من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني لشباب من ضواحي بيروت بين سنتي 1975 و1976
The War Remembered: A Look at the Voluntary and Humanitarian Work of Young People with the Lebanese Red Cross in the Outskir
الملخّص
الالتزام أو "القيام بأي عمل": من الأفكار التي قضّت مضجع شريحة واسعة من الشباب اللبناني في العام 1975. شبابٌ جرفتهم دوّامة حرب أهليّة كانت طلائعها قد بدأت بالظهور، فاندفع السوادُ الأعظم منهم للانضواء تحت راية الأحزاب السياسية، حيث اختاروا اعتناق قضية من القضايا الكثيرة السائدة في البلاد في تلك الفترة. حملُ السلاح والمشاركة في القتال والدفاع عن الأرض وبذل الأرواح عن أبناء الوطن، أضحت كلّها هدفًا حرّك الشباب واستحال هاجسًا سيطر على عقولهم. إزاء هذا الواقع، وإذ رأت مجموعة من الشباب ناهز عددها الخمسين ( وهي موضوع بحثنا) محيطها القريب ينزلق في دوّامة العنف، انخرطت ضمن فرق الإسعاف التابعة للصليب الاحمر اللبناني في فرع أنطلياس- النقاش، منحازة إلى المدنيّين أكثر من انحيازها إلى المقاتلين. فكان التزام الشباب هؤلاء متناقضًا مع التزام محيطهم. فالأعمال الانسانية الّتي ينفّذونها خاضعة لمبادئ الصليب الأحمر السبعة كما لاتفاقيات جنيف الموقّعة في العام 1949. صحيح أنّ تحرّك الشباب جاء نتيجة أسباب مختلفة ترتبط بأقدميّة سكنهم في أو بالطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها أو بمستواهم العلمي وبخياراتهم الدينية أو السياسية، فقد وجدوا أنفسهم في موقع وسطي غير مشجّع. فشعارات الصليب الأحمر التي رفعوها وما تمثّله من مبادئ إنسانية أضحت شعارات بالية في خضمّ الحرب الأهلية، شعارات تُخرجهم من وضع الجندي المجهول في محطّات الأزمة الأخطر ولا تعود عليهم سوى بمزيد من الغضب العارم.
Abstract
Commitment or simply “doing something” were concerns that exercised a sizeable segment of Lebanese youth in 1975. The portents of the civil war had begun to appear, and young people were caught up in the whirlwind. The vast majority rushed to line up under the banners of political parties, where they could choose to embrace any of the major causes that were prevalent in the country at the time. To bear arms and participate in the fight, defending the land with body and soul and one’s compatriots, became a goal that stirred young people: a challenging obsession that captivated minds. Faced with this situation a group of Lebanese youth, on seeing their immediate surroundings slip into the spiral of violence, joined the ambulance teams of the Antelias-Naqqash branch of the Lebanese Red Cross. Their action, reflecting a greater solidarity with civilians than with combatants, was at odds with that of their surroundings – the humanitarian deeds they carried out governed by the seven principles of the Red Cross as well as by the 1949 Geneva Conventions. This youth movement, however, owed more to factors relating to their neighborhood, their social class, their academic level, as well as their religious or political affiliations. The slogans and humanitarian principles of the Red Cross were hardly welcomed in their environment; with links to the Unknown Soldier, they seemed ill-suited to the escalating stages of the civil war, and destined only to provoke more rage. In recounting the story of around 50 Lebanese youth in 1975, Tabet offers a rare insight into the Lebanese civil war.
- العمل التطوعي
- الصليب الأحمر اللبناني
- الطبقة الاجتماعية
- الحرب الأهلية
- أنطلياس
- الطائفية
- Voluntary Work
- Lebanese Red Cross
- Beirut
- Social Class Systems
- Civil War
- Youth
- Antelias
- Sectarianism
من ذاكرة الحرب التطوعي والإن نظرة إلى العمل ساني في الصلي ب الأحمر اللبناني ل شباب من ضواحي بيروت بين سنتي 1975 و 1976
(دراسة حالة)
الالتزام أو «القيام بأي عمل» هو من الأفكار التي قضّت مضجع شريحة واسعة من الشباب
اللبناني سنة 1975؛ شبابٌ جرفتهم دوّامة حرب أهليّة كانت طلائعها قد بدأت بالظهور،
فاندفع السواد الأعظم منهم للانضواء تحت راية الأحزاب السياسية، حيث اختاروا اعتناق
قضية من القضايا الكثيرة السائدة في البلاد في تلك الفترة. حمل السلاح والمشاركة في القتال
والدفاع عن الأرض وبذل الأرواح في سبيل أبناء الوطن، هذا كله أضحى هدفًا حرّك
الشباب واستحال هاجسًا سيطر على عقولهم.
إزاء هذا الواقع، رأت مجموعة من الشباب ناهز عددها الخمسين (وهي موضوع بحثنا)
محيطها القريب ينزلق في دوّامة العنف، فانخرطت ضمن فرَق الإسعاف التابعة للصليب
الأحمر اللبناني في فرع أنطلياس- النقاش، منحازة إلى المدنييّن أكثر من انحيازها إلى المقاتلين.
وكان التزام الشباب هؤلاء متناقضًا مع التزام محيطهم؛ فالأعمال الإنسانية التي كان ينفّذونها
خاضعة لمبادئ الصليب الأحمر السبعةكما لاتفاقيات جنيف الموقّعة سنة 1949. صحيح
أن تحرّك الشباب جاء نتيجة أسباب مختلفة ترتبط بأقدميّة سكنه أو بالطبقة الاجتماعية التي
ينتمي إليها أو بمستواه العلمي وبخياراته الدينية أو السياسية، فقد وجد هؤلاء أنفسهم
في موقع وسطي غير مشجّع؛ فشعارات الصليب الأحمر التي رفعها الشباب وما تمثّله من
مبادئ إنسانية أضحت شعارات بالية في خضمّ الحرب الأهلية؛ شعارات ت رجهم من وضع
الجندي المجهول في محطّات الأزمة الأخطر ولا تعود عليهم سوى بمزيد من الغضب العارم.
(((الشباب، جمع شاب، مُصطلح يُقصد به الشريحة الفتية من الناس. وقد استُخدم في سياق الحرب للإشارة إلى المقاتلين.
ربيع 2015
في واقع الحرب الأهلية في لبنان سنتي 1975 و 1976، سادت أوساطَ الرأي العام صورة
المقاتل وحدها بلا منازع، فاستحال بطل مبجَّلً معظَّمً؛ فهو في حياته سيد مطلق يمسك بزمام
شارع متقلقل تحصن فيه «الخونة» أو «الأعداء»، أمّا بزته العسكرية وسلاحه، فمصدر نفوذ وسلطة لا
يقبلان المنازعة. يعود من الجبهة بطل فيُتحف السامعين بمآثره ويتباهى بأعماله البطولية. تنعاه الصحف
شهيدًا وتُشيد ببسالته، وتُعل ق صورُه على الجدُر أو على زجاج السيارات، وتُقام له مراسم التشييع المهيبة؛
شهادته يمثلها نُصب تذكاري أو مزار يُرفع في الساحات أو الشوارع. في هذا الجو من الحماسة العامة وشحن النفوس، رفضت مجموعة من الشباب البقاء على هامش الأحداث، وقررت التدخل من خلال بعض الهيئات الإنسانية، ومنها الصليب الأحمر اللبناني، لإسعاف المدنيين.
فكان التزامها قد وضعها على مسافة واحدة من المتقاتلين كافة، لكنه لم يحظ بالتقدير الكافي ضمن سياق أوجبَ على الشباب الانحياز إلى خط معيّ. وها هم الشبان والشابات بالنسبة إلى الرأي العام يضربون
بصورة البطل عرض الحائط، لا يختارون الانحياز بل يقفون في الوسط، وقد يسارعون إلى نجدة العدو عند الاقتضاء. شكّلت أسباب انغماس شريحة كاملة من الشباب، ولا سيما شباب الضواحي، في النزاع المسلح، موضوع دراسة أجراها باحثون بشأن التمدن السريع الذي شهدته العاصمة بيروت وضاحيتها في السنوات
1975-1970. وقد أدى نشوء مجتمع الضواحي، بحسب كلٍّ من فؤاد خوري ومارلين نصر وسليم
نصر وجوزف فارس، إلى تغييرٍ في تراتبية النظام التقليدي للتبعية السياسية لدى النازحين الذين كانوا قد استقروا في ضواحي العاصمة منذ أكثر من قرن. يُعَدّ النزوح والإقامة في المساكن الفردية، بالإضافة إلى الالتحاق بالمدارس والعمل لقاء راتب، من
العوامل التي تتيح تراجع البنى العائلية لمصلحة البنى المجتمعية؛ فالنازحون يشك لون لدى استقرارهم في الضواحي «مجموعات متمايزة من حيث المسكن والوضع الشخصي والمدني، والمستوى الاقتصادي، وفي
غالب الأحيان من حيث الانتماء السياسي»، فيكوّنون منعزلا اجتماعيًا مغلقًا. أمّا الثقافة المشتركة التي
(((مُصلّ مكرس لأحد القديسين أو الشهداء.
(((بحسب المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، يُعرّف غير المحاربين على النحو التالي: «إن الأشخاص الذين لا يشاركون
مباشرة في الأعمال الحربية، بمن فيهم أفراد القوى المسلحة الذين سلّموا السلاح أو الأشخاص الذين استُبعدوا من القتال لدواعي
المرض، الإصابة، الاعتقال أو لأي دواع أخرى، يلقون، في كافة الظروف، معاملة إنسانية، من دون تمييز على أساس العرق، اللون،
الدِّين، المعتقد، الجنس، المولد أو الثروة، أو على أساس أي معيار مماثل.»
(4) Fuad I. Khuri, From Village to Suburb: Order and Change in Greater Beirut (Chicago: University of Chicago Press, 1975), and Marlène Nasr et Salim Nasr, «Morphologie sociale de la Banlieue-Est de Beyrouth,» Maghreb-Machrek , no. 73 (September 1976), et Joseph Pharès, Une societé banlieusarde dans l'agglomération beyrouthine: étude sociologique de certains aspects du developpement suburbain (Beyrouth: Université Libanaise, 1977). (5) Salim Nasr, «Les Formes de regroupement traditionnel (famille, confession, communautés régionales) dans la société de Beyrouth,» dans: L’Espace social de la ville arabe , [colloque espaces socio-culturels et croissance urbaine dans le monde arabe, Paris, 24-26 Novembre 1977]; [sous la direction de] Dominique Chevallier, Publications du Département d’islamologie de l’Université de Paris-Sorbonne; 8 (Paris: G.-P. Maisonneuve et Larose, 1979), pp. 145-198. (6) Nasr et Nasr, p. 81.
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
يتشاطرونها مع معتنقي الديانة نفسها والمنحدرين من المنطقة نفسها في كثير من الأحيان، فتمنحهم شعورًا
بالأمان، وتسهل عليهم التأقلم مع الحياة في الضواحي. تُنتج تلك التجمعات المتمايزة فرزًا للنازحين على
المستويين الاجتماعي والسياسي، كما على مستويات الزيجات والجيرة والتجمعات التطوعية، فتبقيهم على
الهامش بالنسبة إلى سكان البلدات التي أصبحت من ضواحي بيروت. هؤلاء النازحون الذين يغذون صفوف الطبقتين المتوسطة والفقيرة يُستثنون من اللعبة السياسية التي
يمارسها سكان الضواحي، حيث تسود طبقة الأعيان التقليديين على قاعدة عائلية، وفي بعض الأحيان
طائفية؛ فهم، إذ يُعتبرون غرباء بحكم عدم تسجيلهم في أماكن سكنهم، يقايضون ولاءهم العائلي بولاء
طائفي يتمثّل في انخراطهم في الأحزاب السياسية، فيرى كثيرون في هذا الانخراط شكل متقدمًا من
أشكال المشاركة السياسية، يقع بين الولاء العائلي والولاء الوطني. كان من شأن أحداث سنتي 1975 و 1976 أن أشعلت بيروت وأنضجت سكان ضاحيتها لخوض
النزاع الطائفي؛ فالطبقتان المتوسطة والفقيرة اللتان شك لتا الشريحة الكبرى من النسيج الاجتماعي لسكان
ضواحي بيروت في تلك المرحلة، لم تُفلحا في الاندماج الاقتصادي، بل استُبعدتا من النظام الزبائني
التقليدي. وما لبثت الأحزاب السياسية أو «الحركات الاجتماعية السياسية للمجموعات المقتل»َعة
أن تحولت، نتيجة ذلك، إلى «لاعب أساسي على ساحة المأساة التي عصفت بالمدينة»؛ تلك المدينة
التي «قامت على حركة النزوح، وحيث الأقدمية مصنَّفة بحسب الفئة العرقية أو الطائفية، أو بحسب
الجيل». أمّا هدف الحركات الناشئة التي نشطت في ضاحية بيروت، فكان السيطرة على العاصمة التي
بتُر وسطها، أو أقله السيطرة على أحد شطريها الشرقي أو الغربي. يركز بحثنا هذا على انخراط المجتمع ذي الغالبية المسيحية في منطقة أنطلياس في النزاع العسكري
المسلح بين سنتي 1975 و.1976
(7) Voir: André Bourgey et Joseph Phares, «Les Bidonvilles de l’agglomération de Beyrouth,» Revue de géographie de Lyon , vol. 48, no. 2 (1973), pp.107-139. (8) Annie Tohmé-Tabet, «Pouvoir et représentation politique à la municipalité de Hadath, une commune de la Région Métropolitaine de Beyrouth (1900-1999),» sous la direction du Père Sélim abou s.j. (Thèse de doctorat, l’Université Saint-Joseph, 2009). (9) Fuad I. Khuri, «Sectarian Loyalty among Rural Migrants in Two Lebanese Suburbs: A Stage between Family and National Allegiance», in: Richard Antoun and Iliya Harik, eds., Rural politics and Social Change in the Middle East , International Development Research Center. Studies in Development; no. 5 (Bloomington: Indiana University Press, 1972), pp. 198-209. (10) Nadine Picaudou, La Déchirure libanaise , Questions au XXe siècle; 10 (Bruxelles: Éd. Complexe, 1992), p. 128. (11) Le Mouvement palestinien, le Front libanais des partis chrétiens et le Mouvement chiite. Voir: Salim Nasr, «The Movement of the shi’a toward Beyrouth,» in: Salim Nasr et Theodor Hanf, eds., Urban Crisis and Social Movements- Arab and European Perspectives (Beirut: Euro-Arab Social Research Group, 1987), pp. 153-164. (12) Salim Nasr, «Beyrouth: Remarques sur les acteurs d’un drame urbain,» dans: Nasr et Hanf, eds., Urban Crisis , p. 141.
(((1 المصدر نفسه.
(14) Nabil Beyhoum, «Espaces éclatés, espaces dominés: Etude de la récomposition des espaces publics centraux de Beyrouth de 1975 à 1990,» sous la direction d’Isaac Joseph, (Thèse de doctorat, Lyon II, 1991), pp. 153-184. (15) Samir Kassir, La Guerre du Liban: De la dissension nationale au conflit régional (1975-1982) , hommes et sociétés (Paris: Karthala; Beyrouth: Cermoc, 1994), p. 115.
ربيع 2015
بقيت أنطلياس، الواقعة شمال شرق بيروت، بعيدًا عن مناطق النزاع والقتال، وبمنأى، إلى حد ما، عن
الأحداث التي عصفت بالبلاد لغاية أواخر سنة 1975 وأوائل سنة 1976 التي شهدت أحداث حارة
الغوارنة ومخيم الفلسطينيين في الضبية؛ أحداث شكّلت محطتين مهمتين من «الاستقطاب الطائفي » خلال الفترة الأولى من الحرب، وولدت تعبئة شاملة لشباب المنطقة المسيحي الذي تأثر بخطاب الأحزاب السياسية بشأن الانعزال الطائفي، فكانت «أيديولوجيا الدفاع عن النفس» التي سادت المناطقَ التي
انعزل فيها المسيحيون شيئًا فشيئًا، ودفعت بالشباب المنحدر في معظمه من الطبقتين المتوسطة والفقيرة إلى
ارتداء بزة القتال، والتدرب على استعمال السلاح في معسكرات التدريب على تلال النقاش. إزاء هذا الواقع، قامت مجموعة من الشباب ناهز عددها الخمسين (وهي موضوع بحثنا)، وبعد أن رأت محيطها القريب ينزلق في دوامة العنف، بالانخراط في فرَق الإسعاف التابعة للصليب الأحمر اللبناني في
فرع أنطلياس- النقاش، منحازة إلى المدنيين أكثر من انحيازها إلى المقاتلين. فكان التزام الشباب هذا
متناقضًا مع التزام محيطه. فالأعمال الانسانية التي ينفذها خاضعة لمبادئ الصليب الأحمر السبعة
كما لاتفاقيات جنيف الموقَّعة سنة 1949. صحيح أن تحرك الشباب جاء نتيجة أسباب مختلفة ترتبط بأقدمية سكنه في الضواحي (من الأعيان التقليديين المحليين، من السكان القدامى والمقيمين الجدد، سواء أكانوا لبنانيين أم غير لبنانيين أم من لاجئي الحرب الميسورين)، أو بالطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها (الطبقة الميسورة أو المتوسطة)، أو بمستواه العلمي (خريجو مدارس دينية)، وبخياراته الدينية أو السياسية، فقد وجد أفراده أنفسهم في موقع وسطي غير مشجِّع، فجرفتهم دوامة العنف كما بالصدفة،
ليرسموا «بعيدًا عن خط التماس العسكري، خطًا إنسانيًا »، ويبلسموا الجراح التي خلّفها الآخرون.
لم يدرِ أحدٌ بوجودهم ولا بتحركهم، وسط عالم ساد فيه «الأخضر العسكري» ولا شيء سواه؛ عالم لا
أهمية فيه سوى للمحارب. فشعارات الصليب الأحمر التي رفعوها وما تمثّله من مبادئ إنسانية، أضحت
شعارات بالية في خضم الحرب الأهلية؛ شعارات ت رجهم من وضع الجندي المجهول في محطات الأزمة الأخطر ولا تعود عليهم سوى بمزيد من الغضب العارم. للأسف، أدى المسعفون هؤلاء دورًا ثانويًا لم
يعترف به السكان المجيَّشون ولم يدركوا قيمته الفعلية. يمكن القول إن دراسة تلك المجموعة من الشباب تقف عند تقاطع الجدل الراهن الدائر حول ذاكرة الحرب وحول التركيبة الاجتماعية الإنسانية لضواحي بيروت. وهي مزدوجة الهدف، فمن جهة تضيء على تجنيد الشباب في صفوف فرَق الإسعاف، وهو وجه لا نعرف عنه الكثير من أوجه المرحلة
(((1 المصدر نفسه.
(((1 الكتائب في أنطلياس وحزب الوطنيين الأحرار في الضبية.
(18) Kassir, p. 114.
(((1 حي أنطلياس
(20) Pour Rony Brauman, » L’action humanitaire est celle qui vise, sans aucune discrimination et avec des moyens pacifiques, à préserver la vie dans le respect de la dignité, à restaurer l’homme dans ses capacités de choix»: Rony Brauman, L'Action humanitaire: Un Exposé pour comprendre, un essai pour réfléchir , Dominos; 60 (Paris: Flammarion, 1995), p. 9.
(((2 الأساسية – الإنسانية، عدم التحيز، الحياد، الاستقلال الخدمة الطوعية، الوحدة والعالمية.
(((2 م. م. من مسعفي الصليب الأحمر بين سنتي 1976 و.1977
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
الأولى (1975-1976) من الحرب اللبنانية، ومن جهة أخرى ت لل أسباب التزامه التطوعي في العمل
الإنساني وعواقبه ضمن سياق من الاستقطاب العسكري والسياسي. وتقدم الدراسة نتائج استقصاء
أُجري سنة 2009، وشمل عيّنة من الأشخاص الذين شاركوا في أنشطة الصليب الأحمر اللبناني، فرع
أنطلياس- النقاش في سنتي 1975 و 1976. شملت العيّنة المذكورة ثلاث سيدات من اللجنة المحلية
للصليب الأحمر، ومدرِّبة على الإسعاف، بالإضافة إلى 17 مسعفًا سابقًا كانوا ناشطين في الفترة موضوع
الدراسة. أما اختيار المسعفين، فكان على أساس تمثيلهم لائحة شاملة من 55 مسعفًا هاجر 12 منهم
وتوفي 3 آخرون. أما جمع البيانات، فتم بناء على مقابلات توجيهية، علاوة على الاستعانة بالتقارير
الصادرة عن فرع أنطلياس- النقاش كما عن المسعفين.
السياق الجغرافي والتاريخي أنطلياس ومحيطها في سنتي 1975 و 1976
كانت أنطلياس في سنة 1975 بلدة في طور التمدن. عُرفت ببساتين البرتقال وبمهرجان البرتقال
السنوي، لكنها شهدت منذ أواخر الخمسينيات حركة عمرانية قضت على البساتين لتحل محلها مبانٍ
للإيجار شُيدت في بادئ الأمر على طول الطرق التي تربط أنطلياس بجل الديب وبكفيا، وغزت في
مرحلة لاحقة المساحات المزروعة. كما شهد النسيج المدني للأحياء القديمة التي سكنتها منذ القدَم
عائلات تمايزت من حيث الأراضي التي امتلكتها ومن حيث مساحتها، تطورًا وكثافة، فجذب خليط ا
من المجموعات السكانية؛ فعلى سبيل المثال، ضم حي حارة الغوارنة الفقير مجموعات من الأرثوذكس
والشيعة والفلسطينيين الذين عمل معظمهم في بساتين المنطقة. علاوة على ذلك، شُيّدت أحياء سكنية تميزت بمنازل صغيرة متُرفة إلى حد ما، على أراض جديدة بين صنوبر
تلال النقاش والرابية، فجذبت مجموعات سكانية أتت في معظمها من المدينة، وتشكلت من موظفين
متوسطي الحال أو من موظفي كبرى الشركات، ومنها شركة «شل» (النقاش)، أو من كبار الموظفين
والتجار الميسورين وأصحاب المهن الحرة (نيو نقاش والرابية). وليس بعيدًا عن النقاش، وتحديدًا في
منطقة الضبية، كان مخيم للفلسطينيين على تلة تشرف على المدينة الصناعية وعلى مصلحة مياه بيروت. يمكن القول تاليًا إن أنطلياس وجوارها ضمّ في تلك المرحلة المقوّمات التي ميّزت ضواحي بيروت،
والتي وصفها سليم نصر، أي الأحياء التي سكنها أفراد الطبقتين المتوسطة والفقيرة من أصول مختلفة
(من سكان القرى والمدن اللبنانية أو من السوريين والفلسطينيين وغيرهم)، وطوائف مختلفة (من الموارنة
والأرثوذكس والأرمن الكاثوليك والأرثوذكس والشيعة..)، والمراكز السكنية التي ضمت أفراد الطبقة
الميسورة، بالإضافة إلى مخيم للفلسطينيين ومدينة صناعية.
(((2 عدّت عيّنة المجموعة المختارة والمقابلات مع مايلا بخاش، وهي مسعفة سابقة من فرع أنطلياس أُ.
(((2 المراكز السكنية المذكورة شيدتها شركات عقارية ومنها CIL للنقاش، أو شركة Rabiya Companie للرابية، أو أفراد من عائلة
طعمة، من كبار الملّك في منطقة نيو نقاش. انظر: Cynthia Ghorra-Gobin, «Les Centres résidentiels dans l’agglomération de Beyrouth,» dans: Annales de géographie (Beyrouth: L’Université Saint-Joseph, Faculté des lettres et des sciences humaines, 1981), pp. 57-68. (25) Nasr, «Les Formes de regroupement traditionnel, » pp. 145-198.
ربيع 2015
مركز مُدني ومكان للذاكرة
يتألف وسط أنطلياس التاريخي من دير مار الياس وكنيسته التاريخية، وتمتد قبالتهما ساحة أنطلياس
التي تضم عددًا من المحال ووسائل للنقل المشترك. ليس بعيدًا عن ساحة أنطلياس، شُيدت القاعات
الأولى لكنيسة مار الياس الجديدة، وهي أكبر من الكنيسة القديمة مساحةً. بفضل أماكن العبادة تلك والمحال التجارية، أصبحت ساحة أنطلياس مركزًا للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمنطقة
وجوارها، كما أنها شكّلت نقطة التقاء الانتماءات والهويات المختلفة. غير أن المركز المُدني الذي قام حول كنيسة مار الياس لا ينسينا أن هذه الأخيرة مكان للذاكرة ومرجع في تاريخ لبنان الحديث؛ «فالعاميتان» اللتان طبعتا القرن التاسع عشر أدتا دورًا بالغ الأهمية في بناء الهوية
القومية اللبنانية. تعيدنا العامية الأولى إلى ثورة الفلاحين سنة 1820، في وجه جباة الضرائب في عهد الأمير بشير الثاني حاكم جبل لبنان. وهي ترمز إلى قوة الشعب وقدرته على مواجهة الظلم والاستبداد. أمّا العامية الثانية التي تفوق الأولى أهمية، فضمّت ممثلين سياسيين من المسيحيين والدروز والسنّة والشيعة
في جبل لبنان اجتمعوا حول مذبح كنيسة مار الياس لإنهاء الحرب الأهلية سنة 1840، تعبيرًا عن إرادة
تعزيز الوحدة الوطنية. شهدت السنتان 1975 و 1976 تحوُّل المكان الرمز ذاك إلى مسرح للنظام الاجتماعي السياسي الميليشيوي
الجديد القائم على الطائفة الواحدة؛ ففي ساحة أنطلياس تحديدًا، راح مقاتلو اليمين المسيحي يصولون
ويجولون ببزاتهم العسكرية وأسلحتهم، ويقصّون مآثرهم على مسامع التجار الذين يدعمونهم بلا قيد
أو شرط. وفي ساحة أنطلياس أيضًا، كانوا يتباهون بقوتهم وانتصاراتهم، ويستعرضون، على سبيل المثال، موكبًا من الرجال كانوا قد اعتقلوهم في حارة الغوارنة، فاقتادوهم إلى السجن وقد رفعوا أيديهم علامة
الاستسلام، أو يجرّون الجثث وقد ربطوها بالآليات العسكرية في إثر سقوط منطقة النبعة الشيعية أو مخيم
الفلسطينيين في تل الزعتر، فكانت «دروع الحرب» تلك، حية أو ميتة، لتكشف عن وجه العدو الذي تُعتبر كل محاولة للتقرب منه خيانة.
تركيبة اجتماعية طائفية معقَّدة
على المستوى الديموغرافي، ضمت أنطلياس ومحيطها، كما ضواحي بيروت كافة، مجموعات سكانية من طبقات اجتماعية ومناطق مختلفة (من سكان المدن والقرى ومن النازحين..)، ومن جنسيات مختلفة (فلسطينيين وسوريين وعراقيين ومصريين..) وطوائف مختلفة (بشكل خاص من الموارنة والأرمن الكاثوليك والأرثوذكس والشيعة بنسبة أقل)، فاختلط هؤلاء السكان مع السكان الأصليين الآتين من الجبال المجاورة في القرن التاسع عشر إلى ساحل جبل لبنان للعمل في بساتين التوت العائدة إلى آل أبي
اللمع أو إلى الإكليروس الماروني أو إلى كبار الملّك من برجوازيي القرى.
(((2 إيلي رزق الله يمين، أنطلياس وأماكنها: دراسة في أرضها وأسمائها (بيروت: دار الحمراء، 1993)، ص.92-90
(((2 مستودع مبرَّد تم تحويله إلى سجن.
(((2 سقطا على التوالي في 6 و 12 آب/أغسطس.1976
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
تعددية الأحزاب وأحداث سنتي 1975 و 1976
أدى التمدن الذي حوّل المشهد والنسيج الاجتماعيين إلى تعقيد التركيبة السياسية لأنطلياس والمنطقة
المحيطة، فكانت تيارات أيديولوجية متنوعة جذبت إليها قسمً من السكان الأصليين والوافدين الجدد، وتحديدًا المنتمين إلى الطبقتين المتوسطة والفقيرة. في تلك المنطقة ذات الغالبية المسيحية، قامت خمسة أحزاب سياسية لبنانية بتجييش السكان: حزب الكتائب وحزب الوطنين الأحرار وحزب الطاشناق والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي اللبناني. وقد تباعدت تلك الأحزاب من حيث خياراتها السياسية (القوميات اللبنانية أو الأرمنية أو السورية أو الماركسية)، وتجلى تباعدها خلال الانتخابات البلدية أو النيابية، وذلك لغاية توقيع اتفاق
القاهرة سنة 1969 الذي منح المقاومة الفلسطينية حق محاربة إسرائيل انطلاقًا من الأراضي اللبنانية. وكان لتوقيع الاتفاق المذكور أن حوّل الأحزاب اللبنانية إلى التطرف السياسي، فاختارت أحزاب اليسار
(الحزب السوري القومي والحزب الشيوعي اللبناني)، بعد إذ ضمت في صفوفها قدامى السكان والأعيان
التقليديين، الاصطفاف إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية، وأيدت حقها في محاربة إسرائيل انطلاقًا من لبنان للعودة إلى فلسطين. أمّا أحزاب اليمين (الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار) التي استقطبت
في صفوفها نازحين من الطبقتين المتوسطة والفقيرة، فأعلنت مناهضتها الوجود الفلسطيني المسلح الذي كان يهدد بالنسبة إليها وحدة لبنان وسلامة أراضيه. فجرَت تعبئة مئات الشباب الذين تدربوا على
استخدام السلاح في المخيمات شبه العسكرية، تحسبًا لنزاع محتمل ما لبث أن أصبح داهمًا عقب المواجهات
بين الجيش اللبناني وفدائيي المخيمات الفلسطينية سنة.1973 خلال الأحداث التي شهدتها سنتا 1975 و 1976، اندلعت مواجهات مسلحة بين مقاتلي اليمين المسيحي (الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار) ومقاتلي اليسار (الحزب السوري القومي والحزب الشيوعي اللبناني) في أنطلياس والمناطق المجاورة، ومنها جل الديب والضبية، فكانت معارك كانون الأول/ديسمبر 1975 وكانون الثاني/يناير 1976 معارك حاسمة أدت إلى هزيمة مقاتلي الأحزاب اليسارية وإلى طردهم من
المنطقة. فتحوَّل مجتمع أنطلياس والمنطقة المحيطة، وقد أ فرغ من مناصري اليسار، إلى مجتمع مسلح أكثر
تجانسًا من الناحية السياسية، وهيمنت فيه صورة المقاتل المسيحي، المستعد للموت على الجبهة دفاعًا عن
قضيته الدينية ولمحاربة «العملاء الخونة» أو «أعداء الداخل».. في هذا السياق، أنشئت فرق المسعفين في الفرع المحلي للصليب الأحمر اللبناني.
اللجنة المحلية للصليب الأحمر في مواجهة الطوارئ
أُسس فرع أنطلياس النقاش سنة 1969 للعمل ضمن منطقة المتن الشمالي. وشأنه شأن الفروع المناطقية
الأخرى التابعة للصليب الأحمر، لم يكن مستعدًا لمواجهة الحرب الأهلية. أمّا لجنته، فتألفت من 17 رجلً
وسيدة من المتطوعين، منحدرين في معظمهم من عائلات المنطقة الأصلية، وكان عليها التكيف سريعًا مع
(29) Kassir, pp. 69-92.
ربيع 2015
منطق الحرب الدائرة، فتوسع دائرة أنشطتها التي اقتصرت حتى تلك الفترة على المعاينات الطبية وتوزيع
الدواء والمساعدة الاجتماعية، لتشمل وظائف كانت منوطة بالمركز الرئيسي للصليب الأحمر في بيروت،
ومنها الإسعافات الأولية لمصابي الحرب والمهجرين، وحملات التبرع بالدم، وتوزيع الدواء والغذاء..
وقد أوجبت تلك الصلاحيات الجديدة إعادة هيكلة تأخذ الظروف الجديدة في عين الاعتبار.
تفكك اللجنة والتغييرات الهيكلية الأولى
امتحنت الأحداث الأولى للحرب الأهلية اللجنة المحلية للصليب الأحمر وغيّت تركيبتها؛ فحين تبين
لبعض أفرادها المقربين من أحزاب اليمين، ولا سيما منها حزب الكتائب، أنهم غير قادرين على الالتزام
بمبادئ المنظمة، قرروا الانسحاب من اللجنة، وانخرط بعضهم في صفوف الأحزاب المذكورة. هنا تجدر
الإشارة إلى أن اللجنة شكلت أيضًا ملاذًا للأفراد المتعاطفين مع أحزاب اليسار، ومنها الحزب السوري
القومي. وأدى انسحاب تلك الأعداد من اللجنة إلى هيمنة العنصر النسائي عليها، فوجدت نفسها
مبتورة وقد هجرها قسم من أعضائها، فلم تكن مستعدة للتعامل مع المواجهات المسلحة الدائرة في
منطقتها ابتداء من كانون الأول/ديسمبر.1975 نظرًا إلى حالة الطوارئ التي عمّت البلاد منذ نيسان/أبريل 1975، بدأ مسعفون من القطاع البرتقالي،
ملحقون بالمركز الرئيسي للصليب الأحمر اللبناني، بتأمين حضور في فرع أنطلياس النقاش، القريب من
مكان سكنهم. لكن عدم تكليفهم مهمات إسعاف كان مسعفو بيروت قد احتكروها لقربهم من مناطق
القتال، شتتهم قبل بدء المعارك في منطقة أنطلياس.
الامتحان الأول: سقوط حارة الغوارنة
ظلت أنطلياس والمنطقة المحيطة بها، لغاية كانون الأول/ديسمبر 1975، بمنأى عن المواجهات المسلحة
التي اندلعت في 13 نيسان/أبريل من السنة نفسها. غير أن الأحداث تسارعت في إثر السبت الأسود*
في 6 كانون الأول/ديسمبر، عندما عثر مقاتلو الكتائب على جثث ٤ من رفاق السلاح، وهو ما زاد في
تفاقم الوضع وإشعاله. كما هاجم عناصر الكتائب في 11 كانون الأول/ديسمبر حارة الغوارنة، وهو
واحد من أحياء انطلياس يضم خليطًا من السكان (من اللبنانيين الأرثوذكس والشيعة والفلسطينيين)،
مقربًا من الحزب الشيوعي اللبناني وحركة فتح الفلسطينية، فاستهلوا دائرة من العنف ما لبثت أن عصفت
بمناطق عدة من المتن الشمالي. أدى سقوط حارة الغوارنة إلى فرار سكانها، فلجأ قرابة ٠٧ شخصًا، وكلهم من العجزة والنساء والأطفال،
إلى الصليب الأحمر اللبناني طلبًا للحماية. ومن بين أعضاء اللجنة ال ٧١، أبدت ٤ سيدات لا غير رغبتهن في
(((3 مقابلة مع ل. ت. رئيسة اللجنة.
(((3 كانت فرق الإسعاف الناشطة موزعة جغرافيًا بحسب تقسيم مناطقي، فكان القطاع البرتقالي يشير إلى منطقة أنطلياس.
(((3 مقابلة مع ج. ك. من المسعفين في سنة.1975 عناصرها.
(33) Kassir, p. 135.
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
مساعدة المهجرين القسريين؛ فاصطدمن بعدائية المقاتلين وحفيظة السكان المحليين، الأمر الذي أدى إلى
نقل لاجئي حارة الغوارنة من مركز الصليب الأحمر إلى القاعة الكبرى لكنيسة مار الياس الجديدة، حيث
لجأت معهم سيدات الصليب الأحمر خشية التعرض للتصفية الجسدية؛ فالمقاتلون كانوا يعترضون
مواد الإسعاف ويرمونها في النهر. أمّا سكان الحي الذين طُلب منهم المساعدة في عمليات الإسعاف،
ومنها على سبيل المثال تسخين زجاجات الحليب للأطفال، فكانوا يرفضون القيام بذلك. مع ذلك، قامت السيدات، بمساعدة من رهبان دير مار الياس، بتأمين مركز للتجمع ولتقديم المواد
الغذائية وتوفير الإسعافات الأولية للمهجرين، وكذلك لإجلائهم. بالإضافة إلى ذلك، جندن فريقًا طبيًا
لإسعاف الرجال الذين كان مقاتلو الكتائب يأسرونهم ويعتقلونهم داخل مستودع مبرّد في مكان غير بعيد
عن الكنيسة. وكان المقاتلون قد خلعوا باب المستودع لتعذيب الأسرى، وأوقعوا بهم إصابات. كشف سقوط حارة الغوارنة عن هشاشة لجنة الصليب الأحمر المجردة من قسم من أعضائها، وعجزها
عن مواجهة الظروف السياسية العسكرية الجديدة، وفضح الدور غير المكتمل لأعضاء اللجنة في النزاع
وللمسعفين في مرحلة لاحقة. فالصليب الأحمر يوفر المساعدة من دون تمييز على أساس الدِّين أو الجنسية
أو الانتماء السياسي، وغالبًا ما يرغمه وقوفه على مسافة واحدة من جميع المتقاتلين ومن المدنيين، على العمل
في جو من الريبة، بل في جو من العدائية. هذا الموقف كانت إيديث فورتيي (E. Fortier) قد وصفته على
النحو التالي: «يقف العمل الإنساني عند حدود عالمين، العالم المدني الذي يعيش النزاع، وذاك الغريب عن
النزاع، المنفصل عنه، بحكم مبادئ الحياد والاستقلالية».
دورات تدريبية في الإسعاف لتأمين الدعم
خلال كانون الأول/ ديسمبر 1975، ساهم وصول بعض الأعضاء الأكفياء التابعين للصليب الأحمر
المركزي ولفروع بيروت القريبة من خط التماس (وكانت الظروف الأمنية قد حالت دون التحاقهم
بمراكز عملهم في العاصمة) في انتشال اللجنة من الأزمة التي غرقت فيها، فقدّم هؤلاء الأشخاص الدعم
بالإضافة إلى مهارات كُيّفت مع الظروف الجديدة، فساهموا في تطوير أنشطة المستوصف، وأطلقوا أنشطة
الإسعافات الأولية. أما دورة الإسعاف الأولى التي نُظمت خارج المركز الرئيسي للصليب الأحمر، فكانت في كنيسة مار الياس
الجديدة في أواخر كانون الأول/ديسمبر 1975، وكان إعلان الدورة قد جرى عبر مكبّ الصوت في
منطقة أنطلياس، فجذب أكثر من ٠٠١ شاب وشابة. ويُعزى ك بَ عدد المتطوعين إلى رغبة في تعلم كيفية
التصرف في حالة القصف، أو كيفية المشاركة في الأحداث.
(((3 مقابلة مع ر. م. من أعضاء اللجنة.
(((3 مقابلة مع د. ت. من أعضاء اللجنة.
(((3 مقابلة مع ه. ه. المدرب المحلي على الإسعاف.
(37) Edith Fortier, «La Mort du Civil dans les conflits modernes: quel rôle pour l’action humanitaire? Vers une définition d’un espace civil et de sa relation à l’action humanitaire,» sous la direction de Valérie Gorin et Edith Kolo-Favoreu (Mémoire de MAS en Action Humanitaire, Centre d’enseignement et de recherche en action humanitaire, Genève, Juin 2011), p. 55.
ربيع 2015
في 11 كانون الثاني/يناير 1976، توقف التدريب بسبب مواجهات مخيم الضبية الفلسطيني المتاخم لمنطقة النقاش، فوُضع الصليب الأحمر في حالة تأهب لكنه لم يتدخل إلا في حالات قليلة. في الواقع،
وبحسب تقرير عن أحداث مخيم الضبية، واجهت فرَق الصليب الأحمر صعوبة في بلوغ أماكن القتال.
مع ذلك، ذكر التقرير حالة واحدة لنقل جريح في حال الخطر. لم يدخل الصليب الأحمر المخيم إلا في نهاية المعركة. ولم يوضح التقرير هوية المشاركين في مهمة الإسعاف، لكن لم يكن المسعفون المتدربون من بينهم؛ فأعضاء اللجنة، ومعهم سائق سيارة الإسعاف، هم الذين أمّنوا عمليات الإسعاف. في 20 و 22 و 23 كانون الثاني/يناير 1976، أدى وصول المهجرين قسرًا من الدامور وتجمعهم في
مراكز في منطقة المتن، إلى إشراك الشباب الخاضعين للتدرب على الإسعاف، في قلب العمليات من دون التحضير الكافي، فنفذوا مهماتهم الأولى قبل الحصول على شهادة الإسعاف. وتمثّلت المهمات المذكورة في
استقبال العائلات التي هربت من الدامور والجية والسعديات، ومساعدتها منذ وصولها إلى مرفأ الكسليك، وفي تأمين إقامتها ضمن مراكز الاستقبال (الأديرة والمدارس والفنادق)، الكائنة في جبال المتن، وتزويدها بالأغطية واللباس والطعام. ويكشف «حمام النار الأول» ذاك عن واحد من الجوانب المتعددة للعمل الإنساني الذي دُعي المسعفون المتطوعون إلى تنفيذه بين سنتي 1975 و.1976 أدت حالة الطوارئ التي رافقت اندلاع المواجهات في المتن إلى بروز حاجة ملحة إلى زيادة أعداد المتطوعين. وقد فرضت جبهة المتن الأعلى ومعارك النبعة ومخيم تل الزعتر إنشاء مراكز إسعاف متقدم، وكذلك إطلاق عمليات مساعدة الأسرى والمهجرين قسرًا. في نيسان/أبريل 1976، نُظمت دورة مكثفة
للتدريب على الإسعاف لزيادة أعداد المتطوعين، وفي إثر ذلك، التحقت مجموعة من الشباب، من سكان الرابية، بمستوصف الصليب الأحمر. تلقّى المسعفون خلال دورات التدريب المختلفة دروسًا في تقديم الإسعافات الأولية، وتعرفوا إلى تاريخ
تأسيس هنري دونان الصليب الأحمر والعِبَ المستخلصة من معركة سولفيرينو ومبادئ الصليب الأحمر
السبعة، وهي الإنسانية وعدم التحيز والحياد والاستقلال والخدمة الطوعية والوحدة والعالمية، وقرارات اتفاقيات جنيف (1949)، فاستحالت تعليمات الصليب الأحمر المسالمة إلى قواعد سلوك
تتعارض مع عقيدة المتقاتلين من الانتماءات كافة؛ فمتطوعو الصليب الأحمر وف رَق الإسعاف الذين
التزموا مراعاة قواعد السلوك المذكورة، وجدوا أنفسهم بعد أن انخرطوا في صُ لب العمل الإنساني، في
موقف حرج بالنسبة إلى الواقع الذي فرضته الحرب الأهلية. تاليًا، وإدراكًا لهذا الوضع، قام مسؤولو
اللجنة المحلية للصليب الأحمر بتنظيم حملات توعية للرأي العام المحلي (من مدنيين ومقاتلين)...
على مبادئ الصليب الأحمر وأنشطته. مع ذلك، لم تُرز تلك الحملات سوى فعالية محدودة.
(38) Kassir, p. 156.
(((3 تقرير أنشطة الصليب الأحمر، فرع أنطلياس النقاش.)1976-1975(
(40) Kassir, pp. 156-157.
(((4 تقرير أنشطة الصليب الأحمر، فرع أنطلياس النقاش.)1976-1975(
(42) <http://www.ifrc.org/fr/vision-et-mission/vision-etmission/les-7-principes---les-7-principes> (Accessed 30/7/2014).
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
تعبئة شباب الضواحي في صفوف الصليب الأحمر، أو القراءات المختلفة للواقع نفسه
إن الذين تلقوا التدريب خلال الدورات التدريبية المختلفة على الإسعافات الأولية، لم يلتحقوا جميعهم
بفرق المسعفين. في الواقع، أتاحت دورتا التدريب الكامل والمكثف اللتان نُظمتا في كنيسة مار الياس
الجديدة في كانون الأول/ديسمبر 1975 ونيسان/أبريل 1976 الفرصة لمئة وعشرين شخصًا للحصول
على شهادة الإسعاف؛ فالصليب الأحمر لم يتخذ موقفًا من النزاع الدائر، لا بل التزم السلمية، فلم
يرُق الأمر قسمً كبيرًا من شباب المنطقة المسيحي المقرب من الأحزاب السياسية، وهو ما حال دون
التحاقه بالهيئة. في هذا الجو من التعبئة السياسية، التحق حوالى خمسين شابًا ب فرق الإسعاف التابعة لفرعِ
أنطلياس النقاش. أما السؤال المطروح فهو: ما الذي دفع بهؤلاء إلى التطوع في العمل الإنساني وإلى العطاء
والتضحية من دون أي مقابل، ولا سيما من حيث تحقيق المجد والانتصار وكسب الامتنان، على غرار
نظرائهم من المقاتلين؟ بعبارة أخرى، ما هي النيات التي حثّتهم على اتباع نهج هنري دونان الذي اعتبر أن
«الغاية الأساسية للعمل الإنساني هي تخفيف آلام الإنسان في الحياد، من دون المشاركة في النزاع السياسي
مصدر تلك الآلام»؟
هوية المسعفين
انتمى معظم من تطوعوا في فِرَق المسعفين بين سنتي 1975 و 1976 إلى الطبقتين المتوسطة والميسورة في
المنطقة، فيما انعدم وجود الشباب من الطبقات الدنيا، الأمر الذي ميَّز المتطوعين من المقاتلين. لقد انحدروا
في معظمهم من العائلات العريقة في المنطقة، أو من العائلات الميسورة التي لم يمض على استقرارها في
المنطقة وقت طويل، أو حتى من عائلات أجنبية الأصل أو عائلات ميسورة لجأت إلى المنطقة. وتمثّل
هوياتهم الاجتماعية عيّنات من النسيج الاجتماعي في منطقة أنطلياس بين سنتي 1975 و 1976. تاليًا،
فإن أسباب التزامهم متجذرة تجذرًا عميقًا في الأوساط التي أتوا منها. أمّا المسعفون ال ٧١ السابقون الذين خضعوا للاستجواب (٧ رجال و 10 نساء)، فبلغ متوسط سنّهم 20
سنة في سنة 1975 (كان أكبرهم سنًّا في السابعة والعشرين، فيما أصغرهم في السادسة عشرة). وكان ٢١
مسعفًا منهم يتابعون تحصيلهم المدرسي أو الجامعي، فيما أدى ٤ آخرون وظائف مختلفة. كانوا يسكنون في
قُطر أقصاه ٥ كلم عن مركز الصليب الأحمر، فتوزعت أماكن سكنهم بشكل خاص على أنطلياس وحارة
الغوارنة والنقاش والضبية والرابية. كانوا كلهم مسيحيين (من الموارنة، الروم الكاثوليك والأرثوذكس،
السوريين الكاثوليك)... تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن عددًا كبيرًا منهم كان له أ مٌّ أو أب أجنبي
((4(يوضح التقرير المكتوب في تلك الفترة أن 40 شخصًا نالوا شهادة الدورة الكاملة في كانون الأول/ديسمبر 1975 و 80 آخرين نالوها
للدورة المكثفة في نيسان/أبريل 1976. تبيِّن الأرقام المتزايدة أن الاحتساب تقريبي، لكنها تشير إلى حجم المجموعات التي شُكِّلت.
(44) Marie-Thérèse Neuilly, « L’Acteur humanitaire, un professionnel, un militant, un impliqué?,» Esprit Critique: Revue internationale de sociologie et de sciences sociales , vol. 9, no. 1 (Printemps 2007), p. 4, sur le Web: <http://www. espritcritique.fr/dossiers/article.asp?t03code=49&varticle=esp0901article08&vrep=0901>.
(((4 لم تكن فرق الإسعاف تضم أي مسلم بين سنتي 1975 و 1976، غير أن الجماعات المسيحية فيها أكبر من تلك الممثَّلة في
العينة (الأرمن الأرثوذكس، الروم الأرثوذكس، اللاتين)..
ربيع 2015
حاصل على الجنسية اللبنانية. كان ٠١ من بينهم إخوة أو أخوات، أو على الأقل لهم أخ أو أخت أو جار
مسعف. وكانت تربط البعض منهم بأعضاء اللجنة علاقة قرب، وهو ما يفسر في معظم الحالات الانضمام
العائلي إلى صفوف الصليب الأحمر.
أسباب الالتزام بالصليب الأحمر
بحسب بعض المسؤولين في الصليب الأحمر اللبناني، يعود التحاق الشباب بف رَق المسعفين إلى عدد من
الاستراتيجيات التي وضعتها العائلات لحماية أبنائها من الأحزاب السياسية. ويصح هذا التحليل للوقائع
على المراحل المتقدمة من النزاع اللبناني أكثر منه على الفترة موضوع الدراسة؛ فالحرب كانت بين سنتي
1975 و 1976 ظاهرة جديدة لم تتبين بعدُ عواقبها المعنوية والمادية والجسدية. أضف إلى ذلك أن تحك م
الأحزاب السياسية في عنصر الشباب كان ضعيفًا نسبيًا في تلك المرحلة، مقارنة بما سيصبح عليه لاحقًا في
المناطق الشرقية. تاليًا يمكن القول إن الالتزام بالصليب الأحمر اللبناني لم يكن بالقرار المتبصر الرزين، خلافًا للانخراط في
صفوف الأحزاب السياسية المرتكز على تعبئة سابقة أو على قناعات أيديولوجية عميقة إلى حد ما. هذا
علاوة على أن التزام الصليبَ الأحمر في تلك المرحلة لم يقُم على التزام مبادئ المنظمة العالمية بلا شروط؛
فحتى لو أدرك الرأي العام دعوة المساعدة الإنسانية، فإنه غفل عن مبادئها والدور الذي تؤديه في النزاعات
المسلحة. بالتالي، تعددت أسباب القيام بالتزام الصليب الأحمر التي ذكرها المسعفون المستجوبون، وهي
رهن البيئة الاجتماعية وظروف أخرى كثيرة. مع ذلك، فهي تتجلى أوضح لدى المسعفين الأكبر سنًا في تلك الفترة، منها لدى الأصغر. في حين شددت
النساء على حاجة دفعت بهن إلى التدخل والمساعدة والالتزام بقضية إنسانية، فقد أضاف الرجال إلى
السبب المذكور، مناهضتهم الأحزاب السياسية أو حمل السلاح.
التزام القيام بعمل..
تُعَدّ الصدفة ومعها البطالة والجهوزية للعمل الناتجان من إقفال المدارس والجامعات وتوقف الأعمال، من
الأسباب التي ذكرها جميع المسعفين موضوع الدراسة: «لقد أصبحتُ مسعفة بمحض الصدفة. فالتحقت بالصليب الأحمر عندما تمت تعبئتنا لاستقبال مهجَّري
الدامور في مرفأ جونية. كتلة بشرية مكدسة على متن فرقاطة للجيش اللبناني في ظروف جسدية ومعنوية مهينة
لدى وصولها إلى مرفأ جونيه ومراكز الاستقبال؛ مشهد هز كياني» (ر.ك. مسعفة بين سنتي 1975 و.)1978 «كانت المدرسة مقفلة. عرفت من جارة لي أن دورة تدريبية على الإسعافات يجري تنظيمها في أنطلياس،
وعرضتْ عليّ مرافقتها..» (أ.ت. مسعفة بين سنتي 1975 و.)1979 «لقد أعلنوا عبر مكبِّ الصوت حاجة الصليب الأحمر إلى متطوعين. كانت المدرسة مقفلة فالتحقت
بالمركز. لم تكن لدي النية أن أصبح مسعفة. لم أكن أعرف شيئًا عن الأمر» (ج. س. مسعفة بين سنتي
1975 و.)1981
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
من الأسباب المذكورة أيضًا الرغبة في مساعدة الآخرين: «أردت خدمة الآخرين، خدمة الناس كافة. إنه عمل إنساني!» (ت.ج. مسعف بين سنتي 1975 و 1981) «أردت تقديم الخدمة ولم أعرف كيف» (ج. أ. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1982 ذكر بعض المسعفين أسبابًا أكثر نفعية، ومنها التماس الأمان في بيئة مشوبة بالخطر والعدائية؛ فبالنسبة
إليهم، شكّل الصليب الأحمر مكانًا يمكن الاحتماء فيه من الأحزاب السياسية ومن القصف والقذائف: «لقد كان الصليب الأحمر مكانًا آمنًا وبعيدًا عن السياسة السائدة». (أ.ب.ه. من المسعفين بين سنتي
1975 و.)1978 «لقد أراد والداي أن تتفرق العائلة في خلال عمليات القصف. فمنور السلالم في المنزل الذي كان بمثابة
ملجأ كان ضيّقًا وغير آمن. في مركز الصليب الأحمر، كنا نحتمي في مكان سفلي..» (م.ي. من المسعفين
بين سنتي 1975 و.)1983
- الالتزام والبيئة الاجتماعية
ذكر المسعفون أيضًا أسبابًا أعمق للالتزام لا بد من ربطها بالبيئة الاجتماعية، توصل إلى تحليلها
بشكل أفضل. في صفوف الطبقة المتوسطة، لم يكن الالتزام منفصل عن الهوية المسيحية المهدَّدة، كما برزت في أشهر
الحرب الأولى، ولم يكن بالتالي منفصل عن محاربة المشروع الفلسطيني في لبنان. وبحسب معظم المسعفين المنحدرين من الطبقة المذكورة، فإنهم التزموا الأفكار التي هيمنت على الفترة الأولى من الحرب، وفكرة لبنان المسيحي، والخطر الذي كان يهدد المسيحيين ومعارضة القضية الفلسطينية. غير أنهم لم يرجعوا إلى أي حزب سياسي أو عقيدة محددة. «كنتُ ضد الفلسطينيين، وأطمح إلى لبنان مسيحي. مع ذلك، لم أنحز إلى أي طرف. انخرطت في صفوف
الصليب الأحمر حيث التزمت بعمق» (ج. أ. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1982 «كنت أخشى طرد المسيحيين من لبنان، كما كنت أخشى مناصري الحزب القومي السوري. لقد وقعتُ تحت تأثير وسائل الإعلام لأنني لم أكن أهتم بالسياسة» (ر.ك. من المسعفين بين سنتي
1975 و.)1978 «كنتُ ضد هيمنة الفلسطينيين في يوم من الأيام على البلاد وتحويلها إلى جسر عبور إلى فلسطين..» (ن.أ.
من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1976 بالنسبة إلى البعض، يُعَدّ التزام العمل في الصليب الأحمر خيارًا من بين خيارات أخرى أتيحت لهم، وكان
من الممكن أن يحملوا السلاح لو أن الفرصة سنحت لهم: «كان بإمكاني القتال» (ج. أ. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1982
ربيع 2015
يُقر بعض مسعفي الطبقة نفسها أنهم «على غرار سكان أنطلياس»، أبدوا تعاطفًا شديدًا مع حزب الكتائب،
تعاطفًا لم يعبّوا عنه يومًا في الصليب الأحمر. «كنا نميل إلى حزب الكتائب، لكننا تلقينا تعليمات بالامتناع عن إبداء تعاطفنا، والتظاهر بالحياد. وهذا ما قمنا به» (م.ي. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1983 «لقد تأثرنا شديد التأثر بالكتائب. لكننا فضّلنا البقاء على الحياد» (أ.ب.ه. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1978 «اليوم نحمد الله على أننا لم ننخرط في صفوف الأحزاب السياسية، مع ذلك، تعاطفنا في تلك الفترة مع الكتائب والمسيحيين..» (م. ي. من المسعفين من سنة 1975 إلى تاريخ غير محدد.) لقد تجلى الدعم الضمني للكتائب بشكل خاص بين المسعفين المنحدرين من عائلات تجار أنطلياس التي كانت الميليشيا تضمن لهم حسن سير أعمالهم وحماية أرزاقهم وممتلكاتهم. «بعد سقوط حارة الغوارنة، اكتشف المقاتلون خرائط توزُّع ممتلكات المسيحيين على السكان الشيعة. لقد
امتلك والدي، وكان تاجرًا من تجار ساحة أنطلياس، ثلاثة مبان ومنزل شكلت جزءًا من الممتلكات
المشمولة بالتوزيع. لقد ساعدهم الشيوعيون في هذا الأمر. نحن نكرههم جميعًا..» (م. ي. من المسعفين
بين سنتي 1975 و.)1983 في الطبقات الميسورة، ولدى الأعيان التقليديين المحليين، تصبح الهوية المذكورة مبهمة، وتحل محلها مبادئ مسيحية، ومنها محبة القريب أيًا يكن أصله أو حتى التسامح.. «لقد هزني ما كان يحدث. استفزني العنف والتسلح. التحقتُ بالصليب الأحمر لأسباب إنسانية تقوم
على قناعات دينية (فكرة المخلص) ووطنية (محبة الوطن)» (م. م. من المسعفين بين سنتي 1976 و.)1977 «نظرًا إلى صغر سني، التزمت الأفكار المسيحية التي تلقيتها من والدي وهي التي تقوم على محبة القريب
ورفض العنف ضد الغير، لا سيما الدرزي والمسلم» (أ. ت. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1979 عزا مسعفون آخرون ينتمون إلى الطبقة نفسها سبب التزامهم إلى أسباب سياسية؛ فمنهم من كان متعاطفًا مع القضية الفلسطينية، ولم يتمكن من الانتقال إلى الشطر الغربي للعاصمة حيث الأيديولوجيا السائدة أكثر تطابقًا مع قناعاتهم. «كنت أتعاطف مع الفلسطينيين. وقد انتقل أصدقائي الذين كانوا هم أيضًا مع القضية الفلسطينية إلى الشطر الغربي للعاصمة. كنت الوحيدة ضمن مجموعتي التي بقيت في بيروت الشرقية ولم أشأ البقاء عاطلة عن العمل..» (م. ب. من المسعفين بين سنتي 1976 و.)1982
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
أبدى المسعفون المنحدرون من عائلات الأعيان أو من العائلات المتحالفة عداءهم الشديد للأحزاب
السياسية المسيحية وللأيديولوجيا التي تنادي بها؛ فعائلاتهم المتأثرة بتيارات اليسار كانت أول من تحمّلت
عواقب تطرّف اليمين المسيحي. في الواقع، اعتبُر بعض من أفرادها المنتمين إلى الحزب القومي السوري
أو الحزب الشيوعي اللبناني «خونة» وط ردوا من المنطقة في إثر المواجهات المسلحة. أما منازلهم، فتعرضت
للنهب، وخضع المقربون منهم لشتى أنواع الإذلال، فكانت تلك المضايقات التي أنذرت بانقلاب النظام
الاجتماعي المحلي، إذ استُبدلت القوة الاقتصادية بقوة السلاح، لتزعج عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين
اختاروا أن يتركوا المنطقة أو امتنعوا عن التدخل المباشر في النزاع. «لقد التحقتُ بصفوف الصليب الأحمر هربًا من الانخراط في الأحزاب السياسية؛ فقد أتاح لي العمل
الإنساني أن أُبعد عني مقاتلي الكتائب الذين أرادوا إرغامي على الالتحاق بصفوفهم» (ج. ت.
من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1977 «أنا مناهض للسلاح والعنف. لم أقتل عصفورًا في حياتي. أحترم الجيش اللبناني وأبغض الأحزاب
السياسية. لو كان الصليب الأحمر جزءًا من حزب سياسي لما كنت التحقت به يومًا» (ر.ك. من المسعفين
بين سنتي 1975 و.)1978 أيًا تكن الأسباب وراء التزام الشباب في سنة 1975 أو سنة 1976، سواء ارتبطت ببيئتهم الأصلية
(من الأعيان التقليديين المحليين، السكان القدامى والمقيمين اللبنانيين أو الأجانب)، أو بطبقتهم الاجتماعية
(ميسورة أو متوسطة)، أو بمستواهم العلمي أو خياراتهم السياسية و/أو الدينية، فقد اضطُروا عندما
أصبحوا مسعفين إلى اعتناق مبادئ الصليب الأحمر وتطبيقها، الأمر الذي لم يكن سهلً في غالب الأحيان.
تنظيم فرق المسعفين وأنشطتهم
تبيّ لمسعفي الصليب الأحمر، فرع أنطلياس النقاش، إذ واجهوا حالة الطوارئ التي فرضتها الحرب
الأهلية، ضرورة تلبية احتياجات المدنيين المتعددة: السكان المدنيون، المقاتلون، المهجرون القسريون عن
مناطق بيروت الشرقية أو الغربية، أو الهاربون من المعارك. وتطلبت الأنشطة الموضوعة في هذا الإطار
قدرًا من التنظيم.
تنظيم فرق المسعفين
أدى الانزلاق السريع في الحرب إلى تعدد حاجات المساعدات الإنسانية وتنوعها؛ فالمسعفون المتدربون،
إذ رأوا أنفسهم في خضم العمل الإنساني بين ليلة وضحاها، دربهم ٣ مدربين سابقين في الصليب الأحمر
المركزي كانوا قد تلقوا تدريبهم قبل الحرب. أمّا مهمة هؤلاء الذين أ طلقت عليهم تسمية «رؤساء
القطاع»، فاقتصرت على تنظيم سريع لساعات المناوبة في مركز الصليب الأحمر كما في مراكز الإسعاف
القريبة من الجبهة. وبالنسبة إلى تناوب الحضور، فكان رهن توافر المسعفين والعوائق العائلية، فضل عن
ارتباط وجود المسعفين في الصليب الأحمر الذي تكثف خلال فترات القصف، بإقفال المدارس والجامعات
والمؤسسات؛ كما بالقيود التي فرضها الأهالي من حيث رفض اختلاط الشابات بالشبان خلال ساعات
ربيع 2015
الليل، وهو ما يشير إلى سيادة قواعد المجتمع الذكوري على الرغم من الظروف الراهنة. أما المحظورات
التي شملت الشبان والشابات على حد سواء، فتمثّلت بشكل خاص في خطورة مراكز الإسعاف. في أثناء فترة زمنية تخطت ال ٨ أشهر، انخرط مسعفو فرع أنطلياس النقّاش في مجمل أنشطة المستوصف
ومراكز الإسعاف، فتجمعوا وتدخلوا وفقًا لميولهم ومصالحهم، ولكن أيضًا انطلاقًا من أسباب التزامهم
المهمات الواجب تأديتها. وكشفت أهمية الحاجات التي أوجبت تدخّل الصليب الأحمر عن تدريب غير
كافٍ تلقّاه المتطوعون، فرأى المسعفون أنفسهم مرغمين على تأدية دور الممرض والصيدلي والعامل
الاجتماعي وحتى الحمّل. لم يبدأ التنظيم الرسمي للمسعفين ضمن فِرق إلا في نهاية تموز/يوليو 1976، فتألف مجلس مؤقت يضم
مسؤول قطاع محافظة جبل لبنان، ورؤساء قطاع المناطق الشرقية، لإعادة تنظيم ف رَق المسعفين الناشطة
«على أساس اللامركزية». وقد شك ل تأليف المجلس المؤقت وتدخّله المباشر في القطاعات محاولة أولى
لإعادة الهيكلة. أما المحاولات اللاحقة، فقصرت الأنشطة بنشاط الإسعاف وحده، مستبعدة أي تدخل على المستوى الاجتماعي وفرضت تطبيق نظام أكثر صرامة.
الأنشطة وعلاقتها بالمحيط
كان المسعفون يقومون خلال ساعات المناوبة بإجلاء الجرحى ونقل المرضى أو وحدات الدم، كما يؤمّنون
الحضور في مراكز الإسعاف، ويعلمون قواعد الإسعاف، ويشاركون في أنشطة المستوصف: استقبال
المرضى، مساعدة الممرضات والأطباء، توزيع الأدوية، تضميد الجراح، فرز الأدوية والملابس. وقد شارك
المسعفون في حملات التبرع بالدم والتلقيح، وكان لهم دور في العيادات الجوالة ضمن مراكز المهجرين،
واهتموا بتوفير الرعاية وإيصالها إلى المنازل وبالعمل الاجتماعي. بالنسبة إلى عدد كبير من المسعفين،
شكلت الأنشطة المذكورة عبورًا مفاجئًا إلى الواقع بشكله الأعنف: «كان كل شيء من حولي كاملً. كل شيء كان نظيفًا. لم أكن أعرف الألم إلا من خلال الأفلام التلفزيونية.
واجهت الخوف والفقر والدم والبؤس والجوع، وواجهت أيضًا أشخاصًا أتوا يطلبون المساعدة بتواضع
أو غطرسة. وكان عليّ تلبية الحاجات بحياد تام، فبدأت اكتشف عالم الكبار» (م. م. مسعفة بين سنتي
1976 و.)1977 في ما يلي، عرض للأنشطة التي وضعت المسعفين في مواجهة البيئة السياسية والميليشيوية.
الصليب الأحمر شعار يصِم بالعار
تميز أعضاء الصليب الأحمر ضمن عالم البزات العسكرية بارتداء ظهائر باللون الأبيض حيكت عليها صلبان حمر، وذلك خلال المهمات فقط. فكانت تلك الملابس تبُرز حيادهم في النزاع، وتؤمّن لهم الحماية
(((4 مقابلة مع ر. ك. من المسعفين بين سنتي 1975 و.1978
(((4 تقرير الاجتماع في 1976/7/26 الذي دونه س. س.، رئيس المنطقة.
(((4 تقرير عن أنشطة الصليب الأحمر فرع أنطلياس.)1976-1975(
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
وتمنحهم شيئًا من السلطة. لكن الحياد الذي التزمه أعضاء الصليب الأحمر، ضمن بيئة مزقتها الحرب
الأهلية العنيفة، وصمهم بالعار، فاعتبرهم الكثيرون «متعاونين» مع «العدو». مع ذلك، تجدر الإشارة
إلى أن شعارات الصليب الأحمر استخدمتها الدوائر الصحية للأحزاب السياسية، وهو ما أرغم المسؤولين
الاقليميين في الإسعاف على تعديلها حفاظًا على خصوصية المنظمة ودورها.
- مخاطر الحياد
كان للحياد الذي التزمه الصليب الأحمر اللبناني علنًا في خضم النزاع الدائر أن عرّض مركزه وموظفيه
والمتطوعين فيه للانتقادات وحملات التحقير، كما جرى لأنشطة فرع أنطلياس النقّاش في مركز الصليب
الأحمر حيث المستوصف، الواقع على الطريق الرئيسية، على بُعد مئات الأمتار من ساحة البلدة. لقد كان
الوصول إلى المركز سهلً، فأتاح للمقاتلين المسلحين اقتحامه في أي وقت طلبًا للخدمات (من تضميد
للجراح وأدوية ومواد للإسعافات الأولية..). وكان القانون يفرض عليهم وضع السلاح عند الباب قبل
الدخول، تحت طائلة عدم الحصول على الخدمة المطلوبة، وهو ما أضفى صفة الحياد على المكان. لكن ذلك
لم يحُل دون أن يعمد بعض المشاكسين الذين حُجبت عنهم خدمة ما، إلى التنكيد على المسعفين أو اعتراض
سيارات الإسعاف المنطلقة في إحدى المهمات على أحد الحواجز لفترة طويلة إلى حد ما: «خلال واحدة من المناوبات، أتى بعض المقاتلين يطلبون حمّالة، فواجهناهم بالرفض. في تلك الفترة، لم
يكن لدينا سوى القليل من التجهيزات! ردًّا على رفضنا، قاموا باحتجاز سيارة إسعاف كانت قد ذهبت
لإحضار وحدات من الدم من فرع الصليب الأحمر في جونية، حوالى ساعة من الوقت» (أ. ت. من
المسعفين بين سنتي 1975 و.)1979 وخلال حملات التبرع بالدم أو خلال جولات القصف، كان بعض الأشخاص المسجلين على لائحة
المتبرعين يرفض التبرع بالدم إلى الصليب الأحمر بحجة انه قد يرسله عند الحاجة إلى المناطق الغربية: «لما كانت فئة دمي - A، وهي فئة نادرة، كنت أتبرع بالكثير من الدم. وكنت أتعرض لانتقاد الجميع لأنني
لم أكن أعرف هوية المستفيد الذي قد يكون مسيحيًا، مسلمً، فلسطينيًا..» (أ. ب. ه. من المسعفين بين
سنتي 1975 و.)1978 كذلك الأمر بالنسبة إلى هبات الأدوية التي كانت الأحزاب السياسية تستلمها ولا تمررها إلى الصليب
الأحمر خوفًا من أن يوزعها على جميع المرضى من دون تمييز.
- الحياد المطروح للجدل
اكتشف المسعفون الذين تطوعوا في سنتي 1975 و 1976 مبادئ المنظمة خلال دورات التدريب وتآلفوا
معها. أما التزام المبادئ المذكورة وتطبيقها، فكان سهل بالنسبة إلى الأشخاص الذين سبق لهم أن التحقوا
بحركات معنية بخدمة الغير، ومنها الحركات الكشفية وحركات الشبيبة المسيحية والحركة الاجتماعية...
لكنه لم يكن على درجة السهولة نفسها بالنسبة إلى الأشخاص الذين تأثروا بالمناخ السياسي السائد.
(((4 تقرير الاجتماع بتاريخ 1976/7/29 الذي دونه س. س.، رئيس المنطقة.
ربيع 2015
بالنسبة إلى المسعفين، غالبًا ما كان التقيد بمبادئ الحياد خاضعًا للقناعات الفردية وللضغط الذي يمارسه
المحيط على الفرد. وقد تجلى بهامش من التصرفات تراوحت بين الالتزام والتظاهر. في الواقع، حتى لو كانت الغالبية قد أعلنت القبول بمبدأ الحياد وتطبيقه، فإن البعض اقر بأنه أسعف فلسطينيًا أو فلسطينيين
بشيء من الاشمئزاز، أو أعطى الأولوية للمسيحيين برفضه مساعدة المسلمين أو الفلسطينيين رفضًا قاطعًا، أو الذهاب بمهمة إلى مخيم الضبية. يمكن القول إن الحرص على عدم تجاوز مبدأ الحياد، إضافة إلى الأسباب الدافعة إلى الالتزام في الصليب الأحمر، وجّه خيار الأنشطة لدى كل فرد، وهو ما يسّ إلى هذا الحد أو ذاك قربًا من مقاتلي أحزاب
اليمين المسيحي. كانت الأنشطة التي تتطلب اتصال مباشرًا بالمقاتلين (التدريب على الإسعافات، تبادل الخدمات مع وحدات الإسعاف التابعة للأحزاب) ينفّذها الأشخاص المتعاطفون ضمنًا مع القضية المسيحية. بذلك كانوا يشاركون مشاركة غير معلنة في القضية المذكورة ويتآخون مع المقاتلين المنحدرين من الطبقة الاجتماعية نفسها. كان المسعفون الذين التزموا العمل الإنساني ومساعدة الغير بوحي من الإيمان المسيحي، أو الذين رفضوا الأيديولوجيا المسيحية التي وضعتها الأحزاب السياسية، يساعدون السكان المدنيين، بمن فيهم المسلمون والفلسطينيون، ويسعفون مقاتلي أحزاب اليسار، فكانوا يعودون إلى جوهر قيم الإيمان المسيحي مقترنًا أو غير مقترن برفض الحرب والانعزال الطائفي. بين هذين الخيارين المتطرفين، كان خيار المناوبة في مراكز الإسعاف الذي فرض اتصال شبه دائم مع المقاتلين. وكان لهذا القرب المفروض أن دفع بالأشخاص المهتمين بشكل خاص بإسعاف جرحى الحرب،
إلى التزام مسافة اجتماعية بالنسبة إلى المقاتلين، فشكّلوا في ما بينهم حلقات ضيقة نوعًا ما.
- العلاقات مع المقاتلين: من التعاون إلى النزاع
بدأ التعاون بين الأحزاب السياسية وفرع الصليب الأحمر المحلي مع اندلاع الحوادث الأولى في منطقة المتن، فخضع نظام التعاون وتبادل الخدمات، الذي تأسس وانطلق شيئًا فشيئًا، لعلاقات متناقضة. وقامت روابط وثيقة بين عاملي الوحدات الصحية للأحزاب السياسية، ولا سيما بين مستوصف الكتائب في الجديدة ومستوصف الصليب الأحمر، فرع أنطلياس النقّاش، فكان تبادل للأدوية ولوحدات الدم ونقل للجرحى في أحيان كثيرة. تجدر الإشارة إلى أن الكتائب كانوا يزودون الصليب الأحمر بالوقود (200 ليتر في الشهر).
(((5 مقابلة مع ر. ك. من المسعفين بين سنتي 1975 و.1978
(((5 مقابلة مع م. ي. من المسعفين سنة 1975 بتاريخ غير محدد.
(((5 مقابلة مع م. ي. من المسعفين بين سنتي 1975 و.1983
(((5 مقابلة مع ج.س. من المسعفين بين سنتي 1975 و.1981
(((5 مقابلة مع ج. س. من المسعفين بين سنتي 1975 و.1981
(((5 مقابلة مع ه. ه. مدربة محلية على الإسعافات.
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
كما ذكرنا أعلاه، أوجدت حالة الطوارئ التي فُرضت منذ نيسان/أبريل 1975، طلبًا متناميًا على التدريب
في مجال الإسعاف، وذلك لتعزيز أعداد الملتحقين بالصليب الأحمر في مرحلة أولى، ولتدريب السكان
والمقاتلين على الإسعافات الأولية في مرحلة ثانية، فنُظّمت بين حزيران/يونيو وتموز/يوليو 1976 دورة
تدريب للمرشدين، ضمّت مسعفين اختيروا من بين المتدربين في كانون الأول/ديسمبر 1975. وانصرف
المرشدون بعد ذلك، بتوجيهٍمن المدرب المحلي، إلى تقديم دورات تعليمية في مناطق مختلفة من المتن،
فنظموا، بمساعدة بعض المسعفين، صفوفًا في مراكز الصليب الأحمر كما في البلديات والمستوصفات وفي
مراكز اللجان الشعبية ومراكز حزب الكتائب. وكانت ندرة وسائل النقل إلى فرع أنطلياس النقّاش والنقص في مادة الوقود، يجبرانهم في كثير من
الأحيان على التنقل في الآليات العسكرية: «كانت الدروس تُعطى لمجموعات متمايزة. عندما كانت تُعطى لعناصر الكتائب كان هؤلاء يرسلون
آلياتهم العسكرية لنقلنا. في الطريق كان المقاتلون يتسلون بالغناء. أما مضمون الأغنيات المبتذل فكان
يصدمنا بما يشمله من إهانات وسباب بحق الفلسطينيين» (أ. ه. ب. مسعفة بين سنتي 1975 و.)1978 يتجلى اختلاف المسعفين عن المقاتلين بشكل أوضح ضمن مراكز الإسعاف حيث التعاون أوثق بين
المجموعتين: «لقد زاد اختلاطي بالمقاتلين ضمن مراكز الإسعاف. في رأيي لم تكن المبادئ التي اعتنقوها واضحة بقدر
كافٍ، علاوة على اختلاف المستوى الاجتماعي والتعليمي، ولكن أيضًا على مستوى التصرفات» (ن. أ.
من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1976 غير أن التباين في المصالح والمبادئ كان يؤدي إلى عواقب سلبية، لا بل إلى احتكاك. وكانت الشجارات
الأعنف تدور في مراكز الإسعاف. في آذار/ مارس 1976، أنشأ الصليب الأحمر مراكز الإسعاف الأولى في بكفيا ومن ثم في بلدة المروج،
وذلك لإجلاء الجرحى الذين سقطوا على جبهة الزعرور-عينطورة، فانطلق تعاون تدريجي على أساس
توزيع المهمات، فكانت سيارات الإسعاف التابعة للكتائب تجلي الجرحى من الجبهة إلى مركز إسعاف
الصليب الأحمر حيث يتلقون الإسعافات الأولية، قبل أن تنقلهم سيارات الإسعاف إلى المستشفيات،
على أن يرتبط اختيار المستشفى بخطورة الإصابة. وعندما اشتعلت جبهات المتن كافة في صيف 1976،
لم يتردد مسعفو الصليب الأحمر في ركوب سيارات الإسعاف التابعة للمقاتلين. غير أن هذا التعاون كان
في الوقت نفسه مصدر خلافات جرى توثيقها في تقارير المسعفين، وسببها وحدات الإسعاف التي انشأها
المقاتلون وتداخل عملها مع عمل وحدات الصليب الأحمر. وكان يحدث أيضًا وقوع بعض النزاعات،
ومن الحوادث التي طبعت ذاكرة المسعفين في هذا المجال حادثة يمكن اتخاذها مثالً.
(((5 تقرير عن أنشطة الصليب الأحمر، فرع أنطلياس.)1976-1975(
(((5 لم يكن فرع أنطلياس يملك في تلك الفترة سوى 3 سيارات إسعاف، منها سيارة مخصصة على الدوام لخدمة مراكز الإسعاف.
(((5 كانت ساعات المناوبة في تلك المراكز تمتد ثلاثة أيام وليلتين.
(((5 تقرير بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر.1976
ربيع 2015
فبعد إصابة أحد الفلسطينيين واعتقاله على جبهة عينطورة، أُجلي إلى مركز الصليب الأحمر في بكفيا، فراح المقاتلون يجربون حقن الإبر فيه وأخذوا يتحدثون عن تعذيبه، وهو ما أثار حفيظة المسعفين. ونشب نزاع بين المجموعتين عندما قرر المقاتلون اقتياد الأسير لتصفيته، فعارضهم المسعفون، بحجة أنه في مركز للصليب الأحمر، ولا بد من احترام اتفاقيات جنيف التي تضمن حماية المحاربين الجرحى، لكنهم ما لبثوا أن أذعنوا لمطالب المقاتلين تحت تهديد السلاح: «لقد اقتادوا الأسير، بعد أن تشاجروا مع أ. س. رئيس القطاع، ومع المسعفين الذين كانوا يؤيدونه. وعادوا في وقت لاحق من السهرة ليطهروا أيديهم بالسبيرتو ليوحوا بأنهم قتلوه» (ج. أ. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1982 أُنشئ مركز للإسعاف في المنصورية، مع اشتداد حدة المعارك والقصف حول مخيم تل الزعتر للفلسطينيين خلال حزيران/يونيو 1976. في إثر ذلك، نُقل المركز إلى معهد المون لاسال، في عين سعادة. لم تتغير قواعد التعاون بين المقاتلين والمسعفين في هذين المركزين الجديدين، لكن ذلك لم يحُل دون وقوع بعض الصدامات مردّها إلى التباين في المصالح والأهداف: «بانتهاء حصار تل الزعتر، علم المقاتلون الذين اعترضوا رسالة لاسلكية، أن مجموعة من الفلسطينيين الذين يحملون المجوهرات والأموال العائدة إلى لاجئي المخيم انطلقت مشيًا باتجاه بيروت الغربية. كان
من المفترض أن تمر بطريق الكحالة - عاليه، ومهمتها حماية الأموال بانتظار إعادتها إلى أصحابها. غير أن المقاتلين الذين علموا بالأمر نصبوا للمجموعة كمينًا في منطقة قناطر زبيدة ونهبوا ما معها. ثم أرغمونا
على أن نسلّمهم سيارة إسعاف لنقل الغنيمة من دون أن يثيروا جشع زملائهم، على أن يعيدوا لنا السيارة ما إن ينهوا المهمة» (ج. ن. رئيس قطاع سنة.)1976 وكان يحدث في بعض المرات أن يلتقي مقاتلون أصيبوا على الجبهة مسعفين من الصليب الأحمر كانوا قد أسعفوهم، فيعبّوا لهم عن شكرهم وامتنانهم.
- الامتحانات الكبرى: سقوط تل الزعتر والنبعة
دفعت المعارك الخطِرة التي اندلعت في بيروت الشرقية سيدات لجنة الصليب الأحمر والمسعفين إلى مساعدة المدنيين ومقاتلي اليسار اللبناني والفلسطينيين، وكانوا بمثابة عازل بينهم وبين المقاتلين المسيحيين. ولهذا السبب، طالما وجِّهت إليهم تهمة التعاطف أو الاتفاق مع «العدو»، واعتبروا «خونة» لا بد من تصفيتهم
مثلهم مثل الأفراد الذين يقدمون لهم الإسعافات. بدورهم، تعذّر على الأشخاص الذين كانوا يتلقون المساعدة، سواء مدنيين أو مقاتلين، أن ينظروا إلى المسعفين على أنهم لبنانيون من المنطقة الشرقية، بالنظر إلى هيمنة صورة المقاتل المسيحي.
(((6 مقابلة مع ت. ج. من المسعفين بين سنتي 1975 و.1981
(((6 مقابلة مع ك. س. رئيس قطاع في سنة.1976
(((6 مقابلة مع أ. ت. من المسعفين بين سنتي 1975 و.1979
(((6 مقابلة مع م. ت. ك. من المسعفين بين سنتي 1975 و.1979
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
وتمثّل الحوادث التي تلت سقوط النبعة وتل الزعتر، وهما محطتان مهمتان من حرب السنتين، خير مثال
على ذلك. في الفترة التي سبقت سقوط حي النبعة الشيعي ومخيم تل الزعتر الفلسطيني في آب/أغسطس 1976،
أجلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قسمً من سكان المخيم ضم لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. أ سكنت العائلات في مبان تعود إلى شركة كهرباء لبنان في الدكوانة ومركز الأب عفيف عسيران في الفنار، حيث تولى الصليب الأحمر مساعدتها، قبل ترحيلها إلى سورية أو البقاع أو بيروت الغربية. وغالبًا ما اضطرت
السيدات والمسعفون الذين كانوا يهتمون بهم إلى التدخل لمنع الاحتكاك بين المقاتلين المسيحيين والعائلات التي جرى إجلاؤها. «مررنا بساحة أنطلياس قبل التوجه إلى مركز الأب عسيران. أوقف السائق سيارة الإسعاف للتحدث إلى أحد المقاتلين من معارفه. فركب هذا الأخير، بعد أن علم بوجهتنا، في السيارة من دون الاكتراث لاعتراضنا. ما إن وصلنا إلى الفنار حتى اختفى المقاتل. فجأة، علا صراخ من الطابق حيث العائلات مجتمعة وسمعنا نحيب النساء. فالمقاتل الذي سألنه عن أخبار أزواجهن قد أجاب بأن الرجال قد تمت تصفيتهم كلهم من دون استثناء، في حين أنه لم يكن يعرف شيئًا عن الموضوع..» (أ. ت. من المسعفين بين
سنتي 1975 و.)1979 بعد سقوط حي النبعة الشيعي في 6 آب/أغسطس 1976، قام بعض الأطباء، بطلب من الصليب الأحمر ومن أعضاء اللجنة والمسعفين، بإسعاف المقاتلين من اليسار المسيحي والمسلم المحتجزين في أحد المستودعات المبرَّدة، وهو ما أثار حفيظة تجار أنطلياس، وذهب بعضهم إلى اقتراح اعتقال المسعفين مع
الأسرى. راح السجانون يعاملون الأطباء بإذلال؛ إذ كيف لمسيحيين من المنطقة يعرفونهم ويلتقونهم كل يوم أن يساعدوا «العدو»، «عدو» حاولوا تصويره بأبشع الصور لثنيهم عن مساعدته: «عندما وقعت حوادث النبعة واحتجزوا المقاتلين في المستودع المبرَّد، غالبًا ما كنا نذهب للاعتناء بهم.
بالنسبة إلى سكان الحي والمقاتلين، لم يكن الوضع مقبول. فكيف نشرح لهم الأسباب الإنسانية وراء مساعدتنا مجموعة من «الغرباء» لا بل من «الأعداء»، من دون أن نثير كرههم»؟ (ج. ت. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1976 لم تثنِعدائية المحيط والسجانين المسعفين عن متابعة عملهم إلى جانب المعتقلين، فكانوا يلبون حاجاتهم من الرعاية الطبية، ويوفرون لهم الدعم المعنوي للتخفيف ممّا كان يعتريهم من قلق، حتى إنهم كانوا
يجلبون لهم في بعض الأحيان المؤلفات الأدبية للترفيه عنهم. لقد حاولوا حمايتهم، قدر المستطاع، من عنف السجانين:
(((6 لقد ورد وصف المستودع المبرَّد ذاك في كتاب رئيس دير مار الياس، الأب ميخائيل معوض، المعنون أنا والحرب، الذي
اقتبس منه:
Issa Makhlouf, Beyrouth ou la fascination de la mort: Essai (Montreuil: Ed. de la Passion, 1988), pp. 70-71.
(((6 مقابلة مع د. ت. من أعضاء اللجنة.
ربيع 2015
«كان أحد المعتقلين مصابًا بالجرب. فقلنا للمقاتلين بأنه يعاني حساسية في الجلد لئلا يخافوا ويقتلوه»
(د. ت. أحد أعضاء اللجنة.) لقد اضطُر المسعفون في كثير من الأحيان إلى أن يشهدوا جلسات تعذيب، وهم عاجزون عن التدخل: «كنت أضمّد جراح أحد الأسرى عندما سمعت فجأة صرخات ألم وأصوات صادرة من إحدى
قاعات السجن. رأيت المسعفين الآخرين يهرعون إلى المخرج. أدركتُ خطورة أمر ما يحدث فحذوت
حذوهم. ولدى مروري بإحدى القاعات، رأيت أحد أعضاء اللجنة، د. ت.، غارقًا في دموعه ويتوسل
أحد المقاتلين التوقف عن ضرب الأسير بسلك غليظ لكي ينتزع منه اعترافًا. في تلك اللحظة أدركت
أن الأسير توفي متأثرًا بجراحه. كان الميت الأول الذي أراه في حياتي» (أ. ت. من المسعفين بين سنتي
1975 و.)1979 في 12 آب/أغسطس 1976، يوم سقوط مخيم تل الزعتر، أوشك عدد من أعضاء الصليب الأحمر الذين كانوا يرافقون اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جولتها في المخيم، على أن يفقدوا أرواحهم مع الفلسطينيين (من شيوخ ونساء وأطفال) الخارجين من المخيم وقد تجمعوا عند المدرسة الفندقية في الدكوانة. في الواقع، انصرف عدد من المقاتلين المسلحين إلى تفتيش المخيم تفتيشًا دقيقًا بهدف القضاء على اللاجئين، وكان أعضاء اللجنة والمسعفون الحاضرون في المكان هم أيضًا عرضة للتصفية. وشاءت سخرية القدر أن يرفض الفلسطينيون المنهارون في تلك اللحظة التصديق أن الأشخاص الذين أتوا لإسعافهم هم لبنانيون وأعضاء في الصليب الأحمر المحلي. فراحوا يكلمونهم باللغة الانكليزية وقد خُيل إليهم أنهم أطباء وممرضون من اللجنة الدولية للصليب الأحمر الموجودون هم أيضًا في المكان. في ذلك اليوم، لم يحبذ السكان المحليون أن يقدم الصليب الأحمر اللبناني على إسعاف الفلسطينيين، فأبدوا غضبهم ونقمتهم في وجه المسعفين: «يوم سقوط مخيم تل الزعتر، لم يكن لدينا ما يكفي من سيارات الإسعاف لنقل الجرحى الفلسطينيين، فقصدتُ مستشفى بيطار طلبًا لسيارة إسعاف. هناك، قال لي الطبيب المسؤول، إنه لو كان مكاني، لكان
قلع أعين الفلسطينيين وقتلهم بدلً من إسعافهم» (ر. ك. من المسعفين بين سنتي 1975 و.)1978
حاولنا من خلال هذا المقال الذي يروي أول فصول الحرب اللبنانية، أن نثبت أن تعبئة مجتمع ضواحي
بيروت وعسكرته لم تؤثّرا في جميع الشباب المسيحي بين سنتي 1975 و 1976؛ فضواحي بيروت، التي اعتبرها علماء الاجتماع والإنسان مستودعًا للعنف المدني، ضمت موانئ سلام في خضم الفوضى التي
خلفتها الحرب الدائرة.
(((6 راجع في هذا الموضوع:.Makhlouf, pp. 66-72
من ذاكرة الحرب: نظرة إلى العمل التطوعي والإنساني في الصليب الأحمر اللبناني
وكان للظروف الجديدة التي أوجدها النزاع المستفحل، أن فرضت شيئًا فشيئًا خطوط تماس، ليس بين
أحياء العاصمة والضواحي فحسب، بل أيضًا بين الأفراد والمجموعات. وأدت دورات العنف إلى تجزئة المساحة المدنية والمساحة القريبة منها، رافقتها عمليات استبعاد وتمييز، وهو ما أدى إلى تشرذم اجتماعي وإلى تحركات سكانية. تزامنًا، شهدت البنى السياسية والإنسانية المعنية مباشرة بالنزاع تحولات
وتغيرات؛ فالأحزاب السياسية، أكانت مزودة بجناح عسكري أم لم تكن، انزلقت تدريجيًا لتصبح
منظمات ميليشيوية مدربة على القتال، وفي الوقت نفسه، برزت مجموعات مسلحة صغيرة من دون تدريب سياسي مسبق. أمّا الهيئات الإنسانية، فأعادت توجيه أنشطتها نحو عمليات الطوارئ والإسعاف الإنساني، لكن
توظيف أعداد المتطوعين، ولا سيما في صفوف الشباب، بما يضمن حسن سير التركيبتين، افتقر إلى
التكافؤ؛ فهو كبير بالنسبة إلى الأحزاب السياسية، فيما بدا خجول في الهيئات الإنسانية التي لم يكن خطابها والتزامها متجانسين مع دوامة العنف والسمات الأيديولوجية التي طبعت المجتمع اللبناني بشكل مباشر أو غير مباشر. تصف دراسة حالة الصليب الأحمر اللبناني، فرع أنطلياس النقّاش، المشكلات الهيكلية التي واجهها والتي
أدت إلى إعادة تنظيمه؛ ففرع أنطلياس النقّاش، اضط ر، بعد أن انخرط بشكل فجائي في أنشطة الإسعاف والطوارئ، إلى إجراء توظيف مزدوج: توظيف أعضاء جدد في اللجنة لتعويض خسارة الأعضاء القدامى الذين التحقوا بالأحزاب السياسية أو تعاطفوا معها، بالإضافة إلى توظيف متطوعين شباب تلقّوا التدريب
على تقديم الإسعافات. وقد شكّل الفرع المذكور عالما صغيرًا تطورت ضمنه ثقافة تسامح وقبول للآخرً،
تتناقض مع البيئة المباشرة حيث نمت ثقافة سياسية تشير إلى «العدو» أو إلى «الأعداء» وترسم حدودًا
بين المجموعات السياسية والطائفية. وشك ل أعضاء اللجنة والمسعفون نوعًا من العازل بين المجموعات
المختلفة للمقاتلين و/أو المحاربين وسكان المجموعات العدوة. لقد أتاحت دراسة نشاط فرع أنطلياس النقّاش، ولا سيما مجموعة المسعفين المتطوعين التي التزمت العمل ضمن الفرع، بين سنتي 1975 و 1976، تفصيل عملية الالتزام في الأحزاب السياسية والميليشيات كما وصفها علماء الاجتماع والإنسان اللبنانيون والمؤرخون في بعض الأحيان. وهي تعيد النظر في طابعها الكبير باستخدام الثوابت نفسها التي اعتمدها العلماء المذكورون، ومنها العلاقة مع أقدمية الاستقرار في الضواحي (النازحون أو سكان المدن الجدد)، الأصل (من الريف)، الطبقة الاجتماعية (متوسطة وفقيرة)، والانتماء السياسي (طائفي أو مناصر). وقد تبيّ أن على الرغم من
تهافت الشباب المسيحي على الانخراط في الأحزاب السياسية التي تحولت إلى ميليشيا، فإن جزءًا
بسيطًا منه لم يكن يستوفي الصفات التي استخلصها الباحثون أو كان يستوفيها بخجل، بحكم انتمائه إلى
(67) Nabil Beyhum, «Les Démarcations au Liban d'hier à aujourd'hui,» dans: Fadia Kiwan, dir., Le Liban aujourd'hui , textes de Ahmad Beydoun [et al.], CNRS histoire. Histoire contemporaine (Beyrouth: CERMOC; Paris: CNRS, 1994), pp. 275-296.
ربيع 2015
الطبقتين الميسورة والمتوسطة، كما إلى طبقة الأعيان التقليديين؛ وبالتالي سلك وجهات مختلفة عن تلك التي سلكتها الأكثرية. هذا الجزء البسيط، في ضوء تبنّيه مبادئ الصليب الأحمر والتزامه اتفاقيات جنيف المتناقضة مع
الأيديولوجيا السائدة، حدد لنفسه مهمة بلسمة جراح، جسدية أكانت أم معنوية أم اجتماعية، أصابت
السكان المدنيين والمقاتلين على اختلاف أصولهم وجنسياتهم أو انتمائهم السياسي. أما الأسباب المتعددة
لالتزامهم (المساعدة، الأمان، الهوية المهدَّدة، تعاطف مع المقاتلين اللبنانيين المسيحيين أو مع الفلسطينيين
أو مناهضتهم)، فقد حكمت خيار الأعمال الإنسانية الذي اعتمده كل منهم. وقد دفع التزام المسعفين بمبادئ الحياد، مقترنًا بأسباب التزامهم، إلى مساعدة المدنيين والمقاتلين من
كلا الطرفين، أيًا تكن الحوافر والأسباب التي تقف وراء تصرفاتهم؛ فتدخل المسعفين حافظ، على
الرغم من كل شيء، على بُعد إنساني في مجتمع هشمه عنف مفرط، عنف السنتين الأوليين من الحرب
اللبنانية.
الشامي الأشهب يون *س
فرضيا ت« الفجوة الزمنية » في التاريخ الفكري للمجتمع المدن ي
اختفى المجتمع المدني من حقل التداول لأسباب غير واضحة، و«يصعب » جردها، ثم ظهر
من جديد لأسباب تبدو أقل غموضًا من أسباب الاختفاء. وعلى الرغم من «صعوبة»
إدراك أسباب اختفاء المجتمع المدني وأسباب إعادة «الإحياء» معًا، فإنه من غير الممكن
-من الناحية المعرفية على الأقل- تجاوز هذا الأمر، لأن له أهمية بالغة على مستوى «إدراك»
بعض الإشكاليات الأساسية لهذا المفهوم، كما أن له أهمية بالغة على مستوى فهم أصول
ومقدمات التداول المعاصر لمفهوم المجتمع المدني. وإذا كان اختفاء المجتمع المدني قد صنع «فجوة زمنية» في التاريخ الفكري لهذا المفهوم، فإن
إحياء المجتمع المدني سيعكس «فجوة فكرية» موازية أنتجها الفارق الدلالي بين مرحلتين
«مختلفتين» من مراحل تطور المفهوم. بناء عليه، يُسِّد هذا المقال محاولة لفهم أسباب اختفاء مفهوم المجتمع المدني من جهة،
وأسباب «إعادة» إحيائه من جهة أخرى، في أفق مقاربة الإشكالية المركزية: إلى أي حد
ساهم إحياء مفهوم المجتمع المدني في الفكر «السياسي» في إعادة صوغ منزلة هذا المفهوم
ضمن منظومة تنمية الديمقراطية؟
ظلَّ السؤال الخاص بأسباب اختفاء/ إحياء المجتمع المدني، السؤال الم حيِّ/ «الغائب» داخل
أدبيات الفكر «السياسي»/ «السوسيو- سياسي»، والنظرية السياسية إجمال، مع وجود درجة
تفاوت من حيث منسوب «الغموض» لمصلحة أسباب الاختفاء، أي، لماذا سقط المفهوم من دائرة