العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الكفاح في سبيل الاستقلال/ماريا روسا ذي مادارياكا

الكفاح في سبيل الاستقلال/ماريا روسا ذي مادارياكا

Abd-el-Krim El-Jatabi : La Lucha Por la Independencia by María Rosa de Madariaga

الحاج ساسيوي*

الملخّص

العنوان الأصلي: Abd-el-Krim El Jatabi: La Lucha Por la Independencia الكاتبة : ماريا روسا ذي مادارياكا ترجمة : محمد أونيا وعبد المجيد عزوزي وعبد الحميد الرايس مكان النشر : مطبعة النجاح، الجديدة الدار البيضاء – المغرب الناشر : تيفراز ناريف تاريخ النشر: 2013 عدد الصفحات: 632

Abstract

Book Title: Abd-el-Krim El Jatabi: La Lucha Por la Independencia Author: Maria Rosa de Madariaga Translation: Mohammed Onya, Abdelmajid Azouzi, and Abdelhamid al-Rayyis Place of publication: Matba’at al-Najah, al-Jadida, Casablanca, Morocco Publisher: Tifraz n arif Date of publication: 2013 Number of pages: 632

الكلمات المفتاحية:
  • استقلال المغرب
  • الكفاح الوطني
  • محمد بن عبد الكريم الخطابي
  • جزيرة الحسيمة
  • الريف المغربي
Keywords:
  • Abd-el-Krim El-Jatabi
  • Moroccan Independence
  • National Struggle
  • Moroccan Rif
  • Alhucemas Islands

الكتاب الكاتبة: ماريا روسا ذي مادارياكا ترجمة مكان النشر الناشر: تيفراز ناريف تاريخ النشر: 2013 عدد الصفحات: 632

مواكبةً للهجمة الاستعمارية الأوروبية على البلدان العربية والإسلامية، برزت في هذه الأخيرة قيادات مقاومة وثورية ضد هذا التدخل السافر. ومن البديهي التسليم بتشابه هذه الزعامات في ردة فعلها؛ إلا أن شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي انفردت بصفات عدة، لعل أبرزها: تكوينه السياسي والعلمي الرصين، ومواجهته قوتين استعماريتين (إسبانيا وفرنسا)، ثم أمميته التي اكتسبها حتى اعتبُر مدرسة وفكرًا ثوريًا ومقاوِمًا، ليس فقط في الوطن العربي والإسلامي، بل تعداه إلى دول أخرى. هذه الشخصية دفعت الكثيرين إلى الاهتمام بها: محمد بن عبد الكريم الخطابي والكفاح في سبيل الاستقلال

: محمد أونيا وعبد المجيد عزوزي وعبد الحميد الرايس: مطبعة النجاح، الجديدة الدار البيضاء – المغرب

ودراستها، غير أن ما كُتب عنها حتى الآن يبقى محدودًا، ويشوبه الكثير من مجالات الالتباس والقصور والغموض. يأتي كتاب الباحثة الإسبانية الدكتورة ماريا روسا ذي مادارياكا)M. R. de Madariaga(محمد بن عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال، ليذيب كثيرًا من هذا الغموض واللبس بكثير من الجرأة والجدية والتحليل العلمي، مستندة الى ترسانة هائلة من الوثائق والمصادر التاريخية التي باشرتها في الربائد (الأرشيفات) الأوروبية. ومن نافلة القول أن هذا المؤلَّف يُعَدّ بحق تتويجًا لأعمال عدة قامت بها الباحثة في هذا المضمار.

يضم الكتاب بين دفتيه مقدمة وعشرة فصول، وفهارس للمصادر والمراجع والأعلام، إضافة إلى لائحة بالصور والوثائق، وملحق لصور نادرة تُنشر أول مرة. انطلاقًا من المقدمة، نبّهت ماريا القارئ إلى مجموعة من الملاحظات: أولها، أن عملها هذا هو نتيجة اهتمامها بالريف منذ سنوات خلت، كما أن رغبتها تتمثّل في تخصيص مؤلَّف مفرد لمحمد بن عبد الكريم الخطابي، يحيط بجوانب عديدة من مساره السياسي والإنساني (ص. 9) ثانيها، وبعد استعراضها ونقدها بشكل مستفيض لكل ما كُتب حول هذا الزعيم، خلصت إلى أن مؤلَّف جِرمان عياش يبقى العمل الوحيد «الذي مثّل بحق قفزة نوعية فيما يخص البحث والدراسة، حول محمد بن عبد الكريم وحرب الريف» (ص. 25)، وأن مؤلَّفها «يبقى، ربما، الأكثر اكتمالً ممّا كُتب إلى حدود اليوم حول هذا الموضوع، فقد تم التطرق بشكل موسَّع ومعمَّق للمجالات الثلاث التي شملها نشاط الزعيم الريفي (الريف، إسبانيا، وفرنسا) دون أن نغفل الانعكاسات الدولية لحركة المقاومة الريفية، ومرحلة المنفى» (ص 12 و 18.)30- ثالثها، وعلى غير عادة الدارسين الذين اهتموا بالموضوع، أن الباحثة تشير إلى أن هذا المؤل ف كُتب بناء على تعاطف واضح مع الزعيم الريفي والقضية الريفية. ومن هذا المنطلق تعتبره غير محايد، إلا أنها تتدارك بالقول: «بيد أنه معزز بالوثائق بشكل كبير، وخاضع للصرامة والدقة العلمية» (ص. 12) رابعها، أن هذا العمل، بنسخته الإسبانية، موجَّه إلى القارئ الإسباني، لتعريفه بشخصية الأمير الحقيقية، «بعيدًا عن الصورة السلبية التي تقدمها الكتابات الاستعمارية» (ص. 9) هذا وإن كنا نشاطر الباحثة ولا ننازعها في ما أضفته على مؤلَّفها، ومؤلَّف جرمان عياش من قيمة علمية، فإننا نسجل اعتمادهما الكلي على الوثيقة الإسبانية وتغييب نظيرتها المغربية في مؤلفيهما (على الرغم من أن جرمان عياش يُعتبر من المؤرخين المدافعين عن «الوثيقة الوطنية»، ومن الداعين إلى التعامل الحذر مع المصادر الأوروبية). ومن هنا نتساءل: هل عجزت الوثيقة المغربية عن ملء الفراغ، أم أن الأمر مرده إلى فقر كبير يعانيه ميدان التوثيق في المغرب؟ ضم الفصل الأول (النشأة قبالة جزيرة الحسيمة)، ثلاثة عناصر: أولها، ما عنونته المؤلفة ب«قرون من الاحتكاك مع النصارى»؛ ذلك أن موطن محمد بن عبد الكريم هو خط التماس بين البلاد الإسلامية ونظيرتها المسيحية على مر التاريخ، وهو الخط الذي ساده جوٌّ راوح بين المهادنة والصراع والوئام بشكل متعاقب. وعلى الرغم من هذه الخصوصية الجغرافية التي تحظى بها منطقة الريف، فإن سكانها، وعلى مر الدول المتعاقبة على تاريخ المغرب (أدارسة، ومرابطون، وموحدون،...)، ظلوا يحافظون على مؤسساتهم التقليدية، ويحتكمون إلى أعرافهم المحلية ضمن نطاق المخزن المغربي (ص. 39) وبذلك، فان ماريا تخالف أغلب الدراسات الاستعمارية التي أبت إلا تقسيم البلاد المغربية إلى قسمين: «بلاد المخزن» و«بلاد السيبة»، هذه الأخيرة تعني غياب السلطة المركزية. أما في العنصر الثاني (موقف أسرة الخطابي من التدخلات الأجنبية)، فأبرزت الكاتبة السياقات الداخلية والخارجية التي أصبحت عليها الدولة المغربية، إذ ازدادت الضغوط الأوروبية عليها، عبر عقد مجموعة من المعاهدات غير المتكافئة والمجحفة، وهو ما جعل المغرب يفقد الكثير من سيادته. في ظل هذا الوضع المأزوم، رصدت الباحثة مختلف أطوار علاقات الخطابي ومواقفه خصوصًا، والريفيين عمومًا، من هذه التدخلات

الأجنبية. في خضم هذه الضغط، وأمام تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الريف، كباقي البلاد المغربية، تذكّرنا ماريا ببروز ثورة الجيلالي الزرهوني، المعروف ب«بوحمارة» في الريف الشرقي (1-9039081) (ص. 58)؛ وبالتالي فهي (الثورة) تتقاسم الجغرافيا مع قبيلة الخطابي الذي لم يتوان في الوقوف سلبًا في وجهها، ولا سيما أن بوحمارة مارس الكثير من التعسف ضد سكان الريف، وهو ما لم يستسغه هؤلاء، بحسب زعمها. لكن هذا الربط المتميز للأحداث التي عرفتها هذه الفترة، وكذا الكشف عن جوانب مهمة ومثيرة من تاريخ بوحمارة، لم يق الباحثة من إصدار أحكام غير دقيقة في حق هذا الثائر، والذي وإن كانت ثورته بُنيت على شعار «أن السلطان استسلم للأجانب»، وبالتالي وجبت عدم طاعته؛ فإن بوحمارة نفسه لم يتوان في التعاون مع هذه الدول، ومنحها امتيازات عدة. ومن ذلك قولها «... درس (بوحمارة) بفاس، بمدرسة القرويين... لقد كان إذن شخصية مثقفة، وبالتالي لم يجد صعوبة في السلك المخزني،...، ولأسباب مبهمة سُجن لمدة محددة، ثم غادر البلاد لاحقًا في اتجاه الجزائر حيث سيتعلم على يد سيدي عبد القادر بن عدة شيخ الطريقة الدرقاوية، كيفية ممارسة السحر بزاوية مستغانم»(ص. 58) إن هذا الادعاء تفنده القراءة المتأنية والعميقة لتاريخ هذا الثائر، وكذا للطريقة الدرقاوية التي تُعتبر بحق مدرسة تربوية وجهادية ومقاومة ضد المستعمر. أما العنصر الثالث (التعاون مع إسبانيا كوسيلة للاستفادة من «التقدم» الأوربي)، والذي يُعتبر بحق، قضية خلاف واختلاف بين المتخصصين وغيرهم، سواء في الماضي أو الحاضر، وأكيد في المستقبل، فإن ماريا، واستنادًا إلى مجموعة من الوثائق التي باشرتها، استطاعت، وبكثير من الجرأة العلمية - وإن كان قد سبقها جرمان عياش إلى الفعل/الحكم نفسه في دراسته السالفة الذكر - التطرق إلى مختلف العلائق التي ربطت بين الخطابي وإسبانيا، وبشكل مسهب إلا أنه موثَّق (ص. 55-80) وإذا كنا – كباحثين - مدينين للباحثة بكثير من التقدير العلمي، لإماطتها اللثام عن وثائق ذات أهمية بالغة، فإننا نتحفظ عن صفة «التعاون» التي أوردتها، وعن أن هذا «التعاون» هدفه البحث عن جلب «التقدم» إلى الريف!!. ونسجل أن هذا الحكم يحتاج إلى كثير من الدراسة والتمحيص، خصوصًا أننا أمام وثائق أجنبية (إسبانية في أغلبها) وإن تكن مهمة. وللتدليل على ذلك، وفي ظل ما أسمته الباحثة «التعاون»، أوردت رسالة موجهة من الخطابي الابن إلى الخطابي الأب بعد مقتل المقاوم الشريف أمزيان فيها: «وصلنا... لمرسى مليلية، وعند نزولنا سمعنا أن مزيان قُتل... ولم تكن الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم حتى وصل القطار الحديدي حاملً جثة ذلك المرحوم المأسوف عليه،... وعند أول نظرة عرفته وطفت به وعلامات الشجاعة والحماس تلوح على وجهه، رحمه الله رحمة واسعة» (ص -8081). إن قراءة متأنية وعميقة لهذه الرسالة (وغيرها كثير)، وللعبارات المصرح بها والمسكوت عنها فيها، تجعلنا نقتنع بأن علاقة الخطابي بإسبانيا لا يمكن حصرها فقط في خانة «التعاون من أجل التقدم» كما تدّعي الباحثة، بل كان وراء هذه العلاقة أسباب أخرى، ستشكل موضوع أبحاث مستقبلية. يحتوي الفصل الثاني (الجهاد والمقاومة) على ثلاثة: عناصر الأول (الجهاد كطريقة تقليدية لمقاومة الاحتلال)، وقد برعت ماريا من خلاله في التأصيل لمفهوم «الجهاد»، ساعية إلى رصد مختلف العلائق التي ربطت بين «دار الحرب» و«دار الإسلام»، خصوصًا في المنطقة الريفية؛ فيما فضّلت – الباحثة - الربط بين العنصر الثاني (المجتمع القبلي الريفي: الخاصة والعامة) و الثالث (أصحاب معاشات أجذير وصراعاتهم الداخلية من أجل النفوذ والسلطة)، لتتبّع ورصد مكونات

المجتمع الريفي، سواء على المستوى القبائلي أو العشائري، أو العائلي، من دون إغفال الإشارة إلى الامتيازات التي كانت تحصل عليها عائلتان ريفيتان فقط، إحداهما عائلة الخطابي (ص. 108) وقد فضّلت الباحثة، وبشكل فجائي وسلس، ختم هذا الفصل بالتمهيد للمرحلة القادمة من علاقة الخطابي في إسبانيا، والتي سيكون طابعها الشك والريبة والتوتر والصراع (ص. 118-121) في الفصل الثالث (عواقب وانعكاسات الحرب العالمية الأولى على الريف)، عملت ماريا بدقة عالية على تحديد السياقات العالمية التي واكبت بداية مرحلة التشنج والتوتر في علاقة الخطابي بإسبانيا تأثيرًا وتأثرًا. ففي العنصر الأول – من هذا الفصل - (ألمانيا وتركيا ضد فرنسا)، أقرت الباحثة بدور ألمانيا في التحريض على إسبانيا وكذا فرنسا (ص -134134)، إلا أنها لم تفصّل في ذلك، ولم تشف غليل القارئ بتفصيلات هذا الدعم الألماني للريف المناهض للاستعمار، بل اكتفت بزعمها القائل إن دخول تركيا إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى جعل الريفيين يساندون ألمانيا حبًّا بتركيا وانتصارًا للعامل الديني (الإسلام) (ص. 142). أما العنصر الثاني (أول بيان لعبد الكريم مناهض للاستعمار)، فقد اعتبرته الباحثة الطلاق الذي لا رجعة فيه بين الخطابي والسلطات الإسبانية، والذي كان من نتائجه ما أوردته في العنصرالثالثالموسوم ب«أطوار محاكمة وحبس محمد بن عبد الكريم.» تجدر الإشارة إلى أن الباحثة أوردت في سياق هذا الفصل وثيقة مهمة ومثيرة للغاية، إذ إنها تعصف بكل ادعاء يقر ب«التعاون السليم» بين الخطابي وإسبانيا. تقول ماريا: «... وحسب برقية بتاريخ 1 يوليوز9151، تؤكد ‹معلومات موثوق بها› بأن الفقيه عبد الكريم كان ينتظر رجوع ابنه سي محمد، قاضي مليلية ليعمل بشكل علني ضد إسبانيا... ويقول بأن استمرار نجله في مليلية ‹كان بهدف التعرف عليهم بشكل أفضل والنجاح في محاربتهم لاحقًا›» (ص. 145) أما الفصل الرابع (المواجهة ضد إسبانيا)، فله من الأهمية الكثير، لضمه قضيتين لا تزالان تشغلان الرأي العام المغربي والرأي العام الإسباني إلى يومنا هذا، الأولىقضية مجازر الناظور وسلوان وأعروي، في ما يُعرف ب«معركة أنوال» أو ما نعتته ماريا ب«كارثة أنوال». وللإشارة، فإنها أكدت حدوث المجازر وجمعت عددًا كبيرًا من الحجج والبراهين لتبرئة محمد بن عبد الكريم منها وإلصاقها بالقبائل الشرقية (ص. 213) وهنا ننبه الباحثة إلى أن هذا الحكم يحتاج إلى الكثير من الوثائق المختلفة والمتنوعة المصدر، ولا يكفي الاقتصار على الوثيقة الإسبانية لإصدار أحكام كهذه! بل إننا نعلم أن الريف كله، شرقه وغربه، كان آنذاك تابعًا للخطابي؛ وحتى لو حصلت هذه الواقعة، فإننا ملزمون باستحضار العامل الاستعماري بكل همجيته ورعونته. أما القضية الثانية التي تفوق سابقتها أهمية وإثارة، بل إن المجتمع المدني المغربي جعلها ضمن أولوياته ومطالبه في وقتنا الحالي، فهي «الحرب القذرة: استعمال الغازات السامة» (ص. 239)؛ وقد أكدت ماريا استعمال هذا السلاح- المحظور دوليًا- في حق الريف والريفيين، مستعرضة جميع أشكال العنف الهمجي والتجاوزات البشعة وغير الإنسانية التي ارتكبتها السلطات الإسبانية. ولم تكتف الباحثة بالوثائق الإسبانية، بل استحضرت كذلك وثائق مهمة من الأرشيف الفرنسي (ص. 248) يأتي الفصل الخامس (امتداد النزاع إلى منطقة الحماية الفرنسية) ليوضح قوة المقاومة الريفية التي استدعت تحالف قوتين استعماريتين (فرنسا وإسبانيا) بغية القضاء عليها. وقسمت الباحثة الفصل هذا إلى ثلاثة فروع، رصدت من خلال

الأول (عبد الكريم وفرنسا) طبيعة العلاقات التي ربطت الجانبين وكانت تتسم بالمراوحة بين المهادنة والصراع بحسب الظرفية ومصلحة كل جانب. وتشير ماريا إلى أن عبد الكريم كان يفرّق بين إسبانيا وفرنسا، ذلك أنه اعتبر هذه الأخيرة أشد عداوة للمغرب، وأنها دولة مدمِّرة...(ص. 265). وهنا نتساءل، مع الباحثة، عن الأسباب التي جعلت الخطابي يستسلم لفرنسا في نهاية مقاومته، ولم يفعل ذلك تجاه إسبانيا!؟ لتصل في العنصر الثاني (التعاون الفرنسي الإسباني بهدف محاربة عبد الكريم) إلى استعراض جميع أوجه التعاون بين القوتين الاستعماريتين للقضاء على الخطابي، لشعورهما بالخطر الذي يشكله عليهما. انتقلت الباحثة إلى الفصل السادس (بين الحرب والسلم) لإبراز المرحلة الأخيرة من المقاومة الريفية (ضمن العنصر الأول) التي عنونتها ب«من بدء مفاوضات السلام إلى تاريخ استسلام عبد الكريم»؛ وإن كان بعض الباحثين لا يحبذ هذا النعت (الاستسلام). أما العنصر الثاني، فقد كشفت ماريا من خلاله عن فئات لطالما سكت عنها المؤرخون المهتمون بالفترة، وهي «الفارون من الخدمة العسكرية وأسرى الحرب»، وكذا «الوسطاء والمغامرون والتجار المهرِّبون». ونحن إن كنا مدينين لهذا المؤلَّف بمزايا عدة، فإن قضايا هؤلاء والتطرق إلى أحوالهم وأدوارهم، يأتيان في طليعة هذا العمل الجاد. فضّلت الكاتبة في الفصل السابع (عبد الكريم وحاشيته) الرجوع إلى الحديث عن شخصية الخطابي (عبد الكريم، الإنسان)، وكذا وسطه العائلي (الشقيق امحمد والعم عبد السلام)، و (صهرا عبد الكريم: محمد أزرقان ومحمد بوجيبار)، بكثير من التدقيق والإسهاب؛ وكأنها بذلك تريدنا أن نغوص في الجانب الإنساني لهذه الشخصية بعيدًا عن صراعه مع الاستعمار. لذا يمكن اعتبار هذا الفصل بمنزلة استراحة للقارئ. ضم الفصل الثامن (من القبيلة إلى الدولة والأمة) ثلاثة عناصر: أولها «عبد الكريم صانع الوحدة القبلية»؛ ثانيها «عبد الكريم والسلطان»؛ ثالثها «الدولة الريفية وإصلاحات عبد الكريم». ويُعتبر العنصر الثاني ذا أهمية قصوى، لأن موضوع «طاعة» أو«خضوع» الخطابي للسلطان، أو«تمرده» على سلطته، أسال حبر أقلام كثيرة، وما زالت المسألة إلى الآن تشكل موضوع جدال بين الذين يعتبرون المقاومة الريفية موجَّهة ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي لا غير، والذين يدافعون في المقابل عن فكرة أن صراع الخطابي كان ضد السلطان أيضًا (ص. 436) لا يختلف العنصران الثانيوالثالثعن الأول في كونه محط نقاش بين الباحثين والمهتمين إلى يومنا هذا، بشأن موضوع «الجمهورية الريفية» أو «الدولة الريفية»، ومدى علاقتها بالسلطان المغربي وأهدافها. وهنا نسجل ميل طليعة الباحثين والدارسين المغاربة إلى تفادي استعمال مصطلح «الجمهورية الريفية»، وإذا ذ كر، فبشكل محتشم ويوضع بين مزدوجتين. وهُم يقرون بأن الخطابي إنما عمل على «إقامة مؤسسات وأجهزة كفيلة بملء الفراغ الذي أحدثه انهيار سلطة المخزن المركزية من جهة؛ وضعف السلطة الاستعمارية نتيجة هزائمها العسكرية». اهتم الفصل التاسع (النزاع الريفي في السياق الدولي) برصد أغلب سمات التأثير والتأثر بين المقاومة الريفية من جهة، وفرنسا وإنكلترا والعالمين العربي والإسلامي من جهة ثانية. أخيرًا، وفي غياب الخاتمة، أنهت ماريا مؤل فها القيّم بفصل عاشر عنونته ب«عبد الكريم: مرحلة المنفى». وتعتبر هذه الفترة من الفترات التي يكتنفها الكثير من الغموض. وقسمت ماريا

الفصل إلى ثلاثة عناصر: أولها: «النفي إلى جزيرة لارينيون، -9251947»1؛ ثانيها: «اللجوء السياسي في القاهرة، -9471963»1؛ ثالثها: «عبد الكريم ولجنة تحرير المغرب العربي.» يجب أن ننوه هنا إلى أن وجود الخطابي في القاهرة جعله ينسج علاقات متشابكة مع الحركات التحررية العالمية. كما أن خلافًا واختلافًا دبّا بينه وبين القادة السياسيين المغاربة (علال الفاسي، وبورقيبة،...) في شأن مسألة التحرير، وهما يعودان في الأساس إلى اختلاف الاستراتيجيات؛ فالخطابي كان يؤمن بتحرير بلدان المغرب العربي كلها دفعة واحدة عبر تنسيق مسلح ومفاوضات سياسية حين يحل موعدها. أما القادة السياسيون، فإن قناعتهم انبنت على عدم جدوى حمل السلاح، وعلى أن السبيل الوحيد هو المفاوضات السياسية. ويرج ع محمد زنيبر هذا الاختلاف في أثناء حديثه عن الحركة الوطنية إلى الاختلاف في الأجيال والطروحات. ولم يتوان الخطابي في انتقاد الأوضاع السائدة في المغرب بعد الاستقلال، واعتبر «ايكس ليبان» (آب/ أغسطس – أيلول/ سبتمبر 9551) «خيانة » للشعب المغربي. في الختام، نسجل أن هذا المؤل ف القيّم أماط اللثام عن مجموعة من القضايا التاريخية الخاصة بالسياق العام والسياق الخاص للثورة الريفية بقيادة الخطابي، إلا أن هذا لا يمنعنا من تسجيل بعض الملاحظات (إضافة إلى ما ذُكر سلفًا في موضعه:) • اعتبار هذا المؤلَّف امتدادًا لمؤلَّف جرمان عياش، الموسوم ب أصول حرب الريف؛ ذلك أن نقط التقاطع بين المؤلَّفين كثيرة جدًا، وربما يرجع ذلك إلى اعتمادهما النوع نفسه من الوثائق (الأرشيفات الإسبانية على الخصوص.) • إن الباحثة – كباقي الإسبانيين - تخلط بين محمد ابن عبد الكريم وأبيه عبد الكريم، وهو ما يجعل القارئ غير المتخصص في حيرة من أمره، وربما مرد ذلك إلى سهولة نطق عبد الكريم بدل محمد ابن عبد الكريم، أو إلى حب للاختصار، أو اعتبار اسم عبد الكريم اسمً عائليًا. • إيراد مجموعة من الوثائق التي تصل إلى حد التناقض والتضاد، في حين كان على الباحثة مقابلتها ووضعها في سياقها العام والخاص والخروج باستنتاجات وحقائق. • الاعتماد الكلي على الوثائق الأوروبية، كما فعل جرمان عياش في دراسته المشار اليها سلفًا، الأمر الذي يجعلنا، كباحثين، نتخذ الكثير من الحيطة والحذر العلميين. • كون العمل هو الأضخم من حيث الشكل (عدد الصفحات)، والنوع (توظيف الوثائق، والكشف عن جوانب مهمة من تاريخ المقاومة الريفية.)

الهوامش