجديد وترسيخ شرعيته من جهة أخرى. لكنّه لم يهدف في حالة المغرب إلى إزالة المشروعية

عن النظام الذي جرت في عهده الانتهاكات، والذي تستمر ركائزه في عهد الملك الذي تزعّم مسلسل المصالحة؛

ذاك الذي يستمد مشروعيته من انتمائه إلى مؤسسات العهد السابق وثقافته وتاريخه. إضافةً إلى ذلك، لم يقدّم

الملك الجديد عهْدَه باعتباره قطيعة مع الماضي، بل ظل يركِّز على أنه استمرارية مع نظام متجذِّر في التاريخ. إن

الاعتراف بالماضي الأليم إذن، لم يعن التنكّر لمؤسّسات وتقاليد ولزعامات الماضي. في الوقت نفسه، كانت ضرورة المصالحة متعارضة مع تبرير عنف الدولة بأنه سلوك مشروع أملته ضرورة حماية

قضية نبيلة، كالوحدة الوطنية أو الاستقرار السياسي. كما أنها كانت تناوئ فكرة أن عنف الدولة كان ردّة فعل

على سلوك عنيف وعدواني من جانب المعارضة. لقد اقتصر مسلسل المصالحة على تحمّل الدولة مسؤوليتها عامّ

ما جرى، وخلا من إلقاء اللّوم على أطراف معارضة وطنية أو أجنبية. إالّ أن هذه المسؤولية لم تصل إلى درجة

19 المملكة المغربية، هيئة الإنصاف والمصالحة، لجنة وطنية للحقيقة والإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، 6 ج في 1 مج (الرباط:

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان، 2007)، ج 3: إنصاف الضّحايا وجبر الأضرار؛ والمملكة المغربية، المجلس الوطني لحقوق

الإنسان، « التقرير الرئيسي لمتابعة تفعيل وصيات هيئة الإنصاف والمصالحة،» (كانون الأوّل / ديسمبر).2009

تقديم المسؤولين عن الجرائم للمساءلة للعمومية أو للمحاكمة. وفي المقابل، لم يصدر في حقّ أولئك عفوٌ يحميهم

من الملاحقة مستقبالً. تميّز هذا التصوّر المركَّب لماضي عنف الدولة في المغرب من تجارب المصالحة في دول أخرى، لم تر العنف عائدًا

فقط إلى ممارسات الدولة بل إلى ردّة فعل على عنف المعارضة (مثل حالة البيرو). وقد قُدِّم عدد من الجلادين

إلى المحاكمة في بعض الحالات مثل الأرجنتين، كما صدر في حقِّهم العفو مثلما حصل في جنوب أفريقيا، أو

صدرت قوانين تحميهم من المتابعة القضائية كما في تشيلي. وتعكس هذه المتابعات المتباينة في تجارب المصالحة

عبر العالم خصوصيات السياقات التي تبلورت فيها، كما أنها تُعدّ مداخل لفهم الأسباب التي تؤدِّي بالنِّظام

السياسي السلطوي إلى ممارسة العنف. وتكمن أهمية هذا الموضوع في أنها تساعد على تحديد مدى قدرة النظام

السلطوي على التحوّل إلى نظام آخر، ديمقراطي أو سلطوي غير عنيف. كما تكمن أيضًا في إبراز التغييرات

المؤسساتية والقانونية التي تطلّبتها عملية الانتقال هذه، ومراحل تطبيق هذه التغييرات وتفعيلها. إهنّا تُظهر

أخيرًا الاستمرارية التي تطبع بعض مقوّمات النظام السابق، تلك التي تقع المحافظة عليها في تجارب المصالحة.

ويجب الإشارة إلى أن هذه التحولّات لم تعرف مسارات أحادية الاتجاه، بل شهدت تقلّبات في الخيارات

والممارسات التي اتّبعتها؛ ففي جنوب أفريقيا مثالً، اشرتُط على الجلادين لكي يحصلوا على عفو، الاعتراف

العلني والمفصَّل بكلّ الانتهاكات التي ارتكبوها. بيد أن هذا الشرط لم يطبَّق عمليًا؛ إذ لم تجرِ حتى الساعة متابعة

المتَّهمين الذين امتنعوا عن تقديم اعترافاتهم. وشهدت الأرجنتين قرارات متعارضة بشأن الجلادين الذين

حصلوا على الحصانة؛ فقد قُدِّم بعضهم إلى المحاكمة، وصدر العفو بشأنهم لاحقًا، ثمّ قُدِّموا بعدها إلى المحاكمة

ثانية، وصدرت في حقِّهم أحكام يقضون بموجبها اليوم عقوبة السجن. تبُرِز حالة المغرب - المختلفة عن باقي تجارب المصالحة في العالم - قدرة النظام القائم على معالجة ماضيه العنيف،

مع الحفاظ على مقوِّماته الموروثة؛ ذلك أنه هو نفسه الذي يحتضن مسلسل المصالحة مع ضحايا ماضيه. وعلى

الرغم من أن العملية قد رافقها الحديث عن الانتقال الديمقراطي، فإن ذلك الانتقال كان يقدَّم على أنّه وعد

سيجري تحقيقه في المستقبل، وعلى أن عملية المصالحة هي التي تهيئ شروطه. ولقد جرت مراحل المصالحة كلها

في ظل المؤسسات والقوانين والطقوس القائمة. وفي هذا السياق، ظهر عنف الدولة سلوكًا غير مشروع، انطلاقًا من معايير القوانين الدولية التي تحمي حقوق

الإنسان. وقد اعتمدت الهيئة على نصوص القانون الدولي المُتاحة في تعريف الانتهاكات وتصنيفاتها. وجرى

إبعاد مرجعيات محلّية أو تراثية بشكل كيلّ، وكان غرض تداولها في السابق تبرير تلك الانتهاكات عندما كان

يجري الاعتراف بالحوادث التي ارتبطت بها. وقد وضع هذا الخيار السلطوية المغربية أمام تحدّي مدى تعارضها

مبدئيًا مع شروط المشروعية القانونية على المستوى الدّولي. وعكست هذه المبادرة شجاعة وثقة بالنّفس غير

مسبوقتنيْ لنظامٍ سلطوي. وأجرت هذا الامتحان العسيرَ لجنةٌ وطنيةٌ غير مرتبطة بأي مؤسَّسة دولية، على

عكس ما كان عليه الأمر في كلٍّ من إلسلفادور وغواتيمالا مثالً. وإذا كان تدويل المسلسل سيمنح التّجربة

صدقية أكبر، وربمّا كان سيغير مسارها كلّيةً، فإنّ الحرص على أن تكون المصالحة نابعة من مؤسّسات وخبرات

وطنية كان يعكس تشبّث النظام بمساءلة نفسه انطلاقًا من سيادته ومن قدراته المؤسّساتية الذاتية. لم تسع عملية المصالحة في المغرب إلى تبرير عنف الدولة باعتباره ردّة فعل على عنف المعارضة. وجرى التخيلّ عن

20 Ole Bubenzer, Post-TRC Prosecutions in South Africa: Accountability for Political Crimes after the Truth and Reconciliation Commission’s Amnesty Process (Leiden; Boston: Martinus Nijhoff Publishers, 2009), p. 231.

النعوت التي كان المعارضون في السابق يوصفون بها، باعتبارهم مجرمين وعملاء للخارج ومغرَّرًا بهم. كما جرى

تجنّب التصنيفات السياسية التي كانوا يوضَعون فيها، من قبيل الشّيوعيين والملحدين والانفصاليين والمتطرِّفين

الإسلاميين، وهي كلّها تصنيفات كانت تسعى إلى تجريمهم، وإلى اعتبارهم عناصر غريبة عن مقوِّمات الجماعة

الوطنية الموحَّدة والمنسجمة. وعوض ذلك، جرى تبنّي مفهوم «ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان». ومنع هذا

النعت المحايد الدولة سياسيًا من وضع ممارساتها العنيفة في أي سياق تاريخي. كان هذا الخيار يدعِّم موقف

إبراز لا مشروعية الممارسات العنيفة للدولة على المستوى القانوني، خاصة أن جلّها وقع بشكل سرّي أو في

غياب احترام القوانين ومعايير المحاكمات العادلة. غير أنه كان في الوقت نفسه يُفرِغ تلك الممارسات من محتواها

السياسي. وإذا كانت الدولة قد ارتكبت انتهاكات قانونية تجاه ضحايا أبرياء من التُّهم التي كانت موجَّهة إليهم،

فما الذي دعاها إلى أن تفعل ذلك؟ ثم - وهذا هو البعد الأكثر أهمية في هذا الموضوع - ما الذي يجعل مشروعيتها

قائمة حتى اليوم، على الرغم ممّا ارتكبته في الماضي ومن أنها لم تعرف تحولّات مؤسّساتية؟

إذا كانت الدولة قد قبلت بأن تتجنّب سياق أفعالها السياسي، فإن الضحايا اختاروا أن يقدِّموا قراءات متباينة لما

تعرّضوا له. ولقد ركّز صنف أول من هذه القراءات على اعتبار أن عنف الدولة هو سلوك عشوائي مسّ أفرادًا

لم تكن لهم أفكار معارضة للدولة، ولم يكونوا منتمين إلى أي تيار سياسي. وهناك صنف ثان من القراءات التي

اعترفت بمواقفها المعارضة للدولة، لكنّها لم تر الدولة كتلةً منسجمة، بل قدّمتها على أنها مؤسَّسة؛ تتكوّن من

ملكية ذات مشروعية سياسية موروثة تقوّتْ بفضل دورها الوطني في مواجهة الاستعمار، ومن محيط ملكي

يفتقر إلى المشروعية لاحتفاظه بروابطه مع الدولة المستعمرة الأمّ، ولسعيه إلى الاستمرار في الدفاع عن المصالح

الاستعمارية. وفي الوقت نفسه، لم تعتبر هذه القراءة الضحية غير مسيَّس، بل اعتبرته مناضالً يدافع عن مشروع

سياسي هو امتداد لأفكار الحركة الوطنية المتحالفة مع القصر في سعيها إلى تحقيق الاستقلال منذ نشوئها.

ولم تكن المعارضة تستهدف الملكية، بقدر ما كانت ترنو إلى أن تسترجع الملكية دورها الوطني الرائد، وذلك

عن طريق التخيلّ عن عملاء الاستعمار (الذين كان الجنرال أوفقير ممثِّلهم الأبرز)، وإعادة تقوية التحالف مع

المناضلين الوطنيين. ولم يُعِدَّ هذا الصنف من القراءات هتَُم العنف التي وُجِّهت إلى المناضلين المعارضين غير

مؤامرات تهدف إلى الحؤول دون تحالف محتمَل بين الملكية والحركة الوطنية. وفي صنف ثالث من القراءات،

رُفضت صفة الضحية، وجرى تبنّي المشروع السياسي المعارض الذي لم يلغِ خيار اللجوء إلى العنف في مواجهة

الدولة. كما اعرتُف في هذه القراءة بأن المواجهة كانت تُعدّ صراعًا سياسيًا بين دولة قائمة وتيار سياسي يسعى إلى

التّغيير، مثلماهي الحال بالنسبة إلى أي وضعية سياسية عادية. ولكن على الرغم من أن هذه المواجهة كانت غير

متكافئة بحكم أن المعارضة كانت تفتقر إلى عدتّها، فإن الدولة وظّفت أدوات بالغة العنف للقضاء على معارضة

ضعيفة في الأصل.

مع تباين هذه القراءات لسياقات عنف الدولة وتجنّب الدولة الخوض فيها، فإهنّا لم تُضعِف مشروعية الدولة،

ولم تلغِ إمكانات إصلاحها لنفسها من الداخل على الرّغم من ظلمها. وحتّى تلك المطالب بمحاكمة ا الجّدين

لم تستهدف إطاحة النظام القائم، بل رأت أن مساءلات من هذا القبيل لن تعمل إالّ على إضفاء المزيد من

المشروعية على نظام لا يتردّد في إنجاز إصلاحات شجاعة.

21 هيئة الإنصاف والمصالحة، جلسات الاستماع العمومية، تسجيلات في أقراص مدمجة.

22 إضافة إلى الشهادة التي يقدّمها أحمد بن منصور في جلسات الاستماع العمومية التي تعكس هذا الصِّنف من قراءات الضّحايا

للسِّياقات السِّياسية للعنف الذي مورس عليهم، قام بنشر أفكاره في: أحمد بنمنصور، عناقيد من ذكريات العسف وصور من زنازن المحنة

(مرّاكش: المطبعة والورّاقة الوطنية،.)2003

23 أحمد حرزني، جلسات الاستماع العمومية.

تجنّبت الدولة في المغرب المحاكمات، على غرار ما حدث في جلّ تجارب المصالحة عبر العالم. ولم تلغ تجربة المصالحة

في الصيغة المغربية إمكان إجراء المحاكمات مستقبالً، عن طريق امتناعها من تقديم العفو أو الحماية القانونية في

هذا المجال. كما أنها لم تساير قراءات الضحايا لسياقات العنف الذي مورس عليهم. ولم يُربط العنف في تحليل

الهيئة بأسباب سياسية، بل عُدّ نتيجةً لخلل في وظائف الإدارات المعنية بتدبير العنف وفي احترام القانون. لقد

حدثت الانتهاكات لأن الأجهزة الأمنية كانت مستقلّة عن أي مراقبة، وكانت – تبعًا لذلك- تتمتّع بسلطات

مطلقة. وفي الوقت نفسه، أخلّت السلطة القضائية ونُخَبها بواجب حماية المواطنين من تجاوزات الإدارات،

وعلى رأسها الأجهزة الأمنية. يضاف إلى ذلك وجود نقص في التربية على الحقوق على مستوى الدول والمجتمع

المحلي معًا. لقد سمحت هذه المقاربة التّقنية لأسباب عنف الدولة بتقديم اقتراحات عملية قابلة للإنجاز من أجل وضع

حدٍّ لعنف الدولة، في ظلّ انعدام توافق فكري حول سياقات العنف السياسي. وعلى الرغم من طابعها التقني،

فإن إنجاز الإصلاحات من هذا المنظور لا يمكنه إالّ أن يمسّ مقوّمات أساسية للنظام السلطوي. وهي تهمّ

بالخصوص: تدعيم استقلالية السلطة القضائية، وإخضاع الأجهزة الأمنية للمساءلة السياسية والقانونية. وتسمح حالة المغرب بفهم مدى قدرة السلطوية على أن تعترف بممارساتها العنيفة، وبتنفيذ التّوصيات لوضع

حدٍّ لها، وبالبحث عن ترسيخ فكري للإصلاحات المتبنّاة، من دون أن يؤدّي ذلك إلى تقويض دعائم السلطوية،

ومن دون الحاجة إلى ترسيخ مؤسّسات ديمقراطية بديلة. وتظهر إلى حدّ الآن إشارات متناقضة، لا يسمح

الرتّاكم المحدود للمعطيات على مستوى الممارسة بتقديم أجوبة حاسمة بشأنها. إن اعتراف الدولة بماضيها

العنيف لم يمسّ مشروعية الدولة المستمدّة من تاريخها. لقد وظَّفت السلطويات العسكرية اللاتينية فكرة أن الانتقال الديمقراطي يعني العودة إلى الفترة الليبرالية السابقة

لظهور الدكتاتوريات، وذلك في سبيل الترسيخ التاريخي لمشروعية الانتقال الديمقراطي. ومن هذا المنظور،

عُدّت هذه الدكتاتوريات عطبًا أصاب مسار التطوّر السياسي اللاتيني، الذي يعمل الانتقال الديمقراطي على

تصحيحه. وحتّى في تلك الحالات التي استمر فيها الدِّفاع عن مزايا السلطوية وقدرتها على تحقيق النمو

الاقتصادي وضمان الاستقرار كما كان الأمر بالنسبة إلى أنصار دكتاتورية بينوشيه في تشيلي، عُدّت تلك محاولات

يائسة من أجل إعادة إحياء خيار سياسي حُكِم عليه بالفشل. حدث اليشّء نفسه في جنوب أفريقيا التي فقد فيها

نظام الأبارتيد مشروعيته السياسية على المستويين الوطني والدولي. أمّا في المغرب، فقد اختلف الأمر؛ فإذا كان النظام السياسي قد تبنّى مبادئ حقوق الإنسان بشكل واضح على

المستوى القانوني، فإن ذلك لم يعن التّخيلّ عن جذوره التاريخية وعن أصول مشروعيته التقليدية التي تعود إلى

عهد الأدارسة؛ ونعني الدولة الإسلامية الأولى التي أُسّست في القرن الثامن، وتجدّدت بظهور الدولة العلوية

في منتصف القرن السّابع عشر. وفي مقابل تبنّي الماضي الليبرالي الأميركي- اللاتيني بديالً للسلطوية ووسيلةً

لمعالجة الماضي الأليم، ركّزت المصالحة في المغرب على أن الانتهاكات نتجت من المؤسسات الأمنية والقضائية،

المرتبطة بالبيروقراطية الحديثة، المدنية منها والعسكرية، أكثر من ارتباطها بالمؤسّسات والثّقافة التّقليدية. كما أن

الجنرال أوفقير – السياسي الذي قام بدور مركزي في الدولة، وظلّت تُوجَّه إليه أصابع الا ام على أنه المسؤول

الرئيس عن جرائم الماضي – قد نُظِر إليه بعد وفاته (في إثر تخطيطه لمحاولة الانقلاب ضدّ الحسن الثاني سنة

24 Greg Grandin, “The Instruction of Great Catastrophe: Truth Commissions, National History, and State Formation in Argentina, Chile, and Guatemala,” American Historical Review , vol. 110, no. 1 (February 2005), pp. 46-67.

1972) على أنه حالة شاذّة ومتعارضة مع النظام الملكي نفسه ومع تصوّراته وخياراته السياسية، أكثر ممّا نُظر

إليه من زاوية أن علاقة عضوية جمعته بالملكية. وقد عُدّت المواجهة المتوتِّرة بين المؤسسة الملكية وفصائل الحركة الوطنية المعارضة (وهي المواجهة التي بدأت

مع مطلع الستينيات، ودامت زهاء ثلاثة عقود، شهدت فيها معظم حالات الانتهاكات) فترة استثنائية

مؤقّتة انتهت بتعيين حكومة اليوسفي قبيْل نهاية حكم الملك الحسن الثاني، وأعادت المياه إلى مجاريها بين

ملكية ذات مشروعية تاريخية، وحركةٍ وطنيةٍ تمثِّل الحداثة السياسية، وقد جمع بينهما النضال ضدّ الاستعمار

منذ ثلاثينيات القرن العشرين. حدث ذلك في ظل النظام السياسي السلطوي نفسه قبل تجربة المصالحة،

واستمرّ خلالها وبعدها. هيأت هذه القراءات لطبيعة عنف الدولة في المغرب وإجراءات جبر الرضّر لمصلحة ضحاياه، ظروفَ مصالحة

سِلمية بين النظام وماضيه الأليم، من دون أن يتعرّض ذلك النِّظام لتغييرات بنيوية. بل إن الإصلاحات

المؤسساتية التي التزم النظام بتحقيقها، وخصوصًا في مجال استقلالية القضاء ووضع الأجهزة الأمنية تحت

مساءلة المؤسسات السياسية المدنية، مازالت في طور التهيؤ الموعود. وحتّى إذا ما وقع التّنصيص على بعضها

بشكل أكثر دقّة في النصوص القانونية، فإن ذلك لن يضمن بالرضّورة تفعيلها الأكمل على أرض الواقع. يبقى هذا الموضوع متعلِّقًا بمدى قدرة السلطوية على أن تطبِّق هذه الإصلاحات، التي تعني في نهاية الأمر تخيلّ

النظام السياسي عن اللجوء إلى العنف ضدّ مواطنيه في تدبير الشأن السياسي. وإذا ما تحقّق ذلك - وهو الأمر

الذي نشهد تطبيقه تدريجيًا، وإن لم يخل ذلك التطبيق من تراجعات بين الفينة والأخرى - فهل سيكون مكسبًا

يقوِّي من مشروعية السلطوية وضمان استمراريتها، أم أنه سيوسِّع إمكانات التعبئة المجتمعية المطالبة بتوسيع

مشاركة سياسية فعلية؛ من خلال مؤسَّسات منتَخبة متمتِّعة بسلطات مضمونة في تدبير الشأن السياسي ومستقلّة

عن الخيارات الاستراتيجية التي لايزال القصر مصدرها؟ ليس الجواب محسومًا؛ فقد أظهرت الاحتجاجات التي عرفها المغرب في سياق الربيع العربي، أن النظام لم يقم

بتفعيل توصيات «هيئة الإنصاف والمصالحة» المتعلِّقة بالإصلاحات المؤسساتية، إالّ تحت ضغط الشارع، وهو

الأمر الذي يشير إلى بقاء تصوّرات النظام بشأن المصالحة متعلِّقة بميزان القوى بين الإصلاحيين والمحافظين. وهنا، لا يمكن الحسم إمبريقيًا في الدّور الذي أدته تجربة المصالحة لجعل النظام يتجاوز قوّة الرجّة الثورية التي

هزّت المنطقة. لكن لا يمكن في الوقت نفسه إغفال أن التدابير الإصلاحية التي كان النظام المغربي قد دشَّنها

قبل سنوات من اندلاع الربيع العربي (بما فيها فتح ملفّات الماضي الأليم)، قد وفّرت له الإمكانات والخبرات

والقنوات الضرورية للاستجابة لمطالب الشارع بفعالية وسرعة. لكنْ، على الرغم من أن الإصلاحات السابقة

للربيع العربي أو ا الّحقة له، لم تؤدِّ في النِّهاية إلى تغيير بنيوي عميق للنظام السلطوي، فإن تقوية فرص

الديمقراطية في المغرب مستقبالً لا تتعلّق فقط بالمطالبة بسنّ قانون يؤسِّس للمشاركة الواسعة في ظلّ تقليص

سلطات الملك، بل تتعداها إلى المطالبة بالسّعي الفعلي إلى التّأثير في تدبير الشؤون العامة بحرّية ومن دون خوف

من عنف الدولة. وهذه الوضعية هي بلا شك قائمة اليوم في المغرب.

25 ذاكرة ملك: الحسن الثاني: أجرى الحوارات إيريك لوران.

26 عبد الحي مودن، «الحداثة السياسية في المغرب،» الثقافة المغربية، العدد 17 (تشرين الأول/ أكتوبر 2000)، ص.35-24

27 الجريدة الرسمية، العدد 9645 مكرر (30 تموز/ يوليو.)2011

ملحق

يُعَدّ التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة أهم مصدر للمعطيات المرقّمة والموثّقة عن ضحايا عنف الدولة في

المغرب في الفترة 1956 – 1999. وقد تلاه تقرير ثان صدر سنة 2009 وقدّم أحدث معلومات عن الموضوع.

وكانت هيئة الإنصاف والمصالحة قد حصرت عنف الدولة في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كما تعرّفها

نصوص القانون الدولي، إنْ لجهة الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي أو الوفاة في أثناء الاختفاء أو الاعتقال

أو التعذيب، أو الوفاة خلال التظاهرات والاحتجاجات، والاغتراب الاضطراري، سواءٌ في المغرب أم في

الخارج، والاعتداء الجنسي. وقد ارتُكبت هذه الانتهاكات في سياق حوادث سياسية متفرقة عاشها المغرب

منذ الاستقلال سنة 1956، على غرار الصراعات الحزبية في مطلع الاستقلال، وحوادث الريف سنة -1958

1959، والحركات الاحتجاجية التي عاشتها مدن مغربية في سنوات 1965 و 1981 و 1984، والاعتقالات

في مراكز سرية في حق المتهمين بالتورط في انقلابي سنتي 1971 و 1972، والقمع الموجّه ضد الاتحاد الوطني

للقوات الشعبية وضد الحركة الماركسية اللينينية، والصحراويين، والحركة الإسلامية. توصّلت الهيئة من خلال التحريات التي أجرتها إلى تحديد هوية 794 من المتوفين لأسباب سياسية، وإلى اعتبار

9779 حالة ضحايا للاعتقال التعسفي من طرف الدولة. وبقيت 7 حالات اختفاء عالقة أشهرها حالة

المهدي بنبركة. تبدو هذه الأرقام قليلة مقارنة بحالات الأرجنتين التي شهدت 8960 حالة اختفاء موثقة، وتشيلي (3428

حالة)، وإلسلفادور (2700 حالة)، وسيري لانكا (2700 حالة). تبدو الأرقام التي توصلت إليها هيئة الإنصاف قليلة مقارنة بما كان رائجًا في الكتابات بشأن ضحايا بعض

الحوادث السياسية التي شهدت مستويات عالية من العنف مثل قمع منطقة الريف (ذكرت أرقام أن ضحايا كلٍّ

من الريف في الفترة 1959-1958 والدار البيضاء في آذار/ مارس 1965 هُم بالآلاف، بينما لم تتعرف الهيئة

إالّ على 90 حالة وفاة في حوادث الريف و 05 حالة في حوادث الدار البيضاء). وبالرغم من صعوبة الحسم

النهائي في هذه الأرقام، فإنه لم تظهر بعدُ معطيات موثّقة من أي مصدر مغربي أو دولي تدعو إلى إعادة النظر في

نتائج هيئة الإنصاف والمصالحة. الأرقام التالية: بلغ العدد الإجمالي لحالات الأشخاص الذين تم استجلاء الحقيقة عن مصيرهم 742 حالة، منها 66 حالة لم يجرِ

استجلاء الحقيقة بشأنها. وبلغ مجموع حالات الاختفاء القسري 808 حالات. وفي تقرير متابعة التوصيات، يقدّم الجدول 872 حالة اختفاء قسري.

28 هذه الأرقام مستخلصة من: المملكة المغربية، المجلس الاستشاري لحقوق الانسان، «التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة،

الكتاب الثاني: الحقيقة والمسؤولية عن الانتهاكات» (الرباط، 2006)، الفصلين الرابع والخامس، ص 139-51. أيضًا المملكة المغربية،

المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، « التقرير الرئيسي لمتابعة تفعيل وصيات هيئة الإنصاف والمصالحة» (كانون الأوّل / ديسمبر

20093-33)، ص.5 بالنسبة إلى الأرقام المتعلقة بحالات الاختفاء العالقة وعدد ضحايا حوادث الريف الموثَّقة والمحيّنة، فقد حصلت

عليها في استجواب أجريته مع المسؤولين عن متابعة ملفات ضحايا الانتهاكات الجسمية في المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بتاريخ 27

حزيران/ يونيو،.2013

29 Priscilla B. Hayner, Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commission. 2 nd ed (New York: Routledge, 2011), pp. 268-273.

30 التقرير الختامي لهيئة الانصاف والمصالحة، الكتاب الثاني، ص.109

حالات الاعتقال التعسفي: تشمل الوفاة في أثناء الاختفاء أو الاعتقال، التعذيب، الوفاة خلال حوادث

اجتماعية (التظاهرات والاحتجاجات)، الاغتراب الاضطراري، التعرض لاعتداء جنسي (ص. 65) الأرقام:

طلبات خارج أجل هيئة التحكيم السابقة:

طلبات جديدة مقدّمة إلى الهيئة

المجموع: تصنيف الطلبات بحسب الانتهاكات نوع الانتهاكات

نوع الانتهاكاتالعدد
الوفاة في أثناء الاختفاء أو الاعتقال148
ااالتعذيب10758
ااالوفاة خلال حوادث اجتماعية60
إاراصابة بالرصاص خلال حوادث اجتماعية48
ااىالاغتراب الاضطراري295
ايالاضطرار إلى الاختفاء داخل الوطن102
م التعرض لاعتداء جنسي386
المجموع11797

مجموع الملفات المفتوحة من قِبل الهيئة: 16861 ملفًا.

الملفات التي ا دت بشأنها قرارات إيجابيةملفًا:.9779

قرارت سلبية عدم الاختصاص، الرفض، أو معلومات ناقصة: 7082 قرارًا. في تقرير متابعة التوصيات ارتفع عدد معلومي الهوية من الضحايا المتوفين خلال الحوادث الاجتماعية من 27 إلى 46 ضحية بالنسبة إلى

حوادث الدار البيضاء سنة 1965، ومن 26 إلى 76 ضحية بالنسبة إلى حوادث الريف، ومن 11 إلى 16 ضحية

بالنسبة إلى حوادث سنة 1984 في الناظور.

تعرّفت الهيئة على هويات 27 شخصًا من ضحايا حوادث آذار/ مارس 1965 في الدار البيضاء، وتسلّمت من

عائلات الضحايا 8 طلبات فقط.

بالنسبة إلى الحالات العالقة 66 حالة تم اكتشافها ما عدا 9 حالات: الرويسي، بنبركة، المنوزي، أتكو أحمد بن

علي، أكودار اليزيد، الوسولي عمر، الصلحي المدني، إسلامي محمد، عبد الرحمن درويش.

31 التقرير الختامي لهيئة الانصاف والمصالحة، الكتاب الثالث: انصاف الضحايا وجبر الاضرار، ص.77-64

32 المصدر نفسه، ص.64

33 المصدر نفسه، ص.65

34 المصدر نفسه، ص.77-76

العدد

المراجع

-1 العربية كتب

للرتّ،.2008 جمة

الحسن الثاني (ملك المغرب). انبعاث أمة. الرباط: مطبوعات القصر الملكي، [د. ت.].

دوريات

id=18>.

وثيقة

والمصالحة.» (الرباط، كانون الأوّل / ديسمبر.)2009

(الرباط،.)2006

-2 الأجنبية

بنمنصور، أحمد. عناقيد من ذكريات العسف وصور من زنازن المحنة. مرّاكش: المطبعة والورّاقة الوطنية، بودريار، جان. المصطنع والاصطناع. ترجمة جوزيف عبد الله؛ مراجعة سعود المولى. بيروت: المنظّمة العربية

ذاكرة ملك: الحسن الثاني: أجرى الحوارات إيريك لوران. ط 2. [جدة]: الشركة السعودية للأبحاث والنشر، المملكة المغربية، هيئة الإنصاف والمصالحة، لجنة وطنية للحقيقة والإنصاف والمصالحة. التقرير الختامي. 6 ج في

1 مج. الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الانسان، 2007. ج 3: إنصاف الضّحايا وجبر الأضرار.

موذن، عبد الحي. «التّغيير السِّياسي في المغرب بين أطروحتي الإصلاح والتّمويه.» وجهة نظر (المغرب): العدد

31، 2007. على الموقع الإلكتروني: < http://www.ribatalkoutoub.ma/index.php?option=com_ content&view=article&id=25:lautrefacedepolituquemaroc&catid=50:lecture&Item

موذن، عبد الحي. «الحداثة السياسية في المغرب.» الثقافة المغربية: العدد 17، تشرين الأول/ أكتوبر.2000

المملكة المغربية، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. « التقرير الرئيسي لمتابعة تفعيل وصيات هيئة الإنصاف المملكة المغربية، المجلس الاستشاري لحقوق الانسان، «التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، الكتاب

الثاني: الحقيقة والمسؤولية عن الانتهاكات» و«الكتاب الثالث: انصاف الضحايا وجبر الاضرار.»

Books

Brumberg, Daniel and Dina Shehata (eds.). Conflict, Identity, and Reform in the Muslim World: Challenges for U.S. Engagement. Washington, DC: U.S. Institute of Peace Press, 2009.

Bubenzer, Ole. Post-TRC Prosecutions in South Africa: Accountability for Political Crimes after the Truth and Reconciliation Commission’s Amnesty Process. Leiden; Boston: Martinus Nijhoff Publishers, 2009. Carothers, Thomas and Marina Ottaway (eds.). Uncharted Journey: Promoting Democracy in the Middle East. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 2005. (Global Policy Books) Hayner, Priscilla B. Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions. 2 nd ed. New York: Routledge, 2011. Hazan, Pierre. Judging War, Judging History: Behind Truth and Reconciliation. Translated by Sarah Meyer de Stadelhofen. Stanford, Calif.: Stanford University Press, 2010. (Stanford Studies in Human Rights) Lutz, Ellen L. and Caitlin Reiger (eds.). Prosecuting Heads of State. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2009. Meister, Robert. After Evil: A Politics of Human Rights. New York: Columbia University Press, 2011. (Columbia Studies in Political Thought/Political History) Rollinde, Marguerite. Le Mouvement marocain des droits de l’homme: Entre consensus national et engagement citoyen. Préf. d’Abderrahim Berrada, Hommes et societies. Paris: Éd. Karthala; Saint-Denis: Institut Maghreb-Europe, 2002. Schaap, Andrew. Political Reconciliation. London; New York: Routledge, 2005. (Routledge Innovations in Political Theory; 15) Schmitt, Carl. The Concept of the Political. Translation, Introduction, and Notes by George Schwab; with Leo Strauss’s Notes on Schmitt’s Essay; Translated by J. Harvey Lomax; Foreword by Tracy B. Strong. Chicago: University of Chicago Press, 1996. Sen, Amartya. The Idea of Justice. London: Allen Lane, 2009.

Periodicals

Arthur, Paige. “How “Transitions” Reshaped Human Rights: A Conceptual History of Transitional Justice.” Human Rights Quarterly: vol. 31, no. 2, May 2009. Campbell, Patricia J. “Morocco in Transition: Overcoming the Democratic and Human Rights Legacy of King Hassan II.” African Studies Quarterly: vol. 7, no. 1, March 2011. Grandin, Greg. “The Instruction of Great Catastrophe: Truth Commissions, National History, and State Formation in Argentina, Chile, and Guatemala.” American Historical Review: vol. 110, no. 1, February 2005. Langlois, Anthony J. “Human Rights without Democracy? A Critique of the Separationist Thesis.” Human Rights Quarterly: vol. 25, no. 4, November 2003. “Morocco’s Truth Commission: Honoring Past Victims during an Uncertain Present.” Human Rights Watch: vol. 17, no. 11, November 2005.

Document

Heydemann, Steven. “Upgrading Authoritarianism in the Arab World.” (Analysis Paper; no. 13, Saban Center for Middle East Policy at the Brookings Institution, October 2007).