العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

The Effects of Sociology in Morocco and the Issue of Gender: Major Transformations

فوزي بوخري *ص

الملخّص

* كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة القاضي عياض، مراكش.

Abstract

This contribution starts with the following question: How has sociology in Morocco approached the question of gender? And what are the most important transformations that characterize this approach? The author tries to address this problem through a documentary-historical approach by reading and using the relevant sociological and historical literature while adopting a comparative vision between the question of gender as it developed in sociology in general and in Moroccan sociology in particular.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • الجندر
  • سوسيولوجيا
  • السوسيولوجيا المغربية
Keywords:
  • Morocco
  • Gender
  • Sociology
  • Moroccan Sociology

رصد لأهم التحولات

مقدّمة

ليس من السهل رصد حصيلة السوسيولوجيا في المغرب، وذلك لاعتبارات عملية ومؤسساتية

تتعلق بصعوبة حصر مجموع الإنتاج السوسيولوجي في المغرب ك وكيفًا، ولاعتبارات أخرى إبستيمولوجية تتعلق بتنوع المتن السوسيولوجي على مستويات الموضوع والمنهج والمرجعيات النظرية، وبتداخله معرفيًا مع حقول علمية أخرى. هذا، علاوة على الاعتبارات الذاتية المقترنة بذاتية الباحث

وميوله على مستويات التقييم والتأويل والمقاربة. والواقع أن ما تطمح إليه هذه المساهمة هو رصد بعض تحولات الخطاب السوسيولوجي في المغرب في العلاقة بإشكالية بعينها هي إشكالية النوع، مع الوعي طبعًا بأن هذه الإشكالية هي من الموضوعات المستجدة التي تمرّ بطور البناء والاستكشاف، خاصة في

حقلنا السوسيولوجي، لكنها أيضًا من الموضوعات «الساخنة»، بتعبير الباحث عبد الصمد الديالمي،

من حيث إنها تهم كل فاعل اجتماعي؛ فكلٌّ يدلي بكلمته في الموضوع، من الفرد الأمي إلى المثقف، ومن الحزب السياسي الثوري إلى الجمعية الدينية المحافظة جدًا. ومسألة النوع، وكل ما يرتبط بالمرأة عمومًا،

لا تزال تمثّل رهانًا أيديولوجيًا كبيرًا بالنسبة إلى مجتمعنا؛ فعالم المرأة، كما سبق أن أكد جاك بيرك، هو

أحد الحصون المنيعة التي ما زالت تحتضن الشخصية المغربية، والمغاربية عمومًا، الشيء الذي يفسر

الصعوبات التي تواجه كل من يحاول مساءلة هذا العالم. ننطلق في مساهمتنا هذه من الإشكال التالي: كيف قاربت السوسيولوجيا في المغرب سؤال النوع؟ وما هي أهم التحولات التي ميزت هذه المقاربة؟ وسنسعى لمعالجة الإشكال هذا من خلال محورين أساسيين:

(1) Abdessamad Dialmy, Le Féminisme au Maroc (Casablanca: Les Editions Toubkal, 2008), p. 23. (2) Jacques Berque, Le Maghreb entre deux guerres (Paris: Editions du Seuil, 1962), p. 101.

شتاء 2015

- محور «علم الاجتماع وسؤال النوع» عمومًا، وهو يطرح مفهوم النوع والمفاهيم المجاورة له، ويعرض

لسؤال النوع بوصفه موضوعًا للعلوم الاجتماعية عمومًا والسوسيولوجيا بشكل خاص. - محور يرصد أهم «تحولات سؤال النوع في السوسيولوجيا في المغرب»، على مستوى الموضوع والفاعلين والاستراتيجيا واللغة.. إلخ. وعلى المستوى المنهجي، سنعتمد في معالجتنا هذا الموضوع مقاربة وثائقية - تاريخية، من خلال قراءة واستثمار الأدبيات السوسيولوجية والتاريخية ذات الصلة بالموضوع، مع تبنّي رؤية مقارنة بين سؤال النوع

كما تمت مقاربته في السوسولوجيا عمومًا، وبين تناوله في المتن السوسيولوجي في المغرب.

علم الاجتماع وسؤال النوع

في تعريف النوع

فرض مفهوم النوع نفسه منذ التسعينيات من القرن الماضي. وبقدر ما تطور البحث في المفهوم والقضايا التي يطرحها في سياق العلوم الاجتماعية، وعلم الاجتماع بشكل خاص، تراجع بعض المفاهيم الأخرى الاختزالية، خاصة مفاهيم «الجنس» و«المرأة»، أو النساء، أو «وضعية المرأة»، على اعتبار أن تناول سؤال النوع يستحضر مفهوم الرجل، ويأخذ المسألة الذكورية بعين الاعتبار. ويتنافس مفهوم النوع، من حيث التداول، مع مفهوم «العلاقات الاجتماعية بين الجنسين»، وهو المفهوم الذي أبدعته ثلة من الباحثات في العلوم الاجتماعية (الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ.. إلخ.)، بل يُعتبر

شبه مرادف له. إن وضعيات الرجال والنساء في المجتمع ليست نتاج قدر بيولوجي، وإنما هي إنشاءات اجتماعية (Construits sociaux). من هنا الحديث عن التقسيم الاجتماعي للعمل بين الجنسين، أو التقسيم الجنسي للعمل. ويعود الفضل إلى الباحثات في حقل الأنثروبولوجيا في الكشف عن هذه الدالة العلمية؛ فهن أول من أعطى المفهوم مضمونًا جديدًا بالكشف عن حقيقته، من حيث إنه لا يترجم التكامل بين المهمات، وإنما

يترجم علاقة السلطة التي يمارسها الرجال على النساء؛ ذلك أن هذا التقسيم الجنسي للعمل يقرن في نوع من الأولوية بين الرجال ودائرة الإنتاج (Production)، بينما يحصر النساء في دائرة إعادة الإنتاج

(3) Frédérique Omer-Houseaux, «Le Genre: Une Notion féconde pour les sciences sociales,» Idées économiques et sociales , no. 153 (2008), pp. 4-5. (4) Danièle Kergoat, «Division sexuelle du Travail et rapports sociaux de sexe,» dans: Helena Hirata [et al.], coords., Dictionnaire critique du féminisme , politique d’aujourd’hui (Paris: Presses universitaires de France, 2000), pp. 35-44.

(((وفي هذا الإطار يمكن الإشارة - بعد الأعمال الرائدة لمارغريت ميد طبعًا - إلى المشروع العلمي للأنثروبولوجية الفرنسية

فرانسواز إيرتيي، خاصة: (Paris: O. Jacob, 1996), et Masculin - féminin: La Pensée de la différence Françoise Héritier:

Masculin-Féminin. II, Dissoudre la hiérarchie (Paris: O. Jacob, 2002).

ويمكن الرجوع أيضًا إلى الخلاصة المكثفة التي تعرضها الباحثة في مقالتها التالية: Françoise Héritier, «Un Scénario possible

des origines du rapport inégal des sexes et comment s’en sortir,» dans: Isabelle Krier et Jamal Eddine El Hani, dirs., Le Féminin en miroir: Entre Orient et Occident , introd. de Françoise Héritier, campagne Première-recherche (Paris: Campagne Première; Casablanca: Éd. le Fennec, 2005), pp. 17-25.

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

Reproduction()، ويجعل الرجال في الوقت نفسه يحتكرون الوظائف ذات القيمة الاجتماعية المضافة (السياسية، والدينية والعسكرية... إلخ.)، والعلمية بطبيعة الحال، التي تهمنا أكثر هنا. لهذا الشكل من التقسيم الاجتماعي للعمل بين الجنسين مبدآن منظمان: مبدأ الفصل (هناك أعمال خاصة بالرجال وأخرى خاصة بالنساء)، ومبدأ تراتبي (عمل الرجال «له قيمة» أكثر من عمل المرأة). ويبدو

المبدآن وكأنهما صالحان لكل المجتمعات المعروفة، في كل مكان وزمان، كما يظهران وكأنهما وجِدا منذ القديم. هذه الأيديولوجيا الطبيعوية (Naturaliste) تختزل الممارسات الاجتماعية في «أدوار اجتماعية» جنسية، تحيل إلى قدر طبيعي، في حين أن الواقع التاريخي والأنثروبولوجي أثبت أن الممارسات الجنسية إنشاءات اجتماعية، وهي حصيلة علاقات اجتماعية، فالتقسيم الجنسي للعمل ليس معطى جامدًا وثابتًا، فإذا كان مبدآه المنظمان هما نفسيهما، فإن أشكاله تتغير تبعًا لتغير الزمان والمكان. وقد أبرزت الدراسات

التاريخية، على غرار الأبحاث الأنثروبولوجية، أن المهمة التي تُعتبر أنثوية في مجتمع ما أو في قطاع اقتصادي ما، يمكن أن تُعتبر ذكورية في مجتمع آخر. والواقع أن ما اكتسبه مفهوم النوع من شعبية وانتشار فقده على مستوى الدقة والوضوح، ومستوى القدرة على التحليل والنقد. والنتيجة هي أن ليس هناك إجماع حول استعمال المفهوم في العلوم الاجتماعية، إذ يستشعر الباحثون والباحثات نوعًا من القلق تجاهه، في ما يتعلق بمعناه وحمولته الاستكشافية، بالنظر

إلى تعدد دلالاته وأشكال توظيفه؛ فهو لم يعد مجرد مفهوم علمي يستمد شرعيته الإبستيمولوجية من الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية، بل تحول إلى مفهوم معياري وأداة نقدية توظفها الحركات الاجتماعية، وخاصة الحركة النسائية، بل سرعان ما تجاوز الدوائر النسائية ليتحول إلى أداة عملية لدى المنظمات الدولية، فدخل بالتالي في دائرة ما يصطلح عليه بيير بورديو ب «عولمة اللغة والأذهان». لكن المؤكد أن تحولات المفهوم كانت على حساب فعاليته النقدية وقدرته التحليلية والاستكشافية...

(((خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الوظائف الاقتصادية عرفت تطورًا كبيرًا منذ قرنين تقريبًا؛ تطور لم تعرفه البشرية قبل الآن.

وإذا كانت هذه الوظائف قد اكتست اليوم أهمية كبيرة، فهي لم تقم في الماضي إلا بدور ثانوي. ونحن بعيدون الآن عن ذلك العهد

الذي كانت تُترك فيه هذه الوظائف للطبقات والفئات الدنيا. ونلاحظ الآن أن الوظائف الحربية والإدارية والدينية تتراجع أمامها أكثر

فأكثر. والوظائف العلمية هي الوحيدة التي تملك أن تنازعها المجال. أضف إلى ذلك أنه ليس للعلم اليوم من نفوذ إلا بمقدار ما يخدم

حاجات العمل، أي الوظائف الاقتصادية بالدرجة الأولى. انظر:

إميل دوركايم، في تقسيم العمل الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، ط 2 (بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، 9821)، ص.12

(7) Kergoat, pp. 35-44.

(((بشأن أهمية الدراسات التاريخية في بناء مفهوم النوع، يمكن العودة إلى المساهمة التأسيسية للمؤرخة الأميركية جُوان سكوت.

انظر على سبيل المثال، لا الحصر، باللغة الفرنسية: Varikas Éléni Scott Joan, «Genre: Une Catégorie utile d›analyse

historique,» Les Cahiers du GRIF , nos. 37-38 (1988), le genre de l’histoire, pp. 125-153.

ويمكن الرجوع أيضًا إلى العمل الجماعي الذي أشرفت عليه مجموعة من الباحثات: Danielle Chabaud-Rychter [et al.], dirs.,

Sous les sciences sociales, le genre: Relectures critiques, de Max Weber à Bruno Latour (Paris: la Découverte, 2010). (9) Anne Revillard et Laure De Verdalle, «Dynamiques du genre (introduction), » Terrains et travaux , no. 10: Dynamiques du genre (2006), pp. 3-17. (10) Butler Judith [et al.], «Pour ne pas en finir avec le «genre»... Table ronde,» Sociétés et Rreprésentations , no. 24 (2007), pp. 285-306. (11) Pierre Bourdieu, Les Structures sociales de l’économie , Liber (Paris: Seuil, 2000), p. 20.

شتاء 2015

إن الانشغالات النظرية المتعلقة بالنوع كمقولة تحليل، لم تظهر سوى في العقود الأخيرة من القرن العشرين؛

فقد اقترحت عاملِة الاجتماع البريطانية آن أوكلي (A. Oakley) منذ سنة 972 لفظة نوع 1 (Gender)،

من أجل تمييز الجنس، كمعطى بيولوجي، من النوع، كبناء اجتماعي متغير وتطوري، ومن أجل إبراز

كيف أن الاختلافات البيولوجية معطاة وطبيعية، بينما هويات النوع مرتبطة بأن تقوم - عن طريق مختلف

إجراءات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، وسائل الإعلام، الثقافة... إلخ -). بنقل طرائق الوجود والتفكير

والفعل، الموجِّهة للأفراد نحو نماذج الذكورة والأنوثة، ونحو هويات وأدوار اجتماعية تقرن تاريخيًا بكل

جنس انطلاقًا من تطبيع الاختلافات الجنسية ومن فكرة حتمية بيولوجية عميقة. وسنوات بعد ذلك،

ساهمت المؤرخة الأميركية جُوان سكوت (J. W. Scott) في عملية بناء المفهوم، وذلك بأن أضافت إلى

بُعده البنائي فكرة علاقات السلطة بين الجنسين، المفضية عمومًا إلى الهيمنة الذكورية في المجالين الخاص

والعام. فالرجال يستندون إلى الاختلافات البيولوجية الجنسية، المقدمة بوصفها طبيعية، من أجل تبرير

توزيع للمهمات يخدم مصالحهم. وانطلاقًا من ذلك، قدمت سكوت تعريفها الخاص للنوع، بوصفه

«ذلك العنصر المكوِّن للعلاقات الاجتماعية المؤسسة على الاختلافات المدركة بين الجنسين، وباعتباره

طريقة أولى للدلالة على علاقات السلطة». الواقع أن أي كتاب في الموضوع يكاد لا يخلو من محاولة لتعريف النوع، ومن هنا صعوبة الانتصار لتعريف

على حساب تعريف آخر، وربما الأنسب هو تقديم تعريف تركيبي يأخذ بعين الاعتبار القواسم المشتركة

الملاحظة بين التعريفات المختلفة للمفهوم. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن النوع يشير اليوم إلى مجموع

القيم الثقافية والمواقف والأدوار، والممارسات والخطابات والمميزات الناتجة من الاختلافات بين الجنسين،

كما وجِدت تاريخيًا وبين - ثقافيًا. وبتعبير أكثر دقة، النوع هو البناء الاجتماعي للاختلافات الملاحظة

بين الجنسين، باعتباره يندرج ضمن اقتصاد العلاقات الاجتماعية للجنس؛ علاقات مهيكلة بهيمنة

ال«مذكر» على «المؤنث»، المتطورين في التاريخ وفي المجال الاجتماعي، وبذلك يعربّ النوع عن علاقات

السلطة القائمة بين الرجال والنساء. بهذا المعنى، يتميز مفهوم النوع من مفهوم «الجنس» الذي يحيل إلى مجموع المميزات البيولوجية المحددة

للإنسان، أنثى أكان أم ذكرًا، من حيث إنه يتيح الكشف عن الطابع الاجتماعي للسلوكات والدلالات

المرتبطة بالاختلاف بين الجنسين. وهكذا، بمقدار ما يؤسس رفض النزعة الطبيعية مفهوم النوع، فإنه

يمنح هذا المفهوم بُعدًا سوسيولوجيًا.

لكن يتعين تحديد ما المقصود بالبناء الاجتماعي للاختلافات الجنسية؛ فلهذا البناء أوالً بُعد مادي يتجسد

في سلوكات وأوضاع متغايرة بحسب الجنس، وتوزيع متفاوت للموارد والمجالات الاجتماعية بين

(12) Christine Guionnet et Erik Neveu, Féminins-masculins: Sociologie du genre , collection U. Sociologie (Paris: A. Colin, 2004), pp. 355-357. (1((ورد عند:.Judith [et al.], pp. 285-306 (14) Revillard et De Verdalle, pp. 3-17. (15) Omer-Houseaux, pp. 4-5. (16) Dialmy, p. 11.

(1((المصدر نفسه.

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

الرجال والنساء. وتقترن جميع الأبحاث التي تدرس مكانة الرجال والنساء في المجتمع (في المهن والأسرة

والسياسة... إلخ.) بهذا البُعد. وللبناء الاجتماعي بُعد رمزي أيضًا؛ فالنوع يحيل إلى الدلالات والقيم المرتبطة اجتماعيًا بالمذكر والمؤنث،

وتشارك هذه الدلالات في تنظيم الحياة الاجتماعية. ومن هذا المنظور، يشكل النوع مبدأ مهيكالً لتنظيم

المجتمع، في استقلال عن مسألة مكانة النساء والرجال. وأخيرًا، يحيل النوع من حيث المبدأ، باعتباره علاقة اجتماعية مبنية على الاختلاف، إلى بُعد السلطة، الذي

يمكن أن يترجَم تحليليًا على شكل تراتبية أو معيار؛ فثمة علاقة سلطة غير متكافئة بين الرجال والنساء

وتفوّق اجتماعي للدلالات والقيم المرتبطة بالمذكر على تلك المتعلقة بالمؤنث. وشكل الكشف عن علاقة

السلطة هذه صُلب النظريات النسائية الأولى التي عربّت عنه مفاهيميًا بتوظيف مفهوم «البطريركية»

patriarcat()... وهكذا، فإن النوع، بوصفه بناء اجتماعيًا وعلاقة سلطة، غير «ثابت أبدًا، وإنما يتشكل

ويعاد تشكيله باستمرار». ومثلما أن هناك في تاريخ العلوم الاجتماعية ما يُصطلح عليه بالمنعطف اللساني ومنعطف الثقافة، يمكن

الحديث أيضًا عن منعطف النوع ()Le tournant du genre، على الرغم ممّا يقال أحيانًا من ضعف

نسبي لاندماج إشكالية النوع في حقل العلوم الاجتماعية؛ ذلك أن ما يمثّله مفهوم النوع في هذا الحقل

ليس مجرد إضافة رقمية أو معجمية، وإنما هو أيضًا مساءلة عميقة لعدد من مقولات الحقل المحورية

(سواء أتعلق الأمر بالعمل أم بالأسرة أم بتقسيم العمل أو المجال أو الزمن أم بالسياسة... إلخ.)؛ فبمقدار

ما يسائل النوع، الذي يشكل مبدأ منظامً للمجتمع في كليته، العلوم الاجتماعية، فإنه يساهم في إثراء هذه

العلوم وتجديدها، وبشكل خاص السوسيولوجيا: الشغل والأسرة..إلخ. ويتجاوز «منظور النوع» المقاربة التقليدية التي تتمثّل ببساطة في توسيع حقل التحليل ليشمل النساء، من

دون التساؤل عن البُعد الجنسي للتعريف التقليدي للسياسة ولمفاهيم شتى، مثل الدولة أو السلطة أو العدالة

أو المواطَنة؛ فمنظور النوع يرافع، على العكس، من أجل إعادة تعريف المقاربات والمفاهيم التقليدية بحيث

تأخذ بعين الاعتبار الأهمية الكبيرة للنوع كعاملٍ لتحديد حقول المجتمع المختلفة وهيكلتها. وهكذا،

ما عادت الأبحاث المعتمِدة منظور النوع تتساءل ببساطة عن مكانة النساء في المجتمع عمومًا، وفي السياسة

أو التعليم أو البحث العلمي.. إلخ.، لكنها تهتم على وجه الخصوص بالعلاقات بين النساء والرجال في

المجتمع، وتركز على الإنشاءات الاجتماعية والسياسية التي هي مقولات النوع («النساء» و«الرجال»)،

وتسائل في الوقت ذاته التعريف «البيولوجوي» (biologisante) للنوع المؤسَّس على المميزات البيولوجية

(18) Revillard et De Verdalle, pp. 3-17. (19) Judith [et al.], pp. 285-306. (20) Françoise Héritier, «Femmes, sciences et développement,» dans: Krier et El Hani, dirs., pp. 89-96.

(((2 ولاسيما أن هناك من يعتبر أن في توظيف كلمة نوع شيئًا من التعسف، ما دام لا يعبّر عن «حاجة لسانية»، وأن الرهان ربما على

فائدته العلمية المفترضة، انظر: Revillard et De Verdalle, pp. 3-17. (22) Omer-Houseaux, pp. 4-5. (23) T. Carver [et al.], Genre et politique: Débats et perspectives , textes rassemblés et présentés par Thanh-Huyen Ballmer-Cao, Véronique Mottier et Lea Sgier, Folio. Essais; 370 (Paris: Gallimard, 2000), pp. 8-9.

شتاء 2015

للأفراد («الجنس»)، وذلك لفائدة تعريف سوسيو- سياسي يركز على أهمية السيرورات الاجتماعية لبناء

مقولات النوع؛ إذ لم يعد كون المرء «رجالً» أو «امرأة» مسألة بيولوجيا فحسب، وإنما أيضًا مسألة سلطة

اجتماعية، وبالتالي مسألة صراع، على نحو خاص.

«سؤال النوع» موضوعًا للسوسيولوجيا

يمكن القول إن الوعي بمسألة النوع بدأ مع بداية البحث السوسيولوجي، ولو بشكل ضمني وغير واع

بجميع الأبعاد والإشكالات التي تطرحها هذه المسألة؛ فقد سبق أن انتبه سان سيمون، أحد مؤسسي

السوسيولوجيا، إلى أن الفرد الاجتماعي هو بالضرورة رجل وامرأة. إلا أن ذلك لا يعني بشكل آلي الإيمان

الفعلي بالمساواة بين الرجل والمرأة، إذ أشارت الباحثة جنفييف فريس إلى أن السان سيمونيين تبنّوا موقفًا

سلبيًا من مسألة الاختلاط بين الجنسين، وبابتعادهم عن النساء. الملاحظة ذاتها يسجلها جاك بيرك بشأن العلوم الاجتماعية عمومًا، فالعلوم هذه ظلت عقودًا كثيرة عاجزة

عن إدراك ما يسمّيه بيرك «مشكلة النساء»، ومشكلات أخرى غيرها. وكانت العلوم الاجتماعية، التي

نشأت في جغرافيا معيّنة (أوروبا الغربية)، وفي لحظة تاريخية ما، قد وجدت نفسها منذ البداية، وبفعل

انتمائها الجغرافي «شبه الجزيري» (Péninsulaires)، في وضعية عجز أمام التغيرات المتسارعة والمعقدة

الجارية في العالم، وفي مواجهة زخم من المشكلات والتحديات المستعجلة والمتدفقة والمهددة، حيث

ظلت هذه العلوم معربّة عن تجربة حضارية بعينها. وليس ذلك هو عجزها الوحيد، إذ بمقدار ما تناولت

مشكلات محددة، داخل الجغرافيا التي نشأت فيها، وفي اللحظة التاريخية التي انبثقت فيها، غابت عنها

مشكلات أخرى، من بينها مشكلات النساء، ذلك أن المرأة ظلت عصية على تحليلات الباحثين في

العلوم الاجتماعية، الأمر الذي جعلها تبحث بنفسها عن تفسيرها الخاص. وتفترض موضوعية العلوم الاجتماعية توسيع «عيّناتها» لتشمل النساء، قبليًا وبعديًا؛ فما لم تساهم النساء

في إنتاج المعرفة العلمية في حقل العلوم الاجتماعية، وما لم يدمجن ضمن خطاب هذه العلوم الاجتماعية

حول المجتمع، فسيظل هذا الخطاب جزئيًا وتجزيئيًا، لأن ما ينبغي هو أن تمثَّل المرأة، سواء على مستوى

إنتاج المعرفة أو على مستوى العينة المدروسة. إن عاملِ الاجتماع، كما نعلم، معني بالمشكلة التي يحاول التنظير بشأنها، لا بصفته عاملِ اجتماع فحسب، بل

بصفته أيضًا إنسانًا ذا ميول وحسابات ومصالح، ومن ثمة سرعان ما تتسرب تجربته الذاتية، بشكل صريح

أو ضمني، إلى الطريقة التي يتعامل بها مع المشكلة المدروسة، وإلى ما ينتجه من تصورات بشأنها، بل وإلى

أسلوب الكتابة واللغة المستعملة نفسيهما. ولعل أبرز مثال على ذلك ما أشار إليه الباحث إيان كريب

بخصوص «تجاهل علماء الاجتماع، وهم في الغالب ذكور، لوضع المرأة في المجتمع أو إساءتهم لتحديده.

(24) Geneviève Fraisse, Les Deux gouvernements: La Famille et la cité , Folio. Essais; 390 (Paris: Gallimard, 2001), p. 135. (25) Jacques Berque, «Sciences sociales et décolonisation,» Tiers-Monde , vol. 3, nos. 9-10 (1962), pp. 1-15. (26) Dialmy, p. 19.

2(((إيان كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة محمد حسين غلوم؛ مراجعة محمد عصفور، عالم المعرفة؛

442 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9991)، ص.37

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

فإلى وقت قريب، كان من المعتاد مثال، أن ينظر علماء الاجتماع إلى الأسرة من منظور التراتبية وفقًا لمهنة الرجل، أما التراتبية الجنسية، فلم تكن تتلقى سوى اهتمام محدود. والأكثر من ذلك هو أن علماء الاجتماع يعمدون، في نظر كريب، إلى توظيف لغة مشبعة تحيزًا ذكوريًا، إذ نادرًا ما يُستخدم ضمير المؤنث الغائب

بدالً من ضمير المذكر الغائب. ولهذا لم يتوانَ هذا الباحث في كتابه المتعلق ب «النظرية الاجتماعية»... عن تقويض هذه القاعدة نسبيًا، واستخدام ضمير المؤنث الغائب، مساهمة منه في نشر وعي جديد، يسمح

بتحقيق مساواة بين الرجل والمرأة على جميع الصعُد، أبرزها صعيد العلم واللغة العلمية؛ فبالنسبة إلى

بورديو، لا تمارَس سلطة بعض الأفراد على بعض بالضرورة عبر واسطة الثروات أو الشغل، وإنما تمارَس

مباشرة، في الغالب، عبر الفرض الناعم لأنماط التمثل والتصورات المحمولة بواسطة اللغة؛ ذلك أن اللغة، بفعل بنيتها أو بلعبة الدلالات الإيحائية أو الاستعارات التي تمارسها، هي بمثابة مرآة ثقافية، تثبت

التمثلات الرمزية، وتمثّل صدى للأحكام المسبقة والصور النمطية، كما أنها تغذيها وتحافظ عليها. لهذا

لم تبدَع اللغة من أجل تيسير التواصل فحسب، بل من أجل أن تتيح أيضًا الرقابة والكذب، والعنف

والاحتقار، والقمع، مثلما تتيح اللذة والمتعة واللعب والتحدي والثورة.... ويبنيّ بورديو في كتابه الهيمنة الذكورية كيف أن الاختلافات بين الجنسين تندرج ضمن تصور للكون

يقوم على كثير من التقابلات اللغوية والعملية: الرجل/ المرأة، فوق/ تحت، يمين/ يسار، جاف/ رطب،

خشن/ لطيف.. إلخ. ولا تتعلق تراتبية هذه الثنائيات بتعريف موضوعي للعناصر التي تشكل كل طرف،

وإنما للربط الثقافي لكل واحد منها، تارة بالقطب المذكر وتارة أخرى بالقطب المؤنث. وتعزز هذه

الثنائيات ذاتها بذاتها، فتدرج الاختلاف بين الجنسين، وخاصة الهيمنة الذكورية ضمن نظام للأشياء

طبيعي، لا يتم الاعتراض عليه ولا مناقشته. إن هذا المجموع من التصورات المشكِّلة للدوكسا يتيح للهيمنة الذكورية أن تندرج في الأشياء والأجساد،

وأن تسقط على كل تصور للتقسيم الجنسي، بحيث نجد تقسيامً جنسيًا ل«العمل» طبعًا، لكن نجد أيضًا

تقسيامً للزمان والمكان والأشياء وجودتها... وانطلاقًا من ذلك، يشتغل النظام الاجتماعي كآلة رمزية

هائلة، تنزع إلى التصديق على الهيمنة الذكورية. وتصل فعالية فرض الهيمنة الذكورية حد استدماجها في

الشخصية، عبر فعل التنشئة الاجتماعية. ولا تنفلت اللغة العلمية نفسها، مثلها في ذلك مثل اللغة اليومية، من تأثير الأحكام المسبقة والصور النمطية

المفترضة في تلك التقابلات اللغوية والعملية، بل يمتد تأثيرها إلى حد تكريس استبعاد ناعم للنساء

من ولوج باب المعرفة، حيث نجدها تؤثر في التصنيف والرؤية السائدين اجتماعيًا في ما يتعلق بالعلوم؛

(2((المصدر نفسه، ص.37

(29) Pierre Mounier, Pierre Bourdieu, une introduction , agora. Une Introduction (Paris: Pocket ; La Découverte, 2001), p. 86. (30) Marina Yaguello, Les Mots et les femmes: Essai d’approche socio-linguistique de la condition féminine , petite bibliothèque Payot: Documents; 75 (Paris: Payot, 1992), pp. 7-8. (31) Mounier, p. 92. (32) Héritier, «Femmes, sciences et développement,» pp. 89-96.

((3(المصدر نفسه، ص.96-89

شتاء 2015

فغالبًا ما تصنف إلى مجموعات: علوم «محضة»، «دقيقة»، من جهة، وعلوم «مرنة» أو بالأحرى «غير دقيقة»

من جهة أخرى. ولا يعزى هذا التقابل إلى اختلافات بيّنة على مستوى توظيف العقل والتفكير العلمي

والنقدي، ولا إلى جدية مفترضة للعلوم الأولى في اختيار المناهج ومعايير الصلاحية، بقدر ما يعزى إلى التقابل مذكر/ مؤنث. وكلمات «علم» و«بحث» و«تقنية» نفسها مطبوعة بطابع المذكر، لأنها تفترض الخارجية عن الذات، وسمو العقل على المادة، أو، على حد تعبير سيمون دو بوفوار، تفوق التعالي على المحايثة، في حين أن كل ما يتعلق بالإنساني والحياة والاجتماعي مطبوع بطابع المؤنث، بحكم أنها تفترض ما هو حميمي وداخلي، وتعاطف وجداني..إلخ. وطبيعي أن مثل هذا التصور يفترض أن بوضع المعرفة بين يدي النساء، تصير أداة مضرة تتيح لهن وسائل تحليل وضعيتهن والتحرر منها. ليس من السهل بالنسبة إلى عاملِ الاجتماع أن يلج عاملَ النساء لفهم وضعيتهن؛ فالأمر يشبه السير فوق

حقل ألغام لا ينجو منه حتى كبار علماء الاجتماع، كما هي حال إرفين غوفمان، الذي تعرض لنقد عنيف من طرف بعض الباحثات المنتميات إلى الحركة النسائية في الولايات المتحدة، وا م بتكريسه صورًا نمطية

للنساء في إطار تناوله موضوع النوع والعلاقات بين الجنسين، من خلال مقارنته بين النساء والأطفال وبينهن وبين مرضى البدانة والمرضى العقليين؛ فخطأ غوفمان أنه لم يتصور المرأة سوى في علاقة خضوع وتبعية للرجل، كما لو أن وضع المرأة لا يخرج عن إطار الزوجة أو الفاعل «الهامشي» في سوق الشغل، الذي يعمل كملحق للذكر الوحيد الذي يرتبط به، بل إنه حصر المرأة في سوق الشغل في دور السكرتيرة الشابة والجميلة التي تقدم خدماتها للرجال المحيطين بها، ولعالمهم المهني الساخن! إن النص السوسيولوجي لا يتضمن في ذاته جميع العناصر الضرورية لتفسيره، بل هو مطالَب بالإحالة إلى الواقع الذي يسعى إلى دراسته. وليس أفضل من موضوع النوع، وما يقترن به من قضايا وإشكالات، لقياس مدى البون القائم بين ما يوجد في النص وما يوجد في الواقع؛ «فالمرأة الثائرة اليوم - كما قال بيرك - هي مثل تاميريس في الأسطورة، تقطع رؤوس الكثير من فرضياتنا». لهذا يرى ألان تورين

أنه يتعين على علماء الاجتماع الذهاب إلى معاينة النساء في الواقع، والإنصات إليهن بدالً من الحديث باسمهن. فما تفكر فيه النساء وما يقمن به، مختلفان تمامًا، بل متعارضان في كثير من الأحيان مع ما يقال

لنا أنهن يفكرن فيه ويقمن به. وتمكّن دراسة وضعية النساء من مراجعة الأطر المفاهيمية والنظرية للسوسيولوجيا وتوسيع مداها، من خلال الانفتاح على تجارب النساء كفاعلات اجتماعيات. وفي هذا الصدد، يعتقد تورين أن نضالات الحركة النسائية مثال حي على زيف اعتقاد الباحثين الذين يطالبون بإلغاء مفاهيم «الفاعل الاجتماعي»، و«الحركة الاجتماعية»، وخصوصًا مفهوم «الذات»، لأنها تحيل إلى

تصورات متجاوزة للوعي والفعل السياسيين. وعبر الذهاب إلى معاينة النساء في الواقع والإنصات

((3(المصدر نفسه، ص.96-89

(35) Winkin Yves, «Goffman et les femmes,» Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 83, no. 1: Masculin/ féminin-1 (Juin 1990), pp. 57-61.

((3(تاميريس، ملكة الأمازون، قطعت رأس ملك فارس، ووضعت هذه الرأس في حمام دم. انظر: Berque, «Sciences sociales,»

pp. 1-15. (37) Alain Touraine, Le Monde des femmes (Paris: Fayard, 2006), p. 10.

((3(المصدر نفسه، ص.11

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

إليهن بدالً من الحديث باسمهن، يظهر خطأ من يعتقد أن الفاعل الاجتماعي (النساء أو الطبقة عاملة.. إلخ.) «لا يمكنه فعل أي شيء» تجاه واقع ما، وأنه منذور للعجز والوعي الزائف والتبعية التامة. وراهن تورين، من خلال كتابه عالم النساء، على المساهمة في الكشف عن النساء كفاعلات اجتماعيات، بإبراز أهدافهن والصراعات التي ينخرطن فيها، وإرادتهن في أن يكنّ صانعات لوجودهن الخاص. فكما عربّ

عن ذلك تورين: «الدافع وراء هذه الدراسة يكمن في إرادتي الراسخة للانفلات من تمثّل حياة اجتماعية

مختزلة في تأثيرات الهيمنة الجذرية التي تجعل من المستحيل تكوين فاعلين وحركات اجتماعية. وقد قدّم لي

هذا الكتاب ما كنت أبحث عنه: إثبات النساء لذواتهن، بخلاف ما تخلص إليه غالبية الباحثات اللواتي يتحدثن عنهن أو لأجلهن». إن إبداع فكرة النوع وانتشارها السريع، خصوصًا من خلال دراسات النوع (Gender Studies)، شكلا

في بداياتها نهاية الثنائية التي اختزلت المرأة إلى مجرد كائن من أجل الرجل، كما قالت سيمون دو بوفوار في كتابها التأسيسي الجنس الآخر (9491)؛ فقد اعتدنا قراءة الخطابات المنتجة بشأن النساء من طرف النساء، والإنصات إلى المرافعات المبنية من طرف الحركة النسائية، باعتبارها تعري الهيمنة الذكورية، وتنتقد اختزال النساء في موضوعات جنسية، وتدافع عن حقوق جديدة لهن، أو تبحث عن فهم للهشاشة

المتزايدة للأزواج والأسر.. إلخ.، لكنها تنسى تقريبًا أن تتساءل عامّ إذا كان واقع النساء الذي تتحدث عنه

وباسمه، موجودًا فعالً. هنا لا بد أن نشير إلى أن معركة النساء من أجل تحررهن عرفت، في نظر جوليا كريستيفا، ثلاث مراحل في الأزمنة الحديثة: مرحلة المطالبة بالحقوق السياسية (بدءا بالحق في التصويت)، ومرحلة تأكيد المساواة الأنطولوجية أو الوجودية مع الرجال (ضد «المساواة في إطار الاختلاف») مع سيمون دو بوفوار، وأخيرًا

مرحلة البحث عن الاختلاف بين الجنسين، في سياق ثورة أيار/ مايو 9681 وتطور الدراسات في مجال التحليل النفسي. وفي هذا السياق الأخير، سيتم التشديد على الإبداعية الأصيلة في تجربة النساء، وفي تجربة الحياة الجنسية كما عبر امتداد الممارسات الاجتماعية، وفي السياسة كما في الكتابة الأدبية والبحث العلمي، وخصوصًا في سياق العلوم الاجتماعية. من هنا، ترى كريستيفا أن الحركة النسائية قوضت

قيم الاختلاف والاستقلالية والحرية الذاتية باسم الشعارات والوعود الكبرى والجماهيرية. تؤمن كريستيفا بقيمة المشاريع النسائية الذاتية والمتفردة، التي تعيد الاعتبار إلى «الذات النسائية» في اختلافها وتميزها، في استقلاليتها وتحررها، بل تعتبر أن هذه المشاريع هي التي تجسّد، وبحق، «العبقرية

بصيغة المؤنث»، الشيء الذي جعلها تخصص مشروع «العبقرية الأنثوية» لثلاثة أسماء هي أرندت وكلاين وكوليت، مستثنية بذلك سيمون دوبوفوار، على الرغم من مساهمتها التأسيسية في الحركة النسائية عمومًا.

((3(المصدر نفسه، ص.26

(4((فوزي بوخريص، «جوليا كريستيفا ضد سيمون دو بوفوار: أو من أجل عبقرية بصيغة المؤنث»، تكست (العراق)، العددان

6-151، (تموز/يوليو - آب/أغسطس  2011.)

(41) Julia Kristeva, Le Génie féminin: La Vie, la folie, les mots , 3 vols. (Paris: Gallimard, 2003).

شتاء 2015

ومن منظور سوسيولوجي هذه المرة، انتهى تورين في أبحاثه المعنية ب «عالم النساء» إلى أن وعي المرأة بذاتها هو، على عكس الرأي الشائع، غير موجَّه ضد الرجال ولا ضد هذا الشكل أو ذاك من العلاقات القائمة

بين النساء والرجال. فأن تكون المرأة امرأة هو إثبات أول؛ فهي تعطي الأولوية للعلاقة مع الذات على

العلاقة مع الغير، أي مع الرجل. إثبات المرأة لذاتها كامرأة يعني بالنسبة إليها أنها توجد أوالً بذاتها، ومن أجل ذاتها، صانعة لتاريخها وفاعلة في حياتها وفي اختياراتها. وهذا الإثبات قائم حتى عندما تعي أنها في وضعية خضوع. من هنا، فإن الهوية التي تثبتها النساء ليست فقط هوية تتحدد بالسلب، من خلال رفضها للهيمنة الاجتماعية، بل إنها، على الخصوص، إثبات للتجربة الذاتية المعيشة، وبالتالي إثبات للقدرة على التفكير والفعل والأمل أو المعاناة من أجل الذات. وخلص تورين، من خلال دراسته ما سامّه «عالم النساء»، إلى اعتبار سوسيولوجيا النساء مدخالً أساسيًا

للسوسيولوجيا العامة، وليس كما هي الحال في غالب الأحيان، ميدانًا خاصًا من العلوم الاجتماعية أو مجاالً

تتقاطع فيه غالبية المقاربات أو الطرائق العامة، من منطلق أن واقع النساء يشبه واقع الطبقة العاملة التي شكلت موضوع دراساته السابقة، من حيث إنه يعكس المواجهة بين الحتميات والسلطات الاجتماعية من جهة، والمطالبة بالحقوق والحريات من جهة أخرى، تلك المواجهة التي ينبغي أن تمثّل الموضوع المركزي

لتحليلات السوسيولوجيا وملاحظاتها. لكن انخراط النساء الباحثات في دراسة مسألة النوع، بل مطالبتهن أحيانًا باحتكارها، ليس ضمانة للموضوعية والعلمية، ولا سيما إذا كان منطلقهن نضاليًا، في إطار ما يُصطلح عليه عمومًا ب «العلم

الملتزم»، وذلك، أولا، لأن المطالبة باحتكار موضوع كيفما كان (ولو بمجرد توظيف ضمير «نحن» الذي يميز بعض كتابات النسائيات) وباسم الامتياز المعرفي الذي من المفروض أنه يتحقق بفعل أن المرأة هي في الوقت نفسه ذات وموضوع، يعني، في نظر بورديو، أن ننقل إلى الحقل العلمي الدفاع السياسي عن

الخصوصيات، وهو ما يعني استهدافًا للنزعة الكونية المؤسِّسة للحق في ولوج الجميع الموضوعات كلها،

بوصفها مرتكزًا من مرتكزات «جمهورية العلوم». وثانيًا، لأن في مثل هذه الموضوعات الحساسة جدًا،

لا تكفي، في نظر بورديو، القناعة النضالية التي تلهم الكثير من الكتابات المخصصة للوضعية النسائية، ما دمنا نستهين، في الغالب، بالأخطار المحدقة بكل مشروع علمي يفرض فيه موضوع البحث نفسه، لاعتبارات خارجية وعملية، مهما تكن نبيلة ومبرَّرة، ذلك أن «القضايا النبيلة» لا يمكن أن تمثّل مبرِّرات

إبستيمولوجية وأن تحل محل التحليل النقدي. يستهدف طرح موضوع «النوع» اليوم تجاوز وهم البداهة التي يوحي بها مفهوم «المرأة» (أو النساء...)، من خلال الاعتقاد بأن هذا المفهوم يصير موضوعًا للبحث بمجرد التلفظ به، كشيء بديهي؛ فموضوع

«النوع» هو، على العكس من ذلك، بناء ينطلق من العلاقات بين النساء والرجال. والحديث عن

(42) Touraine, p. 37.

((4(المصدر نفسه، ص.227

(44) Pierre Bourdieu, La Domination masculine , Liber (Paris: Seuil, 1998), p. 123.

((4(المصدر نفسه، ص.121

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

«سؤال النوع» ليس دفاعًا عن خصوصية نظرية، وإنما يعني استثمار مكتسبات كلٍّ من التفكير

الإبستيمولوجي في العلوم الاجتماعية والتفكير في الحركة النسائية في الغرب، من أجل تأسيس دراسات رائدة تتعلق بمسألة النوع في حقلنا السوسيولوجي؛ فبمقدار ما يستجيب سؤال النوع لاهتمام علمي مشترك مع المجتمع العلمي الدولي، الذي أدخل في كل الحقول المعرفية «حساسية» علمية لمسألة النوع أو العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، يعكس تطورًا في مقاربة الحركة النسائية في الغرب بشكل خاص وفي

باقي بلدان العالم عمومًا لإشكالية تحرر النساء، ويشكل إحدى الأولويات في مجال البحث بالنسبة إلى

المنظمات الدولية والوطنية لغاية حاجات التنمية وإحلال النساء مكانة في سيرورة التنمية. من البديهي أن النساء يشكلن مجموعة لها مميزاتها الخاصة التي تختلف عن تلك الخاصة بالرجال، بفعل تقسيم العمل الاجتماعي وتوزيع المهمات داخل الأسرة ووضعي الجنسين، والقيم المرتبطة بهما.. إلخ. لكن مفهوم «النساء» ينطوي على الاختلاف أيضًا قبل أن يتحدد بالاختلاف مع مفهوم «الرجال»، فالنساء لا يعشن في الشروط والسياقات الاجتماعية نفسها، والحديث عنهن كما لو أنهن مجموعة متجانسة، كما يزعم الخطاب النسائي لجزء مهم من الحركة النسائية، يعني اختزال تعقد الواقع الاجتماعي إلى شعار سياسي يستهدف تغيير الواقع وليس فهمه.

تحولات سؤال النوع في السوسيولوجيا في المغرب

سؤال النوع في السوسيولوجيا في المغرب: النشأة والتطور

مبدئيًا، ليس هناك علم اجتماع في المغرب وآخر خاص بالمجتمعات الغربية، نظرًا إلى أن العلم كوني

بصورة عامة. لكن في المقابل، يتلون البحث العلمي - ولنقُل السوسيولوجي- في قضايا بعينها، مثل

«قضية النوع»، بلون الواقع المميز للمجتمع، وتبعًا لخصوصية الثقافة والتغيرات الاجتماعية الجارية فيه.

وينتج من ذلك مثالً أن واقع النساء يفرض تركيز البحث على نمط من الانشغالات على موضوع وليس

على آخر؛ ففي المغرب مثالً، انصبّت أولى الدراسات عن النساء على المسألة القانونية، واستهدفت مدونة

الأحوال الشخصية، بشكل خاص، فتبلورت المسألة النسائية اعتمادًا على معجم حقوق الإنسان،

وبهاجس النضال من أجل تغيير القوانين التمييزية. وبخلاف ذلك، لم تكن المسألة القانونية في محور

نقاشات واهتمامات الباحثين والباحثات المتخصصين بالدراسات النسائية في غالبية المجتمعات الغربية،

بينما هيمنت موضوعات أخرى كأولوية، مثل موضوع التاريخ. غير أن المنحى القانوني في الدراسات

النسائية في المغرب سيشهد تراجعًا واضحًا، مع التحسن النسبي الذي شهدته البيئة القانونية، خاصة منذ

صدور مدونة الأسرة وقانون الجنسية، والدستور الجديد.. إلخ.

(46) Rahma Bourqia, «Les Femmes: Un Objet de recherche,» dans: Rahma Bourqia, coord., Etudes féminines: Notes méthodologiques: Actes de la table ronde organisée à Rabat, avril 1994 (Rabat: Publications de la faculté des Lettres et des Sciences humaines, 1997), p. 14.

((4(المصدر نفسه، ص.13

((4 (بشكل صريح ومباشر مع الأبحاث القانونية الرائدة لعبد الرزاق مولاي رشيد وأحمد الخمليشي وعمر عزيمان... إلخ.

وبشكل ضمني وغير مباشر مع الأبحاث السوسيولوجية الرائدة لمليكة البلغيتي وفاطمة المرنيسي وغيرهما... للمزيد، انظر:

Rahma Bourqia, «Introduction,» dans: Bourqia, coord., pp. 7-11. (49) Dialmy, p. 21.

شتاء 2015

من هذا المنطلق، يمكننا أن نتحدث عن خصوصية حضور سؤال النوع في علم الاجتماع في المغرب، مع

الوعي أيضًا، وبشكل عام، بنقط التماثل الملاحظة بين ضفتي المتوسط، الشمالية والجنوبية، على مستوى

النسيج الثقافي للمجتمع العميق؛ إذ توجد ممارسات ومعتقدات وصور ثقافية لها علاقة بالمرأة مشتركة بين

مختلف بلدان المتوسط، كما على مستوى المقاربات التي قاربت «مسألة النوع». والسوسيولوجيا في المغرب هي عمومًا حديث أو خطاب الرجال الدائر حول الواقع الاجتماعي، بما

فيه واقع النساء، وحول كيف أن نسبة الباحثين الذكور في حقل الدراسات النسائية في تراجع منذ فترة

الحماية إلى الآن، وكيف أن نسبة الباحثات، ولا سيما المغربيات، في ارتفاع متواصل، كما لو أن المرأة تمسك

بيدها مصيرها الخاص من خلال الاحتكار التدريجي لتناول المسألة النسائية على وجه الخصوص،

ولو أن الباحثة رحمة بورقية تشير، في إطار مقارنتها بين تجربة البحث في حقل الدراسات النسائية في

بلدان جنوب المتوسط وفي بلدان شماله، إلى أن لدى الباحثات في بلدان شمال المتوسط المنتميات في

الغالب إلى الحركة النسائية بالمعنى الدقيق والقوي للتعبير، نزوعًا إلى إقصاء زملائهن الرجال من

التفكير في الوضعية النسائية، بينما نظرائهن في بلدان جنوب المتوسط، المسكونات بهاجس التمييز الذي

يعود إلى قرون خلت، ينتصرن للبحث في الموضوع بمعية زملائهن الرجال. والنتيجة هي ما يلاحَظ

في بلدان جنوب المتوسط، ومن ضمنها المغرب، من انخراط باحثين عدة في حقل الدراسات النسائية،

مثلهم في ذلك مثل زميلاتهم النساء. وتتسع دائرة الباحثات في السوسيولوجيا في المغرب أو تضيق بحسب انفتاح الباحثات المنتميات إلى

حقول معرفية أخرى على السوسيولوجيا أو انغلاقهن داخل تخصصاتهن الأصلية. لكن على العموم،

يمكن القول مع الباحث عبد الصمد الديالمي إن سؤال النوع وما يسمّى «حقل الدراسات النسائية»

هو نتاج للعلوم الاجتماعية أساسًا، وبشكل أخص علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، مع تنامي متزايد

للحقل الأول، وإن تكن مسألة النوع تقع من حيث المبدأ وبالضرورة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ضمن

اهتمام كل فاعل اجتماعي. لم تغدُ المرأة في المغرب موضوعًا للمعرفة الاجتماعية العلمية والمنظمة إلا مع مجيء العلوم الاجتماعية

التي بدأت مع المشروع الاستعماري وحاجته إلى معرفة المجتمع المستعمر، وإن لم يجرِ تناول العلم

الاستعماري للمرأة المغربية إلا بصورة عرضية وسطحية ومحكومة بهاجس الهيمنة على أولئك الذين

(50) Bourqia, «Introduction,» pp. 7-11. (51) Dialmy, p. 24. (52) Bourqia, «Introduction,» pp. 7-11.

((5(بحسب البيبليوغرافيا اليتيمة التي أنجزتها الباحثتان ثريا الحضروي ومريم المنقاشي، بشأن الباحثات والباحثين المتخصصين

بالدراسات النسائية والحقول العلمية التي ينتمون إليها، يلاحَظ أن غالبية الباحثات تنتمي إلى علم الاجتماع والأنثروبولوجيا:

حوالى 42 من مجموع 53 باحثة، ونسبة مهمة من الباحثات المنتميات إلى العلوم الأخرى، تنجز أبحاثًا سوسيولوجية أو ذات

طبيعة سوسيولوجية. وقد قام الباحث عبد الصمد الديالمي أيضًا بجرد الدراسات النسائية في إطار بيبليوغرافيا تتضمن 310 عناوين

ممتدة على فترة 1912 - 996 1، بهدف الكشف عن درجة وخصوصية المساهمة النسائية في بلورة هذا الحقل المعرفي. انظر:

Touria Hadraoui et Myriam Monkachi, Etudes feminines: Répertoire et bibliographie , collection Femmes Maghreb ([Tokyo: UNU/WIDER]; Casablanca: Le Fennec, 1991), and Dialmy, p. 21. (54) Dialmy, p. 21.

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

يمسكون بالسلطة المرئية، أي الرجال، وهو ما حجب عنه الاهتمام بالنساء «اللائي يمسكن ربما بالسلطة غير المرئية» كما تقول بورقية. والنتيجة هي أن الخطاب العلمي الاستعماري ضاعف مركزيته الإثنية بمركزية ذكورية. وقد هيمن على السوسيولوجيا الناشئة عقب استقلال المغرب هاجس التموقع بالقياس أو بالتعارض مع الإرث الاستعماري، الشيء الذي يفسر سيادة ما يسمّيه كارل بوبر «الإبستيمولوجيا المتفائلة» أو السعيدة،

في الإنتاجات السوسيولوجية الأولى لسنوات الاستقلال، والتي تترجمها جزئيًا فكرة تحرير المفاهيم

والعلوم الاجتماعية الغربية من النزعة الاستعمارية، من أجل أن يُكشف في واقع المجتمع المغربي عامّ تم

حجبه وإخفاؤه وتشويهه. في موازاة ذلك، أخذت هذه السوسيولوجيا الناشئة تفرض نفسها كفعل نضال والتزام، سواء مع مجموعة بول باسكون وغريغوري لازاريف، التي أنجزت غالبية دراساتها في إطار سياسات عمومية (زراعية أو مائية.. إلخ.)، وواكبت فعل الدولة وراهنت على دفعه وتوجيهه، مع الدفاع عن التزامها السياسي، واستقلالية فكرها وعن مصلحة الجماهير الشعبية، أو مع باقي السوسيولوجيين الآخرين الذين ينتمون إلى المؤسسة الجامعية بالمعنى الحصري للكلمة، مثل عبد الكبير الخطيبي ومحمد جسوس. وعلى العموم، راهنت السوسيولوجيا في المغرب، في سنوات الستينيات والسبعينيات، على أن تكون ملتزمة ونقدية على المستويات النظرية والسياسية والعملية، ولا تقف عند حد الفهم والتفسير وإنتاج

المعرفة العلمية بشأن المجتمع المغربي، بل تطمح إلى التغيير والدفاع عن الفلاحين والجماهير المستغَلة؛ ففي هذه الفترة، كان الالتزام في إطار مشروع مجتمع محدد، إلى حد ما، وصريح أمرًا بديهيًا، بينما لم يكن الحديث

عن سوسيولوجيا سياسية محايدة مقبوالً، فهي محض انشغال عديم الجدوى والفائدة. لكن يلاحَظ في العلاقة مع «سؤال النوع» أن اهتمام السوسيولوجيين المغاربة الرواد تركز بالأساس على

التراتبية الاجتماعية والتراتبية المجالية (قرية /مدينة)، ولم يمتد ليشمل التراتبية بين الجنسين والعلاقات الاجتماعية القائمة بينهما. فلأسباب عملية وسياسية، هيمن على اهتمام غالبية رواد السوسيولوجيا في المغرب موضوع «العالم القروي»، وما يعتمل داخله من قضايا تهم الشباب والأرض، والإصلاح الزراعي والمؤسسات القروية التقليدية والمخزن والتراتبات الاجتماعية.. إلخ.، ولا سيما أن الفعل العمومي كان يمنح فرصًا لإنجاز أبحاث ميدانية في إطار المشاريع التنموية المبرمجة. هذا على الرغم من أن الباحثة مليكة البلغيتي، التي تُعتبر من بين السوسيولوجيين الرواد (كانت من

أعضاء فريق بول باسكون)، أنجزت أول بحث ميداني بشأن النساء. صحيح أن الأمر يتعلق ببحث ميداني

(55) Bourqia, «Les Femmes,» p. 13. (56) Rachik Hassan et Bourqia Rahma, «La Sociologie au Maroc: Grandes étapes et jalons thématiques,» Sociologies (Online 18 October 2011), sur le Web: <http://sociologies.revues.org/>.

((5(ويتحدث غريغوري لازاريف في إصداره الأخير، بنوع من الإسهاب، عن هذه التجربة التي امتدت، بالنسبة إليه على الأقل، إلى

حدود مستهل الألفية الثالثة، انظر: Les Politiques agraires au Maroc, 1956-2006: Un Témoignage engage Grigori Lazarev,

(Paris: Economie critique, 2012). (58) Hassan et Rahma, «La Sociologie au Maroc».

شتاء 2015

أولي واستكشافي، له مداخل متعددة وأهداف عامة جدًا، وذلك من خلال الرهان على معرفة الوسط القروي النسائي/المؤنث، إلا أن هذا العمل قدم معطيات مهمة ومفصلة في يتعلق بتصور النساء لأنفسهن وأنشطتهن ومشاكلهن. ومع ذلك، يمكن القول إن جهود السوسيولوجيين الرواد لم تقدم مساهمة مباشرة في ما يخص مقاربة «سؤال النوع»، لكنها قدمت على الأقل مساهمة غير مباشرة لهذا الموضوع، من خلال السهر على تكوين أجيال من الباحثين والباحثات الذين سيحملون، في المستقبل، مشعل البحث السوسيولوجي في قضايا متعددة، منها ما يتعلق ب«سؤال النوع»؛ ذلك أن السوسيولوجيا الملتزمة اعتبرت تعليم السوسيولوجيا

فعالً نضاليًا في حد ذاته. ويتجسد هذا التوجه في دروس وأعمال كلٍّ من محمد باسكون وعبد الكبير

الخطيبي ومحمد جسوس، في إطار معهد السوسيولوجيا، ثم في الجامعة وخارجها في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. وكما يؤكد عبد الصمد الديالمي، أحد أبرز الباحثين في موضوع المرأة وما يرتبط بها من قضايا (الجنس، والنوع والحركة النسائية.. إلخ.)، في معرض شهادته في حفل تأبين فقيد السوسيولوجيا المغربية الباحث محمد جسوس، فإن حداثة هذا الباحث تتجسد في أبعاد عدة، أبرزها أنه أول أستاذ في الجامعة المغربية يقبل الإشراف على أطروحة السلك الثالث حول موضوع «الجنسانية في المغرب» ما بين سنتي 9759801 و 1، ومن خلال ذلك أرسى أول لبنة في حقل الدراسات

المعنية بالجنس والنوع في المغرب، ووضعت لبناتِه الأخرى باحثاتٌ مثل فاطمة المرنيسي وعائشة

بلعربي وسمية نعمان جسوس، وتعززت هيكلته في ما بعد بفضل الجهود الحثيثة لباحثات من حقلي السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا مثل رحمة بورقية وأسماء بنعدادة ونعيمة الشيخاوي وغيرهن، أو من آفاق علمية أخرى مثل فاطمة الزهراء زريول وفاطمة الصديقي وغيثة الخياط والزهرة اللهيوي ونادية العشيري وزكية العراقي سيناصر وحورية مشيش العلمي ومنية بل العافية، وغيرهن كثير. وفي هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى التراكم الكمي والنوعي المهم الذي تحقق في مجال الدراسات حول المرأة والجنس والنوع، مع مجموعة البحث «مقاربات» التي أشرف عليها كلٌّ من عمر عزيمان وعائشة بلعربي وفاطمة المرنيسي، والتي ضمت حوالى عشرين عضوًا ينتمون إلى مختلف التخصصات، أغلبهم

من الباحثات. وهكذا، تزايدت الإصدارات والملتقيات المتعلقة بالمرأة منذ سنوات الثمانينيات، وذلك بفضل الاهتمام والدعم المالي اللذين قدمتهما بعض المنظمات الدولية للأبحاث المتعلقة بوضعية المرأة والطفل، وكذا العدد المتزايد للباحثات منذ أن ساعد استقلال البلاد سنة 9561 عددًا من الفتيات على تجاوز أبواب منازلهن

((5(المصدر نفسه.

((6(عبد الصمد الديالمي، جسوس لم يمت، ضمن كتيب شهادات تأبينية في حق محمد جسوس، منشورات كلية الآداب والعلوم

الإنسانية أكدال الرباط،.2014

((6(صدرت في الفترة 999-19871 تسعة كتب جماعية حول النساء، ونُشرت المساهمات إما بالعربية وإما بالفرنسية. وتقدم

عناوين الكتب فكرة عن الموضوعات المتناوَلة: ملامح نسائية 987(1)؛ النساء والسلطة 988(1)؛ النساء المنقسمات؛ الأسرة -

العمل 989(1)؛ الجسد الأنثوي/ النسائي 991(1)؛ أزواج موضع تساؤل 992(1)؛ أن تكون بنتًا صغيرة 994(1)؛ نساء قرويات

995(1)؛ النساء والإسلام 998(1)؛ مبادرات نسائية (999.)1 انظر:.Hassan et Rahma, «La Sociologie au Maroc»

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

للالتحاق بالمدرسة، وهو ما أتاح ولوجهن أبواب التعليم العالي في العقود الأولى التي أعقبت استقلال البلاد، وحصولهن على شهادات دبلوم، واندماجهن في وظائف وأنشطة كانت حكرًا على الرجال،

ومنها نشاط البحث العلمي والتدريس الجامعي. وبذلك، اتخذ الحقل السوسيولوجي في المغرب شكالً جديدًا، بفاعلين جدد، وقيم وإشكاليات جديدة.

سؤال النوع في السوسيولوجيا في المغرب

الحدود والآفاق

لعل أهم ما يميز الدراسات السوسيولوجية التي تعنى بسؤال النوع في المغرب عدم اكتراثها بالقضايا النظرية والإبستيمولوجية المحايثة لكل بحث علمي، وانشغالها الكبير، في المقابل، بالنتائج العملية من خلال الرهان على تحسين وضعية المرأة، وهي بذلك أقرب إلى نمط البحث العملي الإجرائي منها إلى البحث العلمي الأساسي. فكما تؤكد إحدى أبرز عالمات الاجتماع في المغرب: «إن تطوير الخطاب العلمي حول وضعية المرأة هو بالتأكيد طريقة للمساهمة في تحسين هذه الوضعية»، وبذلك يصبح مطلب ولوج النساء رحاب المعرفة العلمية في حقل السوسيولوجيا أو في أي حقل علمي آخر، ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة من أجل تحقيق التنمية، الشيء الذي يفسر إلى حد ما تحوّل الباحثين والباحثات الجامعيين

إلى خبراء ومستشارين في خدمة الطلب المجتمعي، أي إن الإطار المؤسساتي للبحث في إطار الدراسات النسائية هو على هامش الجامعة، المكان الطبيعي للبحث العلمي، أي في الجمعيات النسائية والوزارات والمنظمات الدولية، أي في هيئات موجَّهة نحو الدراسات تحت الطلب، ولا سيما في ظل ضعف

الموارد المالية التي تستثمرها الدولة في البحث العلمي في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية. فالرهان الأساسي للدراسات النسائية المغربية هو تحليل وضعية المرأة في حقل عملي معنيّ، يقترن في الغالب بواحدة

من الثنائيات الخمس المتمثلة في: المرأة والتربية، المرأة والصحة، والمرأة والشغل، والمرأة والقانون، والمرأة والسياسة، ويراهن على تشخيص الفرق بين الجنسين، ومطالبة أصحاب القرار السياسي بتقليص هذا الفرق غير العادل... إلخ.، إلى غير ذلك من القضايا الملموسة. والنتيجة هي إنتاج دراسات إمبريقية صرف، بعيدة كل البعد عن الانشغال النظري. غير أن ذلك لا يعني انتقاصًا من قيمة الدراسات النسائية العملية التي تنتج خارج إطار البحث الأكاديمي

الجامعي، ولا سيما بطلب أو إيعاز من الجمعيات النسائية التي قدمت، بفضل هذه الدراسات، مساهمة

(62) Aicha Belarbi, «Accès des femmes à l’enseignement supérieur, évolution et perspectives,» dans: Université, société et développement: Actes du colloque euro- arabe, 15-17 Avril 1996, Rabat (Rabat: Fondation Konrad Adenauer, 1996), pp. 97-107. (63) Portraits de Fatima Mernissi, introduction, in: Ouvrage Collectif, pp. 7-14. (64) Héritier, «Femmes, sciences et développement,» pp. 89-96. (65) Bourqia, « Introduction,» pp. 7-11.

((6(بحسب ما ذكره الباحث محمد الشرقاوي في دراسته حول «سياسة البحث في مجال العلوم الاجتماعية و الإنسانية -1960

006»2، والتي تمثل حوالى 7 في المئة فقط من الميزانية المخصصة للبحث، مقارنة بالنسبة الباقية المخصصة للعلوم الدقيقة.. ورد

عند: نور الدين الزاهي، المدخل لعلم الاجتماع المغربي، دفاتر وجهة نظر؛ 02 (الرباط: منشورات وجهة نظر، 0112)، ص.39

(67) Bourqia, «Les Femmes,» p. 13.

شتاء 2015

مهمة في نشر ثقافة «النوع» والمواطنة وحقوق الإنسان في المجتمع المغربي، والمجتمعات العربية عمومًا،

حيث يمكن القول مع الباحث عبد الصمد الديالمي «إن الحركة النسائية العربية التي تنتظم في الجمعيات بالأساس، أصبحت هي القناة الرئيسية التي تتسرب بفضلها قيم العدالة والمساواة ‹النوعية› أو ‹الجندرية› إلى العالم العربي. وهي الفاعل الديناميكي القطري، والقومي إلى حد ما، الذي يدفع المؤسسات السياسية إلى التعامل مع القيم الدولية اللاتمييزية بين الرجل والمرأة وإلى قبول البعض منها». وإذ يشير الديالمي إلى أن اللغة الفرنسية لا تزال اللغة المهيمنة على مستوى الإنتاج في حقول العلوم الاجتماعية - حتى بالنسبة إلى الباحثين والباحثات المغاربة، بما في ذلك خلال العقود التي أعقبت الاستقلال- فهو يلمح ضمنيًا هنا إلى أن اللغة العربية محدودة على مستوى التعبير عن الحداثة بالقياس إلى اللغة الفرنسية،

عندما يقول: «لم تصل اللغة العربية إلى أن تكون اللغة الحامل المهيمنة لحقل الدراسات النسائية، الحقل الذي يدفع الحداثة إلى حدودها القصوى». والواقع أن التطور الكمي الذي شهده حقل الدراسات المتخصصة في مسألة النوع وما يرتبط بها من قضايا، سواء بتزايد عدد الباحثات والباحثين أو بتضاعف عدد الدراسات والأبحاث التي تخوض في الموضوع، لا يوازيه تطور على المستوى الكيفي، من خلال إثارة ما يسمّى في إبستيمولوجيا علم الاجتماع

المشكلات من الدرجة الثانية، المتعلقة بشروط بناء النظرية والمفاهيم والإجراءات المنهجية. وبتعبير الباحثة رحمة بورقية، «ليس الوضع الإبستيمولوجي لموضوع المرأة في العلوم الاجتماعية في المغرب، في مركز النقاشات والتفكير في كتابات» المتخصصين. وفي السياق المغربي، لا يزال حقل الدراسات المتعلقة بالنساء والواقع النسائي في حاجة إلى بناء ليس مؤسساتي ومادي فقط، وإنما إبستيمولوجي أيضًا، من خلال فتح نقاش نظري يتناول شروط إنتاج هذا النمط من المعرفة والبحث وأسسه النظرية؛ فالنقاش النظري والإبستيمولوجي يشكل الغائب في هذا البحث، مع ما لذلك من انعكاس سلبي على مخرجات البحث العلمي في الموضوع، عبر استشراء الابتذال

والسطحية في التناول والمقاربة، علامً بأن تغيرًا نسبيًا برز في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، وبداية

ما يمكن أن نسمّيه اعترافًا مؤسساتيًا جامعيًا بالممارسة العلمية في حقل دراسات النوع والبحث المنصبِّ

على النساء أو العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، من خلال إنشاء وحدات للبحث والتكوين في الموضوع وكراسي متخصصة، علاوة على خلق وحدات للتكوين في سلك الإجازة حول النوع، واستحداث شهادات دبلوم في الدراسات العليا، وتكوين مجموعة بحث حول الموضوع في مختلف شُعب الآداب والعلوم الإنسانية والحقوق والعلوم الاجتماعية في الجامعات المغربية المختلفة. لكن على العموم، إذا كان المختصون بهذا الموضوع قد لاحظوا ضعف وتأخر اندماج إشكالية النوع في العلوم الاجتماعية في فرنسا، فإن الملاحظة نفسها تسري على المغرب.

(6((عبد الصمد الديالمي، سوسيولوجيا الجنسانية العربية (بيروت: دار الطليعة، 0092)، ص.7

(69) Bourqia, «Les Femmes,» p. 13. (70) Revillard et De Verdalle, pp. 3-17.

حصيلة السوسيولوجيا في المغرب وسؤال النوع: رصد لأهم التحولات

انطلاقًا ممّا سبق، يمكن على العموم تلخيص أهم تحولات الخطاب السوسيولوجي في المغرب في العلاقة

مع سؤال النوع، كما يلي: • على مستوى الموضوع، تحوّل من تناول موضوع المرأة أو وضعية المرأة في سياق موضوعات أخرى

مركزية (العالم القروي، الشغل.. إلخ) أو في موازاتها إلى تناول موضوع المرأة حصريًا، وبرؤية مستلهَمة

من فلسفة النوع. • على مستوى الفاعلين، من حديث أو خطاب ذكوري بامتياز يتناول الواقع الاجتماعي، بما فيه واقع النساء، إلى خطاب أو سوسيولوجيا بصيغة المؤنث، تكشف شيئًا فشيئًا عن إرادة واضحة لتناول سؤال النوع. • على مستوى استراتيجية البحث والرهانات المتحكمة فيها، من البحث العلمي - الإجرائي، المحكوم بهواجس أيديولوجية صرف إلى بداية الاهتمام النسبي بالإشكالات ذات الطبيعة النظرية والإبستيمولوجية. • على مستوى الخطاب السوسيولوجي نفسه، من خطاب خبرة واستشارة تحت الطلب، إلى خطاب معرفي يسعى لاكتساب شرعيته العلمية. • على مستوى لغة الإنتاج العلميمن خطاب تهيمن عليه اللغة الفرنسية كأداة للتعبير إلى خطاب يزاوج بين الفرنسية والعربية، ومن خطاب يهمل مسألة استعمالات اللغة والشروط الاجتماعية لاستعمالها، ورهانات هذا الاستعمال، إلى خطاب يعي أكثر سلطة اللغة ونفوذها وحقيقتها كمرآة ثقافية وصدى للأحكام المسبقة والصور النمطية، خاصة ما يتعلق بالاختلافات الجنسية. • على مستوى حقل الانتماء العلمي، من حقل «سوسيولوجي» ناشىء يتداخل إلى حد كبير من تخصصات معرفية أخرى إلى خطاب سوسيولوجي مستقل. • على مستوى الإطار المؤسساتي للبحث، من بحث علمي ينتج في الغالب خارج الجامعة أو على هامشها (في الجمعيات والمؤسسات العمومية والوزارات والمنظمات الدولية) إلى بحث علمي ينتج أكثر فأكثر داخل بنى بحث أكاديمية وجامعية (وحدات بحث وتكوين، مجموعات بحث، مختبرات.. إلخ.). • على المستوى التاريخي، من خطاب سوسيولوجي كولونيالي محكوم بهيمنة مزدوجة إثنية وذكورية إلى

خطاب سوسيولوجي وطني يسعى للتحرر من الرؤية الاستعمارية أوالً ثم الرؤية الذكورية ثانيًا.

على سبيل الختم

ينبغي لأي سوسيولوجيا مفترضة بشأن «النوع»، في الحقل السوسيولوجي في المغرب، أن تنخرط في مشروع تفكيك وظيفة كل النظام الاجتماعي للعلاقات الاجتماعية للجنسين وكل الدلالات التي

شتاء 2015

ينطوي عليها، من أجل الكشف عن مقولات الخطاب والواقع السوسيو- ثقافي التي أنتجت صورة المرأة والرجل، وحددت شكل العلاقات بين الجنسين، وكذا تفكيك أسس الخطاب العلمي نفسه ومرتكزاته، ولا سيما في حقل علم الاجتماع، بل حقول العلوم الاجتماعية عمومًا، من أجل تحريره

من المركزية الذكورية (Androcentrisme)، وذلك على غرار ما يجري منذ عقود في الجامعات الغربية. وبذلك فقط، يمكن توجيه التطور الكمي والكيفي الجاري اليوم في السوسيولوجيا في المغرب، وجهة تأخذ بعين الاعتبار مسألة النوع، أي تراعي العلاقات بين الجنسين والثنائية القطبية الجنسية في إدراك النظام الاجتماعي. صحيح أن بعض عالمات الاجتماع المغربيات شرعن، بشكل أو بآخر، في هذا البرنامج، ونخص بالذكر الباحثة الرائدة فاطمة المرنيسي، لكن أعمال هذه الباحثة، وكما تلاحظ زميلتها رحمة بورقية، «وإن كانت تمثل جزءًا من هذا التفكير، فهي لم تصل إلى مستوى نقد الافتراضات القبلية للمركزية الذكورية للعلم

نفسه ولا الكشف عن تمظهراتها في الممارسة العلمية، فهي تظل، على الرغم من أهميتها وضرورتها، نقدًا

نسائيًا وليس نقدًا إبستمولوجيًا. والكشف عن تمظهرات هذه المركزية الذكورية لا يعني تعويضها

ب ‹مركزية - نسائية› تعيد بناء محورية المرأة».

(71) Bourqia, «Les Femmes,» p. 22.