العودة إلى تفاصيل المؤلَّف من البصاصة إلى الصراع والعنف آليات المراقبة في الدولة المصرية الحديثة

من البصاصة إلى الصراع والعنف آليات المراقبة في الدولة المصرية الحديثة

From Spying to Conflict and Violence: Surveillance Mechanisms in the Modern Egyptian State

أحمد زايد*

الملخّص

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها "أن عمليات المراقبة والضبط في دولة الاستعمار وما بعده ترتبط بصور من التضخم في أجهزة الدولة وخطابها الأيديولوجي وتركيب نخبها السياسية في نمط براني من الحداثة يتشكل في أطراف العالم الرأسمالي". وفي إطار هذه الفرضية تمت الاستعانة بالبيانات التاريخية ونتائج البحوث السابقة في محاولة الكشف عن الطريقة التي تمأسست بها عمليات المراقبة في الدولة المصرية الحديثة (حقبة الاستعمار وما بعده). لقد تحولت عمليات المراقبة المباشرة إلى مؤسسات تتعدد وتتنوع في وظائفها كلما تعقد بناء الدولة وتزايدت حدة المعارضة للنظم السياسية؛ كما تحولت أيضا إلى مزيد من الاعتماد على القوة الرمزية للدولة وأجهزتها الرقابية، وإلى تحويل العنف إلي الدوائر الاجتماعية الأوسع ليصبح العنف أداة غير مباشرة لإخضاع الأفراد وضبطهم. ولقد كشفت الورقة عن دلالات آليات المراقبة والضبط فيما يتعلق بتكوين جماعات الصفوة السياسية (النخب السياسية) ونمط الخطاب الذي تستخدمه وطبيعة التناقض في الأدوار التي تقوم بها؛ كما كشفت ـ بشكل ضمني ـ عن دلالاتها فيما يتصل بعملية بناء الدولة الوطنية في زمن الاستعمار وما بعده، والطابع الهش لهذا البناء، والذي كشف عن تضخم لا يستند إلى اقتصاد قوي أو عمليات تنمية حقيقية.

Abstract

This paper is premised on a central hypothesis that argues the processes of surveillance and control in the colonial and post-colonial state are related to the growth of the state apparatus and its ideological discourse, as well as to the structuring of its elites in accordance with an externalist model of modernity that emerged in the periphery of the capitalist world. Within the framework of this hypothesis, Zayid used historical data and literature analysis to reveal the manner in which the processes of surveillance became institutionalized in the modern Egyptian state (the era of colonialism and its aftermath). Egypt’s methods of direct surveillance were transformed into institutions whose functions became increasingly intricate as the state structure became more complex and opposition to the existing political regimes grew. At the same time, these institutions came to increasingly rely on the symbolic power of the state and its agencies of surveillance and control, applying violence to broader social circles, making it an indirect tool to subdue and control individuals. The paper investigates the significance of surveillance mechanisms and control in terms of the formation of the political elites, the type of discourse adopted by these elites, and the inherent contradiction in the roles that they fulfill. Implicitly, the paper also reveals the significance of surveillance mechanisms and control in relation to the making of a national state during and after the colonial era and, more specifically, the fragile nature of this construction, devoid of a sturdy economy or real plans for development.

الكلمات المفتاحية:
  • آليات المراقبة
  • الدولة المصرية الحديثة
  • استعمار
  • نخب سياسية
Keywords:
  • Surveillance Mechanisms
  • Modern Egyptian State
  • Colonialism
  • Modernism
  • Violence

آليات المراقبة في الدولة المصرية الحديثة

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن «عمليات المراقبة والضبط في دولة

الاستعمار وما بعده ترتبط بصور من التضخم في أجهزة الدولة وخطابها الأيديولوجي

وتركيب نخبها السياسية في نمط براني من الحداثة يتشكل في أطراف العالم الرأسمالي». في

إطار هذه الفرضية، استُعين بالبيانات التاريخية ونتائج الأبحاث السابقة في محاولة الكشف

عن الطريقة التي تمأسست بها عمليات المراقبة في الدولة المصرية الحديثة (حقبة الاستعمار

وما بعده). لقد تحولت عمليات المراقبة المباشرة إلى مؤسسات تتعدد وتتنوع في وظائفها كلما

تعقد بناء الدولة وتزايدت حدة المعارضة للنظم السياسية، كما تحولت إلى مزيد من الاعتماد

على القوة الرمزية للدولة وأجهزتها الرقابية، وإلى تحويل العنف إلى الدوائر الاجتماعية

الأوسع ليصبح العنف أداة غير مباشرة لإخضاع الأفراد وضبطهم. ولقد كشفت الورقة

عن دلالات آليات المراقبة والضبط في ما يتعلق بتكوين جماعات الصفوة السياسية (النخب

السياسية)، ونمط الخطاب الذي تستخدمه، وطبيعة التناقض في الأدوار التي تقوم بها. كما

كشفت - بشكل ضمني - عن دلالاتها في ما يتصل بعملية بناء الدولة الوطنية في زمن

الاستعمار وما بعده، والطابع الهش لهذا البناء، وهو الطابع الذي كشف عن تضخم لا

يستند إلى اقتصاد قوي أو عمليات تنمية حقيقية.

مدخل إلى المشكلة

يشير مفهوم المراقبة إلى ما هو أبعد من مراقبة الأفراد أو الأشياء أو المجموعات أو حتى النظم،

وإلى ما هو أبعد من استخدام الأساليب غير المباشرة في المراقبة كاستخدام التكنولوجيا وجمع

البيانات وتحليلها؛ أنه يُستخدم بمعنى أقرب إلى مفهوم الحوكمية(Governmentality)، بالمعنى الذي

1 آثرنا استخدام كلمة الحوكمية تمييزًا للمفهوم من مفهوم الحوكمة Governance) (الشائع استخدامه في دراسات التنمية.

استخدمه ميشيل فوكو، وهو أنه فن الحكم الذي يهدف إلى تنظيم السكان وضبط سلوكهم عبر المعرفة

والخطاب السياسي وتقنيات القوة التي توفر لأجهزة الدولة سيطرة على الأفراد من ناحية، وتجعل الذوات

الفردية قادرة على الانضباط الذاتي، ومن ثم الخضوع من ناحية أخرى. فالحوكمية بهذا المعنى تجمع بين

تقنيات الضبط والنظام من جهة وتكنولوجيا الانضباط الذاتي للأفراد من جهة أخرى. وغاية الحوكمية

هي المساهمة في إرساء سلطة لنظام يخضع له الأفراد في شتى الحقول التي يتحركون في دائرتها عبر حياتهم

اليومية. وتتأسس فكرة الحوكمية هنا على مفهوم فلسفي أوسع نابع من فكرة «التحديق» عند سارتر،

وهي تتعلق بالعلاقة بين الأنا والآخر في التفاعلات اليومية، وتفتح في عالم الفرد «ثقوبًا واسعة... تنساب

منها الأشياء نحو الآخر»، فتفلت الحرية من بين يديه ويصبح غير قادر على امتلاك وجوده، بل إن وجوده

يصبح أيضًا ملكًا لغيره. تتحول الحوكمية هنا إلى عملية تحديق منظّم أو ممنهج، لا من طرف الآخر

الفرد، وإنما من طرف الآخر «الأكبر» الذي يكون له الخضوع الكامل. في ضوء هذه الرؤية الفلسفية، والدولة إذ تراقب الأفراد أو «تحدّق» فيهم، لا يدرك الأفراد وجودهم في

مقابل وجود الدولة فحسب، بل يصبح جزء من وجودهم ملكًا للدولة. لقد حَول فوكو مجاز «التحديق»

عند سارتر إلى مجاز «السجن»؛ فالمجتمع برمّته سجن كبير مراقَب من أعلى، بل إنه أشبه بسجون متجاورة،

في وسطها برج مراقبة مرتفع يرصد حركة السجناء، فيتحولون إلى أفراد منضبطين يعملون وفق المطلوب

منهم حتى في غياب الرقيب، فهو بعيد عنهم، لا يعرفون متى يحضر ومتى يغيب. وثمة جهاز للانضباط

الكامل يتيح ب«نظرة واحدة رؤية كل شيء... عين كاملة لا يفوتها شيء ومركز نحوه تتجه كل الأنظار».

تعتمد المراقبة هنا على سلطة متطورة وغير ملموسة، يمثّلها برج المراقبة الذي يجري من خلاله «التحديق»

في السجناء، من دون أن يعرفوا أبدًا أنهم تحت النظر. إنها سلطة تولّد «عبودية حقه من علاقة وهمية، بحيث

تنتفي ضرورة اللجوء إلى وسائل القوة لإكراه المحكوم على السلوك الحسن، والمجنون على الهدوء، والعامل

على العمل، والتلميذ على الاجتهاد، والمريض على التقيد بالوصفات». إن المراقبة تتعلق – في التحليل

النهائي – بالنواميس الخفية التي تمسك بأواصر المجتمع وتجعل الأفراد أكثر التزامًا بالأطر التي وضِعوا فيها. إننا هنا بصدد نوع من المراقبة الكلية الشاملة، أو الهيمنة الشاملة – بمفهوم غرامشي – التي تتحقق عبر

الهيمنة المدنية Civil Hegemony)) والهيمنة السياسية Political Hegemony))، أي عبر السيطرة على

المجتمع المدني من ناحية والسيطرة على السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) من ناحية

أخرى. حقًا، إن المراقبة تتم عبر آليات كجمع البيانات وتحليلها، واستخدام التكنولوجيا، كما تتم بشكل

جماعي جماهيري (عندما يُراقَب المجتمع كله ويُضبط) عبر آليات تكنولوجية وأرشيفية، أو بشكل فردي

عندما تُستهدف جماعة معيّنة أو أفراد بعينهم. ولكن النتيجة النهائية للاستراتيجيات كلها هي تكوين

الحوكمية الشاملة بمفهوم فوكو أو الهيمنة الشاملة بمفهوم غرامشي.

2 Mitchell Dean, Governmentality: Power and Rule in Modern Society (London; Thousand Oaks, Calif.: Sage Publications, 1999).

3 فؤاد كامل، الغير في فلسفة سارتر، مكتبة الدراسات الفلسفية (القاهرة: دار المعارف، 1987)، ص.35-34

4 ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد؛ مراجعة وتقديم مطاع صفدي، الأعمال الكاملة لميشيل فوكو (القاهرة:

مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.189

5 المصدر نفسه، ص.211

6 أنطونيو جرامشي، كراسات السجن، ترجمة عادل غنيم (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1994)، ص 256 و.259

7 House of Lords, “The Work of the House of Lords 2008–09,” (2009), pp. 11-12, on the Web: <http://www.parliament. uk/documents/lords-information-office/holwork.pdf>.

في ضوء هذا الفهم للمراقبة، نقارب المفهوم في هذه الورقة في إطار تناقضات المشروع الحداثي بشكل

عام، وتجلياته في بلدان العالم النامي بشكل خاص؛ فمشروع الحداثة يقوم على تناقض واضح بين تحرير

الفرد واحترام ذاتيته وإرادته وأفعاله وبين تحقيق متطلبات الدولة في ضبط المجتمع ومراقبة أفراده.

والمتأمل لحالة العالم المعاصر يكتشف أن هذا التناقض يزداد ويتعمق كلما تقدمت المجتمعات نحو مزيد

من الانفتاح والاتصال والانكشاف. فالحقبة المعاصرة من الحداثة، أو قُل المشروع الحداثي بأسره، لم يُنتج

أفرادًا أحرارًا بالمعنى الذي طُرح في عصر التنوير، أي لم يُنتج الفردَ ذا الإرادة الحرة، بقدر ما أنتج أدوات

لمراقبة هذه الإرادة وضبطها بشكل مباشر وغير مباشر. لقد انتصرت هنا نزعة الدولة Statism() على

النزعة الفردية Individualism))، أو على أقل تقدير خضعت الإرادة الفردية لإرادة الدولة ومتطلبات

المراقبة التي تفرضها. ويتزايد الاتجاه نحو تقوية نزعة الدولة وتوجهها نحو مزيد من ضبط سكانها

ومراقبتهم، كلما تزايدت المخاطر التي يولّدها مجتمع الحداثة المعاصر، أو التي تولّدها حقبة الحداثة المتأخرة

Late Modernity)) في عصر العولمة التي تُنتج من المخاطر أكثر ممّا تُنتج من الاطمئنان. لقد تغيرت

نظم المراقبة، وراحت تتخلى عن الأجهزة المركزية التراتبية لتجميع معلومات على نحو مركّز وبشكل

لامركزي، كما أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على الأساليب الحسابية الذكية. إذا سلّمنا بصحة هذا الافتراض، يمكن أن نفهم الانتقادات التي وجِّهت إلى مشروع الحداثة منذ نشأته؛

فقد كانت الانتقادات تلك محاولة لتحرير الإنسان/ الفرد من أسر القبضة الحديدية، أو القفص الحديدي،

بتعبير ماكس فيبر، الذي فرضته عليه متطلبات الحداثة ومنتجاتها. لقد ذهب لوكاتش في كتابه التاريخ

والوعي الطبقي إلى اعتبار الماركسية وعيًا تاريخيًا للمشروع الرأسمالي، أي نقدًا واعيًا لهذا المشروع وكاشفًا

لتناقضاته. وعلى المنوال نفسه، أنظر إلى جميع الأطر النقدية للمشروع الحداثي على أنها محاولات لإخراج

الإنسان من هذا الأسر الكبير، أو على الأقل استعادة التوازن بين إنسانية الإنسان وإرادة الإنسان من

ناحية ومتطلبات التقدم الحداثي من ناحية أخرى. في ضوء هذه الفرضية، نستطيع فهم الماركسية ومدرسة

فرانكفورت والنزعة النقدية لرايت ميلز، بل أيضًا فهم التحليلات النقدية المعاصرة لحقبة الحداثة المتأخرة

ووصفها بأوصاف مثل عدم اليقين، أو مجتمع المخاطر، أو إمبراطورية الفوضى. أكثر من هذا أن فرضية التناقض بين نزعة الدولة ونزعة الفرد إلى التحرر والانعتاق في مشروع الحداثة

تجعلنا نفهم لماذا ارتبطت الدولة في تطورها التاريخي الحديث، بل حتى النظم السياسية قبل الحداثية، بصور

من الاحتجاج والمعارضة، إلى درجة يذهب بها البعض إلى القول إن الحركات الاجتماعية المعارضة للدولة

«تطورت جنبًا إلى جنب مع تطور الدولة، وفي اتصال وعلاقة دينامية معها». وفي ذلك دلالة على أن

حضور الدولة – خاصة حضورها القوي القامع أحيانًا - يستدعي دائامً حضور البحث عن الحرية، كما

8 David Lyon, "Globalizing Surveillance: Comparative and Sociological Perspectives," International Sociology , vol. 19, no. 2 (June 2004), pp. 138-143.

9 جورج لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنا الشاعر (بيروت: دار الأندلس،.)1999

10 Roland Robertson, Globalization: Social Theory and Global Culture , Theory, Culture and Society (London: Sage Publications, 1992).

11 أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي: بحثا عن الأمان المفقود، ترجمة علا عادل، هند إبراهيم وبسنت حسن (القاهرة: المركز الثقافي

الألماني؛ المركز القومي للترجمة،.)2013

12 سمير أمين، إمبراطورية الفوضى، ترجمة سناء أبو شقرا (القاهرة: دار الفارابي،.)2005

13 Hank Johnston, States and Social Movements (Cambridge: Polity Press, 2011), p. 11.

أن التلازم بين الدولة ونفيها هو حقيقة تاريخية. فإذا كان «النقض» كامنًا في مشروع الحداثة ذاته، فإنه أكثر

كمونًا في مشروع الدولة التي أنتجتها هذه الحداثة. ومن نافلة القول أن يكون هذا التناقض أعمق وأشمل

في الدول التابعة على هوامش المشروع الرأسمالي العالمي. في ضوء هذه المقدمات، يمكن أن نفترض أن آليات الضبط (Control) والمراقبة Surveillance() تتزايد

وتتعدد أشكالها مع تقدّم المجتمع، ومع تعقّد علاقاته وتشابكها؛ فثمة بحث دائم عن نظم جديدة للمراقبة

والضبط، أو كما يقول ميشيل فوكو، وثمة محاولات للعثور «على تقنيات جديدة لكي يتم استنادًا إليها

ضبط العقوبات وتكييف فاعليتها». ويثير ذلك أسئلة حول العلاقة بين تطور الدولة والحرية، فتطور

الدولة – حتى وإن كان نحو مزيد من الديمقراطية - لا يعني بالضرورة تطور مستويات الحرية ما دام

هذا التطور مرتبطًا بمزيد من إدراك المخاطر، وبالتالي بمزيد من تطوير آليات الضبط والمراقبة. فلما كانت

المعارضة وصور الاحتجاج تمتد وتتسع كلما اتسعت الدولة وتعددت وظائفها، فمن المؤكد أنه كلما

اتسعت صور الاحتجاج، عملت على «تهديد مصالح النخب ورفع تكاليف الضبط الاجتماعي». في

هذا الوضع، تحتاج الدولة إلى توسيع نظم الضبط والمراقبة وتعمل على تنويعها، حيث تتحول هذه النظم

من الاعتماد على القوة المباشرة إلى الاعتماد على تنظيم العلاقات، كما يقول ميشيل فوكو، وتترتب على ذلك

ثلاث نتائج: الأولى هي أن نُظم ضبط السكان ومراقبتهم، على ما فيها من تعقيد، لا تصبح قاصرة على

الدولة التسلطية أو الفاشية، بل تصبح لصيقة بجميع النظم السياسية أيضًا. وقد أكدنا من قبل أن أساليب

المراقبة تتحوّل بشكل قوي إلى أن تصبح أساليب معولمة. والثانية هي أن مزيدًا من التطور الديمقراطي

يجب أالّ يلغي أو يقلل بالضرورة من نظم المراقبة داخل الدولة وخارجها. ويعنى ذلك بطبيعة الحال أن

الدعوة إلى دمقرطة العالم وتحريره يلازمها فرض مزيد من المراقبة على حرية الأفراد ومصائرهم، وهذا

هو أحد مظاهر التناقض في المشروع الحداثي، كما أشرنا من قبل. أما النتيجة الثالثة، فإنها ترتبط باختلاف

طبيعة المراقبة وباختلاف النظم السياسية من حيث الاستقرار والقدرة على الشمول والاحتواء. فكلما

كانت النظم مستقرة قادرة على احتواء سكانها وإشراكهم في الحياة السياسية، كانت المراقبة ذكية وغير

مباشرة، والعكس إذا كانت النظم غير مستقرة أو مفتقرة إلى الشرعية. عند هذه النقطة يمكن أن نطور المناقشة للتركيز على طبيعة الدولة في الدول النامية. نحن هنا نقف على

أطراف المشروع الحداثي، فنصادف حداثة من نوع مختلف؛ إنها حداثة برانية لا تعتمد على جذر حداثي

داخلي، بل على انتقائية عشوائية وقسرية من الحداثات الغربية، وتصهر التقليدي بالحديث في هجين من

نوع مختلف. ويُتوقَّع هنا أن تتشكل الدولة واستراتيجيات المراقبة التي تستخدمها في ضوء هذا الظرف

التاريخي. ويمكن مقاربة هذه القضية في ضوء ما تطور من أفكار نظرية حول تضخّم أجهزة الدولة في

العهدين الاستعماري وما بعد الاستعماري، حيث يتم التركيز هنا على خصيصتين أساسيتين للدولة هما:

المركزية Centralism)) والتضخم Overdevelopment(). لقد نمت الدولة الحديثة في الدول المستعمرة

في كنف الاستعمار، وفي إطار بنية تحتية خارجية تقوم على رأسمالية متطورة. ومن ثم تكونت أجهزة الدولة

14 فوكو، ص.115

15 Johnston, p. 12.

16 أحمد زايد، تناقضات الحداثة في مصر، ط 2 (القاهرة: مكتبة الأسرة،.)2006

17 Hamza Alavi, "The State in Post –Colonial Societies: Pakistan and Bangladesh,” New Left Review , vol. 1, no. 74 (July-August 1974), and John S. Saul, “The State in Post-Colonial Societies,” Socialist Register , vol. 11 (1974).

على أساس مركزي، واتسمت هذه الأجهزة بالتضخم، في مقابل البنية التحتية الداخلية المتخلفة والمنفصلة

عن هذه الأجهزة. ولقد استمرت الدولة في ما بعد الاستعمار على خصائصها، خاصة أنها ورثت جهازًا

بيروقراطيًا وعسكريًا يفوق حاجاتها الفعلية، فهو جهاز متضخم في ضوء الموارد التي ينظمها والجماعات

التي يخضعها. وفي ضوء هذا، تحولت دولة ما بعد الاستعمار إلى دولة قوية في مواجهة سكانها. وربما

يكون هذا هو الذي جعل هذه الدولة تحكم عبر أطر تسلطية وشمولية؛ فهي تأخذ المجتمع غصبًا، وتطرح

نماذج سياسية وفق أهواء النخب السياسية واختياراتها لا وفق متطلبات الواقع، وتُنتج نخبًا سياسية لديها

تصورات بشأن تفوّقها على بقية السكان وقدرتها الفائقة على الحكم، بل وحقها في الحكم نظير كفاحها

ضد الاستعمار. ولا شك أن هذا النمط من الحكم وهذه الخصائص للنخب السياسية هما بدورهما

بعض تجليات خصيصة تضخّم الدولة في مقابل مجتمعها. نفترض في ضوء هذا التحليل أن نُظم الضبط والمراقبة في دولة الاستعمار وما بعده تتعدد وتتنوع وتعكس

مركزية الدولة وتضخُّم أجهزتها. بل إن هذه النظم تطور نفسها في ضوء المتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية،

وتجمع بين الأساليب التقليدية والحديثة، بل تبتكر أساليب جديدة أيضًا للضبط المباشر وغير المباشر. ففي

الوقت الذي تستخدم الدولة – إلى جانب أساليب المراقبة في المجال السكاني والتعليمي والعمراني- أساليب

التلصص على السكان (وهو ما نطلق عليه هنا مفهوم البصاصة)، فإنها تصقل من مهاراتها الاستخباراتية،

وتخلق صورًا من الصراع المصنوع في مواقف بعينها من أجل إحداث إرباك يساعد الدولة على تحقيق أهدافها

بسهولة. في هذه الحالة تسيطر عمليات الهيمنة النازلة من أعلى على عمليات المراقبة الذاتية للأفراد أنفسهم،

ويصبح الإخضاع لا الخضوع هو سيد الموقف. تنقلب هنا أطروحة فوكو بشأن التوافق بين تقنيات الذات

(الانضباط الذاتي) وتقنيات الدولة (الهيمنة من أعلى) إلى خط واحد هو خط الهيمنة، ويتحول الانضباط

الذاتي إلى انضباط قهري، يجعل جُل تقنيات الانضباط الذاتي تقنيات انسحاب أو تحايل أو مقاومة. أو، كما

يذهب البعض، تغيب مراقبة المجتمع في مقابل حضور مراقبة السلطة.

أولا: دولة الاستعمار: مأسسة البصاصة

يمكن القول إن ثمة علاقة وثيقة بين النظام السياسي في الماضي - كما في الحاضر - والمراقبة والضبط.

ويمكن القول أيضًا إن القوة Power)) (قوة النظام السياسي- قوة الدولة) تُستمد من قدرتها على الحكم

والمراقبة، وليس فقط من قدرتها على استخدام أدوات العنف. وما تنظيم الدولة على أسس إدارية وإقليمية

إلا محاولة لتنظيم استخدام القوة ووضعها في أطر قانونية. ولقد ظلت الصورة الأولية لعمليات الضبط

والمراقبة التي كانت قائمة في الدولة القديمة (الدولة الفرعونية في حالة مصر) مستمرة في الدولة الوطنية

18 أحمد زايد، الدولة بين نظريات التحديث والتبعية (القاهرة: نهضة مصر، 2006)، ص.81-80

19 أحمد زايد، «نخب ما بعد الاستعمار،» الديمقراطية، العدد 25 (كانون الثاني/يناير.)2007

20 البصاصة: مفهوم مشتق من «البصاصين» الذين استخدمهم الولاة والسلاطين في المجتمع الاسلامي التقليدي (خاصة الدولة

المملوكية والدولة العثمانية) كعيون على رعاياهم. وتشتق الكلمة من الفعل «بص» بمعنى نظر. انظر: أحمد أمين، قاموس العادات

والتقاليد والتعابير المصرية (القاهرة: دار الشروق، 2010)، ص.130

21 عبد الله التركماني، «العرب بين حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع،» ورقة قُدمت إلى: «الرقباء والرقابة بين السياسي والديني

في المجتمعات العربية،» (المؤتمر العشرين لمنتدى الفكر المعاصر بدعوة من مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بالتعاون مع

مؤسسة كونراد أديناور، تونس، 24-22 حزيران/ يونيو.)2006

الحديثة، مع قدر كبير من التنظيم والدقة. ومن هذه الصور لعمليات الضبط والمراقبة التي استطعنا

حصرها في الدولة الفرعونية القديمة: الوضع الديني للملك الذي كان يمثل الإله على الأرض، والذي

ساعد على سيطرة الجهاز الإداري للدولة على حياة المواطنين؛ والتسجيل الدائم لكل شيء حيث تحكم

الدولة بواسطة أرشيفاتها وذلك لتسهيل عملية جمع الضرائب. ويمكن القول إنه كلما اتسعت دوائر الحكم ورقعة الأرض، انضبطت هذه الصورة التقليدية للرقابة

والحكم، وكان البحث عن صورة جديدة. وتدلنا خبرات الحكم في الإمبراطورية الإسلامية إلى أن الولاة

كانوا يعتنون بالرقابة والحراسة إلى درجة أن بعضهم كان يحفظ أضابير تحتوي على معلومات عن موظفي

الدولة. وكان كلٌّ من هؤلاء الموظفين يراقب بدوره من هو مرؤوسه أو من يتبعه في الوظيفة. وكثيرًا ما

كانت المراقبة تنزل إلى أسفل نحو عامة الناس؛ إذ كان الولاة يبعثون ببعض ثقاتهم إلى الكور ليسألوا

الناس عن سير أعمالهم فيهم ولقد ذكر ابن خلدون في تاريخه أن الأمراء والخلفاء كان لهم عديد من

العيون والجواسيس الذين «يجلبون لهم أخبار الناس وأحوالهم»، وكانت البصاصة من أشهر الطرق

التقليدية التي استُخدمت في عملية المراقبة والضبط. وعلى الرغم من أننا لا نعرف تاريخا دقيقًا لدخولها،

فإنها تطوير لنظام «العسس أو الدرابين» الذي تطور في الإمبراطورية الإسلامية. ومع أن نظام العسس

كان للحراسة الليلية، فإن البصاصة سُخّرت لجمع المعلومات، وانتشرت بشكل كبير في العصر العثماني،

حين شاع استخدام العيون والبصاصين. فالعيون هم جماعات «يبثهم الوالي في المجتمعات العامة والخاصة

ليأتوه بالأخبار». أما البصاصون، فإنهم طائفة تقوم ب«التحريات في أمور الشرطة » وفي الحالتين،

تكون المهمة رصد حركات الناس وأفعالهم، خاصة الأفعال المقلقة التي تهدد الأمن والنظام. استمرت أعمال العيون والبصاصين حتى بدايات العهد الحديث، حيث يروى الجبرتي في حديثه عن

سنة 1806 (وكان محمد علي قد اعتلى عرش البلاد وشرع في تأسيس الدولة الحديثة)، حادثة أبلغ فيها

البصاصون الباشا عن والٍ انخرط في صفقة تجارية مشبوهة. ويؤكد الجبرتي أن بعد هذه الحادثة نودي

في الناس ب«أن من أراد أن يرسل شيئًا أو متجرًا... فليستأذن على ذلك ويأخذ به ورقة من باب الباشا

فإن لم يفعل وضاع عليه فاللوم عليه». ويكشف المثلان (أقصد الحادثة وما ترتب عليها من قرار) عن

الطريقة التي تتحول بها المعلومات التي توفرها البصاصة في مطلع تأسيس الدولة الحديثة إلى قرارات

تصب في مزيد من الرقابة والضبط، فلا أحد الآن يستطيع أن يحرك شيئًا من مكانه إلا بإذن من «باب

الباشا» (وهو الصورة المصغرة من الباب العالي في مركز الإمبراطورية الآيلة للسقوط). لقد أصبح «باب

22 نيقولا جريمال، تاريخ مصر القديمة، ترجمة ماهر جويجاتي؛ مراجعة زكية طبوزادة، ط 2 مصححة ومنقحة (القاهرة: دار الفكر

للدراسات والنشر، 1993)، ص 127 –.129

23 دوجلاس بريور وإيميلي تيتر، مصر والمصريون، ترجمة عاطف معتمد ومحمد رزق (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2009)، ص 24 شيماء فرغلي سيد علي، «الجريمة والعقوبة في الأندلس «عصري الإمارة والخلافة»،» (رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة،

كلية الآداب، 2010)، ص.176

25 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، مج 4، ص 1270 عن: المصدر نفسه، ص، نقالً.176

26 ناصر الأنصاري، تاريخ أنظمة الشرطة في مصر (القاهرة: دار الشروق، 1990، ص).89

27 المصدر نفسه، ص.89

28 عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم؛ تقديم عبد العظيم

محمد إبراهيم رمضان، 8 ج (القاهرة: جمعية الرعاية المتكاملة؛ مكتبة الأسرة، 2003)، ج 7، ص.18-17

29 المصدر نفسه، ص.18

الباشا» الرمز الذي تنبعث منه إشعاعات القوة في بدايات الدولة الحديثة، وهو مكان المراقبة الأعلى الذي

تأتيه الأخبار عبر العيون والبصاصين فيتخذ بشأنها قرارات ترمي إلى مزيد من ضبط حركة السكان

والبضائع، وحركة الخروج والدخول إلى أراضي الدولة. اعتمد نظام محمد علي في بناء الدولة الحديثة على ما ورثه من العثمانيين والمماليك من استخدام البصاصة

في معرفة الأخبار ومكامن التوتر التي تربك نطاقه. وقد أوردنا من قبل رواية الجبرتي لتأكيد ذلك. ولكن

محمد علي طور نظام البصاصة إلى شكل أكثر تنظيامً؛ إذ وضع نظامًا محكامً للمباحث قوامه رجال يتنكرون

في أزياء الباعة الجائلين يترددون على مجالس الأعيان لمعرفة أسرارهم وأحاديثهم، ورفع تقارير بها إلى

الباشا. كما ألزمت النظم التي وضعها محمد علي الفلاحين وأبناء بعض الطوائف المسيحية، والرعايا

الأجانب، بحمل بطاقات تثبت محل إقامتهم والأماكن التي يتنقلون بينها، وخاصة عند منافذ الخروج

من القاهرة والدخول إليها. بل إن ذلك سرى في ما بعد على المصريين أنفسهم، الذين تحولوا إلى «سجناء

لقراهم»؛ فقد صدر في كانون الثاني/ يناير 1830 مرسوم قصر تحرك القرويين على مساقط رؤوسهم،

«واشترط حصولهم على تصريح ووثائق تحديد للشخصية إذا كانوا يرغبون في السفر إلى خارجها... (فقد)

كان من النادر أن يتمكن فلاح من الانتقال من قرية إلى أخرى دون جواز سفر مكتوب. وقد قُدر للقرية

أن تدار كثكنة، وأن يُوضع سكانها تحت مراقبة الحراس ليالً نهارًا، وتحت مراقبة المفتشين وهم يفلحون

الأرض ويسلمون نتاجها لمستودعات الحكومة». فضالً عن ذلك، اعتمد النظام على البطش والتخويف النابع من الطرق الوحشية التي تستخدمها الشرطة،

والموروثة من عهود سالفة، مثل القتل وقطع أجزاء من الجسد والضرب، واستعمال آلات حديدية خاصة.

وهي الطرق التي ظلت قائمة حتى قرب نهاية القرن التاسع عشر (حُرّمت بقانون في سنة 1982).

وكان هذان البطش والتخويف يمارَسان أيضًا من خلال حكام الأقاليم والملتزمين في القرى، وكانا يقومان

على قهر آتٍ من أعلى؛ فالحكام والملتزمون يتعرضون لعقاب شديد إذا قصروا في واجباتهم التي كان

أهمها جمع الضرائب، وهؤلاء بدورهم يمارسون قهرًا وعنفًا على الناس في القرى إذا ما قصروا في دفع

ما عليهم من ضرائب. ويطل علينا هذا القهر النازل من أعلى عبر الخطاب العنيف الذي يظهر في بعض

مراسلات محمد علي لحكامه؛ فقد احتوت بعض رسائله على عبارات مثل «فاعلم حق العلم أني أنكّل بك

وبالنظام والحكام والشيوخ»؛ «... لا شك أن (ذلك) نتيجة إهمالكم وتعاستكم»؛ «... ويكون في علمك

إنني سأؤذيك إيذاءً شديدًا»؛ «... إذا كان الأمر كذلك فاظهروا النقد واشرعوا في دفعه أوالً بأول...

وإلا سأكسر عظامك وسأعدم الأشخاص الذين معك (وأنكم) لا تقدرون على تخليص أنفسكم من

بطشي». وبهذه الطريقة - المثقلة بالعنف اللفظي – تنساب قوة الدولة - وقسرها- لتنزل إلى أسفل،

بحيث يشعر بها أفراد المجتمع في عملية تراتبية. فهذا الشخص الذي يتعرض لبطش الباب العالي، لا شك

أنه سوف يبطش بالناس العاديين- الفلاحين، دافعي الضرائب- الذين كانوا يهربون من الأرض لتجنّب

صور البطش هذه عندما يعجزون عن سداد الضرائب. ولقد كانت هذه العملية ذاتها- أقصد الهروب

من الأرض - تحتاج إلى ضبط استلزم إصدار لائحة زراعة الفلاح سنة 1829، وتدبير أحكام السياسة

30 تيموثي ميتشل، استعمار مصر، ترجمة بشير السباعي وأحمد حسان (القاهرة: سينا للنشر، 1990)، ص.65

31 إبراهيم الفحام، “ الشرطة في مصر في عهد محمد علي إلى الاحتلال البريطاني، ” الأمن العام، العدد 20 (1960)، ص.47-45

32 أحمد زايد، البناء السياسي في الريف المصري: تحليل لجماعات الصفوة القديمة والجديدة (القاهرة: نهضة مصر، 2008)، ص -254

بقصد النجاح، وذلك ل«تثبيت الفلاحين في أماكنهم وحفزهم إلى البدء في إنتاج القطن وغيره من السلع

للاستهلاك الأوروبي». و كان التشديد في العقاب من قبل المسؤولين المحليين آلية مهمة لهذا الضبط،

إذ كان مشايخ القرى يراقبون التزام الفلاح بزراعات ضرورية، ويقومون بجلدهم إذا تخلفوا عن ذلك،

ويكررون الجَلد مرات عدة، وهي صور من العقاب لم ينج منها حتى أولئك الذين كانوا يشرفون على

القرى من الموظفين. مع اتساع الدولة واتساع علاقات مصر الخارجية، وزيادة أعداد الأجانب في مصر، وتزامنًا مع إرادة

الحاكم ورغبته فى الحماية واستمرار نظامه، كان من الضروري أن تبدأ مأسسة البصاصة، ووضع نظم

أكثر إحكامًا للتجسس والمراقبة. وقد بدأت هذه العملية في منتصف القرن التاسع عشر، وبالتحديد في

سنة 1857، عندما أصدر والي مصر محمد سعيد باشا قراره بإصدار اللائحة العمومية في ما يخص ترتيب

الأهالي الأجانب وضبطهم، وقد نصت على إحداث قلم إداري مخصوص في كلٍّ من جهاز أمن القاهرة

وجهاز أمن الإسكندرية، واختصاص هذا القلم بترتيب الحراسات، ومباشرة إجراءات تفتيش الفنادق

والمنازل المعدة لإقامة الأجانب. وعلى الرغم من أن هذا القلم المخصوص «كان مكلَّفًا بمراقبة الأجانب،

إلا أن مهامه اتسعت مع عهد الخديوي إسماعيل الذي كان يخشى على عرشه من بعض أمراء الأسرة

المالكة - فأصبح يراقب المصريين كذلك ويتلقى تقارير عنهم». كانت أجهزة المراقبة تتسع وتتعدد في الوظائف مع تزايد مصادر الخطر على النظام السياسي؛ فكلما

اتسعت دوائر الخطر والمقاومة اتسعت دوائر المراقبة. ولذلك، فإن تطوير مهمات أجهزة الرقابة وتوسيع

اختصاصاتها كانا يرتبطان دائما بحوادث تدل على خطر محدق. وكانت أول هذه الأخطار في الدولة

المصرية الحديثة حوادث الثورة العرابية، أي مع ظهور بوادر التمرد الذي تجسد في الظروف المهيأة

للثورة العرابية (ظهور جمال الدين الأفغاني ورفاقه خاصة)، ثم تداعيات الثورة نفسها، فأصبح لفظ

«العُرابيين» تهمة تُلصَق بمن له رأي مخالف. وأصبح النفي إلى الخارج من ناحية، والمطاردة الداخلية من

ناحية أخرى، من الأساليب الرادعة لهذا التمرد. وعلى غرار نفي الأفغاني قبيل الثورة (1879)، نُفي

عرابي ورفاقه إلى سري لانكا. كما جرى التنكيل بالعُرابيين من علماء وعُمد ومشايخ وأعيان، وعُزلوا

من مناصبهم، وجُردوا من نياشينهم وأوسمتهم. وأغلب الظن أن حادثة الثورة العرابية كانت فاصلة

في تاريخ المراقبة والضبط؛ إذ بدأ القلم المخصوص الذي أنشئ في وقت سابق ينشط في مراقبة الناس.

ولقد تحدث عبد الله النديم (وهو ممن حُوكموا في الثورة العرابية ونُفي مع عرابي) عن البصاصين

الذين انتشروا بكثرة في هذا الزمن قائالً: «ولقد ذكرت بهذه الحكاية أخلاقًا حدثت في بلادنا بالمظالم

والتعذيب بغير ذنب، منها وجود بعض شُبان أو شيوخ يتحدثون بأمر سياسي وعيونهم ترمق المارين

وقلوبهم ترجف خوفًا من الجاسوس المسمّى (بالبصاص)... فقد امتلأت القلوب بالخوف حتى شك

الرجل في ابنه والأخ في شقيقه». كما دخلت السياسة هنا في عملية المراقبة، وأصبحت المراقبة هي في

33 ميتشل، ص.73

34 انظر: المصدر نفسه، ص.74

35 ميلاد حنا زكي، «قصة «جبروت الجهاز الأمني» من«الخدمة السرية» إلى «أمن الدولة»،» المصري اليوم، 2011/4/21، على الموقع

<http://www.almasryalyoum.com/node/408647>. الإلكتروني:

36 للمزيد انظر: لطيفة محمد سالم، القوى الاجتماعية في الثورة العرابية (القاهرة: دار الشروق، 2009).

37 عبد الله النديم، مجلة التنكيت والتبكيت، دراسة وتحليل عبد المنعم إبراهيم الجميعي؛ تقديم عبد العظيم رمضان (القاهرة: الهيئة

المصرية العامة للكتاب، 1994)، ص.253

الأصل مراقبة سياسية، بعد أن جعلت الثورة السياسة موضوعًا اجتماعيًا يخرج عن دائرة القصد وعن

الدائرة المغلقة للأمراء ورجال السياسة. وكان من المتوقَّع أن تتعقد عمليات مأسسة البصاصة في الدولة الاستعمارية، وتتضخم أجهزتها في ضوء

فكرة تضخم أجهزة الدولة في مقابل المجتمع. وما الاستعمار إلا محاولة ل«تأطير» نظام للمراقبة ينتهي في

آخر المطاف إلى إنشاء «سلطة سياسية في مصر تسعى ليس فقط لأسر جسم الفرد بل لاستعماره وللإبقاء

على حضور مستمر لها». وقد عملت السلطات الاستعمارية على ضبط عمليات التجسس والمراقبة على

أسس أكثر دقة وأكثر احترافية، كان أهم مظاهرها العمل على أن تكون أجهزة المراقبة السياسية أجهزة

متخصصة، ومن هنا يتحول القلم المخصوص إلى مكتب للخدمة السرية أو ما يسمَّى البوليس السري أو

«القلم السياسي». وتكشف مهمة هذا القلم السياسي عن أنه جهاز للتعقب والملاحقة، ولا سيما تعقب

وملاحقة شباب الحركة الثورية والمعادين للاستعمار والقصر. وقد تحدثت كتب التاريخ الحديث عن هذا

الجهاز بشكل يكشف عن هذه المهمة بوضوح؛ إذ كان هذا البوليس السري أحد أفرع المباحث الجنائية

التي أنشئت في سنة 1921 وأصبح لها فروع متخصصة: مباحث المخدرات، ومباحث التزييف، ومباحث

حماية الآداب العامة، ثم مباحث السياسة أو قلم مخصوص. وطورت هذه المباحث أساليب كانت قد

بزغت بدءًا من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، منها حفظ الملفات وتتبُّع من لهم سوابق

إجرامية، ومنها استخدام بصمات الأصابع، وفصل الشرطة عن الإدارة المدنية، وتعزيزها في مقابل

إضعاف الجيش، واستخدام قوات نظامية ملحقة بجهاز الشرطة تتسم بطابع أكثر عسكرية، وهي تشبه إلى

حد كبير قوات الأمن المركزي الحالية. والحق أن وجود إدارتين، إحداهما أمنية والأخرى مدنية، يضمن مزيدًا من الرقابة على الأقاليم. ورغم

وجود بعض الصراع بين الإدارتين، فإن هذا الفصل يعني تاريخيًا الوعي بأهمية الحرفية في مراقبة الدولة

لمواطنيها والعمل في ضوء أدوات متخصصة، ذكرنا بعضها آنفًا، ويجعل البوليس أكثر قدرة على تطوير

أدواته. ونأخذ هنا مثاالً يكشف عن تطور مهم في عمليات المراقبة وهو مراقبة توجهات سياسية بعينها

وأفكار بعينها؛ إذ أنشئ قسم خاص لمحاربة الأفكار الاشتراكية، وخاصة الشيوعية، وتعقّب الشيوعيين

ومعاقبتهم، بعد أن اتسع نشاطهم ونظموا عددًا من الإضرابات والاعتصامات العمالية، خاصة بعد

تأسس حزبهم في سنة 1921. هذا بالإضافة إلى حظر استيراد الكتب الاشتراكية وبيعها للجمهور. ولقد

استُخدمت في هذا الصدد أدوات قانونية وبوليسية كثيرة، فاتجهت النصوص القانونية (وخاصة المادة 151

من القانون الجديد) التي سدّت جميع المنافذ أمام المعتنقين  للفكر الماركسي، أو المتعاطفين معه، إلى التضييق

على المواطنين والعمال في ممارسة العمل العام، أو حتى حث الآخرين عليه، أو تبنّي أفكار من شأنها أن

تهدم النظام، حيث أُضيف إلى القانون رقم 37 لسنة 1923 مادة تتعلق بتجاوز النقد المسموح به، ومعاقبة

من يرتكب ذلك، خاصة عندما يكون النقد متعلقًا بالتحريض على كراهية نظام الحكومة وازدرائه، أو

وضع عثرات تعوق الحكومة عن إنجاز الأعمال المنوطه بها، وذلك عن طريق بث «الاضطراب في النفوس

وتحريض الشعب على بغض الحكومة والازدراء بها». وبرر القانون تغليظ العقوبة هنا بأنه إذا توافرت هذه

الأحوال، فحينئذ يكون قد وقع تجاوز لحدود النقد المسموح، بل يجب إنزال العقوبة إذا أريد الاحتفاظ

38 ميتشل، ص.153

39 الفحام، ص.59

40 الأنصاري، ص.99

بالهيئة والسلطة اللتين لا غنى عنهما للحكومة ولنظم الدولة الأساسية. وقد وصلت عمليات ضبط

انتشار الشيوعية إلى النص صراحة في مادة أضيفت إلى قانون العقوبات سنة 1946 لمعاقبة من يُنشئ

تنظيامً شيوعيًا بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة عشر سنوات، وغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تزيد على ألف

جنيه. وعلى الرغم من أن الشيوعيين كانوا الأكثر استهدافًا بنظم مراقبة نشاطهم السياسي وأفكارهم،

فإن هذه المراقبة طاولت أفرادًا آخرين لا لهم علاقة بالفكر الاشتراكي. وكان الاتهام بالخروج عن الدِّين

من الوسائل المهمة في مراقبة الأفكار ومنعها من أن تتطاير إلى الآخرين. هنا، نستدعي قضايا شهيرة جرى

التحقيق فيها، من أشهرها قضية كتاب في الشعر الجاهليلطه حسين (1926)، وقضية كتاب الإسلام

وأصول الحكملعلي عبد الرازق).1925(لذلك، كانت مراقبة المصنّفات الفنية والمطبوعات من أهم أساليب المراقبة التي تسير جنبًا إلى جنب مع

مراقبة السلوك والفكر السياسي. وقد ظهرت بوادر لهذه المراقبة في نهاية القرن التاسع عشر، مع انتشار

المسارح التي كانت لا تبدأ عرض أي مسرحية إلا بإذن من وزارة الداخلية التي كانت تمنع عرض أي

مسرحيه تتعارض مع الدِّين خاصة، كما حدث مع مسرحية «يوسف» سنة 1893، أو تتعارض مع أمور

سياسية، كما حدث مع مسرحية «أدهم باشا» سنة 1898. استمر هذا الوضع في عهد الاستعمار، بل تزايدت المراقبة مع تشديد السلطات الاستعمارية مراقبة

المسرحيات ذات الطابع السياسي، وإصدار لائحة خاصة بذلك سنة 1911، جاء فيها «ممنوع ما كان

من المناظر أو التشخيص أو الاجتماعات مخالفًا للنظام العام والآداب، وللبوليس الحق في منع ما كان

من هذا القبيل وإقفال التياترو عند الاقتضاء». وترتبت على صدور هذه اللائحة تدخلات سافرة في

النصوص بالحذف أو التعديل أو المنع، واشتمل ذلك أيضًا على نصوص الأفلام لدى بدء صناعة السينما

في الظهور آنذاك. والمتأمل في الطريقة التي تطورت بها عمليات المراقبة والضبط في الدولة المصرية الحديثة قبل الاستعمار

وبعده يكتشف بعض المسارات التاريخية في تشكيل عملية المراقبة والضبط. ومن أول تلك المسارات

تعاظم دور المراقبة، وتعقّد أجهزتها مع تقدّم الزمن وتضخّم أجهزه الدولة الحديثة (نشأة البوليس، والضبط

الإقليمي أو المحلي للقطر، وتطور الأنظمة الإدارية والمنظومة التشريعية). هنا، تشكّل المسار التاريخي

عبر عملية منظَّمة لمأسسة العمليات البسيطة للضبط والمراقبة (مثل استخدام العيون والبصاصين)، أي

تحويلها إلى مؤسسات، وهذا لا يعني الاستغناء عن العيون والبصاصين، بل إعطاءهم مسميات جديدة،

وتنظيم عملهم وإخضاعه لمنظومات قانونية، والميل إلى الاعتماد بشكل أكبر على التدوين وحفظ الملفات.

وثمة مسار تاريخي ثان يمكن أن نكتشفه من قراءة المادة التاريخية، وهو يتعلق بالعلاقة بين نمو المقاومة

وحركات الاحتجاج من ناحية وتعقّد نُظم المراقبة (خاصة سن القوانين) من ناحية أخرى. كما شهدت

هذه الفترة ظهور حركات احتجاجية، بدءًا من تمرد العرابيين سنة 1882، ومرورًا بالتظاهرات المطالبة

بالاستقلال، والتظاهرات والاحتجاجات العمالية في العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين، وانتهاءً

41 عبد الوهاب بكر، أضواء على النشاط الشيوعي في مصر، 1950-1921: دراسة وثائقية (القاهرة: دار المعارف،.)1983

42 المصدر نفسه، الفصل.4

43 سيد علي إسماعيل، «تاريخ الرقابة وتطورها،» ورقة قدمت إلى: الندوة الفكرية لمهرجان الكويت المسرحي الثامن (أقامها المجلس

الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2005/4/20-12)، على الموقع الإلكتروني: <www.kenanonline.com< (Accessed

بظهور تيارات الفكر الاشتراكي وانتشارها، وتمدد عملية النقد والتمرد داخل الخطاب الثقافي والفكري.

أما المسار التاريخي الثالث، فإنه يتعلق بموضوعات المراقبة؛ إذ تكشّف عن أنها تدور حول موضوعات

الدِّين خاصة، ثم تنتقل منه وتتوسع إلى موضوعات أخرى. وما لبثت مراقبة السلوك الأخلاقي أن تحولت

– في ظل انتشار الحركات الاجتماعية – إلى مراقبة للسياسة والفكر والعلاقات والأفكار الحديثة. تؤشر هذه المسارات كلها إلى أن المراقبة تتحول وتتعدد أهدافها وطرائقها وموضوعاتها مع تعقّد أجهزة

الدولة، أو مع تضخّم هذه الأجهزة ومحاولة تمدّدها في جسد المجتمع (الذي يعاني تخلفًا شديدًا). كما

تؤشر إلى أن هذا التضخّم لأجهزة الدولة ونموه في جسد اجتماعي متخلف، وما يتبعه من نظم للمراقبة

والضبط، كل ذلك يعمل أصالً لخدمة مصالح التحالف بين المستعمرين والطبقة البرجوازية الناشئة من

مالّك الأرض وأرباب الصناعة والتجارة، والطبقة الوسطى الناشئة من أصحاب المهن المتخصصة؛

تلك الطبقة التي سوف تقود التغيير نحو تأسيس دولة ما بعد الاستعمار. كما تؤشر أوالً وقبل كل شيء

إلى العمليات المتعددة والمتشابكة التي تؤدي في النهاية إلى تكوين أطر محددة للسلوك، أي تحديد معايير

الصواب والخطأ، ومعايير النقد والاحتجاج، والموضوعات التي تناقَش وتلك التي يجب الابتعاد عنها

أو تجنّب الخوض فيها، وغالبًا ما يرتبط تكوين الأطر بتبريرات ثقافية تعمل بشكل دائم على «حراسة

السياسة» - النظام السياسي - بزعم حراسة الدِّين والأخلاق.

ثانيًا: دولة ما بعد الاستعمار: مأسسة العنف والقمع

ماذا حدث لنظم المراقبة والضبط بعد أن رحل المستعمرون؟ هذا السؤال يدفعنا إلى سؤال آخر: هل

ارتبطت حركة التحرر الوطني التي صاحبت الثورة - وهي النقطة الفاصلة في التحرر الكامل من

الاستعمار- بتخفيف أنظمة المراقبة والضبط، أم إنها أغلظتها؟ وهل يمكن أن تفتح الإجابة عن هذين

السؤالين الأفق الفكري نحو فهم أعمق لطبيعة تكوين الدولة الوطنية المعاصرة في مجتمع كمصر، وآليات

المراقبة التي ابتكرتها؟ أحسب أننا بحاجة إلى أن نبدأ بالبحث عن طبيعة السياق الذي تشكّلت فيه نظم المراقبة في دولة ما بعد

الاستعمار. ثمة ثلاثة أبعاد كاشفة في مثل هذا السياق: طبيعة التضخّم في أجهزة الدولة؛ طبيعة النخب

السياسية التي أدارتها؛ طبيعة الأيديولوجيا التي شكّلت صيغتها السياسية. وبالنسبة إلى قضية التضخم،

فإننا نفترض هنا أن حجم التضخم في أجهزة الدولة ازداد في هذه الحقبة، كما أنه ارتبط بتضخم أكبر، ربما

يكون قد أصاب جوانب من البنية الفوقية، وخاصة الخطاب السياسي. لقد تضخّم الخطاب السياسي،

أكان الخطاب ذا النزعة القومية أم ما تلاه من خطاب يمتلئ بادعاءات ديمقراطية وليبرالية، وامتلأ

بعبارات فضفاضة تثير الحماسة والتصفيق، وتكشف بلاغته السياسية عن أساليب إقناع وتأثير، كما

أنه امتلأ بالعبارات التي تستخدم الثقافة التقليدية والقيم الأبوية في بعث التعاطف بين النخب السياسية

والجماهير، والعبارات التي تستخدم النصوص الدينية (في مطالع الخطابات ونهاياتها، وربما في وسطها)

لتحقيق أهداف سياسية. وهو، فضالً عن ذلك، خطاب يتكيف مع طبيعة الأوضاع الاقتصادية والمتغيرات

العالمية والإقليمية، ويفرز إبداعاته الخطابية في كل مرحلة وفقًا لهذه الأوضاع.

44 انظر: عماد عبد اللطيف، لماذا يصفق المصريون؟: بلاغة التلاعب بالجماهير في السياسة والفن (القاهرة: دار العين،.)2009

من ناحية ثانية، أفرزت حقبة ما بعد الاستعمار نخبة سياسية تشك لت من طليعة الطبقة الوسطى التي

كانت معالمها قد تبلورت مع نهاية النصف الأول من القرن العشرين. واتسمت بكثير من الخصائص

التي وسمت نخب ما بعد الاستعمار في مجتمعات العالم الثالث، مثل الشعور بالتفوّق على سائر الأمة،

والربط بين النجاح في تحقيق الاستقلال والحق في الحصول على مكاسب، والشعور الفياض بحمل

الكاريزمات دون سائر الأمة، والتوحيد بين جماعات النخبة والأمة...، بحيث يؤول مفهوم الأمة إلى

مفهوم مجرد لا معنى له إلا في الخطاب الأيديولوجي. ولقد تبنّت هذه النخبة تطلعات متضخمة

هي أشبه بالخطاب الذي تفرزه تلك التطلعات التي انعكست في رؤى سياسية طموحة لم يتحقق منها

إلا النزر اليسير، فضلا عن التقلب في هذه الرؤى عبر الزمن، وفقًا للتغيرات التي تطرأ على بناء النخبة

(رأسًا وجسدًا وأطرافًا). أما من الناحية الثالثة، فإن نظم الحكم المتتالية، منذ قيام الثورة الأولى (1952) وحتى قيام الثورة الثانية

(2011)، اشتركت، رغم اختلافها، في وجود قدر من التسلطية؛ إذ تحولت الدولة هنا – مثلها مثل كثير

من الدول في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية – إلى شكل من أشكال التسلط الذي حاول أن يعسكر الدولة

والمجتمع بفرض قوانين الطوارئ، وأن يحتمي بأيديولوجيا الاستقرار والأمن القومي، وذلك للمحافظة

على النظم السياسية أطول فترة ممكنة. فماذا عسى أن يفرز هذا المركّب السياسي الأيديولوجي النخبوي من أنماط للمراقبة؟ لا شك أن أجهزة

الدولة هنا سوف تصل إلى درجة عالية من التضخم إزاء المجتمع وسكانه؛ فالنخبة تترفع على المجتمع

الذي تعتبر نفسها راعية له، وتنتج خطابًا ينضح ببلاغة التأثير والإقناع والتوجيه، ويصبح هاجس الأمن

القومي وسيلة لمزيد من إحكام القبضة على المجتمع. وفي ضوء هذا، يفرز المركّب السياسي الأيديولوجي

النخبوي صورًا جديدة من الرقابة والضبط، مع تطوير الأساليب المتوارثة من العهد الاستعماري

وتدعيمها. وننطلق في فهمنا لأساليب المراقبة والضبط في الحقبة ما بعد الاستعمارية من فرضية مفادها أن

المراقبة هنا تتجاوز عملية مأسسة «البصاصة» - المباحث بالمعنى الحديث - إلى استخدام أساليب مباشرة

وغير مباشرة في مأسسة العنف والقمع. وسوف يتضح لنا من خلال التحليل التالي كيف أن مأسسة

العنف لا تعني فقط استخدام العنف المباشر أو العنف الرمزي من جانب الدولة وأجهزتها الرقابية، بل

تعني أيضًا بث العنف في المجتمع كوسيلة لإعادة إنتاج الاحتواء والهيمنة من أعلى. كي نبحث في البداية في كيف جرى توسيع دائرة المراقبة والضبط، من نافل القول هنا تأكيد استمرار

الأساليب القديمة وتجويد أدواتها في مجالات الرقابة السياسية والاجتماعية والثقافية. لذا، فإن جل

اهتمامنا ينصبّ هنا على ما استجد منها. لقد شهدت هذه الفترة إنشاء أجهزة مراقَبة عديدة نذكر

منها الجهاز المركزي للمحاسبات (أنشئ ديوان محاسبة في سنة 1942، ثم أصبح الجهاز المركزي

للمحاسبات في سنة 1964)، والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة (أنشئ في سنة 1964)، وجهاز المراقبة

الإدارية (أنشئ في سنة 1964)، وجهاز المخابرات العامة (1952) وجهاز مباحث أمن الدولة (وهو

استمرار لقسم المخصوص الذي سُمّي «المباحث العامة» في سنة 1952، ثم سامّه السادات «مباحث

أمن الدولة»). وتتجه هذه الهيئات نحو مزيد من الضبط والإحكام من طرف الدولة على المجتمع.

45 زايد، «نخب ما بعد الاستعمار.»

46 Andre Gunder Frank, Crisis in the Third World (London: Heinemann, 1981), pp. 207-260.

وثمة جوانب إيجابية هنا، لا شك في ذلك، خاصة إذا اتجهت هذه الأجهزة إلى محاربة الفساد، وضبط

توصيف الوظائف العامة وتصنيفها، ومراقبة المسلك الإداري لرجال الدولة، وحفظ الأمن الخارجي

والأمن الداخلي. ولكن ثمة وجهًا آخر للضبط والمراقبة والإحكام هنا يكشف عن توجيه هذه الأجهزة

لخدمة مصالح سياسية، والحفاظ على النظم السياسية المتعاقبة. فعلى الرغم من أن جهازي المحاسبات

والمراقبة الإدارية يتمتعان باستقلال تام (الأولمن خلال التبعية المباشرة لرئيس الجمهورية والثانيمن

خلال تبعيته للسلطة القضائية المستقلة)، فإن ثمة ادعاءات بتدخلات من الدولة في عمل الجهازين،

وتوجيه قضايا بعينها في مسارات معيّنة، وهو الأمر الذي أكده تقرير الشفافية الدولية، إذ كشف عن

تدني مرتبة مصر في مستوى الشفافية ومحاربة الفساد (ترتيب 118 من 174 دولة)، كما أكد أن تدخّل

الأجهزة التنفيذية في عمل الجهات الرقابية العامة والخاصة هو أحد الأسباب الرئيسة في هذا المستوى

المتدينّ من الشفافية. إن تشديد مراقبة الميول الافسادية يحتاج إلى اقترانه بمبدأ العدل من ناحية والفصل بين السلطات من ناحية

أخرى، وإلاّ تحولت المراقبة إلى مراقبة سياسية تعطي وتأخذ، تمنح وتمنع. ولا يعني هذا بطبيعة الحال تساوي

جميع النظم السياسية التي شهدتها مصر المعاصرة في هذا الشأن، فثمة فوارق بين هذه النظم يجب أخذها في

الاعتبار. إن منظومة الضبط والمراقبة هنا – بتحيزاتها من ناحية والتدخلات في شؤونها من ناحية أخرى -

تتحول إلى منظومة تعمل لخدمة مصالح فئات معينة. كما أنها تعمل كأداة للقهر بدالً من أن تكون أداة لبث

الثقة والطمأنينة. ولاشك أن مثل هذا الوضع سوف يبث في المجتمع إشعاعات من العنف الرمزي الذي يثير

بدوره خوفًا وقلقًا، كما يثير وهمًا زائفًا بالعدل والإنصاف. إن الأصل في المراقبة هنا لن يكون محاربة الفساد

(ما دام العدل والاستقلال الكامل غائبين) وإنما تأسيس هيبة الدولة، وتمكين القوى، وتهميش الضعيف.

تعمل القوة الرمزية على بث أفكار وتصورات تجعل الأفراد يرون أن النظام الاجتماعي القائم نظام عادل،

كما يثير لدى الضعفاء إحساسًا شديدًا بالخوف والقلق، وتتحول القوة الرمزية في هذا السياق إلى شكل من

أشكال العنف المبني داخل السياق الذي يساعده العنف على إعادة إنتاج نفسه. لعل هذه القوة الرمزية وما يصاحبها من عنف رمزي تضاعفا من خلال عمل الأجهزة الأخرى التي تمارس

صنوفًا مختلفة من المراقبة، أعني مراقبة سلوك البشر وأفكارهم وحركة حياتهم. وقد دشنت، في هذه الحقبة،

أسسًا لمراقبة سياسية قوية عبر جهازين مهمين: جهاز الأمن القومي، أو ما سمّي جهاز المخابرات العامة،

وجهاز مباحث أمن الدولة. وعلى الرغم من أن جهاز الأمن القومي يتجه في الأساس إلى الأمن الخارجي،

فإنه سخّر جزءًا كبيرًا من نشاطه للأمن الداخلي، بل إن هذا النشاط الداخلي اتسع اتساعًا كبيرًا في عهدي

السادات ومبارك إلى درجة أن جهاز الأمن القومي كان يشارك الأجهزة الرقابية الداخلية في رصد الحركات

الاجتماعية ومتابعتها، خاصة مع تزايد الحراك السياسي في مطلع الألفية الثالثة. لقد أصبح من الشائع أن

يكون هذا الجهاز موجودًا بثقة – جنبًا إلى جنب مع جهاز أمن الدولة وجهاز المراقبة الإدارية – داخل دواوين

الوزارات وفي الهيئات الحكومية الكبرى، والجامعات والمراكز البحثية، والنقابات والأحزاب السياسية، بل

إن هذا النشاط وصل إلى القرى والأماكن النائية. ويبقى عمل جهاز الأمن القومي في الداخل عمالً مساندًا

47 Transparency International, Corruption Perceptions Index, 2012 (Berlin: Transparency International, 2012), on the Web: <http://www.ey.com/Publication/vwLUAssets/2012_TI_CPI/$FILE/2012%20TI%20CPI.pdf>. 48 Pierre Bourdieu, Outline of a Theory of Practice , Translated by Richard Nice (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1972).

لعمل مباحث أمن الدولة التي تُعتبر العمود الفقري في المراقبة والضبط الداخليين. ويُعتبر هذا التنظيم

المباحثي امتدادًا لما كان موجودًا في دولة الاستعمار قبل سنة 1952، ولكن تنظيمه جرى في الحقبة ما بعد

الاستعمارية على نحوٍ جديد، وحمل اسمه الذي أصبح اسامً شهيرًا في عالم الضبط والمراقبة. وقد مارس جهاز

أمن الدولة في العقود الأربعة الماضية صورًا من المتابعة تتعدى مرحلة «تأسيس العملية المباحثية» التي تحدثنا

عنها في الحقبة الاستعمارية؛ إذ أصبح يتمدد في جسد المجتمع، ويمارس صورًا من القمع المباشر وغير المباشر.

وسوف نعرض في ما يلي لبعض جوانب هذه الصورة.

-1 المراقبة تتمدد في جسد المجتمع

شهدت الحقبة المعاصرة (الممتدة من نهاية الستينيات إلى قيام ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011) تمددًا

هائالً لجهاز أمن الدولة - كجهاز مراقبة - في جسد المجتمع. ويكشف الواقع أن الحديث عن مزيد من

الديمقراطية في مصر واكبه تطور وتحديث لجهاز أمن الدولة. لقد بدأ الحديث عن الديمقراطية عندما فُكِّك

نظام الحزب الواحد، ودُعي إلى تكوين المنابر (1976) التي ما لبثت أن تحولت إلى أحزاب. ولكن هذا

التحول لم يكن سوى تحول شكلي صاحبه تحول نوعي في نظم المراقبة والضبط، من جانب الدولة، من خلال

التوسع في نفوذ جهاز أمن الدولة (ونزول الأجهزة الرقابية والمخابراتيه الأخرى لكي تعمل بجواره، أو هو

يعمل بجوارها، مثل جهاز الأمن القومي وجهاز المراقبة الإدارية). ولم يُنتج الخطاب الديمقراطي هنا رفعًا

وتخفيفًا لأجهزة المراقبة، بل أنتج مزيدًا من التوسع فيها. واتخذ هذا التوسع شكلين؛ الأولهو التوسع الرأسي

النازل، فلم يعد جهاز أمن الدولة الآن يعمل في دوائر محدودة في المدن فقط (كمراقبة أهل الفكر والفن وكبار

موظفي الدولة)، بل امتد نشاطه إلى أبعد القرى والنجوع، وأصبح له عيون في كل مكان. والثاني هو التغلغل

في الجهاز الإداري والحكومي للدولة، إذ نجد لرجال أمن الدولة وجودًا في مكاتب الوزراء ووكلائهم،

والمحافظين ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات. كما نجد لهم تعاونًا مع رؤساء مجالس المدن والقرى والعمد

والمشايخ، بل تعاونًا وثيقًا مع عيون لهم ليسوا من الشرطة، وإنما من الناس العاديين الذين يوثقون علاقاتهم

بالجهاز الأمني طمعًا في الحصول على وظائف عليا أو مزايا خاصة. وعن طريق هذين المسارين أصبح جهاز

المراقبة الأول ممتدًا في جسد المجتمع، لا تغيب عنه حركة ولا سكنة. وكما ذهب أحد الباحثين إلى القول: «فقد

أصبح هذا الجهاز كيانًا أسطوريًا مخيفًا يخشاه الجميع دون أن يعرفوا عنه أي شيء».

-2 الإبداع في استخدام العنف

كان استخدام العنف في الضبط والمراقبة في مجتمع ما قبل الاستعمار استخدامًا مباشرًا، وربما بغير تنظيمات

قانونية واضحة. وكان هذا العنف عنفًا بدنيًا خالصًا يتسم بالقسوة الشديدة. ويبدو أن السجن كان

أهون صور العقاب وأقلها تأثيرًا. ثم شهدت الحقبة الحديثة وقف مثل هذه الصور من العقاب، إذ منع

القانون بدءًا من سنة 1834 ضباط العاصمة ومديري الأقاليم من تنفيذ هذه العقوبات، وخاصة عقوبة

الإعدام. يعنى ذلك أن الدولة في العهد الاستعماري توسعت في نظام السجن كإحدى صور العقاب

49 يعتمد هذا التحليل على مشاهدات ميدانية، كما يعتمد على قراءة لبعض المذكرات التي كتبها سجناء الرأي، وبعض تقارير منظمات

حقوقية مصرية.

50 عبد الوهاب خضر، «صفحات من التاريخ الأسود لجهاز أمن الدولة فى مصر،» (الحوار المتمدن، 2011/2/23)، على الموقع

<www.m.ahewar.org>. Accessed 28/8/2013). الإلكتروني:

51 الفحام، ص.47

والمراقبة، وتخلت تدريجيًا عن استخدام العنف المباشر الذي يمكن أن يمارَس في أي مكان، وربما على

رؤوس الأشهاد، وإن لم تتوقف عن استخدامه من وراء ستار. مع التوسع في الأجهزة الاستخباراتية، وإنشاء جهاز أمن الدولة، لم يعد السجن فقط هو الوسيلة العقابية

الشكلية التي نص عليها القانون، بل أضيف إليه استخدام العنف، وأساليب التخويف المختلفة، التي

تجعل خبرة السجن وسيلة لإماتة النفوس وكسر كبرياء من يمر بها، وتجعل خبرة السجن عظة وعبرة

للآخرين في خارجه. يتحول السجن، وما يحيط به من إجراءات للاعتقال والمداهمة والتحقيق، إلى مكان

(أماكن) يشع الخوف على المجتمع، ويجعل أصحاب الوعي «الشقي» يشعرون بأن المجتمع يتحول بهم

إلى سجن كبير. فإذا كانت الدولة المركزية تعمل كرمز للقوة التي تشعها على المجتمع بصور مختلفة، رمزية

وغير رمزية، فإن السجن يعمل - مثله مثل أجهزة الرقابة - كرمز للخوف يشعه على المجتمع في توازٍ مع

إشعاعات القوة. فمن خلال خبرة السجن «نستطيع أن نتعرف بصورة يومية مجسمة على كثافة الاستغلال

الواقع على الشعب، على فقراء الناس حين يحاصرهم السجن والمذلة وتضيق بهم كل السبل، ويفتقدون

حتى الاعتراف بإنسانيتهم». ويتجه التعامل مع المقبوض عليهم من أصحاب التوجهات السياسية،

خاصة، إلى ابتداع أساليب مبتكرة تعمل في اتجاهين: الأولبث الرعب والخوف والقلق في نفوس الأفراد

والجماعات بشكل عام، والثانيالعمل على أن يستسلم الشخص المتهَم وأن يمتنع عن العودة إلى مثل

هذه الأعمال مرة أخرى. تستلهم السلطات الأمنية هذه الاستراتيجيا من الثقافة التقليدية التي تردد المثل

الشعبي الشهير «أضرب المربوط يخاف السايب»، أي عليك بضرب المقيَّد الذي تملك زمامه، وهذا يؤدي

إلى خوف الآخرين الذين لا تملك زمامهم. وتؤدي هذه الاستراتيجيا السلوكية في التعامل مع المعتقلين

السياسيين إلى تأكيد القوة الرمزية للأجهزة الأمنية، ونشر الشعور بهذه القوة على أوسع نطاق. كما أنها

تعمل من خلال آليات فرعية تم استخلاصها من قراءة بعض سير المسجونين السياسيين وبعض التقارير

الحقوقية على النحو التالي: - الغموض والإبهام: يتأكد الشعور بأن عالم الجهاز الأمني محاط بالغموض والإبهام، وأن لا أحد قادر على

أن يعرف ماذا يجري داخله، ولا يعرف نيات القائمين على أمره؛ فالمقبوض عليهم لا يعرفون سبب القبض

عليهم، ولا يعرفون – أو لا يعرف أهلهم – مكان التحفّظ عليهم، خصوصًا في الأيام الأولى. فنحن هنا

بصدد عالم مجهول مقطوع الصلة بالمجتمع. - اقتحام الأجساد: يتحول الجسد في أيدي رجال الدولة إلى شيء يمكن أن يرمى في أي مكان، حتى وإن

امتلأ ب«الحر والرطوبة والبق والصراصير وبصاق العساكر»؛ كما يمكن أن يعذَّب إلى حد الانتهاك

(أقلها التجريد من الملابس). - إضعاف الهمة: يتجه التعذيب إلى استخدام أدوات نفسية كالضوضاء والإنهاك البدني، وإجبار الأفراد

على الاعتراف على زملائهم وأصدقائهم، واستكتاب المسجونين لاعترافات، واستخدام أقسى عبارات

الإهانة والسباب. - انتهاك الخصوصية: ومن ذلك انتهاك خصوصية الأُسر في أثناء عملية القبض على الأشخاص، حيث

52 فريدة النقاش، السجن.. الوطن (بيروت: دار الكلمة، 1983)، ص.18

53 المصدر نفسه، ص.38

54 انظر: احمد رائف، البوابة السوداء، ط 3 (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، ٦٨.)19

يصبح المنزل بحجراته المختلفة مباحًا أمام ضباط وجنود التفتيش، كما تعربّ عنها هذه الكلمات «وكان كل

شيء مقلوبًا في الغرفة (حجرة الأخت) محتويات الدولاب والملابس ملقاة على الأرض وفى أي مكان...

وأختي تصرخ وتسب وتلعن». ويصل انتهاك الخصوصية إلى انتهاك خصوصية أجساد المسجونين

الذين يجرَّدون من ملابسهم – أحيانًا – في أثناء عمليات التعذيب. إن هذه الأساليب وغيرها التي تهدر كرامة الإنسان، وتنزل به إلى مصاف أدنى من الإنسانية، لا تؤكد

قوة الدولة فحسب، بل تعمل أيضًا على نشر هذه القوة وإذاعتها على الناس. إن هذه الأساليب، بجانب

التمددات الأفقية والرأسية للأجهزة الرقابية، تعمل على بث صورة ذهنية للدولة في عقول الأفراد، وهي

صورة الدولة القوية التي لها أذرع صلبة لا تكسر، وتؤدي هذه الحالة إلى جعل الدولة حاضرة رغم غيابها

الدائم عن حياة الأفراد؛ حاضرة في عقولهم كدولة قوية بصرف النظر عما تقوم به في الواقع. ويحاط

هذا الحضور بقدر كبير من الغموض والإبهام، ويؤدي هذا بدوره إلى مزيدٍ من تأكيد القوة الرمزية للدولة.

فكلما زاد الغموض قلّت القدرة على الاختراق. إن الدولة هنا تصبح أقرب إلى «الغول»، تلك الشخصية

الأسطورية الغامضة المخيفة التي لا يعرف لها الناس شكالً ولا مكانًا. وينتقل هذا الغموض الذي يلبس

الدولة عند المركز إلى مستويات أدنى من مركّب القوة والسلطة، حيث نجده مجسدًا في علاقات القوة

والسلطة أينما كانت. وفي هذه الحالة تصبح كل سلطة - وإن صغرت - صورة مصغرة من الدولة (أفكر

في هذا السياق في صورة المدير والقاضي والضابط، وحتى المدرس، وربما الأب داخل المنزل).

-3 نقل العنف إلى الشارع

يتجىلّ العنف في المراقبة الحديثة – كما رأينا – بصورتين: الأولىتتمثّل في العنف المباشر الذي يمارَس في أثناء

عمليات الاعتقال والسجن، والثانية تتمثّل في العنف الرمزي الذي ينتج من الأول ويتدعم عبر خطاب

الدولة وحضورها اليومي في حياة الأفراد. ولكن يبدو أن آليات المراقبة المصاحبة للعنف الفيزيقي والعنف

الرمزي لم تعد كافية، الأمر الذي نشأ منه شكل جديد – أو آلية جديدة – من أشكال استخدام العنف

يتمثّل فى نقل العنف بين الناس أنفسهم. تتجه هذه الآلية إلى تكوين صور من الصراع والفوضى تجعل

البشر ينشغلون بنتائج هذا العنف وآثاره؛ إنهم ينشغلون بما حدث أمامهم وتحت أرجلهم، ولا ينشغلون

بما حدث فوقهم. وقد نعرض لبعض هذه الصور على عجالة قبل أن نتأمل أثرها في الرقابة والضبط: أ- العنف الطائفي: تكاثرت في دولة ما بعد الاستعمار (خاصة فى صيغتها الأحدث) صور العنف الطائفي

الذي يتمثّل في الاعتداء المتكرر على الكنائس وعلى المسيحيين. ولقد صاحب ذلك تصاعد الخطاب بشأن

«الفتنة الطائفية» و«الوحدة الوطنية»، وهو ما يؤشر على تزايد الاستخدام السياسي للعلاقة بين المسلمين

والأقباط. حقيقة أن هذا الاستخدام السياسي لقضية الأقباط كان استخدامًا قديامً يرجع إلى بداية تشكّل

دولة الاستعمار الأولى في عهد الاحتلال الفرنسى لمصر (-1797 1801)، ولكن الاستخدام السياسي

المعاصر هو استخدام يعمل على تعميق الصراع وتأجيجه من أجل تبرير فرض قوانين الطوارئ من ناحية،

وشغل الشارع بقضايا صراع جانبية وثانوية من ناحية أخرى، وذلك لصرف الأنظار عن التناقضات

55 فتحي عبد الفتاح، شيوعيون وناصريون (القاهرة: روز اليوسف، 1975)، ص.38

56 يبدو هذا الشكل التسلطي من المراقبة أنه قوي، ولكنه يظل ضعيفًا هشًا. وقد أكد الربيع العربي ذلك بوضوح؛ إنه لا ينشئ هيمنة

على الأرض بل ينشئ الهيمنة عن طريق الصور الذهنية والقوة الرمزية.

57 راغب السرجاني، الفتنة الطائفية: الجذور - الواقع- المستقبل (القاهرة: دار أقلام،.)2011

الرئيسة الناتجة مثالً من اتساع الهوة بين الطبقات وازدياد معدلات الفقر وانتشار الفساد. ب- العنف السياسي و«البلطجة»: من الآليات المهمة التي تلجأ إليها الأجهزة الأمنية استخدام

«البلطجية» في إشاعة حالة الصراع أمام لجان الانتخابات، أو توجيه العنف بشكل غير مباشر إلى

جماعات معيّنة في أثناء التظاهرات أو الاحتجاجات. ولقد اتضح ذلك بجلاء في انتخابات سنة 2005

وانتخابات سنة 2010. ويتبع ذلك أن تلجأ جماعات أخرى، مثل الأحزاب (الحزب الوطني المنحل

مثالً)، أو حركات اجتماعية (جماعة الإخوان المسلمين المحظورة حينئذ)، أو بعض رجال الأعمال، إلى

استخدام «البلطجة» لتحقيق أهداف سياسية (في حالة الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية)، أو

أهداف انتقامية (كما في حالة رجال الأعمال). ويؤدي ذلك إلى انبناء الصراع على العنف وتراجع فاعلية

القانون، ويصبح المجتمع أكثر انشغاالً بضبط ذاته، وينصرف عن الدولة. ج- استخدام آلية إثارة الصراع: كانت هذه الآلية تُستخدم بشكل جلي في المؤسسات الإدارية والدوائر

الحكومية المحلية؛ فثمة وجود دائم لرجال الأمن (وأعوانهم من المكان نفسه) هنا، يعملون في صمت

وبعيدًا عن الأعين من أجل تشبيك العلاقات ورسم الخطط (للدمج والاستبعاد) التي تُدخل الأطراف

في صراع، ويبقى الأمن بعيدًا، مدّعيًا في الأحوال كلها الاستقلال والترفع.

إن مثل هذا النوع من استخدام آليات العنف والصراع ونقله إلى حياة الأفراد اليومية يوجِد وضعًا جديدًا

تتخذ فيه المراقبة أبعادًا جديدة. يتسم هذا الظرف بخصائص تفكيكية، إذ يصبح التفكيك (الصراعات

والاستخدامات السياسية للعنف و«البلطجة») وظيفيًا في تدعيم الضبط والسيطرة. ويعمل هذا التفكيك

على إنشاء مجتمعين متقابلين: مجتمع خفي محرك الأمور من وراء ستار، رغم نفاذه الظاهر في جسد المجتمع،

ومجتمع تتباعد أجزاؤه وتتفكك من أجل قوة الطرف الآخر وسيطرته. ويتحول القمع في هذا الوضع إلى

قمع مزدوج: قمع أجهزة الدولة، وقمع الأفراد بعضهم لبعض. ويشع هنا تضخّم أجهزة الدولة في كل

اتجاه، ويتحول التضخّم في الأجهزة الأيديولوجية والرقابية إلى تضخّم يفوق التضخم المادي. والقضية لا

تتعلق هنا باستخدام التكنولوجيا أو الملفات أو العد والتفريد فحسب، بل تتعلق أيضًا باستخدام أدوات

نفسية واجتماعية وخطابية تجعل خصيصة التضخّم ألصق بالبنية الفوقية كلها، وألصق بطبيعة العلاقات

والأفعال التي تصاحب عمليات المراقبة والضبط. فضالً عن ذلك، فإن هذا الوضع يعمل علي كشف

تناقض ظاهر في الممارسات السياسية والخطابية للنخب السياسية؛ ففي الوقت الذي تدّعي فيه أنها الحارسة

للدولة الوطنية المدافعة عن استقرارها، وفي الوقت الذي يُشحن خطابها بعبارات الاستقرار والتماسك

والتضامن من أجل المصلحة القومية، تعمل سياساتها وآليات المراقبة التي تستخدمها على تفكيك المجتمع

وبث صور من التباعد والتنافر بين أفراده وجماعاته، الأمر الذي يهدد وحدة الدولة الوطنية وتماسكها.

خاتمة

إذا كنا قد افترضنا فى هذا المسعى البحثي أن آليات المراقبة تزداد تعقيدًا وتطورًا مع تعقّد الدولة وتعدُّد

وظائفها، بصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي، ديمقراطيا أكان أم غير ديمقراطي، نقول إذا كنا قد

58 «البلطجية» هم أفراد يستخدمون قوتهم الفيزيقية لفرض أتاوى على الأفراد أو لفرض أمر واقع، وغالبًا ما يلجأون إلى بيع قوتهم

الفيزيقية لمن يدفع لهم ماالً.

افترضنا ذلك، فإن حال التضخّم في أجهزة الدولة في الحقبتين الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في البلدان

النامية يمكن أن تفرز صورًا متجددة من المراقبة؛ صور لا تتمثّل فحسب في استخدام التكنولوجيا أو ضبط

الملفات والوثائق، بل تتمثّل أيضًا في استخدام الدسائس والفتن، وبث الرعب في النفوس، والتخويف

باستخدام القوة، وإذكاء الصراع والعنف بين طوائف المجتمع. تتحول حكومات الدولة الوطنية ونخبها

السياسية – التي تدّعي أنها تأخذ بزمام التحديث والنهضة والتقدم – إلى مجتمع خاص يتمدد بأطرافه

في كل جسد المجتمع ويُدخله فى دائرة لا تنتهي من الحرمان والفقر من ناحية، والصراع والعنف من

ناحية أخرى. تبقى الحكومات والنخب «في الفوق» تجني الثمار وتفسد ما شاء لها الإفساد، ويبقى المجتمع

محكومًا ومنضبطًا على نحو قمعي لا طوعي. وتتحول استراتيجيات المراقبة من بث العيون و«البصاصين»

إلى مؤسسات تحكمها قوانين وأنظمة. وتفرز هذه المؤسسات صورًا سافرة وكامنة من العنف الرمزي

وغير الرمزي، كما تُفرز صورًا مستحدثة من نشر العنف والتفكيك بين فئات المجتمع، بل وداخل الفئة

الواحدة. وفي إطار هذا الظرف العام، يمكن فهم عدد من الظواهر التي تحتاج إلى أبحاث أكثر تفصيالً: - تحوّل فئات من النخب (خاصة النخب الوسيطة المتطلعة إلى القوة والنفوذ) إلى أعوان لأجهزة المراقبة.

هنا تصبح مراقبة الأقران وسيلة للوصول إلى مزيد من القوة والنفوذ أو الترقي في السلم الإداري. ويدعونا

ذلك إلى مزيد من الدراسة لسلوك النخب السياسية وميولها الانتهازية، وازدواجية تطلعاتها وأفعالها. - ويكشف سلوك الدولة واستراتيجيات المراقبة التي تستخدمها عن ميل تطوري (ارتقائي) نحو العنف

والقمع، خاصة تجاه المعارضين. ولقد أكدنا توسّع دوائر المعارضة مع تطور نظم الدولة عبر المرحلتين

الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، ولكن هذا التوسع لا يعكس تطورًا نحو إيجاد أدوات مراقبة ذاتية، بل

يعكس التطور نحو مزيد من استخدام العنف الرمزي وغير الرمزي في عمليات المراقبة، بل نقل العنف إلى

الشارع. - يتوقَّع أن تولّد المراقبة – على هذا النحو – صورًا من التباعد والاستبعاد؛ التباعد بين المجتمع من ناحية

والدولة من ناحية، بحيث يبدو الأمر وكأن الناس يعيشون في مجتمعين أو عالمين: عالم الدولة وأتباعها

(زبائنها وزبانيتها) وعالم الناس الذين تتشكل لديهم مستويات متدرجة من الحرمان؛ والاستبعاد الذي

يؤشر إلى استبعاد الفئات الضعيفة والمهمَّشة من ناحية، واستبعاد المعارضين الأقوياء من ناحية أخرى. - كثيرًا ما يرتبط خطاب المراقبة – وخطاب الدولة بشكل عام – بمزيج من القلق الأخلاقي، حيث

الخوف على الدِّين والأخلاق والقيم، وحيث الحنين إلى الزمان الماضي الجميل. ويشكل هذا الخطاب

تبريرًا لتقوية المراقبة وتفريع آلياتها والتوسع فيها. وفي ضوء هذا، يمكن أن نفهم كيف توسعت المراقبة من

مراقبة للدِّين والأخلاق إلى مراقبة لموضوعات أخرى كالسياسة والحريات العامة. - غالبًا ما تنتقل عدوى التباعد - وعدم القدرة على الاتفاق والتدبر العقلي - إلى دوائر المجتمع المختلفة،

خاصة الدوائر التنظيمية الرسمية ذات الطابع السياسي كالأحزاب والنقابات، إذ يصبح الخلاف وعدم

القدرة على الاتفاق صبغة. - يؤدي ذلك بدوره إلى تشكيل أطر ثقافية جامدة لا يمكن الفكاك منها؛ تقف هذه الأطر سدًا منيعًا أمام

الخروج الحداثي. إنها تقلد الحداثة البرانية وتدعم ما ينمو فيها من تطرف وغلو وخرافة، فتصبح ولادة

المجتمع الحديث والدولة الحديثة ولادة متعثرة.

المراجع

-1 العربية

كتب

أمين، أحمد. قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية. القاهرة: دار الشروق،.2010

أمين، سمير. إمبراطورية الفوضى. ترجمة سناء أبو شقرا. القاهرة: دار الفارابي،.2005

الأنصاري، ناصر. تاريخ أنظمة الشرطة في مصر. القاهرة: دار الشروق، 1990.

بريور، دوجلاس وإيميلي تيتر. مصر والمصريون. ترجمة عاطف معتمد ومحمد رزق. القاهرة: مكتبة الشروق

الدولية،.2009

بكر، عبد الوهاب. أضواء على النشاط الشيوعي في مصر، 1950-1921: دراسة وثائقية. القاهرة: دار

المعارف،.1983

بيك، أولريش. مجتمع المخاطر العالمي: بحثا عن الأمان المفقود. ترجمة علا عادل، هند إبراهيم وبسنت حسن.

القاهرة: المركز الثقافي الألماني؛ المركز القومي للترجمة،.2013

الجبرتي، عبد الرحمن بن حسن. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم؛

تقديم عبد العظيم محمد إبراهيم رمضان. 8 ج. القاهرة: جمعية الرعاية المتكاملة؛ مكتبة الأسرة،.2003

جرامشي، أنطونيو. كراسات السجن. ترجمة عادل غنيم. القاهرة: دار المستقبل العربي،.1994

جريمال، نيقولا. تاريخ مصر القديمة. ترجمة ماهر جويجاتي؛ مراجعة زكية طبوزادة. ط 2 مصححة ومنقحة.

القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر،.1993

جوكس، آلان. إمبراطورية الفوضى: الجمهوريات في مواجهة الهيمنة الأمريكية ما بعد الحرب الباردة. ترجمة

غازي برو. بيروت: دار الفارابي،.2005

رائف، أحمد. البوابة السوداء. ط 3. القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، ٦٨.19

زايد، أحمد. البناء السياسي في الريف المصري: تحليل لجماعات الصفوة القديمة والجديدة. القاهرة: نهضة مصر،. تناقضات الحداثة في مصر. ط 2. القاهرة: مكتبة الأسرة،.2006

. الدولة بين نظريات التحديث والتبعية. القاهرة: نهضة مصر،.2006

. «نخب ما بعد الاستعمار». مجلة الديموقراطية: العدد 25، كانون الثاني/يناير.2007

سالم، لطيفة محمد. القوى الاجتماعية في الثورة العرابية. القاهرة: دار الشروق، 2009.

السرجاني، راغب. الفتنة الطائفية: الجذور - الواقع- المستقبل. القاهرة: دار أقلام،.2011

السعيد، رفعت. تاريخ الحركة الشيوعية المصرية. 3 ج. القاهرة: دار الثقافة الجديدة،.1988-1987

عبد الفتاح، فتحي. شيوعيون وناصريون. القاهرة: روز اليوسف،.1975

عبد اللطيف، عماد. لماذا يصفق المصريون؟: بلاغة التلاعب بالجماهير في السياسة والفن. القاهرة: دار العين،.2009

فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد؛ مراجعة وتقديم مطاع صفدي. القاهرة: مركز

الإنماء القومي، 1990. (الأعمال الكاملة لميشيل فوكو)

كامل، فؤاد. الغير في فلسفة سارتر. القاهرة: دار المعارف، 1987. (مكتبة الدراسات الفلسفية)

لوكاش، جورج. التاريخ والوعي الطبقي. ترجمة حنا الشاعر. بيروت: دار الأندلس،.1999

محمد، يوسف. الحركة الشيوعية في مصر. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة،.2012

ميتشل، تيموثي. استعمار مصر. ترجمة بشير السباعي وأحمد حسان. القاهرة: سينا للنشر،.1990

النديم، عبد الله. مجلة التنكيت والتبكيت. دراسة وتحليل عبد المنعم إبراهيم الجميعي؛ تقديم عبد العظيم

رمضان. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1994

النقاش، فريدة. السجن.. الوطن. بيروت: دار الكلمة،.1983

دوريات

زايد، أحمد. «نخب ما بعد الاستعمار.» الديمقراطية: العدد 51، تموز/ يوليو.2013

الفحام، إبراهيم. «الشرطة في مصر في عهد محمد علي إلى الاحتلال البريطاني.» الأمن العام: العدد 20، 1960.

رسالة

سيد علي، شيماء فرغلي.«الجريمة والعقوبة في الأندلس «عصري الإمارة والخلافة».» (رسالة ماجستير غير

منشورة، جامعة القاهرة، كلية الآداب،.)2010

ندوة ومؤتمر

« الرقباء والرقابة بين السياسي والديني في المجتمعات العربية.» (المؤتمر العشرين لمنتدى الفكر المعاصر بدعوة من

مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور، تونس، 24-22

حزيران/ يونيو.)2006

الندوة الفكرية لمهرجان الكويت المسرحي الثامن (أقامها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، وثيقة

خضر، عبد الوهاب. «صفحات من التاريخ الأسود لجهاز أمن الدولة فى مصر.» (الحوار المتمدن،

2011/2/23)، على الموقع الإلكتروني: <www.m.ahewar.org> (Accessed 28/8/2013).

-2 الأجنبية

Bourdieu, Pierre. Outline of a Theory of Practice. Translated by Richard Nice. Cambridge; Dean, Mitchell. Governmentality: Power and Rule in Modern Society. London; Thousand

Robertson, Roland. Globalization: Social Theory and Global Culture. London: Sage Transparency International. Corruption Perceptions Index, 2012. Berlin: Transparency the Web: <http://www.ey.com/Publication/

Alavi, Hamza. “The State in Post –Colonial Societies: Pakistan and Bangladesh.” New Lyon, David. “Globalizing Surveillance: Comparative and Sociological Perspectives.” Saul, John S. “The State in Post-Colonial Societies.” Socialist Register, vol. 11, 1974.

House of Lords. “The Work of the House of Lords 2008–09.” (2009), on the Web: <http:// www.parliament.uk/documents/lords-information-office/holwork.pdf>.

Books

New York: Cambridge University Press, 1972. Oaks, Calif.: Sage Publications, 1999. Frank, Andre Gunder. Crisis in the Third World. London: Heinemann, 1981. Johnston, Hank. States and Social Movements. Cambridge: Polity Press, 2011. Publications, 1992. (Theory, Culture and Society) International, 2012. On vwLUAssets/2012_TI_CPI/$FILE/2012%20TI%20CPI.pdf>.

Periodicals

Left Review: vol. 1, no. 74, July-August 1974. International Sociology: vol. 19, no. 2, June 2004.

Document