المذهبية في المشرق العربي الحديث: الحالة العثمانية الصفوية
Confessionalism in the Modern Levant: the Ottoman and Safavid Cases
الملخّص
تحتل المذهبية مساحة واسعة في النقاشات السياسية والدينية في منطقة المشرق العربي منذ اوائل عقد الثمانينات من القرن العشرين حيث وقعت الثورة الاسلامية في ايران. ومع تطور الاحداث السياسية زادت المساحات التي يشغلها النقاش المذهبي بما في ذلك استحضار التاريخ في محاولة للتأكيد على ان المذهبية في منطقة المشرق لها ماضٍ طويل ومرتبط بشكل اساسي بالعلاقة بين الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على المشرق العربي وبين الدول الصفوية التي كانت تسيطر على ايران. تسعى هذه الورقة الى دراسة تأثير الاختلاف المذهبي على العلاقة بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية، حيث تركز الورقة على سلوك الدولتين نحو بعضهما البعض والنحو الذي تطورت فيه علاقاتهما، وهل تأسست الخصومة او العداوة على اساس التباين المذهبي ام أن هناك عوامل أخرى كانت تتفاعل كالبعد القومي والتنافس على الجغرافي؟
Abstract
Confessionalism has held a major space in political and religious debates in the Arab world since the early 1980s, following the Islamic revolution in Iran. With the evolution of political events, the space devoted to discussion of confessionalism grew to include historical invocations in an attempt to assert that confessionalism in the Arab Levant has a long past. This is fundamentally linked to the relationship between the Ottoman state that dominated the Levant and the Safavid state that ruled Iran. This paper looks at the effect of confessional difference on the relationship between the Safavid state and the Ottoman state. It focuses on the behavior of these two states towards each other and the way in which their relationship developed. Was their animosity or hostility the result of confessional difference, or were there other factors that interacted, such as the nationalist dimension and geographic competition?
- المذهبية
- المشرق العربي
- العثمانيون
- الصفويون
- الشاه عباس الكبير
- الهجرة العاملية
- Confessionalism
- Arab Levant
- Ottoman State
- Safavid State
- Migration of Shiite Ulama of Jabal Amel
تحتل المذهبية مساحة واسعة في النقاشات السياسية والدينية في منطقة المشرق العربي منذ
أوائل عقد الثمانينيات من القرن العشرين، بعد حدوث الثورة الإسلامية في إيران. ومع
تطور الأحداث السياسية، توسعت المساحات التي يشغلها النقاش المذهبي، بما في ذلك
استحضار التاريخ في محاولة لتأكيد أن للمذهبية في منطقة المشرق ماضيًا طويالً ومرتبطًا
على نحو أساسي بالعلاقة بين الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على المشرق العربي والدول
الصفوية التي كانت تسيطر على إيران. يسعى هذا البحث إلى دراسة تأثير الاختلاف المذهبي في العلاقة بين الدولة الصفوية
والدولة العثمانية، فيركز على سلوك الدولتين بعضهما تجاه بعض، والنحو الذي تطورت فيه
علاقاتهما، وهل تأسست الخصومة أو العداوة على أساس التباين المذهبي أم أن هناك عوامل
أخرى كانت تتفاعل، كالبُعد القومي والتنافس على الجغرافي.
مقدّمة
استعادت الذاكرة التاريخية في المنطقة العربية تحديدًا منذ سنة 9791 الخلاف المذهبي بين الدولة
الصفوية، التي قامت على أساس المذهب الجعفري الاثني عشري، والدولة العثمانية، التي بُنيت
على أساس المذهب السُني. وقد تزايد التركيز على ذلك البُعد المذهبي بسبب تزايد الدور الإيراني في
المحيط العربي، ولا سيما مع انعكاسات الحرب بين العراق وإيران، وكذلك تزايد النفوذ الإيراني في مناطق
عربية، مثل منطقة الخليج وسورية ولبنان. واستُعمل مصطلح الصفوية كثيرًا في إشارة إلى أن إيران تحكمها
سياسة مذهبية تدفع إلى تعزيز الطائفية أو المذهبية في المنطقة.
شتاء 2015
يجدر التوقف عند التجربة في العلاقة بين أكبر دولتين، تمثّل إحداهما المدرسة الجعفرية الاثني عشرية وتمثّل
الأخرى العالم السُني، في ظل هذا الاسترجاع التاريخي الذي تزايد بشكل لافت بعد سنة 0032، حين
تم الاجتياح الأميركي للعراق وتعاظم النفوذ الإيراني في هذا البلد، مذكّرًا بالصراع بين الدولة العثمانية
والدولة الصفوية في العقود الأربعة الأولى من القرن السادس عشر، ولا سيما المتعلق منه في السيطرة على
بغداد والنجف وكربلاء. يرى البحث أن ظاهرة المذهبية تطورت وفق نسق سياسي ارتبط بالسياق الزمني والدورات التاريخية
المتعلقة بمدى قوة أو ضعف الدولتين، وكذلك تغير موازين القوى، كما أنه ارتبط برغبة كل دولة في
التوسع الجغرافي، ولا سيما في ما يتعلق ببلاد الشام والعراق. من جانب آخر، يفترض البحث أن البُعد
المذهبي بالنسبة إلى الدولتين العثمانية والصفوية ارتبط بشكل كبير بالعرب، سواء تعلق ذلك بالإنسان أو
بالجغرافيا، وسيظهر ذلك عند الحديث عن هجرة العلماء الشيعة من العرب إلى إيران الصفوية، وكذلك
التنافس العثماني - الصفوي على العراق.
الديني والسياسي في العلاقة العثمانية - الصفوية
ظهرت الدولة الصفوية بعد حوالى ثلاثمئة سنة من تأسيس الدولة العثمانية التي سُمّيت أيضًا الإمبراطورية
العثمانية. ففي مطلع القرن السادس عشر الميلادي/ العاشر الهجري، ترسخت سلطة الشاه إسماعيل
الصفوي، المتحدر من أسرة عُرف مؤسسها الشيخ صفي الدين الأردبيلي بأنه كان شافعي المذهب وكان
يعيش في فضاء ديني يغلب عليه التصوف، وذلك في أواخر الثامن الهجري. في ذلك الفضاء الصوفي،
نشأت المراحل الأولى في التأسيس لعودة المدرسة الشيعية الاثني عشرية إلى إيران، وهو تحوّلٌ ظهر في
بداياته متأثرًا بموجة التصوف التي كانت منتشرة في الهضبة الممتدة من شمال إيران إلى شمال العراق فإلى
هضبة الأناضول التي تُشكل اليوم اجزءًا من تركيا. بدت المذهبية ظاهرةً ملازمة في علاقة الدولتين، وهذا ليس بالضرورة حاضرًا في الوعي السياسي لكلا
الطرفين. بعبارة أخرى، ربما لا يكون حاضرًا كما هو حاضر في التاريخ المعاصر للمشرق العربي. لكن على
الرغم من ذلك، لا يمكن تجاوز ملامحه المتطورة بشكل متواصل في علاقة الدولتين بعضهما ببعض. جاء الشاه إسماعيل إلى إيران من خلفية صوفية - شيعية مرتكزة على فكرة المُريد والمرُاد، وهي الفكرة
التي كانت متغلغلة في كلٍّ من شمال العراق وإيران وشبه جزيرة الأناضول، وهو ما يدفع إلى القول إنه
كان لدى الدولة العثمانية أيضًا شيء من التصوف في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين/ الثامن
والتاسع الهجريين، لكنها استندت إلى حقيقة أنها دولة اعتمدت على أن العثمانيين كانوا قبائل غازية
ومتنقلة بشكل سريع من شرق أوروبا الى منطقة المشرق العربي الحديث. هذه القبائل استندت دينيًا إلى
المذهب الحنفي الذي حقق انتشارًا كبيرًا في الفترة العثمانية بفضل انتشارها الجغرافي، وهو الأمر الذي
(((للمزيد بشأن تأسيس الدولة الصفوية، انظر: محمد كريم يوسف جمالي، تشکیل دولت صفوی وتعمیم مذهب تشیع دوازده امامی به
عنوان تنها مذهب رسمی (تأسيس الدولة الصفوية ونشر المذهب الشيعي الاثني عشري كمذهب رسمي) (اصفهان: انتشارات امیر کبیر
شبعه اصفهان، 9931)، ص 46-19 و 50-143 1، وتاريخ إيران (دوره صفوي)، ترجمة يعقوب آجند (طهران: مطبعة شفق، 0012)،
ص 49-7. الترجمة بالفارسية لكتاب صدر ضمن سلسلة تاريخ إيران عن مطبعة جامعة كامبريدج بالإنكليزية ويركز على الصفويين.
المذهبية في المشرق العربي الحديث: الحالة العثمانية - الصفوية
جعل منه بعد ذلك مصدرًا مهامً في تشريعات الدولة العثمانية وشرعيتها. وقد تعزز العامل المذهبي
في الدولة العثمانية بعد السيطرة على بلاد والشام ومصر تحديدًا؛ فالخلافة الإسلامية السنية التي كانت
قد نُقلت من بغداد إلى القاهرة عبر المماليك، نقلها العثمانيون بكل إرثها الديني والمعنوي إلى اسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية، وأصبح السلطان خليفة للمسلمين. وكان لهذا تأثيره في حالة الخصومة المذهبية بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية. ساهمت فكرة التصوف التي ورثها الشاه إسماعيل عن أجداده في تجمّع الناس حوله، ولا سيما أن إيران
خلت من أي دولة مركزية طوال قبل أكثر من قرن ونصف قرن من نشأة الدولة الصفوية. في هذا السياق جاء ظهور الصوفية القزلباش (أصحاب الشارات الحمر) الذين تعهدوا بالدفاع عن الدولة الناشئة وعمن هو مُراد بالنسبة إليهم. وكان القزلباش يشبهون قوات الإنكشارية لدى الدولة العثمانية، إذ كان
يغلب على هؤلاء نمط الولاء الكامل للدولة وللشاه، وهو أمر ساعد الشاه إسماعيل عسكريًا، وخصوصًا
في السيطرة على إيران وإحكام قبضته السياسية، والسير نحو دولة مركزية بدأت عاصمتها من تبريز ثم انتقلت إلى قزوين ثم أصفهان. هذا كله لم يكن كافيًا بالنسبة إلى الشاه إسماعيل، ولا سيما بالنظر إلى القوة الموجودة إلى الغرب من دولته،
وهي الدولة العثمانية التي كانت تكتسب جزءًا من شرعيتها من أنها حامية للإسلام، ومن هنا كانت حاجة
الشاه إسماعيل إلى مصدر للشرعية، وما قام به هو أنه أعطى المذهب الاثني عشري تفوقًا سياسيًا في إيران؛
ذلك التفوق السياسي المستند إلى حاجة الدولة الجديدة آنذاك إلى مصدر للشرعية تتعزز من خلاله قوة الدولة الناشئة داخل إيران، وكذلك أمام الدول المجاورة لها والمتمثلة آنذلك في الدولة العثمانية في الغرب والدولة الأوزبكية في الشرق. لكن كان دون تحقُّق هذا الأمر عائق أساسي هو أن إيران لم يكن فيها من العلماء من يستطيع تحمل مسؤولية هذا الأمر الذي أراده الشاه إسماعيل، وذلك ما يؤكده حسن بيك
روملو في كتاب أحسن التواريخ، إذ يقول: «حتى مجيء الدولة الصفوية لم يكن لدينا (الإيرانيين) معرفة
بأصول المذهب الشيعي الاثني عشري». الحاجة إلى العلماء وإلى الشرعية الدينية السياسية أدخلت العرب كعنصر بشري وكجغرافيا إلى أتون مرحلة من المواجهة المذهبية السياسية بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية، وهي المواجهة التي سيفصّلها البحث عند الحديث عن الهجرة العاملية. مع تأسيس الدولة الصفوية في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، كانت الدولة العثمانية منشغلة بالتحضير لضم المشرق العربي والمتمثّل في بلاد الشام والعراق، وبعد ذلك مصر، وهو ما كانت الدولة العثمانية
بحاجة إليه، ولا سيما إذا تذكرنا أن العرب هم مادة الإسلام الأولى، وعلى أرضهم الأماكن المقدسة وعلى رأسها مكة التي تعزز من شرعية من يسيطر عليها أو يخدمها. ولم يكن توجه الدولة العثمانية إلى تلك المنطقة
(((جعفر المهاجر، الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي: أسبابها التاريخية ونتائجها الثقافية والسياسية (بيروت: دار الروضة،
9891)، ص.32-31
(((تُعَدّ الدولة الأوزبكية الدولة السنّية الوحيدة التي كانت تسيطر على أجزاء من أواسط آسيا وأفغانستان. ويعود الفضل في تأسيسها
إلى شيباني خان. نشطت الدولة الأوزبكية في النصف الثاني من القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر الميلاديين. وتشير
المصادر إلى تواصل بين العثمانيين والأوزبك لتشكيل تحالف ضد الدولة الصفوية. للمزيد انظر: محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة
الصفوية في إيران، 1148-907 ه/ 1736-1501 م (بيروت: دار النفائس، 0092) ص 62 -.66
شتاء 2015
بعيدًا عن تطورات العلاقة بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية؛ ذلك أن الدولة الصفوية كانت آنذاك
قد بدأت التواصل مع الدولة المملوكية في مصر وبلاد الشام. لكن التواصل لم يستمر طويالً بسبب معرفة
المماليك أن الدولة الصفوية قد تكون على تواصل مع دول أوروبية للقضاء عليهم، وهو أمر لا يبدو دقيقًا
بالنظر إلى أن علاقة الدولة الصفوية بأوروبا بدأت في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي.
وحاولت الدولة الصفوية التواصل مع المماليك بعد الهزيمة التي تلقتها في معركة جالديران سنة 514 1،
تلك المعركة التي تظهر أن جانبًا مهامً في المواجهة بين الدولتين إنما كان يعود إلى عوامل سياسية تتعلق
ببسط النفوذ والتوسع الجغرافي. لكن الظرف التاريخي لم يكن يخدم الدولتين، فالدولة المملوكية مُنيت
بأول هزيمة لها أمام الدولة العثمانية في معركة مرج دابق سنة 5161، وبذلك بدأ تمدد الدولة العثمانية حتى
وصلت إلى القاهرة، عاصمة الدولة المملوكية آنذاك. على الرغم من أن التحليل الغالب في دراسة أسباب معركة جالديران يميل إلى ردّه إلى دور الجغرافيا
السياسية والتنافس في السيطرة على هضبة الأناضول بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية، فإن البُعد
المذهبي يصعب تجاوزه؛ إذ يشار إلى أن محاولة شيعية في مناطق آسيا الوسطى بقيادة شاه قلي للانتفاض على
سلطان الدولة العثمانية قد سبقت معركة جالديران. صحيح أن السلطان سليم تمكن من القضاء على تلك
المحاولة، واستعادت الدولة العثمانية سيطرتها على المناطق المناوئة لها، إلا أن الحادثة تلك شكّلت، على ما
يبدو، نقطة تحوّل لدى السلطان سليم في التعامل مع الشيعة المقيمين في الدولة العثمانية بشكل عام، ومنهم
المقيمون في المشرق العربي. ويبدو أن توجه السلطان السليم ضد الشيعة ساهم في تشجيع عدد كبير من
العلماء الشيعة على مغادرة أراضي الدولة العثمانية، ومنها جبل عامل في لبنان، كما سيأتي الحديث لاحقًا. في السياق نفسه، دفعت سياسة الشاه إسماعيل الأول، الذي ألزم سكان مدينة تبريز السنّة على تغيير
مذهبهم وإلا واجهوا القتل، الكثيرين، سواء كانوا من العلماء أو من العامة، إلى الهرب نحو الدولة العثمانية
أو الذهاب إلى مناطق أخرى في إيران حفاظًا على أرواحهم، وهو ما عزز حالة الخصومة المذهبية مع الدولة
العثمانية التي كانت منزعجة ممّا يتعرض له السُنة في إيران. وعلى الرغم من السياسة التي تبنّتها الدولة
الصفوية طوال القرن الأول من سيطرتها على إيران، فإن مدنًا إيرانية حافظت على مذهبها السُنّي. في سياق غير بعيد، تشير تطورات مصر المملوكية في مطلع القرن السادس عشر، وفق بعض المصادر، إلى
وجود بعض المؤيدين للدولة الصفوية في مصر قبل سيطرة العثمانيين، وهم بالضرورة شيعة، ومحاولة نشر
المذهب الشيعي الاثني عشري في مصر آنذاك ربما يمكن فهمها في إطار إحياء الصوفية في المشرق العربي، ولا سيما في مصر وبلاد الشام.
(((يذكر محسن الأمين أن السلطان سليم استند إلى فتوى فقيه حنفي في اعتبار الشيعة مارقين ويجوز قتلهم، وأن هذه الفتوى
ساعدت السلطان في معركة جالديران. انظر: محسن عبد الكريم الأمين، أعيان الشيعة، حققه وأخرجه حسن الأمين، 10 ج (بيروت:
دار التعارف للمطبوعات، 9861)، ج 1، ص.30
(5) Rosemary Stanfield Johnson, «Sunni Survival in Safavid Iran: Anti-Sunni Activities during the Reign of Tahmasp I,» Iranian Studies , vol. 27, nos. 1-4: Religion and Society in Islamic Iran during the Pre-Modern Era (1994), pp. 123-133.
(((انظر: نجم الدين محمد بن محمد الغزي، الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، حققه وضبط نصه جبرائيل سليمان جبور،
3 بيروت: [دار الفكر ج (]، 9551)، ج 1، ص 59-1581 وج 2، ص 55، أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي،
شذرات الذهب في أخبار من ذهب (بيروت: [د. ن.: د. ت.])، ج 8، ص.173
المذهبية في المشرق العربي الحديث: الحالة العثمانية - الصفوية
إن سعي كلٍّ من الدولة الصفوية والدولة المملوكية على تجسير العلاقات بينهما كانت متأثرة بالشعور
بالتهديد الذي كانت تمثّله الدولة العثمانية، والتي كانت تتمدد جغرافيًا بشرعة متنامية. هذا بالضرورة
يطرح تساؤالً حول إمكانية حدوث ذلك، ولا سيما أن الدولة الصفوية شيعية اثني عشرية ودولة المماليك
سُنّية. أما الإجابة فتكمن في فهم حركة التشييع التي قام بها الصفويون ولم تكن متيسرة إلا بدعم رجال
الدين العارفين بأصول المذهب الجعفري الاثني عشري والذين لم تكن حركتهم قد توسعت بعدُ في إيران.
من هنا، فإن البُعد السياسي والتهديد المشترك يبدوان الغالبين على رغبة الدولتين في التقارب.
عند الحديث عن السياسي والديني في الخصومة المذهبية بين الدولة العثمانية والصفوية، يجدر التوقف عند
محاولة الدولة الصفوية التشديد على حضور الدين في مشهدها السياسي. ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى
استحداث منصب شيخ الإسلام الذي كانت الدولة العثمانية قد استحدثته في أواخر القرن الخامس عشر
في عهد محمد الفاتح، وهو أعلى سلطة دينية في الدولة العثمانية؛ فقد تسلم العاملي حسين بن عبد الصمد
منصب أول شيخ للإسلام في الدولة الصفوية، وذلك في سنة 5551، أي في منتصف القرن السادس عشر
الميلادي/ العاشر الهجري. وتشير المصادر إلى أنه كان قريبًا من القزلباش ومتشددًا في مواقفه من السُنَة بشكل
عام. وعملية الاختيار في حد ذاتها تعكس حالة التنافس بين الدولتين وإثبات إسلاميتهما وشرعيتهما.
العرب والخصومة المذهبية العثمانية - الصفوية
بسيطرة الدولة العثمانية على المشرق العربي ومصر، دخلت الخصومة المذهبية الفصل الأساسي والأهم؛
ففي هذه المرحلة قصد علماء الشيعة العرب إيران وساهموا في نشر المذهب الشيعي الاثني عشري في إيران؛
هؤلاء العلماء القادمون من جبل عامل ومن البحرين والأحساء. وفي هذه المرحلة أيضًا تعزز الصراع
للسيطرة على العراق الذي كان يحتضن أهم المراكز الدينية للشيعة الاثني عشرية في مدينتي النجف
وكربلاء، وأصبح الحج إلى مكة أحد أهم مفردات الخصومة بين الدولتين الصفوية والعثمانية.
الهجرة العاملية
تُعَدّ هجرة علماء الشيعة العرب بشكل عام، سواء من شرق الجزيرة العربية - وتحديدًا من البحرين
والأحساء - أو من جبل عامل في لبنان، من أهم عناصر تطور الحالة المذهبية بين الدولتين الصفوية
والعثمانية. ولأن هجرة العلماء من مناطق شبه الجزيرة العربية أقل ارتباطًا بالدولة العثمانية، فإن هذا البحث
سيركز اهتمامه على هجرة علماء جبل عامل من لبنان؛ فالمعروف أن لبنان أُدخل تحت السيطرة العثمانية بعد
معركة مرج دابق سنة 5161، حين تمدد الوجود العثماني في مناطق بلاد الشام الأقرب جغرافيًا إلى عاصمة
الدولة العثمانية فشهدت تمددًا سريعًا للعثمانيين. وبناء على هذا التمدد، تضاعف التعدد العرقي والمذهبي
في الدولة العثمانية؛ فالعرب انضموا إلى بقية القوميات، كالتركية والسلافية وغيرهما من القوميات التي
سيطرت الدولة العثمانية على بلدانها. كما تعددت المذاهب الدينية، سواء الإسلامية منها أو غير الإسلامية،
(((للمزيد حول ملابسات تطور العلاقات، انظر:
طارق نافع الحمداني، «علاقات المماليك المصريين السياسية بالدولتين الصفوية والعثمانية في مطلع القرن السادس عشر»، المجلة
العربية للعلوم الإنسانية، السنة 5، العدد 17 (9851)، وطقوش، ص.70-68
(8) Devin J. Stewart, «The First Shaykh al-Islām of the Safavid Capital Qazvin,» Journal of the American Oriental Society , vol. 116, no. 3 (July - September 1996), pp. 387-405.
شتاء 2015
فالمسيحيون - على تنوع مرجعياتهم من كاثوليك وأرثوذكس وموارنة - أصبحوا ضمن دائرة السيطرة
العثمانية، وكذلك الشيعة من العرب. سبقت الإشارة إلى أن الدولة العثمانية استشعرت خطر الشيعة عليها في مناطق آسيا الصغرى، وأن
السلطان سليم تعامل مع هذاالواقع الذي ظهر متأثرًا بتأسيس الدولة الصفوية في أوائل القرن السادس
عشر. من هنا جاء الرد العثماني صارمًا، حيث كانت معركة جالديران أحد فصوله المهمة في منطقة
الأناضول. والدولة العثمانية لم ترغب في تحقيق النصر في جالديران لخشيتها من سيطرة الدولة الصفوية
وتوسعها على حساب الدولة العثمانية في الأناضول فحسب، بل كان المراد من هزيمة الدولة الصفوية
أيضًا إفشال مشروع الدولة الجديدة المختلفة مذهبيًا مع الدولة العثمانية. من المهم التذكير في هذا السياق
بأن الصفويين والأتراك العثمانيين يعودون إلى الأصول نفسها الممتدة من القبائل التركية التي انتشرت من
شمال إيران إلى شرق تركيا وكانت تشترك في اللغة والتقاليد وكذلك في انتشار الصوفية بينها. تمثّل هجرة العلماء من جبل عامل عامالً مهامً في تصاعد الحالة المذهبية في المشرق العربي، ولا سيما في
إطار العلاقة العثمانية - الصفوية؛ ذلك أن هجرة هؤلاء العلماء، الذين يذكر بعض المصادر أن أعدادهم
تجاوزت المئتي عالم في القرنين السادس عشر والسابع عشر ولم يرجع منهم إلى جبل عامل إلا عدد محدود،
تعطي مؤشرًا على وضع هولاء العلماء في ظل الدولة العثمانية. لقد كانت الدولة العثمانية أكثر ميالً إلى تمثيل أغلبية المسلمين، وهم في هذه الحالة المسلمون السُنة، الأمر
الذي ترك الآخرين في حالة من التوجس تجاه الدولة العثمانية. بالنسبة إلى العلماء الشيعة في جبل عامل،
يمكن القول إن بداية هجرتهم كانت في حوالى سنة 5041، أي مع تأسيس الدولة الصفوية، وهي هجرة
لم يكن في الغالب مرحبًا بها من جانب العلماء الشيعة في إيران، ولا سيما العلماء المستقرين في مشهد مثل
الأسياد من الطاجيك الذين كانوا لا يرون صواب تأسيس دول شيعية ما دام الإمام الثاني عشر غائبًا، وهي
النظرية التي بقيت سائدة في إيران حتى مجيء الخميني. من هنا، استطاع المحقق الكركي علي بن حسين بن
عبد العال (ت 940 ه/ 5341 م) أن يتبوأ مكانة عند الشاه إسماعيل، وأن يكسب ثقة الشاه طهماسب
الأول الذي منحه لقب نائب إمام الزمان، الأمر الذي أثار غيرة العلماء الآخرين، ولا سيما الإيرانيين منهم. ترتبط هجرة العلماء بقتل رجل الدين زين الدين بن علي الجباعي سنة 965 ه 557/1 م؛ إذ اعتبُر قتله مؤشرًا
على أن الدولة العثمانية لم تعد تحتمل الشيعة، وخصوصًا بعد معركة جالديران وزيادة الخصومة مع الدولة
الصفوية.طبعًا، يبقى الحديث مفتوحًا بشأن هجرة علماء جبل عامل وأسبابها، لكن ذلك كله لا ينفي أن
تلك الهجرة ستبقى أحد أهم مفردات فهم تطور الحالة المذهبية في المشرق العربي في التاريخ الحديث.
(((طقوش، ص.83-72
(1((جمالي، ص.55-49
(((1 المهاجر، ص.85-83
(((1 الأمين، ج 8، ص 36-2342؛ (London: I. B. Tauris, Safavid Iran: Rebirth of a Persian Empire Andrew J. Newman: 2006), pp. 24-25, and «The Myth of the Clerical Migration to Safawid Iran: Arab Shiite Opposition to ʿAlī al-Karakī and Safawid Shiism,» Die Welt des Islams (New Series), vol. 33, no. 1 (April 1993), pp. 66-112; Rula Jurdi Abisaab, «The Ulama of Jabal Amil in Safavid Iran, 1501-1736: Marginality, Migration and Social Change,» Iranian Studies , vol. 27, nos. 1-4: Religion and Society in Islamic Iran during the Ore-Modern Era (1994), pp. 103-122, and Devin J. Stewart, «Notes on the Migration of ‘Amili Scholars to Safavid Iran,» Journal of Near Eastern Studies, vol. 55 , no. 2 (April 1996), pp. 81-103.
المذهبية في المشرق العربي الحديث: الحالة العثمانية - الصفوية
العراق في الخصومة المذهبية العثمانية - الصفوية
كانت جغرافيا العراق السياسية عامالً مهامً في جعله جزءًا من الصراع العثماني- الصفوي، وامتداده حتى
اليوم بين تركيا الحديثة وإيران. حاول الصفويون بعد هزيمتهم في معركة جالديران السيطرة على العراق،
وتحديدًا على النجف وكربلاء، وكان الدافع الصفوي إلى ذلك السيطرة على المراكز الدينية للشيعة من
جانب، وردّ الهزيمة على العثمانيين من جانب آخر. نجح الصفويون في عهد الشاه طهماسب الأول في
السيطرة على بغداد ومناطق النجف وكربلاء في سنة 5301، حين كانت الدولة العثمانية منشغلة بحروبها
على الجبهة الأوروبية، ولا سيما ضد فرنسا، لكن التفوق الصفوي لم يدم، إذ ما إن أنجز سليمان القانوني
اتفاقية صلح مع فرنسا، حتى توجه إلى بغداد وأعادها إلى سيطرة الدولة العثمانية. وتشير بعض الدراسات
إلى بقاء السلطان سليمان بضعة شهور وإنفاقه على الأماكن المقدسة السُنية والشيعية على حد سواء. بقي العراق ملفًا مفتوحًا في الخصومة المذهبية بين الدولتين، لكن كثيرًا ما كان يتحول ليصبح مسألة
سياسية وليس مذهبية بالأساس. وتُظهر الدولتان إمكانية حل تلك الخصومة عبر معاهدات لا يغيب
عنها البُعد المذهبي؛ ففي سنة 5551 وقّعت الدولة العثمانية والدولة الصفوية معاهدة أماسيا التي احتوت
في ما احتوت على التزام الدولة العثمانية بالسماح للحجاج الإيرانيين بالذهاب للحج. ويبدو أن هذا الأمر
كان مسألة صعبة قبل ذلك التاريخ، وتحديدًا بعد تأسيس الدول الصفوية في مطلع القرن السادس عشر.
وتكرر ذلك الالتزام في معاهدة اسطنبول الثانية سنة 6131، حين كان الشاه عباس الصفوي في الحُكم. لم تتوقف حالة الخصومة بين الدولتين في عصر الشاه عباس، لكن اللافت أن الطرفين أصبحا أكثر قدرة
على التعاطي مع هذه الخصومة من خلال الحوار وعقد الاتفاقيات كالتي سبق ذكرها. ففي سنة 6381،
وقّع الطرفان معاهدة زُهاب التي شملت مسألة مهمة لها علاقة وثيقة بالخصومة المذهبية، ألا وهي سبّ
أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وزوجة الرسول الأكرم عائشة بنت أبي بكر. وتذكّر
الاتفاقية بالتزام الدولة الصفوية وأهل إيران بوقف السب. كانت مسألة اللعن أو السب لأصحاب الرسول الكريم (ﷺ) جزءًا من حالة التعبد في العصر الصفوي،
ويبدو أنها تطورت في بدايات العصر الصفوي والمواجهة العثمانية - الصفوية ومحاولة التحشيد الطائفي
الذي يقوم به كل طرف ضد الآخر. وقد شكلت معاهدة زهاب بداية مرحلة من الهدوء في العلاقة
العثمانية - الصفوية بشأن العراق، حيث لم ينقطع الشيعة عن زيارة الأماكن المقدسة بالنسبة إليهم، كما أن
الدولة العثمانية استمرت في السماح لهم بالعبور وأداء فريضة الحج. يمكن القول إن مع تويلّ الشاه عباس الكبير الحكم في الدولة الصفوية سنة 5871 تغريّ سلوك الدولة
الصفوية في تعاملها مع الخارج؛ ففي هذه الفترة انفتحت الدولة الصفوية على الأوروبيين، وبدأت
1(((عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، تاريخ العرب الحديث والمعاصر، الكتاب الجامعي؛ 1 (الدوحة: دار المتنبي، 1982)،
ص.29
(1((للمزيد حول العلاقات العثمانية - الصفوية انظر: عبد الحسين نوايي، روابط سياسي واقتصادي ايران در دوره صفويه (علاقات
ايران السياسية والاقتصادية في العصر الصفوي) (طهران: سازمان مطالعه و تدوین كتب علوم انسانی دانشگاهها (سمت)، 1998)،
ص.33-27
(1((المصدر نفسه، ص.37-34
شتاء 2015
علاقاتها بأوروبا تتوسع وتشكل نوعًا من التحدي السياسي للدولة العثمانية. كما أن الشاه عباس عمد إلى
تغيير في بنية الدولة بحيث تخلص تدريجيًا من القزلباش، وبدأ ببناء مؤسسة عسكرية أكثر احترافًا. وساهم
إضعاف القزلباش في إضعاف دور العلماء المتشددين إزاء السُنة. وكما ذُكر من قبل، كان الملوك الصفويون
يستقوون بالتحالف الذي كان قائامً بين العلماء الشيعة والقزلباش. من هنا، يمكن الربط بين إضعاف
القزلباش وانعكاسه في تخفيف حدة العداء لدى العلماء الذين وجدوا أنفسهم بحاجة إلى الشاه وإلى كسب
حمايته، وهذا كله ساهم في تراجع الخطاب المذهبي لكنه لم يختف تمامًا. السؤال الذي يبرز عند دراسة حضور العراق في الخصومة المذهبية بين الدولتين العثمانية والصفوية هو:
أين كان دور قوى المجتمع الشيعي؟ الإجابة تكمن في السياسة التي اتّبعتها الدولة العثمانية في إدارة
العراق؛ فالدولة العثمانية - كما هو معروف- مركزية، وجميع المناصب البارزة، سواء المتعلق منها بالإفتاء
أو بإدارة الشأن المحلي للولايات، يتم شغلها عبر التعيين من اسطنبول، وبناء عليه، عمدت الدولة العثمانية
إلى تجاهل الشيعة في العراق وإلى التركيز على أتباع المذهب الحنفي الذي تتبعه الدولة. مثل هذا الأمر جعل
المواجهة العثمانية - الصفوية تركز على مسألة النجف وكربلاء ورعايتهما بشكل أساسي.
ما بعد الشاه عباس الكبير؟
بوفاة الشاه عباس ضعفت الدولة الصفوية داخليًا، ودب الصراع بين الراغبين في المُلك، الأمر الذي
أدى إلى انحدار سريع جعل الأفغان يهاجمون عاصمتها أصفهان وينهون حكم السلالة الصفوية الذي
استمر حوالى 022 سنة. في الفترة التي تلت الدول الصفوية، تولى الحكمَ نادر شاه الأفشاري، الذي
يعتبره المؤرخون غير بعيد عن الدولة الصفوية من حيث انتمائه إلى العرق التركي. وأهم ما يلفت الانتباه
في فترة نادر شاه هو طرحه فكرة التقريب بين السُنّة والشيعة والدعوة إلى الاعتراف بالمذهب الجعفري
الاثني عشري في الدولة العثمانية. طرح نادر شاه - الذي يُعتقد أنه كان سني المذهب وكان يعتمد في قوته
العسكرية على الأفغان الذين كانوا ينتمون إلى المذهب السُني - في محاولة لتحقيق التوازن بين حرصه
على حكم إيران التي استقر فيها المذهب الجعفري الاثنا عشري وبين الدولة العثمانية كدولة جارة وقوية
سياسيًا. بعبارة أخرى، كانت مواقفه أشبه بالتكتيك السياسي كي يتمكن من امتلاك زمام القوة في إيران،
وهو الأمر الذي لم يتحقق.
خاتمة
إن الحديث عن المذهبية أو الطائفية في سياق الحديث عن الدولة التقليدية، التي تُعَدّ الدولة الصفوية
والدولة العثمانية مثالين لها، هو حديث عن فكرة السلطة وليس فرض التصور الواحد والرأي الواحد
والهوية الدينية والفكرية الواحدة.
(16) Mohammad A. Mousavi, «The Autonomous State in Iran: Mobility and Prosperity in the Reign of Shah ‘Abbas the Great (1587-1629),» Iran and the Caucasus, vol. 12, no. 1 (2008), pp. 17-33.
1(((انظر: محمد حسين مظفر، تاريخ الشيعة (بيروت: دار الزهراء، 9871)، ص 91، وعبد الله فهد النفيسي، دور الشيعة في تطور
العراق السياسي الحديث (الكويت: المطبعة العصرية، 9761)، ص.13-12
(18) Ernest Tucker, «Nadir Shah and the Ja’fari Madhhab Reconsidered,» Iranian Studies , vol. 27, nos. 1-4: Religion and Society in Islamic Iran during the Pre-Modern Era (1994), pp. 163-179, on the Web: <http://www.iranicaonline.org/articles/nader-shah>
المذهبية في المشرق العربي الحديث: الحالة العثمانية - الصفوية
وأول ما يلفت الانتباه في الإجابة عن سؤال حضور البُعد المذهبي هو أنها ليست بنعم بالمطلق؛ ذلك
أن الدولة العثمانية والدولة الصفوية كثيرًا ما لجأتا إلى سياسات مستندة إلى المذهب في أوقات الضعف
أو التراجع السياسي، وكأن العودة إلى البُعد المذهبي وسيلة لإعادة تأمين الشرعية. هذه المسألة تشير إلى
الاستعمال السياسي للدين والمذهب من جانب، من دون إغفال أدوات السلطة الأخرى، وعلى رأسها السياسة والمداراة أو غير المداراة. بالنسبة إلى الدولتين العثمانية والصفوية، كان التنافس يدور حول الجغرافيا والنفوذ في المناطق التي تُعَدّ
مهمة جغرافيًا، مثل الأناضول والعراق. صحيح أن العراق مهم عند المدرسة الجعفرية، لكن موقعه
الجغرافي بالنسبة إلى الدولة الصفوية والدولة العثمانية عزز من حالة الخصومة المذهبية بينهما. مثلًالعرب عامالً أساسيًا في الخصومة المذهبية بين الدولتين الصفوية والعثمانية، فكلتا الدولتين كانت
بحاجة إلى الجغرافيا العربية، حيث الأماكن المقدسة التي تعزز شرعية الدولتين السياسية والدينية. كما أن
العلماء العرب شكّلوا، ولا سيما في المجال الفقهي، نقطة ارتكاز أساسية استفادت منها الدولتان في إيصال
المذهبين الرئيسيين في الإسلام إلى المتلقين، سواء في إيران وما حولها أو في الأماكن التي سيطرت عليها
الدولة العثمانية. في أحايين كثيرة تقدم السياسي على البُعد المذهبي في الخصومة بين الدولتين؛ ذلك أن الرغبة في التوسع
والسيطرة على أراض جديدة، بما تعنيه من موارد اقتصادية وكذلك إمكانات بشرية، يمكن أن تساعد
الدولتين من خلال دفع الضرائب أو من خلال العمل في المؤسسات العسكرية التي كانت الدولتان
تركزان عليها في توسعهما الجغرافي. عرفت الخصومة المذهبية بين الدولتين تراجعًا مع الانفتاح الذي جرى تجاه العالم الخارجي، وخصوصًا
الاتصال بأوروبا، وهذا لا ينفي أن الأوروبيين كانوا يحاولون الاستفادة من تلك الخصومة لإبقاء حالة من
الشك بين الطرفين العثماني والصفوي. والأمر الآخر في هذا السياق هو تغير أولويات الدولتين، ولا سيما
بعد الحديث عن الإصلاحات الداخلية التي بدأت في مطلع القرن السابع عشر في الدولة الصفوية،
والقرن الثامن عشر بالنسبة إلى الدولة العثمانية. وقد كان من الممكن أن يكون الانتقال من الدولة التقليدية التي كانت سائدة في المشرق العربي وإيران إلى
الدولة الحديثة فرصة للتعامل بشكل مختلف مع الخصومة المذهبية بين إيران وجوارها الغربي المتمثّل في
الدول العربية وتركيا. لكن هذا لم يحدث؛ ذلك أن الدين أو المذهب بقي من أدوات الحكم، سواء لتعزيز
الشرعية أو لنقض شرعية الآخر. من هنا، بقيت المذهببية والطائفية من الملامح الأساسية التي يشار إليها
عند دراسة هذه المنطقة. أخيرًا يجب الإشارة إلى أنه حتى في التحول إلى الدولة العلمانية التي لا ترى للدين دورًا في الحيز العام،
بقيت المذهبية والطائفية عنوانًا بارزًا من العناوين التي تدعو إلى النظر فيها.والمسألة هذه تطرح سؤاالً
شاقًا يرتبط ربما بالإنسان في هذا الجزء من العالم أو ربما بالصيرورة التي تشكّلت من حوله طوال تاريخه الحديث.
عزمي بشارة
الدين والعلمانية في سياق تاريخي
الجزء الثاني/المجلدان الأول والثاني
في هذا الجزء الثاني/ المجلد الأول من كتاب الدين والعلمانية، يتصدى الدكتور عزمي بشارة لفهم تطور العلمانية من اللفظ وحتى الأيديولوجيا في السياق التاريخي الأوروبي، بما فيه تاريخ الأفكار. وتُفهم العلمانية غالبًا كشعار مثل "فصل الدين عن الدولة" أو "فصل الدين عن السياسة" أو "حياد الدولة عن الشريعة"، وهذا فهم اختزالي لا يشمل بالضرورة معرفة معمّقة وتاريخية ونقدية لتطور المصطلح في سياقه التاريخي والحضاري. ويحلل المؤلف في منهج عابر للاختصاصات عصارة التجربة الإنسانية، الأوروبية في المقام الأول، فكرًا ودينًا واجتماعًا وتاريخًا وسياسة. في مرحلة يدور فيها نقاش حاد حول الدين والعلمانية يضع المؤلف بين أيدي الباحثين والمثقفين العرب موسوعة معرفية ستكون المرجعية الأكثر دقة وشموالً بين المصادر المتعددة عن العلمانية. ويبحث المجلد الثاني في الصيرورة التاريخية للعلمنة وصوالً إلى الأيديولوجيا العلمانية، وفي علاقة الدين بالدولة كما ظهرت عيانًا في أوروبا، ثم يقارن ذلك بالأنموذج الأميركي، مبينًا وجود نماذج مختلفة من العلمانية. ويركز المؤلف على فكرة "توليد العلمنة لنقيضها" أكان ذلك على مستوى عودة الديانات التقليدية إلى القيام بدور في المجال العام، أو بنشوء الديانات السياسية وأشباه الديانات البديلة. ويتضمن الكتاب نقدًا لنظريات العَلمنة ومساهمة معمقة في تطوير صيغة مركبة وجديدة لنظرية العلمنة. ويشير الكاتب إلى عملية التأريخ كتحد للرواية الدينية، فالتأريخ مهمة علمانية. ويبيّن أن الحداثة قد تؤدي في بداياتها قبل علمنة الوعي إلى انتشار التدين مع انتشار القراءة والطباعة، ولا سيما حين يصبح الدين جزءًا من الهوية الوطنية في بعض الحالات. وخلافًا لما هو شائع فإن هيمنة الكنيسة على السلطات الدنيوية انتهت قبل الحداثة، وهذا يعني أن بداية الحداثة كانت في إخضاع الدين للدولة وليس فصل الدين عن الدولة.