العودة إلى تفاصيل المؤلَّف في تشكّل الفرد والفردانية في المجتمع التونسي

في تشكّل الفرد والفردانية في المجتمع التونسي

The Formation of the Individual and the Constituents of Individuality in Tunisian Society

عادل بلحاج رحومة *

الملخّص

* المعهد العالي للعلوم الإنسانية، ابن شرف - تونس.

Abstract

What is one investigating when attempting to determine the nature of the individual and individuality in non-western societies such as, for example, Tunisian society? This is the question posed by Rahouma in his study, noting that this sociological problematic is first and foremost a conceptual one, presenting a theoretical challenge to the sociology of the individual in all its diverse social and cultural contexts. When searching for analogues, Rahouma warns not to fall into the trap of comparisons with the Western model. Instead, individualization should be approached as a process that is embodied in the actions of individuals and in the facets of their day to day lives, a process governed by the specificity of contexts that may engender specific configurations of the individual and individualism. Questions such as “Who is the “I” residing in me, or the “I” worn as a mask, can only be entertained, argues Rahouma, when civil and human rights are taken into consideration. Accordingly, tracking the offshoots of individuality can best be achieved on the basis of the national modernization effort and continual adjustment of the headlong rushing course of contemporary social life. In each of these offshoots, argues Rahouma, there lies sectoral specificity associated with scope and environment.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستراتيجيا الازدرائية
  • الشائعات
  • الطاقة الذهنية
  • الاستراتيجيا التنظيرية الحدسية
  • الاستراتيجيا القياسية
  • الأنا
  • الآخر
Keywords:
  • Individual
  • Individualism
  • Tunisian Society
  • Sociology of the Individual
  • Civil and Human Rights

عمَّ نتساءل حينما نبتّ اليوم سوسيولوجيًا أمر الفرد والفردانية في بيئات اجتماعية غير غربية

كما هي الحال  في المثل التونسي؟ الإشكال المطروح هنا هو مفهومي بدرجة أولى؛ اذ يطرح

تحديًا نظريًا على علم اجتماع الفرد، خصوصًا في  تنوّع سياقاته المجتمعية والثقافية. يتعين

تجنّب السقوط في المقارنات مع صورة نموذجية للفرد الحديث في الغرب حتى نبحث عن

نظائرها أو أشباهها عندنا. سنعتمد في المقابل مقولة الفردنة بما هي صيرورة يجسّمها فعل

الأفراد وأشكال وجودهم الاجتماعي اليومي؛ صيرورة محكومة بخصوصية سياقات تنزلها

واقعيًا في بيئتها قد يتمخض عنها تكوين معين للفرد وللفردانية؛ فحينما أقول »من  الأنا«

الساكن في أو الذي ألبسته قناعًا اجتماعيًا لكي يتعين عليّ في ما بعد المطالبة بالاعتراف به

خلال  التنازع فيه مع الآخرين، فإن تصريف سؤال من هذا القبيل لن يتوقف فقط عند

المطالبة بالحقوق المدنية والإنسانية  بل سيتعدى إلى النظر في التشريطات الذاتية والمجتمعية

التي قد تسعف أحدنا لكي يكون حقيقة فردًا  مميزًا وله قداسته الشخصية... تعقّب شعاب

الفردنة  سيتم على ارضية تجربة التحديث الوطنية  ومجرى عصرية حياتنا الاجتماعية المتدفقة

باستمرار. في كلٍّ من هذه الشعاب، هناك   فردانية  قطاعية  مقترنة بخصوصيات  مجالها

وبيئتها. المعالجة المفهومية ستحيل إذن إلى  معاينات تطبيقية نأمل أن تنجز  ميدانيًا.

مقدمة

ربما يبدو حديثنا عن الفرد والفردانية في المجتمع التونسي والمغاربي بشكل ما، ولأول وهلة، من

المسائل الفكرية الوثيرة التي تشغل حَصّْ يًا طائفة من المفكرين والمشتغلين بالعلوم الاجتماعية.

بيد أن التغيرات والاهتزازات الكثيرة التي نعيشها حاليًا تفرض تقليب النظر في مختلف أبعاد الواقع

وطيات سُمكه المركّبة تاريخيًا. فالفردانية وصيرورة الفردنة هما في تقديرنا أحد مكوّنات الواقع المجهرية

المخبرية التي لا تنفك تختمر وتتشكّل حتى في غفلة من أصحابها فتُنشئ أطيافًا من الكيانات البشرية

الفردية منها والجماعية، وتنسج على نحو ما روابط اجتماعية. الفحص العيني للاختمارات الاجتماعية الحاصلة في أرضيتها الوطنية بكل خصوصيتها سيعتمد معالجة

مفاهيمية لمعنى الفرد والفردانية والفردنة... بما هي تشكيلة كوكبية من المفاهيم المترادفة دلاليًا وتتنّزل

ضمن مُعجمية سوسيولوجية تبدو خصبة ومميزة في حقلها الإبستيمولوجي الغربي خلال السنوات،

لكن امتدادات شُعاعها عربيًا لم تزل باهتة بل ضبابية لأن التشكيلة المفاهمية للفردانية ذاتها متعدّدة المعاني

ومتضاربة الأبعاد والأصول المرجعية ضمن علم الاجتماع الراهن. وعليه، فإن تقليب النظر بين مختلف

البيئات الحضارية والجغرافيا- الثقافية - مراوحة وتردّدًا- قد يلتبس أحيانًا بشتّى وجوه الخلط والمقارنات

المتعسّفة والمضللّة؛ فهي قد تربض في لاشعور «(الخطاب العلمي) بوصفها عوائق ذاتية بدل أن ينبجس

منها استبصار ينير أفقه. ما ينبغي أن نتيقظ باستمرار هو معرفة الظروف التاريخية التي تحرّك هذا النمط

من المَفْهمة العلمية أو ذاك». لكن التحقيق لن يكون هنا بحثًا عن المقابل التونسي أو المغاربي للفرد

والفردانية الغربية وكأنّ المفهوم يُستنسَخ من بيئة إلى أخرى، وإنمّا هو بالأحرى انتباه منهجي إلى صلات

ولو جزئية بين الأجهزة المفاهيمية للعلوم الاجتماعية والحالات التاريخية للمجتمعات، حيث اعتبر برنارد

لاهير أنه توجد بالضرورة فوارق معينة بين الديناميكية العلمية والديناميكيات الاجتماعية، وذلك من

شأنه أن يعطي لكل منها استقلاليتها النسبية واختلافها، لكنها فوارق تستدعي إيجاد حدّ معين من

التوازن بين خصوصية الحقل العلمي وإدراج اجتماعي- تاريخي للمفهمة السوسيولوجية. فالفردنة مثل

هي بمنزلة صيرورة انسيابية في معيش الناس اليومي، تعطي إمكانية الفحص عن كثب أي ارتسامات

ممكنة قد يتشكّل منها الفردي والجماعي على حدّ سواء. وهي ستُعتمَد بالتالي ذريعة منهجية للتطرّق إلى

أحد أهم أسئلة علم الاجتماع اليوم وهو المتعلّق بنوعية الفرد في المجتمعات غير الغربية، وخصوصًا

المغاربية منها، فالأمر لا يزال إشكالً قائمً ومقولة نظرية تلتبس خصوصياتها الاجتماعية والتاريخية. أيًا يكن وجه الفرد في مجتمعنا، فإنّنا نجسّ المسألة في ظل نقص وغفلة كبيرين يميزان المقاربات العربية

عمومًا، وذلك على الرغم من أن مظاهر عصرية الحياة عندنا لا تنفكّ تتّسع وتنضح بكثير من إثباتات الفرد

والفردانية. ضمن صيرورات اجتماعية متفاوتة السرعة ودرجات السُّمك، تتحوّر ضمنيًا وبصفة تحتية

أنماط العيش المشترك وأساليب الوجود والتعبير. سيستدل حينئذ تعقّب آثار الفردنة بمنظور سوسيولوجي

تركيبي يستخلص علاماتها الدّالة انطلاقًا من الواقع الخام المُتعين في معيش الناس وسلوكهم وروابطهم.

فالفردنة أضحت تنفذ إلى جوانب كثيرة من الحياة العائلية والمهنية والدينية والسياسية والعمومية المدنية...

في المعنى الحداثي للفرد والفردنة

منذ الثمانينيات، ما عادت الفردانية مجرّد مفهوم مبثوث بشكل عرضَي في ثنايا المُدوّنات السوسيولوجية

الكلاسيكية، بل هي اليوم «براديغم» نظري مميّز قائم بذاته، يبلور رؤية علمية لتغيرات جوانب معيّنة من

حياتنا. إنها تشهد على صيرورة اجتماعية- تاريخية تحديثية موطّنة بوجه ما في مختلف تجارب البناء الوطني،

حيث تمثّل الفردانية أوّليًا إحدى مقولات الحداثة وعلاماتها الدّالة على حركة مزدوجة: فهي مرتبطة

(1) Bernard Lahire, La Culture des individus: Dissonances culturelles et distinction de soi , textes à l’appui. Série laboratoire des sciences sociales (Paris: Ed. la Découverte, 2004), p. 176.

من ناحية بتآكل تدريجي لاندماجية المجتمع التقليدي ذي الخاصية الجماعوية؛ إنّا في الأساس صيرورة

امتلاك الحياة الخاصة. وهي من ناحية أخرى انبلاج متزايد لرؤية جديدة للعالم متمركزة أكثر حول

القيمة الإنسانية والحقوقية للفرد بوصفه ذاتًا محاطة بهالة من القداسة مثلما تختزله المقولة الدوركهايمية

الآتية «كلما أمعنت المعتقدات والتقاليد في إضاعة طابعها الديني ازدادت القُدسية التي تحيط بالفرد. إنّنا

نجعل كرامة الفرد موضوع عبادة هي ككل عبادة قوية ذات أوهام تحيط بها... إلا أنها لا تصبح ممكنة

إلا على أنقاض المعتقدات الأخرى، وبالتالي فإنها لا تستطيع أن تُدث الآثار نفسها التي كانت تُدثها

تلك المعتقدات الميتة».مع ذلك، فإن التحقيق المفهومي المتعلق بالفردانية يكشف عن تعدّد المعاني

تعدّدًا تخالطه مترادفات دلالية تخصّ التفريد) Individuation) والفردنة) Individualisation)، بل إن

كلمة الفرد ذاتها متغيرة أوجه معانيها، فإشكالية «الفرد» تتنزّل علميًا ضمن حقل دلالي يقوم عليه إرث

التقاليد النظرية السوسيولوجية، وهو أمر يستدعي بتّ المُتشابهات من الكلمات والتسميات وفي تطوّر

صيغ استعمالاتها. ففي تقدير كريستيان لو بار «صرنا نقف إزاء براديغم نظري فرداني ينحو متشكّلً في

توجّهات مختلفة من شتّى السِّجلات الدلّالية التي منها ما يشير إلى: كرامة الشخص وقداسته، استقلالية

الفرد وقدرته على التصرّف بمنتهى الحرية، تقدير ما هو حميمي وخاص، تنمية الذات ». ولا ينأى أكسل

هونيث كثيرًا عمّ يثيره الالتباس الدلالي بين التفريد والفردنة من إشكاليات متعددة، منها استقلالية الفرد

وأصالته، إضافة إلى قدرته على الانعكاسية الذاتية والانعزال. إذا سلّمنا أوّليًا بأن الفردانية الحالية المقترنة بالحداثة الثانية هي «نزوع من الأفراد إلى التحقّق كذات

لمّا يكون بوسعهم اكتساب القدرة على أن يعرّفوا أنفسهم بأنفسهم وليس فقط بموجب انتمائهم لهذا

الكيان الاجتماعي أو ذاك»، فإن هذا الإقرار يفترض أن هناك قدرًا كبيرًا من فردنة يتحلّ بها الأفراد في

المجتمعات الحديثة، حيث تعني الفردنة تلك الصيرورة الثانية التي تتسنّى للمرء لكي يمتلك زمام حياته

ويثبت نفسه كفرد مستقل يحفظ فرديته مهما كلّفه الأمر. فهذه الصيرورة تمثّل في نظر فرنسوا دي سنغلي

(F. de Singly) أو جان كلود كوفمان) J - C. Kaufmann (إحدى دعامات الحداثة ورؤيتها لنوعية من

الأفراد الفردانيين نجدهم في مجتمعات لها خاصية تثمين التعبير الفردي وإعطائها القيمة بما هي قائمة على

قناعة أن للفرد معنى الوحدة المميزة والاستمرارية والأصالة الذاتية زيادة عمّ هو حميمي.

التفريد وتكوين الفرد الجمهوري المجرّد

سيكون التمييز إذن بين مقولتيْ «التفريد» و«الفردنة» في نظر فانسن ديكومب على أساس أن الكلمة

الأولى تُيل إلى وجود أعوان تجريبيين ومفرّدين على أرض الواقع في المجتمعات البشرية كلها، ونقصد

(2) Emile Durkheim, De la division du travail social (Paris: Presses universitaires de France, 1967), p. 199. (3) Philippe Corcuff, Christian Le Bart et François de Singly, dirs., L’Individu aujourd’hui: Débats sociologiques et contrepoints philosophiques , Res publica (Rennes: Presses universitaires de Rennes, 2010), p. 15. (4)  Axel Honneth, La Lutte pour la reconnaissance , trad. de l’allemand par Pierre Rusch, passages (Paris: les Éd. du Cerf, 2000), p. 4. (5) Pierre-Yves Cusset,   Le Lien social , sous la direction de François de Singly, 128. Sociologie, anthropologie (Paris: A. Colin, 2007), p. 80. (6) Jean-François Dortier, dans: Sciences humaines: no. 234: Inventer sa vie (Fevrier 2012), p. 53. (7) Vincent Descombes, Le Complément de sujet: Enquête sur le fait d’agir de soi-même , NRF essais ([Paris]: Gallimard,

بذلك أولئك الأفراد الذين نصادفهم شخصيًا في الحياة العامة. أمّا الكلمة الثانية، وهي الفردنة، فتحيل

إلى مرجعية تثمين ذلك العون التجريبي المفرّد والمميز ضمن سياقات مجتمعية وحضارية معينة. سياقات

قد تلازم انتشارها تاريخيًا مع النهضة الأوروبية ثم الثورة الفرنسية وراحت من بعد ذلك تتشكل عَينيًا في

المجتمع الحديث، حيث سيمنح التفريد كلّ فرد أو عون اجتماعي قدرًا مهمًّ من الفردانية المنحدرة أساسًا

من تنامي التقسيم الاجتماعي للعمل بمقتضى التخصّص والكفاءات الشخصية التي نجدها عند الموظف

أو التلميذ أو العامل والتقني في المصنع أو الفنّان، وغيرهم. ستستند هذه المجتمعات أيضًا إلى جملة من المقولات والحقوق الإنسانية الكونية التي تغذّي الجسد

الاجتماعي بمنطق مُتمركِز يُرقّي شكلً تكوينيًا للفرد أو هو فرد مجرّد وجمهوري ترسمه القيم الإنسانية

الحديثة في هيئة مواطن ترعاه الدولة لا بوصفه عبدًا من جملة رعاياها يلتمس رزقه ويواجه مصيره لوحده

وإنمّا هو كيان معنوي تحكمه جملة من الحقوق والواجبات وتتعهّده التنشئة الاجتماعية المؤسساتية بالرعاية

والتكوين، حيث تشدّ أزره من داخل منظومة برنامجها التنموي والمؤسسّي والقيم الجمهورية والمدنية

التي تؤهّله للأدوار الاجتماعية المنتظرة وللمكانة الاجتماعية المكتسبة باعتباره مواطنًا. يعني التفريد

حينئذ صنفًا من الفردانية الأولى المتّفقة دلاليًا مع النظام الاجتماعي، لمّا يبدأ الفرد يستبطن المعايير المجسًّدة

للشخص الاجتماعي الذي يتعين عليه أن يكون بمقتضى مخطّط التنشئة المؤسساتية الذي تسطّره العائلة

والمنشآت الصناعية والمدرسة وبقية الهيئات الثقافية والمنظمّات المدنية. فالتّنظّم ضمن الجمعيات والهيئات

فضيلة مدنية ترفع الفرد عن مستوى الحياة الخاصة وعن الانطواء المدنية هو في نظر ألكسي دي توكفيل

على الذات المصلحية والحميمية. لا تني الصورة المرجعية للفرد المواطن ترسم ملامحها ودعوتها ضمن إطار التشكّل التحديثي الجديد

ل«الدولة - المجتمع»، أكان عبر الملْكية الفردية أم عبر الانخراط في التقسيم الاجتماعي للعمل أو

منظومة الحقوق والحريات، وتوفير الحماية وكل ما قد يترتّب عنه من موقع داخل النسق الاجتماعي

وضمانات اجتماعية، كالحق في العيش الكريم والصّحة وغير ذلك. فإذا بالتفريد ضرب من التحقّق الذاتي

المتعلّق بالدور الحاسم للدولة الحديثة الراعية، فتُستخلَص الفردانية حينئذ من صميم إطارها المجتمعي

الموضوعي، حيث اعتبرها إميل دوركهايم بمنزلة دين الأزمنة الحديثة لأن على صورتها سيتشكّل الفرد

المواطن مُستبطنًا تماهِيًا ما بين العقل والدولة ليكون الفرد بالتالي مبدأ كونّيًا ينتظم حوله المجتمع انتظامًا

جدليًا متّسقًا يجمع بين الأنا العمومي، أي ذلك المواطن بالمعنى المدني والسياسي، والأنا الخاص أو الذاتي

بكل حميميته الذاتية وسعادته على الرغم ممّا فيه من نزاعات الأنانية وميل إلى الانطواء على الذات وفق

ثقافة نرجسية تغلب على المجتمع أو تجتاحه.

الفردنة إثبات للفرد المتجسّد ذاتيًا

خلافًا للتفريد المقترن بالحداثة الأولى، هناك انبثاق لفردانية ثانية اختلافية ومُتجسّمة على أرض الواقع

وليست مجرّدة؛ إنّا إحدى علامات الحداثة الثانية، وهي ستخطّ مسارات الفردنة الدّالة على منطق مغاير

للهوية والتحقّق الذاتي يتجسّم في المعيش اليومي للأفراد عبر سلوكهم وأساليبهم الخاصة في إثبات الوجود

(8) Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique , 2 tomes (Paris: Gallimard, [s. d.]), tome 2, p. 6.

والتعبير. «وسيحث الأفراد من الآن فصاعدًا على الوجود وعلى إثبات الذات باعتبارهم فريدين مُيزين

يتعذّر اختزالهم في أي آخرية مجتمعية تتجاوزهم»، أو في دور اجتماعي يُنمّطهم في صورة نموذجية ل:

الابن أو الأب أو الزوجة أو الأخ الأكبر.. الحداثة المتقدمة أو المغايرة طفقت ترسم منذ نهاية الثمانينيات

«إنسانًا علائقيًا» ناب عن حضور الفرد المجرّد المرتبط بعقلانية المَأسسة الاجتماعية للحداثة الأولى،

وأضحى في المقابل يرتسم وفق رؤية براديغم فرداني متشعّبة وجهات معانيه ومتعدّدة إشكالاته، منها ما

يشمل: كرامة الفرد؛ استقلالية اجتماعية وسياسية؛ قدرة الذات على التعبير الفريد؛ الانعكاسية؛ العمل

على الذات أخلاقيًا أو جماليًا... ف «تكوين الذات يُمثّل بلا ريب حجر الزاوية لمختلف صيرورات الفردنة

التي قد يُستخلص منها فرد ينزع إلى الوجود من وراء جميع الترسيخات الاجتماعية الثقافية لهويته، فهو أنا

ذاتي عميق ضدّ الأنا الاجتماعي، وهو أيضًا شعور فريد أكثر من أن يكون عقلً كونيًا ». أن تكون ذاتًا،

أضحى اليوم معيارًا مُعمّمً وحساسية إنسانية تتأكد؛ فميشيل فوكو يميّز في كتابه الانهمام بالذات ثلاثة

عناصر تجتمع في الذات الإنسانية الحديثة، وهي: - استقلالية الفرد في فرادته بصفة متفاوتة الدرجات، وذلك بحسب ما يظفر به الفرد من علاقاته المميزة

بالمجموعة التي ينتمي إليها أو المؤسّسات التي ينتسب إليها. - أن يُعطى الفرد قيمة لحياته الخاصة المتمثّلة في الاعتراف بأهمية علاقاته العائلية ونشاطه الأليف وهواياته. - الانهمام المتزايد بالذات من حيث المحافظة على النفس وإصلاحها وضمان السلامة جسدًا وروحًا. بهذا

المعنى لن تكون الفردانية معطى اجتماعيًا تضمنه الحداثة، ولا مقولة مجرّدة في فلسفات الأنوار تبحث عن

صيغ تعينها واقعيًا، وإنمّا هي صيرورة اجتماعية فردية يدفعها مجهود مضن من الأفراد يتوق إلى التحقق

كذات بعينها. ينبغي اعتبار الفرد إذن بناء اجتماعيًا تاريخيًا يطرح تكوّنه مشكلً وتساؤلً على جميع العلوم الاجتماعية لكي

تفكّر في كيفية تحوّل المجتمعات، وهي مفعمة أكثر بالذاتية والفردانية. تحصل الذاتية عند الكائن البشري

«لمّا يستعمل قدرته على أن يتدبّر التوترات القائمة بين ما ينتظره الآخرون منه وما ينتظره هو من نفسه،

فيتكوّن حينئذ باعتباره فردًا وفاعلً في المجتمع». فإذا بالفردانية ثمرة عمل هويتي على الذات؛ إنّا في

تعبير جورج سيمل مرادفة ل «لحياة» بما هي دفق مندفع وخلاّق في راهنيتها ومعيشها العفوي، تنزع إلى

تقصّ الأشكال المجتمعية المألوفة والجامدة. «تتموقع الفردانية في صميم تجربة العالم الحديث لأن جوهر

الحداثة عمومًا هو نفساني، حَسْبنا أننا نُثبت العالم ونؤوّله بما يتطابق وداخليتنا». لكن هذا التوق الحيوي

إلى التحقّق لا يعرف أفق نجاح مُدّد، فمن طبيعة الحداثة ذاتها أنها تظلّ تُغذي فينا دائمً موضوع الاتمام غير

المحدود، وتثير باستمرار حالة اللاّشبع التي تؤلّف منذ قرون ديناميكية الحياة الجماعية وتقدّمها. أ وَ ليست

(9) Christian Le Bart, L’Individualisation , références, sociétés en mouvement (Paris: Sciences Po, les presses, 2008), p. 26.

(((1 المصدر نفسه، ص.126

(11) Michel Foucault, Histoire de la sexualité, III: Le Souci de soi , bibliothèque des histoires (Paris: Gallimard, 1984), p. 56. (12) Guy Bajoit, «Qu’est ce que le sujet?,» dans: Guy Bajoit et Emmanuel Belin, dirs., Contributions à une sociologie du sujet , logiques sociales (Paris; Montréal: Ed. l’Harmattan, 1997). (13) Georg Simmel, Philosophie de la modernité, II: Esthétique et modernité, conflit et modernité, testament philosophique, introd. et trad. de l’allemand par Jean-Louis Vieillard-Baron (Paris: Payot, 1999), p. 125.

الحداثة، بتعريف شارل بودلير،«هي ذلك العرضَي الوقتي والهارب والمُحتمل نصف الفن ونصفه الآخر

الأبدي والثابت»؟.

الفردنة وتحلل المأْسسة الاجتماعية

إن صيرورة الفردنة الحاصلة مع الحداثة المتقدمة باطّراد ستفرز من رحمها أشكالً مُستحدثة من الأفراد،

وستحثّ بالتالي العلوم الاجتماعية على تحليل التغيرات الاجتماعية، حيث يقوم الارتباط بين تنامي

الفردانية ودمَقْرطة الحياة الاجتماعية في المجالين العمومي والخاص على حد سواء. وهي بذلك تغدو

صيرورة تحرّر الفاعلين الاجتماعيين من نفوذ التقليدية من ناحية ومن تحديات المجتمع الصناعي من ناحية

أخرى، على حدّ رأي أنتوني غيدنز وأولريخ بك، لكن من غير أن يعني الأمر أن الحداثة المتقدمة هي في

قطيعة حاسمة مع الحداثة الأولى المنتسبة إلى المجتمع الصناعي، وإنمّا الأرجح أنها أضحت محمولة أكثر على

تغيرات تحصل عبر تشويش مطّرد للمؤسسات الاجتماعية التي انبنت عليها الحداثة الأولى، أو هي بتعبير

فرنسوا دوبيه تغيرات متّفقة مع صيرورة تاريخية- اجتماعية لتحلّل المَأسسة الاجتماعي؛ إنّا لا تعني مجرّد

«أزمة» مؤسسات تعيشها العائلة والمدرسة مثلما تميل إلى تحليله السوسيولوجيا الساذجة، بل هي حركية

مُتمعية أعمق وطريقة مغايرة كليًا في التعاطي مع المعايير والقيم والأفراد، أي إنها طريقة مختلفة في تصوّر

التنشئة الاجتماعية، إذ ما عاد مُديًا أن ننظر إلى القيم والمعايير على أنها كيانات متعالية واقعة هناك في ما

فوق نطاق الأفراد بقدر ما «هي إنتاج اجتماعي مشترك وترتيبات منظمّة بين غايات عديدة ومتضاربة،

حيث يُركّب الأفراد تجاربهم داخلها ويتركّبون هم أيضًا بوصفهم فاعلين ». من وجهة مغايرة يرى برنار لاهير أن العالم الاجتماعي لا يحضر عند الأفراد بوصفه فقط واقعًا خارجيًا

(جماعيًا ومؤسّساتيًا) لكنه موجود أيضًا بداخلهم مطويًا طيات في شكل استعدادات مُتجسّدة فيهم. كل

فرد يستبطن مؤهلّات واستعدادات للتفكير والشعور والفعل باعتبارها نتاجًا لتجارب ضروب كثيرة

من التنشئة الاجتماعية، أي إنه حصيلة طيات متعددة لبُنى اجتماعية ترسّبت فيه وشكّلت لديه تطبّعات

فردية بدلً من تطبّع طبقي واحد، كما ذهب إلى ذلك بيار بورديو. من الشطط إذن إعلان أفول المؤسسات

ووهن ما هو جماعي حتى نتحدّث عن إلزامية أخرى كلية تجعل من كل فرد منّا كائنًا حرًّا مستقلًّ أو

فريدًا... فمختلف المؤسسات وأشكال الحياة، العائلية منها والمدرسة والمهنية والسياسية والاقتصادية

والأخلاقية والثقافية... لا تفتأ تصقل استعدادات ورغبات حتى تصنع أفرادًا على صورتها وفي خدمتها.

مهما يكن شأن التآكل المضطرب للمعنى المؤسسّي، التقليدي منه والحديث، فإن هناك مَأسسة اجتماعية

ما زال في وسعها أن تستوعب اتساع هامش من حرية التعاطي مع المعايير ومناورة المؤسسات التي

تنتجها. إنها قدرة انعكاسية تقترن بالفردنة يثمّنها أ. بك لأنّا متعلّقة ب «تغيرات معيارية مهمة تفتح أكثر

فأكثر مجالات وهوامش من المناورة والتحكّم الفرديين بغرض التصرّف بمعزل عن المعايير والروابط

(14) Charles Baudelaire, «La Peinture de la vie moderne,» dans: Charles Baudelaire, Oeuvres complètes , bibliothèque de la Pléiade; 7 (Paris: Gallimard, 1976), vol. 2, p. 1163. (15) François Dubet et Danilo Martuccelli, Dans quelle société vivons-nous? , l’épreuve des faits (Paris: Ed. du Seuil, 1998), p. 147. (16) Bernard Lahire,   Dans les plis singuliers du social: Individus, institutions, socialisations , collection laboratoire des sciences sociales (Paris: La Découverte, 2013), p. 14.

الجماعية. وهذا من شأنه أن يجعل حرية الاختيار الفردي هي التّعبير المُميز للفردانية الإيجايبة التي تختص

بالكلمات المفاتيح الآتية: الاختيار، التحديد الذاتي، التعاقد». لكن يبقى المشكل الملازم لهذه الفردانية

الإيجابية هو التفاوت القائم بين التطلّعات الفردية نحو المساواة وتحديد الذات وبين الأحوال الموضوعية

والأطر الاجتماعية السانحة لتجسيم تلك التطلّعات والأمنيات. إنّه تفاوت بين نزعة التذويت والتشريط

الاجتماعي قد يُفضي إلى توتّرات اجتماعية يواجهها الأفراد ضمن صراعات من أجل الاعتراف وتبوّئ

مواقع اجتماعية يتزاحمون لأجلها تزاحمًا فرديًا محمومًا. هكذا يُوسَم الفرد الحالي بطابع المفارقة والتناقض،

إذ يجمع بين التمنّي والمعاناة. وبالتوازي ستكون مدارات المعنى المنوط بالفردانية متمحورة حول ثلاثة استعمالات هي الآتية: - أولً، تشير الفردانية نسبيًا إلى السعي وراء المصلحة الخاصة أو الانبساط الشخصي من غير تكليف

النفس ضرورة الاهتمام بالآخرين. - ثانيًا، وهو المعنى الأكثر إيجابية للفردانية إلى جملة الممارسات والاستخدامات أو المؤسسات التي تيسّ

وجود البشر باعتبارهم أفرادًا بشكل يجعل الفردانية مقترنة بفكرة الاستقلالية الشخصية والتقدم والحداثة،

أي إنّا تُرقّي نموذجًا معينًا للفرد الجمهوري.

- ثالثًا، ترتبط الفردانية بتصوّر للفرد كان قد صِيغ خلال تاريخ الفكر الإنساني ثم راح ينتشر في الغرب

الحديث ليمتدّ في ما بعد خارجه، وهو معنى يُيل إلى طريقة تفكير الأفراد في أنفسهم. الذي يمكن أن نستخلصه حاليًا وفي سياقية غير غربية من شتّى معاني الفردانية؟ إلى أي مدى يمثّل لكن ما

التصوّر الغربي للفرد مرجعية ضرورية وكافية لرسم ملامح نظائره عندنا؟ من البيّ أن رياح العصرية لا تنفكّ تهبّ على جغرافيات ثقافية مختلفة التضاريس والتكوينات البشرية،

فتتعدّل بما قد يتلاءم ومناخاتها الخاصة وعبَق روائحها الحضارية. أمّا ما يمكنه تعقّبه من ورائها، فهو

طيف لفردانية إيجابية نستحضرها باعتبارها ترتسم كمشروع للتحقق أكثر من أن تكون ضرورة وواقعًا

قائمً بذاته. إنها إمكانية تنبني اجتماعيًا وصيرورة نتبصّ علاماتها الأوّلية من دون التغافل عن معوقاتها

وأعراض عُطوبيتها، إذ لا تعدو الفردانية أن تكون في نظر سنغلي «إلا أفقًا دلاليًا يتباعد عنّا كلمّا شُبّه لنا أنّنا

أدركناه، فشروط تعينها واقعيًا، تتعدّل وتتغير بحسب الأوضاع التاريخية والاجتماعية التي تندرج فيها. إن

الفردانية الإنسانية أمثولة منفتحة وليست نموذجًا مُعمَّمً يُستنسخ». يتطابق هذا القول مع عبارة دوبيه

- القائلة «إنما الفرد صورة خيالية ترتسم عندما يجهل صاحبها عدالة توزيع الموارد الاجتماعية والثقافية التي تخوّل له أن يكون فردًا... ينبغي إذن تكوين الظروف الاقتصادية والاجتماعية الملائمة للأفراد حتى

يكونوا حقًا أفرادًا».

(17) Ulrich Beck, «Individualisation,» dans: Corcuff, Le Bart et Singly, dirs., p. 275. (18) François de Singly, L’Individualisme est un humanisme: Conférence donnée à Lille le 23 septembre 2004 , les rencontres du nouveau siècle (La Tour d’Aigues: Ed. de l’Aube, 2005), p. 117. (19) François Dubet, «Le Travail de l’individu, » dans: Alain Caillé [et al.], Identités de l’individu contemporain , sous la direction de Claude Calame, la discorde (Paris: Textuel, 2008), pp. 115-127.

سوسيولوجيا «فرد الجنوب» ونظائره، الالتباس

من بين الهواجس النظرية التي تشغل التحقيق في الفرد والفردانية في مجتمعنا حاليًا، أو ما يسمّى بصفة

عامّة «فرد الجنوب»: هل إن الفرد كقيمة اجتماعية ومكانة هو موجود حقيقة ضمن التبدلّات الجارية

حيث نعتقد أّنه فعلً هناك؟ إن كان الأمر كذلك، فأي صنف من الفرد يُنحَت بيننا وتُنسج معَنا له روابط

مدنية أم أنّه ما دون ذلك فرد ناقص؟تساؤلات من هذا القبيل وغيرها تُيل إلى أفق نظري قد يلامس

المشروعية الإبستيمولوجية ذاتها للقول سوسيولوجيًا بوجود الفرد في مجتمعات خارج المجال الغربي

للحداثة. قد تصطدم الإجابة مبدئيا بتلك الثنائية الفاصلة في تصنيف لويس دويمو بين ما يُسمّيه

المجتمعات الشمولية والمجتمعات الفردانية الحديثة؛ فالصنف الأول لم يعرف تقليديًا غير رهط شاذ عن

الامتثالية الاجتماعية يُنعت ب»فرد خارج العالم» قد نجده مُتنِّسّكًا في صومعته. المجتمعات التقليدية هي

عمومًا تغمر كل نزعة فردية للتميز والاستقلالية، وتثقلها بكيانها الجمعي القهري، وتُقوْلب الشخص على

نواميسها وتعاليمها حتى تعدّه «للدور- المكانة – الهوية» المنتظرة. أمّا الصّنف الثاني، فيخصّ المجتمعات

الغربية التي عملت تاريخيًا على تكوين الفرد وترقيته باعتباره كائنًا أخلاقيًا له استقلاليته النسبية. هذه

المُسلّمة الأيديولوجية تُقيم شبه قطيعة أنطولوجية بين المجتمعات الغربية و«ما دونها»، وهي بالتالي

ستصرف النظر أكثر نحو التفكير في العوامل العوائق التي تقف دون تكوّن الفرد خارج النموذج الغربي

مثلما سقطت في ذلك كثير من المقاربات. لكن ألا يكون من الجائز تجاوز مثل هذه الثنائيات المفاهمية

المتعارضة التي هيمنت زمنًا على المعرفة السوسيولوجية؟ فلئن كانت إرثًا فلسفيًا علق بعلم الاجتماع منذ

القرن التاسع عشر، فإنها تنتصب اليوم كعوائق أيديولوجية تُكدّر علميته.

التحديث الوطني وتشكيل الفرد

في المقابل، ترتبط حالات شتّى من الفردانية المُتجسّمة على أرض الواقع بمحصلّات زمنية تاريخية لتجارب

تحديث وطنية من ناحية، كما ترتبط من ناحية أخرى بسياقات راهنة للعولمة التي أضحت تشكّل في حدود

ما «مجتمعًا-عالمًا» تدعمه التطورات المتسارعة لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات ذات الاستعمالات

الفردية المتنامية. آفاق جديدة للتواصل وعوالم الممكن تنفتح للتثاقف وتتفق مع حراكيات بشرية انسيابية

تتخطّى حدودها الجيوسياسية والثقافية، وتندفع في مجتمع التّدفقات الكونية التي لا تفتأ تركب المحل

والمعولم... ومن بين استتباعاتها أن تتولّد فردانيات مستحدثة ونشطة نزقة في تركيب هويتها الذاتية وفي

كسر قيود الامتثالية الاجتماعية. لقد أضحت صيرورة تكوّن الأفراد فعليًا عنصرًا أساسًا في التحليل

السوسيولوجي تحليلً يتقصّ مسارات الفردنة عبر مختلف التحولات المرتبطة بالعمل أو المؤسسات أو

العلاقات بين الجنسين.... إلخ في الأمر إذن تحديات نظرية جديدة ستُطرح قسرًا على العلوم الاجتماعية لكي تُعاين ميْدانيًا مسارات مختلفة

لفردنة جارية في الحياة اليومية ضمن مراحل تاريخية متباينة وأطر اجتماعية متنوّعة متعدّدة الوجهات؛ فقد

تبدأ من اختيار القرين أو من صوغ كلّ من الرسّام والكاتب والسينمائي لأثره الفنّي، أو من اعتبار الفرد

أن حياته هي بدرجة أولى مسار فردي وتجربة شخصية وليست قدرًا جماعيًا يُسطّر له، أو تبدأ من طريقة

(20) Louis Dumont, Essais sur l’individualisme: Une Perspective anthropologique sur l’idéologie moderne , Points: essais; 230 (Paris: Ed. du Seuil, 1983).

ملكية الأرض والعلاقة بالمال والعمل، كما تظهر أيضًا في صميم الحياة العائلية كمجال لتحقيق الذات

بدل تقمّص الأدوار المنمّطة اجتماعيًا. إن رصد تعدّدية الفردانية وخصوصيتها الوطنية الممكنة هي اليوم

مُهّمة علم الاجتماع في شتّى المجتمعات بدل الاكتفاء بدمجها وطمسها ضمن نموذج موحّد. فإذا كانت

الفردانية تعني مبدئيًا توقًا إلى التحقّق وفق صورة خيالية للفرد، فإن ما قد يترتّب عنها أيضًا هو التعب في

أن تكون ذاتًا بعينها.في تونس مثلً، ومنذ ما يزيد على نصف قرن من الاستقلال والبناء الوطني للدولة

والمجتمع، اقترن التشكّل الفردي بمقولة التحديث التي ورثت عن الفترة الاستعمارية جدلية تفكّك

البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المختلفة وإعادة بنائها. وقد استوعب التمثّل السوسيولوجي

هذه الحركية المزدوجة على أنها انتقال تاريخي من التقليدي إلى الحديث ومن «الجماعة إلى المجتمع»، حيث

تتبدّل الروابط الاجتماعية ومقام الفرد داخل جماعة الانتماء. الجماعة كشكل للاجتماع البشري هي رديف

للحياة الجماعية، مثل العائلة الموسّعة أو القبيلة والقرية والدشّرة وغيرها، فلا تكاد تبرز النزعة الفردية إلا

قليلً في بعض الاستثناءات القليلة والمؤهلّات الشخصية. وما عدا ذلك فإن الشخص هو إنسان جماعوّي

يستمدّ تماهياته من صميم جماعة الانتماء. يحكمه التشابه مع الآخرين في نمط الوجود والتفكير، وذلك

بمقتضى آليات الدمج في تضامن آلي وقوة الضمير الجمعي النابع من صلات القرابة والانتماء الجهوي

والألفة والملازمة... يُعدّ الشخص عبدًا من جملة عباد الله في رعية أولياء الأمور المُتنفّذين بالسلطة الأبوية

والرمزية شبه المقدّسة تقديسًا دينيًا – اجتماعيًا. سلطة تتأسّس منظومتها الكونية والبشرية على طبائع

الأشياء وسُنن الله في خلقه. فقد كان نسق المجتمعات الشمولية مشدودًا إلى ثلاثة وجوه أبوية مُدمجة

وهي: الإله والسلطان وكبير العائلة أو القوم. داخل هذه المنظومة يحتلّ كل شخص /عبد وكل ذكر أو

أنثى موقعه تراتبيًا كما تقرّر له سلفًا. أمّا الاجتماع البشري الحديث المقترن سوسيولوجيًا بمقولة «المجتمع»، فهو في الأساس حالة تعاقدية

إرادية تُكتسَب فيها المواقع الاجتماعية وتُنسج الرّوابط وفق اعتبارات أكثر حِسابية وتجرّدًا من المألوف

الجماعي والقرابة. المجتمع هو عالم كبير تسوده الغُفلية ويتواصل فيه الأفراد النّكرات ويتعاقدون بوصفهم

مواطنين مهما يكن الاسم أو الاعتبارات الشخصية. أضحى الفرد لا العائلة الموسّعة أو العشيرة هو الخلية

الأساسية للمجتمع. وخلافًا للحالة المجتمعية الشمولية، تغدو الفردانية انفصالً وتباعدًا ما غير مُعلن

عن الإرث الاجتماعي، لأن تعريف الذات شخصيًا هو الذي بات الأمر المهم. وكلمّا توطّد التحديث في

مختلف مجالات الحياة وارتبط بتزايد التقسيم الاجتماعي للعمل والتنظيم العقلاني البيروقراطي مع توطّد

العلمنة، تبلورت ملامح المجتمع المدني ومعنى المواطنة، فتقوم مؤسسات وسطية بين الأفراد والدولة

ويستحيل «الشخص-العبد» فردًا مواطنًا مُدمًَا في نسق من الحقوق والواجبات. وتتغذّى فردانيته

الاختلافية من التمايزات الاجتماعية والتخصّص في العمل مع الكفاءات. وما يتغير ضمنيًا هو أن الهندسة

الاجتماعية العمودية المُوقّرة رمزيًا بالسلطة الأبوية راحت تفسح المجال لأفقية العلاقة ندّيًا بين المتساوين

من الإخوة والمواطنين والمُحبيّن. وفق هذا المنظور تبلورت فردانية المواطن التي مثّلت إحدى مرجعيات

رؤية البناء الوطني عند دولة الاستقلال 1956؛ إذ يُؤْثَر عن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة قوله: «أن

نجعل من غبار من الأفراد وبقايا قبائل وعروش وقرى ومدن ودشائر... أي ممّن كانوا جميعًا خاضعين

للانقياد والقدر والخنوع، أن نجعل منهم جميعًا شعبًا من المواطنين».

(((2 من خطاب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة مؤرخ 18 حزيران/ يونيو 1973 في جنيف.

يستند التكوّن الحديث ل «الدولة-المجتمع» إلى برنامج مؤسساتي يرعى الفرد الجمهوري في نشوئه منبثقًا

من بين الشروخ الحاصلة في بُنى المجتمع التقليدي وتفكك روابطه الأوّلية. و في المقابل، ستنحو الروابط

الوطنية الجديدة أكثر باتجاه قيم الوطنية والعائلة والمدرسة والجنس والطبقة الاجتماعية ومنشئات الشغل

وغيرها. ويتبلور في هذه الأثناء منطق حراك اجتماعي جديد يُرقّي معنى التساوي في الحظوظ بين الأفراد

مثلما تجلّ ذلك في التعليم الديمقراطي والتشغيل على أساس الكفاءة والتخصّص. هناك إرادة وطنية

لصوغ الفرد والمجتمع والنظام تختمر فيها فردانية متجرّدة تُثمَّن إيجابيًا لأنّا أضحت مدعوّة إلى أن تتنزّه

عن أنانيتها الضيقة وتتجرّد من روابطها الأوّلية، ومن المفترض أن تكون تجسيدًا خاصًّا لتمجيد الإنسانية

- كما يقول إميل دوركهايم- وحملها على كاهل الفرد – المواطن، وذلك لمّا يستحضر هذا الأخير المصلحة

العامّة: «كلّ واحد منّا يجسّد شيئًا ما من الإنسانية».

هشاشة الفردانية-المواطنية

لئن مثُلت الدولة الوطنية ببرنامجها المؤسساتي العامل الحاسم في رعاية الفردانية المتجرّدة، فإن تكونّها

الوطني قد التبس في هذه الأثناء بخاصية أبوية تسلّطية ودَوْلنة المجتمع على صورتها، حيث اعتبُرت

الدولة فاعلًاستراتيجيًا في تسيير برامج التغيير والإصلاح والتنمية، اعتمادًا على طوائف رسمية قصد

تأطير الناس في مختلف القطاعات وبناء نمط مشاركة محدودة ومراقبة. وفي المقابل، برزت الحاجة ملحّة

إلى الدولة، وذلك حين خوّل لها الظهور بوجه الأب الذي يعمّر الفضاء السياسي والعمومي ويستأثر

بالشأن الوطني لنفسه عوضًا عن المجتمع المنهك حرمانًا وهشاشة. وستبحث أبوية الدولة عن مبرراتها

«في ضمائر الأفراد الذين يُدق بهم المجهول كانعدام اليقين والغُفلية المتزايدة في المجتمع». كان الناس

يتوقّعون من الدولة أن تكون مركز الإدماج والتنمية وأن تنجز لحسابهم ما حرمهم منه الاستعمار. هكذا

غدت الدولة الوطنية أشبه ب«جماعة كبيرة» جديدة تتشكّل كإجابة وبديل من التحلّل التاريخي التدريجي

للجماعات القروية والعروش التقليدية، بل إنها أضحت عبارة عن «جماعة سياسية» يجمعها الولاء

والتملّق للحزب الحاكم، فترتسم في هذه الأثناء في لبوس متجدّد للدولة ما قبل الاستعمارية. فالدولة

المَخْزنية انتهت تاريخيًا ولكنّها مازالت متواصلة كذهنية. «ومن معاني تواصل الذهنية المخزنية إصرار

الحاكم على أن يتواجد في جميع قطاعات الحياة الاجتماعية، سواء تكلّمنا في مجال السياسة أو مجال الاقتصاد

أو مجال الدين فهناك مراقبة مستمرّة لمنع تبلور أي كتلة مميزة». بناء عليه، ستظل المفارقة الملازمة لهذه

الصيرورة التحديثية أن هناك مشروعًا سياسيًا لإعادة بناء «الاجتماعي» وفق مقولات الوحدة الوطنية

والرُّقي والرّفاه الاجتماعي والعلمنة ومركزية الدولة، لكن هناك أيضًا منطق طبقات اجتماعية أضحى

يفرض نفسه على مسار التحولّات الهيكلية للمجتمع التونسي وعلى التباين العميق بين الفئات الاجتماعية

وبين جهات البلاد. أصبحت لحقيقة الوعي الطبقي والمصالح المهنية والقطاعية المكانة الأوّلية على

حساب الوعي الوطني، وهو أمر ترجمته بوضوح بدايات الاهتزازات الاجتماعية وموجات الاحتجاج مع

(22) Danilo Martuccelli et François de Singly, Les Sociologies de l’individu , sociologies contemporaines ([Paris]: A. Colin, 2009), p. 11. (23) Mahmoud Hussein, «L’Emergence de l’individu dans la société du sud, » dans: Université de tous les savoirs, L’Individu dans la société d’aujourd’hui , sous la dir. d’Yves Michaud, poches Odile Jacob; 80 (Paris: O. Jacob, 2002), pp. 187-204.

(((2 محمد عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي، مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي. محور المجتمع

والدولة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)، ص.34

مطلع الثمانينيات، وذلك بحكم الصعود المذهل للأثرياء وتحسّن أوضاع العمّل الحضريين وتزايد حجم

تحركات الشباب الطلابّي من ناحية وتفقير الريف من ناحية أخرى... لقد اتخذت الحياة الاجتماعية منطقًا

طبقيًا يفرض نفسه على الأفراد ضمن نمط اقتصاد رأسمالي متوسّع حتّى بات النزوح من الأرياف والقرى

الفقيرة دلالة على فردنة منسلخة عن أطر انتمائها المحلية، لكنها فردنة ستُلغى في ما بعد ضمن التجربة

الجماعية ل «البَلتْرة» والتفقير التي تضجّ بها الأحياء الشعبية المتضخّمة باستمرار حول المدن. إن ما اعتبرته إلهام المرزوقي خلال الثمانينيات فردنة تونسية ضعيفة لا تُسعفنا في الغالب سوى بفرد

مغلوب على أمره وغير واع بذاته. فبعد أن انسلخ عن روابطه القديمة لا يرقى إلى وجوده فعليًا كفاعل

اجتماعي يهتزّ لمواطنيته وإنمّا هو على الأرجح ذات منقادة وضعيفة، «زوّالي ولد باب الله» مُهيأ للسقوط

آليًا في العنف والانحراف، أو هو مكتف بنفسه وفق امتثالية اجتماعية - سياسية غالبة؛ إنه يجسّم صورة

نموذجية ل ما «دون الفرد» (Individu par défaut) بتعبير روبير كاستل، أي ذلك المواطن الضعيف

الذي «تُعوِزه الموارد الأساسية من رأس مال اقتصادي أو اجتماعي - علائقي لكي تكون عنده القدرة على

يكون موجودًا ويُعترَف به كفرد وقيمة ذاتية مثلما يحلم أن يكون». يتعزّز هذا العجز الساكن في الفردنة

الناشئة بذهنية التواكل على الدولة الرّاعية وبتسليم الأمور إلى ثقافة الانتظار؛ هي ازدواجية شعورية

متناقضة بين كثير من الدولة المراقبة والمعاقبة وقليل منها في مستوى التنمية والعدالة والحرّيات. وتصوّر

الدولة إذّاك على أنها الكافل الوحيد الذي ننتظره لكنّنا ننزّله في النفوس بهيْبة كبيرة مزدوجة بالخوف

والطمع، «لقد كانت هناك غيرة حسودة مكبوتة عند الطبقات الأكثر عوزًا تتفجّر من وقت إلى آخر». إن الاقتران الحميمي المفترض بين الفردانية والمواطنية قد بدأ ينشأ ضعيفًا واهنًا فكانت صيرورة الفردنة

التونسية منذ بداياتها منزوعة السلاح وشبه مستقيلة ترجّح أكثر تشكّل فرد مغيب لا ملاذ له سوى الرّوابط

الأولية التي يستفزّها فيه الدين أو بقايا العروشيات والقبائل والانتماء الجهوي. إن عسُر تحقّق الإنسان

العام يرجع إلى علّتين متلازمتين: إحداهما ضيق أفق الحريات والعدالة الاجتماعية والأخرى هي التنامي

المتزايد للثقافة الاستهلاكية والحميمية المتمركزة في بوتقة الحياة الخاصة. في كلتا الحالتين، يجعل المجتمع

الحميمي الحياة المدنية شبه مستحيلة، وتغدو معها اللامبالاة فضيلة فردية، وهو أمر نبّه إليه هشام جعيط

منذ السبعينيات، واختزله في فشل مزدوج: «الدولة غير قادرة على تربية المجتمع، كما أن المجتمع غير قادر

على تربية الدولة. كما تبقى أيضًا البنية العميقة للشخصية التونسية على ما هي عليه: أبوية قمعية في غالبيتها

وإن كانت أيضًا رخوة قلقة ».

شِعاب الفردانية ومُعضلة التحديث الثاني

اليوم، بعد ما يزيد على نصف قرن من التجربة التحديثية التي عملت على تجسيد مؤسساتي للكيان المجتمعي

والفردي، تجدنا نقف عند منتصف الطريق بين التقليدية والحداثة لنضع تلك التجربة في صيغتها المُدَوْلنة

موضع استفهام، ونقوّم مشروعيتها المرجعّية؛ فالثورة شكّلت منعرجًا تاريخيًا حادًّا وامتحانًا جماعيًا للبناء

(25) Ilhem Marzouki, «De l’individu à l’acteur, » dans: H. Dhaoui, H. Redissi et M. Kerrou, dis., L’Individu au Maghreb: Actes du colloque international de Beit al-Hikma (Tunis: Editions TS, 1993), pp. 249 -257. (26) Robert Castel, «Individu par excès, individu par défaut,» dans: Corcuff, Le Bart et Singly, dirs., pp. 293– 305.

(((2 هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، نقله إلى العربية المنجي الصيادي، سلسلة السياسة والمجتمع

(بيروت: دار الطليعة، 1984)، ص.174

(((2 المصدر نفسه، ص.105

الوطني مجدّدًا، لكنها لا تنفكّ في الوقت عينه تتّفق مع اللاّيقين الآتي وثقافة الصُدفوي وغير المُحقّق؛ فما

نسمّيه سوسيولوجيا «الاجتماعي» هو في حالة مَاض متوتّر وخلق ذاتي مرتبك، من ذلك أن الصنف

المبتور من الفرد الجمهوري الذي صيغ بوصفه مواطنًا حديثًا بدا وكأنّه لم يتجاوز بعدُ تماهياته وروابطه

القديمة، العشائرية منها والجهوية الضيقة. بل إنه طفق يهتزّ ل «حنين إلى الكيان» المتجسّد في أصولية دينية

مهووسة بهوية «أمّة متخيلة» بينما يُفترض أن حالة الغليان الشعبي الثورية «هي قبل كلّ شيء - بتعبير

دوركهايم- ة متّقدة حياة وحماسة فياضة وتجسيدًا لكلّ نشاط ذهني وهي نقل الفرد إلى ما فوق ذاته أيهِ

رفعه إلى ما فوق وضعه كبشر».إن دفع الفرد أو رفعه إلى ما فوق ذاته كبشر يسمو مدنيًا من بين الجموع

والعامّة هو مدار البحث والتحقيق في مجريات صيرورة الفردنة حاليًا، الأمر الذي يقتضي حينئذ طرح

السؤال مجدّدًا: ما هو الفرد؟ الفرد، قبل أن يكون مفهومًا، هو أساسًا بناء اجتماعي يومي تتنزّل ظروف إمكاناته في معنى الحقّ (الملكية

والانتخاب...) والأشياء (كالسكن واللباس والأمتعة...) والخطاب (الاسم والألقاب المكتسبة

والخاصية التعبيرية...) والجسد (الوجه والمظهر والشكل البدني والصحة...). هكذا تستدعي الفردنة

قراءة سياقية لكيفية تعينها وتحقّقها على أرض الواقع استنادًا إلى دعائم موارد «مادية» تخوّل لها أن تكون

ممكنة، بيد أن الفردنة التونسية الرّاهنة تحمل الكثير من الالتباس والمفارقات المتردّدة عند مفترق تماهيات

اجتماعية؛ فممّ قد يستفزّ قلقًا سوسيولوجيًا هو: كيف أن المواطن الذي هبّ منتفضًا في وجه الاستبداد،

رافعًا شعارات الحرية والكرامة والعدالة، ينكفئ في ما بعد مهتزًّا بنعرات عروشية وجهوية أو ذرائعية

مصلحية تسوّر له الاعتداء على المصلحة العامة وأملاك الغير، أو يأخذه الهوَس بهوية دينية وطائفة م للية

تستخفّ بالحداثة فتعادي أهلها؟ من وجهة سوسيولوجية، إذا كان الانتقال من الجماعة إلى المجتمع هو الذي يشير بصفة أفضل إلى النشوء

التاريخي للفرد الحديث، فإن هذا الانتقال لم يكن قط حاسمً ونهائيًا وإنمّا يكرره أي فاعل اجتماعي (أفراد،

حزب سياسي، جماعة دينية أو قروية...)؛ ذلك أن الحياة الاجتماعية تنطوي على تكثّفات متباينة الدرجات

بحسب سياقات الفعل والوضعيات التي ينخرط فيها مختلف الفاعلين بحيث تكون التّمفصلات الحادثة

بين الفرد والمجتمع غير مؤمّنة من الهشاشة والازدواجيات المتضاربة. صحيح أن المجتمع التونسي ما عاد

تقليديًا ولا جماعتيًا كما كان في السابق، ولكنّه أيضًا ليس مجتمعًا فردانيًا إلا بصفة جزئية، فهناك خانات

فارغة في الفردانية. ينبغي حينئذ مقاربة انبثاق تحديثية ثانية بدأت تبرز خلال التسعينيات اقترانًا بتراجع تدريجي لحقل

تدخّل الدولة الراعية وتنامي الرأسمالية الجديدة المُعولْمة وانفتاح آفاق كونية لثقافة الاستهلاك والتقنيات

المعلوماتية-الاتصالية الجديدة التي تفتح باستمرار عوالم الممكن، لكن من دون أن يعني ذلك أن الوزن

الاقتصادي والرّمزي للدولة الراعية قد خفّ، فهذه الدولة لا تبقى مجرّد سياسة اجتماعية فحسب، وإنمّا

هي أيضًا أمر يحدّد بشكل عميق أسلوب حياة كل واحد؛ فتطلّع الأفراد نحو الفرادة والفردانية المتناميتيْ

لا يترافق مع إرادة تقلّص الدولة وتدخلها العمومي، ويتضح ذلك في أن صيرورة جمهرة المجتمع مترابطة

بشكل مفارق مع تعزيز نزوع عامة الناس إلى التواكل على الدولة. هناك تلازم خاص بين صنف من

(29) Emile Durkheim, Les Formes élémentaires de la vie religieuse: Le Système totémique en Australie , bibliothèque de philosophie contemporaine (Paris: Presses universitaires de France, 1968), p. 395.

الفردانية ونزعة جماعية شبه قبلية تتشكّل بصفة مستجدة. وإذا كانت الجموع والجماهير في الخطاب

السوسيولوجي هي بمنزلة أغلبية صامتة وكثرة من الأفراد المتقاربين جسديًا لكنهم متباعدون ذاتيًا، فإن

الفردانية تعني حينئذ لَْدًا لإنسان العقلانية كما تنحته الحداثة وديمقراطية الحياة العامة. الطوائف وأشباه

القبلية الجديدة تبرز على أنقاض «المجتمع» - كمفهوم حداثي- كلمّا تعطّلت الحياة المدنية. في حالات

تاريخية استثنائية، كالثورة والانتفاضات والاضطرابات الاجتماعية، قد تقذف الجماهير من رحمها رهطًا

من الفردانية السّلبية لأن الجماهير هي استعاريًا عبارة عن «حيوان قطع عقاله فتمّ كَنْس الموانع الأخلاقية

ومعها تخصّصات العقل، فيتراخى سلطان التراتبيات الاجتماعية وتُلغَى الاختلافات بين الأصناف

البشرية ويُظه- في أفعال عنيفة في الغالب-ِر الناس أحلامهم وأهواءهم مثلما يُظهِرون بفظاظة أو بطولية

هذيانهم بما يشهد على ألمهم، فالجماهير هي قوة جامحة وعمياء». وما الجماعات الدينية المتطرّفة والتعصّب

الشبابي للجمعية الرياضية أو الحزب والزعيم السياسي إلا وجه معيّ للجماعة الشعورية بنزعتها القبلية

المتعارضة مع الوجوه الأربعة لرؤية العالم من زاوية الحداثة وهي: الفرد الجمهوري المجرّد والعقل والقيم

الكونية والتاريخ. مع غواية عالم الأسواق والسّلع والترفية والفضاءات الاتصالية الخلاّبة، قد تنكفئ الفردانية إلى العزلة

في نطاق الحياة الخاصة والأنانية أو إلى هوَس جماعي بهوية مُتخلية عابرة للأوطان لكي تُفرَض قسرًا على

الآخرين. «الذّهنية الجديدة للرأسمالية-» بما هي أيديولوجيا تشُرّع الانخراط في الرأسمالية- أضحت تُعمم

بشدّة مقتضياتها ومعاييرها المقتبسة عن علم الإدارة والقائمة على التطوير الفردي الدائم للكفاءة والجودة

والخيال الخلاّق؛ فما يُعطي قيمة للناس هو ما لديهم من قدرة على استعمال «الشبكات» من حيث ربط

الصّلة بها ثم فكّها في ما بعد من أجل الارتباط ب «مشاريع» جديدة. سيعتمد الأفراد مستقبلً على خبراتهم

حتى يُؤمِّنوا أماكنهم ويبنوا باستمرار العلاقة بالآخرين والاعتراف منهم. إن مقتضيات الليبرالية الجديدة

من خصخصة ومنافسة موسّعة ولا انتظام... تزجّ بالأفراد ضمن صراع محموم من أجل الأماكن بدلً من

الصراع الطبقي بالمعنى الماركسي. وهي بالتالي تفرض تطويرًا موازيًا لإلزامية الاستهلاك باعتباره شكل

من التميز الفردي وتحقيق الذات. إن المنطق الذي صار يُغذّيه الاستهلاك هو في الأساس استراتيجية هوّية

فردية، يعني أن تُتزل الفردانية في وسواس استحواذي يستبدّ بالمستهلك ويُرقّي فيه فردًا مُشوّهًا من قبل

الهُم «  on  » أي ذلك الضمير الذي تُفتقد معه الفردنة عندما تُتص هذه الأخيرة في «الهُم» كضمير للتّكايُن

الجماعي والوجود مع الآخر اليومي، فيتعذّر تمييزها بما أن العالم الذي أ وجَد فيه بوصفي «أنا» هو دائمً عالم

أتقاسمه مع الآخرين. مهما يكن شأن التركيب الفردي للهوية، فإن الإشكال القائم هو: كيف يتسنّى للفردانية الإيجابية أن تنفرز

من لدن إنسان الجموع ومن بين الجَمْهرة المجتمعية المُعمَّمة؟ هشام جعيط عزا الأمر منذ السبعينيات إلى

نقص في معاشرة أدوات الحداثة العقلية لدى الإنسان التونسي والعربي بصفة عامة. أمّا مارتوتشلي فيعتبر

أن «فرد الجنوب» عمومًا هو كيان مبتور يقف عند منتصف الطريق بين التقليدية والحداثة. فلئن كان في

مستطاع كل مجتمع أن يصقل وجوهًا متنوّعة من الفرد، فلعلّ هذا الوقوف عند منتصف الطريق من قبل

الفرد المغاربي يُؤشّ على حداثة مغايرة ينبغي تقصّ خصوصيتها وإمكاناتها. وما على التحقيق الميداني إلا

أن يُعاين عن كثب التغيرات الاجتماعية الجارية يوميًا والتي قد تُفصح عن تعدّدية الفردنة. فمثلما نجد

(30) Jean-Michel Berthelot, « Les Masses: De l’être au néant,» dans: Jacques Zylberbey, dir., Masses et postmodernité ,  sociétés (Paris: Méridiens Klincksieck, 1986), p. 133.

أشخاصًا مستندين في راحة بال إلى العادات والإلفة الاجتماعية، هناك أيضًا أحساس مُتحفّز عند آخرين

لجهة أنهم ليسوا تمامًا نتاجًا للوسط الاجتماعي أو طبقة الانتماء، إذ لديهم قدرة على التباعد عمّ تُقرّره لهم

التنشئات الأولية. نراهم يُرّبون حظّهم في الحياة بانعكاسية ذاتية قد تنشط وتتحسّس طريقها في شعابّ

الاختيارات والتجارب، على الرغم من مجابهة انعدام اليقين والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. فالسير

فرديًا عبر الشعاب قد يكون مغادرة ل «أصل» فرديتنا لأنّنا قد نتّخذ الشّعاب طرقًا لا تؤدي إلى مكان،

فلا نهتدي بمعنى أوحد أو مبدأ واحد. شعاب الجبال والغابة، في عبارة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر،

هي مسالك تمتدّ ثمّ تضيع إلى غير وجهة. أيًا يكن موْطئ علوم اجتماع الفرد ومواطنها حاليًا، فإن العمق المشترك بينها هو «مشروع دراسة الفرد

انطلاقًا من استجلاء تبعات الحداثة عليه بحيث تغدو مهمّة علم الاجتماع منصرفة نحو تفهّم معيش

الأفراد داخل الأنساق الاجتماعية المنضدّة بشكل تراتُبي في علاقات اجتماعية». ما يعيشه الأفراد في

بساطته اليومية أو سذاجته غير متجرّد من المعنى ولا هو خاو من القدرات التعبيرية. لذلك سنتمثّل

صيرورة الفردنة باستعارة مجازية على أنها حالة كيميائية مخبرية لا تفتأ تختمر وتتفاعل من غير أن تستقر

على حالة صلبة ونهائية فهي سلوكات ومواقف جارية في معيش الناس. ما هو اجتماعي قد بات يُتمثّل

سوسيولوجيًا باعتباره يُبدي شيئًا فشيئًا خاصية انسيابية، وذلك لمّا تتحلّل يقينياته الثابتة وضماناته

المؤسّساتية الحاضنة وتلتبس معقولياته التي أقرتّها التحديثية الأولى ونسجتها حكاياتها الكبرى المتمثلة

في العقلنة والنظام والتقدّم والفرد الجمهوري... تترهّل اليوم يَقينيات وإحساس بالأمان ليتعب معنى

الأشياء في متاهات الفراغ. في خضم الكيمياء الاجتماعية يتحرّك الفرد بوصفه جُزيئية أوّلية تهيم باحثة عن المجموعة التي قد تعلق

بها فتتدافع مع نظائرها في صراع الأماكن من أجل الوجود الاجتماعي ومحاذرة السقوط في اللاندماجية.

إنّه صراع منفرد للظفر بالعمل وتأمين جدارة الالتحاق بمؤسسة الشغل، فمكانة اجتماعية وحدّ أدنى

من الاعتراف.

في عالم تنافسي ضارٍ يكون من الضّنى أن تقف ذاتًا بعينها؛ هو عالم نتمثّله إمّا حظًّا نأمله وإمّا نيرًا تنوء

بحمله الأنفس. وما على الفرد إلا أن يتحمّل الأعباء التي كان المجتمع متكفّلً بها. وفي ذلك وجوه شتّى

للفردانية التي قد تخطّ مساراتها بين قطاعات وميادين من نشاط الحياة والمجموعات الاجتماعية. التعين

العلمي الكلّ التعميمي الباحث عن نموذج التجريبي لكل مسار فردنة في قطاع محدّد سيصرف المنظور

معيّ للفرد ليستعيض عنه بالنظرة المجهرية الدقيقة في المؤشرات الدّالة على تنوّع أشكال الفردنة التي قد

تفرزها التجربة الواقعية؛ منها ما يتصل بمجال الدين والفن والسياسة والشغل والحياة العامة أو الخاصة

حتى العاطفية منها... الفردنة تصقلها التجربة الاجتماعية فيتعذّر إذاك ضبط بدايات لها موحدّة أو محرّكها

المركزي، أتعلّق الأمر بالفنان والتاجر أم بباعث المشاريع والشاب المُعطّل عن العمل... لكلّ من هؤلاء

وغيرهم المعنى الذي يخلعه على مساره عندما يعزّ تثبيته عبر المؤسسات الاجتماعية.

(((3 عن: محمد محجوب، «شعاب الفلسفة،» في نقلا: فهم الذات: أعمال ندوة تكريما للأستاذ عبد الوهاب بوحديبه تنظيم المعهد

العالي للعلوم الإنسانية بتونس، جمعها وأعدها للنشر محمد محجوب (تونس: دار سحر، 2007)، ص 135 –.140

(32) Danilo Martuccelli, Grammaires de l’individu , Folio. Essais; 407 (Paris: Gallimard, 2002), p. 14.

باستحياء أو بإحساس جياش تنفذ الفردنة إلى حياة الناس تدريجيًا بصفة مغمورة لتعدّل وتيرتها أنماط

العيش والوجود والظهور. الحياة العائلية طفقت تأخذ في الاعتبار ما هو حميمي وخاص داخلها،

أكان لدى الأطفال أم لدى الشبان والبنات بداية من الغرفة الخاصة إلى الأغراض الشخصية وأدوات

الاتصال الحديثة وبعض المناسبات... العائلة تتَفردن داخليًا وكذلك المنشأة الاقتصادية وإن بصيغ

مغايرة، حيث تفسح المجال للخيال والمبادرات الفردية المجدّدة... لتدين الشباب بدوره أضحى يكشف

عن زخمه الشعوري وطابعه الاختياري والشخصي ليعاش كتجربة وعلاقة خاصة بالمتعالي على حساب

التدين بالتقليد والوراثة... في مجالي الحياة الفنية والمدنية العمومية تُنشّط الفردنة «بدعًاِ- إبداعًا» شبابيًا

بتعبيرية مثيرة خلال السنوات الأخيرة فتُذكي جذوة الاحتجاج والتمرّد جماليًا وسياسيًا. فردانية إيجابية

ارتسمت سنوات فاتحة آفاق أوسع للتعبير والتحرّر... منها فرق ومجموعات من السينمائيين الهواة وفنانون

ومسرحيون «فنّي رغمًا عنّي» وشباب موسيقى الهيب هوب والرّاب أو شباب الرسم على الجدران

الغرافيتي كمجموعة «أهل الكهف» و«زواولة»... أو مجموعة «أنونيموس» في القرصنة الإلكترونية

وجمعية «مواطنون لا رعايا»... نضالات فنّية - مدنية تتراكم مع الرصيد التاريخي لفاعلين اجتماعيين،

منهم مناضلو الاتحاد التونسي للشغل والحقوقيون وبعض الإعلاميين... على خلاف المجالين الاستهلاكي والديني، مثلّث الحياة الفنية والمدنية العمومية والاتصالية الحديثة...

فضاءات مميزة لانبثاق فردانية إنسانية كما هي الحال في الائتلاف النسوي التونسي «حراير تونس»، ترفع

صوتها ضدًّا لنموذج المرأة المتاع وذهنية «الحريم العورة».هناك «فردانية مُبدعة» متجسّمة يراها سنغلي

بصفة خاصة في الفنّان وباعث المشاريع، كلّ منهما يتمثّل حياته باعتبارها عملً إبداعيًا ومشروعًا ليُجسّم

عالمًا شخصيًا له حدّ من الاستقلالية بغضّ النظر عن أصول الانتماء والمشروعيات الثقافية المترسّخة

اجتماعيًا. ليس للفردانية وجه محدّد بل وجوه مختلفة ومفارقة متذبذبة أحيانًا حتّى عند الشّخص الواحد،

لكن تَلوّن أطيافها يتّفق مع تلطّخها بتحديثية ثانية متميزة بكونها أكثر انعكاسية وقدرة تعبيرية وزخمًا

شعوريًا لتحديد الهوية ذاتيًا، وللانخراط في تفاعلات مع آخرين نختارهم لعلاقات غدت أكثر انتقائية

وتعاقدية. بناء عليه، سوف يقلّل العمل السوسيولوجي من البحث التفسيري عن مصادر التحديدات

الاجتماعية للفردانية وإعادة إنتاجها بالنظر إلى التطبّعات الاجتماعية التي يُرسّخها الانتماء ويُيكلها. في

المقابل تُرجّح المقاربة التّفهّمية اعتبار الفردانية حمّالة خاصية علائقية أكثر من أن تكون مَوْضعية ضمن

نسق من المكانات والأدوار. وسيكون بالتالي متعذّرًا، مع تنامي الانسيابية والحراكيات الاجتماعية كونيًا

ومحليًا، أن ننظر إلى التغير الاجتماعي «نظرة تبْش ية» مُعلّقة على فاعل اجتماعي رئيس تُسّده طبقة أو

حركة اجتماعية تحرّك الصراع الاجتماعي كما هي الحال في المقاربات التطورية والحتمية التي غلبت على

السوسيولوجيا التقليدية وما بعدها؛ فقد صار للمُهمّشين والمُهمَلين في المجتمع حاليًا نصيب من الفردنة

والتّذوُّت، وذلك حينما يتُرَك الفرد منهم لحاله حتى يتدبّر صراعات الاعتراف به ويطلب معنى لوجوده،

فقد «أضحى المنسيون والمُهمّشون يُسّدون هم بدورهم ملامح الذوات، وهي حصرًا ذوات تجز يئية

صغيرة تسعى لتبصّ مصيرها وحدها حينما يعزّ التحكّم فيه جماعيًا».

(33) Singly, p. 20. (34) Vincent Gaulejac, «L’Exigence d’être sujet,» dans: Corcuff, Le Bart et Singly, dirs., p. 264.

خاتمة

الحديث عن تشكلّات الفردانية في تونس- كمثل- يُنسج بمُعجمية حداثية يأخذ في الاعتبار الفوارق بين

الكلمات وخصوصية «أشياء الواقع» في حداثة مُغايرة لصورتها الغربية، لكن من غير القطع مع الخطاب

العلمي عامة. فرضياّت نظرية تنكشف واعدة خارج سياق التمركز الغربي، فتُعاشر الناس في بيئتهم.

فالتّفحّص السوسيولوجي مجهريًا لصيغ الفردنة المتذبذبة المترجرجة إرهاصاتها قد تُرقّي بضنى مقولات

الفرد والفردانية من طينتها المحلّية. هناك إذن موقف إبستيمولوجي من «الواقع» الاجتماعي حيث يتعين

الإنصات بتحليلية-سوسيولوجية إلى ما يقوله الناس باعتبارهم « كائنات معنى» يبتكرون مبادئ المعنى

التي يعتقدون بها حتى لو كانت أوهامًا بالمعنى الفرويدي. علاقات مستجدّة تقوم بين الوجود الفردي

والوجود المجتمعي، لكل منهما منطقه الخاص. وكلما أضحى «الاجتماعي» متعدّدًا وخليطًا غريبًا ومتنافرًا

متشعّبًا كثُرت «الآلهة» المتحكّمة بالنفوس؛ ف«حرب الآلهة» التي تخرج مُدّدًا من قبورها منزوعة السّحر

هي في استعارة ماكس فيبر عبارة عن تضارب أنظمة قيم تتنازعها النسبية والتحكيم الذاتي. يصعب على

المجتمعات السائرة في شعاب التحديث أن تسعف أبناءها بضمانات ميتا- اجتماعية أو ميتا- فردية، ويتعذّر

بالتالي الإمساك بمبدأ مركزي للمعنى يحتويه المجتمع ويُنشّئ عليه أفراده. هؤلاء يصادفون اختلال المعايير

والقلق وانعدام اليقين كلمّا تُركوا يواجهون مصيرهم وحدهم في حُّى المنافسات والهشاشة الاجتماعية. إن فقدان التمركز الذاتي في المجتمع يتّفق مع مزيد من دمقرطة الحياة الاجتماعية والسياسية. وما يميز

التحديثية الثانية أنها في الأساس ما بعد- أبوية على الصّعيدين الاجتماعي والسياسي، وهي بذلك تحوير

مستجدّ في هندسة البناء الاجتماعي من بُعدها العمودي المشرّع بقيم الحداثة الأولى والتقليدية السابقة

عليها إلى بُعدها الأفقي، حيث الاختلاف والندّية. إنه تعايش طريف بين «مجتمع الآباء» و«مجتمع الإخوة»

صرنا نلمسه في علاقة الأب بأبنائه باعتباره صديقًا قريبًا منهم، وفي علاقة الكبير مع الصغير بصفة عامة.

مع ذلك، فإن التباعد النقدي مع علم اجتماع الفردانية سيمهّد السّبل في أرضية إبستيمولوجية لم تزل بكرًا

للتطرّق إلى الفرد في مجتمعنا.