العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المجتمع الموازي: خلفية لفهم ما يجري في سورية

المجتمع الموازي: خلفية لفهم ما يجري في سورية

The Question of Citizenship in Sudanese Islamic Thought: Traditional, Renewalist, and Post-Salafist Approaches

جاد الكريم الجباعي*

الملخّص

تقدم هذه المقالة نظرة أولية منبثقة من حقائق الواقع السوري وملابساته، لترسم خطوطًا عامة في تحليل انقساماته، في محاولة فهم ما يطلق عليه الكاتب تعبير "المجتمع الموازي"، أي المجتمع الحكومي في موازاة المجتمع الأهلي، وليب بعض ملامحه. يتفرد الكاتب في مساهمة تحليلية تعبّر عن وجهة نظره، وتتطلع مجلة عمران من خلالها إلى إثارة سجال وتحفيز أبحاث في موضوعات المرحلة.

Abstract

The question of equal citizenship was the axis of the protracted conflicts in Sudan even before the country’s independence. The transition from the traditional context that governed the question of citizenship in precolonial times led to the “pasting” of modern concepts of citizenship during the colonial era, resulting in a failure to develop a culture of citizenship among both the political elite and the average citizen. With the emergence of political Islam and Islamic currents calling for the implementation of an Islamic constitution, ideological and constitutional discrepancies began to crystallize with regards to the concept of equal citizenship. At the same time, due to Sudan’s ethnic diversity, efforts at religious renewal and reform, with the objective of conciliating Islamic thought and the principles of citizenship, have also been evident. With a specific focus on the Islamic currents’ stances on women and religious minorities, the author attempts to identify aspects of Islamic thought in Sudan that contravene the fundamentals of equal citizenship. He also explores renewalist and reformist attempts that emerged from these contradictions.

الكلمات المفتاحية:
  • مجتمع موازي
  • سلطة سورية
  • مجتمع سوري
  • مجتمع أهلي
Keywords:
  • Citizenship
  • Sudanese Islamic Thought
  • Post-Salafi
  • Women
  • Sectarian Minorities

تقدم هذه المقالة نظرة أولية منبثقة من حقائق الواقع السوري وملابساته، لترسم خطوط ا

عامة في تحليل انقساماته، في محاولة فهم ما يطلق عليه الكاتب تعبير «المجتمع الموازي»،

أي المجتمع الحكومي في موازاة المجتمع الأهلي، وليبنيّ بعض ملامحه. يتفرد الكاتب في

مساهمة تحليلية تعبرّ عن وجهة نظره، وتتطلع مجلة عمران من خلالها إلى إثارة سجال

وتحفيز أبحاث في موضوعات المرحلة.

مقدّمة

تسعى هذه المقاربة إلى إعادة التفكير في البنى والعلاقات الاجتماعية والسياسية، والممارسات

القائمة فعالً، وما تولّده من ممكنات. فمن المهم البحث في مواقع الأفراد ومنظوراتهم ومراتبهم،

وشروط حياتهم، وعلاقاتهم المتبادلة، وما تنطوي عليه من الرغبة والمنفعة ومن إرادة المعرفة وإرادة القوة

وإرادة السلطة (وكذلك مواقع الجماعات، التقليدية والمحدثة، وعلاقاتها المتبادلة، بما هي «أفراد» المجتمع

الكلي، أي المجتمع الكبير، أو «مكوناته»). وتحاول، من ثم، تقيصّ الحادث، في فرادته وندرته وصيغته

التصادفية، وفي ماديته وأشكال التعبير عنه، بما هو نتاج عدد معروف ومفترض وعدد غير معروف من

العوامل والفاعلين. ومن البديهي أن غير المعروف يؤكد محدودية المعروف وينفي يقينيته. المهم هو مساءلة

الوقائع والتحولات التاريخية الجارية، بما هي محصلة غير نهائية للعلاقات المتبادلة بين الأفراد، وبين

جماعات تنفرد كل منها بما تعدّه تعبيرًا عن خصوصيتها وهويتها. الظاهرة التي لا يخطئها النظر هي انقسام السوريين قسمين متقابلين: السلطة ومن يوالونها من

الفئات الاجتماعية المختلفة، والمعارضة ومن يوالونها من الفئات الاجتماعية المختلفة، على تباين

في النِّسب. تتدرج أشكال الموالاة والمعارضة من المشاركة في الأعمال القتالية الجارية والجرائم

التي تُرتكب وأعمال الثأر والانتقام وتبريرها وتسويغها.. إلى السجالات الكلامية والخصومات

الشخصية، وتبادل التهم، إلى الانحياز الصامت خوفًا أو حرجًا أو اتقاء. ولا يخلو أن تمر خطوط

الفصل بين المعسكرين في الأُسر والعائلات، علاوة على العشائر والجماعات الإثنية والمذهبية.

لذلك، رأينا أن انقسامًا بهذا العمق يصعب تفسيره، إالّ بتشكل مجتمعين متخارجين تخارجًا مؤسسًا

في تخارج المجتمع و«الدولة» من جهة، وتخارج الحرية والسلطة من جهة أخرى، ومعوقات الانتقال

من الرعوية إلى المواطنة، في النتيجة. يطلق الباحث اسم المجتمع الحكومي على المجتمع الموازي للمجتمع الأهلي أو التقليدي. ويتجنب

البحث في مصطلح مجتمع الدولة أو المجتمع «المدولن»، لأن الدولة مُستغرَقة في السلطة، لا العكس،

ولهذه الأخيرة طابع شخصي خالص ومركزي صارم. والحالة السورية شاهد عيان على أن السلطة يمكن

أن تصنع الأفراد الذين يفترض أنهم يصنعونها، ويمكن أن تنسق بنى المجتمع بما يعمق سيطرتها ويديمها.

وكلمة الحكومة، في النص، والنسبة إليها: الحكومي، تتعدى دلالتُها المعنى التقني (الوزارة)، فتدل على

شكل خاص من أشكال «الدولة» أو شكل خاص من أشكال الحكم، مختلف عن نموذج الدولة الحديثة،

ونظام خاص مختلف عن النظم السياسية المعاصرة، على الرغم من بعض وجوه الشبه التي توحي بها

المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والمنظمات الشعبية بصفتها أدوات السلطة لاختراق بنى

المجتمع والسيطرة على مختلف مجالات النشاط الاجتماعي. وإذ لا يعدم أي باحث وجود صفات مشتركة مع بعض الدول والأنظمة، فإن البناء على وجوه الشبه

يؤدي دومًا إلى تفويت الأوضاع الخاصة وفرادتها، وإخفائها في ظلال نموذج صوري، على أنها استثناء.

والاستثناء لا يؤكد القاعدة، كما هو شائع، بل ينقضها جزئيًا أو كليًا، وهو الواقع الفعلي على طرفي أي

نموذج صوري أو تصوري، يغلب أن يكون كميًا أو إحصائيًا، أو مؤسسًا على رؤية كمية يمكن أن

تكون خادعة. فلا يكفي وصف المجتمع السوري من خلال تحسن الخدمات الصحية والتعليمية والسكن والاتصالات

والمواصلات، أو من خلال المؤشرات الاقتصادية أو السكانية أو المشاركة السياسية... إلخ، وهي

حقائق عينية قابلة للقياس والتكميم، من دون البحث في القيمة التي أضافها هذا التحسن والتطور

إلى رأس المال الاجتماعي والرمزي، وكيف انعكست على حالة الإنسان السوري، من حيث التمكن

الكياني للأفراد نساء ورجاالً، ومدى تمتعهم بالحقوق المدنية والسياسية، ومدى العدالة في توزيع الثروة

والسلطة والمعرفة، ومدى التغير في العلاقات الاجتماعية والسياسية.. ومدى مساهمة هذا التحسن في حل

المشكلات الاجتماعية السياسية المزمنة، كالتحاجز الاجتماعي والتوترات التي تولدها العلاقات المتبادلة

بين الجماعات الإثنية والمذهبية، أي مدى مساهمتها في الاندماج الاجتماعي وإنتاج فضاء عام مشترك

بين جميع أفراد المجتمع وفئاته على قدم المساواة، واستيلاد المواطنة الحرة والمواطن الحر بدالً من الرعية

التابعة والخاضعة. في ضوء الظاهرة المشار إليها، تقوم هذه المقاربة على افتراض وجود مجتمعين متمايزين ومتناقضين، أحدهما

كان يعيش في الظل وينمو بفعل قوانينه الخاصة. هذا المجتمع الذي كان يعيش في الظل لا هو المجتمع الأهلي

التقليدي بتمامه، ولا هو المجتمع المدني، ولا المجتمع الحكومي، الذي تحاول هذه المقاربة تعيين حدوده

واستشفاف خصائصه، بل هو شكل خاص من أشكال الحياة الاجتماعية فائق التركيب والتعقيد أنتجه

تاريخ سورية بعد الحرب العالمية الثانية، وازداد تعمقًا منذ ستينيات القرن الماضي، مع التحول التدريجي

للنظام السياسي إلى نظام تسلطي، وهو ما يعني أن هذا الانقسام الذي نفترضه يضيف تعقيدات جديدة

إلى بنية المجتمع السوري الفائق التعقيد والتركيب، ولا يستنفده وصفًا وتحليالً؛ فكل وصف هو تحديد

وتقليص قد يؤدي إلى اختزال وتنميط، ولا سيما أن المجتمع السوري مجتمع فتي يتسم بحيوية ودينامية

كانتا في أساس التحولات البنيانية التي شهدها منذ الاستقلال حتى يومنا، ومجاله السياسي الحديث النشأة

شهد هو الآخر تحولات عميقة، يمكن استجلاؤها من تحليل «الأزمة» الراهنة رجوعًا. لقد أدى نظام الامتيازات والزبونية السياسية والتبادلية الاجتماعية إلى حضور ما لرموز المجتمع الأهلي

التقليدي وأعيانه في الفضاء الحكومي، ولكنه حضور مقيد ومضبوط، كان يخدم في توسيع قاعدة السلطة،

وفق آلية الاحتواء والتهميش، وتحويل البنى التقليدية إلى بنى موازية لبنى السلطة. يتجلى هذا الحضور

في تعيين القيادات الحزبية والنقابية وقيادات المنظمات الشعبية وتشكيل الوزارات وآليات الترشيح

للمجالس المحلية ومجلس الشعب وغيرها.

إلى ذلك، نفترض أن الثورة السلمية (الشابة) التي أُجهضت، والحرب الدائرة اليوم، ظاهرتان مختلفتان:

الأولىتعربّ عن إرادة الحرية، والثانية تعربّ عن إرادة السلطة والصراع عليها. لذلك يصعب الجزم بتحول

الأولى إلى الثانية، إذ كانت العوامل المختلفة والمتعالقة لكلٍّ من الظاهرتين المستقلتين والمتعالقتين، تعتمل

تحت سطح الواقع. فالإشكالية، في أعمق مستوياتها هي إشكالية العلاقة بين إرادة الحرية وإرادة

السلطة. والإرادتان كلتاهما من خصائص الإنسان، أيًا يكن موقعه الاجتماعي أو السياسي، وأيًا يكن

مستوى وعيه وثقافته. الفرق بين إرادة الحرية وإرادة السلطة أو بين الثورة السلمية والحرب، على ما بينهما

من التباس وتداخل، يعزز فرضية الانقسام الشاقولي بين مجتمعين، موضوع هذه المقاربة، ويطرح إمكان

رؤية جديدة للثورة السلمية، ويكشف عن آليات تشكُّل الثورة المضادة وشروط إمكانها. ولا مراء في أن

إرادة الحرية أججت إرادة السلطة، وإرادة السلطة، في أوضاعنا، هي إرادة الحرب، ما دامت لم تؤخذ إالّ

بالقوة العسكرية، باستثناء تجربة ما بين سنتي 591.8 - 1954

أولاد الحكومة

نالت سورية استقلالها سنة 9461، وغدت «دولة» أو كيانًا سياسيًا، يشبه الدولة من بعض الوجوه،

قبل أن يتشكل السوريون أمّة وشعبًا، أو مجتمعًا مدنيًا، يتوفّر على قوة ذاتية تمكّنه من إنتاج نفسه مجتمعًا

سياسيًا حديثًا. فاختلط مفهوم الدولة بمفهوم السلطة أو الحكومة، ومفهوم السيادة بمفهوم السياسة،

وغدت «الحكومة» التي ورثت الإدارة الاستعمارية أو «الدولة الكولونيالية»، علامة على السيادة الوطنية

1 هذه الصفات سمات يمكن العثور على ارتساماتها في المجتمع السوري، الذي هو في حالة تشكل دائمة.

2 تناولنا البنية التسلطية للنظام السوري بالتحليل في: جاد الجباعي، «البنية التسلطية للنظام السوري: النشأة والتطور والمآل،» في:

خلفيات الثورة: دراسات سورية (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2013

3 انظر: نيقولاوس فان دام، الصراع على السلطة في سورية، الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة، 1995-1961 (القاهرة: مكتبة

مدبولي، 0062)، ص 23 (الطبعة الإلكترونية). وقد تطرق لهذه الفكرة مايكل ه. فان دوزن، ونقلها عنه فاندام، وأعدنا صوغها،

وأضفنا إليها.

والسلطة السياسية والإدارة المدنية، ونواة لمجتمع جديد مواز للمجتمع التقليدي (بالمفرد والجمع). آية

ذلك أن الناس كانوا يسمّون من يعمل في أي دائرة أو مؤسسة من دوائر «الدولة» الناشئة ومؤسساتها «ابن

حكومة»، وهو تعبير عن مكانة مرموقة يتبوؤها من واتاه الحظ بعضوية هذا المجتمع الناشئ والمحظوظ،

ولو كان شابًا فقيرًا غرًا سيق إلى الخدمة الإلزامية في الجيش، وتطوع في صفوفه، أو في قوى الأمن الداخلي.

هذه المكانة، التي تملأ صاحبها بشعور من الزهو بالنفس، وتمنحه قوة ونفوذًا تتناسبان وموقعه في المجتمع

الجديد، تجاور، ولو عن بعد، مكانة الوجيه التقليدي، وتطاولها. فأضحى الوجيه التقليدي مضطرًا إلى

تعزيز وجاهته ونفوذه بعلاقة ما بأحد أجهزة السلطة الحكومية أو أشخاصها، بدءًا من رئيس مخفر أو

مدير ناحية أو منطقة أو محافظ أو وزير أو ضابط في الجيش أو الاستخبارات.. وكان المعلم والمدرس

وأستاذ الجامعة يمثّل الوجه الثقافي لابن الحكومة الذي سينافس الشيخ أو رجل الدين، مثلما سيتنافس

المثقف والفقيه، ويتبادلان الأدوار. وكان العامة يطلقون على المعلم اسم «الخطيب» أو «الشيخ» إشارة

إلى أن العلم والتعليم كانا مقصورين على المؤسسة الدينية، وأن للقراءة والكتابة بعدًا سحريًا ومقدسًا في

«مجتمعات الكتاب» بحسب تعبير محمد أركون. وكان لانضواء الأفراد في المؤسسات والوظائف الحكومية معان عدة، من أبرزها: 1 - الانتقال من الوسط

التقليدي أو البيئة التقليدية الراكدة المحكومة بالعرف والعادة إلى بيئة جديدة تنظمها قوانين وضعية وثقافة

قانونية وخبرة إدارية، وانتقال الريفيين من هؤلاء إلى الحواضر الزراعية والمدن؛ 2 – حيازة كل واحد

من هؤلاء سلطة مادية ومعنوية تتناسب وموقعه في المؤسسة أو الإدارة المدنية أو العسكرية والأمنية؛

3 – تغير نمط الحياة وتحسن سويتها؛ 4 – نشوء علاقات داخلية جديدة، أفقية وعمودية، ستشكل بمرور

الوقت قوام المجتمع الجديد، وتحدد علاقاته بالمجتمع التقليدي؛ 5 – الراحة التي توفرها الأعمال المكتبية،

وتقلقها إرادة السلطة وهواجس الارتقاء، باستثناء المؤسستين العسكرية والأمنية، اللتين تعملان على

تحفيز إرادة القوة وتوجيهها؛ 6 – الامتثال لمنطق التسلسل الوظيفي والتراتب الإداري، المقرون بالطموح.

ويمكن القول إن إرادة السلطة وإرادة القوة خاصيتان أساسيتان للمجتمع الجديد، تتكاملان وتتبادلان

المواقع، وتتغلبان على إرادة الحرية، وسيكون لاتحادهما أثر عميق في تحديد معنى السياسة ومعنى السلطة

واستراتيجياتها وآليات عملها، وقد يفسر الانقسام الحاصل اليوم. من طبيعة السلطة أنها تميل دومًا إلى التوسع والشمول والسيطرة على الفضاء الاجتماعي برمّته، إذا لم

تواجه مقاومة من المجتمع المدني، الذي يميل بطبيعته إلى الحرية والاستقلال، ويتحلى أفراده بالشعور

بالمسؤولية الملازمة للحرية. أمّا في البلدان المتأخرة التي عاشت تجربة الاستعمار الحديث و«تحررت»

من سيطرته المباشرة، فإن توسُّع السلطة لا يواجه مقاومة تُذكر، إمّا بسبب الاستجابة السلبية لخطابها

«الوطني» و«التحرري»، وإمّا بسبب الطموح إلى الارتقاء الاجتماعي، من طريق الالتحاق بها والاندماج

في عالمها، وإمّا بسبب العزوف واللامبالاة المعززين بالفقر والجهل والأمية، علاوة على رهبة السلطة

والخوف المزمن من بطشها، وهذه كلها تعربّ عن ضعف أو فتور في إرادة الحرية التي استنفدت في مقولة

«التحرر من الاستعمار». وهو ضعف تمتد جذوره إلى نسيان الذات الفردية، أي إلى «الغيرية الجذرية» التي

تعني ذوبان الأفراد في البنى والتشكيلات ما قبل الوطنية، وضعف، إن لم نقل عدم الشعور بالمسؤولية،

4 محمد أركون، أين هو الفكر الاسلامي المعاصر؟: من فيصل التفرقة إلى فصل المقال، ترجمة وتعليق هاشم صالح، ط 2 (بيروت: دار

الساقي، 1995)، ص 7.5

فلم تلبث السلطة إالّ قليالً حتى اخترقت الفضاءات الاجتماعية الخاصة، ثم سيطرت عليها سيطرة تامة،

من دون أن تكون فضاء عامًا، ولا سيما بعد استيلاء العسكر على السلطة سنة 9631، وانطلاق سيرورة

توسُّع المجتمع الموازي، تبعًا لتوسُّع أجهزة السلطة وتوسُّع نفوذها وتعدد أدوات سيطرتها، وهو ما أسفر

عن عدة نتائج حاسمة، من أهمها: - تهميش المجتمعات المحلية التقليدية، وانكفاؤها واكتفاؤها بإنتاج معاشها الكفافي، وفقًا لتطور

الحاجات، واجترار موروثها الثقافي على أنه قوام هويتها والسور الذي يحميها. - انقلاب الأدوار والوظائف الاجتماعية بصيرورة الأبناء آباء رمزيين لآبائهم، والمجتمع الحكومي

الناشئ أبًا رمزيًا للمجتمع التقليدي، وهو ما أنتج تنازعًا خفيًا على السلطة الاجتماعية والسياسية والثقافية

بين مجتمع بازغ وآخر مهدد بالتهميش والإهمال، ولن يكون سوى مادة مطاوعة وموضوع هامد لسلطة

الأول، وقد غدا متغواّلً فائق القدرة. - اندماج جنين المجتمع المدني الناشئ (مجتمع الأعمال الخاصة)، بحكم نوع من تطور رأسمالي هامشي

ومبتور، بجنين المجتمع السياسي الناشئ (الوظائف العامة)، بحيث تختفي الفروق بينهما، وتتغير

خصائصهما معًا، ولا سيما بعد عمليات التأميم أو المصادرة؛ إذ غدا «المسؤولون غير المسؤولين إالّ

أمام رأس السلطة» رجال أعمال ومتعهدين ومقاولين وسماسرة، أو شركاء لهؤلاء، وغدا رجال الأعمال

والمتعهدون والمقاولون والسماسرة ذوي سلطة وأهل حل وعقد، إمّا بحكم المصاهرات والشراكات،

وإمّا بحكم الرشاوى والهدايا والتقدمات، علاوة على صيرورة السلطة مصدرًا للثروة والقوة والجاه.

ومن البديهي أن يتولد من ذلك فنون من الفساد تتنامى، وتتنامى تكاليفها الاقتصادية والاجتماعية

والأخلاقية باطراد. - تجسُّد مبدأ القوة والغلبة الذي تقوم عليه السلطة الاجتماعية والسياسية، في مؤسستين: عسكرية وأمنية،

متضامنتين، صارتا الأكثر حداثة تقنية والأكثر تنظيامً وانضباط ا من سائر المؤسسات الحكومية، والأكثر

نفوذًا في المجتمع الحكومي البازغ، الذي سيعيد تشكيل جنين المجتمع المدني وجنين المجتمع السياسي في

بنية تسلطية متمحورة على السلطة الشخصية، أو سلطة الشخص الطبيعي والأشخاص الطبيعيين، بدالً

من سلطة القانون. – إعادة تشكيل الفضاء الرمزي تلفيقيًا وتعسفيًا، وفق إحداثيات «اشتراكية قومية»، جعلت منه فضاء

خاصًا بالمجتمع الموازي ومفروضًا على الجماعات التقليدية بقوة السلطة وأدواتها الإعلامية والثقافية

المنسَّقة أمنيًا، وهو ما دفع بالثقافة التقليدية لكلٍّ منها، أو برأس مالها الرمزي المتراكم تاريخيًا، إلى الظل،

ليعاد إنتاجه هناك، على أنه الشكل الوحيد المتبقي للدفاع عن الذات الجمعية، إثنية أكانت أم مذهبية.

ومن البديهي أن يضيق مجال الحرية الضرورية للمعرفة (الذاتية) المستقلة والفكر الحر، كلما اتسع مجال

السلطة؛ فقد كان «الفكر القومي الاشتراكي» سلطة رمزية وحاجزًا بين مجتمعين في الداخل، وحاجزًا

يحول دون التواصل الثقافي مع الخارج معززًا بسور إعلامي أشبه بأسوار السجون، فبتنا إزاء ثقافة سجينة

وثقافة هجينة. فإذ غدت الحرية مخارجة لبنى المجتمع الجديد ومؤسساته، ومخارجة، بالقدر نفسه، لبنى المجتمع التقليدي،

ومخارجة للسلطة جملةً، كان لا بد أن تنشطر الثقافة شطرين: تقليدي يعيد إنتاج الأصولية، بصفتها

منظومة / منظومات إقصاء، وحكومي ينتج منظومته الخاصة تلفيقيًا أو تطفليًا، وينصِّبها حاكمة على

سائر المنظومات الفكرية والمرجعيات الثقافية، تحت عناوين الثورية والتقدمية والالتزام، وحاكمة على

المثقفين. إزاء هذه الوضعية، ما عاد أمام المفكرين والأدباء والفنانين، أو المثقفين الأحرار، سوى الهجرة أو

العزلة والانكفاء، تجنبًا لضغوط المجتمع التقليدي وثقافته من جهة، وضغوط المجتمع الحكومي وثقافته

من الجهة المقابلة، تحت طائلة التكفير والتخوين، أو التماس أساليب التعمية والتورية والمراوغة والرمز

والإشارة، تحت طائلة المساءلة أو المنع. لذلك يبدو من الصعب الحديث عن «دور المثقف» السوري وأثر

الثقافة في المجتمع خارج هذه الحيثية. – توسع ظاهرة التطفُّل الملازمة لعدم الشعور بالمسؤولية؛ فأولاد الحكومة هم أطفالها غير المنتجين، تتولى

إعالتهم، وتقرر أرزاقهم، وفق المراتب التي ينتمون إليها، وتؤدبهم وتكافئ المجدين منهم. ومن البديهي

أن يكون فيهم مدللون أنانيون وجشعون، ومتمردون، وفاسدون ومحتالون ومنحرفون، ومتفوقون

ومتسلطون.. وأن يكون معظمهم «أولادًا عاقلين» ومطيعين، ولكن الأهم أنهم أطفال اجتماعيًا وثقافيًا

وسياسيًا متثبتون في الطفولة، لا يستغنون عن ثديي أمهم وحماية أبيهم. وبالجملة يمكن وصف المجتمع

الحكومي بأنه متطفل على ثروات البلاد واقتصادها وأموالها وثقافتها، وعديم المسؤولية. ويعربّ عن ذلك

بأن السلطة غدت مصدرًا للثروة والقوة والجاه. – الترهيب الشامل والمستمر (ويقابلهما بالطبع ترغيب شامل ومستمر)، لا لأفراد المجتمع غير

الحكومي وجماعاته فقط، بل لأفراد المجتمع الحكومي نفسه وتنظيماته أيضًا، على اعتبار أن هذا المجتمع

بنية بطركية جديدة ونظامه نظام سلطاني جديد، يتقاطعان في الخصائص العامة مع المجتمع البطركي

القديم، ونظامه السلطاني القديم، من حيث تسييس المتعالي وتأليه السياسي، وتعيين مبادئ الحق

والأخلاق وفق مشيئة السياسي المؤلَّه، وتعقُّب المناوئين والمارقين و«الأعداء الموضوعيين»، من الموالين

وغير الموالين. الشمول يعني تدخّل السلطة في جميع مجالات الحياة الخاصة والعامة، وتوجيهها الوجهة التي تخدم مصلحة

السلطة وأهدافها. والاستمرار يعني أن السلطة موجودة دومًا، وتولد مقاومة متعددة الأشكال، فلا بد

لها أن تزيد قدرتها على الترغيب والترهيب باطراد، فهي لا تطابق نفسها في كل حين، مثلها مثل مجتمعها،

والمجتمع الذي هو موضوع لتسلطها. – تعميم الخوف: في وضع صار معه «كل مواطن مدان وتحت الطلب»، بتعبير الطيب التيزيني، أيقظ

الترهيب الشامل والمستمر غريزة الخوف الطبيعية لدى الأفراد والجماعات والأحزاب والمنظمات، وعزز

محتواها البدائي، أي الخوف من الآخر، المختلف والغريب، والخوف من الاختلاف، فأعاد الاعتبار إلى

التضامنيات التقليدية والعصبَات والعصبيات، على أنها بنى متجانسة وملاجئ وملاذات تدرأ الخوف

عن أفرادها أو تهدهده، مع أن هذه التضامنيات كانت قد اخرتُقت أيما اختراق، وكان اللجوء إليها

أشبه باللجوء إلى وهم، إلى أن خرج بعضها على السلطة المركزية جزئيًا أو كليًا، في السنتين الماضيتين.

5 انظر: كمال عبد اللطيف، في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانية (بيروت: دار الطليعة، 1999)، ص 714 وما

بعدها.

6 انظر: ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع: دروس ألقيت في الكوليج دي فرانس لسنة 1976، ترجمة وتقديم وتعليق الزواوي

بغورة (بيروت: دار الطليعة، 0032)، ص 12 وما بعدها.

وعلى ذلك، يمكن أن نصف المجتمع الحكومي بأنه مجتمع الخوف، وثقافته ثقافة الخوف من الاختلاف

ومواجهته بجميع الوسائل والأساليب. الخوف من الآخر المختلف، على صعيد السلطة ومجتمعها، هو

في واقع الحال خوف من «العدو الموضوعي» المتربص بهما، ومعادله وقناعه الخطابي أو الأيديولوجي هو

الإمبريالية والصهيونية. لذلك يوصف كل من ينتقد المجتمع الحكومي وسلطته وسلطانه أو يحتج عليه

بأنه عميل للإمبريالية والصهيونية. الخوف من الاختلاف هو خوف من الحرية؛ لأن الاختلاف علة الحرية

أو أساسها وشكل ممارستها. لذلك يحرص المجتمع الحكومي على أن يكون متجانسًا فكريًا وأيديولوجيًا

وسياسيًا وأخلاقيًا، ينقي حقله من «الأعشاب الضارة» بين الحين والحين.

التباسات الهوية

تمنح الحكومة أولادها وبناتها «هوية حكومية» أو سلطوية، يجري استدماجها استيهاميًا، على أنها هوية

وطنية، بل قومية، كتلك التي تمنحها لمواطنيها دولة حديثة متجادلة مع المجتمع المدني الحديث، وقائمة

على مبدأ المواطنة بأركانها الثلاثة: المساواة والحرية والمشاركة. فالكيان السوري، الذي لم يرقَ إلى مجتمع

سياسي، أي إلى دولة وطنية حديثة، لم يبلور هوية وطنية سورية تكتسب مضامينها من الحياة في فضاء

عام مشترك بين جميع المواطنات والمواطنين وجميع الفئات الاجتماعية. والهوية القومية العربية، أو الهوية

الإسلامية ليست نتاج تسييس العروبة أو تسييس الدِّين فقط، بل نتاج تحيين طقوسي للحظة تدشينية، هي

لحظة انبثاق الأمّة العربية أو الإسلامية من الكلمة، فلا تحضر هذه الهوية إالّ في الطقوس الدينية، القومية

أو الإسلامية. لذلك تمتاز «الهوية الحكومية» من الهويات العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية والجهوية..

التي تقتسم الفضاء الاجتماعي الكلي أو تتنازعه، وتتصل بها من جوانب عدة، في الوقت نفسه، بسب

ثبات الروابط الأولية وقوتّها، وثبات المرجعيات الثقافية التقليدية وقوتّها، على الرغم من تطور أساليب

الحياة المادية ووسائلها. فثمة بنية ثقافية تاريخية تلغى تاريخيتها بإعادة إنتاجها وتحيينها مرة تلو مرة؛ بنية

تهيمن على الأفراد والجماعات بصور مختلفة، «هيمنة ناعمة»، بتعبير بورديو، هي امتداد لسيطرة السلطة

المباشرة، بحكم العلاقة الجدلية بين الثقافة والسلطة أو بين المعرفة والسلطة. فما من سلطة تتمكن من

السيطرة المادية المباشرة على أجساد المحكومين من دون الهيمنة على عقولهم وضمائرهم. إن ثبات الروابط الأولية ومرجعياتها الثقافية التي تشكّل الهوية الفردية والجمعية وقوتّها، يموّه واقع

تغ قواعد السلطة وانقلاب الأدوار والوظائف الاجتماعية، بل يخفيه. فالهيمنة الرمزية «الناعمة» تعيد

بعض التوازن إلى السلطة الأبوية، أو البطركية التقليدية، وهو ما يفسر افتخار الآباء بأولادهم وبناتهم

من المجتمع الموازي، مادام الأولاد والبنات مذعنين ومذعنات للهيمنة الرمزية التي تعربّ عنها الثقافة

التقليدية، بالمعنى الواسع للثقافة. لعل هذا ممّا يفسر ثقفنة التعارضات الاجتماعية ونزاع الهويات أو

النزاعات الهوياتية، بوجه عام، والتعارض بين المجتمع التقليدي/ المجتمعات التقليدية وبين المجتمع

الموازي بوجه خاص. إن العامل الكاشف أو المحدد لهذه الثقفنة هو الموقف من العلمانية، مفهومة على أنها «مناهضة للدِّين»،

ومعرَّفة ببرانيتها، مهما اختلفت أشكال التعبير عن هذا الموقف. والدِّين الذي يوضع عمدًا في مقابل

7 بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، ط 3 (الرباط: دار توبقال للنشر، 0072)، ص.14

العلمانية، بقصد اختزالها وطمس محتواها السياسي، نموذج معياري، بحسب المتكلمة والمتكلم،

لا يتعلق بالإيمان الفردي والطقوس الجمعية وممارسة العبادات، بل هو رمز لمنظومة متكاملة من

الأفكار والتصورات والعقائد أو الإيمانات والمعارف، معجونة بالأعراف والعادات والتقاليد؛ فكل

انحراف عن أي عنصر من عناصر هذه المنظومة يُفَّ على أنه انحراف عن الدِّين وخروج عن جادة

الصواب ومكارم الأخلاق. فإن ثقفنة التعارضات الاجتماعية هي ما ستعيد إنتاج المثقف الأصولي

الساخط، وتعيد إلى الشيخ والفقيه دورهما ومكانتهما في المجتمع الظل، وتؤدي إلى تشكل مرجعية

/ مرجعيات سلفية وأصولية تتغذى على السخط المكتوم، في أوساط الفقراء والمهمشين والمنبوذين،

وتتقوّى به. من البديهي أن تختلف الأفكار والتصورات والعادات والتقاليد في المجتمع الحكومي، باختلاف العلاقات

التي تنسجه، عنها في المجتمع التقليدي. لذلك يوصف المجتمع الحكومي تعسفًا بالعلمانية، فتُطوَّب

العلمانية للمجتمع الحكومي وسلطاته المستبدة على أنها هويته وهويتها؛ إذ يكفي اختلاف هذا المجتمع،

بخصائصه الحكومية، عن المجتمع التقليدي، الذي رمزه الدِّين، لكي يوصف بالعلمانية. العلمانية هنا مجرد

علامة فارقة، علامة اختلاف، لا يهم أحدًا أن يبحث في مضمونها وتاريخها وتاريخيتها وعلاقتها بالدولة

الوطنية ومبدأ المواطنة، فضالً عن محتواها المعرفي والأخلاقي. العلمانية، شأنها شأن الديمقراطية، وثيقة الصلة بالوطنية، وهذه، كما نفهمها، انتماء عميق إلى الدولة

الوطنية، يعلو على جميع الانتماءات الفرعية، من دون أن يلغيها، إالّ على الصعيد السياسي، على نحو

ما أشار كارل ماركس إلى «الإلغاء السياسي للدِّين» و«الإلغاء السياسي للملْكية الخاصة»، لدى

معالجته للمسألة اليهودية. وهي منظومة حقوق مدنية وسياسية وحريات شخصية وعامة، قبل

أن تكون، ولكي تكون، قيمة أخلاقية وعاطفة ذاتية. ندّعي ادعاء أن الوطنية في خطاب السلطة

والمعارضة لا تحيل إالّ على القيمة الأخلاقية والعاطفة الذاتية، لذلك تتهم كلٌّ منهما الأخرى

باللاوطنية. والأفراد يفعلون ذلك أيضًا، إذ يمنح كلٌّ منهم نفسه حق الحكم والتصنيف وإخراج

الآخر والمختلف من دائرة الوطنية، وهو ما يحيل إلى الجذر الإبيستيمولجي المشترك بين التكفير

والتخوين. لذلك نعتقد أن التباس معنى العلمانية ناتج من التباس معنى الوطنية واختزالها إلى مجرد

قيمة أخلاقية، وتنسيبها: الوطني هو من يشبهني ويوافقني ويواليني وينصرني، وأن عدم الاتفاق

على معنى الوطنية قرينة على الهوة الفاصلة بين المجتمعين والجماعات أو المجتمعات الصغيرة المغلقة،

وإشارة إلى وعورة الطريق إلى تحقيقها وصعوبتها، فالأمر لا يتعلق بانفعالات عارضة، بل بمبادئ

إبيستيمولوجية وأخلاقية تحكم الفكر والسلوك. لقد حكمت النتائج المشار إليها وغيرها، في اعتقادنا، التعارضات الاجتماعية وآليات الصراع

الاجتماعي والسياسي، وجعلت من الأخير مجرد صراع على السلطة والثروة، أقرب ما يكون إلى

الحرب التي تسفر دومًا عن غالب ومغلوب، وتعيد في كل مرة إنتاج «المجتمع البطركي الجديد».

وخير دليل على هذه النتائج هو سلسلة الانقلابات ومحاولات الانقلاب العسكرية، ومحاولات

التمرد، التي شهدتها البلاد بين سنتي 4919 و 8419 (نحو عشرة انقلابات عسكرية ومحاولات

8 انظر: كارل ماركس وبرونو باور، حول المسألة اليهودية، ترجمة إلياس مرقص (بيروت: دار الحقيقة،.)1973

انقلاب). ولعلها تساعد في فهم الحوادث المأساوية الجارية اليوم، وتكشف عن جذور هذا

اللامعقول واللاأخلاقي واللاإنساني، الأمر الذي يضع مقولات المجتمع والشعب والدولة والأمّة

والوطن والوطنية والمواطنة في موضع السؤال. ثمة انقسام عمودي بين «مجتمع تقليدي مركّب»، تعربّ عنه العصبيات - الهويات الإثنية والعشائرية

والمذهبية، وأشكال التكافل التقليدية، والجمعيات الأهلية ذات الطابع المذهبي، وقد تحوّل بعضها إلى

حركات سياسية ذات رؤى وأهداف مذهبية، كجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي..

والجماعات السلفية، وبين مجتمع حكومي يصفه بعضنا أو يخصه بالحداثة والعلمانية. وكان لهذا الانقسام

أثر سلبي في مصير الحداثة والعلمانية، إذ اقترنتا في أذهان الكثرة بمجتمع «الدولة»، لا بدولة المجتمع،

أو بشعب «الدولة»، لا بدولة الشعب، من جهة، ولأن الانقسام بين التقليد والحداثة، وبين التيوقراطية

والعلمانية، كان من جهة أخرى انقسامًا عموديًا، في حين يفترض أن يكون أفقيًا، يمنح التعارضات

الاجتماعية محتوى جديدًا، ويفتح إمكانات النمو والتغيير الاجتماعيين بمشاركة جميع فئات المجتمع،

وهو ما أضفى على الحداثة والعلمانية طابعًا حكوميًا (استبداديًا) في الواقع، وأيديولوجيًا في الأذهان، لا

ينفصل عن أيديولوجية السلطة أو خطابها. ولا يزال السجال بين الحداثويين والتقليدويين وبين العلمانيين

والتيوقراطيين تعبيرًا عن هذا الانشقاق العمودي، المضاف إلى الانقسامات العمودية الأخرى التي تحول

دون نمو المجتمع المدني وتشكُّل دولة وطنية حديثة، تحمل إمكانات التحول إلى دولة ديمقراطية. لقد

تحولت الحداثة والعلمانية، عندنا، بالفعل، إلى علامتين حكوميتين موسومتين بالتسلط والاستبداد، فضالً

عن طابعهما التلفيقي أو الهجين. إن بعض المفاهيم، كالحداثة والإنسية والعلمانية والديمقراطية والذاتية، وغيرها، يشبه الأنوثة، أو الماء

الذي يرمز إليها، ويتلون بلون الإناء، أي إنها تتوفّر على قدر كبير من اللاتحديد أو اللاتعينُّ أو اللاتشكل،

إالّ بحسب الإناء، أو البيئة الطبيعية والاجتماعية السياسية والثقافية والأخلاقية، ولذلك يناهضها الفحول

مناهضة تمنحهم طابعًا حربائيًا وحربويًا، فإن نقد الحداثة والعلمانية لا معنى له إن لم يكن نقدًا لمجتمع

بعينه، أو لما هو مشترك ومتشابه بين بعض المجتمعات الحديثة، كالمركزية الإثنية الصائرة مركزية قومية

متعالية، والسلطة الذكورية، والعلاقات الرأسمالية المتوحشة، وتنسيب الثقافة وحقوق الإنسان وافتراق

المصالح عن المبادئ... إلخ.

عقدة الشرعية ومعنى السيادة

ما كان للمجتمع الحكومي الناشئ، الذي سيصير تحكميًا، أن يعيد إنتاج المجتمع الأبوي أو البطركي لولا

«عقدة الشرعية»؛ إذ إن كل جديد يفتقر إلى الشرعية في نظر المجتمع التقليدي، فلا يُنظَر إليه إالّ بصفته

خروجًا على المألوف والمتعارف عليه، المدعم بقوة «الرأي العام»، فكان لا بد للمجتمع الحكومي من

منازعة المجتمع التقليدي في ميدانه الثقافي أو رأسماله الرمزي، والسعي إلى احتكار هذا الميدان وتسنّم

ما يسمّيه محمد أركون ذروة المشروعية أو «ذروة السيادة العليا»، ويحظى بالشرعية، التي تخفي شرعية

9 محمد أركون: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط 2 (بيروت: مركز الإنماء القومي؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي

العربي، 1996)، ص 8 1، والفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ترجمة هاشم صالح (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 993[]1)، ص

القوة والغلبة. إن عقدة الشرعية هي أساس التلفيق في الفكر والمكر في السياسة وأساس النزعة الشعبوية

وخطابها العروبي الإسلاموي، بما هو «نظام ثقافي للإبعاد والإقصاء»؛ وأساس نزوع المعلم إلى أن

يكون معلامً وشيخًا، ونزوع المثقف إلى أن يكون مثقفًا وفقيهًا، ونزوع السياسي إلى استقطاب المرجعيات

المذهبية، والحيلولة دون ظهور من يعارضه باسم المذهب أو العقيدة، التي يتبنّاها، دينية أكانت العقيدة

أم غير دينية، أو باسم الدِّين، فلا يُسمح بوجود أي مرجعية عقدية خارج حدود سيطرته أو يمكن أن

تخرج عنها. إن مطلب الشرعية وتسنّم ذروة السيادة اللذين كانا هاجس السلطة منذ سنة 9631، يفسران، إلى جانب

غريزة الخوف من الآخر والمختلف ومن الاختلاف، إعادة إنتاج العصبية/ العصبيات الإثنية والمذهبية، أو

الإثنية – المذهبية، بحكم تلازمهما، واستدماجها في عصبية موسعة: إثنية أو مذهبية، في المجتمع الجديد، أو

المجتمع الموازي، وإعادة إنتاج الثقافة التقليدية، وتطعيمها بثقافة المستعمر، أو إعادة إنتاج ثقافة المستعمِر

في إهاب ما يسمّى «الثقافة القومية»، و«الهوية القومية» و«الهوية الإسلامية»، ويكشف عن هشاشة الحداثة

وقشريتها، ويفسر من ثم إعادة إنتاج أوهام المركزية الإثنية المؤسسة على وهم مركزية الإنسان في الكون

والمركزية الذكورية. لذلك لا يزال يُنظر إلى نقد الثقافة التقليدية والقيم التقليدية، من قبل المجتمعنيْ، على

أنه مروق وخروج، وافتراء على «هوية الأمّة»، «يوهن نفسيتها»، وكذلك نقد السلطة السياسية. ولا يخلو

أن يكون نقد السياسة ونقد السلطة من قبيل الحنين إلى عصر ذهبي، أو التلويح باستعادة «حق» تاريخي

ضائع انطلاقًا من تعريف أيديولوجي خاص للأمّة والدولة والمجتمع، ينطلق غالبًا من خلفية إثنية -

مذهبية أو من عصبية بعينها، كما هي حالنا اليوم. إذا صح أن المجتمع الموازي مجتمع بطركي جديد أو محدث، بحسب تحليلات هشام شرابي وآخرين، وأن

نظامه السياسي نظام سلطاني جديد أو محدث، وهو ما ذهب إليه كثيرون من المفكرين والباحثين، فإن

صفته الرئيسة هي أنه نظام مركزي، بل شديد المركزية؛ مركزه «السلطان» السيد الجديد، والأب، والأخ

الأكبر والقائد الرمز، وبطل الحرب والسلام.. وعصَبته الضيقة، التي هي نواة «العصبية الموسعة»، أو

المركَّبة، بتعبير محمد عابد الجابري، يتوقف تماسك الثانية على طابع العلاقات بين عصَباتها الفرعية، وما

تصيبه أو تحظى به كل منها من مكاسب وامتيازات، أو بما تتعرض له من إقصاء وتهميش، بحكم تلازم

آليتي الاحتواء والإقصاء وتكاملهما في النظم السلطانية. والمركزية هنا مركزية إثنية – مذهبية، لا تنفك

عن المركزية الذكورية. وما من شك في أن أولاد الحكومة فئات متراتبة هرميًا، على نحو مواز للتراتبية الاجتماعية، الهيراركية،

التي تسمو صعودًا إلى مقام السيادة العليا. لكن البنوَّة للحكومة هي القاسم المشترك بينهم جميعًا، ولا سيما

على صعيد العلامات (الزي والموضة واللغة الفصحى – التفاصح - والمعلومات الحديثة والمصطلحات

الأجنبية..) والقيم وأنماط السلوك. وعبارة ابن الحكومة تعني الانتساب إلى أب رمزي رفيع المقام، يبز

الأب البيولوجي، ويجعل منه ابنًا لابنه، خاصة إذا كان الأخير من يمنح الأسرة (العائلة) مكانة لائقة،

ويتولى الإنفاق عليها كليًا أو جزئيًا. لقد تغيرت قواعد السلطة فعالً، بل انقلبت رأسًا على عقب، ولكن

0 1 أركون، الفكر الإسلامي، ص.38

11 محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون: العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط 6 (بيروت: مركز دراسات

الوحدة العربية، 1994)، ص 255 – 652.

مثلما يتغير لون الحرباء بانتقالها من مكان تَرِب إلى مكان معشوشب أو العكس، أو مثلما تبدل الأفعى

ثوبها، أي إن المجتمع الحكومي الجديد نسخة محدَّثة عن المجتمع البطركي التقليدي، لكنه متبطل ومتطفل

وعديم المسؤولية ومتوحش إلى حد كبير، وعلاقاته محكومة بمنطق السيادة والتبعية والأمر والطاعة.

لعبة الأمل والوهم

أولاد الحكومة نسل رمزي يمكن مقارنة معدل خصوبته، جرّاء تضخّم الأجهزة الإدارية والخدمية

والإنتاجية والعسكرية والأمنية، بمعدل الخصوبة الاجتماعية، خاصة إذا أضفنا إليه طلاب المدارس

والمعاهد والجامعات الرسمية والبعثات العلمية الذين تتولى السلطة تربيتهم وتعليمهم، وغرس ولاء

معنيّ في نفوسهم. فالنظام التعليمي أداة من أدوات السيطرة المادية والهيمنة الرمزية (خاصة بعد إنشاء

منظمة طلائع البعث ومنظمتي اتحاد الشبيبة واتحاد الطلبة، وإدخال مادتي التربية العسكرية والتربية

القومية في المناهج، إلى جانب التربية الدينية، فضالً عن السيطرة على النقابات، وغيرها ممّا يفترض أنها

منظمات المجتمع المدني، وتسييسها). فالنظام التعليمي والمؤسسات التعليمية وسياسة الاستيعاب تتوفّر على آليتين متناقضتين: آلية استتباع

واحتواء، وآلية نبذ وتهميش. ومدة الدراسة، التي يدخل فيها الأولاد والبنات والشباب والشابات لعبة

الأمل والوهم، هي مدة انتظار واحد من مصيرين: إمّا الاندماج في الجهاز الحكومي والمجتمع الحكومي،

وإمّا الانتباذ منه إلى عالم البطالة والهامشية أو إلى الهجرة. وبين المندمجين والمنبوذين والمهمشين فئة محظوظة

من أبناء الأغنياء القدامى والجدد، الذين يتجهون إلى القطاعات الخاصة، وينعمون بمكاسب السلطة من

خلال الزبونية السياسية والتبادلية الاجتماعية. على صعيد الأعمال الخاصة التي أُممت في ستينيات القرن الماضي، حدث مثل هذا الانقلاب الاجتماعي؛

إذ تحولت العاملات والعاملين بأجر في المعامل والمصانع والمؤسسات المؤممة إلى موظفات وموظفين لدى

الدولة، ودخلوا في لعبة الأمل والوهم، في رحاب «النظام الاشتراكي» ووعوده السخية، ولا بأس أن

يتحولوا إلى مناضلات ومناضلين، بدالً من مجرد أعضاء في نقاباتهم. ثم اعتُمِدت صفة عاملة وعامل في

«قانون العاملين الموحد»، لتشمل الموظفين والموظفات في الإدارة والعاملين والعاملات في مجالات الإنتاج

والخدمات، وهي تعبير عن عملية تسوية (كتسوية الأرض) أو عن مساواة مطلقة، تنفي الاختلافات

والفروق بين الأفراد وبين الرجال والنساء. نحن إذًا إزاء بنوّة مزدوجة، بيولوجية ورمزية متعارضتين،

وأبوة مزدوجة، بيولوجية ورمزية متعارضتين، إالّ حين يكون الأب البيولوجي ذا مكانة اجتماعية مرموقة،

فيتكامل النَّسَبان ولا يتعارضان، في حين يغدو النسب الرمزي ذا وظيفة تعويضية في البيئات الشعبية

الفقيرة (كثيرون خرجوا إلى عالم السلطة ومجتمع الحكومة من حضيض المجتمع التقليدي، وكان التنويه

بعصاميتهم، أو زهوهم بها، ينطويان غالبًا على تذكيرهم بالحضيض الذي خرجوا منه، وعلى تذكّره). أنتجت هذه الوضعية المركّبة تحواّلً في القيم والمعايير الاجتماعية والأخلاقية، ونشأ نوع من «تبادلية

اجتماعية» مجنسنة؛ ولهذه الصفة دلالة عميقة تشير إلى ذكورية المجتمع الحكومي وأنثوية المجتمع التقليدي

12 ظل قانون الموظفين شغاالً إلى جانب قانون العاملين الموحد، مع إمكان انتقال الموظف من أحدهما إلى الآخر.

في نظره؛ سلطة الأول على الثاني شكل اجتماعي سياسي وثقافي لسلطة الذكور على الإناث. فالعائلات

الميسورة ذات الحسب والنسب ما عادت تتأبى من مصاهرة الموظفين المرموقين من أبناء الفقراء ومتوسطي

الحال، وهؤلاء باتوا في حاجة إلى تدعيم مكانتهم الجديدة بمصاهرة هذه العائلات، فصارت خطوط

التقسيم الاجتماعي أكثر تداخالً وتعقيدًا، لا تجدي في وصفها «ترسيمات عمومية»، ولا تنتج من هذا

الوصف نتائج صحيحة، في الغالب من الأحيان. ولعل هذه واحدة من مشكلات «التحليل الطبقي»

لدى اليسار التقليدي. فلا يمكن التوصل إلى تصور صحيح لعالم كالعالم الاجتماعي، الذي يختص بإنتاج

ما لا حصر له من تصورات عن نفسه، إذا لم يُفرَد مكان ملائم لوجهات نظر أفراد الفئات التي تتعرض

للبؤس الخاص والتهميش، في المهن التي مهمتها معالجة البؤس العام أو الكلام عنه، كالمهن العلمية، مع

كل التشويهات المتصلة بخصوصية وجهات النظر الفردية، وعدم مطابقة التعبير للمعبر عنه، إذ تجدنا

دومًا في المساحة الفاصلة بين التجربة الشخصية والتعبير عنها، إضافة إلى أثر الحجاب أو القناع النفسي في

الإظهار والإخفاء. التبادلية الاجتماعية، المقرونة بالزبونية السياسية ونظام الامتيازات، هي تبادلية قيمية أو رمزية صارت

المرأة بموجبها إحدى الوسائل التي تعربّ عن رأس المال الاجتماعي والرمزي وتوزيعه وتداوله؛ فكثيرًا ما

ينتج من هذا التبادل تحالفات سياسية وشراكات اقتصادية. وإن أي حديث عن تشكّل القوى الاجتماعية

لا يلحظ أثر النساء في عملية/ عمليات التشكل يظل بعيدًا عن الواقع إن لم يكن مجافيًا له، وإن يكن

هذا الأثر ناجمًا عن مشاركتهن السلبية نسبيًا في هذه العمليات. فمن غير المنطقي إبراز المشاركة الإيجابية

للرجال وطمس مشاركة النساء، وإن تكن سلبية في الأغلب والأعم، لأن الأولى لا تكون من غير الثانية،

والعكس صحيح. لا تنم هذه الوضعية عن انفتاح وتسامح، أو عن احمّاء الحدود الثقافية بين الفئات الاجتماعية والجماعات

الإثنية والمذهبية، كما هي الحال في المجتمعات المدنية المتقدمة، بل تتحدد بكونها رديفًا للزبونية السياسية،

ومظهرًا خادعًا من مظاهر «الحداثة». فإدراج المرأة في رأس المال المادي والرمزي (الشراكات والتحالفات)

إمعان في تشييئها، يسير جنبًا إلى جنب مع خطاب تحرير المرأة وخطاب المساواة. فالمرأة المسلَّعة والصائرة

وسيلة تبادل اجتماعي، والتي هتُيأ لذلك، هي التي تتظاهر، في الغالب، بأنها المرأة المتمدنة والمتحررة والمساوية

للرجل. يمكن ملاحظة ذلك في عروض أو استعراضات التمدن والحداثة التي تقوم بها (سيدات المجتمع

الحكومي وبناتهن) من زوجات الموظفين المدنيين المرموقين، وزوجات ضباط الجيش والأمن والشرطة،

بمن فيهم الضباط الصغار وصف الضباط أيضًا، وبناتهم، على ما بينهن من تفاوت، وأغلبيتهن من أصول

ريفية فقيرة. ولا تخلو هذه العروض من لمحات كاريكاتورية، كالمبالغة في التأنق والتبرج وزيادة الأصباغ

التي تخفي الجهل أو الأمّية، وتستر آثار التمييز والعنف اللذين يتعرضن لهما. يقيم بيار بورديو تقابالً لافتًا للنظر بين عملية إنتاج الثروة المادية وإعادة إنتاجها وعملية إنتاج رأس المال

الرمزي وإعادة إنتاجه، فإذا كانت الأولى تقوم على تحويل المواد إلى سلع تتعين قيمها بالتبادل في السوق،

وهي مجال الذكور، فإن الثانية تقوم على تحويل النساء وعناصر أخرى إلى منتجات (سلع) تتعين قيمها

بالتبادل الرمزي بين الذكور، في سوق الزواج (هذه الحسناء تساوي كرمًا). على أن سوق الزواج الأحادي

13 بيير بورديو، بؤس العالم، الجزء الأول: رغبة الإصلاح، ترجمة محمد صبح؛ مراجعة وتقديم فيصل دراج (دمشق: دار كنعان،

0102)، ص 0.2

مجال ذكوري لتبادل القيم الرمزية ومراكمتها (الحسب والنسب والشرف والجاه والمكانة) وما تعينه من

قوى وما يقترن بها من حقوق وسلطات دائمة على الأفراد، لا تنفصل عن أشكال الهيمنة الإثنية والمذهبية

واللغوية والثقافية المستندة إلى رأس مال رمزي منتَج ومتراكم تاريخيًا. إن عملية إنتاج رأس المال الرمزي

وإعادة إنتاجه لا تقوم إلا بمساهمة النساء فيها، لا بصفتهن منتَجات فقط، بل أيضًا بصفتهن منتجات

استدمجن الهيمنة الرمزية الذكورية في أجسادهن ومعارفهن. ومن ثم، فإن النساء قيم يتعنيّ حفظها بمنأى

عن الإهانة والريبة، إذ توظف في مبادلات يمكن أن تنتج تحالفات، أي رأس مال اجتماعيًا، وحلفاء مهيبين،

أي رأس مال رمزيًا. ومن ثم، فإن عفة المرأة وسمعتها إجراء تميمي للسمعة الذكورية، ومن ثم لرأس المال

الرمزي للذرية. وشرف الأخوة والآباء المدفوعين، كالأزواج، إلى يقظة متغطرسة، بل بارانويوية، هو

شكل للمصلحة مفهوم جيدًا. إن استراتيجيات الخصوبة، من طريق الزواج، والاستراتيجيات التربوية

والاقتصادية واستراتيجيات الميراث تتجه كلها نحو انتقال السلطات والامتيازات الموروثة، وهي من ثم

استراتيجيات ذكورية بامتياز. لقد جعل التوسع المطرد في المجتمع الحكومي وزيادة حدة التفاوت بين مراتبه قشرة التمدن والحداثة أرق

وأكثر هشاشة، حتى لتكاد تقتصر على المحاكاة والتقليد في المسكن والملبس والمأكل والمشرب، واستعمال

التقنيات الحديثة، وما تقتضيه من مظاهر «التحرر»، التي تبدو جلية في عالم النساء «المحظوظات» من

المجتمع المهيب والمحظوظ، وفي العالم المستهام لنظيراتهن البائسات من المنبوذات والمهمشات، كالعاملات

في المؤسسات الإنتاجية والخدمية، والموظفات والمعلمات والمدرسات ذوات الدخل المتواضع، واللاتي

ترافقهن أعباء العمل إلى بيوتهن، وتقضم أوقاتهن، ولا سيما اللاتي يتعنيّ عليهن الإنفاق على أسرهن

كليًا أو جزئيًا. يمكن التحقق من ذلك بدراسة ظاهرة التذمر الشائعة بين هؤلاء المنبوذات والمهمَّشات،

والتي تكشف عن هشاشة، إن لم نقل عن زيف، المساواة الحقوقية. فما كان للتمايز الجنسي أن يظل شديد

الوطأة على النساء في المجتمع الحكومي «المحدث» لو لم تكن شبكة علاقاته مجنوسة على النحو الذي

أشرنا إليه، أي الذي تؤدي فيه المرأة دور السلعة، ووسيلة التبادل، فضالً عن كونها موضوعًا للسلطة،

وموضوعًا للرغبة. لعل سبر أغوار هذا العالم الحكومي «الحديث» الموازي للعالم التقليدي وكشف علاقاتهما المتبادلة يلقي

ضوءًا على آليات تشكّل المجتمع الكلي، ومعدل انحرافه عن المجتمع التقليدي، من جهة، وعن «المجتمع

المدني»، الحديث من الجهة المقابلة، ويساعد في تفسير بعض الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية، على

نحو مختلف عن الترسيمات العمومية، كالفيبرية (نسبة إلى ماكس فيبر) والماركسية والبنيوية والوظيفية..

ويع الدلالات الفعلية العميقة ل «الفضاء العام» و«الرأي العام» و«الحس المشترك»، في ظل ضمور

فكرة العمومية أو تنسيبها إثنيًا ومذهبيًا، ويبنيّ خطوط الفصل بين الفضاء العام والفضاءات الخاصة،

وآليات النبذ والجذب، التي يولدها التراتب الوظيفي والزبانة السياسية والتبادلية الاجتماعية، وأشكال

الولاء التقليدية. إنهم أولاد الحكومة الذين صاروا «أعضاء» في مجتمع مهيب ومحظوظ، يقع في أعلى المجال الكلي أو

العام، يتشارك فيه أبناء الفئات الوسطى والدنيا، بالقدر الذي يشعرهم بتدينّ مكانتهم، ويدمغهم بدمغة

14 المصدر نفسه، ص 77، بتصرف.

«الأصول» التي خرجوا منها، مع أنه يكفل لهم نوعًا من المساواة الصورية في المراتب التي ينتمون إليها،

ضمن البنية التراتبية للسلطة، التي ما عادت تمتُّ إلى مفهوم البيروقراطية وحكم القانون بأي صلة منذ

سنة 8195. هذا النوع من المساواة المجاورة للاّمساواة والخاضعة لها هو ما يمنح «المساواة» دلالاتها المتناقضة،

الواعية وغير الواعية في أذهان هؤلاء: الأعلى لا يعترف بالمساواة، المنصوص عليها في الدستور

والقانون، والأدنى لا يعيشها، إالّ توهمًا. والأمر في الحالين لا يتعلق بالفروق الفردية، بل بنسق

العلاقات القائمة على مبدأ الولاءات الشخصية والعائلية والعشائرية والمذهبية.. والامتيازات المقابلة

لها. يمكن القول إن ولادة «أولاد الحكومة» أضافت لامساواة مركّبة إلى اللامساواة الاجتماعية التي هي

قوام المجتمع التقليدي؛ إذ غدا أولاد الحكومة، بوجه عام، والنافذون منهم بوجه خاص، أعلى منزلة

من سواهم، في المتوسط، وتحولوا بمرور الزمن إلى «طبقة» مهيبة ومحظوظة، وصار التمايز واضحًا في

البيوت وأثاثها، كما في الملبس والمأكل والمشرب والاهتمامات والعادات الجديدة والتنافس في المظاهر.

ولكن اللامساواة في الفضاء الحكومي، التي لا تتعلق بالفروق الفردية والكفايات الثقافية والعلمية

والمهنية والخبرات العملية، تولد عملية نبذ وتهميش تتمفصل مع عمليات النبذ الاجتماعي التي يولدها

التفاوت في الثروة والمكانة، فتتشكل كتلة اجتماعية من المنبوذين، أي من مهمَشّي المجتمع التقليدي

ومهمَشّي مجتمع الحكومة، تتنامى باطراد وتعيش على الوهم والأمل، ولا سيما أولئك الذي ينبذهم

النظام التعليمي والمؤسسات التعليمية جرّاء انفصال التنمية الاقتصادية عن التنمية البشرية وغياب

مفهوم التنمية الإنسانية. على أن فكرة «التنمية الاقتصادية» فكرة خادعة، في أوضاعنا، لأن الاقتصاد هو بالأحرى اقتصاد السلطة

من جانب، واقتصاد حرب (على المجتمع) من جانب آخر. والتنمية البشرية تعني تأهيل الأفراد لمقتضيات

السلطة وتحقيق أهدافها الخاصة، أي إعدادهم ليكونوا أدوات السلطة وموضوعها في الوقت نفسه،

ومناضلين في سبيل بعث الأمة العربية «وتحقيق أهدافها في الوحدة والحرية والاشتراكية»، أي أن يكونوا

جنودًا في الحرب على المجتمع المهمش، الذي ختُشى غوائله باستمرار، ويصنّف على أنه «العدو الموضوعي»،

على الرغم من جميع مظاهر الولاء والتأييد، وجنودًا في الحرب على مهمشّي المجتمع الحكومي نفسه، وهو

ما يفسر تفيشّ ظاهرة الوشاية وتضخّم جيش المخبرين، ثم «جيش الدفاع الوطني» أو الشبيحة. لعل اقتصاد السلطة واقتصاد الحرب، بالمعنى الواسع لكل منها، والمتضمن الاقتصاد الرمزي، في مجالات

الفكر والثقافة والسياسة والأخلاق، هو ممّا يفسر ثورة الجزء المستنير من مهمشّي المجتمع الحكومي

ومنبوذيه، ولا سيما الشباب، ذكورًا وإناثًا، الذين خرجوا من دوامة «الوهم والأمل»، وسئموا تغوّل

اللامعقول، وفظاظة القمع والتنكيل والازدراء، والاستهتار بالكرامة الإنسانية والاستهانة بالحياة،

وانتظار غودو، أو الإصلاح الذي لا يأتي، ويفسر تشكّك هؤلاء بالمعارضة «السياسية»، بل الحزبية

والعقائدية، وانفضاضهم عنها، بحسبانها الوجه الآخر للسلطة ذاتها.

15 يلاحظ أن كثرة ممن يتقاعدون من أولاد الحكومة يعودون إلى بيئاتهم التقليدية، وإلى شؤون دينهم، بعد أن اطمأنوا إلى شؤون دنياهم،

بمن في ذلك كبار ضباط الجيش والأمن، ويتحولون إلى وجهاء محليين.

16 بيير بورديو، بؤس العالم، الجزء الثالث: منبوذو العالم، ترجمة رندة بعث؛ مراجعة وتقديم فيصل دراج (دمشق: دار كنعان، 0102)،

ص.198 1 –

وفق هذه الحيثية يمكن تعريف المعارضة الحزبية، التقليدوية الجديدة، بتعبير ياسين الحافظ، بأنها

الجزء المهمَّش والمنبوذ من المجتمع الحكومي والمتشبث بحكوميته، وأحقيته في الحكم. وهذا ما يفسر

غربتها عن المجتمع التقليدي أو الشعبي الهاجع والمستباح، الذي خرجت منه وخرجت عليه. لذلك

نجدها، وقد استدمجت منطق السلطة ذاته في وعيها وممارستها، تستقوي، دونما جدوى، بعصبياتها

الفرعية وروابطها الأولية. فالهوة التي تعمّقت بين المجتمعين: الحكومي و«الشعبي» باتت أوسع من

أن يردمها خطاب شعبوي مغشوش، وشعارات ليبرالية وديمقراطية براقة، لا أساس لها في الفكر

والسياسة والأخلاق.

خاتمة

على هذه الخلفية، هل يمكن افتراض أن الثورة السلمية التي فجّرها شباب سورية كانت ثورة الجزء المهمَّش

من المجتمع الحكومي غير المتشبث بحكوميته، والذي ينشد الحرية؟ أي هل هي ثورة من داخل المجتمع

الحكومي نفسه، هزت أركان السلطة وأخرجت المجتمع التقليدي أو الجماعات التقليدية من الظل، وبعثت

الحياة في أوصالها، فخرجت تنشد الكرامة، والكرامة عنوان ثورات كثيرة قادتها قوى تقليدية؟ وهل هي

ثورة الحرية التي بادرها مجتمعها المحظوظ والممتاز بالعنف من لحظاتها الأولى، ونجح في الإجهاز عليها،

فتراجع من تبقى من ناشطيها إلى الصفوف الخلفية، ثم إلى العمل الإغاثي والإعلامي، فانطلقت حرب

تقودها الجماعات التقليدية وتشكيلاتها المقاتلة وشريحة غير قليلة ممن أطلق عليهم مصطفى حجازي اسم

«شباب الظل» الذين حُرموا من التعليم وفرص العمل اللائق؟ لعلنا، في غمار الحرب الدائرة، إزاء مجتمع يثأر لنفسه من غدر أولاده وبناته به. إذا كان الأمر كذلك، فمن

البديهي أن تستخدم الجماعات التقليدية كل ما تبقى لها من أسلحة، وكل ما يمكن أن يمدّها بالقوة، بعد

أن خذلتها الأحزاب السياسية كافة، وكذلك النقابات والتنظيمات «الشعبية» الأخرى (أي بعد أن خذلها

أولادها وبناتها). ومن أكثر هذه الأسلحة مضاء العصبيات العشائرية والإثنية والمذهبية. يبدو أنه من

الصعب أن نفهم الحرب الدائرة إالّ بصفتها حربًا على المجتمع الذي خرج من الظل، فهي من ثم «صراع

على السلطة» بين مجتمعين، يدفع بها كل منهما إلى نهاياتها القصوى، وهو ما يفسر مستوى التوحش في جميع

تفصيلاتها، ويلقي ضوءًا على أسباب انشقاق من انشقوا عن المجتمع الحكومي الذي لا يزال يبدي غير

قليل من التماسك، ويبنيّ بجلاء أن اختلاف ما تُسمَّى أو تسمّي نفسها «معارضة سياسية» فاقدة للمعنى

والقيمة، ما هو إالّ صدى لاختلاف القوى الفاعلة على الأرض، واختلاف استراتيجياتها، أو ائتلافها،

فضالً عن اختلاف القوى الإقليمية والدولية أو ائتلافها. وما من شك في أن ضعف المعارضة (السياسية)

وتناثرها وتخثرها هي نتيجة عقود من القمع والاضطهاد. ودفعًا لأي سوء فهم أو سوء تفاهم، تجدر الإشارة إلى أن ما يبدو أنه مساواة في الحكم على السلطة

71 يعرف السوريون أن الأحزاب العقائدية المعارضة هي انشقاقات الأحزاب والتنظيمات التقليدية المعروفة، ولكل منها نظيره في الجبهة

الوطنية التقدمية (باستثناء جماعة الإخوان المسلمين المحظورة وحزب العمل الشيوعي) وأن الفروق بينها في العقيدة، تكاد لا تذكر، فضالً

عن القاع المعرفي والأخلاقي المشترك.

8 1 انظر: مصطفى حجازي، «ثورة الشباب وتحولاتها الثقافية،» الآخر، العدد 2 (خريف 0112)، ص 31 وما بعدها.

والمعارضة مؤسس على كونهما قوتين متحاربتين ماديًا وخطابيًا، في الوضع الراهن، تستقوي كل

منهما بالخارج، في صراعهما على السلطة، لا على كونهما قوتين سياسيتين متعارضتين جدليًا، أي إنه

مؤسس على إدانة الحرب، من المبدأ والمنطق، فالحرب هي الحرب مهما قيل أو يقال في وصفها، وإدانة

للسياسة أبصفتها امتدادًا للحرب بوسائل أخرى، بحسب كلاوزفيتس، أم بصفتها حربًا، بحسب

ميشال فوكو، أم لأنها لم تنتج إالّ مسوخًا، بحسب إدغار موران، من أجل سياسة هي إدارة تشاركية

للشؤون العامة، وتنافس سلمي على السلطة، لترشيد هذه الإدارة وتحسينها باطراد، وإعادة الاعتبار

إلى العلاقة الجدلية بين الحرية والسلطة، فما من سلطة لا تنتج هي ذاتها مقاومة أو معارضة من داخل

بنيتها ومن خارجها. أخيرًا، ليس في وسعنا استخلاص نتائج واستشراف ممكنات واقتراح حلول ومخارج من أزمة جارية،

ومتعمقة باطراد، ومفتوحة على المجهول، وتولّد نوعًا من اللايقين، يتمادى باطراد أيضًا، ويوجّه الذهن

نحو المعاني الكامنة أو «الحقائق» المبعثرة في الحوادث الفردية والوقائع اليومية، وفي آلام الأفراد وأحزانهم،

وفي ما يفعلون وما يقولون.. ومن الترف أن يقال شيء عن آمالهم، غير الأمل الشاحب في البقاء أحياء،

وانتظار أن تقوم الحياة بواجباتها.

19 للوقوف على خلفيات المساواة في الحكم على السلطة والمعارضة، انظر: جاد الكريم الجباعي، طريق إلى الديمقراطية (بيروت: رياض

الريس، 010.)2 ودراسات أخرى منشورة على موقع سؤال التنوير، على الموقع الإلكتروني: www.assuaal.net> <.