العودة إلى تفاصيل المؤلَّف للطائفيّة تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وَحَداتٍ سياسيّة

للطائفيّة تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وَحَداتٍ سياسيّة

Sectarianism Has a History: On the Formation of Sects and Political Units

أحمد بيضون*

الملخّص

يركز المقال على الجانب المتغير أو المتحوّل في المسألة الطائفية، ويبحث في الحبكات الطائفية القائمة في أقطار مختلفة من المشرق العربي، مع تأكيد الاختلاف بينها؛ فالطائفية طائفيات إذن. ويعالج الكاتب بنظرة ثاقبة، سبل التنازع والتضامن والتكوين الطائفي الخاص للمجتمعات في المشرق العربي، منتقلًا من لبنان إلى العراق إلى سورية ومصر. وهو في تشديده على خصوصية كل حالة، يتقصى، وبتركيز على الواقع اللبناني، صيرورة ما يُطلَق عليه اسم "التبلّر الطائفي"، حيث بمقدار ما يكون المسار التاريخي لطائفة من الطوائف قد أفضى إلى الاستكثار من المؤسسات ذات الصفة الطائفية وإلى نشرها على قطاعات الحياة الاجتماعية على اختلافها، تكون الطائفة قد أدركت مرحلة أعلى من مراحل التبلّر. في وجه التحدي الذي تشكله صيرورة التبلّر الطائفي بالنسبة إلى سلطة الدولة وتهديدها بالانفراط، ومع استقواء هذا التحدي ضمن واقع أن الطائفية تقدم أيضًا جوابًا على ذَواء دولة الرعاية، يطرح الكاتب، كمقابل لنظم المُحاصّة الطائفية، الذي يجري التسويق لها كالأنظمة السياسية الصالحة لما يسمّى "المجتمعات المركّبة"، يطرح معالجة جديرة بالتأمل، وهي إنشاء مؤسّسات سياسية وحقوقية توفّر ضمانات تقمع التمييز على أساس الطائفة على غرار قمعها التمييز، في الصيغة المعاصرة لحقوق الإنسان، على أساس العنصر أو الجنس أو اللغة .. إلخ.

Abstract

In examining the sectarian fabric present in various parts of the Arab Levant, Ahmed Beidoun stresses the aspects of difference, suggesting that “sectarianism” is in fact “sectarianisms”. Beidoun provides powerful examples of sectarian conflict, solidarity, and formation particular to the societies of the Levant, moving from Lebanon and Iraq to Syria and Egypt. In his emphasis on the specifics of each case, paying particular attention to Lebanon, he investigates the process which has been termed “sectarian crystallization”, in that as the historical course of a sect leads to a monopolization of the institutions of a sectarian nature and its spread to the various sectors of community life, the sect achieves a higher degree of crystallization. The process of sectarian crystallization represents a challenge to the authority of the state and even threatens it with collapse. With this challenge growing worse, and with sectarianism advancing in response to the ailments of the paternalist state, the author proposes a different way of tackling this predicament. As opposed to systems of political quotas, which are promoted as political systems appropriate for “composite societies”, he proposes the creation of political and rights institutions that provide safeguards against discrimination on a sectarian basis similar to those which, in the contemporary formulation of human rights, prevent discrimination of the basis of race, gender and language.

الكلمات المفتاحية:
  • الطائفية
  • الطائفة
  • التبلّر الطائفي
  • سلطة الدولة
  • مجتمعات مركبة
Keywords:
  • Sectarianism
  • Sects
  • Sectarian Crystallization
  • Authority of the State
  • Composite Societies

يركز المقال على الجانب المتغير أو المتحوّل في المسألة الطائفية، ويبحث في الحبكات

الطائفية القائمة في أقطار مختلفة من المشرق العربي، مع تأكيد الاختلاف بينها؛ فالطائفية

طائفيات إذن. ويعالج الكاتب بنظرة ثاقبة، سبل التنازع والتضامن والتكوين الطائفي

الخاص للمجتمعات في المشرق العربي، منتقالً من لبنان إلى العراق إلى سورية ومصر.

وهو في تشديده على خصوصية كل حالة، يتقصى، وبتركيز على الواقع اللبناني، صيرورة

ما يُطلَق عليه اسم «التبلّر الطائفي»، حيث بمقدار ما يكون المسار التاريخي لطائفة من

الطوائف قد أفضى إلى الاستكثار من المؤسسات ذات الصفة الطائفية وإلى نشرها على

قطاعات الحياة الاجتماعية على اختلافها، تكون الطائفة قد أدركت مرحلة أعلى من

مراحل التبلّر. في وجه التحدي الذي تشكله صيرورة التبلّر الطائفي بالنسبة إلى سلطة الدولة وتهديدها

بالانفراط، ومع استقواء هذا التحدي ضمن واقع أن الطائفية تقدم أيضًا جوابًا على ذَواء

دولة الرعاية، يطرح الكاتب، كمقابل لنظم المُحاصّة الطائفية، الذي يجري التسويق لها

كالأنظمة السياسية الصالحة لما يسمّى «المجتمعات المركّبة»، يطرح معالجة جديرة بالتأمل،

وهي إنشاء مؤسّسات سياسية وحقوقية توفّر ضمانات تقمع التمييز على أساس الطائفة

على غرار قمعها التمييز، في الصيغة المعاصرة لحقوق الإنسان، على أساس العنصر أو

الجنس أو اللغة.. إلخ.

الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تحت عنوان «المسألة الطائفية وصناعة الأقليّات في المشرق العربي الكبير».

شتاء 2015

زمن الدِّين وازدراء العابر

تغري الظواهر المنسوبة إلى الدِّين أو المستظلّة به أهلَها بتعيين أصل لها في الأزل أو في ما هو

بمثابته. وهو ما لا يعتّم أن يرتدّ إلى مستقبل الظاهرة فيجعل له مدى منبسطًا إلى الأبد أو إلى

ما شاء الله، على ما تملي العبارة الإسلامية. يعود هذا الميل إلى استواء الدِّين نفسه منشئًا لحقيقة متعالية عامّ

يسم إدراك البشر من تغير ونسبية، ومبرشًّا بخلود في الحياة الأخرى يزري بما يعتور حياة البشر في الدنيا،

والدنيا بأرسْها، من هشاشة زمنية وقابلية للفناء. فإن في هذا الأصل أو النموذج الذي تقدّمه حقيقة

الدِّين، على الصورة التي يرى الدِّين نفسُه حقيقتَه، ما يصبح قالبًا يحكم نظرة أهل الدِّين إلى الظواهر

وفيصالً بين ما يعدّ إيجابيًا وما يعدّ سلبيًا من صفاتها. وعلى التعميم، يعدّ ساميًا، بموجب هذا القالب، ما

يكون أصله موغالً في القدم موافقًا للحظةٍ يعين فيها أصل القيمة أو قريبًا منها أشدّ قربٍ ممكن. وفي مساق

البعد الآخر للزمن، أي المقبل، يعتبر قيامً ما كان موعودًا بديمومة لا يعرف لها آخر.

على أن الدِّين نفسه يجعل لكلّ شأن دنيوي أواّلً وآخرًا، معتبرًا أن لكلّ شيءٍ مخلوق بدءًا في الزمن وأن له

أجالً محتومًا. فكيف والحالة هذه يرفع الدِّين أو أهله من قيمة ما يختصّ به أو ما ينسبونه إليه من الوقائع؟

تستدعي عملية التمجيد هذه أن يجعل أصل الواقعة مقدّسًا، أي ممتّعًا بصفات خارقة للمنطق الدنيوي،

وكذلك مآلها. فيتولى التقديس تعويض ما يتسبب به التناهي في المدّة من نقصٍ في القيمة. تتقدّس الواقعة

بنعمةٍ من الله أو بما هو بمعنى النعمة. فتُبطل النعمة ما توحي به محدودية استمرارها في الزمن الدنيوي

من ضعف وقابلية أصلية للفناء. على أن بداية الظاهرة، وهي في إبّانها، تبدو أحوج إلى التقديس عادةً من

نهايتها. فإن البداية معينة في التاريخ ويبقى عمرها قصيرًا، في عين الأزل، وإن طال. وأما النهاية، وهي ما

لم يحصل بعد ولا تجسّدت له صورة في الواقع، فإنها تبقى مفتوحة على نهاية كلّ شيء، أي على فناء العالم

المفضي إلى الأبدية. بل إن الواقعة الدِّينية، في إيمان الآخذين بها، هي صورة الخلاص والخلود المقبلين

والمرْكب إليهما في آن. وفي كلّ حال، تشي هذه المعاملة لما يحصل في الزمن بما ينطوي عليه العقل الدِّيني

أو النفس المتدينة بالأحرى من إزراء بالزمن، بما هو مضمار للتغيير، ومن تعلّق بالثوابت وبالديمومة.

ويبدو هذان الإزراء والتعلّق عبارةً، في مجال التاريخ والنظر فيه ومعاناته، عن كراهة الفناء التي هي في آخر

مطافها رفضٌ للموت يجد مخرجًا من توتّره الرهيب في اعتماد الموت لحظة دخولٍإلى الخلود. على وجه الإجمال، لا ينجو المؤرّخون المتشرّبون بالتصوّر الدِّيني للزمن (وهؤلاء قد لا يرون أنفسهم

متدينين) من هذا الميل العميق الغور إلى كراهة التغير والتعلّق بالثبات وإلى جعل الديمومة صفةً لما يولونه

قيمة مبدئية في تواريخهم، وهو ما يضاعف المشقّة في كلّ ترسّم يتوخّى الموضوعية للمتغيرات في مسار

جماعات من قبيل الطوائف الدِّينية وفي مواقفها من نفسها بما هي جماعات. فيعرسُ تتبّع ما يعتمل فيها من

(((انظر مثالً بصدد الاختلاف بين تراث أديان التوحيد والتراث الصيني في تقويم الثبات والتغير: Jacques Gernet, «Le Changeant

et l’immuable: Quelques réflexions à propos de la Chine,» Actes de la Recherche en Sciences Sociales , vol. 100 (1993), pp. 27-31. Henri-Charles Puech, En Quête de la gnose , bibliothèque des sciences: بصدد التصوّر المسيحي للزمن (((انظر مثالً

humaines, 2 vols. ([Paris]: Gallimard, 1978), vol. 1, pp. 224-225. Louis Gardet, Les Hommes de l’Islam: Approche des mentalités , le temps et les hommes وبصدد التصوّر الإسلامي:

[(Paris]: Hachette, 1977), pp. 279-280.

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

دواعي التوحيد والتنازع وما تطرحه من مهامّ البناء الذاتي ومن المطالب الموجّهة إلى السلطات وما تؤول

إليه مواقفها من جماعات الأغيار، بَعيدها وقريبها، ومن الدولة أو الدول المتدخّلة في مصائرها.. إلخ. ففي صلب الصورة التي تحملها الجماعة الطائفية لنفسها يحضر مثال يراد حفظه أو تحقيقه ويمثّل المذهب،

لا بما هو شرعٌ فحسب بل بما هو فلسفة وأنظمة قيم مختلفة أيضًا، تفصيالً وتبويبًا له ويمثّل الأشخاص

المقدّسون حرّاسه. وهذا كلّه يُفترض له ثباتٌ مرموق على الزمن، فيمسي عسيرًا اعتماد مقاييسَ من خارج

هذه المنظومة وتراتبٍ لوقائع التاريخ الزمني للجماعة يأخذ بقِيمٍ غير ما تعتقده الجماعة في نفسها. وهذا

مع أن من يتمكّنون من ركوب هذا المركب من داخل الجماعة أو من خارجها لا يفوتهم أن المذهب نفسه

منقسم دائامً على نفسه، وأن منظومة دلالاته، في جملتها، تختلف من ظرف زمني أو مكاني إلى آخر، وأن ما يسوق هذا الاختلاف من عوامل وما ينتهي إليه من صيغ جديدة لا يعللها الدِّين وحده أو المذهب بحال

وإنما يقع منها مواقع تختلف فاعليته بين عللها قوّةً وضعفًا بحيث يمكن ألا يتعدّى مقامه مهمّة التسويغ

لانصياع أتباعه لدواعٍ أخرى تصدر من دوائر غير دينية ولا مذهبية.

نحو المذهب الطائفة؟

ذاك ما جعل التسليم يحصل من جانب الجادّين من المؤرّخين والاجتماعيين، على وجه الإجمال، بأن الطائفة

غير المذهب قطعًا، وبأن الطائفية، بما هي موقف في الجماعة المذهبية، شيء مختلف عن التعلّق بالمذهب،

وبأن المذهب، في كلّ حال، يذهب في الزمان مذاهب شتى فلا يكون موافقًا لما يحسب أنه نفسه ودوره

في أي في وقت من الأوقات. وذاك ما جعل أكثر الدارسين تمحيصًا للطائفية اللبنانية، مثالً، يلاحظون أن

طوائف لبنان الحديث إنما هي أقرب شبهًا بالقبائل التي هي وريثتها منها ب«الجماعات الروحية»، وهذا مع

العلم أن هذا الاسم الأخير هو الذي يحبّ أركانها أن يطلقوه عليها. بخلاف المذهب الذي قد يلفى له وجود متواصل بين دولتين أو أكثر، فلا تنتقص من تواصله الحدود

السياسية، وقد يتمثّل في جزر متفرّقة بين الدول هي الطوائف المنتمية إليه، كان وجود الطائفة يتعلّق في

الزمن المعاصر بتوطّنها دولةً واحدة وباستوائها مكوّنًا من المكوّنات الدِّينية أو المذهبية لهذه الدولة. وهذا

مع العلم أن نزوعًا سياسيًا إلى إلباس المذهب لبوس الطائفة يسعه أن يدخل الخلل إلى هذا الحدّ أو ذاك

إلى شرط الدولة هذا، وإلى واحدةٍ أو أكثر من الدول التي تشملها نزعة التوحيد مبدئيًا. هذا الخلل هو ما

بات يفاقمه اليوم «إلغاء الحدود» وتَواصلُ التواصل بين البشر، أفرادًا وجماعات، بفعل وسائل التواصل

والنشر المعاصرة دونما اعتبار لموانع سيادية من أي نوع.

(((يوجز فنار حداد هذا الواقع بصدد العراق بقوله «أن لا شيء يمكن قوله عن السنّة كافّةً أو عن الشيعة كافة.»

Fanar Haddad, «Sectarian Relations and Sunni Identity in Post-Civil War Iraq,» in: Lawrence G. Potter, Sectarian Politics in the Persian Gulf (London: Hurst and Company, 2013), p. 87, note 50. (4) Kamal Salibi, «Tribal Origins of the Religious Sects in the Arab East,» in: Halim Barakat, ed., Toward a viable Lebanon (London: Croom Helm; Washington: Center for Contemporary Arab Studies, Georgetown University, 1988), pp. 15-26.

(((منذ سنة 995 1، ارتأى برتران بادي أن يتّخذ عنوانًا لأحد كتبه نهاية الأقطار، أي نهاية النظام القائم على سيادة كلّ دولة على

Bertrand Badie, La Fin des territoires: Essai sur le désordre international et sur:قطر من الأرض ذي حدود مرسومة. انظر l’utilité sociale du respect , l’espace du politique (Paris: Fayard, 1995), Introduction.

شتاء 2015

مع هذا، لا تزال الطائفة جماعة من جماعات متناظرة يتشك ل منها مجتمع ذو وحدة سياسية مبدئية. ويمثل

المذهب الواحد موئالً لوحدة الطائفة، في حدّها الأدنى، أي وحدة الاسم والهوية، وهذا مع احتمالٍقائم

لتخطّي دوره هذا المستوى الأولّي ولاختّاذه مرجعًا ومعيارًا لأنواع دينامية من التوحيد. وفي كلّ حال، تعدّ

الطائفة نفسها، من جهة أولى، مشتركة في تاريخ المذهب العام - وهذا، في وجه من وجوهه، تاريخ مقدّس -

وتكون منفردة، من الجهة الأخرى، بتاريخ خاص بها، بما هي جماعة موحّدة الإقامة في أرض وطنية بعينها.

هذا ولا تحول الوحدة، اسمية أكانت أم مركّبة، دون نشوء التنازع والانقسام في صفوف الطائفة. وقد تتبع

خطوط الشقاق خطوط التشكيلات الطبيعية أو التقليدية في الطائفة من جهوية وعوائلية أو عشائرية وما

شابه، وقد تكون خارجة عن نطاق هذه العصبيات فتحدث فيها صدوعًا فضالً عن تصديعها الجماعة

الطائفية بأسرها. وعلى غرار الجماعات العصبية، بعامّة، يتعلّق جدل التوحيد والتنازع في الطائفة وما يقتضيه هذا أو ذاك من

وحدة في التعبئة أو من تعدّد في وجهاتها، بالتغاير بين الجماعات في المجتمع الكيلّ وبما يلازمه من تنافس قد

يرتفع إلى درجة الخصومة أو العداوة. ولا ريب في أن المذهب يعود إلى مزاولة دوره ههنا فيسهّل انتشار

الأثر التوحيدي والتعبئة من بؤرة له إلى بؤر أخرى، مبتدئًا تجاذبًا لمختلف الصور والمفاعيل مع الدول

القائمة بحدودها الاجتماعية والقانونية والسياسية. ويتبع هذا كلّه التاريخ بما هو ظرف حافز أو مانع،

ولا يتبع المذهب بتصوره الأزلي لنفسه بل هو قد يحدث في هذا التصوّر تغييرًا متباين العمق فيعيد صوغ

المذهب ورسم خطوط القسمة بين التيارات المعتملة فيه، جديدها وقديمها.

سبُل التنازع والتضامن

على التعميم، ينحو نشوء الخصومة أو النزاع بين طوائف موزّعة على ديانتين إلى استحثاث قدْرٍ من

التضامن في صفّ كلّ من الديانتين بالقياس إلى المعهود سابقًا في الأقل. وأما اندلاع الشرّ بين طائفتين

منتميتين إلى ديانة واحدة، فيرجّح أن يؤول إلى التقارب بين طوائف الديانة الأخرى وإلى حصول قدرٍ

من السيولة في الحدود المرتسمة بينها. يظهر هذا الأمر بقدر من الوضوح في الحالة اللبنانية الراهنة وفي

المسار التاريخي الذي انتهى بالمجتمع اللبناني إلى الحالة المذكورة. ففي السنوات التي أعقبت تحرير الشريط

الجنوبي من الاحتلال الإسرائيلي وشهدت الغزو الأميركي للعراق ثم الانسحاب السوري من لبنان بعد

اغتيال رفيق الحريري ثم الحرب في صيف 0062 بين حزب الله وإسرائيل، تدرّجت القسمة السياسية التي

طالما شطرت لبنان شطرين إلى مواجهة ما بين السنّة والشيعة فيما كان قد غلب على هذه القسمة الطابع

الإسلامي المسيحي في أعوام الحرب الطويلة التي كانت قد شهدتها البلاد وفي عشاياها وغدواتها أيضًا.

في تلك السنوات، كان التنافس الشيعي - السنّي قائامً، وكان يجد وقوده، إلى موازين السلطة والمكانة، في

اختلاف النظرة النسبي إلى الكفاح الفلسطيني. ولكن هذا التنافس بقي، على ترجّحه بين صعود وهبوط،

ملجومًا على وجه الإجمال، ولم تكن النظرة المشار إليها بمنجاةٍ من الترجّح في الجهتين أيضًا.

(((انظر بهذا الصدد مثال الشيعة اللبنانيين في العقود الأخيرة في: أحمد بيضون، «أشياع السنّة وأسنان الشيعة: كيف حلّ بلبنان هذا

البلاء؟»، في: حازم صاغية، إعداد، نَواصبُ ورَوافضُ: منازعاتُ السُنّة والشيعة في العالَم الإسلامي اليوم (بيروت: دار الساقي،

0092)، ص 11 - 36، وعلى الأخص ص.17-14

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

كان هذا التقارب الإجمالي بين الموقعين يصدي لتقارب سياسي بين قوى الطوائف المسيحية المختلفة بدا أوثق منه عُرىً، لوجود طائفة رئيسية واحدة في الصف المسيحي، ولو أن التقارب شهد هنا أيضًا

خروقًا جسيمة راحت تزداد اتّساعًا مع اقتراب الحرب من نهايتها. وأما العقد الأخير، فقد شهد انفجار

الدمّل السنّي - الشيعي الذي كان قد ألهبه بقاء السلاح في يد حزب الله بعد تحرير الشريط المحتل، ومعه

اشتداد الاستقطاب الإيراني - السعودي في ساحات الشرق العربي على اختلافها، ثم دخول حزب الله

بسلاحه ساحة الحكم وموازينه، وكان قد بدا عازفًا عن دخولها مباشرةً طالما بقي الوصي السوري متولّيًا

تدبير مصالحه السياسية. في هذا المساق، قابل القسمةَ السنية - الشيعية وضعٌ مسيحي تنازعته وجهتان

متعارضتان. فمن جهة أولى أخذ المسيحيون يبدون وكأنهم طائفة واحدة تجمعها أطر سياسية مشتركة في ما بينها، وهذا تأكيد لمنحى كانت سنوات الحرب وعشاياها قد باشرت فرضه. ومن الجهة الأخرى،

توزّع المسيحيون بين ضفّتين لخندق سياسي عميق يعسكر على إحداهما معظم السنّية السياسية ويعسكر

على الأخرى التشيع السياسي في جملته تقريبًا. هكذا بدا المسيحيون طوائف موحّدة وساسةً وأحزابًا

متفرّقين، وبدوا، بخلاف كلّ من الطائفتين الإسلاميتين الكبريين، مضمحيلّ القدرة عمليًا على المبادرة

السياسية الجامعة، وهذا بعد أن كانوا لعقود امتدّت بين إنشاء لبنان الكبير سنة 9201 واندلاع الحرب

اللبنانية سنة 9751 قابضين على زمام السلطة الفعلية في البلاد. لا يفهم هذا التحوّل اللبناني، وقد مهّدت له تحولّات بطيئة في موازين طائفية مختلفة: سكّانية واقتصادية

وتعليمية... وعزّزه الانتماءُ المذهبي لقطْبَي النزاع البارزَين في الشرق الأوسط، إلا في ضوء التكوين

الطائفي الخاصّ بالمجتمع اللبناني، وهو تكوين أقلّيات كثيرة بينها ثلاث كبيرة. ويقلل النظام السياسي، في

كلّ حال، من وقع التباين بين أحجام هذه الأقلّيات إذ هو يستبعد مبدئيًا منطق الغلبة والفرض ولكنه لا

يفلح في ردعهما بل يتعطّل هو نفسه حال وقوعهما تعطّالً تلوح في أفقه الحرب الأهلية. تلك «صيغة» لا نقع على نظير لها في قطر آخر من أقطار الشرق العربي. وهذا مع أن الأزمة الجارية في العراق، وما جرّته من عنف أهلي خطِر في ظل الاحتلال الأميركي وبعده،

وما بدا آخذًا في التفاقم من صدوع ظهرت في كيان العراق الوطني ولا تزال معالجتها تزداد صعوبة،

قد سوّغت كلّها التحدّث من جانب معلّقين كثر عن «لبننةٍ جارية للعراق». يشير هذا الحديث إلى قدر

من الشبه بين المجتمعين، لا في طبيعة النزاع الذي يعصف بهما فحسب بل أيضًا في تكوينهما الأساسي. ففي العراق أيضًا تبرز مكوّنات ثلاثة رئيسية: طائفتان وجماعة قومية تتجاذب ميزان السلطة العامة

والمنافع المتّصلة بها وشروط بقاء الدولة. ومع أن هذه المكوّنات متباينة الأوزان البشرية والمقدّرات

المترتبة على الانتشار وعلى التكوين الاجتماعي السياسي لكل منها وعلى الأحلاف الخارجية المتغايرة،

ومع أن كالً من الطائفتين انفردت بقدر من الهيمنة في ردحٍ من تاريخ العراق المعاصر، فإنه لا يمكن

اعتبار أيًا من الجماعات الثلاث ثانوية أو ناقصة الأهلية في أي تفاوض على مستقبل العراق أو تصرّف

بمصير الدولة العراقية.

(((راجع تناوالً أوسع مجاالً لمسار المسألة اللبنانية بعد اتفاق الطائف في: أحمد بيضون، لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود

(بيروت: دار الساقي، 0122)، ص 55 -.64

شتاء 2015

هذا التوازن الرمزي بما يحتمله من أشكال الخلل الواقعي هو وجه الشبه الذي ظهّرته الأزمة العراقية

الجارية بين الحالتين العراقية واللبنانية. على أن الشبه يتوقّف، في الواقع، عند هذا التصدّر الذي حظيت

به الطائفية في المجتمعين، وهو تصدّر كان مسلاّمً به للبنان مدرجًا في نظامه السياسي وكان، إلى السنوات

الأخيرة، منكرًا في الحالة العراقية تصنّف بوادره، بالغةً ما بلغت من القوة، في خانة الشذوذ عن السوية

الوطنية. في ما خلا تصدّر الطائفية هذا وما يجرّه من احتمالات مبدئية للتنازع الأهلي وللتعثر في حكم

البلاد وتسيير شؤونها، يبقى لزامًا النظر في أزمة كلّ من المجتمعين ومستقبل وحدته ونظامه السياسيين

بعين الإدراك لانفراد كلّ منهما بتكاوينه الاجتماعية التفصيلية وبتقاليد العلاقات بين مكوّناته وبشبكة

العوامل المحيطة التي تندرج فيها حالته.. إلخ.

الإنكار السنّي

على أن حديث الطوائف والطائفية الذي يبقى مقبوالً في حالتي لبنان والعراق (أو هو أصبح مسلاّمً به في

الثانية من هاتين الحالتين أيضًا) يثير اعتراضًا جسيامً يتحدّى ظاهر الحوادث حالما يتعلّق البحث بشؤون

مجتمعات أخرى في الشرق العربي: مصر وسورية، مثاالً لا حصرًا. وهذا مثال أو هما مثالان، بالأحرى،

يسوّغ اختيارهما ما يشهده المجتمعان من اضطراب على الصعيد الذي هو موضوع عنايتنا هنا. من ذاك أن

أهل السنّة من السوريين، وهم نحو 70 في المئة من السكّان، اعتادوا أالّ يحتسبوا أنفسهم طائفة من طوائف

البلاد، وهذه كثيرة يفيض بعضها عن حدود الديانتين الكبيرتين المستقرّتين في البلاد. ولا كان أهل السنّة

هؤلاء يعدّون ما يتقاسم جماعتهم من مواقف معلنة أو «كامنة» من الطوائف الأخرى مواقف طائفية.

فالطوائف ومصادر الطائفية هي الآخرون، وأما أهل السنّة فهم جماعة المسلمين لا أكثر ولا أقل. والواقع

أن هذا الموقف عثماني الأصل، ويمكن أن يعاين بالتالي في دولة لبنان الجارة التي لا يمثّل فيها أهل السنّة ولا

أي طائفة منفردة غيرهم أكثرية السكّان المطلقة. ومن ذاك أن تذكرة الهوية العائدة إلى المواطن السنّي كان

يذكر عليها في خانة المذهب، لبضعة عقود خلَت، «مسلم» لا غير، فيما كانت تذكرة المواطن الشيعي تذكر

أنه «شيعي» ولا تنسبه إلى الإسلام. وقد عدّل هذا التقليد، في وقتٍ ما، بعد مطالبة شيعية على الأرجح،

ثمّ ألغي ذكر المذهب على التذكرة من أصله غداة الحرب اللبنانية. على أن هذا التفارق، في أيامه، لم يكن

يتجاوز، في لبنان، نطاق الرمز المتوارث والمحصور في السجلات. هذا فيما كانت الحالة السورية تجعل

من شبيهه منطلقًا لمواقف متقابلة من الأكثرية ومن الأقلّيات. فهو، مثالً، ما يفرسّ تغلغل المنحى العلماني

مشفوعًا بالمنحى القومي، عربيًا كان هذا الأخير أم سوريًا، في صفوف الأقلّيات بالأولوية.

(((انظر مثلا.Haddad, pp. 76-78:

(((ياسين الحاج صالح، «الطائفية والسياسة في سوريا،» في: صاغية، إعداد، ص 64 - 68. وانظر ملاحظات مماثلة بصدد السنّة

العراقيين في:.Haddad, pp. 80-82

(1((في عشرات من الجداول والرسوم البيانية، عمد حنّا بطاطو إلى تتبّع الموائل الاجتماعية من جهوية وطائفية ومهنية وجيلية...

لأحزاب بحالها في العراق وفي سورية ولهيئات عسكرية وسياسية حاول أن يحيط بما طرأ من تبديل في أعضائها شخصًا شخصًا. ولا

ريب أن كتابه العراقي جاء أوفى لهذه الجهة من كتابه السوري. ولكن الكتابين يبقيان عظيمي القيمة لمعرفة القواعد الاجتماعية العامّة

Hanna Batatu: The Old Social Classes and the Revolutionary Movements:للمجتمعين السياسيين في هذين القطرين. انظر of Iraq: A Study of Iraq’s Old Landed and Commercial Classes and of its Communists, Baʻthists, and Free Officers , Princeton Studies on the Near East (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1978), and Syria’s Peasantry, the Descendants of its Lesser Rural Notables, and their Politics (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999).

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

يمكن اعتبار هذه الظاهرة الأخيرة، في مبدأها، تطلّبًا للمساواة في المواطنة. وهذا تطلّب قديم أيضًا ترقى

عباراته التشريعية الأولى إلى عهد التنظيمات العثماني. ولكن كان حتامً أن يوجد في صفوف الأكثرية من

ينظر إلى هذا المنحى القومي العلماني برمّته وإلى المنحى الشيوعي حليفه اللدود أيضًا على أنهما سعي أقيلّ

للاستيلاء المداور على لباب السلطة ولكسر شوكة الإسلام بالاستناد إلى الظهير الدولي المناسب. وحين

أَذِن تطوّر الميزان الطائفي في الجيش السوري لطاقم انقلابي كان أبرز عناصره نفوذًا من العلويين بالاستيلاء

على السلطة، قبل نصف قرن تقريبًا من اليوم، تضافر الحذر الأقيلّ من ردّة إلى الاستئثار الأكثري والحذر

الأكثري من جنوح إلى هيمنة الأقلّية على تجذير المسلك الطائفي في الجهتين وكشف ما كان يدثّره من

دعاوى تنزّه نفسها عنه. تجىلّ ذلك بادئ بدء، من جهة الأقلّية، في التغليب الشديد للحضور الأقيلّ في

الأجهزة المنوط بها حماية السلطة، وتجىلّ من جهة الأكثرية في جنوح طليعتها السياسية المنظمة نحو العنف

السياسي على اختلاف صوره. ولا ريب في أن الاستتار بمبدأ المواطنة وبالمثال القومي لبث حاصالً أو

استعيد، في صيغ مختلفة، من الجهتين، وأن السعي إلى تأمين أحلاف في الأكثرية فرض نفسه على النظام

الجديد المحتاج إلى توسيع قاعدته الاجتماعية، ولكن الصفة الطائفية للنظام لبثت شديدة الوضوح. هذا

فيما بدّد القمع الفظيع، ابتداءً من مطلع الثمانينيات، صفوف التمثيل الإسلامي المنظّم للأكثرية، محيالً

التعبير السياسي المتاح، في البلاد، بما فيه ذاك الذي ينطق باسم أهل السلطة، إلى قواقع شبه فارغة. وكان مآل هذا التفريغ في ضفّة الأكثرية أن السياسة المعارضة راحت تعيد بناء قواها في مكامن اجتماعية

ابلاقم لّثتوم، ينيِّدلا ماللهاإ يذ يعمتاجلاا نماضتلل ارطأ ئشنت اهنكلو ةرهاظ ةيسايس ةفص اله سيلً

مفتّتًا لأجهزة السلطة فتحول دون نفاذ الولاء لها إلى كتل وجماعات مختلفة. في مقابل ذلك، كان النظام

السوري يصادر لنفسه عنوانًا إسلاميًا، ويجانس ما بين قاعدته الطائفية وهوية الأكثرية رمزيًا باستدراج

فتاوى قدّم أهمّها مراجع غير سوريين تمنح الطائفة العلوية صفة المذهب الإسلامي، وهو ما لم يكن

مستقرًّا تاريخيًا في الوعي السائد. على صعيد آخر، كانت الأزمة المتمادية لقطاع الزراعة في البلاد وما

أورثته من هجرة ريفية ومن نموّ متراخي الضوابط للمدن ظهيرًا لتكوين بؤرٍ طائفية مستقوية بالسلطة

وأجهزتها في المدن، وظهيرًا أيضًا لتوسيع التفلّت السنّي المتدرّج من رقابة النظام المطلقة ومن التبعية

العملية أو النفسية لهيئاته وأجهزته. على هذا يمكن القول إن توجيه السنّة في سورية نحو التحوّل إلى طائفة حصل بفعل السحق الذي تعرّض

له تمثيلهم السياسي. فإن ما يجوز أن يوصف بالطائفية في جانبهم ليس سوى استبدالهم بالتمثيل المنظّم

وبفكره شبكةً منتشرة من أدوات التضامن الاجتماعي ولغةً دينية يبثّها دعاة غير سياسيين مبدئيًا. فيستوي

هذا كلّه مقابالً للغة النظام ولأجهزته التي تنبذ من مجال السلطة أكثرية أهل البلاد، وتحول بينهم وبين

التعبير الحرّ عن تصوّرهم لصيغة الدولة والمجتمع، وتتنكّر لإرادتهم في كلّ مجال. هكذا كان التطييف من

فعل نظام مثّل في وجه أكثرية لم يكن وعيها لنفسها طائفيًا حالة خصومةٍ قدّمت نفسها في لبوس علماني

(((1 وسّط حافظ الأسد ك من محمد الشيرازي وموسى الصدر لإلحاق العلويين فقهيًا بالمذهب الجعفري، وهو ما كان يمنح

الطائفة والأسد نفسه نوعًا من الشرعية الإسلامية. انظر بهذا الصدد: Thomas Pierret, «Karbala in the Umayyad Mosque: Sunnite

Panic at the ‘Shiitization’ of Syria in the 2000s,» in: Brigitte Maréchal and Sami Zemni, eds., The Dynamics of Sunni-Shia Relationships: Doctrine, Transnationalism, Intellectuals and the Media (London: Hurst and Company, 2013), p. 102.

شتاء 2015

ولكن تحصينها الطائفي لنفسها واستئثارها الأقيلّ بلباب السلطة جعلا الأكثرية تنزع إلى اختصارها في هويتها الطائفية وتبني على هذا الأمر مقتضاه.

أقلّية وأكثرية ساحقتان

هذه الدينامية السورية كانت ولا تزال بيّنة الاختلاف عن دينامية الخصومة الطائفية في مصر. ثمّة أواّلً

فروق تكوينية جسيمة بين المجتمعين تتمثّل في تجانس مصري ينبغي أالّ يؤخَذ بشأنه بزعم البساطة الشائع

ولكنه يخالف، في كلّ حال، ما هو ملحوظ في سورية من شقوق إثنية وعشائرية وجهوية، فضالً عن الطائفية. وهذا ناهيك باختلاف الحال المصرية لهذه الجهة عن الحالين اللبنانية والعراقية. تعتور المجتمع المصري أو بعض جهاته، في الأقلّ، شقوق من هذا القبيل أو من ذاك. ولكن هذه الشقوق، باستثناء الشقّ

الطائفي، ليست أظهر مشكلات البلاد. وأُولى آيات الاختلاف عن الحالة السورية أن النظام السياسي في

مصر غير منسوب إلى أقلّية طائفية يستند إلى تماهيها به ويعوّل على ولائها في وجه أكثرية دينية أو طائفية

تعاديه أوسع كتلها باعتباره متسلّطًا عليها من خارجٍ طائفي أقيلّ، ويحذرها بدوره، ويجرّ خلفه تاريخ

عداوة إجمالية وقمع شديد لها. ولا يفترض النظام المصري لنفسه أصالً علمانيًا، ولا يضع قيودًا على علاقته

بالدِّين تحصر حضور هذا الأخير في بنية الدولة وتكوينها في حدود رادعة على الغرار السوري. فعلى التعميم، وفي ما يتعدّى الأزمات الشديدة التي شهدتها علاقات النظام بالإسلاميين في العهد الجمهوري، لبثت الدولة المصرية بارزة الحرص على شهْر هويتها الإسلامية، وعلى إدراج رموز الإسلام ومؤسساته في

صورتها العامة وممارساتها الظاهرة. وفي أوساط المصريين المعنيين بمعايير نظامهم من أهل النظام أو من

الجمهور العام لبث مبدأ العلمانية مثارًا لنفورٍ واسع النطاق ولنزوعٍ إلى معادلته بالإلحاد، وداعيًا إلى تهميش

من يقولون به ونبذهم. هذا ولم يكن ميسورًا أن يُنسب إلى جماعة الأقباط المصريين شكل ما من أشكال الهيمنة على الدولة على ما

هي حال العلويين في سورية. بل كان السبيل الذي سلكته الطائفية المصرية هو سبيل محاصرة الأقباط

بحيث لا يتاح ظهور خرق ما من جانبهم للحدود التي حتَ صر فيها الهوية الإسلامية الغالبة على الدولة والمجتمع سلوكَهم ومواقعهم. وكان هذا الطابع الردعي للطائفية المصرية يظهر في رمزية الوقائع التي

استثارت في أكثر الحالات مجابهات طائفية. فقد كان الأمر يتعلّق غالبًا بتصرّفٍ فردي أو ضئيل الرقعة

يعتبر تجاوزًا على قاعدة من قواعد العلاقات التي أرساها الإسلام بين المسلمين وغيرهم، أي بزواج مختلط

(((1 الإسلام في الدستور المصري دين الدولة، وهو في الدستور السوري دين رئيس الدولة.

(1((معلوم أن العلويين السوريين كانوا قبل العهد البعثي ضحية لا لاضطهاد طائفي، بالمعنى المضبوط للعبارة، بل لدونية اجتماعية

عامّة ولهامشية سياسية. انظر: الحاج صالح، ص 60-56. وقد أرّخ حنّا بطاطو لتحوّل الميزان الطائفي لمصلحة الضباط العلويين

في الجيش وفي الأجهزة الأمنية، وهو ما مثّل مرتكزًا لانقلاب في ميزان السلطة أصبح يُنظر إليه على أنه انقلاب في ميزان العلاقة بين

. Batatu, Syria’s Peasantry , chaps. 12 and 13:السنّة والعلويين. انظر

وقد تتبّع عزمي بشارة مسار تطييف الجيش السوري وترييف حزب البعث وتطييفه مستندًا إلى مؤلّف بطاطو وإلى غيره ومستكمالً

وقائع هذا المسار في عهد بشّار الأسد. انظر الفصل السابع من: عزمي بشارة، سورية: دربُ الآلام نحو الحرّية: محاولةٌ في فهم التاريخ

الراهن (آذار/ مارس -2011 آذار/ مارس 2013) (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2013

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

يُعتبر غير شرعي مثالً أو بحالة تُنسب إلى الردّة.. إلخ. ولكن خلف هذه الحالات التي بدت محصورة كان

يظهر تنازع أبعد غورًا لحدود المكانة المفترضة لكلّ من الجماعتين المسلمة والمسيحية، وعنف يواجه كلّ

محاولة مهما تكن ضيقة النطاق لثغر هذه الحدود. ثمّ إن المناخ الذي تنشئه هذه الحالات أو تمثّله لا يلبث أن

يمتدّ إلى حالات أخرى لا تمتّ بصلةٍ إلى اختلاف الدِّين لولا أن فريقي النزاع يتّفق أنهما مختلفا الدِّين. هكذا

يتحوّل إلى مشكل طائفي يستدعي استنفار جماعتين مقابلتين ما يكون نزاعًا على عقار مثالً أو اعتداءً على

متجر. ولا ريب في أن استيلاء رجال الدِّين، من الجهتين، على كتلة العلاقات كلها بين الجهتين وتحويلها

إلى مدار أخذٍ وردّ بينهم، بعضه تهييجي وبعضه تصالحي، يساهم في جعل كلّ أمر كبير أو صغير من

هذا القبيل موضوعًا لتداول طائفي الصيغة والمآل. هكذا تبدو مراجع الدولة والقوانين العامّة وكأنها

منتقصة الصلاحية ومحتاجة إلى ملحق أهلي حالما يتواجه في نزاع من الأنواع المحتومة الوقوع والتكرار أقباط ومسلمون. ولا غرو أن يكون المتشدّدون من الإسلاميين طليعة المبادرين إلى تقويم ما يعدّونه عوجًا

في العلاقة بين الجماعتين؛ فهذا النوع من المبادرات الذي يستدعي ما يناظره في الجهة الطائفية المقابلة من تغليب للخطاب الدِّيني ولحمَلته، إنما هو فرصة لاستعراض الحرص على ما يعتبره أصحابه حقوق الدِّين

ولتجديد التعبئة حول المبادرين. فإذا صحّ القول بوجود مواجهة بين الإسلام والدولة في مصر، فهي مستقلّة إلى مدى بعيد عن المشكل

الطائفي، وقائمة في ما يسمّى «عمق الدولة»، أي في وجود قوامٍ لها ذي بُعد مؤسسّي وتاريخي حصين نسبيًا

على النوازع المعتملة في المجتمع، ومستقلّ إلى درجة مرموقة بمنطق عمله ودواعيه. وإذا وجدت مواجهةٌ بين الجماعة المسيحية والدولة، فهي ناشئة، بخلاف ذلك، من حالات النكوص الموضعي أو الإجمالي الذي قد تبديه الدولة عن إحقاق حقوق المواطنة التامّة لهذه الجماعة وحمايتها من بوادر الجور الأكثري...

طائفيات...

تفضي هذه الجولة العَجول على الحبكات الطائفية القائمة في أقطار مختلفة من الشرق العربي إلى ملاحظة

الاختلاف المؤكّد بينها. فالطائفية طائفيات إذن؛ إذ يسعها أن تجد موردها الراهن في انقلابٍ ما لموازين

القوة الاجتماعية السياسية بين مكوّنات كانت أو أصبحت متقاربة الأقدار. ويسعها أن تكون طغيانًا

من الأقلية على أكثرية كان استتباب الأمر لها تاريخيًا قد أغناها عن تغليب الاستجابة لدواعي التوحّد

الطائفي في مواجهة جماعات بدت مغلوبة وضئيلة الخطر على وجه الإجمال. فلم يستوجب مسلكها

استنفارًا (غدا بالغ العنف أحيانًا) من جهة الأكثرية إلا حين مالأت أوساطٌ نافذة فيها قوّةً أجنبية

وارتضت أن تكون جماعتها وحقوقها مركب سيطرة لتلك القوّة. يسع الطائفية أيضًا أن تكون إدامة

للتغلّب على أقلّية ذات وزن تعوّض النقص من حقوقها وهامشيتها في حرم السلطة بالسعي إلى الامتياز

في مجالات اجتماعية مختلفة، وبما يورثه هذا الامتياز، بدوره، من طموح. هذا التنوّع في الطائفيات

1(((نبيل عبد الفتّاح، الدِّين والدولة والطائفية: مساهمةٌ في نَقْد الخطاب المزدوج، دراساتٌ في المواطَنة؛ 2 (القاهرة: مؤسسة

المصري للمواطنة والحوار، 0102)، ص.54-51

(1 ((المصدر نفسه، ص 50-41، وجلال أمين، محنة الدنيا والدِّين في مصر (القاهرة: دار الشروق، 0132)، مقدّمة الكتاب،

ص.18-7

شتاء 2015

يتحكّم، بطبيعة الحال، في المعالجة اليومية للتوتّر ويتحكّم، إلى حدّ معين، لدى ظهور الظرف المواتي أو

الحافز، في صيغ المواجهة، إذا هي حصلت، وبأفقها. يبقى أن عمل الطائفية يورث، في العادة، أبنيةً طائفية يتباين صمودها وكفاءتها وتتنوّع صيغها ومجالاتها

من طائفة إلى أخرى. هذه الأبنية التي قد يكون بعضها قديامً متعلّقًا بالمذهب ولكنّ الطائفية تجدّده أو

تغيره هي ما يجعل الطائفة طائفة؛ فهي تنقلها أو تنزع، في الأقلّ، إلى نقلها من حالة الجماعة المذهبية الموكِلة

ما يخرج من شؤونها عن نطاق المذهب إلى جهات لا صفةَ مذهبيةً لها أو هي منتمية إلى جماعات مذهبية

أخرى إلى حالة جديدة هي حالة الجماعة المتكاملة الوظائف، الساعية إلى التصرّف المستقلّ بكلّ ما يتاح

لها التصرّف به من شؤونها. فإذا قرصّت الطائفة في هذا السعي بعد هبّةٍ سياسية أو نزاع، أو تمهيدًا لهبّة

وتوقّعًا لنزاع، لم يكن بلاؤها وتضحياتها سوى تبديد وهدر، وضعفت حظوظها في البناء على ما قد يبدو

نصرًا أو كسبًا سياسيًا. هذا السعي وما يؤتيه من ثمار وما ينتهي إليه من حضور مباشر للطائفة في مضمار

السياسة ومن طموح طائفي صريح إلى السلطة السياسية، هو ما نطلق عليه اسم «التبلّر الطائفي»، وهو الشرط المؤسسّي لاستدامة التعبئة في الطائفة ولجعل دائرتها متصدّرة، عند المنتمين إليها من جماعات

وأفراد، دوائر الولاء المعروضة عليهم.

مرجعيات متقابلة التبلّر والولاء

لا تخلو الطائفة، على وجه التعميم، من قيادة ذات صفة دينية. ولكن يسع صلاحية هذه القيادة أن

تبقى محصورة في دوائر من حياة الجماعة دون سواها. فيكون الطاقم المذهبي هذا عارفًا بالمذهب

ومكلّفًا نشره أو نشر ما هو مفترض النشر منه على عامّة المؤمنين. ويكون مكلّفًا تعليم الطقوس

وقيادة الجماعة في أداء ما هو جماعي منها. ولا تُقْتصر الطقوس على فروض العبادة المنتظمة بل

تتعلّق بتقديس محطّات الحياة الشخصية من الولادة إلى الموت مرورًا بالزواج وغيره. وقد يكون

فيها ما يتّصل بالصحة والمرض وبالنجاح أو الفشل في عمل من الأعمال.. إلخ. وقد يتجاوز

الطاقم المذهبي هذا مضمار العبادات إلى مضمار المعاملات، فيعين لهذه الأخيرة معايير وقيامً مستقاة

من المذهب أو من بعض مصادره. ثم إنه قد يتوىلّ بنفسه إنفاذ هذه القيم والمعايير أو جانبًا من هذا

الإنفاذ. فإذا قال بالتكافل بين المؤمنين وبمدّ يد العون إلى الضعفاء منهم قرَن القول بالفعل، فراح

يتلقّى ما هو مفروض على المؤمنين أو ما يتطوّعون له ويصرفه في وجوه تدخل تحت عنوان التكافل

وعمل الخير. وقد يتوسّع في هذا الباب فينشئ له هيئات ومؤسّسات.. إلخ.، إلخ. هذا وهو

قد يلتقي، عند مباشرته أيًا من هذه الأعمال، مراجعَ غير دينية ينشأ بينها وبينه تنافس أو تعاون،

وقد يصل الأمر إلى العداء السافر. هذه المراجع التي يتفاوت حضورها من مجتمع إلى آخر كثافةً وفاعلية،

تكون مبثوثة في التشكيلات القرابية، مثالً، أو في ما يسمّى «المجتمع المدني» بطبيعة الحال. ولكن الدولة

أيضًا قد تكون طرفًا مه، بل مهيمنًا ونزّاعًا إلى الاحتكار في أداء الوظائف نفسها: من تأمين التعليم

إلى توفير الطبابة إلى وجوه أخرى من الرعاية الاجتماعية ومن الحماية بقوّة القانون وبالقوّة المسلّحة...

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

فضالً عن أن هذا التقابل بين المرجع المذهبي وغيره من المراجع يحدّ كثيرًا أو قليالً نطاق عمل الأوّل في كلّ

حقل، فإن مرجعية المذهب قد لا تظهر البتّة في حقول بعينها تكون فيها الطائفة شريكة أطراف غيرها في الحياة

العامّة، أو تكون معوّلة فيها على الدولة بحكم القانون أو بحكم الواقع. قد لا يكون للتجانس المذهبي أثر

يذكر في النشاط الاقتصادي مثالً: في البيع والشراء، في الاستخدام، في إنشاء الشركات. وهذا في ما خلا ما

تزكّيه علاقات القرابة أو علاقات الجوار، وهذان نوعان من العلاقات تؤثّر فيهما عادةً وحدة المذهب ولو أن

درجة التأثير تختلف بين مجتمع وآخر وبين طائفة وأخرى أيضًا. وهذا أمر يكون للتاريخ حكمه فيه، فضالً عن حكم ظروف الحاضر. وأيًّا تكن حال النشاط الاقتصادي لجهة الأثر المذهبي في رسم معالمه، فإن السياسة قد

لا تستلهم المذهب في شيء ذي بال إذ تجد أصولها وقيمها في منظومات خارجة عن نطاقه ومشتركة، إلى هذا الحدّ أو ذاك، بين مكوّنات أخرى للمجتمع. قد يكون للطائفة ساسة أملت اختيار بعضهم أصولهم العائلية

ولم يُسألوا عن برنامج طائفي لعملهم ولا عن مصدر مذهبي لمعايير سلوكهم. وقد متلُي اختيارَ بعض آخر

رؤى وقِيمٌ ليس للطائفة فيها أي حضور، فلا تعتبر هذه الأخيرة إطارًا مرجّحًا للتعاون أو التضامن. هذه الحقول كلّها تستدرج إنشاءَ مؤسّسات في المجتمع يتحكم في تكوينها وفي عملها الإطار والمعيار

الطائفيان أو غيرهما من الأطر والمعايير. وبمقدار ما يكون المسار التاريخي لطائفة من الطوائف قد أفضى إلى الاستكثار من المؤسسات ذات الصفة الطائفية وإلى نشرها على قطاعات الحياة الاجتماعية على اختلافها

تكون الطائفة قد أدركت مرحلة أعلى من مراحل التبلّر، وأنشأت في هياكلها أسبابًا للولاء تدعو إلى تعظيم

دورها في المجتمع الكيلّ وإلى السعي إلى فرض تصوّرها لهذا الدور، لا على قوى الطوائف الأخرى وحدها،

بل على ما يتجاوز الطوائف أو يناوئ توسيع أدوارها من هيئات أيضًا. وأهمّ ما ينتظر حصوله مع بلوغ

التبلّر مراحله العليا ترجمةُ دور الطائفة ترجمةً سياسية صريحة، على وجه التحديد، وغالبةً في صفوف الطائفة

نفسها على غيرها من الترجمات. وعلى صعيد الأفراد، يتدرّج مفعول التبلّر بالفرد من علاقة بالمذهب لا

تنشئ سوى شعور بالانتماء المحدود إلى الجماعة تُقْتصر مفاعيله على لزوم لبعض الأفضليات التقليدية في

مضامير السكن والصحبة والزواج.. إلخ. وقد خيُْرق هذا الالتزام من دون تردّد في واحد أو أكثر من هذه

المضامير. وفي كلّ حال، يتمثّل مفعول التبلّر المتزايد في توسيع نطاق الشعور بالجماعة الطائفية وبالانتماء

إليها، وفي اختّاذها إطارًا ذا أفضلية لتضامن متعدّد الوجوه يتوّجُه التضامن السياسي على اختلاف صيغه

وتجلّياته. وقد يبدو العمل السياسي للمقبل عليه في سياق طائفي غيرَ مستقلّ بنطاقٍ خاصّ له عن نطاق

الانتماء إلى الطائفة بعمومه. فهذا النوع من التشكيلات التقليدية يتميز بما سبق أن سمّيناه «الشيوع»، أي

النزوع إلى إدراج مستويات الانتماء كلّها وما يتبعها من سلوك في وَحْدة هلامية لا يفترق فيها ما هو روحي

عامّ هو اقتصادي أو سياسي.. إلخ.

التبلّر مراحلَ وصيغًا

هذا ولا يحصُل التبلّر في مجتمع متعدّد الطوائف لجميع هذه المكوّنات دفعة واحدة. ولا هو يتّخذ صيغة

واحدة من حالة إلى حالة. وهذا مع أن المحاكاة أو المنافسة في هذا المضمار عامل يفرض نفسه، ولكنها

1(((في موضوع «الشيوع» أو «لاتميز الدوائر»، انظر: بيضون، لبنان، ص.94 - 93

شتاء 2015

محاكاة أو منافسة تتعدّى الطرف المتّخَذ أنموذجًا إلى مثال عامّ قد يستلهم قِيمَ العصر ولكنّه يبتغي الفاعلية

والقوة على الخصوص. ويبقى التبلّر غير خالٍمن التفاوت بين أوساط الطائفة الواحدة، فلا يبلغ بها حالة

الوحدة على الرغم من استواء الوحدة محطًّا لرغبة منتشرة. ويقتضي الإلمام بحالة الطوائف في كلّ مجتمع من المجتمعات العربية لجهة التبلّر معرفةَ وجوه من حياة

الطائفة، ومن تجهيزها المؤسسي ومقدّراتها المختلفة قد لا تكون معرفتها متاحةً كلّها أو جلّها. فلعلّ المسألة

الطائفية أُولى المسائل التي تجعل الأنظمة الاستبدادية من دون البحث فيها سدودًا يتعذّر تخطّيها أو هو

يقتضي ضروبًا من المداورة تحدّ من صدقية الحصائل أو من نفاذها وإحاطتها. وقد تطرّقنا في موضع آخر

إلى مسألة حرّية البحث هذه ومفاعيل القيود المضروبة عليه في ظلّ أنظمة ترى في المشكل الطائفي سرًّا لا

يسعها البوح به أو تهمة موجّهة إليها يتعين طمسها. وعلى وجه التعميم، كان الباحثون من غير مواطني

الدولة المدروسة أقدرَ على التصدّي لهذا الموضوع ولو أهنّم سلكوا فيه سباُلً هي أقرب إلى التجسس منها

إلى التحقيق المنهجي؛ إذ لم يكن هذا الأخير ميسورًا، ولا هم وجدوا بين أيديهم مصادر منشورة تشفي

الغليل في هذه الفئة من المسائل. ومن بين الكتب الحاظية بتقدير مستأهَل في هذا الباب الكتابان اللذان

كرّسهما الفلسطيني حنّا بطاطو للعراق ولسورية. ومن بينها كتاب حديث الصدور كرّسه الباحث

البلجيكي توما بييري للبعث والإسلام أو للدين والدولة في سورية... وقد أدّى الاعتماد الصريح للطائفية مبدءًا ناظامً للمجتمع السياسي ولمؤسّسات الدولة في لبنان، فضالً

عن وجوه أخرى من الحياة الاجتماعية، إلى جعل ما نسمّيه تبلّر الطوائف، أي نزوعَها إلى الاستئساس

وإلى استيعاب حياة الأفراد في أطُرٍ تعرضها الطائفة أو تفرضها عليهم، موضوعًا لتناولٍكثير مباشر

وغير مباشر. فأصبحت الحال لهذه الجهة مختلفة عنها في المحيط، وهذا مع بقاء الطائفية في لبنان موقفًا

ومراسًا كثيرًا ما ينكرهما الضالعون فيهما أو يستبقونهما في دائرة الشؤون الحميمة للجماعة فلا يتناولونهما

بالوصف والتحليل. ومهما يكن من شيء، فإن استطلاع الأحوال وتطوّرِها على هذا الصعيد يبقى أيسرَ

سبيالً في هذه البلاد المفتوحة منه في الأقطار الخاضعة لأنظمة استبدادية لا يخلو أي منها من لون طائفي

يجهد في كتمانه. هكذا أمكن، مثالً، أن تلاحقَ نشأةُ حزب الله ومقدّماتها في الطائفة الشيعية والمسار الذي تلاها في أبحاث

كثيرة وضعها لبنانيون وغير لبنانيين وهي توضح، في ما توضح، حركة الطائفة نحو تنظيم نفسها، على

أصعدة مختلفة، واستيعابِ الوحدات الداخلية التي كانت تنازعها استقطاب الانتماء والتضامن ووعيِ

نفسها ووعي أفرادها إياها على أنها موضوع واحد مدْرَج في تاريخ لبنان العام وتاريخ محيطه. وهكذا

أمكن لباحثةٍ فرنسية أن تترسّم، في تناولٍلقطاع استراتيجي كاشف، تطوّر المدارس الشيعية المعاصرة

1(((في موضوع «التبلّر» و«المحاكاة» وحدودها في الحالة اللبنانية، انظر: بيضون، لبنان، ص.64-61

1(((بصدد القيود المفروضة من جانب الأنظمة السلطوية على البحث في مروحة موضوعاتٍ بينها الطائفية، انظر: أحمد بيضون،

«‹الاستبداد بالمعرفة› و‹الدراية والوشاية›» القدس العربي (71 أيار/مايو.)2014

(19) Batatu: The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq , and Syria’s Peasantry. (20) Thomas Pierret, Religion and State in Syria: the Sunni Ulama from Coup to Revolution (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2013).

وترقى الطبعة الفرنسية للكتاب إلى سنة.2011

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

في لبنان في شبكة صلاته بالهجرة البعيدة وبالهجرة الريفية وبأدوار الأعيان والعلماء، ثم بغل بة المنظمات السياسية الطائفية ابتداءً من مطلع السبعينيات من القرن الماضي... ويوضح هذا التناول فروقًا قائمة بين الحالة اللبنانية والحالة السورية التي وصفها بييري لجهة البُعد المذهبي

أو الطائفي لتربية الناشئة؛ فقد بقيت المدرسة السورية خاضعة، من حيث الأساس، للسلطة السياسية

وللحزب الحاكم ينحصر دور الطاقم الدِّيني في هذا الأخير في ولايته على مدارس التعليم الدِّيني وفي

تدريس مادة الدِّين في مدارس التعليم العام وفي كلّية الشريعة الدمشقية، فيما يستدرج الشيوخُ التلامذةَ من

هذه المدارس ومن الأحياء إلى المساجد لاستكمال تنشئتهم ولإدراجهم في الأنشطة الدِّينية الاجتماعية.

هذا بينما أتاحت حيوية القطاع الخاص المدرسي في لبنان استكثارَ الشيعة المعاصرين مثالً من مدارس

التعليم العامّ والمهني التي كانوا مقرصّين في إنشائها في ما مضى، فضالً عن «الحوزات» الدِّينية. وكان أن

التنظيمين السياسيين الشيعيين اللذين قويت شوكتهما في هذه الأثناء قد سيطرا أيضًا على مدارس الدولة

الواقعة في دوائر نفوذهما، فتوىلّ مشايخهما التعليم الدِّيني فيها، وأصبحت كلمتهما هي العليا في اختيار

مديريها، وأصبح متاحًا لهما أن يقيما فيها شتّى أنواع الاحتفالات، وأن يؤطّرا وجوه النشاط اللاصَفّي على

اختلافها، وأصبح تنظيماهما الكشفيان، على الخصوص، يتقاسمان تلامذة هذه المدارس أيضًا فيما انحسر

عنها التنظيم الكشفي التابع لوزارة التربية. وهو ما يؤول إلى قدرة حزبية تؤازرها، إلى المدارس كافة، مراكزُ

مذهبيةٌ أو تنظيمية مختلفة على تويلّ التربية الفعلية للكثرة الكاثرة من الناشئة الشيعية حيث وجِدت.

وهذه تربية مذهبية اجتماعية، بطبيعة الحال، ولكنها تفضي بلا فَصْلٍ إلى الميدان السياسي وإلى العسكري

حيث يلزم. في هذه الأثناء، تمضي المدارس التابعة لجمعيات أنشأها الأعيان أو العلماء من الشيعة في عهد

أسبق في الذبول والضمور وتَضْمر معها مدارس الدولة التي سلبَتْها المدارس المذهبية الجديدة جانبًا لا

يستهان به من جمهورها وبسطت سيطرتها على معظم ما تبقّى.

القدوة المارونية

هذا وليس التبلّر الشيعي، وله وجوه مختلفة غير الوجه التعليمي، سوى مثال من أمثلة تعرضها الواجهة

اللبنانية. والواقع أن الشيعة كانوا آخر الطوائف اللبنانية الكبيرة انطلاقًا في حلبة الاستئساس العام أو التبلّر

الطائفي؛ فقد لبث الموارنة عقودًا كثيرة هم الروّادَ في هذا المضمار، لا لأن كنيستهم دأبت على العناية بالتعليم

من عهد بعيد، وانتقلت إلى رعاية الحديث منه وإلى نشره على نطاق العوامّ قبل نحوٍ من قرن ونصف قرن،

فإن سائر الكنائس المسيحية حذت الحذو نفسه في أوقات متقاربة، ولكن لأن الموارنة استتمّوا قبل سواهم

(21) Catherine Le Thomas, Les Ecoles chiites au Liban: Construction communautaire et mobilisation politique , Hommes et sociétés (Paris: Karthala; Beyrouth: IFPO, 2012).

والكتاب في الأصل رسالة قُدّمت لنيل الدكتوراه من معهد الدراسات السياسية في باريس. وقد خضعت النسخة المنشورة لاختصار

واقتطاع غيّبا من العمل الأصلي جوانب ذات أهمية.

(22) Pierret, Religion and State in Syria , pp. 53-54.

(2((تبرز كاترين لو توما في مواضع متفرّقة من دراستها أهمية النشاط الكشفي والشعائر والاحتفالات التذكارية والمسرح، وسائر

الأنشطة اللاصفّية في تفعيل النموذج التربوي المقرر من جانب الجهة المشرفة على المدارس. انظر، مثالً:.Le Thomas, pp. 156-162

(2((انظر بصدد ضمور مدارس العاملية والجعفرية لمصلحة «الجيل الجديد» من المدارس المذهبية الشيعية: Ibid., pp. 74-75 et

شتاء 2015

تجهيز طائفتهم الاجتماعي السياسي بمختلف وجوهه، وجعلوا العنوان الطائفي هويةً جامعة لمؤسساتهم،

فاتّسَع نطاق الاستحقاق الاجتماعي، برعاية من الكنيسة، بحيث فاض عن عائلات الوجاهة القديمة التي

كانت تقسّم الطائفة وتحوز نوعًا من السيطرة على الكنيسة نفسها. وانضمّت إلى النطاق المذكور، أي نطاق ما

حيُْتسب «نُخَبًا»، أسرٌ جديدة وأفراد تآزرت الملْكية الصغيرة والمهن الجديدة والتجارة لتزيد في أعدادهم وتتيح

لهم استق الً وطموحًا سياسيين. وقد أسعف هذا التوسّعَ نموٌّ سكّاني استثنائي وصلات تقليدية بالكرسي

الرسولي وبفرنسا، وأخذٌ عزّزه التعليم واستجابَ لحاجات رأس المال الفرنسي بأساليب حديثة في الزراعة

وفي إنتاج الحرير خصوصًا، فكان أن وجدَت هذه الطائفة نفْسَها، غداةَ الحرب العالمية الأولى، في موقع قيادة

وهيمنة من مشروع لبنان الكبير الذي أعلن قيامه المحتلّ الفرنسي غداة هزيمة الدولة العربية في جوار دمشق.

هاتان القيادة والهيمنة كانتا مَثار رفض، وكانت مقوّماتهما مثار محاكاة ومنافسة من جانب طوائف أخرى حين

أَذِن الظرف لهذه أو تلك منها بالمحاكاة أو المنافسة. وكان منتظرًا أن يأتي الرفض والمنافسة من الجماعة السنّية،

قبل غيرها، باعتبارها صاحبة السلطة في العهد السابق والقوّةَ الكبرى في مدن الدولة الجديدة والسابقةَ العهد

بالإدارة والسياسة والمتحسّسةَ لأهمّية التعليم الجديد منذ أواسط القرن السابق، وهو ما أملى على هذه الجماعة

أن تتحوّل، بالأسلوب وبالمقدار اللذين لاءما تكوينها وتقاليدها، إلى «طائفة لبنانية». صفوة القول أن رصْد الصيغ المتنوّعة وتتبُّع الأطوار المتفاوتة لتبلّر الطوائف إنمّا يمثلّان قراءة ممكنة

(بل هي قراءة ذات امتياز) لتاريخ لبنان المعاصر حين يُنْظر إلى هذا التاريخ في جملته الاجتماعية: أي في

وجوهه الاقتصادية والسياسية والثقافية، وفي ما ختَ لّله من حالات التشقّق والنزاع ومن تقلّب الأحلاف

والمواقف... وفي مساره الاستئساسي خصوصًا، وذلك دونما فصلٍ بين هذا وذاك من تلك الوجوه كلّها.

وهذا، بطبيعة الحال، حديثٌ يطول...

المغالبة والحداثة

تمثّل الطائفة متى بلغت من التبلّر مبلغًا يؤهلها للمغالبة تحدّيًا لنظيراتها أو، في الأقل، لمن كانت منهنّ في

موقع يستدرج التحدّي، وتمثّل أيضًا تحدّيًا لسلطة الدولة. فإن تمتّع الطائفة بقدْرٍ من الكفاية الذاتية يمثّل

للنخب الممسكة بزمامها أو لمن وَجد منها في نفسه أهلية وحظي بحوافز مناسبة إغراءً بالطلب الناشط

لمزيد من السلطة العامّة ومنافعها، متى سنح ظرف مؤات. ولا يرجَّح أن تصمد المواثيق الحافظة للسلم

الأهلي حيث تكون السلطة مقسّمة أنصبةً طائفية ويطرأ خلل جسيم في موازين القوى بين الطوائف، فإن

الترجمة المؤسّسية للخلل تعديالً لميزان السلطة العامّة يتعذّر تحصيلُها بالتراضي عادةً. ولا يرجّح، على وجه

التحديد، أن حتَ ول دواعي التماسك الوطني مجرّدةً من الروادع المناسبة من دون جنوح الطوائف المتقابل إلى

قوى جتُانسها في ما وراء الحدود، مظهّرةً تعدّدَ الأوطان الذي يتميز به أكثر المذاهب الدِّينية ونزوعَ الكتلة

الأقوى في كلّ مذهب إلى جمع مقاليد الكتل الأخرى في يدها وتحويل نفسها إلى مركز لها وقيادة تأمر وتنهى

وتبذل المعونة على اختلاف أنواعها وتقدّر المصلحة التي هي، في أغلب الأحوال، مصلحة القيادة والمركز.

وقد أمست «أممية المذاهب» هذه، في ثلث القرن الأخير، مع ما تفترضه من وحدة لقيادة المذهب أو من

2(((يجد القارئ استعادات لأطوار التشكّل الطائفي الحديث والمعاصر بأبعاده المختلفة للمجتمع اللبناني في أعمال كثيرة لعلّ

أقربها متناوالً يبقى كتاب: كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ط 7 (بيروت: دار النهار للنشر، 9911)، صدرت الطبعة الاولى سنة

967.1 انظر على الأخص، ال«مدخل» والفصل السابع من القسم الأوّل وكذلك القسم الثاني.

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

تنافس عليها، أشدّ العوامل إخ الً بوحدة الأوطان وتماسك الدول في هذا الشرق العربي. وهذا من

غير أن تكون الأحلاف المتقابلة مقتصرةً على أطراف تجمعها وحدة المذهب...

علينا، قبل الختام، أن نبُرز خواءَ الرأي الذي يَنسب الطائفيةَ إلى تخلّفٍ عن رَكْب الحداثة وتمسّكٍ بالعتيق

من الرؤى والعصبيات. وهو رأي يفترض للحداثة صورة واحدة ويُعرض عن معظم السمات التي طبعت

الطائفيةَ في صيغتها الحديثة أو المعاصرة. ففي لبنان، وهو - مرّة أخرى- أوفر البلدان حظوةً في مضمار

دراسات الطائفية، ظهرت الطائفية، بما أورثته من نزاعات دامية في أواسط القرن التاسع عشر، استجابةً

لدواعي الحداثة ولتفاوت هذه الاستجابة بين طائفة وأخرى وتجاوزًا للإقطاع العائلي الذي كان ينشئ

أسوارًا في مجال الطائفة الواحدة أو سلطةً كابحة لأعيانِطائفةٍ على المنتجين في أخرى. واكبَت الطائفيةُ

ما اقتضاه التوغّل الغربي في اقتصاد جبل لبنان، خصوصًا، وفي الاقتصاد العثماني عمومًا وما مثّله التقبّل

المسيحي لهذا التوغّل من تظهيرٍ لاستعدادات المسيحيين الحداثية وتوسّع فيها، ومن استفزازٍ تحرّكت له

السلطات العثمانية في بلاد الشام وأعيانُ الدروز ومراكزُ القوى السُنّية في أحياء المدن، ورفضٍ للتعديل

الذي كان يمليه في موازين المكانة بين الطوائف لا التحديثُ الاقتصادي والتحوّلُ في إعداد النخب

وحدهما بل حركةُ الإصلاح المتمثّلة في «التنظيمات» العثمانية أيضًا... هذا كلّه عرضَه دومينيك شوفالييه

أَوْضحَ عرضٍ قبل نيف وأربعين سنة في كتاب يعلِن من عنوانه: مجتمع جبل لبنان في عهد الثورة الصناعية

في أوروبا الاقترانَ بين استشراء الطائفية وهجمة التحديث.

نكوص الدولة والطائفية الجديدة

على الطرف الآخر من هذه المرحلة الطويلة، أي اليوم، نرى أشدّ المنظّمات طائفيةً أكثرها ضلوعًا في

شبكات الاتّصال والتواصل الجديدة، وأشدّها اعتمادًا لأحدث الصواريخ والمتفجّرات، وأوسعَها انتشارًا

بين طلاب العلوم البحتة والتطبيقية.. إلخ.، إلخ. نرى من جهةٍ أخرى أن الطائفية، في آخر طرُزها

العربية، إنمّا هي جواب على ذَواء دولة الرعاية واستحالتها إلى سُبّةٍ، وعلى قيام دولة الإصلاحات الهيكلية

الموصوفة بالرشاقة على أنقاضها. فقد مجَعت العقود الثلاثة الأخيرة، في هذه الديار، خرابَ الزراعة وبلوغَ

الهجرة الريفية أَوْجًا غير مسبوق، ومعها النموّ الشائه للمدن إلى ما تجب تسميتُه «الذعرَ الاجتماعي»، أي

إفضاءَ قطاعات شاسعة من المجتمعات إلى حال لا تمثّل فيها السلطة العامّة أي ضمان للمواطنين، ويُقتصر

حضورُها على العلَم والنشيد وعيون الأجهزة الساهرة وما تورثه سطوتها من رعب ومهانة. هذا فضالً

عن جنوح الدول إلى التخيلّ عن مسؤوليتها في مضمار التربية أو عن هزيمتها في هذا المضمار أمام الطواقم

الدِّينية وما في أيدي هذه الطواقم من مدارس ومعابد وفضائيات...

2(((لا غَرْوَ أنّ تَوزّع أهواء الطوائف في الدولة الواحدة أو أهواءِ القوى الممسكة بأزِمّتها بين أقطاب مذهبية متقابلة تتنازعها من الخارج

يسعه أن يحول دون التوصّل إلى توافق مستقرّ على قسمة طائفية للسلطة، وحتى من دون التوصّل إلى صيغة فدرالية مستقرّة. ويزداد هذا

الاحتمال قوّةً حين يقترن ذاك التوزّع بسيطرة كلّ من أقطاب الخارج على الطائفة التي تجانسه. فإن هذه الحال تعسّر التوصّل إلى مبادئ

مشتركة بين «مكوّنات» البلاد للسياستين الخارجية والدفاعية وحتى إلى سياسة اقتصادية متماسكة. وذاك أن الحياد بين أقطاب الخارج

(على الغرار السويسري) شرط واجب للاستقرار ههنا، وهو ما تجعله التبعيات المتعارضة للخارج أمرًا مستبعدًا أو متعذّرًا.

(27) Dominique Chevallier,   La Société du mont Liban à l’époque de la révolution industrielle en Europe , bibliothèque archéologique et historique; 91 (Paris: P. Geuthner, 1971), chap. 15 esp.

2(((انظر بصدد تجربة اللبرلة في سورية: محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح (بيروت؛

الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0122)، وعلى الخصوص الفصول الثاني إلى الرابع. وراجع بصدد تجربة

.Pierre-Jean Luizard, La Question irakienne (Paris: Fayard, 2002), chap. 6 اللبرلة العراقية في ظروف الحرب والحصار:

شتاء 2015

فلا يتيرسّ ردٌّ على تخيلّ الدولة هذا وعلى فتك فئة «الذئاب الشابّة» الذائعة الصيت بمقوّمات معاش

البشر وموائل الأمان المتاحة لهم سوى في العشيرة، إذا وُجِدَت وصَلُحت أمورها، وفي الدِّين أو في

أشدّ صيغه عنفًا بالأفضلية. فبهذا يتحصّل أحيانًا ملجأٌ من الحاجة، وبهذا تُغسل المهانة أيضًا ويتاح

للمواطن المسحوق أن يحتقر محتقريه ويتاح له أن يُرْهِب مرهبيه عندما تأتي الساعة. وهو إذ يفعل لا

يغادر حداثةً يتعذّر الخروج منها أصالً. بل العشائر، مثالً، تعيد اكتشاف نفسها وتنتعش، ويلتقي أبناؤها المشتّتون تحت كلّ سماء بفضل صفحة تتّخذها العشيرة على الفيسبوك. وحين يتّخذ الردُّ الدِّين

مركبًا يعتمد أشدَّ تآويله عصبية وجنوحًا إلى العنف. وهذا ردّ تلتقيه وتزكّيه مليارات عائمة أسبغَها

النفط على أكثر الخلائق محُْقًا وتعصّبًا، فأصبحت تغني منظّمات المتشدّدين عن دعم الدول أو تضاف

إليه بلوى إلى بلوى. هذا كلّه يوضح أن ما يسمّى الحداثة مركّب تتباين مكوّناته من حالة إلى حالة ولا يُتصوّر بمعزلٍعن القوى

التي تضلع فيه وعن البيئات الاجتماعية التاريخية التي يتّخذ موقعًا له فيها. وهذا مع العلم أن تجارب

الشرق العربي من سابق وراهن تفيد أن المنظّمات الطائفية أقدر من العوائل والعشائر على الاستيعاب الاجتماعي، بفضل شبكة الموارد التي يسَعُها نسجُها، لمن يلجأون إليها. وهي أيضًا أقدر من العوائل

والعشائر على التعبئة للقتال وأقدر، بفضل الاستقاء من الدِّين، على تزويد المعبَّئين قضيةً ومثاالً يبدوان

جديرين بالتضحية. وأما اليوم، فنحن في وسط الخراب الذي تضطلع بقسط منه الطائفية، في بعضٍ من مجتمعات هذا الشرق، وتنذر به أخرى. ولا تشجّع هذه الحال على اعتبار الطوائف مكوّنات سياسية بنّاءة تُعْتمد لإصلاح الأنظمة

التي لا تزال على خللها ذي البُعد الطائفي، أو لتجاوز الخراب المتمادي الذي ورث هذه الأنظمة.

لا يؤمل من الطواقم الطائفية، على التخصيص، وهي مقيمة على الاستنفار بعضها في وجه بعض وعلى

حفظ «وحدة الصفّ» الطائفي، مسلكٌ يتّخذ مبدءًا ثابتًا له احترامَ الحرّيات وتعدّدَ التوجّهات في الطائفة

نفسها. مع ذلك، لا يزال يبدر من هنا أو من هناك كلام يرى الحلّ في مقاسمة جديدة للسلطة بين الطوائف تأتي أقربَ إلى الإنصاف، أو يَعْتبر هذه المقاسمةَ الجديدة، في الأقلّ، أمرًا محتومًا لا يظهر في أفق الحلول

سواه. ولعلّ أوّل ما يجب قوله في هذا المساق أن «ما لا بدّ منه» قد لا يكون ح أصالً بل قد يكون، مع

«ضرورته»، هو الشرَّ الأعظم أو المصدرَ الأغزر لشرور لا تنقضي.

(2((في أنظمة الاستبداد العربية التي قامت في وجهها انتفاضات السنوات الأخيرة، كانت اللبرلة الاقتصادية سببًا لتجريد الدولة من

الموارد التي كانت تشتري بها ولاء الفئات الضعيفة اقتصاديًا. انظر بصدد الحالة السورية مثالً: Thomas Pierret, «La Syrie d’un

Soulèvement à l’autre,» in: M’hamed Oualdi, Delphine Pagès-El Karoui et Chantal Verdeil, dirs., Les Ondes de choc des révolutions arabes , Contemporain publications; 36 (Beyrouth: Presses de l’Ifpo, 2014), chap. 11, sur le web: <http:// books.openedition.org/ifpo/6686>.

((3(قدَّمت الحرب اللبنانية (990-19751) وكذلك الحرب السورية الجارية أمثلةً على اتجاه الطائفة إلى التغلّب على العائلة

والعشيرة إطارًا للمواجهة. ولا تخالف الحالة العراقية التي بدا المعطى العشائري فيها بارزًا جدًّا هذه القاعدة إذا نُظر إلى التجاذب

الطائفي العشائري في مدى زمني كاف.

(3((انظر ملاحظات على الصيغة «التوافقية» مستقاة من الحالة اللبنانية في: بيضون، لبنانص.75 - 65

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

المُحاصّة

لا يسعنا أن نتجاوز ههنا إشارات إلى ما يساق لمصلحة الطائفية من حجج تتعلّق بالأنظمة السياسية

الصالحة لما يسمّى «المجتمعات المركّبة». الإشارة الأولى هي أن عالم اليوم لم يبقَ فيه كثير من الدول تتسيد

على مجتمعات غير مركّبة. يُردّ قسطٌ من هذا الواقع إلى موجات مهولة من الهجرات اتّصلت قرونًا وكوّن

اولدو الاهحب تاعمتمج اهُضعبً هي دول مهاجرين متنوّعي الأصول. ويُردّ قسطٌ آخر من الواقع نفسه

إلى يقظة الهويات الجزئية تحت كلّ سماءٍ تقريبًا، وهي التي كان يوهِم خدَرُها النسبي أو الموضعي المديد

بحصول التجانس حيث لم يكن حاصالً أو كان حصوله عرضة لاختلال مرجَّح يُسْتجد. بناء عليه،

لا تبدو فرنسا اليوم مجتمعًا «بسيطًا» ولا هذه حال مصر. وتعتمد الولايات المتحدة نظامًا فدراليًا ولكنه

غير قائم على المقاسمة بين الإثنيات أو الطوائف (وهي هناك لا تحصى)، بل هو يحظُر اعتبار هذا النوع من

الانتماءات مصدرًا لحقّ أو لأفضلية في الحياة العامة، ويحظُر اعتبار ذاك حاجبًا لهذين. ويستفاد من مقارنة بعض الحالات بغيرها أن اعتماد تقاسُم السلطة نظامًا إنما يَتْبع عوامل مختلفة يتعذّر

ردّها إلى مجرّد الصفة المركّبة التي باتت قدرًا مشتركًا للكثرة الكاثرة من المجتمعات. يتعين أيضًا ملاحظة

انحصار النجاح في قلّة قليلة من هذه الحالات والفشل المنتشر في هذه الفئة من الأنظمة، سواء لجهة انتكاس العلاقات بين المكوّنات إلى العنف أو لجهة أزمات الحكم المتمادية وافتقاره الاستثنائي إلى الفاعلية

أو لجهة الاستشراء غير الملجوم للفساد الهيكلي والعجز عن إرساء «حالة الحقّ» التي ندعوها بالعربية

«دولة القانون»، أو لجهة الضعف الذي يعتري الرابط الوطني ويغري باستمداد القوّة من مصادر تكون

مجانسة في خارج البلاد لهذا المكوّن أو ذاك، أو تكون متاحة وحسب. وهو ضعف يتطرّق بالضرورة إلى

استقلال الدولة حيال قوى الخارج وإلى سيادتها على مواطنيها وأراضيها أيضًا. وفي تقديرنا أن اعتماد مقاسمة السلطة أو نبذَها مخرجًا من نزاعٍ بين مكوّنات مجتمع ما أمرٌ لا غنى فيه عن

إمعان النظر في حالات النجاح والفشل الآنفة الذكر، وفي أسبابهما، ولا غنى فيه أيضًا عن الأخذ برأي سائد

بين دارسي هذه الفئة من الأنظمة وهو أن اعتمادها يجب أن يكون مؤقّتًا ومشروطًا بإجراءات تُيرسّ الخروج

منها بعد مرحلة يستفاد منها في توطيد الثقة وتعزيز التخالط بين المكوّنات. فإذا لم يحصُل هذا واقتصُر حصاد

المرحلة تلك على المزيد من تبلّر المكوّنات وتصلّب الحدود بينها، كان ذلك - في ما يقدّر أولئك الدارسون -

نذير عودة إلى مناخ الأزمة والعنف. فضالً عن ذلك، نرى خطرًا في استعجال القائلين ب«تقاسم السلطة»

وب «التوافق» تقديم وصفتهم العامّة هذه قبل تفحّص الحالة المعروضة وقبل العناية، على الخصوص، بطبيعة

«المكوّنات» التي يتشكّل منها المجتمع المركّب. فليس صحيحًا أن النزاع بين الإثنيات، مثالً، هو نفسه حيث

وُجِد، وأنه يجوز وصف علاج له قبل النظر في أحوال الأطراف المحدّدة لهذا النزاع المحدّد، أي في حاجات

كلٍّ منها وإمكاناته والنزعات الفاعلة فيه، وفي تاريخ العلاقات بين هذه وتلك منها وفي شبكة العلاقات

الخارجية لكلّ منها.. إلخ. أسوأ من ذلك أالّ يُنْظر إلى الفرْق بين حالة تتواجه فيها جماعات لغوية وأخرى

((3(نقع على عرض متقابل للحجج المؤيدة وتلك المعارضة للتوافقية في: Brendan O’Leary, «Building Inclusive Society,»

(Background Paper for Human Development Report, UNDP, 2004), pp. 23-37.

ويسع القارئ أن يقارن الحجج المجرّدة تلك بما يعرفه من الوقائع المتعلّقة بالنظام التوافقي في دولة بعينها.

شتاء 2015

تتواجه فيها جماعات قومية وثالثة تتواجه فيها طوائف دينية ورابعة يختلط فيها حابل الأديان بنابل القوميات

واللغات، وذاك أن العصبيات لا تتماثل مفاعيلها العلائقية إذا هي اختلفت، وأن النظر في التاريخ، فضالً

عن الحاضر، وفي اعتبارات الداخل، فضالً عن مؤثّرات الخارج، واجب في كلّ حال. وما دامت الطوائف هي مدار البحث، فلنقُل إن حمولة الماضي الإسلامي، بما فيها من أثقال العلاقات بين

مذاهب الإسلام نفسه ومن أثقال العلاقات بين الإسلام والأديان التي سادَها ثمّ اعتربَ بعضُ أهْلِه أن دوالً

منسوبة إلى بعض تلك الأديان، قد سادَتْه في هذا العصر، إنما يجب اعتبارها بين أعسر الحمولات علاجًا

وأعصاها على التخفيف. وإذا كان لنا هنا أن نعود إلى الحالة اللبنانية مثاالً، جاز التذكير بأن طائفة هي أهل

السنّة يسعها أن ترى نفسها صاحبة سلطان تاريخي سليب كان بعيدًا عن الإقرار بالمساواة الحقوقية بين

أهل الأديان المختلفة أو بين البشر على التعميم، وأن أخرى هي طائفة الشيعة رأت نفسها ضحية لظلم

مقيم ومؤتمنة على حقّ سليب أيضًا، وأن طائفة ثالثة هي الطائفة المارونية رأت في نشوء الدولة اللبنانية

حصيلة كفاح استطال من صدر الإسلام إلى اليوم، وحَفِظ لها استق هلاَ ا الفعلي بجبالها عن دول المسلمين

وهيمنتهم. ليس هذا وحسب، بل إن الطائفتين الإسلاميتين تطوي نُخَب نافذة في كلّ منهما جناحها على

إيمان بوحدانية الحقّ، وعلى صيغة مقدّسة للحكم تراها مؤسّسةً في الدِّين وملزِمةً بمعايير وصيغ للعلاقة

بالجماعات غير الإسلامية، وبأهل المذاهب الأخرى المحتسِبة نفسها من المسلمين أيضًا. وهي معايير

وصيغ لا تتّخذ المساواة الحقوقية بين البشر منطلقًا لها. فإذا كان هذا قد يُطوى ردحًا من الزمن وتُعتمدُ

لغةٌ في ختَاطُب الجماعات تخفّف من وطأته أو تُغايره، فإن طي الصفحة لا يبطل نصًّا من القبيل الدِّيني يَعدّ

نفسَه عصيًا على الزمن ولا يمنع إنعاشَه في ظرف جديد واختّاذَه من جديد رايةً وعدّة قتال.

معالجات...

معنى هذا أن الميْل بالطوائف نحو التحوّل إلى وحَدات سياسية لدولة من الدول إنما هو، على الأرجح،

حُكْم على هذه الدولة بفَرْطِ عَقْدها عاجالً أو آجالً وبالإقامة، حتى ذلك الحين، في تاريخ يشكّله تَعاقُب

الحروب والهدن. فإذا قيل إن هذا هو الحلّ الوحيد اللائح في أفق نزاعٍ ما وجبَت الإجابة - مرّةً أخرى -

بأن صفة الحتمية لا تبطل بالضرورة صفة الكارثية. ووجبَت الإشارة أيضًا إلى ما رآه دارسون ذكَرْناهم

من أن المُحاصّة يجوز أن تعتمد صيغةً مؤقّتة ولكن يجب التثبّت من جدّية الإجراءات والمواعيد التي تحول

دون جعل المؤقّت هو وحده الذي يدوم، على قولٍلبناني آخر... في هذا الباب، بينّا في أعمال سابقة تناولت النظام اللبناني، في أطواره الأخيرة، كيف أن بلوغ الطائفية

أوْجَها أو مآهلَا، أي حتَ قُّق الوحدة السياسية أو - في الأقل - وحدانية التمثيل السياسي للطائفة، يفضي إلى

أزمة في نظام المُحاصّة الطائفية مرجَّحة الاستعصاء، وذاك أن تمثيل الطائفة في النظام يصبح حمُاالً إذا

تعذّرَت تلبية مطلب، مهما يكن، لممثّلها الوحيد وقرّر التنحي. هذا فيما الاستغناء عن تمثيل طائفة ما محال

أيضًا في منطق هذا النظام. وينتهي حقّ النقض الذي تتصرّف به الطائفة في هذا النظام إلى شعور بالمساواة

بين الطوائف، بقطع النظر عامّ يقوله الميزان، ما دامت كلّ منها قادرة على تعطيل الحكم من غير بديل متاح

((3(يتبدّى من خبرة السنوات الأخيرة في لبنان أن بلوغ الطائفية أوج قوّتها هو نفسه بلوغ أزمة النظام السياسي القائم عليها

أوج استعصائها.

للطائفية تاريخ... في تَشكُّل الطوائف وحَداتٍ سياسيّة

لممثّلها المعطِّل، وهو ما يجعل عمل التحكيم الضروري لفضّ أي نزاع بين طائفتين أو أكثر، أو بين طائفة

و«السلطة العامّة»، معطَّالً بدوره بسبب الانتماء الطائفي الحُكْمي إلى المحكّم، فردًا أكان أم هيئة. وهو ما

يبيح القول إن بلوغ الطائفية غايتها يَؤُول إلى ولوج النظام الطائفي في أزمة غير منظورة الختام إن لم يَؤُل إلى

تفجّر هذا النظام وإلى تجديد الفوضى العامّة. هذا ولا يزكّي التوجّسُ من المحاصّة الطائفية أي ميل إلى قمع الطوائف أو إلى كبت الطائفية، بما هي

موقف مشتمل على بُعد سياسي ومطالبة تترتّب عليه. بل تكون حقوقها وحرّياتها، على اختلاف الميادين،

مصونة في القوانين، وإنما يتعين الابتعاد عن اعتبار الدولة - بالعبارة اللبنانية أيضًا - قالب جبنة تتقاسمه

الطوائف. والواقع أن من يضرب الدولة اللبنانية مثاالً يحتذى في حالات عريبة أخرى هو إمّا جاهل

بهذه الحالة وإمّا مذعور من مغادرتها إلى ما هو أسوأ. فالحالة اللبنانية التي تُشتْرى فيها الحرّيات بتعطيل

القوانين لا بحمايتها، وبالحماية الطائفية للفساد عِوضَ سؤال المسؤول، وبالتوزّع الجماعي بين تبعيات

تعتبر وطنيةً فائضةً في صيغها جميعًا، وبالإشراف الدائم على الحرب الأهلية، إنمّا هي التجسيد الأمثل لما

سبق بيانه من عورات الطائفية. فإذا التفتنا إلى احتمال «التقسيم» بمعنى الطلاق البائن، وهو ما يستسلم لإغرائه، بشيء من التعجّل،

محلّلون يرون له أفضليةً على المذبحة المفتوحة، وجدنا دونه عقبات مهولة! من ذلك أن دول الشرق العربي

اليوم لا تختلف عن سواها لجهة تجمّع معظم السكّان في مدن قليلة العدد، أخصّها العاصمة، تتوافر لهم

فيها أسباب المعاش وتكون مختلطةً، عادةً، لجهة المكوّنات، متوازنًا أكان حضور هذه الأخيرة أم غير

متوازن، فيصبح معنى تقسيم المدينة - إذا أمكن أصالً - قتلها. ويصبح إحلال التجانس فيها بتهجير

غير المرغوب فيهم مشروعَ نومٍ على جريمة كبرى يقترفها الطرف الأقوى، ويرجّح أالّ يستغني تنفيذُ ها

عن مذابح. هذا فيما يحيل الانفصال الأقلّيات التي تبقى في كلّ كيان جديد من غير الفئة الغالبة عليه إلى

هوامش منتقَصة الحقوق والكرامة ودائمة الخوف على المصير... هنا أيضًا - والقول لإنغلز - «لا يعتبر

نفاد الصبر» (ونقصد صرَبَْ المحلّلين) «حجّةً سياسية». وأما مبدأ المعالجة الذي نراه جديرًا بالتأمّل مع الإقرار ببعده الشاسع عن متناولنا، فهو أن يقابل الابتعادَ

عن المحاصّة الطائفية إنشاءُ مؤسّسات سياسية وحقوقية توفّر ضمانات تقمع التمييز على أساس الطائفة

على غرار قمعها التمييز، في الصيغة المعاصرة لحقوق الإنسان، على أساس العنصر أو الجنس أو اللغة

.. إلخ. ولا يشترِط هذا الحظر تحصُّل «وحدة قومية» ما تطمس الحدود بين الطوائف أو بين غيرها

من مكوّنات البلاد، وإنما يَعْتبر بكون ما يسمّى «دولة أمّة» قد أصبح، في هذا العصر، ضحية خطأ

شائع في التسمية، فلا تبدو الوحدة القومية بمعناها القديم شرطًا متحقّقًا في دول اليوم عند إمعان

النظر، وإنما تجمع الدولة على أرض بعينها جماعاتٍ ينتظمها دستور ومؤسّسات، وتَرفد تساكُنَها تقاليدُ

ومشتركاتٌ ثقافية وقبولٌ متبادل بما هو مختلف من التقاليد والقيم، وتوفّر لها الدولةُ حماية مختلفة الوجوه

ورعاية ونموًّا.. إلخ. ليس ما يرجى التوصّل إليه دولةً أمّةً إذن، ولا دولةً قومية أو وطنية (والتمييز

العربي بين هذه المصطلحات مضطرب)، وإنما هو «دولة مواطنين» متساوين أمام قوانين اشتركوا في وضعها وموفوري الحرّيات والكرامة. هذه الدولة لا يسعها بحال أن تكون الدولة الطائفية.

لا يسع دولةَ المواطنين أيضًا أن تنشأ بلا مواطنين أحرار يعملون لإنشائها ويتّخذونها غاية لنضالهم

ويَكْسِبون لها الأنصار. فأين هم؟

مراجع إضافية

-1 العربية

كتب

حبيب، كميل. لبنان: الهُدْنةُ بين حَرْبيَن. بيروت: المؤسسة الحديثة للكتاب،.2014

سنّو، عبد الرؤوف. لبنان الطوائف في دولة ما بعد الطائف: إشكالياتُ التعايش والسيادة وأدوار الخارج.

بيروت: المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، 014.2 (نصوصٌ ودراساتٌ بيروتية؛.)135

صاغية، حازم. الانهيار المديد: الخلفية التاريخية لانتفاضات الشرق الأوسط العربي. بيروت: دار الساقي،.2013

غليون، برهان. المسألةُ الطائفية ومشكلة الأقلّيات. ط 3. بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات،.2011

مقلّد، محمّد علي. الشيعيةُ السياسية: بحثٌ في معوّقات بناء الدولة. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2012

نصر، سليم. سوسيولوجيا الحرب في لبنان: أطراف الصراع الاجتماعي والاقتصادي، -1970 1990.

بيروت: دار النهار للنشر، 013.2 دورية

بيضون، أحمد. «مصطلحا ‹طائفة› و‹طائفية›: ترسيمٌ لنسَبهما الدلالي على نية المترجمين.» بدايات:

العددان 4-3، خريف -2012 شتاء.2013

-2 الأجنبية

Abd al-Jabbar, Falih and Hosham Dawod (eds.). Tribes and Power: Nationalism and

Khoury, Philip S. and Joseph Kostiner (eds.). Tribes and State Formation in the Middle

Kymlicka, Will and Eva Pföstl (eds.). Multiculturalism and Minority Rights in the Arab

Seurat, Michel. Syrie, l’État de barbarie. Nouvelle éd. revue et augmentée. Paris:

Rowe, Paul S. «Christian–Muslim Relations in Egypt in the Wake of the Arab Spring.»

شتاء 2015

Books

Abd al-Jabbar, Falih. The Shi’ite Movement in Iraq. London: Saqi Books, 2003.

Ethnicity in the Middle East. London: Saqi Books, 2003.

East. Berkeley: University of California Press, 1990.

World. Oxford: Oxford University Press, 2014.

Presses universitaires de France, 2012. (Proche-Orient)

Periodicals

Digest of Middle East Studies: vol. 22, no. 2, Fall 2013.