العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الناس العاديون والسياسة

الناس العاديون والسياسة

Ordinary People and Politics

ساري حنفي* أنسي حنفي **

الملخّص

* أستاذ علم الاجتماع ورئيس قسم العلوم الاجتماعية والدراسات الإعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت. ** طالب في الجامعة الأميركية في بيروت.

Abstract

Book Title: Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East Author: Asef Bayat Place of publication: Stanford, CA Publisher: Stanford University Press Date of publication: 2013 Number of pages: 743

الكلمات المفتاحية:
  • الحياة السياسية
  • الناس العاديون
  • الشرق الأوسط
  • المركزية الأوروبية
Keywords:
  • Political Life
  • Ordinary People
  • Middle East
  • Eurocentrism

الكتاب الكاتب: آصف بيات مكان النشر: ستانفورد، كاليفورنيا (الولايات المتحدة) الناشر: جامعة ستانفورد تاريخ النشر 2013: عدد الصفحات 374:

كتاب الحياة كسياسة عبارة عن مجموعة مقالات وأبحاث ميدانية نشرها آصف بيات في إصدارات أكاديمية متفرقة بين سنتي 0010092 و.2 وهو عمل نبوئي قطعًا؛ فعلى الرغم من أنه نشُر قبل سنة من الانتفاضات العربية، فإنه يحكي الكثير عن كيف انطلق بعضها من خلال «لاحركات» اجتماعية عفوية لا قيادة لها. وحُدثت الطبعة الثانية من الكتاب بعد إعادة طباعته في سنة 0142 مع فصلين إضافيين وتقديم لكتاباته الجديدة عن الانتفاضة العربية والحركة الخضراء الإيرانية.

: الحياة كسياسة: كيف يغيّ أناس عاديون الشرق الأوسط

يقدم بيات في هذا الكتاب انتقادًا مزدوجًا؛ فهو ينتقد رؤية «المركزية الأوروبية» (Eurocentric) التي تعتبر العالم العربي استثنائيًا، مثلما ينتقد المقاربات غير القادرة على إنجاز قراءة تاريخية لمجتمعات الشرق الأوسط والأفعال السياسية لجهاتها الفاعلة. وبرأي بيات، فإن الاقتصار على دراسة الشكل التقليدي للحركات الاجتماعية الرسمية (نقابات عمالية ومنظمات طلابية وأحزاب سياسية) هو مثال للمقاربة «المركزية الأوروبية».

مفهوم الاستثناء هذا جزء لا يتجزأ من الرؤية الاستشراقية التي لا ترى في الإسلام سوى نصوص ثقافية غير قادرة على التأقلم مع الديمقراطية والحداثة. والفصل الأكثر عمقًا في الكتاب هو الفصل السادس، وعنوانه «سياسة المرح»، وفيه يعرض بيات مقاربتين واسعتين تفسران المعركة ضد المرح. فبالنسبة إليه، ليس المنطق الديني الذي يركز على الضلالة عن الله أو الإيمان هو فقط ما يشكل السبب الرئيسي لقمع المرح، بل هناك أيضًا منطق آخر يتمحور حول الأحاسيس الحداثية، بما فيها العقلانية البرجوازية التي ترى أن الحداثة تنبذ المرح الجماعي بسبب مخالفة هذا الأخير للانضباط. ويدحض بيات أيضًا الترابط بين الإسلام السياسي والعنف، ويقدم تحليلً دقيقًا للمسار ما بعد الإسلامي في المنطقة (الفصلان 12 و 15). يقصد بيات ب«اللاحركات» الأفعال الجماعية لجهات لاجماعية كما في مساهمات العاطلين من العمل في الاقتصاد غير المنظم، واستيلاء فقراء المدن على أمكنة عامة لإقامة مساكن عشوائية، وتمكين الزوجات عبر مشاركتهن في خدمات اجتماعية غير رسمية في الحي، والشباب الطامح إلى حياة طبيعية عبر السعي نحو المرح. وبرأينا أن الرؤية الثاقبة الرئيسية في فهم بيات لظاهرة الاحتجاج في منطقة الشرق الأوسط هي مفهوم «الزحف الهادئ»، وهو يختلف فعليًا عن استراتيجيات المقاومة اليومية للبقاء على قيد الحياة، لأن نضالات الجماهير تترك أثرًا مباشرًا في إعادة توزيع للسلع الاجتماعية يأخذ شكل الاستيلاء على وسائل الاستهلاك الجماعي (الأرض والمأوى والكهرباء والمياه...) والمساحات العامة والفرص. وبالنسبة إليه، يمكن أن يكون لهذا الشكل من اللاحركات الاجتماعية، وهو شكل مثير جدًا للاهتمام، أثر عميق في التغيير الاجتماعي؛ فهو يقدم مثالا عميقًا من مصر للملاجئ غير القانونية وعمال الشوارع. ويبيّ أن الشرطة والحكومة لا تستطيعان وضع حد لهذه الأنشطة غير الشرعية على الرغم من أنهما، بإرسال إشارات متضاربة عن هذا الزحف الهادئ، مضطرتان إلى تقديم وسائل المعيشة أو الاستهلاك الجماعي في الأحياء (التي تضم أبنية غير قانونية). يتضمن القسم الأول من الكتاب (الفصول -36) تحليلً ل«اللاحركات الاجتماعية» و«الزحف الهادئ» في الحياة اليومية العادية الذي يقوم به الشباب، وفقراء المدن، والنشطاء الاجتماعيون، والنساء. ويظهر التعقيد في فكر بيات أكثر في القسم الثاني (الفصول -711) («سياسة الشارع والشارع السياسي»)، وكذلك في القسم الثالث (الفصول -12 15)، وخصوصًا الفصل 21 عندما يناقش ما إذا كان هناك مستقبل للثورات (الإسلامية). إذا لم تحصل حركة اجتماعية يصاب المجتمع بالثبات والجمود، ويصبح مبعث الأمل الوحيد للتحول الديمقراطي هو الدولة القادرة على إصلاح جهازها، وهذا الأمر خاطئ قطعًا. ويُعتبر الفصل 2 مهمً لتفنيده تقرير التنمية البشرية العربية 0022 الصادر عن الأمم المتحدة، وهو بيان يصور الحرية الاقتصادية باعتبارها الشكل الرئيسي للحريات، ومقاربة «نخبوية» ليست قائمة فقط على عدم الثقة ب«السياسة من الأسفل»، بل أيضًا على تصور ليبرالي عن الدولة كجهاز حيادي يمثل المصالح العامة (ص. 39) ويُظهر آصف بيات، بهذا التحليل، موهبته كعالِ اجتماع بارز يستطيع قراءة الأحداث الكبيرة والصغيرة التي تصوغ شكل الحركات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن نبوءته لم تفسر الانتفاضات العربية إلا بشكل جزئي. صحيح أن اللاحركات الاجتماعية استطاعت إسقاط أنظمة كما جرى في تونس ومصر واليمن، لكن تبيّ أنها غير قادرة على المشاركة في الفترة الانتقالية نحو الديمقراطية. وربما تكون هذه هي النقطة التي توضح محدودية قدرة اللاحركات الاجتماعية والزحف الهادئ

للناس العاديين على توفير بديل من الدكتاتورية. لقد كان الإسلاميون، مثل الإخوان المسلمين والسلفيين، هم الأفضل تنظيمً في صيغ مختلفة (حركات ولاحركات اجتماعية)، وهو ما أتاح لهم أن يصبحوا فعالين جدًا في تعبئة السكان للثورة وفي تصويت الأخيرين لهم لاحقًا. وهكذا يبدو كتاب الحياة كسياسة لنا قراءةً في مجتمعات الشرق الأوسط مبالغة في تنظير الجانب الاجتماعي ومقلِّة في تنظير الجانب السياسي. بيد أن المبالغة في تنظير الجانب الاجتماعي أفضل دومًا من غيابه. وهذا هو في الواقع اتجاه الدراسات الأكاديمية عن الانتفاضات العربية: الكثير منها يركز على النواحي الجيوسياسية أكثر من تركيزه على الديناميات الداخلية الاجتماعية والسياسية؛ بل الأسوأ هو أنها تركز على الجوانب غير العادية (الأعمال العسكرية والتطرف والقاعدة وغيرها) بدلا من الجوانب العادية المتجلية في السياسة والمقاومة الشعبية. ولكن للإنصاف، فإن كتاب بيات بأكمله غني نظريًا ومترابط بقوة. وقد جرت مناقشة محدودية نموذجه النظري وعدم قدرة اللاحركات الاجتماعية على مرافقة الثورة في يومها التالي في كتابات أخرى له. وستكون قضية قصور نموذج بيات النظري في كتابه هذا موضوع قراءتنا لأعماله بعد سنة.2011 لقد احتل آصف بيات المرتبة الثانية بعدد مرات ذكْره (42 مرة) بعد صمويل هنتنغتون (31 مرة)، في كتابنا عمن يؤطر الكتابات الأكاديمية عن الانتفاضات العربية (حنفي وآخرون، يصدر قريبًا) الذي نحلل فيه 052 مقالة باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية. وهناك جانبان يؤهلان بيات ككاتب بديل «نظريًا»: الأولهو أن كتاباته تقوم غالبًا على معرفة تجريبية عميقة بعيدة المدى لبعض المجتمعات في الشرق الأوسط (مصر وإيران)، والثانيهو أن مستوى التعقيد في آرائه يعكس تعقيد الانتفاضة العربية، ويربط العمق التاريخي بالسياسي والاقتصادي والاجتماعي. فهو يرى مثلا أن ردات الأفعال المتناقضة في الكتاب بشأن الثورة - إشادة وندبًا - تعكس الواقع المتناقض ل«الثورات» العربية؛ ففي حين تقيّم ك«حركات»، وهذا هو السرد السائد في معظم الإنتاج المعرفي عن الثورات العربية، فإن قدرتها على إحداث «تغيير» وفق هذه السرد لا تستحق الإشادة، على الرغم من قلة الكتابات، كما يقول، عن كيفية مواجهة هذه التحديات (الفصل 31). ويؤكد بيات أن «وجود عالم يحتاج إلى ثورات لايعني أنه يحوز القدرة على توليدها، إذا افتقد الوسائل والرؤية الضروريتين لإجراء تحول جوهري». والواقع أن ما حدث هو أن «عددًا قليلا من النشطاء العرب (وأضيف المثقفين والباحثين) كان لديهم حقًا تصور استراتيجي عن ثورة... كانت الرغبة عمومًا هي إجراء إصلاحات أو تغيير حقيقي في الهيكليات السياسية القائمة». ويتجلى هذا الأمر بوضوح في قلة الإنتاج المعرفي خارج الأيديولوجيا «المعيارية» عن الإصلاح. وبعبارة أخرى، على الرغم من أن عددًا كبيرًا من الكتّاب اتخذ موقفًا إيجابيًا من الثورات، فإن أيًا منهم لم يعالج القضية وفق منهجية «ثورية» حقيقية. في ضوء ما سبق، يشير بيات إلى الثورات العربية بتعبير « refolutions » الذي يشرحه على أنه «ثورات تهدف إلى الضغط لإجراء إصلاحات في مؤسسات الأنظمة القائمة ومن خلالها»، ويقول إن ذلك يحدث في ظل مناخ فكري يهيمن عليه تقدم عالمي تحققه الأيديولوجيا الليبرالية الجديدة وتغنيه روح المصلحة الذاتية الفردية والتراكم. ورأى أنه حتى تسعينيات القرن الماضي، كانت الأيديولوجيات الرئيسية الثلاث المهيمنة تقدم استراتيجيات للتغيير الجوهري في العالم العربي: القومية المناهضة للاستعمار والماركسية والإسلامية. وتتجلى هنا بوضوح نتيجة مهمة: التغيير الاجتماعي في الظروف المحلية يتأثر

بشكل حتمي بالتحولات الأيديولوجية العالمية. فالثورات المعادية للاستعمار السابقة «تحولت إلى مديري نظام ما بعد استعماري، وفشلت إلى حد كبير في الوفاء بوعودها؛ وتحولت حكومات قومية في كثير من الحالات إلى أنظمة مستبدة، مثقلة بالديون، ومن ثم حاولت تنفيذ برنامج إصلاح هيكلي ليبرالي جديد، هذا إذا لم تُطَح بانقلاب عسكري أو تقوَّض نتيجة مؤامرات إمبريالية»، بينما شهدنا بعد التسعينيات ظهور ما يدعوه اتجاهات «ما بعد إسلامية» (مثل حزب النهضة في تونس) الذي «يهدف إلى تجاوز السياسة الإسلامية من خلال تشجيع صيغة مجتمع ورع ودولة علمانية، والجمع بين التدين والحقوق بدرجات متباينة». وشهد بيات، مثل فرانسوا بورغا، احتضار اليسار العربي وهيمنة أيديولوجيتين سياسيتين هما الليبرالية الجديدة من جهة (كونها الأيديولوجيا العالمية الأكثر نفوذًا) وما بعد الإسلامية من جهة أخرى، وكلتاهما تتشارك في حكاية الإصلاح. باختصار، نادرًا ما كان يعبّ جيدًا وبوضوح عن الارتباط بين السياسة والاجتماع من قبل رموز علم الاجتماع البارزين. لكننا بيّنا أن عددًا كبيرًا من مراكز الأبحاث (فريدوم هاوس، ووحدة المعلومات الاقتصادية، ومبادرة الإصلاح العربي... إلخ) درس مؤشرات رسمية أثبتت فائدة في تتبّع التحولات الدقيقة في العالم العربي، وتحديد أي دولة شهدت تغييرًا في الحكم وانتقلت إلى سيادة القانون، بيد أنها فشلت في دراسة إمكانية إعادة هيكلة حقيقية اجتماعية وسياسية. أخيرًا، يقدم كتاب الحياة كسياسة وكتابات آصف بيات اللاحقة آراء معمّقة ومتفائلة لوضع تجري فيه بدائل اجتماعية - سياسية للصمت والعنف في المنطقة (سمّه هو فن الحضور). والكتاب جدير جدًا بأن يقرأه، ليس الأكاديميون فقط، بل أيضًا الناشطون الذين يكافحون طغيان السوق النيوليبرالية وقمع الدكتاتورية والمحافظة الأخلاقية لرواد الأعمال الدينيين.

الهوامش

(2) انظر أيضًا:

(3) المصدر نفسه، ص.49 (4) المصدر نفسه، ص.58 (5) المصدر نفسه، ص.53 (6) المصدر نفسه، ص.54 (8) المصدر نفسه، ص.57

المراجع

Book

Periodicals