العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي المعاصر

الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي المعاصر

“ Tribal and Territorial Phenomena in Contemporary Arab Society” by Mohammed Najib Boutaleb

خضر زكريا*

الملخّص

الكتاب: الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي المعاصر: دراسة مقارنة للثورتين التونسية والليبية الكاتب: محمد نجيب بوطالب مكان النشر: الدوحة/ بيروت الناشر : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات: 191

Abstract

Book title: Tribal and Regional Phenomena in Contemporary Arab Society: A Comparative Study of the Tunisian and Libyan Revolutions Author: Mohammed Najib Boutaleb Place of publication: Doha/Beirut Publisher: ACRPS Date of publication: 2012 Number of pages: 191

الكلمات المفتاحية:
  • القبلية
  • الجهوية
  • الثورة الليبية
  • المجتمع العربي
Keywords:
  • Tribalism
  • Regionalism
  • Libyan revolution
  • Tunisian Revolution
  • Arab society

الكتاب

الكاتب

: محمد نجيب بوطالب

مكان النشر

: الدوحة/ بيروت

الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات: 191

يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام: يبحث القسم الأولفي الظاهرة القبلية والواقع العربي والمغاربي، حيث يتناول المؤلف بالدراسة والتحليل في الفصل الأولمفاهيم القبيلة والقبليّة، فيتعرض للمقاربات النظرية لمجتمعات المغرب العربي (المقاربة الخلدونية، مقاربة المدرسة الاستعمارية، مقاربة المدرسة الانقسامية). ثم يبحث في أبعاد المفهوم ودلالاته والاعتراضات على استخدامه، وفي الدلالات والاستعمالات المحلية للقبيلة: الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي المعاصر دراسة مقارنة للثورتين التونسية والليبية

: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

والقبليّة، ويناقش مفهوم النزعة القبلية وما يسمّى في المغرب العربي الظاهرة «العروشية»، ليخلص إلى البحث في خصائص البنية القبلية في المجتمعات المغاربية ومؤشرات تصنيفها في المغرب العربي. وفي الفصل الثانيمن هذا القسم يبحث المؤلف في العلاقة ب ني الظاهرة القبلية والحراك السياسي العربي، معرّجًا ع ىل مظاهر القبليّة والجهوية في المجتمع العربي المعاصر، ودورهما في الحراك السياسي في المنطقة العربية خلال الفترة الماضية.

في القسم الثانيمن الكتاب، يتناول المؤلف الأبعاد السياسية للظاهرة القبليّة في ليبيا وتونس، مبيّنًا نقاط «التقارب والتباعد» ب ني تجليات هذه الظاهرة في البلدين الجارين؛ ففي البحث بشأن الأبعاد السياسية لهذه الظاهرة في ليبيا، يتعرض المؤلف للاستقطاب السياسي والظواهر القبلية لدى النظام الليبي، م ربزًا أشكال التوظيف السياسي للمعطى القب يل في ثورة 71 فبراير والصفة الجماعية للاحتجاج فيها، ورابطًا ذلك بطريقة تعاطي القذافي مع هذه المسألة التي يسمّيها «الرومانسية المدمرة والفرار إلى جهنم»، والمقاومة القبلية التي أدت إلى انهيار التحالفات القبلية مع نظام القذافي. ثم يبحث في الموضوع بعد سقوط النظام، موضحًا أشكال التسوية ومهددات ثقافة الثأر، ومتعرضًا لبعض الأحداث ذات الدلالة في الثورة، مثل المعارك ب ني الأقاليم و«الأجوار»، وظاهرة البيانات القبلية. ويتوقف في هذه المناسبة عند الحركات السكانية المتكررة تاريخيًا بين مناطق متجاورة في ليبيا وتونس، مبيّنًا التشابه بين الأمس واليوم (حركات -1858 0112)، حيث يلجأ السكان إلى جيرانهم عند الأزمات، ويتم إحياء «الصفوف» (وهي مجموعات قبلية تربطها علاقات قرابة حقيقية أو افتراضية). أما في البحث المتعلق بالأبعاد السياسية للقبليّة في تونس، فيعرض المؤلف لجذور الظاهرة في المجتمع التون يس، ولعودة ظهور الظاهرة العروشية التي يسمّيها «مفاجأة» ما بعد الثورة، وردود الأفعال ع ىل هذه المفاجأة، ويبنيّ مكانة القبيلة في المجتمع التون يس المعاصر. وهنا يضع المؤلف للفقرات عناوين معّبرّة، مثل: «دراما القبيلة من دراما التحديث: استنهاض ما دمر بالقوة»؛ «الفاعلون السياسيون الجدد في خضم الحميميات»؛ «انفلات العصبيات في سياق التحرر السياسي»؛ «أبعاد الأحداث السياسية ما بعد الثورة». ويختم المؤلف هذا الفصل بالبحث في البُعد القب يل والظاهرة الجهوية كما ظهرا في انتخابات ما بعد الثورة، وفي أشكال الاحتجاج المناطقي متسائالً: الدولة في الميزان أم صراع خفي للقوى؟ في القسم الثالثوالأخ ري من الكتاب، يبحث المؤلف في التماثل والاخت الف ب ني ظاهرتي القبلية والجهوية في كلٍّ من تونس وليبيا، سواء بأشكالهما الظاهرة أو بأشكالهما المتخفية، ليصل إلى استنتاجات مقارنة من حيث علاقتها بالبنى الاجتماعية والبنى النفسية، وفي الظاهرة الجهوية ب ني «الجهوية التنموية» و«الجهوية السياسية»، منهيًا مؤلَّفه المهم بما يسمّيه «استنتاجات معرفية» عن ملامح المستقبل في ضوء خصائص الواقع وفرضيات عودة القبيلة، آخذًا في الاعتبار العقل السياسي (العربي) في ضوء تطور الواقع.

سنقسم عرضنا التحليلي لهذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام: الأوليتعلق ب ام هو عام، سواء من حيث القانونيات السوسيولوجية، أو من حيث الخصائص العامة للقبليّة والجهوية في البلدان العربية. والثانييتعلق بما عرضه المؤلف بشأن الظاهرت ني المذكورتين في كلٍّ من تونس وليبيا وانعكاساتهما على الأوضاع في هذين البلدين الجارين من بلدان الربيع العربي. أما القسم الثالث، فيتضمن بعض الملاحظات ذات الطابع الشكلي.

الظواهر القبلية والجهوية في المجتمع العربي

- يتناول الكتاب موضوعًا من أكثر موضوعات البحث الاجتماعي حيوية وإثارة للجدل؛ فمسألة

القبيلة والقبليّة مسألة شائكة، يتجنبها كثيرون، ويرى فيها آخرون «رجسًا من عمل الشيطان»، فهي تعيدنا إلى عهود قديمة وتلهينا عن البحث في مسائل أكثر أهمية كقضايا التنمية والتحديث، أو هي تجرنا إلى مواقف يتعارض مع ما شاع خلال العقود الأخيرة من دعوات قومية عربية، أو على الأقل مع قضية الوطنية والمواطنة التي تتجاوز جميع الانت امءات الأخرى: القبلية والعشائرية والدينية والطائفية والجهوية وغيرها. غ ري أن الواقع المجتمعي في بلادنا العربية يفرض إجراء دراسات علمية رصينة لمثل هذه الظواهر التي تأكد تأثيرُها أكثر خلال ثورات الربيع العربي في جميع البلدان المعنية، ب ام فيها تلك التي كان يُظنّ أنها تجاوزت القبلية والجهوية والطائفية وغيرها من أشكال الانتماء ما قبل الوطنية. إن استبداد السلطة السياسية وعسفها يعيدان الناس إلى الاحت امء بالقبيلة أو الطائفة أو الإثنية، إذ يجدون بعض الأمان الذي لم تعد الدولة تضمنه لهم. ومؤلف الكتاب يش ري إلى ذلك في أكثر من موضع: «فالقبيلة بوصفها بناءًاجتماعيًا مرنًا، ورابطة سيكولوجية يستعملها الأفراد والجماعات للحفاظ على توازن حياتهم اليومية، ويؤمنون بها أنفسهم، لا تزال حاضرة في النسيج المجتمعي. وللقبيلة في المنطقة وجود يجعلها تتعايش مع هياكل أخرى مدنية وأهلية تعايشاَ سلميًا (...). وللقبيلة وجود زمني أيضًا، من خ الل تحولها، بوصفها إرثًا اجتماعيًا وثقافيًا، إلى هوية يعود إليها الأفراد في حالات التأزم، فيظهر التناصر الحميمي، والتضامن القرابي الواسع..» (ص. 60)1 و«كانت القبيلة في تونس وسيلة لاحتماء الأفراد من الدولة، وفي بعض المناطق والجهات دون غيرها...» (ص. 151) وينبهنا المؤلف إلى أهمية دراسة البنى التقليدية بعد أن طغت نزعة التنمية والتحديث ع ىل السوسيولوجيا؛ فالظاهرة العروشية كانت «مفاجأة» للدارس ني بعد الثورة في تونس (كما كان ظهور النزعة الطائفية في سورية مفاجأة كذلك)، حيث «لم تستطع الهياكل المدنية المحدثة في المجتمع التونسي، بعد الاستقلال وعلى مدى نصف قرن، ع ىل الرغم من أهمية تدخلها وفعلها، أن تلغي الهياكل المحلية أو تحل محلها» (ص. 081)، ذلك أن «التفكيك عملية معقدة، وإجراء عصي، ما لم يشمل الجوانب النفسية الثقافية، التي تشكل بعض بقايا مرتكزات الانتماء لدى الأفراد»، وفشل الدولة في اتخاذ الإجراءات اللازمة في عملية التفكيك تلك «يفَّ بضعف الأداء السياسي، وشكلانيته، وبطء التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وبخاصة في الأرياف، فضلًا عن تعثّر أغلب مشاريع التنمية، واعتمادها ع ىل الطابع الفوقي التدخلي » (ص -110111، التشديد للمؤلف). ويدعو المؤلف في هذه المناسبة إلى استغلال الفرصة لإعادة طرح السؤال من خ الل التفك ري بآليات ورؤى جديدة، لتحرير «السوسيولوجيا العربية والمغاربية وبالتالي التونسية، من بعض التعميمات والأحكام التي بنتها في خضم توطنها في البلدان العربية، وفي سياق بناء أسئلتها الذي كان يحصل تحت تأث ري الإيديولوجيات الفكرية والسياسية، وبخاصة إيديولوجيا الحداثة التي تبناها النظام السياسي...» (ص. 109) علينا، نحن الباحثين في علم الاجتماع، أن نعيد النظر في مفاهيمنا ومقولاتنا التقليدية التي درجنا عليها ردحًا طويالً من الزمن، وأالّ نستسلم للظاهر من الأحداث والتحولات؛ علينا أن ننتبه إلى ما أشار إليه المثقف التونسي محمد علي اليوسفي: «المشكلة أننا عندما نسكن الحواضر التي تتفتت فيها روابط

القبيلة، نظن أن البلاد كلها على شاكلة عاصمتها ومدنها الكبرى. الثقافة القديمة تعيد إنتاج نفسها، في غياب ثقافة بديلة حقيقية»، والقرارات الفوقية التي تفرضها الدكتاتوريات لا تغير ثقافة المجتمع. (انظر هامش ص.611) إن الكتاب يعطينا دروسًا في كيفية التعاطي مع المشكلات القبلية والجهوية وغيرها (كالطائفية مثالً)، وأهم هذه الدروس أن الاجتثاث والمحاربة للنزعات ما قبل الوطنية لا يمكن أن ينجحا ما بقيت في الظواهر الشكلية ولم تبلغ عمق تلك النزعات، من جهة، وما دام التغيير الاجتماعي- الاقتصادي لم يمس عمق البنى الاجتماعية من جهة ثانية، ولم يشارك في صنعه أصحاب المصلحة فيه من جهة ثالثة. - لا يكتفي المؤلف بعرض المعلومات البحثية ومناقشتها، بل يحاول، كباحث سوسيولوجي رصين، أن يصل إلى مستخلصات نظرية، تشكل نوعًا من القانونيات الاجتماعية التي تنطبق على جميع المجتمعات، أو على المجتمعات العربية، أو مجتمعات المغرب العربي، بحسب الحالة في كل مرة. وكث ريًا ما يعود المؤلف إلى العالّمة العربي ابن خلدون الذي عاش في المغرب العربي ودرس تاريخه وبناء مجتمعاته، وأنتج نظرية بشأن الدولة وعلاقتها بالقبيلة في مراحل تطورها. كما يناقش مقاربات أخرى كمقاربة «المدرسة الاستعمارية»، وينقل كلمة معّبرّة لإدوارد سعيد في ما يتعلق بدور المستشرقين: «إن المستشرق (الباحث) كان يس ري أمام العسكري يحمل مشعل المعرفة من أجل فهم أبناء البلد، وحتى تتم عملية الهيمنة بأقل التكلفة»، مش ريًا إلى أن المدرسة الكولونيالية وامتداداتها اللاحقة أدت إلى تضخيم خصوصيات المجتمعات المحلية في تونس وليبيا وغيرهما، وهو ما يهدف إلى «إيجاد م ربرات لتحقيق انقسامات في المجتمعات المغاربية». أما ما يسمّيه المؤلف «المدرسة الانقسامية» أو التجزيئية التي ترى أن التوازن المجتمعي في المجتمعات القبلية يقوم على «مبدأ الانصهار والانشطار الذي تظهر حالته الأولى إبان حالات الخطر وفقدان الأمن، فيسود التضامن والتوحد لمواجهة التهديدات الخارجية، وتظهر حالته الثانية أثناء السلم وحينها يدب ال رصاع بين الفروع القبلية والقس امت أو الفروع المتجاورة». ويستدل أع الم هذه المدرسة بالمثل العربي القائل «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب». بعد استعراض مختلف المدارس والآراء المتعلقة بالقبيلة، يحدد المؤلف رؤيته: «القبيلة ظاهرة اجتماعية ضاربة في أعماق التاريخ العربي، مشرقًا ومغربًا. وقد خضعت البنية القبلية لعدد من التغ ريات (...) مع نشأة الدولة العصرية وتغير أسس الانت امء ونشأة المدن وتحديد المجالات الجغرافية. لكن تلك التحولات لم تمنع استمرار وجود القبائل في المنطقة منسجمة مع المتغيرات الجديدة ومتلائمة معها أحيانًا، ومتمردة عليها أو مناهضة للهويات الاجتماعية الوافدة، أحيانًا أخرى. فقد حافظت القبيلة في المنطقة ع ىل خصائص الحرية والاستقلالية والتضامن الداخلي؛ واندمج الوعي القبلي بالوعي الوطني ولم يعد مناقضًا له في معظم الأحيان؛ كما تحولت البنية القبلية في أغلب الأقطار إلى مجرد روابط اجتماعية تحافظ ع ىل إعادة إنتاج القيم الاجتماعية، وتساند الأفراد وتدعمهم، في حال عجز المؤسسات الحديثة الناشئة» (ص. 34-35). إنها رؤية لا تشيطن الانتماء القب يل ودوره، كما اعتاد عدد من الكتّاب أن يفعلوا، ولا تقلل، في الوقت نفسه، من أهمية المؤسسات الحديثة ودورها في تغيير بنية المجتمعات القبلية.

ويميز المؤلف ب ني القبيلة كولاء والنزعة القبلية؛ فالقبلية تمثّل تجسيدًا لا واعيًا للقبيلة، قد يتحول إلى نزعة تجعل الانتماء القبلي هوية للمجتمع المحلي تغلب على الهويات الأخرى. ويؤكد هنا، كما في أكثر من مناسبة، أن النزعة القبلية تنتشر عادة «في الف رتات التي يتأزم فيها وجود القبيلة»، وهو ما يؤدي إلى حالة من الغضب الذي قد يظل كامنًا إلى أن تحين الفرصة للتعبير عنه (كما جرى في تونس). وللقبيلة عند المؤلف ثلاث خصائص بنيوية محددة: الحرية، والمساواة، وجاذبية الأصل؛ فالحرية تتمثّل في التحرر من مركز الدولة (إلى هذا الحد أو ذاك)؛ والمساواة تتمثّل في العدالة النسبية والملكية الجماعية للأرض في غالب الأحيان (هذا لا يلغي المكانة والجاه)؛ ويتمسك أبناء القبيلة بأصل يمكن أن يكون حقيقيًا أو مفترضًا. ويضع مؤشرات لتصنيف القبائل في المغرب العربي، كمؤشر الانتماء العرقي، ومؤشر الحركة والاستقرار، ومؤشر تقسيم العمل (قبائل رعوية، فلاحية، تعمل في التجارة، تمارس الدفاع عن القبيلة..). وفي بحثه عن علاقة الظاهرة القبلية بالحراك السياسي العربي، يؤكد المؤلف أن ع ىل الرغم من التباينات والاختلافات الكثيرة للحراك السياسي ب ني مجتمع وآخر، «فهي جميعًا كانت تتحرك، على هذا النحو أو ذاك، من بعيد أو قريب، وفق محركات ترتبط بالبنى التقليدية المهيمنة ع ىل المجتمع، وأهمها البنية القبلية» (ص. 51) ومن الاستنتاجات ذات الطابع العام، تلك التي يستخلصها المؤلف بخصوص الاندماج (واللااندماج) الاجتماعي، والاختلال في المعايير الثقافية والاجتماعية للمهاجرين من مناطق مختلفة إلى مكان تتوافر فيه فرص عمل جديدة، كما حدث في بعض المناطق التونسية. يقول المؤلف: «إن عدم الاندماج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، لدى المجموعات السكانية ذات الأصول المتعددة، في عدد كبير من القرى والمدن، التي أحدثت بطريقة مبرمجة أو بطريقة تلقائية، هو الذي يفسر عدم انسجام وضعف اندماج هذه المجموعات اندماجًا كليًا، على الرغم من التعايش والتجاور. ويسهم في تغذية هذا الوضع ضعف عوامل التنمية، وندرة الموارد الاقتصادية، وشدة الضغط والرقابة السياسية، التي أدت إلى لجوء الأفراد أثناء الأزمات، إلى انتماءاتهم الحميمية وهوياتهم البعيدة والقريبة» (ص. 812). يذكّرنا هذا بما جرى في سورية في بعض المناطق خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حيث كانت مجموعات سكانية ذات أصول طائفية أو قبلية مختلفة تتعايش منذ عقود عدة، وتفجَّر ال رصاع بينها بمجرد تراجع القبضة الحديدية للسلطة السياسية في تلك المناطق. ولا تختلف «الظاهرة الجهوية» عن الظاهرة القبليّة، أو الطائفية أو ما شابهها، في ما يتعلق بما تثيره من صراعات وتجاذبات في ظل انحسار سلطة الدولة. وعلينا، نحن الباحث ني، أالّ نخشى الخوض في العوامل المؤدية إلى مثل هذه الصراعات، ولا من مآل الظاهرة الجهوية (أو ما شابهها) وتحولاتها المحتملة: «إن ملامح التفس ري الأولي لهذا التحول تقودنا إلى تهدئة المخاوف من الأبعاد السلبية للظاهرة الجهوية؛ وذلك لأن النزعة المطلبية الجارفة التي تهدد بالفوضى والتعجيز واستفحال الصراع والتجاذب بين المناطق، إنما هي انعكاسات لبقايا النزاعات المركزية والأبوية، وقد استفادت من مناخ الحرية الذي وفرته هذه الثورات (ثورات الربيع العربي) للتعبير عن الذات المناطقية بأساليب جديدة» (ص. 146)

وللقبليّة والجهوية تأثير آخر لا يقل أهمية عامّ ذ، كر وهو التأث ري في الانتخابات: «فإلى جانب تدخل المال السياسي والتوظيف الإعلامي، كعاملين أساسيين في توجيه المسار الانتخابي، يمكن إضافة عامل ثالث، لا يقل أهمية وتأثيرًا عن العاملين السابقين، وهو البُعد القب يل والجهوي»؛ فقد أثبتت التجربة في تونس (وكذلك في غيرها من البلدان التي شهدت انتخابات بعد ثورات الربيع العربي) «أن قسما مهما من الناخب ني لم يصوّت ع ىل برامج وسياسات، بل كان الحفز المهيمن ع ىل موقفهم من المترشحين هو الميل القرابي العائ يل، أو الحميمي القبلي، أو التحيز المناطقي الجهوي...» (ص.912) يميز المؤلف بين مفهوم الجهوية الإدارية، الذي يحيل إلى «اع رتاف الدولة بوحدة جهوية معينة، تتميز بانسجامها وفق منطق مؤس يس يهدف إلى تحقيق الوحدة وإنجاز التنمية على المستوى المحلي»، ومفهوم الجهوية السياسية الذي «يمثل أقصى درجات اللامركزية، في إطار الدولة الموحدة». لكن هذه الجهوية قد تتحول عن مسارها الطبيعي إلى نزعة انقسامية انطوائية تقابل مفهوم «الوحدة الوطنية». والنزعة الجهوية غالبًا ما تتغذى من الخلل في توزيع التنمية، وكذلك التفاوت في الاهت امم بالجهات المختلفة، سواء من النواحي الاقتصادية أو الثقافية أو التعليمية أو غيرها، وهو ما يسبب نزعات جهوية خطِرة. ويستند المؤلف إلى بعض الدراسات الميدانية- الإحصائية ليبنيّ كيف أن النخب السياسية، كأعضاء مجلس النواب والوزراء والولاة (المحافظين) وغيرهم، تعود أصولهم إلى جهات معينة، نظرًا إلى اهتمام السلطات السياسية بتلك الجهات دون غيرها (انظر ص -137.)139 وفي حديثه عن الجهوية في تونس، يطرح المؤلف تساؤلات، أرى أن ع ىل المعني ني في جميع بلدان الربيع العربي التنبه لها، مثل: «هل ستؤدي النزعة المطلبية بالحالة التونسية إلى ما يمكن أن نسمّيه ‹الثقافة المطلبية›، وبنزعة أخرى هي ‹الاحتجاج الدائم›، الذي يجد في مناخ الحرية وسياق ‹الخوف الإداري› بؤرة لاستمراره؟ وهل سيؤدي شعار ‹العدالة الجهوية›، الذي قامت عليه الثورة، إلى ظهور تمايزات جهوية جديدة تحت الضغط السياسي، الذي من مخاطره إخفاءُ المشاكل الحقيقية للتنمية الجهوية، وإثقال كاهل مؤسسات الدولة والمجتمع في آن واحد؟» (ص. 143)

«التقارب والتباعد» بين تونس وليبيا

يرى المؤلف أن المعطى القبلي حاضر، كمعطى تاريخي اجتماعي، في جميع البلدان العربية. لكن أوجه التعامل مع القبيلة تختلف اختلافًا كبيرًا ب ني دولة عربية وأخرى، حيث «يراوح ب ني حضورها فاعالً سياسيًا يحظى بالاعتراف به، وبين حضورها مؤثرًا ثقافيًا ونفسيًا ذا طابع حميمي، يكتفي بتحريك المشهد السياسي من بعيد» (ص. 47)1 وفي بلدان المغرب العربي، يرى المؤلف أن «بريق القبيلة» خفّ، وأن تأثير القبيلة قلَّ بسبب التحولات العميقة التي عرفتها مجتمعات تلك البلدان، بين ام تمثّل الظاهرة الجهوية خصوصية مغاربية. وهنا يختلف الوضع بين تونس وليبيا؛ «فالمجتمع التون يس تمكّن خ الل عقود من سياسات هدم وتفكيك البنى التقليدية، التي قامت بها الدولة ونخبها، من تحويل شبه كيلّ للبنية الاجتماعية، وتعويضها ببنى وطنية ومدنية صلبة». والهزات والتملم الت التي حدثت بعد الثورة ناجمة عن رغبة في تحقيق العدالة الاجتماعية بين

الجهات والمناطق، أكثر من كونها تعبيرًا عن حاجة أو رغبة في العودة للبنى القبلية. أما في ليبيا، «فإن البنية القبلية، ع ىل الرغم من تفكيك بعض آلياتها، لا تزال ذات حضور فاعل، وبخاصة في مستويات الفعل الاجتماعي والسياسي والثقافي؛ وذلك نتيجة سياسات النظام المعلنة، باعترافه بالبنى القبلية، وتحالفه معها، واستخدامها وفق مصالح أمنه واستمراريته» (انظر ص -148 49.)1 وينقل المؤلف تخوف بعض المحلل ني من العودة إلى الانقسام المناطقي في المجتمع الليبي، نتيجة ضعف المجتمع المدني الليبي وهشاشة التنظي امت السياسية الرسمية والمعارضة (الأمر الذي اثبتته الأحداث في ليبيا بعد تأليف الكتاب). وفي ليبيا تظهر أكثر العلاقات الزبونية (المحسوبية)، التي تحوّل العلاقات السياسية إلى علاقات تبادل مصلحية، «وهذا ما تعربّ عنه رمزيات ودلالات علاقات ‘ الصحبة ’ والولاء والحلف، بوصفها علاقات تبعية أو تضامن أو تبادل مصالح بين الجماعات الفاعلة في التاريخ الليبي الحديث والمعاصر، سواء في ام بينها، أم بينها وبين الدولة» (ص. 45)1 وقد كشفت الثورة الليبية عيوب النظام السابق، في ما يتعلق بتفاوت التنمية بين المناطق المختلفة، وأظهرت مدى فقر بعض المناطق والأحياء التي كان نظام القذافي يهمشها ويحرمها خدمات السكن والتعليم والصحة وغيرها. ولا يغفل المؤلّف التنبيه إلى التفاوت ب ني المدينة والريف في الجهة الواحدة، ك ام ب ني الجهات المختلفة، متسائالً: «هل ستؤدي العدالة المرتقبة التي تحمل آمالها الثورتان الليبية والتونسية، بعد سلسلة النجاحات المتحققة في الميدان السياسي، إلى القضاء ع ىل ظاهرة الجهوية بصراعاتها وتوتراتها؟» (ص. 461)، ويدعو الباحث ني إلى الاشتغال على الطريقة التي ستُواجَه بها النزاعات المطلبية والجهوية المتنامية، سواء في تونس أو في ليبيا (ونحن ندعو الباحث ني إلى الانشغال بهذا الأمر في سورية ومصر واليمن وغيرها). بوجه عام، يؤكد المؤلف في أكثر من مكان من كتابه أن النزعات الجهوية والمناطقية تتعلق بالتفاوت في التنمية بين المناطق، وتعيد إنتاج التظلم والشكوى من عدم عدالة الأنظمة السياسية في توزيع الموارد ع ىل الجهات، وتؤدي بالمهمّش ني إلى التمرد والثورة. لكنه يترك مجاالً للتفاؤل بقابلية هذه الظواهر للتلاشي، «بالاستناد إلى الحراك الجديد الذي يبرشّ بإصلاح الأوضاع وتغيير الخيارات»، وبإمكانية تحول النزعة الاحتجاجية الجارفة «إلى حراك مدني حقيقي ومشاركة سياسية شاملة» (انظر الصفحات -153.)165

ملاحظتان شكليتان

الملاحظة الأولى: بدا لي أن هذا الكتاب المتميز ينقص فصلا (أو فقرة مطولة) عن تاريخ المغرب العربي، ولا سيما ما قبل تشكّل دوله الحالية. وع ىل الرغم من تعرض مقدمة الفصل الرابع بسرعة لتلك الفترة، فإن حديث المؤلف عن تحرك القبائل بين ليبيا وتونس يحيل القارئ إلى التساؤل عن تاريخ تشكُّل الدولتين، وعن المرحلة التاريخية التي كانت القبائل تتنقل في تلك المناطق من دون وجود حدود بين الدول. ولا يقت رص هذا الأمر على دول المغرب العربي؛ فالقبائل العربية كلها انقسمت وتشظّت بين دول حديثة التكوين (سورية- العراق - الأردن- السعودية ودول الخليج الأخرى- اليمن...)، ولا تزال تحتفظ بأس امئها وعشائرها وبطونها على الرغم من ذلك الانقسام.

من ناحية أخرى، لا يمكننا تفس ري التنقل بين البلدان المتجاورة، ولا سيما العربية منها، بالقرابة القبلية وحدها؛ ففي الأزمات والحروب يلجأ الناس إلى جيرانهم للاحت امء، بغّض النظر عن مدى القرابة القبلية (غزو العراق سنة 0032، العدوان الإسرائيلي على لبنان سنة 0062، الثورة السورية الحالية...). الملاحظة الثانية: على الرغم من استحضار المؤلف أمثلة للظاهرة القبلية والحراك السياسي العربي من دول عربية عدة، فإنه لم يتعرض للثورة السورية إلا من خ الل ذكره «جمعة العشائر» في معرض استهجان البعض استخدام مثل هذه المصطلحات الدالة على استمرار حضور الظاهرة القبليّة. وقد لفت هذا الأمر نظري، بوجه خاص، لأن المؤلف يعرف سورية جيدًا؛ فقد كانت دراسته العليا (أو جزء منها على الأقل) في جامعة دمشق. وأرجو أن يجد فرصة لتطبيق معرفته العميقة بشؤون القبليّة والجهوية والطائفية والزبونية وما شابهها، في دراسة تالية معمّقة لأشكال تجلي هذه الظواهر في الثورة السورية.

نجيب بو طالب باحث تونسي جاد متخصص بعلم الاجتماع، قدم لنا كتابًا شيقًا ومهامً في آن معًا. هو شيق في طريقة عرضه وأسلوبه السلس ولغته الجميلة التي تشعرك أحيانًا بأنك تقرأ نصًا أدبيًا رفيع المستوى، فضالً عن كونه بحثًا علميًا رصينًا. وهو مهم لأنه يتناول بالبحث المعمّق واحدة من أهم الظواهر الاجتماعية المؤثرة في البنى الاجتماعية العربية، وفي الأحداث الجارية في عدد من أقطار الوطن العربي الكبير.