فرص بناء أفق سياسي تعددي في دول الثورات العربية
Opportunities for Political Pluralism in the Arab Spring Countries
الملخّص
لا تمثّل هذه الورقة رؤية شاملة لما حدث (ويحدث) في العالم العربي من ثورات بقدر ما هي محاولة للـتَّـفَكر في الوسائل التي تساعد في توسيع الآفاق السياسية، الآخذة في الانحسار شيئًا فشيئًا، لتكون منسجمة مع الواقع السياسي المتعدِّد كمدخلٍ لتأسيس مبادئ لحياة إنسانية من دون استبداد.
Abstract
.)dohainstitute.org/release/657dc82a-dfa2-4749-9e96-5af5bf20913a> (Accessed 18/6/2013< الموقع الإلكتروني:
- بناء سياسي
- الثورات العربية
- استبداد
- الديموقراطية
- Arab Spring Countries
- Political Pluralism
- Political Structure
مقدّمة
تعيش الشعوب العربية واقعًا اجتماعيًا يتخلله تناقض صارخ بين نظُم سياسية تقليدية جامدة ومتوغلة،
وتطوّرٍ تراكمي في مجالات الحياة العصرية ومتطلباتها. وقد أنتج هذا التناقض مزاجًا شعبيًا رافضًا لهذا
الواقع، وفتحت الأوضاع العصرية الجديدة، من نمو معرفي وتقني، المجال أمام شريحة كبيرة من المجتمع
للتعبير عن هذا الرفض وتفعيله في الحياة العملية نتيجة تبلور وعي اجتماعي عميق وتراكمه داخل كثير
من شعوب الأمة العربية، وخاصة لدى الفئة الشابة التي تشكل أغلبية السكان. أظهرت عملية حرق الذات التي أقدم عليها الشاب التونسي محمد البوعزيزي في 71 كانون الأول/ ديسمبر
0102 جدلية فلسفية وأخلاقية دارت حول قيمة الحياة في ظل الاستبداد. كما أنها أشارت إلى المستوى الذي
وصل إليه القهر والإذلال والامتهان لكرامة الإنسان. لذا، تجاوزت حادثة البوعزيزي رمزيتها الخاصة في
المكان والزمان، وأصبحت شرارة توقظ أسئلة عن قيمة الحياة تحت وطأة الاستبداد عند عامة الناس في
العالم العربي، وبالتالي تولد اختيار شعبي بديهي في النزول إلى الشارع رفضًا للظلم من أجل الحياة. لا تمثّل هذه الورقة رؤية شاملة لما حدث (ويحدث) في العالم العربي من ثورات بقدر ما هي محاولة
للتَّفَكر في الوسائل التي تساعد في توسيع الآفاق السياسية، الآخذة في الانحسار شيئًا فشيئًا، لتكون
(((يبدو واضحًا من خلال تحليل نتائج استطلاع الرأي التي أجراها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن لدى المواطن
العربي تصورات سياسية واجتماعية لطبيعة النظام السياسي الذي يريدون العيش في ظله وطبيعة التغير المراد. انظر: المؤشر العربي،
2013/2012: مشروع قياس الرأي العام العربي (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 013.)2 متاح على
(((هناك الكثير من الجدل في ما إذا كان مصطلح «ثورة» يُعتبر الوصف «الصحيح» أو غير الصحيح لما جرى ويجري في الدول
العربية التي شهدت تغيرات وتطورات اجتماعية وسياسية مهمة؛ فالبعض لا يرى أن ما حدث هو بمنزلة ثورة، لأن الثورة لا بدّ لها من
إحداث تغيير جوهري وشامل في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي بقي على حاله تقريبًا في البلاد العربية، وما حدث
هو تغيير رأس النظام وليس النظام. وعلى الرغم من هذا الجدل، سوف نستخدم مصطلح ثورة لأسباب عملية وليس بهدف حسم
الجدل أو تحليله. وفي كل الأحوال، فإن التغيير الاجتماعي بطيء بطبيعته، ومن الصعب تقدير مدى التغير نتيجة الحوادث الثورية في
الدول العربية من جهة، ونتيجة بقاء جميع المصطلحات السياسية متناقضة ومختلَفًا فيها مهما تبلغ من الدقة، من جهة أخرى.
شتاء 2015
منسجمة مع الواقع السياسي المتعدِّد كمدخلٍ لتأسيس مبادئ لحياة إنسانية من دون استبداد. كيف يمكن
تحويل التعدّد السياسي والاجتماعي وتطويره من حسابات سياسية ضيقة إلى قوة إيجابية بناءة؟ هل من
منهجية لإعادة روح العمل معًا؟ سنحاول في هذه الورقة الاقتراب من هذه الأسئلة من خلال، أوالً:
دراسة الجدل الفكري النخبوي الموجود على الساحة السياسية، وثانيًا، الاستنارة ببعض الأمثلة من الحوار
النظري والعملي الذي تجسده الإدارة السياسية في الحالة التونسية كوسيلة لربط الجانب النظري بالتطبيقي. والبحث ليس بصدد «تفسير» وجود ظاهرة (الديمقراطية في الوطن العربي) أو «غيابها» بقدر ما هو محاولة أولية ومتواضعة للمساهمة في التغيير من أجل «صناعة» ظاهرة. منهجية الورقة مبنية، أوالً، على النظريات السياسية التي تفسر التطور الاجتماعي من زاوية البناء السردي والظرفي، وهي أيضًا تتخذ التحليل النقدي منهجًا ضمنيًا. وتجدر الإشارة هنا إلى تعريف
ميشيل فوكو للنقد كعملية بناء تبدأ باكتشاف الافتراضات الباطنة ونظُم التفكير التي تكمن خلف الممارسات الاعتيادية التي تقبل كبديهيات من دون تَب؛ فالنقد يمثّل محاولة دائمة للبحث عن
التّغير من خلال كشف التحيّزات والافتراضات الضمنية المسبقة. إذًا، النقد لا يعني الرفض
السلبي للأشياء أو القول إن الأمور ليست صحية كما هي. والمنهجية مبنية، ثانيًا، على مبدأ «سياسة
التحول معًا» (politics of becoming) المستوحاة من المنظِّر السياسي وليم كونولي. ويتمحور
العمود الفقري لهذه النظرية حول تشخيص معمَّق للعلاقات الاجتماعية في صورة علاقات جذمورية
(rhizomatic relationships)، أي علاقات معقدة ومتشابكة ومتعددة كالجذور. تهدف سياسة التحول معًا إلى ربط البُعد النظري للسياسة بالبُعد التطبيقي، بهدف تكوين آلية للعمل والتعاون بين الأطياف
السياسية والاجتماعية المختلفة من دون محو للخلاف والمواقف المتباينة، فطمس الخلاف يعني استنساخًا
للنظام السابق بأدوات مختلفة وأشخاص مختلفين. ننطلق في التحليل من سياق أنظمة الحكم العربية في فترات ما بعد الاستعمار المباشر الذي اتسم بتوغل أدوات الدولة لضمان استمرارية النظام الحاكم باعتباره نقطة الارتكاز لبقية الخدمات الوظيفية للدولة.
فنتجت من ذلك علاقةٌ مختلة بين الدولة (كمؤسسات حكم) والمجتمع الذي صار بمنزلة رعية (وليس مجتمع مواطنين) في نسق الدولة المتوغلة في مقابل المجتمع الضعيف، بحسب تحليل سلمان بونعمان. لذا، نفترض أن التخلص من عقود الظلم والبدء بتأسيس قواعد لحياة سياسية - اجتماعية تعكس طموح الأمة العربية هما هدفان أساسيان لأغلبية السكان.
(((«‹نحن› و‹هُم› ومأزق الثقافة الديمقراطية في عصر الثورة،» كلمة الدكتور عزمي بشارة الافتتاحية في المؤتمر السنوي الثاني في
موضوع «الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي»، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة /9/18 013.12، ص
(4) Michel Foucault, Archaeology of Knowledge , Translated by A. M. Sheridan Smith, Routledge Classics (London; New York: Routledge, 2002). (5) Michel Foucault, Politics, Philosophy, Culture: Interviews and Other Writings, 1977-1984 , Translated by Alan Sheridan [et al.]; Edited with an Introduction by Lawrence D. Kritzman (New York: Routledge, 1988), p. 155. (6) William E. Connolly: Why I Am not a Secularist (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999), and A World of Becoming (Durham, NC: Duke University Press, 2010).
(((سلمان بو نعمان، أسئلة دولة الربيع العربي: نحو نموذج لاستعادة نهضة الأمة، تساؤلات؛ 2 (بيروت: مركز نماء للبحوث
والدراسات،.)2013
ستتم معالجة الموضوع في أربعة أجزاء مترابطة: الجزء الأوليؤسس أرضية تفسيرية لمقاربة الوضع
الراهن في العالم العربي ما بعد الثورة. وهنا نقدم تصورًا إيجابيًا (بمعنى بنّاء) لهذا الوضع غير المستقر
لكنه الغني بالتفاعل السوسيولوجي كعنصرٍ أساسيٍّ يفتح آفاقًا للتغير وطرح مفاهيم جديدة لإعادة
صوغ الهويات السياسية، والتأسيس لنظام العمل المشترك كمقدمة لديمقراطية فاعلة. أما الجزء الثاني،
فيتناول العلاقة بين الشرعية والشريعة والديمقراطية في الخطاب السائد، ويقدم طرحًا مغايرًا لا يختصر
مصدر الشرعية في ثنائية الأمة/ المجتمع أو الدين/ الشريعة، لأن عنصري الثنائية مترابطان بعلاقات عضوية. الجزء الثالثهو بمثابة تحليل نظري مختصر نحاول فيه تقديم تصور لحل جدلية الثنائيات
الخطابية من خلال النظر إلى الواقع السياسي كبيئة مركّبة ومتعدِّدة الأبعاد تستدعي ذهنية سياسية
تفاوضية متجسدة في شكل حوار تعدّدي. الجزء الرابعوالأخير هو استمرار للجزء النظري السابق،
مع إلقاء الضوء على التجربة التونسية لوضع النظرية السياسية في خدمة العمل السياسي بما يسهّل تحليل
مكامن العمل المشترك.
فرصة في «اللا» استقرار
لا يوجد معيار موضوعي جاهز لقياس مدى نجاح الثورة أو مدى فشلها، فأي مقياس يبقى حتامً مستنبطًا من سياق الضوابط التي جاءت الثورة لتفكيكها وبناء منظومة جديدة من القيم والمعايير المتسقة مع روح السياسة التعددية. كما لا يُقيَّم النجاح أو الفشل بالسرعة التي يتحقق فيها الاستقرار، لأن التغيير
الاجتماعي ذو تسلسل زمني بطيء، وإنما يُقيَّم بطبيعة النشاط الاجتماعي- السياسي الذي سيتشكل تدريجًا
بما يحمل بين ثناياه من مراجعة لتخيُّل الماضي والحاضر في مراحل إعادة صناعة ذات متوازنة مع تراكمات
التراث والحداثة. يتطلب هذا المشروع إعادة اكتشاف المسارات والاحتمالات التي غيَّبَتها نظُم الاستبداد
(ومن قبلها الاستعمار المباشر) من خلال مقاربة الصيرورة العربية المتعدِّدة من منظور ذهني مدرك
للسياق الثقافي والتاريخي العربي والعالمي. فطبيعة العالم العربي، إن كان من الناحية الجغرافية أو السكانية
أو التاريخية، غنية بالتنوع وبالاتساع الذي يتخلّله الكثير من الفرص والمخاطر أيضًا. المكون التاريخي للعالم العربي ثري بعناصر الترابط والتفكك في الوقت نفسه. وينطبق هذا على جميع الأقطار العربية تقريبًا؛ إذ ليس ثمة دولة عربية بلا تباينات سياسية واجتماعية وعرقية وعقائدية. هذه
المفارقة تستدعي التَّعَلم الإيجابي والتعلم السلبي في آن واحد، حيث إن التعلم الإيجابي يقوم بتأسيس
دينامية ناقدة ومتفاعلة في داخل الفئات الاجتماعية نفسها، ومع الفئات الأخرى، لإنشاء فهم وتصور حديث للذات وللآخر من داخل السياق والواقع الراهن كبديل من الافتراضات والأحكام المسبقة. فإعادة بناء الذات (مثل الهوية الحزبية أو الطائفية) لا تفترض التخلص من الإرث التاريخي، أو البدء من نقطة الصفر، بل تفترض أن الصيرورة الآنية مرتبطة عضويًا بالماضي والحاضر معًا. أما
التعلم السلبي، فهو عملية «اللا تعَلُّم» للتحرّر من الكثير مما ترسخ في الوعي واللاوعي اللذين تكوَّنا
على مدى العقود السابقة من الاستبداد، أكان ذلك في ظل دولة الحزب/ الحاكم الواحد أم في عهد
(8) Edward W. Said, Culture and Imperialism (New York: Vintage Books, 1994), pp. 209-210.
شتاء 2015
الاستعمار المباشر. فإزاحة أدوات الاستبداد (ولو جزئيًا) في أحوال الثورة تمثّل فرصة للتأمل والتفكير
في مفاوضة جادة (داخل كل قطر عربي وبين الأقطار العربية) تدفع نحو الترابط والعيش المشترك، وإلا تحول التعدّد من عنصر إثراء إلى عامل تفتيت في النسيج الاجتماعي الكلي في إطار مفهوم دولة - شعب
أو طائفة أو عشيرة. إن تصوير الفترات الحالية لمجتمعات الثورة ب «المرحلي» يضع هذه المرحلة تلقائيًا في إطار سلبي،
ويفترض ضمنيًا حتمية تتابع مرحلة، أو مراحل، مستقرة في المستقبل. مشكلة هذا الطرح هي عدم الأخذ
في الحسبان صعوبة (إن لم يكن استحالة) تحديد ضوابط الاستقرار المفترض؛ لأن هذا الحراك كان وما زال
في أطوار التكوين والبناء. وغالبًا ما تشكل الحوادث المذهلة السريعة (مثل حرق الذات كما حدث في
تونس) باكورة الثورات، ومع هذا، فإن الثورة ليست مجرد حدث وإنما هي عملية بناء ومراجعة مستمرة
تتخللها سلسلة حوادث وعلاقات جدلية متقلبة. وبالتالي يكون عدم الاستقرار عنصرًا أساسيًا في بنية
الحالة الثورية بحيث توضع جميع الخطابات والرؤى السياسية للاختبار والنقد، وهذا يطور الخطاب
السياسي لدى جميع الأطراف. إن مقاربة دينامية التفاعلات الاجتماعية الراهنة في دول الثورات العربية بتحيز مسبق تُضفي ضبابية على
طبيعة وأهمية «اللا» استقرار البنّاء اللازم لإعادة صوغ الهوية السياسية التعددية التي دمرها «استقرار»
النظام السابق (كوسيلة لبقائه واستمراريته) والتعبير عنها في الحيز العام. كما لا يمكن إنكار العناصر
السلبية في صراع بين النخب السياسية وما اصطُلح على تسميته الدولة العميقة (أي مؤسسات الدولة
وهيكلها البيروقراطي)، وإراقة الدماء والتراجع الاقتصادي.. إلخ، وهي العناصر التي أصبحت فجأة
سيدة المشهد. ولكن جذور الصراع كانت موجودة أصالً وفي تعاظمٍ متدرج داخل المجتمع. أزالت الثورات العربية الغطاء الذي ظل يحجب مشكلات بنيوية في كثير من المجالات التي طفت كلها
على السطح دفعة واحدة فسهُل الادعاء المغلوط القائل إن الثورة «سبب» في إنتاج هذه المشكلات. ويكفي
التذكير بأن الاستبداد هو أصل «البلاء» و«أعظمه»، ولعل العالم العربي يعيش أشد أنواع الاستبداد المتمثِّل
في حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز سلطة دينية. إن جمود التفاعل الاجتماعي والسياسي واستقراره هما من سِمات الأنظمة الشمولية ووسيلة خطابية تفترض
الثنائية التي تقدِّم الاحتجاج على الاستقرار الاستبدادي كسلوك فوضوي («يا النظام.. يا الفوضى» باللغة
الدارجة)، أو تحصر خيارات المواطن في ثنائية الاستبداد مقابل «الإسلاميين». وقد أنشأت أنظمة الحكم
العربية هذه الثنائية لتُقدِّم الأول بديالً وحيدًا في الخطاب السياسي، وحصر التفكير الشعبي في إطارها
الضيق لسدِّ الطريق أمام تفكير متعدِّد الأبعاد يفكِّك أسس الثنائيات التي ترسخ الاستبداد وتنمّيه.
(((كمثال للدولة العميقة وصراعها مع المتغيرات التي فرضتها الثورة، انظر: يزيد صايغ، «فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر،»
(دراسة، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 1 آب/ أغسطس.)2012
1(((انظر مثالً في تقارير التنمية الانسانية العربية للأمم المتحدة في العقد الاخير، على الموقع الإلكتروني: < http://www.arab-hdr.
org/arabic/> (Accessed 23/12/2013).
(((1 عبد الرحمن بن أحمد الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تقديم أسعد السحمراني، ط 4 (بيروت: دار النفائس،
0072)، ص 44-38.
وتصوير الخلاف في ثنائية الدين (الإسلام) والعلمانية فُرض على الواقع، في تجاهل لبنيته المتعدِّدة والمركّبة؛
فعبارة «الدين/ الإسلام» في مقابل «العلمانية» تُوظَّف خطابيًا لإخفاء التعدّد، وحصر الخيارات في «مع
أو ضد»، في تجاهلٍ لحقيقة الواقع الاجتماعي المتعدِّد؛ فهنالك أنواع من الإسلام (مثل الإسلام السلفي،
الوسطي، الدعوي، الإسلام الرّسمي/ التابع للنظام) والعلمانية (مثل الليبرالية، العسكرية، الاستبدادية
- الشمولية، الحقوقية) متشابكة بعضها مع بعض في علاقات اجتماعية مركّبة. الثبات والجمود داخل الجسم السياسي نقيض لمفهوم ووظيفة السياسة والتعدُّدية حتى غير الديمقراطية؛
لأن السياسة التعدُّدية بطبيعتها ليست وسيلة لمعالجة الاختلاف والتضاد وإدارتهما فحسب، بل لتمثيلهما
والتعبير عنهما في الحياة اليومية أيضًا. ولم تكن المجتمعات العربية يومًا في حالة استقرار وجمود في
مرحلة ما قبل الثورات، بل ظلت تعج بحركات متناثرة تحت سقف التوازن الذي كان سائدًا، فجاءت
الثورات العربية لتجسِّد إمكان الالتقاء والتعاون بين هذه الحركات والفئات الشعبية للعمل «معًا» من
أجل التّغير بالمفهوم السوسيولوجي الأشمل، وليس لتغير النظام، أي الاستقرار النسبي الذي كان
قائامً. هذا الالتقاء أوجد حالة جديدة من التكامل مع الحفاظ على التعدّدية والاختلاف. وقد كان العمل
والتعاون بين الأطياف السياسية المختلفة بعضها مع بعض ممكنين تحت شعار «الشعب يريد» في ظل نظام
ما قبل الثورة، لكنه أصبح متعذِّرًا أو أكثر تعقيدًا في ما بعد. وسوف نحاول لاحقًا مناقشة طريقة/ سلوك
لاسترجاع روح العمل معًا من أجل التغيير. يتطلَّب هذا التحول وهذا التغيير فتح نوافذ للحوار التعددي الذي غيَّبته منهجية النظام السابق، وإعادة
اكتشاف الذات التي هي أصالً متعدِّدة من منظور الواقع الجديد. بالطبع، هذا لا يعني نسخًا للماضي،
بل إعادة تأويل الواقع والماضي الغنيين بالتنوع الأصيل في بنية الأمة العربية. فالتراث العربي مكون من
مزيج من التراكمات التاريخية والحضارية المتنوعة التي تستدعي استمرارية في المراجعة والإضافة والنقد
والتصحيح. هذا النشاط يُذَوِّت البحث الجدي داخل الذات، ويرسي روح النقد والشك لمراجعة
روايات المؤسسة الرسمية التي أخلّت بعلاقة الحاكم بالمحكوم. والإسلام الوسطي بطبيعته يرى
التطوير ومفاوض التراث مع الحداثة جزءًا عضويًا وحيويًا للاستمرارية والبقاء؛ فكما يشير الدكتور محمد
عمارة، جاء الإسلام ب «القواعد العامة، والأطر المرنة، والقواعد الكلية، ثم أطلق للعقل والتجربة العنان
ليضعا النظم والقوانين والنظريات المتغيرة والمتطورة أبدًا، وفق المصلحة … ». ويؤكد الكواكبي أيضًا
رفض الإسلام للنفوذ الديني المطلق «في غير إقامة شعائر الدين». وفي خطاب حديث، رفض راشد
الغنوشي (المفكر الإسلامي ورئيس حركة النهضة في تونس) بشكل أوضح الاستبداد والدكتاتورية،
«علمانية كانت أم دينية».
(12) Chantal Mouffe, «Deconstruction, Pragmatism and the Politics of Democracy,» in: Simon Critchley [et al.], Deconstruction and Pragmatism , Edited by Chantal Mouffe (London; New York: Routledge, 1996), p. 9.
(1((يجب الإشارة إلى أن منهجية النقد والشك والتأويل هي من الركائز التي قامت عليها الحضارة والعلوم العربية
التطبيقية والإنسانية.
1(((محمد عمارة، نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، ط 2 (القاهرة: دار الرّشاد، 9971)، ص 34 و.96
(1((الكواكبي، ص.56
1(((راشد الغنوشي، « الوفاق هو الانتصار الحقيقي للثورة،» (الجزيرة نت، 013/10/152)، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.aljazeera.net/opinions/pages/ae1840e5-e4f0-4311-9d7e-247f5a32b37e> (Accessed 15/10/2013).
شتاء 2015
فالسؤال الذي يواجه هذه المقاربة للدين ولوظيفته هو: كيف لهذه «الأطر المرنة» الرافضة للهيمنة الدينية
أن تتسع للأطراف التي لا تشاركها الفلسفة المُوَّجِهة نفسها؟ فعندما نتلمس واقع الشعوب العربية، قلما
نجد الخلاف الأيديولوجي محورًا للنقاش مقارنة بأمور الحياة اليومية، مثل الحريات والبطالة والصحة
والتعليم.. إلخ. ولكن الجدل الديني- العلماني يظهر بشكل جليٍّ عندما تتصدر النخبة الحوار لتضع النهج
والكيفية التي تراها الوسيلة الأنجح لتحقيق هذه المطالب في ثنائية تقيد المُخَيلة السياسية في نطاق فكريٍّ
متصلب تُعَِّ عنه شعارات جامدة من نوع «الإسلام هو الحل» و«الليبرالية / العلمانية أو الدولة المدنية هي
الحل»، من دون امتلاك قدرة على تقديم حلٍّ متفاعل مع الواقع المتعدِّد في المشكلات والرُّؤى. وعندما يتخذ بعض الأطراف أعرافًا وقوانين مدنية مرجعًا له، لا تكون هذه الأعراف والقوانين بالضرورة
متعارضة مع المرجعيات الدينية. فيشار مثالً إلى أن جوانب الانسجام بين الإسلام (بحسب التفسيرات
الوسطية له) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكبر كثيرًا من جوانب التعارض. ومثلما تحض المرجعية
الدينية على المرونة والوسطية، فإن نظام حقوق الإنسان أيضًا يتضمن مجاالً واسعًا للتفاوض والتوفيق بين
الحقوق المطلقة والنسبية. والسؤال نفسه مُوجَّه إلى الأطراف ذات المرجعية غير الدينية: كيف لطابعها
البراغماتي أن يتسع للبُعد الديني حين يجد أن الدين ليس بالضرورة نقيضًا لقيم العلمانية الحياتية؟ بالطبع،
لا توجد إجابة مسبقة، لأن الإجابة تتجلى في سجية التصرفات والممارسات الناتجة من هذا الفكر عند
العمل والتفاوض مع الآخرين. والإجابة لا تعطى وإنما تُصنع ضمن العمل في السياق الاجتماعي الفعلي
الذي يتيح الفرصة لشرح الذات وإدراك معناها الراجع، أي بعد أن ينعكس في الواقع. وبنظرة تشريحية سريعة إلى أحوال العالم العربي، نجد أن العقود الطويلة من الاستعمار الغربي (المباشر أو
غير المباشر)، ومن ثم استبداد النظم العربية الحاكمة وتسلّطها على مقومات الدولة والشعب والأفراد،
شكلت حاجزًا بين المواطن ومشكلات المجتمع. وبهذا لم يعد هناك طريقة طبيعية لتواصل تيارات المجتمع
بعضها مع بعض سياسيًا، وبالتالي لم تُتَح فرصة لتطوير ثقافة التعاون والعمل معًا لمعالجة المشكلات
الاجتماعية. وكنتيجة لهذا الانسداد، أصبحت الأوضاع مهيأة لنشوء فئات ونخب سياسية مُغرَّبة (تنظر
إلى غيرها على أساس أنه «الآخر» و«الغريب») ولانخفاض (إن لم يكن انعدامًا في بعض الحالات) مستوى
الثقة الضرورية لأي عمل سياسي وطني مشترك. على الرغم من سلبيات «اللا» استقرار على مناحي الحياة المباشرة، فإنه يقوِّض هيمنة القطب الواحد
على الأفكار؛ إذ تُشكّل حالة «اللا» استقرار والنشاط الاجتماعي - السياسي الشعبي الذي نشهده في
الحيز العام في كثير من الدول العربية فرصة لتفعيل روح الانفتاح والشروع في مفاوضة ومراجعة صادقة
لكثير من المواقف والعلاقات التي تبلورت في المجال الخاص (مثل الحزب والطائفة والعشيرة والسجن
والمنفى)، بعيدًا عن الرأي العام بسبب القمع كي لا يصبح التعدّد، الذي يمثل خطرًا وجوديًا على النظام
الأحادي- الشمولي في الدول العربية، عنصرًا موجِّهًا للحياة السياسية. هنا، لا بدّ من الاستفادة من القوة
1(((انظر: راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، 2 ج (بيروت: دار الشروق،.)2012
(18) James Griffin, «First Steps in an Account of Human Rights,» European Journal of Philosophy , vol. 9, no, 3 (December 2001), p.316.
1(((برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2003
الكامنة التي تحرك الشعب والرغبة الحقيقية لدى الإنسان العربي العادي في المشاركة بكل طاقاته للمساهمة في بناء نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي عصري. لقد أخذ الرأي العام يكتسب ثقة أكبر بالنفس مع ظهور جيل شاب متحمس بوعي وطاقة لاستنهاض أوطانه نحو الأفضل. هذا التطور يجعل من مراجعة الكثير من الأساطير والهوية الفئوية أمرًا ممكنًا؛ فعملية المراجعة والتطوير لا تلغي التنوع أو الهوية الفئوية
بل تقويهما وتعكسهما في المجال الاجتماعي العام، كما تمكنهما من الانفتاح على الفئات الأخرى لمشاركتها في البناء والنهوض بالمجمع. نجحت الثورات العربية في طي صفحة الحاكم السيادي والمخلص الأوحد (كما رآها توماس هوبس) في الوعي السياسي عند الشباب العربي. وهدمت الستار الذي ظل يخفي المشكلات والخلافات الاجتماعية عقودًا طويلة من دون معالجة. فالتفاعل الاجتماعي الدائر اليوم على الأرض يمثّل فرصة حقيقية (على
الرغم من جميع السلبيات القاسية) لتشخيص هذه الخلافات والتعرف إليها من أجل مفاوضة أسس التعايش الإنساني المشترك. وقد أفضت الثورات إلى فضاء سياسي يُتاح فيه قدر من المناظرات والخطابات
العلنية التي تُعرّف الشعب إلى حقيقة المشكلات السياسية وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع
والفرد. وبهذا يرُشَْك الفرد (وإن لم يكن بشكل مباشر) في الخطابات السياسية التي كانت سابقًا تدور خلف الكواليس. لذا، يجب الاستفادة من «القوة الإيجابية» التي يتيحها «اللا» استقرار من فتحٍ للآفاق
التي أُقفلت في وجه النقاش والتداول والنقد.
الشرعية والشريعة والديمقراطية
في البداية لا بدّ من لفت الانتباه إلى الخطأ الشائع الذي يتناول الديمقراطية كفكرة غربية محض بسبب
استقرارها في الدول الغربية، ولكن جنينية فكرة الديمقراطية في سياقها الزماني والمكاني ظهرت عند الإغريق في سياق كانت فيه الحضارة الإغريقية تنظر إلى ذاتها كجزء مؤثر ومتأثر بحضارات الجوار
كتلك الموجودة في بلاد الشام ومصر أكثر من السويد أو إنكلترا مثالً. إذًا، يبدو رفض الديمقراطية كأسلوب للعمل السياسي، على افتراض أنها فكرة غربية، غير مقْنع أمام الواقع التاريخي للفكرة من حيث الزمان والمكان. تعتبر الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية أن الدولة جزء ضروري من مشروع الأمة الإسلامية، وأن الشرعية تأتي من الشريعة الإسلامية بالدرجة الأولى ومن المجتمع بالدرجة الثانية. وهكذا تُبنى تراتبية المصادر الشرعية بحيث يصنف دور المجتمع بعد تبَنّي الشريعة مرجعًا أعلى. هذه النهج يفترض وجود
مجتمع بهذه المواصفات، وتسليم المجتمعات العربية بعُلويّة الشريعة كفرضية معطاة مسبقًا، وهي تنظر
إلى الديمقراطية ضمن هذا الإطار أيضًا. وماهيّة مصدر الشرعية هو جوهر الخلاف البنيوي بين تفسير
الأحزاب الإسلامية للديمقراطية، وصيرورة الديمقراطية التي تعتبر أن الشعب (أي الإنسان) لا الدين
(2((القوة الإيجابية تعبّر عن العلاقات والتفاعلات الاجتماعية اليومية بين الأفراد والمؤسسات التي بدورها تنتج النظم الاجتماعية
Michel Foucault, Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings, 1972-1977 , Edited by:والسياسية. انظر
Colin Gordon; Translated by Colin Gordon [et al.] (Brighton, Sussex: Harvester Press, 1980), p. 98.
(((2 عمارة، نهضتنا الحديثة، والغنوشي، الحريات العامة.
شتاء 2015
هو مصدر الشرعية، أي إن الشرعية إنسانية المصدر. ولكن هذا التفسير المبدئي، الذي يبدو جامدًا، يصبح
مرنًا عندما ينتقل من المستوى الفلسفي التنظيري إلى التطبيق السياسي، إذ ليس من الضروري أن تنسجم
الفلسفة مع التطبيق؛ فمثالً، يشكل قبول كثير من الحركات الإسلامية بالاحتكام إلى وسائل الانتخاب
اعترافًا ضمنيًا بأن الشرعية تأتي من الشعب. وبالتوازي مع هذا التفسير للديمقراطية، أي إن الشعب مصدر الشرعية، بنى سلمان بو نعمان تصورًا يقلب
تراتبية العلاقة بين الدولة والمجتمع كما تحسبها الأحزاب الإسلامية؛ فهو يرى أن المجتمع هو مصدر
الشرعية، ولذلك يطرح ضرورة تصحيح العلاقة بين الدولة والمجتمع. عمليًا، هذا يتطلب نهجًا ثوريًا
يُغيَر العلاقات من خلال تقوية المجتمع باعتباره الأصل والمرجع، كمدخل لطرح مبدأ الدولة «العادلة
والقادرة والفاعلة»، بحسب رأي بو نعمان. على الرغم من رفض بو نعمان للثنائيات، نجده يعود بنا من جديد إلى ثنائية الدولة والمجتمع؛ إذ
يفترض أن المجتمع/ الأمة يأتي قبل الدولة. وعندما ندقق في معاني المصطلحات الموجهة، مثل «الدولة»
و«المجتمع» و«العدل» و«الفاعلية» و«المقتدرة»، لا نستطيع فهم مدلولاتها إلا من خلال نسيج من
الروابط والعلاقات الجدلية المتشابكة بين الأشياء التي تدلِّل عليها هذه المصطلحات. فالعلاقة بين الدولة
والمجتمع علاقة تأسيس متبادلة لا يمكن الفصل بينهما أو تحديد أيهما جاء/ صُنع قبل الآخر؛ فالدولة
مجموعة علاقات وليست كيانًا فيزيائيًا، وحقيقة الدولة تتشكل من تصرفات الأفراد وتخيلاتهم التي
تتبع طبيعة علاقاتهم بمراكز صنع وتطبيق القرارات التي تتخذ تحت مسميات الدولة، وهكذا تصبح
الدولة والمجتمع حقائق اجتماعية. وبهذا، فإن محاولة حصر مصدر الشرعية في الأمة/ المجتمع «أو» الدين / الشريعة ما هي إلا تبسيط
وتجاهل للعلاقات العضوية والتاريخية بين هذه الثنائيات. إن الجدل بشأن التراتبية (مَن جاءَ قَبْلَ
مَن) والأفضلية والعقلانية يبقى نسبيًا، وحتامً متنازعًا فيه مهما يبلغ من موضوعية وقوة طرح. وهذا
يقودنا إلى ضرورة الاعتراف بالواقع المركّب والمتعدِّد الأبعاد لفتح آفاق سياسية أوسع كمدخل
للتفاوض على منهجية توفيقية (لا إلغائية) تتجسد في حوار ديمقراطي يُتوج في خلق أوضاع تسهل
التعاون والعمل معًا.
سياسة التحول معًا
تهدف سياسة التحول معًا إلى إنشاء فضاء واسع للحوار بعيدًا عن مفهوم الحوار السياسي الضيق المتمثِّل
في طريقة الوصول إلى السلطة عبر التنافس الانتخابي والترشح، كما هي الحال في الديمقراطية الآنية
والجاهزة (التي تصدِّرها النيو- ليبرالية للمجتمعات الأخرى) من دون أرضية ديمقراطية عضوية؛
فالديمقراطية لها وجهان متداخلان، كلٌّ يعتمد على الآخر: يتمثّل الوجه الأول المتعارف عليه في طريقة
إدارة الحكم وشؤون البلاد السياسية والاقتصادية بالأدوات الديمقراطية كالانتخاب والترشح،
(((2 بو نعمان، أسئلة دولة الربيع العربي.
(23) Robert W. Cox with Timothy J. Sinclair, Approaches to World Order , Cambridge Studies in International Relations; 40 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1996), p. 145.
وتقاسم السلطة.. إلخ. هذا الفهم بدا واضحًا لدى الحركات الإسلامية من الناحية العملية لتطبيق
الديمقراطية بجانبها الأداتي (القريب من مبدأ الشورى) من دون بُعدها الفلسفي الذي «قد» يتعارض
مع المفاهيم الفلسفية للحركات الإسلامية، كما أشار محمد جبرون. أما الوجه الثانيوالأكثر عمقًا، فيتشربه النسيج الثقافي والاجتماعي العام بحيث يتيح المجال لتبادل ومفاوضة الآراء والأفكار بين مكونات المجتمع على مستوى القاعدة الشعبية. وبهذا يؤسَّس بالتدريج حراك اجتماعي فعال يتخلله
تدوير النقاش من النخبة السياسية وعامة الشعب وإليهما لتكوين آلية للتأثير والتأثّر في ما يحدث في المجتمع من أمور. الخلاصة التي توصل إليها جبرون لم تأخذ في حساباتها أن الإسلام الفلسفي ليس متعارضًا مع جوهر الديمقراطية الليبرالية بشكل مطلق؛ فتفسير الحركات الإسلامية يُقر مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص
والحقوق والواجبات والمساواة بين المرأة والرجل ورفض الاستبداد والحاكم الأوحد.. إلخ، وفي بعض الأحيان يتقدم على مبادئ الليبرالية بطرح نظام للتكافل الاجتماعي الاقتصادي. التناقض بين الإسلام والديمقراطية يتجلى في موقف فلسفة الإسلام للحرية كما يُستَشف من كتابات الكثير من المفكرين
الإسلامية. فعلى سبيل المثال، يقدم محمد عمارة تعريفًا مقيدًا للحرية «بما قطع الله فيه بالتشريع، داخل
الإطار الإلهي». على الطرف الآخر، وعلى الرغم من انحياز الديمقراطية الليبرالية (العلمانية) إلى مصلحة الحرية كنقطة انطلاق جوهرية، فإنها تُبقي قدرًا للمناورة والمفاوضة والتحكيم من خلال فرض
«عبء الإثبات» على أولئك الذين يرون ضرورة للحد من حرية الآخرين. باختصار، إن التفسير الإسلامي للحرية ينطلق من فكرة الحرية المقيدة كمبدأ، ويترك الباب مفتوحًا للتفاوض بين المستوى
الفكري والمستوى العملي، كما سنوضح لاحقًا. وفي هذا التفسير ما يمكن البناء عليه، لما يحتويه من مرونة تساعد في فتح الآفاق للإبداع الفكري والتفسيري العصري للدين. فنقاط الالتقاء بين المراجع الفلسفية الإسلامية والديمقراطية الليبرالية أكثر من نقاط الاختلاف، إذا ما استغلت مساحات التقاطع وتم دمجها
في مركز النظم الفكرية المرجعية بدالً من تَطريفِها. تجدر الإشارة أيضًا إلى نقطة مهمة أخرى: غالبًا ما يجري تجاهل حقيقة أن البُعد الفلسفي للدين ليس
مقصورًا على الأحزاب السياسية الإسلامية كما يشير محمد جبرون، بل يتعدى ذلك ليمثّل جزءًا
أساسيًا في بنية الثقافة واللغة والتاريخ التي تشكل المخزون الباطني لوجدان أغلبية فئات المجتمع العربي،
أكانت ذات توجه ديني (إسلامي) أم ذات توجه علماني، لأن النزعات الأخلاقية غير المرئية تتبع طريقها الخاص من دون الوقوف على الحسابات (التي تصنف) المنطق كما يطرح نيتشه. وحتى الدول الغربية،
2(((أمحمد جبرون، «الإسلاميون في طور التحول: من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية،» تبين، السنة 1، العدد 3،
شتاء 0132)، ص 208-193
(25) Connolly, Why I Am not a Secularist , p. 154.
(2((عمارة، ص.97
(27) Gerald F. Gaus, Contemporary Theories of Liberalism: Public Reason as a Post-Enlightenment Project , Sage Politics Texts (London; Thousand Oaks, CA: SAGE, 2003), pp. 205-234.
(2((جبرون، ص.208-193
(29) Nietzsche, Cited in: Connolly, Why I Am not a Secularist , p. 27.
شتاء 2015
التي متُثّل في نظر البعض تجسيدًا للعلمانية، تعتمد الكثير من الأفكار والمواقف الدينية والتاريخية. كما أن
الدين يُعتبر عنصرًا مهامً ضد تفتيت النسيج الاجتماعي في العالم العربي. ولأن الجميع متأثر برواسب الماضي وتعقيداته الإيجابية والسلبية، فإن عبء إيجاد توازن بين البُعد الأدائي
والفلسفي للديمقراطية يشترك فيه الجميع، وهذا يحتاج إلى بناء توازن بين الكينونة الحالية والكينونة
المستقبلية، والتّعلم من التجارب النقدية لتفكيك التكوين التاريخي الرسمي لقيم وأسس الصيرورة الذاتية
في شكلها الآني، وإعادة تفسيرها من داخل عدسات التاريخ والحضارة العربية نفسها، ولكن من منظور
ظرفي حديث، أي تقريب الأفكار الاجتماعية الفاعلة إلى قلب المصادر المُوَجِّهة لنظم إدارة الحياة العامة.
وفي سياسة التحول معًا، يجب استغلال الانفتاح السياسي لإنشاء بُعد فلسفي ديمقراطي غير محكوم بنظام
أخلاقي وفكري أحادي ليكون منسجامً مع السياق الاجتماعي المتعدد. هذا النهج لا يُلغي الذات بل يعزز قيم المجتمع وحضارته ويحدّثها، لأن جمود الصيرورة (أي استقرارها)
مؤشر ضعف إذا قارنا ذلك بالحضارات الدينامية القوية والدائمة المراجعة الذاتية. قد يُنظر إلى النقد
كنوعٍ من جَلْد الذات، ويبرِّر البعض الحساسية الفائقة تجاه نقد الذات بادعاء ضرورة تحصين هوية المجتمع
وقيمه. ولكن الواقع العالمي المترابط يعري هذا الطرح؛ فالمجتمع الأقل تَكيُّفًا مع التغير والبناء يضطر إلى
أخذ موضع الطرف المستقبل للقيم والمستورد لها من المجتمعات الأكثر فاعلية في معظم الأحيان. ويكفي
أن نشير إلى أن العالم العربي يستورد تقريبًا كل شيء حتى الأدوات الثقافية، كالبرامج التلفزيونية ومناهج
التدريس (خاصة في الجامعات)، وهذا الاستيراد يولّد سيكولوجيًا دونية عند الإنسان العربي حين يرى أن
بلده يستورد حتى مدرسّي الجامعات والأطباء والمفكرين بعد صناعتهم في الخارج كما نوّه فرانز فانون. إن التحول معًا نحو إقامة التوازن بين الهوية الخاصة (الحزبية أو الطائفية مثالً) والهوية الجامعة من منطلق
المضي في إحداث تغير اجتماعي عميق يُمَكّن كل جزء من رؤية الأجزاء الأخرى كمُكمل لا كخصم
في تخيّله لذاته الضيقة (الهوية الخاصة) والذات الأوسع (أي المجتمع ككل). هذا التحول يؤسس مظلة
جامعة من المفاهيم الأساسية لمعنى السلطة ومبرراتها وأهدافها إزاء الشعب والمصلحة العامة والمكانة
الحضارية للبلد العربي في العالم. إذًا، ليست فلسفة التحول معًا مجرد خطاب سياسي تكتيكي للوصول إلى
السلطة؛ فالمفاهيم المُوَجِّهة (التي قد يُعبَر عنها بدستور) تكون مستقرة نسبيًا مع الإفساح في المجال أمام
التطوير والتحديث، وإلا تصبح شكالً آخر من الاستبداد في وجه الأجيال التي سترثها مستقبالً، لتشكل
البنية التحتية المشتركة المتينة للعمل الديمقراطي السياسي من أجل مواصلة تطوير المجتمع والدولة.
فبناء الدول والمؤسسات والحضارة عمل تراكمي جماعي يدار من خلال الديمقراطية الأداتية تحت مظلة
التفاهمات المشتركة، وبغير ذلك تصبح الديمقراطية وسيلة تداول (تبادل أدوار) وقيادة متشرذمة في إطار
(30) Jacques Derrida, Margins of Philosophy , Translated, with Additional Notes by Alan Bass (Chicago: University of Chicago Press, 1982).
(3((برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، المفكر العربي (بيروت: دار الطليعة، 9791)، ص.22
(3((للتوسع في مشكلات وعوائق التحول الديمقراطي خارج إطار هذا البحث. حول هذا الموضوع، انظر: عزمي بشارة، في المسألة
العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2007
(3((انظر: الغنوشي، الحريات العامة، ص 2.8
(34) Frantz Fanon, Black Skin, White Masks , Translated by Charles Lam Markmann (London: Pluto Press, 1967).
«نحن» و«هم» الذي نوّه به عزمي بشارة. وبالتالي، يتولى كل حزب أو فريق إدارة شؤون البلاد بحسب
رغبته من دون تحقق هدف التراكم، ولعل هذا نوع آخر من الاستبداد كما شخّصه الكواكبي في كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. وحتى يكون التَّغيير معًا في مراحل التحول إلى السياسة الديمقراطية مجديًا، لا بدّ من مراعاة مجموعة من
الضوابط؛ فهذا النوع من التغيير يتطلب، أولا، الاعتراف بتنوع مصادر القيم (الأيديولوجية وغيرها) وتعدديتها. ويتطلب، ثانيًا، مقاربة العمل السياسي كوسيلة لإدارة هذه التراكيب المجتمعية من دون تحيز
أو إقصاء. ولا بد، ثالثًا، من مراعاة نقطة أن العمل السياسي بطبيعته لا يحدث في الفراغ، بل في داخل واقع اجتماعي له طبائعه الفاعلة. كما يجب إدراك أن النخب السياسية الموجودة على الأرض هي ذات أيديولوجيات ومنظورات مصنعة مسبقًا، لذلك لا بدّ من التعامل مع النخبة السياسية الموجودة (وليس البدء من الصفر كما سنضيف لاحقًا) ولكن ضمن مفاهيم جديدة. إن إدراك أهمية تغ الأوضاع السياسية معًا كعملية اجتماعية معقدة يتطلب قدرًا من الإخلاص والرغبة
الصادقة في التأثير والتأثّر بمجموع القيم التي ينبني عليها المجتمع وليس فرض قيم الأغلبية أو القيم التي قد ينظر إليها طرف ما على أنها مقدسة أو حداثية؛ فنحن لسنا بصدد مسألة فرض الطريقة «الصحيحة» أو لتقسيم الواقع في «ثنائيات متعارضة»، وإنما لبناء قواسم مشتركة بين قضايا متعدِّدة الأبعاد (وليس ثنائيات) واستغلالها بحيث يتسنى لكل طرف المشاركة بقيمه في التأسيس للأطر المبدئية التي ستوجه قوانين إدارة البلاد. ليس المطلوب من أي طرف التنازل عن قيمه، وإنما الاعتراف بحق الآخرين في أن يشاركوا بقيمهم. وينبغي أن يفَّ التسليم بأن لا أحد يستطيع أن يحقق كل شيء تفسيرًا إيجابيًا، أي لا
أحد سيخسر كل شيء وإنما سيحقق أشياء. بهذه الذهنية يبدأ التفاعل والعمل معًا من أجل التفاوض
على هذه القيم وكيفية تنسيقها في إطار دستوري يعكس ميزان القوى الاجتماعي الفعلي الذي تستند إليه
الحاكمية لإحداث حالة يجد فيها كل طرف شيئًا يعربّ عنه فيها، وبالتالي التضامن معها بدالً من الصدام
بين الحاكم والمحكوم. أما التغيير الأيديولوجي العميق الذي يهدف إلى بسط «هيمنة» مفاهيم معيّنة (أكانت عقائدية أم إرساءً
لمفاهيم ليبرالية من حرية وديمقراطية) بحيث تصبح أمورًا بديهية في الثقافة العامة، فإن له أدوات أخرى
تكمن في نشر الأفكار بشكل عضوي من الأسفل، كما نظَّر أنطونيو غرامشي. وبنهج مماثل لنهج هذا الأخير، طرح الكواكبي مبدأ التدرج للتخلص من الاستبداد، فقال: «لقطع دابر الاستبداد [...] برقيِّ
الأمة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يأتي إلا بالتعليم والتحميس، ثم إن إقناع الفكر العام وإذعانه إلى غير مألوفه، لا يأتي إلا في زمن طويل».
Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks of Antonio Gramsci (London: (3(انظر مفهوم السيطرة في:(
Lawrence and Wishart, 1998).
((3(الكواكبي، ص.182
شتاء 2015
نخبة بذهنية قديمة وواقع متجدِّد
إن النخبة السياسية، التي قطعت شوطًا طويالً في العمل ضمن بديهية ذهنية تشكلت في أوضاع مغايرة
للثورة، قد تجد صعوبة في فهم وتفسير الواقع الجديد الذي تفرضه أوضاع الثورة المتقلبة كأرضية لاتخاذ
التصرف السياسي الملائم. سنحاول في هذا الجزء الاسترشاد بتجارب التفسير والتأويل للنصوص
(hermeneutics) من أجل تطوير منهج يستطيع السياسي الاستعانة به لتفسير الأوضاع السياسية الطارئة.
تستطيع النخبة أن تتعلّم وتستفيد الكثير من نظريات تفسير النصوص، لإعادة قراءة الواقع قراءة عملية
وواقعية وليست نصيّة؛ فعندما تُقر الأطراف السياسية بضوابط العمل معًا ستجد نفسها جزءًا من واقع
مركّب يحتاج إلى التفسير والتأويل من جديد، ذلك أن قراءة المجتمع سياسيًا هي عملية تفسير لمكوناته
وميوله السياسية المرئية وغير المرئية في ظرف زمني ما. هذه الظرفية تجعل العملية التفسيرية مستمرة من
دون توقف؛ فعندما يحاول السياسي تحليل المكونات الأخرى والأفكار التي تشكلت في ضوئها نظرتها إلى
الحياة السياسية والاجتماعية، لا بدّ له من التعرض والتنقل بين خليط من الأفكار التفصيلية - المتعارضة
والمنسجمة - في إطار المجتمع الكُلي الذي يربط بين هذه التفصيلات، وبالتالي تجري صناعة تفسير وقراءة
كنتيجة للمشاركة والتفاعل مع جميع الأطياف السياسية. وغالبًا ما يتضمن أي تفاعل اجتماعي فرصًا
جديدة قد تفتح نوافذ للمفاوضة بشأن المفاهيم المؤسِّسة من خلال المحاورة والتفاعل، وحتى التصادم مع
الأفكار وبينها. ويكمن التقدم الجوهري الذي يُتيحَه لنا هذا النهج في استدعاء (بدالً من إقصاء) مكونات
المجتمع بما يتخلله من تنوع، كما أنه يُوسع دائرة المصادر والمراجع التي تستنبط من خلالها المبادئ الموَجِّهه
للسلطة. وقد يؤدي هذا النشاط إلى إثمار تدريجي يعزز منهجية الحوار والقيم السياسية المشتركة التي لم
تكن متاحة أو لم يكن باستطاعة أحد تخيّلها في السابق. يوضح المثال التالي من الواقع الفكري والسياسي التفاوضي الفكرة السابقة بدقة: إن جوهر مقاربة
أدبيات الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية (المباشرة) لفكرة الحرية يتمثّل في مفاوضة
التناقض بين مبدأ الحرية العالمي والحرية تحت سقف الفلسفة الإسلامية. ولكن بتحليل الفجوة
بين الخطاب والممارسة، يمكن ملاحظة علاقاتهما المتباينة لأن كالً منهما مرتبط بأوضاع وضوابط مختلفة:
فعندما يكون الجدال على المستوى الفكري (الأكاديمي مثالً)، فربما تنحسر حدود المرونة تحت مسمّى
التخلص من التناقض كوسيلة لتحقيق رواية منسجمة ومتماسكة، في حين يعمل واقع الحياة الفعلي
وفق أوضاع ومناطق (جمع منطق) مختلفة تستوعب التناقض والاختلاف، وبالتالي يُفسح المجال
للمرونة والإبداع بحسب المتطلّبات الظرفية التي تفرض نفسها على العقل عندما يجد المرء نفسه في
تفاعل وحوار مباشر مع المصادر الفكرية الأخرى. ولعل قبول حركة النهضة التونسية بعدم الإشارة
إلى الشريعة في الدستور، وتفضيلها «العمل المشترك ولو مع الأحزاب العلمانية من أجل إيجاد حكم
(37) Hans-Georg Gadamer, Truth and Method , Translation Revised by Joel Weinsheimer and Donald G. Marshall, Continuum Impacts, 2 nd rev. ed. (London; New York: Continuum, 2004).
((3(الإضافة بين قوسين جاءت لتؤكد فكرة عدم اقتصار المرجعية الإسلامية على الأحزاب التي تُعرِّف نفسها بصراحة أحزابًا تتخذ
من الإسلام مصدرًا لمشروعها وفكرها السياسي. وبما أن الإسلام كفلسفة مرتبط بالثقافة والتاريخ العربي واللغة العربية، فإنه يبقى
مكونًا أساسيًا (وليس المكون الوحيد) في فكر الحركات السياسية الأخرى.
(3((عمارة، نهضتنا الحديثة.
ديمقراطي يتيح الحرية لكل الأيديولوجيات، ومن بينها الإسلام » أبرز مثال على ذلك. ويلاحظ هنا اعتبار الغنوشي الإسلام جزءًا بجانب الأيديولوجيات الأخرى التي لها الحق نفسه في تكوين نظام
تونس السياسي المستقبلي. إن من شأن الانفتاح على المصادر الفكرية لمختلف الأطياف السياسية والفكرية من واقع المجتمع واستدعائها نحو المركز كبديل عن أحادية المصدر (كما هي الحال في النظام الشمولي الأحادي) أن ينمّيا روح الثقة والتعاون، ويفتحا مجالات جديدة للتفكير والنقد (لم تكن متوافرة من قبل) مستخلصة
من طبيعة المرحلة لرسم تصورات متصالحة مع المجتمع الكلي. هذه الطريقة تنهي أحادية المصدر (أي الأيديولوجيات الشمولية) وتؤسس لتعدّدية المراجع كشيء بديهي في أي عمل سياسي (على الأقل في
المجال الفكري لدى النخبة، علمانية أكانت أم دينية). قد يبدو هذا الطرح خارج السياق إذا أخذنا في الاعتبار ما يجري على الأرض اليوم من صراع محتدم بين التيارات السياسية التي «تُعَِّ» عن شعوب الثورات العربية التي وصلت إلى حالة حادة من الاحتقان
والمجازر البشعة ضد المدنيين. ولكن لا بدّ من لفت النظر إلى القوة البنّاءة الكامنة في ثنايا هذا الواقع
المليء بالمخاطر والصعوبات، والتي تمثّل رافعة أساسية لصوغ حقيقة أخرى، ولاستدراك مخاطر العودة
إلى الاستبداد. قد يصعب علينا تصور حوار بين أقطاب فكرية وسياسية متباينة لأسباب كثيرة؛ فالبعض يعزو ذلك إلى انعدام الثقافة السياسية الديمقراطية أو إلى ضعفها. لكن هذا لا يكفي، لأن الثقافة لا تُعطى، بل تُبنى وتتطور وفق سياق تاريخي تراكمي. قد تكون البداية في الاندماج في العملية السياسية، التي تحتم بشكل تلقائي على جميع الأطراف البدء بعملية ذاتية لصوغ الخطاب السياسي وتنسيقه وتنقيحه لطرحه على الجمهور العام. هنا ينتقل الخطاب من الخاص إلى العام، ويصبح معرضًا للتساؤل والنقد، وبالتالي لنشوء «حلقات تأثير» جديدة للتبرير والتطوير والمقارنة بالخطابات الأخرى. فالمعنى والمضمون لأي خطاب يتشكلان من خلال تفاعله مع الأفراد وبينهم وما سينجم عنه من سلوك وممارسات تتجسد في الحياة العملية. بهذا المفهوم تتحول المراجعة الذاتية من الإطار النظري (كما كان يحدث في ظل النظام الاستبدادي المُنغلق) إلى المراجعة الفعلية من خلال ممارسة السياسة والاندماج مع الواقع كما هو وليس من خلال افتراضات
مسبقة؛ فمثالً، ستكتشف الأطراف التي تتخذ التراث والدين أولوية وأمورًا مقدسة كم هي بحاجة إلى
التعبير عن هذه الأفكار بلغة العصر والحاضر ومصطلحاتهما لكي تتواصل مع الحيز العام ضمن «حلقات
تأثير»؛ فمن غير الممكن استحضار الماضي بلغته وروحه الزمنية. وفي المقابل، تشكّل المراقبة والتأمل الذاتي بين الأفراد والأفكار، وما سينتج من هذا النشاط من تغذية راجعة بإسقاطات جديدة، فرصة لإعادة التَّفكر في المفاهيم والتصنيفات التراثية بذهنية عصرية.
(4((الغنوشي، الحريات العامة، ص 852، التأكيد مضاف.
(41) Ian Hacking, The Social Construction of What? (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1999), p. 34.
شتاء 2015
من التجربة التونسية وسياسة التحول معًا
تبدو الأوضاع السياسية في تونس أول وهلة صراعًا بين قوى علمانية ودينية على السلطة. وبنظرة
أدق إلى ما يجري من حوادث، نرى مزيجًا مركّبًا من الطروحات والرُّؤى الفاعلة في النشاط السياسي
التونسي، وهذا الواقع يفند النظريات الاختزالية التي تجرد العلاقات الاجتماعية في ثنائيات مثل الدين والعلمانية. إن ما يشجع هذا التصور هو إما فهم ضحل لطبيعة الأوضاع السياسية التي تخفي وراءها التعدد، وإما تبسيط للصورة المعقدة كي يسهل هضمها؛ فعندما يفتقر المشهد المتعدد إلى نظام يُمَكن القوى من
العمل معًا، أكان هذا الطرف أو ذاك في المعارضة أم في سدة الحكم، يأخذ التَّحَكُّم (أي الاستبداد) مكان
الحكْم، والإعراض (للإفشال وليس للتصحيح كما هو الأمر في حالة الجماعات السلفية التونسية) مكان المعارَضة، وبالنتيجة غالبًا ما يلجأ كل طرف إلى إبراز التمايزات والخلافات الأيديولوجية الجدلية وإلى
التشديد عليها. وهذا ينمّي ذهنية سياسية (لدى طرفي الحكم والمعارضة) لا تدفع نحو فضاء سياسي
تعدّدي، بل على العكس، إذ هي تعتبر التعدّد والاختلاف عناصر سلبية تحاول منعهما من التبلور، وهو ما يؤدي إلى تدني مستوى الثقة بين أفراد الطبقة السياسية. بهذه الكيفية يُعيد النظام إنتاج نفسه باستمرار؛
فحتى لو انتقلت السلطة إلى الجهات التي كانت في المعارضة، فإنها ستجد أن العلاقات التنظيمية القديمة المعادية للتعدد تدفعها نحو الممارسات نفسها تجاه الطرف الذي يأخذ مكانها في المعارضة. أما في حال
تم الحوار في ظل ذهنية تعدّدية (نسبيًا)، فلا بدّ أن تتغير كيفية العلاقات بين الأطراف بحيث يُنظَر إلى
المعارضة كجزءٍ أساسي لعمل الديمقراطية التي هي بحاجة دائمة إلى النقد والتصحيح، وليس كفائض سياسي يمكن الاستغناء عنه. من الملائم هنا التذكير بتعريف فوكو للنقد (الذي ذكرناه سابقًا) كمحاولة مستمرة للبحث عن بدائل للتغير وكشف الافتراضات والأسس غير الصحيحة، فوظيفة المعارضة ليست الاعتراض فحسب، وإنما ممارسة النقد أيضًا. إن نظرة المواطن التونسي إلى الدين والتدين لا تختلف كثيرًا عن النظرات في باقي الأقطار العربية الأخرى
بشكل عام (كما لاحظ مؤشر الرأي العام العربي)؛ فعلى الرغم من الأهمية التي تبديها أغلبية شعوب الأمة
العربية تجاه الدين، فإنها تبقى وسطية المزاج في تدَيُّنها ومقاربتها لأمور الحياة اليومية. وحتى هذه الصورة
«المُتديّنة» نسبيًا للذات تشكلت في إطار غامض حول ما يدور في ذهن الإنسان العادي للمحتوى الذي
يعربّ عنه مفهوم «التديّن»، وليس على أساس مفهوم محدد. ولا شك في أن الثقافة والهوية واللغة
والدين في العالم العربي أمور متداخلة بعضها في بعض؛ ف «الدين» في هذه الحالة لا يعربّ عن مجموعة
محددة من العوامل التي يمكن تصنيفها وحصرها في ثنائية المجال العام «أو» الخاص كما يعتقد البعض؛
(4((المؤشر العربي، 2013/2012، ص 69-1491، وعمارة، ص.29
(43) John Rawls, Political Liberalism , Columbia Classics in Philosophy, Expanded ed. (New York: Columbia University Press, 2005).
مسألة فصل الدين عن السياسة تترد كثيرًا في دول الثورات العربية.
إذ إن الكثير مما يُصطَلح عليه ب «الدين» هو جزء من الذاكرة الباطنة أو «[ال]منبع» الذي يشرب منه
الجميع، كما عربّ عنه منصف المرزوقي، أي هو عنصر مشترك لدى الجميع بسبب تشابكه مع الثقافة
والتاريخ في المنطقة العربية. فإذا أخذنا في عين الاعتبار وسطية الأمة، كما يدلل على ذلك المؤشر العربي وشعارات الثورة التي نادت بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية كأهداف عليا، بصراحة وشفافية فائقة، نستنتج أن الصراع الديني-العلماني هو صراع نخبوي بامتياز (أو على الأقل لا يحتل الأولوية لدى المواطن) يُصدَّر إلى
الشارع من خلال الإعلام (المؤيد أو المعارض) بالدرجة الأولى، فيرفد هذا الإعلام النخبة وخطابها «بظروف المسموعية». وكون الصراع نخبويًا لا يُقلل من أهميته وظلاله المباشرة على المجتمع التي
قد تصبح بالتدريج نبوءة ذاتية التحقيق، فعندما يتغلغل هذا الخطاب وينتشر يغدو بديهيًا لدى المزاج
العام، وبالتالي يتأثر التفكير السياسي والعلاقات الاجتماعية، وقد يُعاد بناؤهما بصورة تدريجية على أسس
الصراعات الضيقة. ومع أن الفرز الديني- العلماني موجود في الحالة التونسية، فإن التقاء نخبة سياسية ومؤسسات المجتمع المدني ذات التوجه الديني والعلماني على رفض نظام بن علي وتعرضها للإقصاء والاضطهاد السياسي، وتجربتها في المنفى دفعت كل طرف إلى مراجعة ذاتية للهوية الحزبية وتطويرها لتقبُل الانفتاح على
الآخر من أجل خوض غمار المرحلة المقبلة. هذا التعاون أثمر إيجابيًا ووفر فرصًا أفضل للجميع، كما
تمخض عن هذا التفاهم «إعلان تونس» التوافقي بين النخب التونسية في المنفى سنة 0032، وهو الإعلان الذي مثَّل العصب الأساسي لحكومة الترويكا (التي تضم أحزابًا ذات توجهات علمانية ودينية/
إسلامية) التي تشكلت بعد سقوط نظام بن علي في مرحلة حرجة من تاريخ تونس المعاصر؛ فالتبادل النقدي المتسامح الذي عربّ عنه منصف المرزوقي، رئيس تونس ورئيس حزب المؤتمر، في مقالته «التباين
والتوافق» يمثّل نموذجًا يحتاج إلى تحليل أعمق بحدِّ ذاته في بحث آخر. إن فهم المرزوقي «العلماني» (إذا
جاز مثل هذا الوصف) للعلاقة بين الدين والعلمانية بوصفه الإسلام ب «[ال] منبع [الذي] نشرب منه
جميعًا» يتقاطع مع تحليل المنظّر السياسي «غير» العلماني وليم كونولي في نقده العلمانية التي تحاول إقصاء
وجهات النظر التي تتخذ من الدين مرجعًا لها. مثل هذه التصورات والذهنية التحليلية تعربّ عن
مكامن الإبداع في ظل ممارسة التبادل الفكري والحوار الشفاف المتسامح. ومن زاوية أخرى، يمثّل بحث راشد الغنوشي ذي التوجه الإسلامي لمقاربة موضوع العدالة وحقوق الإنسان والحداثة من العدسات
(44) Joseph LeDoux, The Emotional Brain: The Mysterious Underpinnings of Emotional Life (London: Phoenix, 1999).
((4(منصف المرزوقي، «التباين والتوافق مع صديقي الشيخ راشد،» (الجزيرة نت، 012/4/102)، على الموقع الإلكتروني:
<aljazeera.net/opinions/pages/4f355c57-2d8a-434a-a56f-556158cca3cc> (Accessed 19/6/2013).
(4((بشارة، في المسألة العربية.
(47) Judith Butler, Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence (London; New York: Verso, 2004). (48) Kenneth Perkins, A History of Modern Tunisia (New York: Cambridge University Press, 2004). (49) Moncef Marzouki, L’Invention d’une démocratie: Les Leçons de l’expérience tunisienne , cahiers libres (Paris: La Découverte, 2013), p. 79. (50) Connolly, Why I Am not a Secularist , pp. 28-41.
شتاء 2015
الإسلامية (بغضّ النظر عن قبول طرحة أو الاختلاف معه) حالة جدية في سبيل إيجاد أرضية مشتركة
على اختلاف المصادر الأيديولوجية. هذا التصور انعكس بوضوح عندما جاء الوقت للتفاوض بشأن السلطة وتقديم التنازلات وإبداء
المرونة السياسية، ومن ذلك، مثالً، أدى التوصل إلى صيغة مرْضية لمسألة الشريعة والشرعية من خلال
عدم إصرار حزب النهضة على الإشارة إلى الشريعة كمرجعية في نص الدستور في مقابل قبول الأطراف التي تعتمد مرجعية غير دينية اعتبار أن تونس دولة حرة «الإسلام دينها» (صيغة بديلة عن إسلامية الدولة) وهي في الوقت نفسه «دولة مدنية»، إلى فتح المجال لتعدّد المرجعيات، وبالتالي إلى تطور
إدراك ضمني يعتبر أن المفاوضة والتوفيق هما من الوسائل الأجدى لخلق دستور عابر للمراجع، بحيث يجد كل طرف صورة له في النظم المُوجِّهة للعلاقات الاجتماعية. بهذه الوضعية، جرى الانتقال من
المثالية النظرية التي تفترض أن يكون الإسلام أو العلمانية ح وحيدًا ونظامًا شامالً لجميع جوانب
الحياة ومشكلاتها العصرية إلى عالم الواقع الذي يقبل التعايش مع الاختلاف والتعدد. فالنهج الذي يتسع للاختلاف والتعدد هو النظام الأشمل لجوانب الحياة بسبب قدرته على التعبير عن الواقع، والذي تتفاعل معه كما هو وليس من خلال افتراضات وتصورات متواضعة الآفاق خارج السياق الاجتماعي الفعلي. مكَّن التفاهم النسبي بين أفراد النخبة السياسية التونسية بشأن نقاط الاختلاف والوفاق من الاقتراب أكثر من نبض الشارع، وعدم وضع الخلافات الأيديولوجية كأولوية (على الأقل) في المراحل الأولى من التحول إلى الديمقراطية في تونس. وهذا يفِّ طبيعة المسار المختلف والمتقدم نسبيًا للحالة التونسية
مقارنة بحالات عربية أخرى. فعلى الرغم من جميع التحفظات، هناك كثير من الإشارات التي تدل على
التزام الحراك السياسي التونسي ضمنيًا باحترام ضوابط العمل والتعاون المشترك. وكما ذكرنا سابقًا،
إن حلّ مسألة الشريعة والشرعية في الدستور يمثّل اعترافًا ضمنيًا واستعدادًا ذهنيًا لقبول مبدأ تعددية
المصادر الفكرية. يدل التفاعل والحوار بين النخب السياسية في تونس ما بعد سقوط نظام زين العابدين على نجاح الثورة في إزالة المثبطات والأدوات التي ظلت تقمع التعدد السياسي وحالت دون تطوره. ونحن الآن أمام واقع تتصارع فيه جميع الرُّؤى والقيم التي أغلبيتها غير ديمقراطية أو ديمقراطية نسبيًا؛ فمنها النيوليبرالي
وليبراليو الحرية وحقوق الإنسان والأصولية الدينية- السلفية والإسلام السياسي والقوميون واليساريون والأطراف ذات التوجه العلماني.. إلخ. إن وجود مجتمع مدني فاعل وعدم تدخل المؤسسة العسكرية التونسية في العملية السياسية وترك مهمات مرحلة ما بعد الثورة ل«الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة
((5(دستور الجمهورية التونسية (0142)، الباب الأول: المبادئ العامة، الفصلان الأول والثاني.
((5(هذا لا يعني أن الديمقراطية لا تنشأ إلا إذا توافر وعي وهدف مسبق نحو التحول إلى الديمقراطية. ربما تؤسِّس التصرفات
والقرارات التي يتخذها نظام أو أشخاص غير ديمقراطيين بالمفهوم الراهن للديمقراطية لظهور ديمقراطية في مراحل لاحقة، ولكن
النضال واستغلال الفرص يحتاجان إلى أشخاص يؤمنون بقيم الديمقراطية لوضع تصور لها في العالم العربي. للمزيد بشأن هذا
النقاش، انظر: بشارة، ص.28-23
والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي»، على عكس دول عربية أخرى، أبقى الصراع في الإطار المدني- السياسي من دون عنف. لذا، ظهر العنف خارج الجسم السياسي عند الفئات السلفية التي فضلت البقاء خارج العملية السياسية منذ البداية. يدل الحراك السياسي والاجتماعي التونسي بشكل قوي على قبول واعتراف عام - على مستوى الطبقة
السياسية والشعبية - بالتعددية السياسية؛ فمثالً، تمكنت أحزاب ذات منطلقات فكرية (ممثلة في الترويكا) مختلفة من تأسيس مبدأ التشارك والتعاون والتحالف سياسيًا وقيادة الدولة بعد هروب بن علي. هذا
الاعتراف هو من أهم العناصر الاجتماعية التي يجب أن تتوطن في المخيلة السياسية كأساس للتحول نحو التعددية السياسية وبناء نظام ديمقراطي حقيقي. ولضمان استقرار ما تم تحقيقه في السياسة التونسية، يجب تدعيم مبدأ التعدّدية وتوطين لغة الحوار. وقد مكنت مقاربة الواقع بهذه الذهنية النخبةَ السياسية التونسية الموجودة قبل الثورة من تقبّل مبدأ
وسيناريوهات العمل المشترك مع الأطراف الأخرى. كما أدركت النخبة حقيقة أن الفترات التي يؤسس فيها قواعد الحلم الديمقراطي تمثّل فضاء لضم جميع الأطراف، أصغُر حجم جمهورها في المجتمع أم كربُ؛
فديمقراطية الفترات التأسيسية ليست لممارسة حكم الأغلبية (حتى وإن كانت ذات شعبية عريضة)
ومعارضة الأقلية، بل لتكون سقفًا تجتمع تحته جميع الرّؤى لتأخذ كل منها دورها في عملية التحول معًا
(ليس حكامً ومعارضة) من خلال المساهمة في بلورة قوانين الأساس. هذا التصور بدا واضحًا لدى حركة
النهضة (الحزب الأكبر في تونس) كما عربّ عنه راشد الغنوشي: «نحن في مرحلة انتقالية تحتاج إلى ديمقراطية
التوافق أكثر من ديمقراطية الأغلبية». أثبتت الحالة التونسية أن الاشتراك في العملية السياسية والعمل معًا بين الفئات الفكرية المختلفة أمران
ليسا ممكنين فحسب، بل هما واقعان لا بدّ منها أيضًا.
خلاصة
على اعتبار أن الثورة عملية بناء ذات زمنية طويلة لتغير أسس الاستقرار التي قام عليها الاستبداد، فإن حالة عدم الاستقرار تشكل عنصرًا بنيويًا في الحالة الثورية تتيح الفرصة لظهور التعددية الفكرية، وتضع
جميع الخطابات والرّؤى السياسية للاختبار والنقد الذي يطور الخطاب السياسي. فالثبات والجمود داخل
النظم السياسية مناقضان لطبيعة وظيفة السياسة والتعدّدية، والتعدد السياسي الفاعل يُضعف الثنائيات
التي تجرد الواقع المركّب، والتي غالبًا ما استخدمها نظام ما قبل الثورة كأداة خطابية لحصر خيارات
المواطن وتكريس الاستبداد. كما أن بعض خطابات ما بعد الثورة، الذي يرى مصدر الشرعية في الأمة/ المجتمع «أو» الدين/ الشريعة، يتجاهل العلاقات العضوية التاريخية بين هذه الثنائيات. فمن أجل فتح
آفاق سياسية أوسع للتّغيير معًا، لا بدّ من الاعتراف بأن الواقع الاجتماعي مركّب ومتعدد الأبعاد
(5((راشد الغنوشي (حوار خاص)، بتاريخ 013/8/25 2، على الموقع الإلكتروني: http://www.youtube.com/<
watch?v=jsYevfJLtEA> (Accessed 10/11/2013).
شتاء 2015
كمدخل للتفاوض بشأن منهجية توازن بين التراث التاريخي والكينونة الراهنة والمستقبلية من أجل إنشاء
بُعد فلسفي ديمقراطي توافقي يكون منسجامً مع السياق الاجتماعي. يجب أيضًا الاعتراف بتنوع وتعددية المصادر الفكرية التي هي بمنزلة البنية التحتية للعمل الديمقراطي. ولأجل الوصول إلى تفاهمات مشتركة، فمن الأفضل التركيز على مبادئ سياسية براغماتية، والتعامل مع الصراع الأيديولوجي العميق بطرق أخرى من الأسفل، والتحاور في ظل ذهنية تعدّدية تُغير من
طبيعة العلاقات بين الأطراف بحيث يُنظر إلى المعارضة بوصفها جزءًا أساسيًا من العملية السياسية.
والإقرار بمبدأ التعدّد هو من أهم العناصر التي لا بدّ من إرسائها في المخيلة السياسية في بداية الطريق
نحو ديمقراطية فاعلة. إن التصرفات والخطابات السياسية في تونس ما بعد الثورة تدل على مستوى من القبول بتعدّدية المصادر
الفكرية كمراجع لاستنباط قوانين الأساس وبلورتها من خلال الحوار. ولكي ينجح التحول الديمقراطي، ينبغي تدعيم مبدأ التعددية والعمل المشترك في تونس وتوطيده.