العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في الثورات العربية الاستبداد وتداعيات التغيير

قراءة في الثورات العربية الاستبداد وتداعيات التغيير

A Reading of the Arab Revolutions: Tyranny and the Implications of Change

وليد نويه *ض

الملخّص

تستعرض هذه الورقة مجموعة من الكتب الصادة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والتي تتناول الثورة السورية وهي؛ كتاب عزمي بشارة "سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن"، مجموعة مؤلفين "خلفيات الثورة- دراسات سورية"، وكتاب حمزة المصطفى "المجال العام الافتراضي في الثورة السورية: الخصائص، الاتجاهات، آليات صنع الرأي العام"، وكتاب جمال باروت "العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح".

Abstract

This paper reviews a group of books published by the ACRPS that deal with the Syrian revolution: Azmi Bishara’s “Syria’s Via Dolorosa towards Freedom: An Attempt at Current History”; “Backgrounds to the Revolution: Syrian Studies” (multiple authors); Hamza Almustafa’s “The Online Public Sphere in the Syrian Revolution: Features, Directions, Mechanisms of Public Opinion Formation”; and Jamal Barout’s “The Last Decade of Syrian History: Dialectic of Stagnation and Reform.”

الكلمات المفتاحية:
  • الثورات العربية
  • الثورة السورية
  • مجال عام افتراضي
  • النظام السوري
Keywords:
  • Syrian revolution
  • Arab Spring
  • Online Public Sphere
  • Syrian Regime

الجزء الثالث والأخير من قراءات في هذا في الثورات العربية من خلال إصدارات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، نقف أمام الحدث السوري بكل تعقيداته، علمً بأن هناك صعوبة في قراءة حدث لم تتوقف تداعياته حتى الساعة، وتكمن الصعوبة في ملاحقة أخبار الوقائع التي تتراكم يوميًا وتتحول مع متغيرات الزمن. نبدأ بكتاب عزمي بشارة سورية درب الآلام نحو الحرية - محاولة في التاريخ الراهن)١(الغني بالمعلومات والمتابعة الدقيقة للتحولات، فهو يرصد صيرورة الثورة، ويشمل فترة سنتين من عمرها «من آذار/مارس 2011 حتى آذار / مارس 2013» (ص. 11)، في لحظة لا تزال الأزمة فيها مفتوحة على عالم مجهول من الانقسامات وقد أدت إلى ظهور تنظيمات راعبة تقتصر وظيفتها على تفخيخ صورة الشعب السوري وتخويف الناس من مخاطر متابعة المواجهة لتحقيق المطالب المشروعة. ثم نعرض من خلال كتاب محمد جمال باروت العقد الأخير في تاريخ سورية للخلفية الاقتصادية السياسية التي ساهمت في هذا الانفجار، ونقوم بعد ذلك بعرض تحليل لدور المجتمع الافتراضي في سيرورة هذه الثورة من خلال كتاب حمزة المصطفى المجال العام الافتراضي في الثورة السورية، ثم نتناول كتاب خلفيات الثورة لمجموعة من المؤلفين تتعدد فيه منظورات العلاقة بين الثورة وما سبقها.

سورية: درب الآلام

تنبع أهمية كتاب سورية: درب الآلام نحو الحرية من أنها لا تقتصر على معلوماته وإنما تتعداها أيضًا إلى منهج التحليل الذي اعتمده فأعطاه قدرة على اكتشاف منزلقات الثورة وظهور التشققات على الشاشة المكشوفة على ألوان متعارضة. تتبّع الكتاب مسار الثورة ورصد «دينامياتها الاجتماعية، وتحولّها إلى ثورة مسلحة، وما نتج خارجها من ظواهر عنيفة ثورية أو جنائية أو طائفية» (ص. 37)، معتمدًا

«منهج التحليل الاجتماعي التاريخي» الذي يؤرخ تمدد الثورة، واستراتيجية قمعها، ومظاهر العنف المجتمعي، وجذور المظاهر الطائفية، والعوامل الجيوستراتيجية ومواقف الدول المختلفة المؤثرة في مسارها (ص. 15) بالإضافة إلى منهج التقصي - الحفري، قام الكاتب بعملية «توثيق واسعة ومُفصّلة لحوادث الثورة» (ص. 20)، وهو ما أعطاه أفضلية مرجعية قياسًا بتلك المحاولات التي صدرت عن هيئات بحثية مختلفة. وقد أعاد الكتاب «إنتاج تطور أعمال الاحتجاج السلمية وبنيتها وتحولّها إلى ثورة وطنية شاملة ضد الاستبداد»، مركزًا على فرضية عفوية الثورة ومدنيتها وأصالتها (ص. 601) المجتمع السوري شديد التركيب والتعقيد. ومشكلة الثورة أنها انفجرت «ضد نظام استبدادي قمعي» يقوم «على تداخل الأمن والسياسة والاقتصاد، مول دًا فسادًا منتشرًا من القمة إلى القاعدة» (ص. 12)، بما يشبه العصبية المنظمة عسكريًا التي نجحت في إقامة «علاقة زبونية وخدمات متبادلة» مع «الطبقات الاجتماعية المتنفذة اقتصاديًا» (ص. 30). لذلك، لم يقدم النظام حلً سياسيًا للأزمة، وكان يراهن على خياره القمعي وتماسكه بسبب «صعوبة فصل الدولة عن النظام، ولا سيما حين يتداخل المجتمع والجيش والنظام شبه العسكري عبر انتماءات أهلية أو جهوية تربط هذه العناصر بعضها ببعض» (ص. 169). والأسد أبقى «الجيش والأمن في يد الموالين مباشرة له، بمن في ذلك الموالون جهويًا وطائفيًا» (ص. 178). ويشكل هذا الرابط من الولاء الطائفي وغير الطائفي ذاك «الكارتيل» الذي يجمع «الأمن والأسرة الحاكمة وأصحاب المصالح الاقتصادية وإدارة الدولة في مصير مشترك» (ص. 603) وبسبب اعتماد الكاتب المنهج الاجتماعي – التاريخي وتحليل الوثائق والمعلومات، أدرك مبكرًا مخاطر انزلاق الثورة اضطراريًا من حركة سلمية إلى مسلحة وانشدادها باتجاه «الشرخ الطائفي» ونشوء ظاهرة «أمراء الحرب» وعناصر جهادية «لا تشارك الثورة أهدافها التي انطلقت من أجلها» (ص. 605). وخطأ المعارضة أنها انزلقت نحو صوغ «المطالب بلغة طائفية»، الأمر الذي قاد إلى ما «يشبه الاحتراب الأهلي» بسبب طبيعة النظام الطائفية. فالطائفية في سورية «ليست افتراء بل هي قائمة في نظام الحكم» (ص. 609) نظرًا إلى تشابك الوضع وتعقيداته، «خصوصًا المكوّنات الإثنية والعرقية التي توجد في المجتمع السوري» (ص. 475)

مسؤولية النظام

ساهم المنهج الذي اعتمده بشارة في المساعدة على التقاط المفارقات والتحذير المبكر من مخاطر انزلاق الثورة؛ فالكتاب يتضمن معلومات تفصيلية، ومتابعة استقرائية يومية تم جمعها وتحليلها وفق آليات سوسيولوجية مركّبة قامت بتحليل عناصر الأزمة من جوانبها المختلفة، بعضها اجتماعي – اقتصادي وبعضها الآخر طائفي - جهوي. يبدأ الكتاب بمقدمة وينتهي بالفصل الثالث عشر وخاتمة. تشير المقدمة إلى أن «الثورة السورية هي امتداد للحالة الثورية العربية»، وأنه «كان يمكن تجنّبها بالإصلاح» (ص 24 و 25)، لكن النظام اختار «طريق العنف المسلح» بسبب طبيعة السلطة ودور الأجهزة والمؤسسات الأمنية (أربعة أجهزة رئيسية) وتدخّلها في مختلف المجالات، ومشاركتها

في «صنع القرار السياسي» (ص. 29)، وهو ما دفعها إلى مواجهة الحركة الاحتجاجية «بخطاب الفتنة الطائفية، والمؤامرة التي تستهدف الاستقرار الاجتماعي» (ص. 34) إن التشابه البنيوي بين السلطات العربية لا يلغي الاختلاف، وأساس الاختلاف وجود تلك الشروخ في فسيفساء دول المشرق العربي (ص. 27) التي تتألف من مجتمعات مركّبة دينيًا وطائفيًا وإثنيًا، ساهمت في إعاقة «تبلور هوية وطنية جامعة تسمح بفصل المجتمع عن النظام، والنظام عن الدولة» (ص. 31). التنوع ليس مصدر شقاق وضعف «إذا ما أ حسنت إدارته، لكنه يصبح عامل إضعاف إن أُسيئت إدارته» (ص 28)، إذ يدفع الناس إلى عدم الاطمئنان ويخيفهم «مما يمكن أن تفرزه بنية المجتمع السوري المتنوعة طائفيًا في حالة تفجّر الثورة» (ص. 92) منذ البداية استخدمت السلطة العنف لمنع الاحتجاجات، وتعاملت معها بوصفها «مؤامرة.» وبشار منذ تسلمه السلطة في تموز/يوليو 2000 من طريق التوريث حتى انطلاق الحركة الاحتجاجية في 15 آذار/مارس 2011 تعامل مع الشعب من موقع «الأستاذية» و«المربي» (ص. 49)، وخصوصًا بعد التجديد لولاية ثانية سنة 2007؛ إذ شكّل التجديد نقطة بداية «لديناميات اجتماعية جديدة غير مسبوقة» (ص. 61)، وهو ما أعطاه قدرة على التملص من وعوده الإصلاحية إلى أن جاء خطابه الأول في 30 آذار/مارس 2011، بعد تصاعد الاحتجاجات، «صادمًا لشرائح واسعة من المجتمع السوري» (ص. 103) الصدمة بدأت منذ نهاية شباط/فبراير 2011، حين شنّت قوات الأمن حملة اعتقالات ضد المشاركين في كتابة الشعارات على الجدران، وما أعقبها من انفتاح ملف «أطفال درعا» الذي أعطى ذريعة لانطلاق أول تظاهرة في سوق الحميدية في 15 آذار/مارس 2011 تلاها، في اليوم التالي اعتصام أمام وزارة الداخلية في دمشق، فاتسعت رقعة الاحتجاج وتصاعدت بعد سقوط ضحايا وتشييعهم في 19 آذار/مارس 2011 (ص. 81-85) منذ تلك اللحظات، لم تتوقف الاحتجاجات السلمية؛ إذ أخذت تتمدد وتنتشر إلى اللاذقية (ص. 97-98) وحمص (ص. 108)، في وقت كان النظام «مسكونًا بهاجس وأد الحراك المحلي في مهده قبل أن يستفحل ويتحول إلى ثورة» (ص. 86)، فهو «تجاهل مطالب الناس وكرامتهم، ولم يكلّف نفسه عناء البحث في الأسباب الجوهرية التي أدت إلى الانتفاضة» (ص. 91)، فأعطى المؤسسة الأمنية وظيفة استثنائية في اعتبارها «صلة الوصل بين الرئيس والنظام والمجتمع» (ص. 95)، وساهم نهج القوة في دفع «الأمور إلى أشكال من ردّات الفعل الشعبية غير المتوقعة أمنيًا» (ص. 98) وهكذا تطور مسار الاحتجاجات ضمن ثلاثية: شهداء، تظاهرة، شهداء، أو تظاهرة، شهداء، تظاهرة (ص. 113). وساهمت تلك الدينامية في توليد شرارات راحت تنتقل من المدن إلى الأرياف وبعدها من الأرياف إلى المدن.

المشهد الدامي

تسارع وتيرة الحوادث وتكرار مشهد التصادم اليومي بين السلطة والناس دفعا أحياء المدن التي ينحدر سكانها من «أصول بدوية» إلى توسيع دائرة الثورة بالتدريج في بعض المناطق، فكان لذلك تأثيره في مسارها العام و«توجيهها

إلى المسار المسلح» (ص. 110)، وبدء تدحرج كرة النار، الأمر الذي دفع الاحتجاجات إلى الانتقال من الساحات العامة المكشوفة إلى الأحياء الخاصة والمنعزلة «ذات الكثافة السكانية الكبيرة» (ص. 118)، وأدى إلى «زيادة الاحتقان الطائفي» و«بروز مظاهر مسلحة في الأحياء الطرفية »، وأخيرًا «زج الجيش في الحوادث» (ص. 119) في رأي بشارة، «إن اعتصام حمص شك ل نقطة تحوّل في مسار الثورة، وأدى فضّه إلى اشتباكات الأحياء» (ص. 119)، لأن منع الاحتجاجات المدينية المركزية لم يؤدّ إلى وقف الثورة «بل ساهم في تحويل مجراها إلى مسارب أخرى، مثل الريف والأحياء الطرفية، وإلى التحوّل التدريجي من التظاهر السلمي الغزير بالتضحيات إلى العمل المسلح (...) وانحراف مسار الاحتجاجات إلى سياقات أخرى مسلحة وطائفية» (ص. 120) أدى تحوّل مسار الثورة إلى انفلاش الأزمة وانتقالها إلى أرياف المدن (دمشق، حمص، حماة، وحلب.) وساهم النظام، الذي ثابر على «الحل الأمني»، «مساهمة حاسمة في تحوّل مسار الثورة من مدنية سلمية إلى ثورة اندفعت تدريجيًا نحو التسلح بحجة شرعية، في البداية، هي الدفاع الأهلي عن النفس، إلى أن وصلت إلى درجة الثورة المسلحة» (ص. 185). ويرى الكاتب أن الانتفاضة لم تتحوّل إلى «طور الثورة المسلحة إلا مع بداية عام 2012»، وتحديدًا في منتصف كانون الثاني/يناير 2012 «بعدما بدا ما قدّمه المسلحون في الزبداني ‹نموذجًا› رأى الأهالي والناشطون السياسيون أن في الإمكان تعميمه» (ص. 198-199) لم يكن الخيار المسلح من ضمن برنامج الانتفاضة وتوجهاتها، لكنه بدأ يتحول إلى فكرة جنينية حين أفرط النظام في استخدام القوة (ص. 191)، متزامنًا مع «بروز انشقاقات للضباط والمجندين على الجيش السوري النظامي» (ص. 193)، ونمو ظاهرة الإعلام الفوضوي الذي كان من أحد «أسباب عدم القدرة على التفكير العميق والموضوعي بالثورة»؛ إذ «ساهمت وسائل الإعلام العربية المؤيدة للثورة في هذا التضليل بنشرها الروايات كما هي من دون تحقيق صحافي حقيقي» (ص. 195) وكان لانعدام الاستراتيجيا السياسية والعسكرية الموحدة دوره في إضعاف نمو الثورة، حين ظل «الجيش الحر أسير استراتيجية حشر نفسه فيها (...)، لذلك فإن أي منطقة تحرّرت، تحرّرت من سكانها أيضًا»، فأدى ذلك إلى نزوح الناس وتفريغ المدن خوفًا من الدمار والقتل في وقت لم تغير هذه الاستراتيجيا من «ميزان القوى العسكري الاستراتيجي مع النظام» (ص. 205). وزاد الطين بلة «سلوك بعض القوى المسلحة المحسوبة على الثورة التي تعرضت للصناعيين والتجار أو ضغطت عليهم للتبرع بالمال، وظواهر الاختطاف وغيرها، عاد ليُبعد القوى الاجتماعية الرئيسة عن الثورة ويشعرها بأنها حالة غير موثوقة قد تؤدي إلى الفوضى» (ص. 206)

خصوصيات المدن

كانت استراتيجية النظام الأمنية، كما تبيّ بشكل واضح في درعا ودمشق وريفها وحمص، «تقوم على منع أي اعتصام جماهيري وإجهاضه خوفًا من أن تتكرر مشاهد الثورات العربية التي نجحت في إسقاط أنظمتها» (ص. 151). كذلك شكلت الاحتجاجات رافعة لنمو قوى اجتماعية بديلة من تلك الشبكة من العلاقات التي يعتمد

عليها النظام وهياكله الأمنية، كما حدث في دير الزور حين أخرجت الانتفاضة «وجهاء العشائر المتحالفين مع النظام من معادلة التأثير في المدينة لمصلحة شخصيات ووجهاء معارضين لهم » (ص. 151) ولأن النظام ممسوك بشبكة علاقات أهلية -جهوية- طائفية تعطيه الحصانة وتغذيه بطاقة يمكن الاعتماد عليها في الفترات القلقة واللحظات المحرجة، كان من الصعب أن تتطور الثورة إلى ثورة شاملة في ظل السيطرة الأمنية التي تشكل نقطة توازن لضبط إيقاع المتغيرات التي يمكن أن تحدث في حال بدأ الاختلال في المعادلة السكانية يقوم بدوره في تعديل الموازين على الأرض. مقابل تلك السلطة التي كشفت عن طبيعتها الأمنية وعدم اكتراثها بالدمار وهدم الأحياء وتفريغ المدن من السكان، ظهرت بوادر التسلح في الانتفاضة، «فطابع التسلح كان في البداية بدائيًا تقليديًا متول دًا من واقع البنى الاجتماعية العشائرية والتقليدية (...) وكانت ردة الفعل دفاعية ومشروعة من النواحي كافة، إذ كانت دفاعًا عن النفس في مواجهة ميليشيات الشبيحة» (ص. 191)، لكن الأمور بدأت تتغير بعد حوادث مدينة جسر الشغور التي كانت «مفصل في تاريخ الثورة»، إذ تزامنت مع إعلان «المقدم المنشق حسين هرموش عن تشكيل لواء الضباط الأحرار في 9 حزيران/ يونيو 2011(ص» 196). بعدها توسعت الانشقاقات، وبدأت «الدعوات في وسائل التواصل الاجتماعي ومن بعض شخصيات المعارضة إلى حمل السلاح ودعم المنشقين لتأمين حماية التظاهرات السلمية» (ص. 196). و«أصبح الكفاح المسلّح المكوّن الرئيس في الثورة السورية»، وذلك بعد أن توصلت «فئات واسعة من الشعب السوري إلى قناعة بأن التظاهرات السلمية لن تتمكن من إسقاط النظام» (ص. 198) تأسست وجهة النظر هذه على قاعدة عدم استعداد السلطة للتنازل، وذلك بسبب طبيعة النظام الذي جاء أصلً من طريق الانقلاب وبأساليب غير مشروعة وضد القانون. ومن يأتي بالقوة لا يذهب إلا بالقوة، ولذلك تعززت وجهة النظر التي ترى أن السلاح هو الأداة القادرة على إزالة العائق أمام التغيير. وتعزز رأي العنف المضاد بعد خطاب الأسد في 30 آذار/مارس 2011 وبدء النظام في 18 كانون الثاني/يناير 2013 بتشكيل ميليشيات «كرديف للقوات النظامية» (ص. 262). وانتشر مصطلح «الشبيحة» بعد تظاهرات اللاذقية «التي سادها جو من التوتر الاجتماعي والتخوف من وقوع احتكاكات ومناوشات بين المحتجين وبعض المدنيين المؤيدين للسلطة» (ص. 264)، إذ أدى «تجنيد الشبيحة من القرى العلوية في ريف اللاذقية إلى استقطاب طوائفي حاد» بدعم من النظام الذي غطى اللجان الشعبية وضبطها «في جهاز مستقل له قيادة مستقلة عن جهاز الأمن» (ص. 268-269)، ما شجعها على القيام بأعمال مشينة ساهمت في «زيادة حالة الشحن الطائفي في المدن والمناطق المختلفة» (ص. 270)

غطاء الاستبداد

ثلاثة تطورات «وقعت وأدت إلى ظهور تعبيرات طائفية أكثر حدة من السابق» وهي: أولً، قمع الناشطين المدنيين بالقوة في مراحل الثورة الأولى (...)؛ ثانيًا، إصرار النظام على قراءة الثورة، تارة باعتبارها مؤامرة خارجية، وتارة أخرى فتنة طائفية (...)؛ ثالثًا، ظهور محاور إقليمية تؤثر

في خطابات الأزمة السورية (...) (ص. 317) والنظام من جانبه «معني بالتخويف من فتنة طائفية إلى درجة الاستفزاز». كذلك «أدى كشف غطاء الاستبداد عن فتح مسارب لظهور الكراهية الطائفية» (ص. 318). وأخذت الطائفية المضادة (مأمون الحمصي، يوسف القرضاوي، عدنان العرعور) بالنمو من خلال الشحن الطائفي والمذهبي (ص. 319) التناقض إذًا اجتماعي وسياسي، «لكنه يتخذ شكل تناقض طائفي في مجتمع مركّب الهوية» (ص. 325)، وهذا ما يفسر لجوء النظام إلى قصف المدن وتدمير الأحياء وارتكاب المجازر ضد المدنيين بذريعة الدفاع وصد المؤامرة الخارجية؛ فالنظام لم يعد، بعد أن سقط غطاء الاستبداد، يكترث لسمعته، فاتخذ قرار الإبادة أو الترحيل، فكانت مجازر كرم الزيتون، حي الرفاعي، معرزاف - حي القبير، التريمسة، حي الشماس، الذيابية، جديدة الفضل، بانياس، خربة السودا، بساتين الوعر، حمورية 1، وحمورية 2، زملكا، معضمية الشام، جديدة عرطوز البلد، وداريا (ص. 334-340) سردية الكتاب تتوقف بتاريخ 2013/5/18، لكن المجازر وسياسة القتل اليومية لا تزال سارية المفعول ومن دون توقف حتى اللحظة، حيث «تستند بعض أشكال العنف السياسي في مظاهرها إلى ديناميات العنف الاجتماعي، ومنها وجود انقسامات اجتماعية أو عصبيات اجتماعية من أنواع مختلفة تحركه» (ص. 343)؛ إذ شمل «العنف الاجتماعي جرائم وأفعالً جنائية، وبعض الأعمال الطائفية» (ص. 346)، ومنها ظهور تيارات دينية متطرفة باتت تشكل خطرًا على الثورة بسبب اختلافها «في المنهج والأهداف» (ص. 348)، وكذلك في درجة وعيها وتعاملها مع الناس في المناطق التي غاب عنها النظام (ص. 360-366)، وهو ما أدى أحيانًا إلى اختلاط «الجرائم الجنائية بالعنف الطائفي» (ص. 372) وفي حالات أخرى اختلاط «الموقف السياسي بالدوافع الطائفية والوعي المقلوب الذي ساهمت فيه بعض القنوات الدعوية السلفية» (ص. 373) تحولت سورية، «بعد تعثر تنفيذ المبادرة العربية إلى ساحة للتفاعلات الجيوستراتيجية والطموحات المستقبلية للقوى العظمى والإقليمية» (ص. 455)، أمّا «الدول الغربية فلم تكتف بعدم تزويد الثورة بالسلاح، بل منعت تزويدها بأي سلاح نوعي يمكنه أن يُغيّ موازين القوى» (ص. 459)، وإسرائيل ظلت «تفضّل استنزاف النظام من دون أن ينهار» (ص. 461)، وموقف أميركا من الثورة «جاء ضمن الاستراتيجية السابقة القائمة على عدم التدخل المباشر» (ص. 473)، وروسيا اتخذت منذ البداية «موقفًا مثابرًا في دعم النظام» (ص. 480)، وإيران «تعاملت مع الثورات العربية بما يلائم مصالحها الوطنية» فاتخذت موقفًا مؤيدًا للنظام (ص. 518-519)، وتجاوزت علاقة النظام بها «حد التحالف إلى التبعية المطلقة» (ص. 526) أمام هذه الحلقة المغلقة، «تُعتبر الثورة السورية حالة فريدة في الإقليم لجهة تشابك العوامل المؤثرة فيها والتي قد تؤدي إلى سيناريوات كارثية ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية» (ص. 608) يميّز بشارة هنا بين التسوية السلمية المستحيلة والتسوية السياسية الممكنة، ولكنه يعتبر أن «خيار الحل السياسي» لا يزال بعيدًا «حتى كتابة هذه السطور بعد أكثر من عامين على نشوب الثورة» (ص. 608)

العقد الأخير

إن التحليل السياسي الاجتماعي التاريخي لسردية كتاب درب الآلام نحو الحرية تكمله دراسة عن العقد الأخير في مقاربة سوسيو اقتصادية للباحث محمد جمال باروت في كتابه العقد الأخير في تاريخ سورية – جدلية الجمود والإصلاح)٢(. يتوزع الكتاب على قسمين: يشمل الأولفترة بشار الأسد الذي ورث الحكم عن والده، ويتابع الثانيحال الانفجار وما نجم عنه من انشطارات أهلية ومناطقية عطلت إمكانات التوصل إلى حل سياسي للأزمة. ورث بشار عن والده في سنة 2000 «وضعًا اقتصاديًا - اجتماعيًا - سياسيًا ومؤسسيًا ‹حرجًا›، ومشكلات اجتماعية – سياسية مُعقّدة وكبيرة وغير محلولة» (ص. 29). وحاول الأسد الابن في خطاب القسم «أن يتبنّى مقاربة ‹إصلاحية› مؤسسية للخروج من هذه الأزمة» (ص. 33)، لكنه اصطدم بطبقة تملك «الدولة من خلال ‹حيازتها› أجهزتها» (ص. 35)، لذلك لجأ إلى اتّباع منهج في الإدارة «يقوم على توزيع الأدوار» (ص. 37) ومحاولة الانفتاح على المجتمع، لكن حدود الانفتاح اقتصرت «على استبدال التعددية السياسية بتعددية اقتصادية» (ص. 40). وبحلول نهاية سنة 2005 كان معظم «التصحيحيين » و«التقليديين» قد «أحيلوا على التقاعد» (ص. 46). ووُضعت الخطة الخمسية العاشرة (-2006 2010) بوصفها «خطة تأشيرية لإنجاز عملية تحولٍاقتصادي – اجتماعي عميقة، تنقل سورية من مرحلة الاقتصاد المركزي إلى اقتصاد السوق الاجتماعي» (ص. 49)، لكن مشروع الخطة «ووجه بمعارضة شديدة من جهات متعددة، لكل منها سبب مختلف» (ص. 50) لكن ظهرت خلال سنتي 2006 و 2007 شركات قابضة كبيرة «للعمل كصناديق استثمارية في استحداث الأعمال، وتملّك أصول الشركات المساهمة المحدثة»، ومثّل رئيس صندوق المشرق الاستثماري رامي مخلوف «دينامو تأسيس هذه الشركات» (ص. 70)، وهو ما فتح باب التنافس الكبير «بين كبار رجال الأعمال على إدارة الشركات القابضة» (ص. 71)، وأدى إلى «تركز الثروة في جيوب فئة محدودة من رجال الأعمال الجدد، في غياب المنافسة» (ص. 80)، وهذا ما ساهم في تراجع معدل الادخار التقليدي الإجمالي من 23 في المئة في سنة 2000 إلى 13 في المئة في سنة 2008، و«بالتالي تراجع حجم الادخار التقليدي المموّل للاستثمارات عام 2008، إلى أقل من نصف ما كان عليه عام 2000» (ص. 94). لذلك لم يكن مفاجئًا «ارتفاع نسبة السكان الفقراء وتركزت درجة الفقر في الأرياف والمناطق العشوائية واستمرت المنطقة الشمالية الشرقية (إدلب وريف حلب ومحافظات الرقة ودير الزور والحسكة) في الاستحواذ على أكبر عدد من الفقراء مقارنة بعام 2004. وقد يفسر ذلك أن شرارة الاحتجاجات انطلقت (...) من المناطق الأدنى نموًّا، وكانت الأشد في درعا ومدنها وريف دمشق» (ص. 97) يقابل ذلك «ارتفاع في نسبة البطالة، في فئة الشباب الحاصلين على تعليم ثانوي وما فوق» (ص. 109)، وارتفاع معدل البطالة إلى نحو 16.5 في المئة في سنة 2009، ويمثّل 3.4 ملايين عاطل من العمل، وارتفاع حجم خط الفقر إلى 6.7« ملايين نسمة، يمثّلون 34.3 في المئة من إجمالي سكان سورية» (ص. 110)، كذلك وصل معدل التضخم في سنة 2008 إلى 15.9« في المئة»

(ص. 118)، وتدنت تحويلات المهاجرين التي تقدّر بما يتراوح بين مليار و 1.4 مليار دولار سنويًا «إلى النصف تقريبًا» (ص. 120)، وهو ما ساهم في مفاقمة العجز «عن ردم الهوة التنموية» بين المركز والأطراف، «الأمر الذي أدى إلى خلق فجوات التنمية المناطقية في سورية» (ص. 136)، وذلك بسبب اختزال صيغة الإصلاح في «عملية لَبْلَةٍ يقودها تحالف البيروقراطية مع شريحة رجال الأعمال الجدد، التي أعيد تكوينها لهذا الغرض» (ص. 142) ظل حزب البعث رسميًا «قائد الدولة والمجتمع»، لكن الدور تراجع فعليًا لمصلحة «اللجنة السياسية العليا». ويُفهم من تغير أدوار اللاعبين «أنه نتيجة عملية تغير اجتماعي»، وتظهر «ضمن قواعد اللعبة المسرحية لعلاقات القوة الاجتماعية والسلطة » (ص. 145). ونتج من عملية إعادة تعريف أدوار اللاعبين «توليد نظام جديد تسلطي متلبْ ل، يمثّل ‹رجال الأعمالُالجدد› قاطرته في الاستثمارات والتحالف مع الاستثمارات الخارجية، لرفع معدّل النمو الاقتصادي» (ص. 147). وكانت عملية اللبْلَة تفترض «إنعاش دور المجتمع الأهلي أو المدني أو القطاع الثالث، الذي يتوسّط بين الدولة والقطاع الخاص» (ص. 149)، وهو أمر لم يحدث؛ إذ قامت الشرائح الدينامية من الفئات الوسطى بتعويض هشاشة المجتمع المدني بخلق نوع «من التجمع الافتراضي في شبكات ومنتديات وتجمعات ومواقع تواصل اجتماعي تكوِّن نوعًا جديدًا من الفضاء العام، عبر الشبكة العنكبوتية» (ص. 153) ونجحت مواقع التواصل الاجتماعي في تعطيل «آليات الهيمنة التقليدية التي وظفتها السلطات المسيطرة للهيمنة على الفضاء العام» (ص. 157) إلى شبكة التواصل الاجتماعي اضطلعت الفضائيات «بدور الوسيط التقاني الاتصالي الأهم في عملية التأثير، وتكوين اتجاهات الرأي العام في المجتمعات العربية المأزومة» (ص. 158)، وهو ما رسم خريطة طريق لنهوض احتجاجات في نهاية سنة 2010 ومطلع سنة 2011؛ فالاحتجاجات العربية كانت نتاج عوامل مشتركة وردّات فعل على فشل برامج التحرير الاقتصادي التي لم ترفع التسلط والملاحقة ضد المعارضة، وإنما زادت من هشاشة الدولة التي لجأت إلى القوة المباشرة لتعويض الضعف البنيوي وتعويم المؤسسات التي أصيبت بالشيخوخة (ص 164 و.)165

الانفجار

أدى الاحتقان السياسي المحكوم بخلفية اقتصادية – اجتماعية إلى تشكيل الإطار العام لنمو الحركات الاحتجاجية التي اندلعت في المدن السورية وتمثّلت بداية في حادث الحريقة في 19 شباط/ فبراير 2011، مسجّلبذلك بدء الانفجار وانتشاره على امتداد مساحة الجمهورية. فالمشهد لم يكن ممكنًا أن ينشأ «لولا توافر بيئة قابلة مسبقًا لاستقبالها والانفعال معها» (ص. 178). وكانت السلطة في تلك اللحظات مرتبكة «بين الحل السياسي، بطريقة استخدام ‹القوة الناعمة›، وبين ›الحل الأمني بطريقة استخدام ‹القوة القاسية فاختارت سياسة العنف المكشوف، ما صب ‹الزيت على النار›» (ص. 187) بدعوى «الحفاظ على هيبة الدولة» (ص. 188). ويتسق ذلك «مع جوهر المنطق الأمني السوري في الشك، وقراءة كل ‹حدث جلل› بمنظور ‹المؤامرة› الخارجية» (ص. 195)، وهو ما أدى إلى دفع البلاد شيئًا فشيئًا باتجاه التأجيج الأهلي الطائفي، بدءًا من

توتر العلاقة بين «الأحياء السنية والأحياء العلوية في بانياس، وبين بانياس السنية ومحيطها» (ص. 232). كذلك برز خلال هذه المرحلة «الاحتقان الطائفي الذي أخذ شكل تضامنية طائفية (...) في أحياء حمص التقليدية (...) التي تتسم بانحدار قسم مهم من سكانها من أصول بدوية» (ص. 237) في هذا السياق، صيغت نظرية «المؤامرة»، وتبنّت القيادة «استراتيجية الحل الأمني لاحتواء الأزمة بأساليب ‹القوة القاسية›، وتعليق الحل السياسي إلى حين إنجاز مهمات الاستراتيجية الأمنية» (ص. 249). وتوسعت في هذه المرحلة عمليات الجيش (...) بهدف إخماد الحركات الاحتجاجية تحت عنوان «مكافحة السلفيين» (ص. 251). وعك س ذلك «انزلاق السلطة الفعلية إلى أيدي الأمنيين والعسكريين» (ص. 254)، وهو ما أدى إلى توسيع دائرة الاشتباكات وتدمير الأحياء وتفريغ المدن من السكان ونزوح العائلات إلى دول الجوار خوفًا من «هذه الأجواء المصابة بوباء ‹الكراهية› (...) سواء أكانوا من هذا الطرف أم من ذاك» (ص. 269)؛ فالكراهية دفعت «أبناء كل طائفة بالنزوح من الأحياء المختلطة التي تمثّل الطائفة الأخرى أغلبيتها» (ص. 287)

المركز والأطراف

يرى باروت أن التظاهرات والاحتجاجات التي وقعت منذ 19 شباط/فبراير وحتى أواخر تموز/ يوليو 2011 (خمسة شهور ونصف شهر تقريبًا) اندلعت وتطوّرت في المدن المتوسطة والصغيرة، وفي البلدات والأطراف العشوائية الفقيرة والمهمَّشة في المدن الكبرى، وهو ما يشير إلى «أن الفقر في سورية ظاهرة مناطقية تميز تلك المدن وأطراف المدن الكبيرة» (ص. 309). كذلك كان للعامل العشائري (شبه البدوي) دوره في «احتدام الحركات الاحتجاجية» (ص. 303)، لأنه كلما كان «التعامل الأمني فظ ا وأسفر عن وقوع قتلى وحملة اعتقالات، كانت حركة الاحتجاج أقوى وأشد كثافة وانتشارًا، بفعل عوامل التضامن الجهوي والعشائري والعائلي والأهلي» (ص. 308). ويعني ذلك أن الحركات الاحتجاجية «تشير بوضوح إلى ›أنها حركة الأطراف الفقيرة والمهمشة ‹المنتفضة مقابل المراكز ‹الخاملة›» (ص. 322). وهي على المستوى التكويني أو العمقي للبنية الداخلية «تتسم بدينامية الاستقطاب بين الأطراف المتمدينة المهمّشة والفقيرة والمراكز المدينية السيّدة والمترفة، وبحضور مقاطع من بعض ديناميات غزو الأطراف للمركز، ومحاولة تثويره» (ص. 340) وينتهي باروت إلى المطالبة بتسوية تاريخية بسبب وجود «طوائف متعددة في المجتمع الأهلي » متماهية مع النظام السوري (ص. 388)؛ فالمجتمع «معقد الهوية دينيًا مذهبيًا وأقواميًا، إذ يشتمل اجتماعه الأهلي على المستوى المذهبي الديني على ما لا يقل عن 17 مجموعة فرعية أو بالأحرى ‹طوائفية›» (ص. 389). لذلك، فإن «انهيار النظام السياسي في البلدان المركّبة الهوية بعامة، التي ينتمي إليها المجتمع السوري ومجتمعات الهلال الخصيب والجزيرة العربية بخاصة، يحتمل انهيار الهيئة الاجتماعية برمّتها معه، ودخول المجتمع في مرحلة تمزق اجتماعي وإثني وطوائفي ومناطقي (...)» (ص. 392). ويرى باروت أن حركة الاحتجاجات أنتجت موازين قوى جديدة تتلخص في «استحالة عودة النظام إلى ما كان عليه قبل آذار/مارس 2011» (ص. 396)،

وهو ما يستدعي التوجه نحو «تسوية تاريخية» تُطلق ديناميات جديدة في عملية التغيير في إطار «شروط المجتمع السوري المركّب الهوية والمنقسم في آن معًا»، بحيث يكون «التفاهم الوطني» هو المنحى المطلوب «للخروج من الأزمة البنيوية الراهنة» (ص. 399)

الثورة في المجال الافتراضي

«مع انطلاقة الثورة وانعدام وجود حيّز واقعي وجد الناشطون في سورية في الفضاء الافتراضي ملاذًا لنقل وقائع احتجاجاتهم وقيمهم السياسية في غياب قوى سياسية معارضة منظمة قادرة على تأطير الحراك الشعبي على الأرض» (ص. 165) وقد أعطى غياب الجانب الميداني فرصة للعالم الافتراضي للتحرك وتأسيس فضاء في المجال السياسي العام، والحض على الاندفاع على الأرض في سياق دمج بين الحقيقة والخيال؛ فهذا المجال المتوهَّم حاول حمزة المصطفى في كتابه الثورة السورية – الخصائص، الاتجاهات، آليات صنع الرأي العام)٣(توضيح رموزه من خلال رصد أعمال شبكات الاتصال والتواصل وأفعالها. يرصد حمزة المصطفى تطور شبكات الاتصال والتواصل وتوسعها بعد رفع الحجب المفروض عليها «من قبل السلطات في 8 شباط/فبراير 2011» (ص. 331)؛ فالرفع أدى إلى ازدياد عدد المستخدمين، وأعطى فرصة للتحرك الشبابي في المجال الافتراضي بعد أن كانت تقتصر سابقًا على صفحة «الثورة السورية» التي أنشئت في 18 كانون الثاني/يناير 2011(ص. 39) وبعدها أُسست شبكة «شام» الإخبارية التي بدأت عملها في آذار/مارس 2011 (ص. 67) ثم أنشئت شبكة «أوغاريت» الإخبارية في آذار/ مارس أيضًا «من قبل مجموعة من الناشطين في الداخل والخارج» (ص. 87). وسرعان ما تدحرجت الكرة وأخذت المحطات تظهر على أنواعها، حاملة معها خطابات تحريضية (سلفية، دينية) تشنّع بالآخر (الخطاب القرضاوي، الخطاب المعقلن أو المرشد، الخطاب المتسلفن – العرعوري) لتضع الصراع في إطار التشنج الأهلي والانقسام الطائفي – المذهبي؛ إذ على «الرغم من أن الثورة السورية انطلقت في مناطق ريفية، فهي امتدت إلى المدن الكبيرة مثل حمص وحماة ودرعا ودير الزور وإدلب واللاذقية)...(، لكن العمليات العسكرية وحملة الاعتقالات الواسعة التي قامت بها السلطات (...) كان لها الأثر الكبير في انفلات الإيقاع الذي كانت تفرضه وتضبط من خلاله أي انحرافات ممكنة» (ص. 103) وفي رأي الكاتب أن «ظهور هذا المشهد هو نتيجة طبيعية في مجتمعات مثل المجتمع السوري، حيث فشلت الدولة في إنتاج هوية وطنية جامعة يمكنها أن تثبط تأثير الانتماء الفرعي؛ وفي ظل هذا التقوقع يظهر الخطاب الشعبوي الذي يحمل إشارات طائفية تلامس شريحة معيّنة ذات تأثير كبير لتغدو الأغلبية في تفكيرها وسلوكها أقرب إلى سلوك الأقليات» (ص. 105). وحتى «تسمية الجمعة في سورية، لم تخرج من رحم الميادين الثورية فحسب، بل اختُطفت من قِبل الفضاء الافتراضي، وتم احتكارها من قِبل جهة معيّنة ذات توجهات سياسية، وحاولت فرض أدبياتها وعقائدها السياسية على الشارع المحتج» (ص. 128). وحال الثورة السورية كحال الثورات العربية الأخرى،

فهي لم تنطلق «كردة فعل على المسائل الكبرى السيادية، وإنما نشأت حركات احتجاجية بسبب استعصاء الأنظمة الحالية على الإصلاح واستمرار الاستبداد» (ص. 132) وساهم استعصاء الأنظمة ورفضها الإصلاح سلميًا في خروج الظاهرة المسلحة من رحم مجتمع غير متجانس، وهذا ما جرى في سورية في الأشهر الأولى للاحتجاجات، «بيد أنها حملت طابعًا بدائيًا تقليديًا يعكس واقع البنى الاجتماعية العشائرية والتقليدية التي انطلقت منها (...) الأمر الذي أدى إلى بروز شباب مسلح ‹إسلامي› بهدف رد الاقتحامات الأمنية المتكررة» (ص. 137)، وهو ما «أدى إلى بروز حالة من ‹العسكرة› للثورة السورية، لم تستطع هذه الوسائل (الفضاء الافتراضي) في ما بعد طمسها وإنكارها» (ص. 141). ونتيجة استمرارية الاحتجاجات، «كان من الطبيعي أن تفرز بؤر الاحتجاجات قيادات محلية أخذت على عاتقها تنظيم الحراك ونقل معطياته الإعلامية عبر ‹اليوتيوب› أو على مواقع الصفحات الناشرة لتنقل إلى وسائل الإعلام وفق حركة دائرية ليعاد ضخها كرموز جديدة في المجتمع» (ص. 145) وكان لهذا التطور الحراكي الميداني دور في دفع وسائط التواصل الافتراضي إلى المطالبة بتشكيل تنسيقيات، بعد أن اكتشف الناس صعوبة إسقاط النظام، خلافًا لما حدث في تونس ومصر، الأمر الذي شجّع على تشكيل «قيادات محلية» أخذت تنتشر وتمتد في مختلف المحافظات والمناطق حتى «تكاثرت عدديًا بصورة مفرطة» (ص. 147)، إلى أن جرى تأسيس اتحاد تنسيقيات الثورة في أيار/ مايو 2011، و«لكن بيانه التأسيسي صدر في 1 حزيران/يونيو 2011(ص» 150). وواجه الاتحاد بعد إعلان تأسيسه مجموعة من العقبات، أبرزها افتقار الشباب إلى الخبرة السياسية)...(، لكن الاتحاد استطاع تجاوز بعض هذه العقبات مع تزايد الخبرة الميدانية والإعلامية لممثلّي التنسيقيات في الاتحاد (ص. 151)، مع ذلك، فشلت هذه الهيئات الافتراضية – الميدانية «حتى الآن في تأسيس كيان ميداني متماسك يستطيع أن يفرض معالم المرحلة السياسية في الثورة الحالية أو المقبلة» (ص. 159)، والسبب في الانحرافات «يعود بالأصل إلى انحراف النقاشات ضمن المجال العام الافتراضي (...)، أمّا الجزء الأكبر فيقع على نظام الاستبداد الذي لاحق الطبقة المثقفة التي انخرطت في الاحتجاجات، فمنع الاعتصامات، وأجهض صنع الشعارات داخليًا، وأفرط في العنف إلى درجة حيّدت التفكير العقلاني للمستقبل » (ص. 166-167)

خلفيات الثورة

بعد أكثر من سنتين على اندلاع الثورات العربية، أخذت القراءات تتشعب نتيجة المتغيرات التي طرأت على المشهد السياسي. وأكثر الانتفاضات إثارة للأسئلة كانت انتفاضة سورية بسبب موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي. وقد أدى الاختلاف على قراءة المشهد السوري إلى ظهور وجهات نظر متضاربة بشأن خلفيات الحدث وتداعياته. في إطار السياق المذكور، صدر كتاب خلفيات الثورة – دراسات سورية)٤(الذي يتضمّن «أربعة عشر بحثًا أنتجها باحثون سوريون» (ص. 19) وحاولت قدر المستطاع «أن تتخطى ما هو ظاهر في مجريات الأحداث والأفعال التاريخية المباشرة

إلى مقاربة بعض اتجاهات البنية الاجتماعية العميقة تلك في معناها الشامل» (ص. 18). توزعت أبواب الكتاب على ثلاث مقاربات: تضمّنت أولً «أسئلة التنمية المأزومة والثورة»، و ثانيًا «في أسئلة التسلطية والمعارضة والحراكات السياسية»، وثالثًا «في أسئلة الأبعاد الجيو – سياسية لتحولات الثورة» (ص 19، 23،.)28 في الفصل الأول من فصول الكتاب الأربعة عشر، حاول الباحث نبيل مرزوق كشف تداعيات «التنمية المفقودة في سورية» منذ أواسط الثمانينيات التي فاقمت معاناة الشعب، وصولً إلى سنوات 2009-1992 التي لم يتجاوز معدل النمو الاقتصادي فيها نسبة 2.46 في المئة سنويًا (ص. 35). ويذهب منذر خدام بالاتجاه نفسه في الفصل الثانيالذي يتناول «الأساس الاقتصادي للأزمة السورية»، إذ يرى «في الأزمة الراهنة التي تعصف بسورية ولو أن عنوانها الأبرز هو مطالبة الشعب بحريته وكرامته، أن لها جذورًا عميقة في الواقع الاقتصادي الذي تعيشه» (ص. 72). ويرى أيضًا سمير سعيفان في الفصل الثالثأن سياسات توزيع الدخل كان لها دورها في الانفجار الاجتماعي في سورية، حين تركز نشاطها طائفيًا ومذهبيًا وجهويًا. واتخذ حسني العظمة في الفصل الرابعغوطة دمشق نموذجًا لقراءة «جدلية الانحطاط البيئي وتدهور أحوال العيش». يتحدث البحث عن تلك العلاقة بين تدهور المعاش وانحطاط البيئة (التصحر، التشوه العمراني، الجفاف، قطع الأشجار)، وهو ما جعل الغوطة «في منزلة بوتقة ساخنة تتفاعل فيها مجمل الإحباطات والإخفاقات والتشوهات والتناقضات (...) على الصعد السياسية والتنموية والبيئية والاجتماعية (...) (ص. 185) تناول الفصل الخامس«البنية التسلطية للنظام السوري»، فقرأ جاد الكريم الجباعي النشأة والتطور والمآل الذي وصلت إليه مجريات الحرب الدائرة اليوم؛ إذ تؤكد «أن العائلة أو العشيرة أو الطائفة، إذ تعتبر المكاسب التي يحصل عليها أفرادها مكاسب لها، تلتف حول العصبية الغالبة التي تمسك بزمام السلطة. وكلما ازداد عدد الأفراد المستفيدين أيًا كان نوع الفائدة ومقدارها يزداد ولاء العائلة أو العشيرة أو الطائفة للسلطة» (ص. 222) ويتحدّث خضر زكريا في الفصل السادسعن «المعارضة الحزبية التقليدية في سورية»، ويقرأ مواقفها واتجاهاتها على الرغم من أنها «مشتَّتة داخل سورية وخارجها في عدد كبير من البلدان» (ص. 243)، بينما ينتقد حازم نهار في الفصل السابع «خطاب المعارضة السياسي خلال الثورة» الذي كشف عن «ظاهرة الجميع ضد الجميع، وحملات تشهير دائمة على مستوى الكتل السياسية والأفراد. وظاهرة الذات الفردية التي تضع نفسها فوق الجماعة والبلد والثورة، وظاهرة التنازع على المناصب...» وغيرها من سلبيات ونواقص (ص. 269) ويأتي الفصل الثامنليقرأ «سياسات إدارة الأزمة السورية» من خلال منهجية «الإدارة بالأزمة»، ويستخلص كاتبه عقيل محفوض مجموعة مفاهيم مفتاحية للإطلالة على الأزمة اختصرها بمسميات «النعامة» و«المقامر» و«المغامر » و«المنوال» و«المخيالي» و«القيمي» و«صندوق باندورا» و«خيار شمشون» و«طائر البشروش» و«خيار الإسكندر» و«عقدة غورديان» و«الحرب الهجينة»، وصول إلى النتائج والاستخلاصات

و«الإشارات والتنبيهات»، ليؤكد في النهاية أن الأزمة السورية «مسألة جذعية أو تكوينية» آلت إلى أن تكون «حالة تطورية وتفاعلية» تدير الأزمة «بما هي إدارة للمخاوف والمخاطر وإدارة للتوقعات» (ص. 334)... وهذا ما يدعوه الكاتب «الإدارة بالأزمة.» ويتحدّث آزاد أحمد علي في الفصلالتاسععن «دور أكراد سورية في المتغيرات السياسية والانتفاضة الراهنة»، معتبرًا الأكراد «رافدًا أساسيًا لسكان بلاد الشام» (ص. 335)، ولا يتناسب وضعهم مع توصيف «أقلية كردية» (ص. 369)، بينما يعتبر نيروز ساتيك في الفصل العاشر، الذي تناول «الحالة الطائفية في الانتفاضة السورية» في مساراتها وأنماطها، أن الطائفية «هوية فرعية في التاريخ السوري»، وهي دخلت في مسارات وأنماط منذ العهد العثماني (حوادث)1860 وصولً إلى «تسييس الاستعمار للهويات الفرعية » باتجاه «قومنة الطائفة» في سنة 1920 (ص. 384)، وفشل مشروع الدويلات وغيابه عن الساحة في مرحلة ما بعد الاستقلال، إذ شهدت سورية «بداية انفتاح المجتمعات الأهلية بعضها على بعض» (ص. 390) أمّا الطائفية خلال الانتفاضة التي انطلقت في 15 آذار/مارس 2011، فتمظهرت في مشاهد ومراحل متتالية، إذ بدت بدائية في مرحلتها الأولى، ثم اتخذت أنماطًا من العنف في مرحلتها الثانية، وانزلقت بعد ذلك في المرحلة الثالثة باتجاه ارتكاب أعمال خطف واغتيالات وتهجير، لتتحول في مرحلتها الرابعة إلى جرائم الكراهية ونوع من الانتقام الجماعي في نهاية سنة 2011 (ص. 409) ويحمِّل الكاتب النظام السياسي مسؤولية التدهور من «خلال ممارسته التحريض الطائفي والعنف المفرط في قمع الاحتجاجات» (ص. 418)، وكذلك «التفاوت في مستوى المعيشة» لأنه يعزز «الولاءات التقليدية من عرقية وطائفية وقبلية» (ص. 426) في الفصل الحادي عشر، يتحدث حمزة المصطفى عن «جدل الواقعي والافتراضي بين الصناعة والتأثير»، محاولتفسير ظاهرة «ميديائية » الإعلامية التي طغت على الانتفاضات منذ انطلاقها في تونس ومصر وامتدادها إلى دول عربية أخرى (427). وعلى الرغم من أهمية وسائط الاتصال، يعتبر الكاتب أن «لا أحد يستطيع إثبات علاقة سببية بين انطلاق الثورات والاحتجاجات ووسائل التواصل الاجتماعي» (ص. 433). وبسبب غياب ساحات التغير في سورية، خلافًا لما جرى في مصر وتونس واليمن، شكّل «الحيّز العام الافتراضي» ذاك البديل «من المجال السياسي السلطوي » (ص. 436).، فظهرت صفحة الثورة السورية (463 ألف مشترك ومتابع)، وشبكة شام (262 ألفًا)، وصفحة لجان التنسيق المحلية (31 ألف متابع) وغيرها من هيئات ومنابر، الأمر الذي أعطى انطباعًا بأن الثورة السورية «ظاهرة ميديائية» حين تحوّل الوضع الداخلي (المجهول إعلاميًا في السابق) إلى «عنوان متلفز ‹مرئي› يتصدر نشرات الأخبار» (ص. 446). لكن بعد أن «طغى الكفاح المسلح على الطابع المدني الاحتجاجي، تراجع تأثير الافتراضي (...)، وهنا عادت الأولوية إلى الواقعي قبل الافتراضي» (ص. 457) وجاءت الفصول الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر لتقرأ وتتابع تضارب المصالح وتقاطعها

في الأزمة السورية، فتحدث مروان قبلان في الفصلالثاني عشر عن موقع السياسة والعلاقات الدولية في الصراع على سورية، إذ شكلت الأزمة «مدخلً لإعادة رسم تحالفات المنطقة وتوازناتها » (ص. 461)، مشيرًا إلى «أن النظام السياسي الدولي – مثل الطبيعة – لا يحبُّ الفراغ» (ص. 500) وتحدث علي حسين باكير في الفصلالثالث عشر عن «الأبعاد الجيوستراتيجية للسياستين الإيرانية والتركية حيال سورية»، وأعاد التذكير بمشروع محمد جواد لاريجاني الذي صيغ في ثمانينيات القرن الماضي تحت عنوان «الاستراتيجية الوطنية – نظرية أم القرى»، ويركز على موقع إيران الجيوبوليتيكي في المنطقة وأهمية تمددها الإقليمي للدفاع عن أمنها الوطني (ص. 507)، في مقابل طموح تركيا باتجاه «تصغير النزاعات» والانفتاح، واستقطاب سورية إلى جانبها، و«السعي إلى أداء دور مؤثرٍ وفاعل في حل النزاعات الإقليمية» (ص. 514) هذا أيضًا ما أشار إليه منذر بدر حلّوم في الفصلالرابع عشر عن «ركائز الموقف الروسي من الثورة السورية» حين تتبّع جذور الموقف الروسي، و«البحث عن النقاط التي يرتكز عليها» (ص. 539)، أو ما يسمّيه «معادلة المصالح – المخاوف» التي تمر بمقاومة «الإمبريالية والغرب وأميركا»، وتنتهي بتمنّي فشل «الثورة السورية» وعدم خسارة نفوذها الأخير في الشرق الأوسط (ص. 545) الخلاصة أن الأزمة السورية متدحرجة داخليًا، وقد تتمدد كبقعة الزيت إلى المحيط ودول الجوار. والحل يحتاج إلى تسوية سياسية أو تاريخية كما ظهر في هذا الكتاب، لكن خيارات كهذه لا تزال بعيدة «حتى كتابة هذه السطور.»

الهوامش