العفوي والموجّه في الفعل الإنساني
Spontaneity and Agency in Human Action
الملخّص
التغيّر المخطّط له أو الموجّه: الشكلي والمبرمَج
Abstract
Dealing with the subject of social change in the civil space and within the Arab Islamic city in particular raised a number of problems opposed to the issue of urban development within it. Perhaps the most important thing evoked by the subject of social change is rejection or resistance within the daily, spatial, behavioural, and communicative life of urban actors, be they individuals or groups. This resistance ought not to be viewed as without cost, that is it does not transfer into a meaning and signification that reveals the location of actors and the extent of their participation or involvement or exclusion and marginalization from the planning for urban, and hence social, change.
- تغيير اجتماعي
- فعل إنساني
- تغيّر عفوي
- تغيّر موجه
- Social Change
- Human Action
- Spontaneous Change
- Directed Change
إن أي تخطيط تنموي للفضاء المديني
مدعوّ اليوم إلى الاستناد إلى التفكير
العلمي في البُعد اللّشكلي في التنمية الحضرية،
أي البُعد العفوي في الفعل الإنساني الذي
يتعارض مع القول بالجبرية الاجتماعية أو القول
بالخضوع الكلي للفعل الفردي بالإكراه والتوجيه
المجتمعي. ويستدعي ذلك مقاربة الفضاء المديني
من زاوية الفاعل الاجتماعي الذي هو مستعمل
الفضاء. فالفاعل الاجتماعي أو الفاعل المديني
الذي هو شاغل فضائه الخاص (الدار) أو العام
(الحي، المنطقة، المدينة....) يحتكم إلى تصورات
وتمثلّات للفضاء الخاص والمشترك وإلى ذاكرة
جماعية وكذا إلى رأس مال ثقافي ورمزي يتمظهر
في ما يمارسه من فعل على فضائه معماريًا وجماليًا
ووظيفيًا، يعيد صوغ الفضاء المديني بشكل
يتباين حاصله عن المبرمج والمخطط له عند
إنشاء الفضاءات المدينية الجديدة أو إعادة تهيئة
القديمة. وهو كفاعل عقلاني يستند في فعله إلى
أهداف وغايات تتجسد في ممارسات الرفض
والمقاومة التي يبديها بأشكال واستراتيجيات
متعددة للتغيير المبرمَج أو المخطط له. لذلك
سعينا في هذا المقال إلى مقاربة الفعل الإنساني
ضمن ثنائيات: المخطط له/ العفوي، الشكلي/
اللّشكلي، الإكراه المجتمعي/الحرّية الفردية،
الموجّه/ العقلاني، وتسليط الضوء على الجانب
العفوي في الفعل الإنساني والذي يحيلنا إلى ما
أسميناه التغيّ الموازي الذي يتخذ أشكالً متعددة
في التمظهر والتأثير في سيرورة التغيّ المبرمَج أو
المخطط له ضمن الفضاء المديني.
التغيّر الاجتماعي المخطّط له أو الموجّه
يُعرَّف مصطلح التغي)Changement(في تقابل
ضروري مع مفهوم الثبات الذي يُعرّف بأنه «صفة
ما لا يكفّ عن أن يكون هو نفسه» (١). بالتالي، فإن التغير هو، مبدئيًا، نقيض للثبات)Stabilité(
أو الاستقرار)Constance(، غير أن التغيّ لا
ينحصر في ولا يقتصر على مجرّد التبدّل في وضعية
التنظيم أو مجموع التحولّات)Transformation(
التي تطرأ على المجتمع. ويتصل الأصل اللاتيني
لمصطلح الثبات بفعل التوقّف، إلا أن الدلالة المعطاة له، قبل ذلك وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، تفضي إلى معنى: ما يدوم باستمرار
ومن دون انقطاع ولا تغيّ. وقد عرف المفهوم
اتّساعًا خلال القرن السابع عشر ليشمل إضافة
الصفة الكمّية «التي تحتفظ بالقيمة نفسها» (٢).
يرادف الثبات، إذ ا، الديمومة)Continuité(التي
هي، كما لدى عبد الوهاب بوحديبة، «مقاو مة للتلف» (٣) الذي مصدره التبدّل، وبالتالي
يُعرّف الثابت بالنظر إلى المتغيّ والمتغاير
)Variée(واللّستقرار)Inconstance(.
يمكن مقاربة مفهومي الثباتوالتغيّ لدى بروني
في آن معًا باعتبارهما صفة وكميّة. ويقترن المفهومان
– باعتبارهما كميّة - بقيمة الثوابت ومقاييسها،
ويستندان – من حيث كونهما صفة - إلى جملة من
الأوصاف والخصائص والمميّزات. يرتبط مفهوما
الثباتوالتغيّ، أيضًا ونتاجًا، بمفهومي القياس
والحالة؛ فالحالة التي هي صفة لما هو عليه شيء
أو معطى ما، تتحدّد عبر عدد من القياسات ومن
الملاحظات بشأن عدد أدنى من الخصائص المقترنة
بالشيء. فإذا تمّ بعد كلّ القياسات والملاحظات
الانتباه إلى ذات القيم لهذه الخصائص نصل إلى استنتاج أننا أمام حالة ثبات، على عكس الحالات
المغايرة التي تحيلنا إلىّالتغي. إذًا، ودائمً مع بروني، يقتضي تعقّل كلّ من الثبات
والتغيّمن التحليل استدعاء تعارضات أو
تقابلات أربعة: الاستمرارية/ التقطّع، التجانس /
اللّتجانس، التماثل/ التباين، الاستقرار/
اللّستقرار. فالثبات يُقرن دائمً بالاستقرار
والاستمرارية وكونه حالة تجانس، في مقابل
إلحاق اللّستقرار واللّتجانس بمفهومّالتغي. هذا
المنحى النظري في مفهمة الديمومة والتغيّ يقرّ بأن
الحالة التي تصنع القطيعة التّامة مع البنى القديمة
وأشكالها التعبيرية لا تتّخذ صفة التغيّ. إن التغيّ
لا ينتهي دائمً إلى نفي تامّ أو نهائيّ للقديم، بل إن
صيف 2014
هذا القديم يتواصل بأشكال متعدّدة ومختلفة، أي
لا تغيّ لفترة تنتهي إمّا بالاضمحلال نهائيًا بفعل
عدم فاعلية آليات المقاومة العائدة له وإما بالاندماج
ضمن هذا الجديد بشكل يضمن له الاستمرارية
في الوقت الذي تستمرّ معه مقاومته للتغيّ. يوجّه
هذا الفهم وينبّه التحليل إلى الجانب العفوي
واللّشكلي وإلى ظواهر الرفض والمقاومة، ويحوّل
الانتباه إلى تعقّل وفهم الإشكاليات التي تطرح
على التغيّ الموجّه)Changement Orienté(أو
. فتنظيم)Changement Planifié(ط له المخطّ
الفضاء المشغول «ليس رفاهًا تقنيًا فحسب بل
هو، على غرار اللغة، التجسيد الرمزي لسلوك
إنساني في عمومه» (٤). ثم إن غاية التغيير المخط ط
له هي تبديل أو إحداث تغيّ في سلوك الأفراد تجاه
التنظيم. فالسلوك، إذ ا، هو الغاية الرئيسية للتغير
)Changement Organisationnel(التنظيماتي
المخطّط له أو الموجّه (٥). لا بدّ، مثلما نميّز بين الثبات والتغيّ، أن نتبيّ ماهية
)Progrès(والتطوّر)Changement(ّالتغي
الاجتماعيين والتمييز بينهما. فالتطوّر الاجتماعي
مثّل الموضوع المحبّذ للسوسيولوجيا الكلاسيكيّة:
سوسيولوجيا سبنسر وكونت ودوركايم وماركس
وفيبر. أمّا التغيّ الاجتماعي، فقد شك لت ظواهره
الموضوعات التي تتّجه السوسيولوجيا المعاصرة
أساسًا إلى دراستها ومقاربتها عبر مناهج وتموقعات
براديغميّة متباينة ومتعدّدة. فالتطوّر الاجتماعي هو
«جملة تحولّات يعرفها مجتمع خلال حقبة طويلة» (٦)
تمتدّ أكثر من جيل، أمّا التحوّل الحاصل على
مستوى التغيّ الاجتماعي فهو معطى للملاحظة
مثلما للتحليل على مدى أو فترات قصيرة، خلافًا
للتحولّات في معنى التطوّر الاجتماعي. ثمّ إن
التغيّ الاجتماعي، لدى غي روشاي، يختلف
عن التطوّر من حيث كونه مموضعًا على صعيدي
الجغرافيا والسوسيولوجيا، بمعنى قابليته الأكيدة
للملاحظة في زمن أقلّ وفضاء أضيق ممّا هو عليه
بالنسبة إلى التطوّر الاجتماعي. يدعو غي روشاي، أيضًا، إلى ضرورة أن نفصل،
بصفة دقيقة، بين التغيّ الاجتماعي والفعل
)Acte(التاريخي والسيرورة)Processus(
الاجتماعية؛ فالفعل التاريخي يستند إلى أعوان
التغيّ الذين هم أفراد أو جماعات أو حركات
معيّنة، على أن فعل أعوان التغيّ إمّا يتّجه
إلى مستوى المضمون، أي محتوى التغيّ ذاته،
وإما يمسّ من نسقه في اتّاهي الدفع، أو على
العكس، البحث عن كبحه)Inhiber(، أي
تعطيل تسارع التحولّات. وقد يتّجه فعل أعوان
التغيّ خارج فعل التعديل إلى منع حصول
هذه التحولّات ذاتها، سواء كليًا أو في جزء من
التنظيم الاجتماعي. الفضاء الاجتماعي هو فضاء بقاء بيولوجي
و«حقل يهيكل التفاعلات وينكشف تنظيمه،
دائمً، كرهان وتحدٍّ» (٧)، أي كموضوع صراع
وتفاوض ضمن استراتيجيات اندماج متغايرة
ومتباينة بالنظر إلى موقع الجماعة الاجتماعية
المرجع ومكانتها ضمن الفضاء المديني وبنائه
الاجتماعي. يحيل هذا القول إلى الإقرار بأن
من ينظر إليهم ضمن التغيير المخطط له داخل
الفضاء المديني ك«أعوان التغيير» يؤدون، في
الواقع، دورًا في مسار التغيّ ونسقه، إمّا بشكل
سلبي، أي الرفض والمقاومة للجديد بمنعه، وإما
بتعطيل تعمّمه وتجذره في النسق الاجتماعي،
أو على خلاف ذلك ينزع إلى خلق دافع ومحفّز
للتحولّات، وبالتالي الانخراط في المبرمَج
والمخطط له والموجّه. هذا الفعل ببُعديه الإيجابي
والرافض جزء من الفعل التاريخي الذي هو
«ذلك المستوى من الفعل الاجتماعي» (٨) الذي
إمّا يتموضع في زاوية التجديد وإما يتعارض
معه. فإذا كان الفعل التاريخي مظهرًا للفعل
والمظهر الأكثر سوسيولوجيا للتغي الاجتماعي
الاجتماعي، فإن السيرورة الاجتماعية تصف هذا
التغيّ الاجتماعي أو تحكيه؛ فهي ليست التغي
بقدر ما هي ذلك التمشّ الذي يحيل الملاحظة
إلى تسلسل الظواهر والأفعال مثلما إلى كيفيات
انتظام وتراتب وحدوث الأشياء في الزمن. يحدث تعريف التغيّ، إذًا، في حضور أكيد
لمقولة الاختلاف أو التباين، وهو ما نجده في
مقاربات كلّ من بروني وآشيوبلتيسون. تسمح
لنا هذه المقولة بإدراك وتمييز حالتين بما يفضي
إلى تبيّ حصول تغيّ ما وملاحظته. معنى ذلك
أن التغيّ يتمفصل لدى آشيعبر مفهوم الحالة
في مجاليّ الفضاء والزمن في آن معًا. يقابل القول
بالاختلاف، لدى غي روشايمقولة التحوّل؛
فالتغيّ لديه تحوّل قابل للملاحظة في الزمن على
أن يمسّ بنية أو اشتغال التنظيم الاجتماعي لجماعة
معيّنة في الزمن والفضاء. فالتحوّل البنيوي هذا
يُدث تأثيرات على مجرى تاريخ هذه الجماعة
المعيّنة. يصبح، إذًا، ظاهرة اجتماعية اعتبارًا
لضرورة أن يتوجّه إلى ظروف وأنماط حياة جماعة
ما. ويفترض في التحوّل في معنى التغيّ لدى غي
روشاي أن تتلوه بلورة)Modification(لهذا
التنظيم، سواء في مجمله أو في بعض مكوّناته،
أي تغيير جزئيّ أو شامل ينبغي معه أن يكون
هذا التغيّ قابلً للملاحظة ولتعيين ووصف هذه
المشكلات الحاصلة في عناصر التنظيم الاجتماعي
أو فيه كله. ويختلف التغيّ الاجتماعي عن
الحدث الانتقالي)Evénement Transitoire(؛
فهو يبرهن عن دوام أي استمرارية في مستوى
التحولّات الملاحظة. تصنع هذه الديمومة
الفارق المفاهيمي بين التحوّل بمعنى التطوّر وفي
معناه الذي يفضي إلى التغيير، مثلما أنها تسمح لهذه
التحولّات بأن تفعل في التنظيم الاجتماعي.
التغيّر المخطّط له أو الموجّه: القصدي والعقلاني
يعرّف تيسياي وتيلياي (٩) التغيّ المخطّط له
بأنه التغيّ القابل لاحتواء كلّ محاولة تحضير أو
تمدين عقلانيّة لتحوّل النسق الاجتماعي؛ فأن
يكون التغيّ مبرمًَا معناه أن «الأفعال الموجّهة
لإنتاج تغيّ تنتج من تفكير تنظيماتي في الوضعية
المعنية» بالتخطيط (٠١). ويحيل هذا الشكل من
التغيّ مباشرة إلى العقلاني الذي يرادف التخطيط
مثلما يرادف القصدية. يصبح التغيّ المخطّط
له، إذ ا، وبهذه المفهمة، تغيًّا عقلانيًا قصديًا
يستجيب لإكراهات)Contraintes(أعوان
التغيير والجماعات التي يخدم هذا التغيّ مصالحها
وأهدافها. وتحيل القصدية إلى معنى الجبرية
(التحديدية))déterminisme(المتجسّدة عبر
المراقبة ووسائل الإكراه داخل الفضاء المديني،
منطلق التخطيط ومسرحه وهدفه بالنظر إلى
بنية السلطة وموازين القوى ضمنه. وقد لا
يكون التغيير المخطّط القصدي والموجّه نتيجة
سلطة الجماعة الفاعلة أو المؤثرة في التغيير، بل
حاصل تفاوض)Négociation(ضمن الفضاء
المديني. إلا أن هذا الشكل من التغيّ المخط ط
له يقتضي، في نظرنا، التقاء القوى المتّفقة لا على
مستوى الأهداف والمصالح فحسب، بل أيضًا
على صعيد التمثلّات والتصوّرات، أي تمشيات
تجسيد هذه الأهداف والمصالح ووسائلها.
لا يعني هذا التغيير تساوي السلطة ضمن هذا
العقد المصلحي التفاوضي؛ فالتحالف يقتضي، أو
يكشف عن تنازلات على صعيد السلطة ووسائل
المراقبة والإكراه وعلى صعيد الأهداف ذاتها، مثلما
على مستوى تحديد المشكلات واستنباط الحلول
صيف 2014
والاختيار من بينها. فإذا كان الاتفاق على صعيد
المصالح والأهداف قائمً، فإنه قد لا يتحقّق على
مستوى تحديد المشكلات وتعريفها. وإذا تمّ
في هذا المجال، فقد لا يكونه على صعيد اختيار
الحلّ من بين الحلول (١١)؛ فهذا الأخير يخضع لبنية
السلطة داخل هذا التحالف واستراتيجيات القوّة،
أو القوى الأكثر تأثيرًا. يسمّي لادروتهذه القوى
داخل الفضاء المديني الأعوانَ المدينيين، ويصنّفهم
إلى: أعوان جماعيين عموميين وأعوان خواصّ.
ويعتبر أن طبيعة العلاقة بين هؤلاء الأعوان
المدينيين والعلاقة بينهم وبين السلطة والتجمّعات
والمؤسّسات «هي الطريق الذي يجب أن نسلكه
إذا أردنا ليس فقط معرفة النظام الجماعي الخاص
بكليّة حضرية معيّنة، بل أيضًا النماذج الجماعية
الممكنة للفعل وللنظام » (٢١). وتوجد علاقات
محدّدة بين بنية الفعل وبنية السلطة وبين هذه
الأخيرة والبنية الفضائيّة، ثمّ بين بنية المؤسّسات
وبنية الفعل. يصبح التغيّ، بهذا التصوّراللادروتي،
موجّهًا بطبيعة العلاقة بين هذه البنى، وأن أيّ تغي
يجد تفسيره في هذه العلاقة بين الأعوان الجماعيين
الحضريين. يضع مفهوم التغيّ الاجتماعي المخط ط
له أو الموجّه التحليل أمام الجانب الشكلي للتنظيم
الاجتماعي داخل الفضاء الحضري وللكليّة
المدينية. ويستدعي أيضًا مفاهيم أخرى لعل
أهمها: الأعوان أو الفاعلون الاجتماعيون؛ الفعل
الاجتماعي؛ المراقبة والإكراه الاجتماعيان؛ الرفض
والمقاومة؛ واستراتيجيات الفعل والتخطيط
التي يصنّفها تيسياي و نورو إلى أربعة وهي:
التعميم / التخطيط / الاستشارة / والإدارة
المشتركة للتغيير، بالنظر إلى معيار المشاركة.
فالتغيّ المخطّط له ضمن الفضاء المديني يحيل إلى
أربع استراتيجيات، بحسب تيسياي، لإحداث
التحولّات داخل التنظيم الفضائي والاجتماعي
المديني. وتحاول كلّ استراتيجيا تضخيم درجة
انخراط الفاعلين في تحديد المشكلات، وتصوّر
الحلول واختيارها، وتحديد وسائل تطبيقها
ومناهجه (٣١)، أو في ما يسمّيه لادروت الأعمال
العمومية (٤١).
التغيّر العفوي أو الموازي
اللّاموجّه في الفعل الإنساني
ظلّ البُعد العفوي في الفعل الإنساني والاجتماعي
حاضرًا في جميع المقاربات السوسيولوجية، سواء
بإسناده عمقًا تحليليًا أو بتعميق البحث في عامليته،
أي أهمية حضوره في التحليل السوسيولوجي
للظواهر الاجتماعية، وعلى الأخصّ موضوعات
الفعل والاندماج الاجتماعي، سواء الفردي أو
الجماعي، مثل البنيوية والوظيفية. إن استدعاء العفوي أو العفوية معناه الانتقال
بالتحليل من الشكلي إلى اللاشكلي، أو بعبارة
موريس دوفرجي، اللّموجّه. ويشكّل هذا
اللّموجّه لدى كروزي وكذلك توران مجال
للإبداع، أي الحرية التي تحوّل الإنسان الاجتماعي
من عون إلى فاعل، وبالتالي تحوّل التحليل من
البنية والقيم والمعايير والمجتمع والجماعة والضبط
والمراقبة الاجتماعية والاستبطان والتماثليّة إلى
الفاعل والفعل الاجتماعيين، وإلى مقولات مثل
التفاوض والأهداف والاستراتيجيا واللّعب.
هذه الحرية الإبداعية لها حضور ضمني في الواقع
الاجتماعي لدى غورفيتش، وتمثّل «أحد العناصر
المشكّلة للواقع الاجتماعي نفسه » (٥١). إن القول بالبُعد العفوي، أي الإبداعي، لا يحيلنا
فحسب إلى فعل الفاعل الاجتماعي في النسق
في شكله المطلق، بل يحيلنا أيضًا إلى أشكال
الرفض والمقاومة التي تتّخذ أشكالعديدة
وتتبنّى استراتيجيات مختلفة. تتموقع العفوية
لدى لوفافر أو المقاربة الجدلية في صلب اليومي.
وغيابها يعني أن «شيئًا ما أساسيًا يتغيّب» (٦١).
والعفوية هي من «الاجتماعي» لكنّها لا يمكن
أن تكونه، فهي ليست سوى عنصر منه في
مستوى من مستويات الاجتماعي. معنى ذلك
أن لوفافر، وفي سياق تفكيره الجدلي النقدي الذي
لا تنفي ضمنه التناقضات بعضها نهائيًا بل يجعل
من قابلية وجوده جدلية حراكيّة تفسّ التغي
الاجتماعي وتاريخانيته، يقر بالجانب العفوي
للفعل الاجتماعي ولكنّه لا يموضعه في مستوى
معيّ ومحدّد من الاجتماعي؛ فلا هو ثابت ولا هو
زائل ولا هو أساسي ولا هو هامشي، بل هو يوجد
ويفعل «وينمو ويذبل ويموت كما هو داخل الحياة
اليومية» (٧١). إن ما يُصطلح على تسميته العفوي لا تبدو
أهمية مقاربته في نظرنا في تحرير السوسيولوجيا
فقط من التحديدية والنظامية في فهمها للفعل
الاجتماعي، ودفعها إلى تعقّل الجانب اللّ شكلي
(الحر/ الإبداعي/ العقلاني) للفعل الفردي، بل
أيضًا، وتزامنًا مع ذلك، تتجسّد في بلورة وتعميق
التحليل السوسيولوجي للرفض والمقاومة التي
يبديها الفاعل للتغيّ ولكل عملية فرض لتغيّ ما
يعتبره الفرد كابحًا أو عائقًا أمام مصالحه وأهدافه
وتصوراته. ويحيل مفهوم العفوي، وجوبًا،
إلى جانب العقلانية في السلوك الفردي بالمعنى
البارسونزي (٨١)، بمعنى اللاتحديدية الكلية للنسق
الاجتماعي للفعل الفردي والذي تحدده أهداف
وغايات الفاعل ذاته وإن كان بارسونز لا ينفي
كليًا ممارسة النسق الاجتماعي لتوجيه ما لسلوك
الفاعلين الاجتماعيين. يصبح العفوي، انطلاقًا من هذا الفهم، مجالً
مميّزًا لتبيّ الاندماج وأشكاله ودراستهما أيضًا
على اعتبار أن الرفض يصبح في بعض الأحيان
استراتيجية اندماج اجتماعي لجماعة اجتماعية
معيّنة بالنظر إلى موقعها ضمن أي سيرورة تغي
داخل فضائها المديني. من هنا يقتضي تناول
العفوي أو اللّشكلي، أو الجانب الإبداعي والحر،ّ
استدعاء مقولات مثل الاندماج والرفض، وهو
ما انتبه إليه موريس دوفرجي حينما أكّد عدم
قابلية انفصال الصراع والاندماج، فهما في نظره
«لا يتمايزان دائمً بوضوح» (٩١). وهو يعتبر الصراع
شكلً من أشكال الاندماجفي سياق تحليله المجال
السياسي مثلً. ويستدعي فهم «الاجتماعي» تعقّل
دلالاته الذاتيّة «والضمنيّة» (٠٢)، وإعادة عيشه من
قِبل الباحث نفسه ليتمثّل تصوّر)conception(
أو تمثّل)representation(الذات الاجتماعية
لفعلها. فالمادّة الاجتماعية، ضمن المنهج الفيبريّ،
ليست «حقيقة خارجية بل بناء معاش ذاتيًا» (١٢).
والمجتمع لا يوجد خارج تمثلّات الفاعلين
الاجتماعيين، بمعنى إدراك الذوات الاجتماعية
لدلالة أفعالهم في مقابل أفعال الآخرين ودلالات
أفعالهم، وهو ما يصبح معه الفعل غير قابل لمنطق
التحديديّة، على خلاف الظواهر الطبيعية، اعتبارًا
لانتمائه إلى عامل العفوية والحرية، أي حرية
الفاعل تجاه المجتمع وتجاه النسق وتحديداته أو
إكراهاته البنيوية، بعبارة كروزي. على أن حضور
الحرية يستدعي حضور العفوية والإبداع في الفعل
الإنساني، واقعًا وتمثّلً؛ فالمقاربة الفيبرية للفعل
الاجتماعي، الذي هو موضوع علم الاجتماع لديه
لا تموضع، معارضة للتفسير الدوركايمي، منظومة
القيم خارج الفاعلين وفي معزل عن اختياراتهم
التي «يمكن أن تكون خارقة للمستقبل في حين
أن المنظومة التي تلقّنها تمثّل إرث الماضي» ٢(2).
وعالم القيم لدى فيبر هو «خلق جماعي وفردي في
الوقت نفسه» ٢(3)، وبالتالي أصبح من الصعب بعد
فيبر، كما يقول توران، «اعتبار الفعل الاجتماعي
كاستجابة لوضعيّة ولتحديدات مفترضة خارجيّة
عن الفعل ولعوامل ما» ٢(4)، بل إن الفعل الإنساني
صيف 2014
هو «بالأساس تعبير عن الوعي ومادّة القيم ونتاج
الدوافع» ٢(5). يقتضي فهمه «إدراكه، في شكل ما،
من الداخل، من الزاوية التي تحرّكه، في ما يجعله
إنسانيًا على نحو ملائم» ٢(6). هكذا، يلزمنا فيبر
بفهم الظواهر الاجتماعية من خلف الفاعلين،
أي من وجهة نظر الدلالات الذاتية الداخلية
للفاعلين الذين لا يمكن، دائمً مع فيبر، فهمهم
إلّ عبرهم هم أنفسهم. على أن تمثّل الفاعل
الاجتماعي للفاعلين الآخرين يفضي إلى المعيار
الثاني المسند من قِبل فيبر للفعل الاجتماعي وهو
الدلالة، أي أن يتّخذ فعل الذات قيمة رمز لدى
الآخرين مثلما يتّخذ أفعال هؤلاء قيمة رمز لدى
الذات الاجتماعية. فكلّ فعل «هو دائمً فعل
رمزيّ» ٢(7). معنى ذلك أن التفاعل الاجتماعي
يفترض تمثّلً متبادلً لدلالات أفعال الذوات
المتواصلة في ما بينها. ويتأثّر تصرّف الفاعلين
لدى فيبر بإدراكهم دلالة فعل الآخرين وفعلهم؛
فالفاعل الاجتماعي مدفوع، خلال عملية تواصله
الاجتماعي مع الآخرين، إلى التدليل على أنه أدرك
وفهم دلالات أفعالهم وانتظاراتهم لفعله عبر
التجاوب، أي ردة الفعل، سواء إيجابًا أو سلبًا.
يموضع ماكس فيبر، إذًا، الخصائص الأساسية
لاجتماعية الفعل الإنساني، وبالتالي اجتماعية
الفاعل)Socialité de l’acteur(داخل الذوات،
أي الفاعلين الاجتماعيين، وفهمهم لأفعال
الذوات الأخرى وتصرفاتها. إذا كان التغيّ المخطّط له يضعنا أمام مقولات
المشاركة والتشريك والسلطة وميزان القوى
السلطوي داخل المدينة، مثلما يعيد إنتاج مفهوم
القواعد الثابتة التي لا تأخذ بعين الاعتبار،
كما يشير إلى ذلك فريدريك هايك، مشاغل
وحاجات فئة اجتماعية أو أخرى ٢(8)، فإن التغي
العفوي يحيلنا إلى اللّشكلي وإلى المخفيّ والمقدّس
والخيالي والرمزي مثلما إلى مقولات: المقاومة
وإلى الفاعل المديني ذاته. والفاعل المديني في
قصدنا هو شاغل الفضاء المديني ومستعمله ماديًا
ورمزيًا؛ ذلك أن الاستعمال هو وحدة البحث
الضرورية لتعقّل وفهم تعاطي الفاعلين للفضاء
المديني الذي يشغلونه ويتحرّكون ضمنه كجسد
وذاكرة، ويتفاعلون معه ويحيونه عبر إدراكهم
وتمثلّاتهم له «وتحيى معهم المدينة» ٢(9)؛ فالفرد
لا ينكشف منعزلً في فضائه عن المكان الذي
هو فضاء العيش والتعامل والعمل والتواصل
المجتمعي مثلما أنّه لا ينقطع عن الزمن، أي زمن
الفضاء المشغول: الآن وهنا، ولكن أيضًا ماضي
الفضاء المعيش الحاضر في الزمان والمكان، في
الراهن المعماري والمادي والفضائي وفي المخيال
الفردي والجماعي والذاكرة الفضائية؛ فالفضاء
والزمان، كما لدى فرانسوا شانلات، « يشكّلان
بعدين أساسيين في كل نشاط وتجربة إنسانية» مثلما
أن الكائن البشري «هو كائن فضاء زمني» (3٠). كما
أن فرد القرن العشرين، كما يتمثّله ديفيد ريسمان،
يخضع لتحديد خارجي ويتصرف لا بالنظر إلى
مبادئ بل بالنظر إلى أفراد آخرين، على خلاف
فرد القرن التاسع عشر المحدّد داخليًا، أي إنه
يوجه سلوكه بالنظر إلى مبادئ ترسّخت لديه عبر
التنشئة الأولى. إن البنية الفضائية للمدينة أو الفضاء المديني
الذي يحيا ضمنه وعبره الفرد والجماعة هي أكثر
من ميدان لتوطين المجتمعي، بل هي ضمانة
للهوية المجتمعية لا في المطلق أو العام، بل الهوية
المجتمعية لجماعة اجتماعية معيّنة في المكان والزمان
مثلما في المرجعية الفضائية والطبقية. ويحتكم
الأفراد والجماعات إلى تمثلّات وتصورات متباينة
ومختلفة عن الفضاء ذاته باعتبار أنه يحيل إلى
كلية رأس المال الثقافي والرمزي مثلما يحيل إلى
التجربة وتراكم الخبرات والأحداث والتحولات
والتغيرات السوسيو فضائية، أي بعبارة جامعة:
الذاكرة الجماعية والفردية لمستعملي الفضاء
المديني وشاغليه.
تقرأ الذاكرة الفردية أو الجماعية عبر استهلاك أو
استعمال الفضاء باعتباره «مجال المجازات»،
وبالتالي المعيش الفضائي للفاعلين المدينيين؛
ذلك أننا ننظر بهذا المعنى إلى التغيّ الاجتماعي
«كعملية فضائيّة»، تصبح معه مقاربة التحليل
السوسيولوجي لليومي)Quotidien(، أي حياة
الأيّام كلها بتفصيلاتها كافة حتّى البسيطة
منها، أمرًا ضروريًا لفهم كيفية اشتغال ما
يسمّى التغيّ العفوي والموازي وتأثيره في
الحاصل التنموي للفضاء المديني واقعيًا؛
فضمن الوضعيات البسيطة لليومي والمعيش
الفضائي)Vécu spatial(يجد التغيير العفوي
تفسيره. فاليومي هو مجال تموضع الذاكرة في
المعمار والتوزيع الوظيفي والترتيب اليومي
للفضاءات والاستعمال، وبالتالي مجال المخيال
الجماعي والرمزية والمقدّس، وهو ما يذهب إليه
مافيزولي، في اعتباره أن «التعلّق بالمنزل وبالأرض
وبالمكان وبالعادات يقوم على هذه الخاصيّة
المقدّسة». ثم إن المنظومة الاجتماعية تختلف
بحسب «المشاعر التي يستبطنها عناصرها والتي
توجّه سلوكات الأفراد أو المجموعات» تجاه
المنظومة وتجاه مضمون ونسق التغيّ المخطّط
والمبرمَج. إن ما نعبّ عنه بالتغيّ العفوي أو الموازي لا يطرح
نفسه ضمن المدينة كتحوّل أو تبدّل بل تواصل
مع الماضي واستدعاء يومي للذاكرة الفضائية
الجماعية، يضع التقليدي في قلب الحديث
والحديث في مواجهة أشكال أو أنماط حياة - تقع
في جوهر القطيعة التي يهدف إلى تأسيسها - مع
ما يمدّ إلى الخلف ويخلق الازدواج والمقاومة،
أي كبح ما يتّجه إمّا إلى المضمون وإما إلى شكل
أو نسق التغيّ الموجّه، أي التمدّن والحداثة في
المدينة العربية الإسلامية اليوم، وهو ما يشك ل
تقريبًا موضوع إجماع كلّ دارسي المدينة العربية
الإسلامية.
لا يطرح التغيّ العفوي نفسه كبديل للتحولّات
التي هي نتاج وموضوع المراقبة الاجتماعية،
وإنمّا كتعبير رمزيّ لرأس المال الثقافي وللذاكرة
الفضائية لجماعة أو جماعات اجتماعية معيّنة،
ورفض ومقاومة التجديد وما يشكّله من تهديد
لقيمها ومعاييرها وتمثلّاتها ومع صورتها لذاتها
لصاوت اله ققيح مبا الوهح الومً مزدوجًا مع الفضاء.
فمن ناحية، هناك تواصل مع الماضي، وبالتالي
الذاكرة، عبر الفضاء الممارَس والمعيش، وهو ما
يُرج الفاعل من اجتماعيتهالدوركايمية وعقلانيته
المفرطة التي تحيل إلى الوعي الخالص وتُقصي
جانب اللاوعي الفردي مثلما الجماعي، أي
يُرج التحليل من المغالاة والاختزالية المفرطة
في بُعديها الجمعي والفرداني. وهناك، من ناحية
أخرى، تواصل مع الحاضر المديني بشكل يحقّق
لها الاندماج مع الاحتفاظ بهويتها وحمايتها، أي
بمجال فاصل، بعبارة مافيزولي، يضمن لها هامشًا
من المناورة والتفاوض لتحقيق هدف مزدوج
ينعكس على جميع مظاهر المعيش اليومي. ثم
إن الفرد «هو عنصر ضمن تفاعلات المجتمع،
وهو نقطة تقاطع مختلف انساق هذه التفاعلات:
يتفاعل بوعي تام بإرادته وأفعاله مع هذه المثيرات
التي تأتيه من هذه الأنساق». لئن انتبه زيملإلى البُعد اليومي، أي المطّ رد، في
حياة الناس في كلّ الأيّام وإلى أهمية أن يطاوله
التحليل والاهتمام السوسيولوجي، فإن لوفافر
يُعتبر أهمّ مؤسسّي علم اجتماع الحياة اليومية،
وتنكشف أهميته في الموضوعات التي قاربها،
على غرار مافيزولي، مثل المعيش اليومي ببُعديه
الرمزي والمادي/العقلاني والخيالي/الواعي
واللّواعي، وعلى أصعدة متعدّدة. فالمجتمع،
كما أسلفنا، يُقرأ عبر اليومي وضمنهوإن كان
لدى لوفافر يمثّل مستوى من مستويات الكليّة؛
فهو يشكّل كليّة في حدّ ذاته وفي مستوى معيّ.
واليوميفي أبسط جزئياته وأكثرها بساطة يشكّل
صيف 2014
لوحة تُقرأ تحليليًا من خلالها نوعية حياة جماعة
معيّنة. من هنا تبدو أهمية لوفافر من حيث اعتباره
لليومي وللحياة اليومية موضوعًا جادًّا للمعرفة
السوسيولوجية. فالمعرفة بالمجتمع تقتضي ضرورة
تعقل الحياة اليومية ومقاربتها، إلا أن المنهج الجدلي
النقدي اللوفافري يضع اليومي والمجتمع في
جدلية تستدعي فيها المعرفة بواحدة منها المعرفة
بالأخرى، بل أبعد من ذلك، لا يمكن معرفة الحياة
اليومية ولا المجتمع من دون نقد جذريّ لليومي
بالمجتمع ونقد المجتمع باليومي. ثم إن لوفافر، في
سياق نقده الاجتماعوية والتاريخاوية والثقافوية،
وعلى الرغم من مقاربته الكليّة للمجتمع، لا ينفي
ولا يتعالى عن حصائل البحوث الجزئيّة، أي تلك
التي تقف عند مستوى أو بُعد من ظاهرة اجتماعية
بقصد تعميق المعرفة فيها ولا تعكس بالضرورة
نظرة تحديدية اختزالية للظاهرة الاجتماعية في بُعد
أحاديّ تفسيريّ لها. إننا نحتاج، دائمً إلى تخصّص للبحث يثري في
النهاية ويمهّد لقراءة معمّقة لكليّة المجتمع؛ فمثل
هذه البحوث لا يمكن ابتذالها أو إقصاؤها باسم
الكليّة والشمولية. ولا يجوز التعالي عن التعاطي
مع السوسيولوجيا اليومية تحليليًا باسم تجارب
أرقى. فهذا المبحث ما زال في نظرنا بعيدًا عن
العمق المنشود نظريًا ومنهجيًا، نظرًا إلى جدّته
على البحث مقارنة بالموضوعات التقليدية
للسوسيولوجيا، ونظرًا أيضًا إلى ندرة الدراسات
والبحوث، وخصوصًا في أهمّ بُعد - في نظرنا
- وهو المعيش الفضائي، أي ممارسة الفاعلين
المدينيين للفضاءات التي يحتلّونها ويستغلّونها
ويتحرّكون ويتفاعلون ويحيون ضمنها ومعها
وعبرها يوميًا، وأبعاد ذلك على الفضاء نفسه الذي
يستحيل في نظرنا اختزاله في كونه مسرح التفاعل
الاجتماعي في اقتران بالزمن، بل هو تجسيد أو
تعبير دلاليّ عند مستخدمه الذي يستمدّ منه
دلالته. وتتّخذ هذه الدلالة منحى رمزيًا يقتضي
فكّهاالعودة إلى الفاعل ذاته، أي مستعمله، وهو ما
يضعنا أمام البُعد غير المادي، أي الثقافي، للعلاقة.
فالفضاء، كما في التصوّر الجدلي النقدي للوفافر،
هو مادّة اجتماعية مثلما هو «أداة للتفكير وللفعل
ووسيلة للإنتاج وللمراقبة وبالتالي للهيمنة
والنفوذ»، ولكنّه أيضًا مجال للّعب والتفاوض
والرهانات بين الفاعلين الشاغلين له، يُقرأ عبر
الاستعمال، أي عبر وضمن المعيش الفضائي
اليومي في أبسط جزئياته أو حتّى أكثرها ابتذالً.
يعتبر لوفافر مثلً أن فضلات المنزل تحيل التحليل
السوسيولوجي إلى داخل المنزل مباشرة وإلى
مستوى عيشه وعاداته الغذائية. ثمّ إن التحوّل من
مجرّد الملاحظة إلى البحث وبعثرة حزمة الأشياء
المتروكة بعناية وبقصد على سطح أو شرفة منزل
هو تحويل لهذه الكتلة أو الحزمة من أشياء مادية إلى
كتلة رمزية؛ ذلك أن ترك هذه الحزمة من الأشياء
لا يندرج في باب الإهمال أو الاعتباطية أو سوء
العناية، بل هو فعل قصديّ وإن كان حتّى فعلً
غير واعٍ. إنّه استدعاء يوميّ للماضي وللذاكرة
للوجود ضمن الحاضر اليومي والمعيش اليومي
داخل الفضاء الخاص. يصبح البحث ملحّا حين
لا يتلاءم هذا السلوك مع نمط الفضاء الخاص
المشغول معماريًا وماديًا، والذي يحيل الملاحظة
مباشرة إلى الحديث، أي القطيعة مع التقليدي.
ونقف على تداخل الماضي التقليدي بالحاضر/
الحديث أو العكس، على صعيد الداخل/ المنزل
أو الخارج/ المدينة ذاتها، وهو ما انتهى إليه
باحثون مثل الدكتورة زنّاد والدكتور عبد الوهاب
بوحديبة في اعتبار المنزل «أكثر من إرث، إنه
حامل لذاكرة العائلة، هو استعادة للجذور، فهو
يدمج ضمن تاريخ ويحتفظ بالصلات بين الماضي
والحاضر»، وما ينخرط، لدى قوفمان، في «الفاصل
بين ما يريد أن يكون عليه في نظر الآخرين»
وما يريد الفاعل أن يكون عليه، يستدل عليه عبر
كيفية شغله واستعماله للفضاء، سواء الخاص منه
أو العام، المبني والفارغ، الظاهر منه والخفيّ، أي
بعبارة مختصرة المعيش الفضائي.
استراتيجيات التغيّر
إن قصدية التغيّ الموجّه وكذلك عفوية التغي
الموازي، على الرغم من إحالتهما إلى التحليل على
طرفين مختلفين لكنّهما غير متعارضين أو متناقضين
بالضرورة دائمً، فإنهما يقتضيان استدعاء مقولة
الاستراتيجيا. وقد ات ذ هذا المفهوم معاني عدّة
لدى منظّري التغيّ القصدي مثل إدغار غريني و
شاينووارن بينيس وليفين وغيرهم. ويمكن
تضمين مفهوم الاستراتيجيا في ثلاثة معان:
ف وارن بينيس وإدغار شاين يسندان إلى مصطلح
الاستراتيجيا برنامج أفعال، أي دلالة تنظيم أو
بنية وسائل متعدّدة متبنّاة من قبل عون أو أعوان
التغيّ القصدي العقلاني لتحقيق أهداف معيّنة.
أمّا ليفين، فيرادف بين الاستراتيجيا والمقاربة؛
إذ إن الاستراتيجيا هي مقاربة التغيّ، بمعنى أنها
تّمثّل الكيفية التي سيتبصّ بها العون مشكل التغي
الاجتماعي، أي إن العون يختبر المنظومة الاجتماعية
التي ضمنها يتدخّل لإحداث التغي. وهي
تتخذ، لذلك، دلالة تقنيّة أو أداة أو منهج فعل
يحدّده ويلتزم به العون لتحقيق الأهداف المضبوطة
مسبقًا. ويقترح كلّ من نورو وتيسيايوترنمبلاي
تعريفًا توفيقيًا وأكثر شمولية من التعريفات
السابقة. فالاستراتيجيا تتّخذ لديهم معنى «مجموع
وسائل مستخدمة وأفعال ملتزم بها من قبل عون
ضمن فضاء معطى لغاية بلوغه هدف خالص».
يجمع هذا المفهوم بين الدلالات الثلاث المعطاة
لمصطلح استراتيجية التغيّ القصدي، أي المخط ط
له. وهو يحتمل قابلية استعارته أيضًا ضمن تناول
التغيّ العفوي، أي فعل الفاعلين الاجتماعيين في
النسق الذي يتلقّون إكراهاته أو إلزاماته ولكنّهم
لا يذوبون كليًا في تحديداته. فالفاعل يملك فعله،
وهو يد وقلب موجّه بمثيرات اقتصادية واجتماعية
لكنّه يملك عقلً، أي إنه كائن مستقل قادر على
الحساب والتكيّف والتخيّل في علاقاته بالتنظيم،
وبالتالي يحتكم ضمن أفعاله إلى مصالح أو أهداف
قد تتّفق مع الرسمي والمبرمَج، أي القصدي
والموجّه، وقد تتعارض معه. من هذه الزاوية
يوظّف الفرد وسائل لبلوغ أهدافه، وبالتالي
استراتيجية تكيّف أو اندماج أو مقاومة للتجديد
وللتغيير تتحدّد بمدى التقارب أو التعارض بين
ما يطرحه التجديد وأهداف الفاعلين المدينيين
كتصوّراتهم وتمثلّاتهم وقيمهم ومعاييرهم الثقافية،
وهو ما يقتضي فهم الفعل الإنساني عبر «إدراكه،
بشكل ما، من الداخل، من الزاوية التي تحرّكه،
إذًا، في ما يجعله إنسانيّا على نحو ملائم ». إن مقولة الاستراتيجيا، سواء على مستوى
القصدي أو على مستوى العفوي، تقود حتمً إلى
مقولتيّ التخطيط والعقلانيّة. إلا أن المغالاة في
القول بعقلانية الفاعل الاجتماعي، وبالتالي الفعل
الاجتماعي، يقع خارج متون البحث، وبالمثل
الجبرية الاجتماعية التي تغتال الفاعل وتعزله عن
فعله وتحوّله نتاجًا لعون آليّ للنسق أي السياسة
التمدينيّة ولأعوان التغيير المخطّط له. فالفضاء
المديني لا يستجيب دائمً لوظيفيّته التخطيطية ولا
يفرز التغيّ المبرمج عبره، لأن الفضاء يؤوّل، أي
يعاش عبر كلّ الموروث القيمي والمعاييري المتّصل
بالفضاء المرجعي لشاغلي الفضاء المديني، أي
عبر الوجه الآخر للواقع غير المغاير بالضرورة،
وهو وجه الخيالي والخارق والمقدّس والرمزي
في بعده لا الفردي بل الجماعي. فالفضاء المديني
هو حقل تفاعلات بين الشكلي واللّشكلي:
بين الموجّه والعفوي، وبين الضبط الاجتماعي
et
والمقاومة أو الرفض، أي بين استراتيجيات فعل
متعدّدة ومختلفة ونتاج لها. معنى ذلك أن مقاربة
ظاهرة التمدّن أو حاضر المدينة تقتضي استدعاء
كلّ الأعوان وكل الفاعلين المدينيين. لكن من
هم هؤلاء؟ هذا أمر تبيانه ضروري حتّى تكتمل
صيف 2014
الرؤية لدى القارئ لتعقّل توجّه البحث في
إحاطته بموضوع بحثه. يطرح تناول موضوع التغيّ الاجتماعي ضمن
الفضاء المديني، وداخل المدينة العربية الإسلامية
بالذات، إشكاليات عدة تعترض مسألة التنمية
الحضرية ضمنها. ولعلّ أهمّ ما يستدعيه موضوع
التغيّ الاجتماعي هو الرفض أو المقاومة ضمن
المعيش اليومي الفضائي والسلوكي والتواصلي
للفاعلين المدينيين، أكانوا أفرادًا أم جماعات. هذه
المقاومة لا يجوز أن يُنظر إليها بوصفها مجانية، أي
لا تحيل إلى معنى وإلى دلالة تكشف موقع الفاعلين
ومدى مشاركتهم أو انخراطهم أو إقصائهم
وتهميشهم من التخطيط للتغيير المديني، وبالتالي
الاجتماعي. فالجماعات لا تنفصل عن «تموضعها
الاستراتيجي وعن مواقعها التي تدافع عنها
وتحققها ضمن حقل صراع» دائم التبدّل. تتقنّع هذه المقاومة في أشكال عدّة، ويتّخذ
الفاعلون ضمنها استراتيجيات فعل متعدّدة
ومختلفة، من بينها ما يعنينا هنا في هذا المجال
المتعلّق بالتغيّ، وهو ما يسمّى التغيّ العفوي أو
ما نسمّيه التغيّ الموازيالذي يكون ضمن التغيّ
المبرمَج والمخطّط له والموجّه وعبره، حتّى وإن
كان لا يستجيب بصفة كليّة لشروط التغيّ الأربعة
التي ذكرناها آنفًا، استنادًا لغي روشاي. فالسؤال
يجب، إذ ا، أن يتوجّه إلى التمييز المفاهيمي بين
التغيّ الموجّه أو المخطّط بعبارة بروني والعفوي
أو الموازي.
الهوامش (1) Roger Tessier et Yvan Tellier, Changement planifié et évolution spontanée ,
changement planifié développement des organisations; 6 (Sillery, Québec: Presses de l’Université du Québec, 1991), p. 316.
(2) المصدر نفسه، ص.316
(3) Abdelwahab Bouhdiba et Dominique Chevallier, La Ville arabe dans l’Islam: Histoire et mutations: Actes du 2ème colloque de l’A.T.P. «espaces socio-culturels et croissance dans le monde arabe», Carthage-Amilcar,
12-18 Mars 1979 (Tunis: Université de Tunis, Centre d’études et de recherches économiques et sociales; Paris: Centre national de la recherche scientifique, 1982), p. 18. (4) Gilbert Durand, Les Grands textes de la sociologie moderne, recueil méthodique à l’usage des candidats, baccalauréat, 1re supérieure, enseignement supérieur (Paris: Bordas, 1969), p. 50. (5) Don Hellriegel et John W. Slocum, Management des organisations , traduction de Bruno Baron-Renault; préface de Laurent Simon, Business School, 2ème ed. (Bruxelles; [Paris]: De Boeck, 2006), p. 603. (6) Guy Rocher, Introduction à la sociologie générale , 3 vols. (Paris: Les Points, 1968), vol. 3: Le Changement social , p. 17. (7) Jean - François Chanlat, dir., L’Individu dans l’organisation: Les Dimensions oubliées , sciences de l’administration (Québec: Presses de l’Université Laval; [Paris]: Ed. ESKA, 1990), p. 161. (8) Rocher, vol. 3: Le Changement social , p. 23. (9) Tessier et Tellier, p. 328. (10) Pierre Collerette, Gilles Delisle et Richard Perron, Le Changement organisationnel: Théorie et pratique (Sainte-Foy, Québec: Presses de l’Université du Québec, 1997), pp. 41-42. (11) Tessier et Tellier, p. 72 (12) Raymond Ledrut, Sociologie urbaine (Paris: Presses universitaires de France, 1968), p. 25. (13) Tessier et Tellier, pp. 44-45. (14) Ledrut, p. 23. (15) Georges Gurvitch, Déterminismes sociaux et liberté humaine, vers l’étude sociologique des cheminements de la liberté (Paris: Presses universitaires de France, 1954), p. 9. (16) Henri Lefebvre, Critique de la vie quotidienne. 1, Introduction , le sens de la marche, 2ème ed. (Paris: L’Arche, 1958), p. 220.
(17) المصدر نفسه، ص.221
(18) Talcott Parsons, Le Système des sociétés modernes , traduit par Guy Melleray; préface de François Chazel, collection organisation et sciences humaines; 15 (Paris; Bruxelles; Montréal: Dunod, 1973), pp. 6-16. (19) Maurice Duverger, Introduction à la politique , Idées; 44 (Paris: Gallimard, 1964), p. 273. (20) Georges Gurvitch (dir.), Traité de sociologie , bibliothèque de sociologie contemporaine, 2 vols. (Paris: Presses universitaires de France, 1958-1960), p. 9. (21) Jacques Herman, Les Langages de la sociologie , que sais-je?; 2076, 2ème ed. (Paris: Presses universitaires de France, 1988), p. 4. (22) Raymond Aron, Les Etapes de la pensée sociologique: Montesquieu, Comte, Marx, Tocqueville, Durkheim, Pareto, Weber , bibliothèque des sciences humaines (Paris: Gallimard, 1967), p. 523.
(23) المصدر نفسه، ص.524
(24) Alain Touraine, Le Retour de l’acteur: Essai de sociologie , mouvements; 3 (Paris: Fayard, 1984), p. 37. (25) Paul De Bruyne, Jacques Herman et Marc De Schoutheete, Dynamique de la recherche en sciences sociales: Les Pôles de la pratique méthodologique , préface de Jean Ladrière, collection Sup. Le Sociologue; 39 (Paris: Presses universitaires de France, 1974), p. 135. (26) André Dartigues, Qu’est-ce que la phénoménologie? , Regard (Toulouse: Privat, 1972), p. 53. (27) Maurice Merleau-Ponty, Existence et dialectique , textes choisis par Maurice Dayan, les grands textes; 38 (Paris: Presses universitaires de France, 1971), p. 216. (28) Friedrich August Hayek, La Route de la servitude , trad. de G. Blumberg, Quadrige (Paris: Presses universitaires de France, 1993), p. 59. (29) Ledrut, p. 22. (30) Chanlat, dir., p. 161. (31) Thierry Rogel, Le Changement social contemporain , thèmes and débats. Sociologie (Rosny: Bréal, 2003), p. 42. (32) Jean-Loup Gourdon [et al.], dirs., Ville, espace et valeurs: Un séminaire du Plan urbain en 13 séances du 23 février 1988 au 15 novembre 1990 (Paris: Ed. l’Harmattan, 1995), p. 237. (33) Gilbert Durand, Les Structures Anthropologiques de l’imaginaire: Introduction à l’archétypologie générale , collection études supérieures; 14 (Paris: Bordas, 1969), p. 461. (34) Michel Maffesoli, La Conquête du présent: Pour une sociologie de la vie quotidienne , préface de Gilbert Durand, sociologie d’aujourd’hui (Paris: Presses universitaires de France, 1979), p. 176. (35) Traki Bouchrara-Zannad, La Ville mémoire: Contribution à une sociologie du vécu , sociologies au quotidien (Paris: Méridiens-Klincksieck, 1994), p. 76. (36) Maffesoli, p. 60. (37) Durand, Les Grands textes de la sociologie modern , p. 299. (38) Aron, pp. 323-324. (39) Durand, Les Structures Anthropologiques de l’imaginaire , p. 461. (40) Henri Lefebvre, La Production de l’espace , collection société et urbanisme (Paris: Editions Anthropos, 1974), p. 31. (41) Nicolas Herpin, Les Sociologues américains et le siècle: Nicolas Herpin , collection Sup. Le Sociologue; 32 (Paris: Presses universitaires de France, 1973), p. 185. (42) Tessier et Tellier, p. 68. (43) Hogue (J. P.), Lévesque (M.), Morin (E. M.), Groupe, Pouvoir et Communication (Québec: Presses de l’Université du Québec puq, 1988), p 62. Jean-Pierre Hogue, Denis Lévesque et Estelle M. Morin, Groupe, pouvoir et communication (Sillery, Québec: Presses de l’Université du Québec; Montréal, Québec: Ecole des hautes études commerciales, 1988), p. 62. (44) Dartigues, p. 53.