العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

The Relationship between University Education and Democracy in the Arab World

عامر مهدي دقو*

الملخّص

* باحث سوري ومسؤول برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الديمقراطي الوطني للعلاقات الدولية. ** ظهر هذا البحث بشكل أولي كدراسة لأطروحة الماجستير من جامعة جورج تاون في واشنطن، ثم قُدِّم إلى المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مراكش، ٩١-١٢ آذار/مارس ٥١٠٢. (((انظر تعريف الأمم المتحدة للديمقراطية على الموقع الإلكتروني: >. http://www.un.org/en/globalissues/democracy<

Abstract

This study uses the database of the Arab Barometer Survey to investigate the relationship between university education and support for democracy in the following 10 Arab states: Algeria, Egypt, Iraq, Jordan, Lebanon, Palestine, Saudi Arabia, Sudan, Tunisia, and Yemen. With its focus on the Arab region, and using data specifically targeting people with a university education, this study offers a different angle to the relationship between education and democracy. Previous attempts to analyze this link have led to some contradictory conclusions, with some reporting on the existence of a positive correlation and others denying it. The findings of this research suggest that, in the states studied, there is no direct link between an individual receiving a university education and support for a democratic system of government; rather, there are other factors at play such as the quality of general education and its wide-ranging reach to all members of society.

الكلمات المفتاحية:
  • السلطوية
  • الديموقراطية
  • الثورات العربية
  • تعليم جامعي
  • انفجار سكاني
Keywords:
  • University Education
  • Arab World
  • Demographic Boom
  • Authoritarianism
  • Arab Uprisings
  • Reform

باستخدام قاعدة بيانات الدورة الثانية من استبيان الباروميتر العربي، تبحث هذه الدراسة

في العلاقة بين التعليم الجامعي ودعم الديمقراطية على مستوى الأفراد في عشر دول عربية

هي: الجزائر ومصر والعراق والأردن ولبنان وفلسطين والسعودية والسودان وتونس

واليمن. يتميز هذا البحث من غيره من البحوث السابقة بأنه يركز على منطقة الوطن العربي

بدلً من دراسة مجموعة كبيرة من الدول عبر القارات لا تجمع بينها أي ثقافة أو حضارة

مشتركة، وأنه يستخدم بيانات على مستوى الأفراد بدلً من استخدام بيانات الدول،

وأنه يركز على التعليم الجامعي بدلً من مستويات التعليم بشكل عام، وذلك لأهمية هذه

المرحلة في حياة الفرد وفي رسم آرائه واختياراته السياسية. تخلص الدراسات السابقة إلى

نتائج متناقضة بشأن العلاقة بين التعليم والديمقراطية؛ فبعضها يقول بوجود هذه العلاقة

الإيجابية، وبعضها الآخر يقول بانتفاء وجودها، خاصةً عندما يجري إدخال الصفات الثابتة

لكل بلد في معادلة التحليل. في هذا البحث، نجد أن لا علاقة بين حصول الفرد على التعليم

الجامعي ودعمه نُظم الحكم الديمقراطي في الدول العربية موضع الدراسة. ونخلص إلى

وجود عوامل أخرى متعلقة بالتعليم ومرتبطة بمدى دعم الأفراد للديمقراطية في الوطن

العربي، مثل نوعية التعليم الجامعي والتعليم المتساوي لجميع أفراد المجتمع.

مقدمة

تعتمد الأمم المتحدة الديمقراطية واحدةً من القيم الأساسية لكونها تحمي المواطنين وتضمن

لهم حقوقهم الأساسية. الديمقراطية ليست مجرد معرفة، فكم من عالم كان عدوًا لدودًا

* باحث سوري ومسؤول برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الديمقراطي الوطني للعلاقات الدولية.

** ظهر هذا البحث بشكل أولي كدراسة لأطروحة الماجستير من جامعة جورج تاون في واشنطن، ثم قُدِّم إلى المؤتمر السنوي الرابع

للعلوم الاجتماعية والإنسانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مراكش، ٩١-١٢ آذار/مارس ٥١٠٢.

(((انظر تعريف الأمم المتحدة للديمقراطية على الموقع الإلكتروني: >. http://www.un.org/en/globalissues/democracy<

صيف 2015

للديمقراطية بشكل مَرضَي ينم عن خلل ما في الشخصية. الديمقراطية هي معرفة وفعل في آن معًا، ولا

ترتبط بالشأن السياسي فحسب، وإن كانت تعني في البداية شكلً من أشكال الحكم يقوم على التداول السلمي للسلطة، بل هي أيضًا قيمة تظهر من خلال أفعال الإنسان وسلوكه، وتتضمن معاني الاعتراف

بالاختلاف، كالاختلاف بين الثقافات والاختلاف بين الآراء و الاختلاف بين الأديان. يقول العالِم

الأميركي صامويل هنتنغتن إن العالَ مرّ بثلاث أمواج من الديمقراطية، كانت آخرها ما بين سنتي 1974

و 0052، حين ازداد عدد الدول الديمقراطية في العالم بشكل مطرد. تعددت أسباب انتشار الديمقراطية، منها انتشار القيم التي تنادي بها الديمقراطية، ومنها التطور الصناعي والاقتصادي والاجتماعي، والقرب الجغرافي من الدول التي تحولت إلى ديمقراطية بما يؤدي إلى زيادة فرص التحول إلى الديمقراطية، وأسباب

أخرى لا يزال الباحثون يستكشفونها أملً في إيجاد وصفة ناجعة يقدمونها إلى الدول والشعوب التي تتطلع إلى الديمقراطية. على الرغم من انتشار الديمقراطية في كثير من دول العالم، فإن العالم العربي والشرق الأوسط بشكل عام بقيا مقاوميَن لهذه الفكرة ولم يتأثرا بأمواج الديمقراطية، بل على العكس، بدا أنهما يتجهان نحو المزيد من

التسلط والاضطهاد وغياب الحريات وحقوق الإنسان وتوطيد نظم الحكم الأوتوقراطية والفاشستية. حدث هذا إلى أن بدأت حوادث ما بات يُعرف بالربيع العربي في أواخر عام 0102، ورأى الباحثون

ومراقبو السياسة بوادر التغيير واحتمال البدء بعملية الانتقال إلى نُظم الحكم الديمقراطية في الوطن

العربي، حتى أن بعضهم، مثل كارل غيرشمان، رئيس الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، اقترب من إعلان بدء الموجة الرابعة من الديمقراطية. ولكن هذا التفاؤل بدأ يتلاشى مع الانتكاسات التي عاناها الربيع العربي، ومنها عودة حكم العسكر في بعض هذه البلدان، وانتشار فوضى السلاح في بعضها الآخر. من غير الواضح حتى الآن إلى أين ستؤول هذه التغييرات، ولكن ربما يمكننا القول إن التغيير يحدث، وهو مؤلم وبطيء وذو تكلفة عالية جدًا، وقد لا ينتج ما تصبو إليه شعوب المنطقة لأسباب عدة

يتطرق هذا البحث إلى أحدها، وهو التعليم الجامعي. خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تقدمت مستويات التعليم في الوطن العربي بشكل عام، ولكنها بقيت دون قرائنها من دول العالم الثالث. كما أن الانفجار السكاني في الوطن العربي جعل من الصعب على الشباب

(((انظر: خالد كلبوسي، «التعليم والديمقراطية: الإصلاح المنشود،»، أنفاس.نت (موقع إلكتروني)، 25 كانون الأول/ديسمبر

<http://anfasse.org/index.php?option=com_content&view=article&id=4620:2011-12-25-13-18-27&catid =35&Itemid=589>. (3) Samuel P. Huntington, «Democracy’s Third Wave,» Journal of Democracy , vol. 2, no. 2 (Spring 1991). (4) Steven Heydemann, «Upgrading Authoritarianism in the Arab World,» (Analysis Paper; no. 13, Saban Center for Middle East Policy at The Brookings Institution Press, Washington, DC, October 2007), on the Web: <http://www. brookings.edu/~/media/research/files/papers/2007/10/arabworld/10arabworld.pdf> (Accessed 29/9/2013). (5) Carl Gershman, «Democracy’s New Moment: A Forward Strategy for Advancing Freedom in the World,» (John B. Hurford Memorial Lecture, National Endowment for Democracy, Washington, DC, 1 March 2011), on the Web: http://www.ned.org/about/board/meet-our-president/archived-presentations-and-articles/democracy’s-new-moment-a- forward-> (Accessed 12/10/2013).

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

العربي إيجاد فرص عمل وبناء حياة كريمة. وساهمت الأنظمة التسلطية السائدة في الوطن العربي في تعزيز الإحباط لدى الإنسان العربي، وسلبه معظم حقوقه، وعدم الاستجابة لأدنى متطلباته، وإهانة كرامته، وما إلى هنالك من تجاوزات وإجراءات تعسفية ضده. وتشير منظمة «فريدوم هاوس» إلى أن 6 في المئة فقط من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت تتمتع بالحرية سنة 4201، وأن هذه النسبة ترتفع إلى 11 في المئة سنة 0152 بدخول تونس إلى قائمة الدول التي تتمتع بالحرية. وتشير المنظمة أيضًا إلى أن حرية

الصحافة في هذه البلدان تصل إلى مستويات منخفضة جدًا مقارنة ببقية دول العالم، الأمر الذي يدعو

إلى التساؤل: إذا سلّمنا أن أحد أهم الشروط الرئيسية لتحقيق الديمقراطية هو أن تكون الديمقراطية

مطلبًا شعبيًا، وإذا اعتبرنا ثورات الربيع العربي تعبيرًا عن هذا المطلب، فما الذي وَلّدَ هذه المطالب؟

هل التعليم وزيادة الوعي عند الجماهير هو أحد العوامل التي أدت إلى تطور هذه المطالب إلى ثورات؟ وما هي علاقة التعليم العالي (الجامعي) بانتشار دعم الأفراد الديمقراطية في الوطن العربي؟ وقد يكون السؤال في الأصل: هل هناك علاقة أساسًا بين انتشار التعليم الجامعي في الوطن العربي وازدياد نزعة

المطالبة بنُظم الحكم الديمقراطية وانتشارها؟ هذا البحث يعالج هذه الأسئلة، ويستكشف ما إذا كانت مطالب الجماهير التي أشعلت فتيل ثورات الربيع العربي بالحرية والكرامة والديمقراطية ناجمة عن ازدياد مستويات تعليمها، ويستكشف أيضًا أثر التعليم الجامعي تحديدًا في تشكيل هذه المطالب وتطويرها،

والعلاقة بين مستويات التعليم ومدى قدرة هذه الدول على الاستمرار في التجربة الديمقراطية والوصول إلى ترسيخ مبادئ الديمقراطية وممارساتها بين أبناء المجتمع. في هذا الإطار، سأبحث في تفصيلات العلاقة بين التعليم العالي والديمقراطية على مستوى الأفراد في عشر بلدان عربية هي: الجزائر ومصر والعراق والأردن لبنان وفلسطين والسعودية والسودان وتونس واليمن.

خلفية البحث وإشكالاته

تختلف في البلدان العربية مستويات التعليم، وخاصة التعليم الجامعي؛ فعلى الرغم من ازدياد نسب التعليم الابتدائي وجهود محو الأمية في هذه البلدان، لا تزال مستويات التعليم الجامعي منخفضة مقارنة بما تصبو إليه شعوب المنطقة، ومقارنة حتى بدول العالم الثالث الأخرى. لقد حققت معظم الدول العربية مستويات جيدة في التعليم الابتدائي، وارتفعت مستويات التعليم الثانوي بشكل كبير خلال العقدين الماضيين. وبحسب التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي، فإن عدد

(((انظر تقرير منظمة «فريدوم هاوس» للحرية في العالم لسنة 4201، وتقرير حرية الصحافة في العالم لسنة 4201 على الموقعين

<http://www.freedomhouse.org/report-types/freedom-world#.VE0P_hY3864>, and <http:// الإلكترونيين على التوالي: www.freedomhouse.org/report-types/freedom-press#.VE0WpRY3864>. (7) Christoph Zuercher, Nora Roehner and Sarah Riese, «External Democracy Promotion in Post-Conflict Zones: A Comparative-Analytical Framework,» Taiwan Journal of Democracy , vol. 5, no. 1 (July 2009). (8) Abdeljalil Akkari, «Education in the Middle East and North Africa: The Current Situation and Future Challenges,» International Education Journal , vol. 5, no. 2 (2004), on the Web: <http://ehlt.flinders.edu.au/education/iej/articles/ v5n2/Akkari/paper.pdf> (Accessed 29/9/2013).

الجامعات في الوطن العربي وصل إلى حوالى 395 جامعة في سنة 0082، ونصف هذه الجامعات تقريبًا

تنتمي إلى القطاع الخاص. أمّا مستويات التعليم الجامعي (ما بعد الثانوي)، فتختلف بين الدول العربية موضع هذه الدراسة؛ إذ

ازدادت أعداد خريجي الجامعات خلال العقد الماضي في معظم هذه الدول، كما يُظهر الشكل البياني (1)

الذي جرى تطويره من خلال إحصاءات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). الشكل (1)

أعداد خريجي الجامعات خلال العقد الماضي بحسب إحصاءات منظمة اليونسكو

اﻟﻴﻤﻦ ﺗﻮﻧﺲ اﻟﺴﻮدان

اﳌﻤﻠﻜﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻠﺴﻄﲔ

اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ

على الرغم من أن بعض هذه المؤشرات قد يبدو مشجعًا، فإن الانفجار السكاني في الدول العربية جعل من

المستحيل على الشباب أن يؤسّسوا حياة كريمة؛ فالعالَ العربي يُعتبر قنبلة ديموغرافية، إذ ازداد عدد

سكانه إلى 360 مليون نسمة في سنة 0122. وقد ساهمت الأنظمة الاستبدادية في حرمان مواطنيها

من أبسط حقوقهم الإنسانية، واستطاعت رؤوس هذه الأنظمة توطيد حكمها وتحويل أنظمتها إلى

أوتوقراطيات كاملة. ساعدت عوامل عدة، مثل ارتفاع معدلات البطالة وانتشار الفساد واستبعاد

الشباب والتسلط والدكتاتوريات القائمة منذ زمن وغياب العدل وانتشار الظلم الاجتماعي وعدم

المساواة بين طبقات المجتمع، في إشعال ثورات الربيع العربي، الذي جلب فرصًا للتحول الديمقراطي

في المنطقة، فانتقلت في ضوئه بعض الدول العربية، مثل تونس، من تصنيف «غير حرة» إلى حالة

(((انظر: مؤسسة الفكر العربي، التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية (بيروت: المؤسسة،.)2009

(((1 انظر إحصاءات منظمة اليونسكو، على الموقع الإلكتروني:.>http://data.uis.unesco.org/Index.aspx?queryid=162<

تجدر الإشارة إلى أن بعض البيانات لبعض الدول في بعض السنوات غير متوافر.

(11) Raj Desai, Anders Olofsgard and Tarik M. Yousef, «Inequality, Exclusion, and Dissent: Implications for Youth in the Arab World,» (Workshop Discussion Paper, The Social-Economic Situation of Middle East Youth on the Eve of the

(((1 انظر إحصاءات البنك الدولي على الموقع الإلكتروني:.>http://data.worldbank.org/region/ARB<

(14) Kenneth M. Pollack, «Introduction: Understanding the Arab Awakening,» in: Kenneth M. Pollack, Daniel L. Byman and Akram Al-Turk, The Arab Awakening: America and the Transformation of the Middle East , Saban Center at the Brookings Institution Book (Washington, DC: Brookings Institution, 2011), on the Web: <http://www.brookings.edu/~/

صيف 2015

ﻟﺒﻨﺎن اﻷردن

اﻟﻌﺮاق ﻣﴫ اﳉﺰاﺋﺮ

Arab Spring, Beirut, 8-9 December 2012).

(13) Heydemann, «Upgrading Authoritarianism».

media/press/books/2011/thearabawakening/thearabawakening_chapter.pdf> (Accessed 29/9/2013).

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

«حرة بشكل جزئي» بحسب مؤشر الحرية الذي تقدمه منظمة «فريدوم هاوس» كل سنة. ولكن لا

تزال نتائج حوادث الربيع العربي غير واضحة، وفي معظم الأحيان مخيبة للآمال، وقد تستمر الحوادث

هذه سنوات قبل أن تتضح معالمها ونتمكّن من الحكم عليها لجهة إنتاجها أنظمة ديمقراطية ملبية لتطلعات

الثورات العربية وأهدافها، أو إنتاجها أنظمة مغايرة لذلك. ما نستطيع القيام به الآن هو البحث في كيفية

تأثير عوامل الحداثة والتطور الاجتماعي الاقتصادي، كارتفاع مستويات التعليم الجامعي، في ازدياد وعي

الجماهير ومطالبتها بتحقيق الديمقراطية كنظام حكم وكمنظومة قيم تحكم المجتمع. أبحث هنا في هذه

الإشكالية، مركّزًا على العلاقة بين حصول الفرد على تعليم جامعي ومدى ارتباط ذلك بمطالبته بنظام

حكم ديمقراطي، وذلك في الدول العربية العشر الآنفة الذكر.

مراجعة للبحوث السابقة المعنية بالعلاقة بين التعليم والديمقراطية

تعود جذور فرضية العلاقة بين التعليم والديمقراطية إلى نظرية الحداثة)Modernization Theory(، ورائدها

سيمون مارتن ليبست؛ فقد افترضت هذه النظرية أن بناء الديمقراطية واستدامتها في أي بلد قائمان على

مقدار تطوره الاقتصادي والاجتماعي. وبالتالي، فإن التقدم الصناعي والتكنولوجي وزيادة مستويات التعليم

كلها يساهمان في التحول إلى الديمقراطية. يقول ليبست إن «التعليم يوسّع أفق الإنسان، ويساعده على

تفهم مبادئ التسامح، ويمنعه من اتّباع نهج التطرف، ويزيد في قدرته على انتخاب ممثّليه في الحكومة بشكل

عقلاني». وقد انتقد كثير من الباحثين هذه النظرية، وخاصة بعد أن تحولت دول لا تملك مستويات عالية من

التطور الاقتصادي والاجتماعي، مثل دول أميركا اللاتينية، إلى الديمقراطية، في حين عززت دول أخرى غنية

بمواردها، مثل دول الخليج العربي، دكتاتورياتها، وبدت أبعد ما تكون عن المسار الديمقراطي. هنالك اختلاف بين النتائج التي توصل إليها الباحثون في العلاقة بين التعليم بشكل عام والديمقراطية؛

فبعضهم، من أمثال راكام (Rackham) وليبست (Lipset) وتشابوت وراميريزChabbott & Ramirez) (،

يذهب إلى أن هذه العلاقة إيجابية، بمعنى أن المزيد من التعليم يساهم في تقدم المجتمع نحو الديمقراطية،

والعكس بالعكس، أي أن الأمية وانخفاض مستويات التعليم يترافقان مع انعدام وجود أي خطوات

باتجاه تحقيق الديمقراطية. يقول البروفيسور سافيل كوشنر إن العلاقة العكسية يمكن أن تكون صحيحة؛

((1 انظر تقرير منظمة «فريدوم هاوس» للحرية في العالم لسنة (4201، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.freedomhouse.org/report-types/freedom-world#.VE0P_hY3864>. (16) Seymour Martin Lipset, «Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy,» American Political Science Review, vol. 53, no. 1 (March 1959), on the Web: <http://www.jstor.org/ stable/1951731?origin=JSTOR-pdf> (Accessed 29/9/2013). (17) Michael L. Ross, The Oil Curse: How Petroleum Wealth Shapes the Development of Nations (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2012). (18) Aristotle, Politics , with an English translation by H. Rackham, Loeb Classical Library; 264. Aristotle in twenty- three volumes; 21 (Cambrige, Mass.: Harvard University Press, 1932), on the Web: <http://www.hup.harvard.edu/ catalog.php?isbn=9780674992917> (Accessed 29/9/2013); Lipset, «Some Social Requisites of Democracy,» and Colette Chabbott and Francisco O. Ramirez, «Development and Education,» in: Maureen T. Hallinan, ed., Handbook of the Sociology of Education (New York: Kluwer Academic/ Plenum Publishers, 2006).

صيف 2015

فالنظم الديمقراطية تستثمر عادة في التعليم أكثر ممّا تستثمره النظم الدكتاتورية، وهذا ما يحدث في البيرو

الآن. ويبدو أن لا أحد يناقض هذا الاتجاه في العلاقة، فهذه الحقيقة اليوم واضحة، طبعًا مع استثناء بعض

الدول التي انتشر التعليم فيها بشكل كبير على الرغم من أن نظمها دكتاتورية، مثل البحرين وكوبا. أمّا في ما يخص الاتجاه المثير للجدل لهذه العلاقة، وهو أن المزيد من التعليم يقود إلى الديمقراطية، فقد بحث

كلٌّ من بارو وزورسكي وآخرين في هذه العلاقة، وبرهنوا على وجودها. أمّا غلايسر، فوجدوا

برهانًا على أن مستويات التعليم المختلفة تؤدي دورًا مهمًّ في تحديد مستويات المطالبة بالديمقراطية.

وبشكل مشابه، أجرى بابيانو وسيورونيس دراسة على بيانات 174 بلدًا بين سني 1960 و 0052،

ووجدا أن المجتمعات الأكثر غنى هي الأكثر حظًا في التحول إلى الديمقراطية، كما وجدا أن ارتفاع

مستويات التعليم والتنمية يؤدي إلى تسريع هذا التحول. وفي دراسة أخرى وجد مارتن وفازيارغ

أن الأمية مرتبطة بالديمقراطية بصورة سلبية، وبرّرا ذلك بأن الأشخاص الأميين يكونون عادة غير

قادرين على وضع الحكومات الأوتوقراطية أمام مسؤولياتها وتحميلها مسؤولية سياساتها وقراراتها. كما

يقدم الباحثان برهانًا على أن ارتفاع مستويات التعليم عند المواطنين يؤدي إلى انتقالهم من التركيز على

كسب قوت عيشهم إلى المطالبة بحقوقهم السياسية؛ فعندما يحوز هؤلاء التعليم، يصبحون قادرين على

التعبير عن صوتهم في الانتخابات، الأمر الذي يقود إلى ديمقراطية مستدامة. في المقابل، يذهب بعض الباحثين، من أمثال عاصم أوغلو وآخرين، إلى أن العلاقة بين التعليم

والديمقراطية غير موجودة، أو بالأحرى أن العلاقة تختفي عندما تُضاف خصائص التحكم الثابتة

للبلدان (Country Fixed Effects) إلى نموذج التحليل الترددي Regression Analysis Model) (؛

فقد قام هؤلاء الباحثون بإجراء دراسة مشابهة للدراسات التي أنتجت علاقة إيجابية، ولكنهم أدخلوا على الدراسة المزيد من العوامل المحذوفة)Omitted Variables(لم يضمّنها من سبقهم من الباحثين في التي

(((1 انظر: مناف المهندس، «علاقة التعليم بالديمقراطية،» (مركز الخليج لسياسات التنمية، 42 تموز/ يوليو 2012)، على الموقع

الإلكتروني:

<https://www.gulfpolicies.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1534:2013-08-04-22-27- 54&catid=52:2011-04-09-07-47-47&Itemid=366>. (20) Robert J. Barro, «Determinants of Democracy,» Journal of Political Economy , vol. 107, no. 6 (1999), on the Web: <http://dash.harvard.edu/handle/1/3451297> (Accessed 29/9/2013). (21) Adam Przeworski, Jose Antonio Cheibub, Michael E. Alvarez & Fernando Limongi, Democracy and Development: Political Institutions and Material Well-being in the World, 1950-1990 (Cambridge: Cambridge University Press 2000). URL (cited 17 June 2009): http://books.google.co.uk/books?id=8uocGV0fptMC. (22) Edward Glaeser, Rafael La Porta, Florencio Lopez-de-Silanes, and Andrei Shleifer, 2004 «Do Institutions Cause Growth?» Journal of Economic Growth, Vol 9. pp. 271-303. (23) Elias Papaioannou and Gregorios Siourounis, «Economic and Social Factors Driving the Third Wave of Democratization,» (Dartmouth College, Economics Department and University of Peloponnese, Department of Economics, United Kingdom February 2008). (24) Fabrice Murtin and Romain Wacziarg, «The Democratic Transition,» (Springer Science+Business Media New York, September 2013). (25) Daron Acemoglu [et al.], «From Education to Democracy?,» American Economic Review , vol. 95, no. 2: Papers and Proceedings of the One Hundred Seventeenth Annual Meeting of the American Economic Association, Philadelphia, PA, January 7-9, 2005 (May 2005), on the Web: http://www.jstor.org/stable/4132788> (Accessed 29/9/2013).

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

دراساتهم، وذلك بهدف إنتاج دراسة أكثر دقة، والحصول على نتائج أقرب إلى واقع هذه العلاقة. السؤال

الذي طرحه الباحثون هو: ما احتمال أن تنتقل دولة معيّنة إلى الديمقراطية عندما يرتفع مستوى التعليم

فيها؟ والجواب الذي وجدوه، على العكس من باقي الدراسات، هو أن المزيد من التعليم ليس مرتبطًا

بازدياد احتمال التحول الديمقراطي. ولكي ينقضوا النتائج التي توصل إليها الباحثون، قاموا بإضافة

عامل الزمن إلى نموذج التحليل الترددي، واستنتجوا أن استبعاد غلايسر هذا العامل أدى إلى نتائج غير

دقيقة، وأنه فعليًا لا توجد علاقة ترابطية ما بين التعليم والديمقراطية. بعد ذلك، وردًا على بحث عاصم

أوغلو، قام غلايسر وآخرون بتطوير الدراسة التي نشروها سنة 4200 وقدموا برهانًا على وجود

علاقة سببية (Causal) ما بين التعليم والديمقراطية؛ فبحسب نتائج بحثهم، يساعد التعليم الناس

على التواصل بعضهم مع بعض، وهذا يقود إلى المزيد من الحِراك المدني والسياسي، الأمر الذي يؤدي إلى

المزيد من الضغط الشعبي باتجاه نظام منفتح أقرب إلى الديمقراطية منه إلى الدكتاتورية. وما بين هذين

الرأيين المتناقضين في طبيعة العلاقة بين التعليم والديمقراطية، نجد باحثين مثل درازانوفا يرون أن العلاقة

موجودة ولكنها تختلف من بلد إلى آخر، بحسب طبيعة نظام الحكم.

مساهمة هذا البحث

كما رأينا في مراجعتنا للبحوث السابقة في هذا الموضوع، فإن النتائج تبدو متناقضة وفي بعض الأحيان

غير متماشية مع المنطق السائد والمعروف، وهو أن العلاقة بين التعليم والديمقراطية علاقة إيجابية من

الطرفين. وتنظر هذه الدراسات، في معظمها إن لم يكن جميعها، إلى طيف واسع من البلدان عبر

القارات، ولا تركز على منطقة جغرافية معيّنة، كالوطن العربي الذي يملك الكثير من الميزات المشتركة

الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وحتى نُظم الحكم المتشابهة في معظم الأحيان. هذا بالإضافة

إلى أن معظم الدراسات السابقة لا تستخدم بيانات على مستوى الفرد، وإنما تستخدم بيانات على مستوى

نظام الحكم في البلدان موضوع الدراسة. كما أن معظم هذه الدراسات تنظر إلى مستويات التعليم بشكل

عام ولا تركز على التعليم الجامعي بشكل خاص. هذه الصفات في البحوث السابقة أدت كلها إلى ترك

الكثير من الأسئلة بلا إجابات وكانت محفزًا لنا للقيام بهذا البحث. خصوصية هذا البحث أنه يطرح السؤال التالي: إذا كانت الدراسات السابقة تصل إلى نتائج متناقضة بشأن

ماهية العلاقة بين الديمقراطية والتعليم بشكل عام، في مجموعة كبيرة من دول العالم عبر القارات الخمس،

فما هي طبيعة هذه العلاقة إذا ركزنا على دراسة التعليم الجامعي بدلً من التعليم بشكل عام، وركزنا على

العالم العربي بدلً من دراسة مجموعة بلدان من حول العالم غير مشتركة في أي ميزات ثقافية أو اقتصادية أو

(26) Glaeser, La Porta, Lopez-de-Silanes, and Shleifer, 2004 «Do Institutions Cause Growth?» pp. 271-303. (27) Acemoglu [et al.], «From Education to Democracy?». (28) Edward Glaeser, Giacomo Ponzetto and Andrei Shleifer, «Why Does Democracy Need Education?,» Journal of Economic Growth , vol. 12, no. 2 (June 2007). (29) Lenka Drazanova, «Does Education Matter for Democracy? An International Comparison of the Effect of Education on Democratic Attitudes and Xenophobia,» Supervisor Gabor Toka (Degree of Master in Arts, Central European University, Department of Political Science, Budapest, Hungary, 2010).

(((3 انظر: المهندس، «علاقة التعليم بالديمقراطية.»

صيف 2015

اجتماعية، وركزنا على دراسة آراء الأفراد بدلً من الدول وأنظمتها؟ كيف تتأثر هذه العلاقة عند إدخال

مُعامل البلدان إلى نموذج التحليل؟ هذا البحث يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة لتوضيح طبيعة العلاقة

بين التعليم العالي (الجامعي) والديمقراطية في الوطن العربي، وذلك من خلال بيانات رأي عام جُعت عن

طريق استبيان الباروميتر العربي الذي وُزِّع في البلدان العربية العشرة المذكورة بين سنتي 2010 و 0112،

أي إبان انطلاقة حوادث الربيع العربي. جاء التركيز على التعليم الجامعي انطلاقًا من أهمية الجامعة كأداة لبناء الشخصية السياسية والفكرية

لطلابها؛ فالجامعة هي المكان الذي يحتك فيه الطالب بجميع التيارات السياسية، وينفتح على الآخرين،

ويحتك بثقافات وأيديولوجيات أصدقاء الجامعة، وهو ما يؤدي إلى تشكّل الوعي السياسي لديه، وربما

تتشكل آراؤه عن طبيعة نظام الحكم وما يدور من حوله على المستوى المحلي والدولي وماهية نظام الحكم

الديمقراطي وفي ما إذا كان هو النظام الأمثل لبلده أم لا.

الإطار المفاهيمي وفرضية البحث

يعتمد هذا البحث على فرضية فوائد التعليم في زيادة دعم الأفراد لأفكار الديمقراطية وتشربّهم مبادئها.

ويفترض أنه كلما ارتفعت مستويات تعليم الفرد، ازداد دعمه لمبادئ الديمقراطية والحكم الديمقراطي،

والعكس بالعكس. يتصل هذا المفهوم بنظرية التحول من القيم المادية إلى القيم ما بعد المادية Post- (

) Materialism Theory التي طورها رونالد إنجلهارت في سبعينيات القرن الماضي، والتي تشير إلى التغييرات

التي تطرأ على قيم الأفراد وحاجاتهم، وتؤدي إلى انتقالهم من المتطلبات والقيم المادية والفيزيائية إلى المطالبة

بقيم أبعد من ذلك، تتصل باستقلاليتهم وقدرتهم على التعبير عن أنفسهم بحرّية تامة. يقول إنجلهارت إن

هذا التحول يحدث عادة عندما تتحول المجتمعات إلى مجتمعات صناعية متطورة وقادرة على تغطية الحاجات

المادية الأساسية لأبنائها بحيث يصبح لديهم الوقت والموارد الكافية للبحث عن قيم وحاجات أعلى. يأتي المنطق الذي تنطلق منه هذه الفرضية من أن التعليم العالي يساهم في إنشاء علاقات تواصل ثقافي

وحضاري وعلمي بين الأفراد، الأمر الذي يدفعهم إلى الانخراط أكثر في المجتمع المدني والحراك

السياسي. في العادة، لا يمتلك الأفراد غير المتعلمين أو الذين حصلوا على مستويات دنيا من التعليم

ما قبل الجامعي القدرة على المطالبة بحقوقهم، ومحاسبة حكوماتهم وتحميلها مسؤولية سياساتها تجاههم،

وقد لا يدركون حقوقهم حتى أو أنهم يستطيعون تأدية دور في محاسبة الحكومة من خلال منظمات المجتمع

المدني والعمل الحزبي والسياسي. في المقابل، يستطيع أولئك الأفراد الذين يتمتعون بمستويات تعليم عليا

المطالبة عادة بحقوقهم السياسية، والتعبير عن مطالبهم وخياراتهم الانتخابية بشكل أفضل مقارنة بأولئك

الذي لا يتمتعون بهذا المستوى من التعليم. وبما أن معظم البحوث السابقة ركزت على العلاقة بين مستويات التعليم ونظام الحكم، وبما أن البحث

الذي أقوم به يركز على العلاقة بين مستويات التعليم على مستوى الفرد ورأيه في نُظم الحكم الديمقراطي،

فإني أفترض أن آراء الأفراد الفردية تعكس ماهية نظام الحكم الذي يعيشون فيه أو الذي يتطلعون إلى

(31) Glaeser, Ponzetto and Shleifer, «Why Does Democracy Need Education?». (32) Murtin and Wacziarg, «The Democratic Transition».

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

تحقيقه، وأن لا بد لهذه التطلعات أن تجد في نهاية المطاف طريقها إلى التحقق إذا كان وراءها أفراد مؤمنون بها ومصرّون على تحقيقها مهما تكن التكلفة البشرية والمادية. بناء عليه، يمكن الاعتماد على الدراسات

السابقة وإجراء مقاربات بينها وبين نتائج هذه الدراسة. في مثل هذه الدراسات، ولتفادي تغييب عوامل مؤثرة في التعليم والديمقراطية عن معادلة التحليل الترددي (Regression Analysis) هنا، نضمّن ما يتوافر من عوامل في قاعدة البيانات)Dataset(

المستخدمة؛ فعلى سبيل المثال، نضمّن العوامل الديموغرافية والعوامل الاقتصادية والسلوكية، لأن جميع

هذه العوامل تؤثر في كلا المتحولين الرئيسيين، محور هذه الدراسة، وهما التعليم والديمقراطية. العوامل الديموغرافية تتضمن عامل السن الذي يؤثر في سلوك الإنسان وخياراته السياسية،

وعامل الجنس لأن الديمقراطيات عادة تعطي النساء هامشًا أوسع من الحريات وحقوق المرأة مقارنة بالدكتاتوريات. ولهذا، فإن جنس الإنسان هو من العوامل التي تحدد انتماءاته وأنشطته السياسية،

وكذلك عامل الحالة الاجتماعية لأن المتزوجين مثلً يشكلون آراءهم عن السياسية والديمقراطية بناء

على فوائدها أو مضارها على عوائلهم. كما أن الأزواج يتبعون آراء أزواجهم وتوجهاتهم السياسية. وهناك أخيرًا عامل الدِّين الذي هو من أهم العوامل في السياق العربي، كون أغلبية العرب مسلمين.

وهنالك دراسات متناقضة حيال دور الدِّين في تشكيل آراء المواطن في الديمقراطية، ودراسات تدّعي

وجود تناقض بين الإسلام والديمقراطية، ودراسات أخرى تثبت أن لا وجود لمثل هذا التناقض. أمّا العوامل الاقتصادية، فتشمل دخل الفرد الشهري، ودخل العائلة الشهري، وحالة التوظيف (موظف،

عاطل من العمل)؛ فالدخل الشهري عامل مهم ومؤثر لأسباب عدة. وقد أُجريت بحوث في علاقة الدخل المادي والديمقراطية، وكانت نتائجها متناقضة أيضًا؛ إذ رأى بعض الباحثين أن الفقر يُبعد الناس

عن التفكير في حقوقهم السياسية ويُشغلهم في كسب قوت يومهم، وأن الفقراء قد لا يبالون بالفرق

بين الديمقراطية والدكتاتورية، بل إنهم قد يدعمون الوضع الحالي ببساطة لأنهم استطاعوا البقاء تحت النظام الحالي، وبالتالي لا داعي للتغيير باتجاه المجهول الذي قد يرون أن سيكون أسوأ. في المقابل، يستطيع الأغنياء ممارسة السياسة لأنهم، ببساطة، يمتلكون الوقت والموارد لتشكيل آرائهم السياسية. وقد يدعمون الديمقراطية لأنهم أشبعوا حاجاتهم المادية وبدأوا يصْبون إلى حاجات أخرى من قبيل الحرية والحقوق

السياسية والمشاركة المدنية والسياسية.

(33) Falvey Charles Powell, «Age and Political Behavior: A Comparison of Attitudes and Behavior in 1972 and 1984,» ETD collection for University of Nebraska - Lincoln. (34) Jason Reed, «Gender Differences in Political Attitudes and Persuasion,» Race, Gender and Class, vol. 13, nos. 1-2

(35) Fareed Zakaria, The Future of Freedom: Illiberal Democracy at Home and Abroad (New York: W.W. Norton and Co., 2007). (36) Nancy Burns, Kay Lehman Schlozman and Sidney Verba, «The Public Consequences of Private Inequality: Family Life and Citizen Participation,» American Political Science Review , vol. 91, no. 2 (June 1997). (37) Mark Tessler, «Arab and Muslim Political Attitudes: Stereotypes and Evidence from Survey Research,» International Studies Perspectives , vol. 4, no. 2 (May 2003).

صيف 2015

بالنسبة إلى العوامل السلوكية المتضمنة ضمن التحليل الترددي، سيجري تضمين آراء المشاركين في الاستبيان تجاه قضايا السياسة والاقتصاد والأنظمة السياسية بشكل عام، مثل مدى الانخراط في السياسة ومتابعة أخبارها، واستخدام الإنترنت في هذا الخصوص، والتصويت في الانتخابات. جميع هذه العوامل

مرتبطة على نحوٍ أو آخر بمستوى التعليم الذي حصل عليه الفرد، ومرتبطة أيضًا ومؤثرة في خياراته وآرائه السياسية في نُظم الحكم الديمقراطية وغيرها. ولا يحتاج الإنسان إلى برهان بشأن أثر هذه العوامل

في الديمقراطية؛ فما عليه إلّ أن يستذكر الدور الذي قامت به الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) في ثورات الربيع العربي. نظرًا إلى اختلاف طبيعة الأنظمة الحاكمة وظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن إدخال

عامل التحكم للدولة)Country Control Variable(في التحليل الترددي مهم وأساسي؛ ذلك أن العوامل والصفات الثابتة التي تتمتع بها كل دولة تؤدي دورًا في تحديد طبيعة العلاقة بين مستويات

التعليم والديمقراطية فيها، وهذه الصفات الثابتة قد تتضمن طبيعة نظام الحكم، ووضع المأسسة الحكومية (Institutional Quality) أو نوعية تطور هذه المأسسة ومداه، ووضعها الاقتصادي والتنموي المرتبط بالوضع السياسي. وكما يخلص الباحثون، فإن الوضع المؤسساتي (المؤسسات الحكومية وغير الحكومية) في أي بلد قد يكون من ضمن العوامل المؤثرة في سلوك المواطنين وآرائهم تجاه الديمقراطية كنظام للحكم.

البيانات والمنهج

يمكن قياس دعم الأفراد للديمقراطية من خلال آرائهم وتفضيلاتهم بشأن الأنظمة الديمقراطية، وأثر الديمقراطية في الاقتصاد والاستقرار السياسي. في هذا البحث، سوف أستخدم قاعدة بيانات الجولة الثانية من استبيان الباروميتر العربي، وهي القاعدة التي تسعى إلى قياس وتتبّع، عبر سلاسل زمنية،

سلوكيات المواطنين وقيمهم، والأنماط السلوكية المتعلقة بالتعددية والحريات والتسامح، ومبادئ تساوي الفرص، وقيم الثقة المجتمعية، والهويات الدينية والسياسية، ومفاهيم الحكم الصالح وفهم الديمقراطية، وكذلك مدى المشاركة المدنية والسياسية. وهذا المشروع تقوم عليه جامعتا برنستون وشيكاغو الأميركيتان ويشرف عليه الباحثان تيسلر وجمال4، بالتعاون مع مراكز بحوث وجامعات

(((3 انظر: صفوت العالم، «دور وسائل الإعلام في مراحل التحول الديمقراطي.. مصر نموذجًا،» (مركز الجزيرة للدراسات،

الدوحة، 14 آذار/ مارس 2013)، وبشرى جميل الراوي، «دور مواقع التواصل الاجتماعي في التغيير - مدخل نظري،» الباحث

الإعلامي، العدد 18 (2012)، على الموقعين الإلكترونيين على التوالي:

<http://studies.aljazeera.net/issues/2013/03/201331411434095725.htm>, and <http://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&a Id=68848>. (39) Jess Benhabib, Alejandro Corvalan and Mark M. Spiegel, «Reestablishing the Income-Democracy Nexus,» (Working Paper; 2011-09, Federal Reserve Bank of San Francisco, San Francisco, February 2011), on the Web: <http:// www.frbsf.org/economic-research/files/wp11-09bk.pdf>. (40) Mark Tessler and A. Jamal, «Arab Democracy Barometer,» (29 September 2013), on the Web: <http://www. arabbarometer.org>.

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

في الوطن العربي، ويقدم مجموعة من البيانات المتعلقة بمواقف المواطنين من السياسة وأنظمة الحكم

في بلدانهم. وأ جريت الجولة الأولى من هذا الاستبيان في المغرب والجزائر وفلسطين ولبنان والأردن واليمن خلال السنوات 6002 و 7002 و 08.20 أمّا الجولة الثانية، المستخدمة في هذا البحث،

فأُجريت بين سنتي 1020 و 1120 في الدول العربية العشر السابقة الذكر. تحتوي قاعدة البيانات هذه على إجابات الأفراد من هذه الدول، ممن بلغوا 18 سنة فما فوق، عن أسئلة متعلقة بالسياسة

والديمقراطية والقيم الاجتماعية وأنواع الحكم والسلوكيات السياسية. وأُجري هذا الاستبيان من خلال مقابلات شخصية معهم. يقارب حجم العيّنة 12.000 استبيان، مع تفاوت في عدد

الاستبيانات التي أُجريت في كل بلد. العامل أو المتغير الرئيسي (Dependent Variable) في هذا البحث هو مدى دعم الفرد للنظام الديمقراطي، وهو عبارة عن عامل مركّب من عوامل عدة قمنا بتجميعها لبناء هذا المتغير المركّب؛ إذ إن السؤال عن مدى دعم فرد معيّ للديمقراطية لا يمكن الإجابة عنه ببساطة بكلمة نعم أو لا، وبالتالي قمنا بتجميع

إجابات الأسئلة التالية لبناء هذا المتغير، كما يوضح الجدول.)1(الجدول (1) سؤال الديمقراطية المركّب كما ورد في الاستبيان

إلى أي مدى توافق/تعارض كل من العبارات التالية؟ (اقرأ العبارة)

٦١٥إلى أي مدى توافق/تعارض كل من العبارات التالية؟ (اقرأ العبارة)
العباراتأوافق
بشدة
أوافقأعارضأعارض
بشدة
لاأعرف
(لا تقرأ)
رفض
الإجابة
(لا تقرأ)
١. في النظام الديمقراطي يسير الأداء
الاقتصادي للبلاد بشكل سيئ
١٢٣٤٨٩
٢. يتميز النظام الديمقراطي بأنه غير
حاسم ومليء بالمشكلات
١٢٣٤٨٩
٣. الأنظمة الديمقراطية غير جيدة في
الحفاظ على النظام والاستقرار
١٢٣٤٨٩
٤له. النظام الديمقراطي قد يكون
مشكلاته لكنه أفضل من غيره
١٢٣٤٨٩
٥. المواطنون في بلدك غير مهيئين للنظام
الديمقراطي
١٢٣٤٨٩
٦. إن الديمقراطية تؤثر سلباً في القيم
الاجتماعية والأخلاقية في بلدك
١٢٣٤٨٩

الاجتماعية والأخلاقية في بلدك ١ ٢٣

(((4 يمكن الحصول على نسخة من استمارة الباروميتر العربي بدورته الثانية على الموقع الإلكتروني:

<http://arabbarometer.org/sites/default/files/ADB%20II%20Master%20Arabic%20Codebook.pdf>.

صيف 2015

أمّا المتغير المستقل الرئيسي (Independent Variable)، فهو يحدد ما إذا كان الفرد قد حصل على تعليم

جامعي أم لا. ولبناء هذا المتغير، قسّمنا متغير التعليم (Education) إلى ثلاثة متغيرات جزئية، أحدها،

وأهمها، هو المتغير المستقل الرئيسي المستخدَم في هذه الدراسة، وهو الذي يحدد حصول الفرد على تعليم جامعي أم لا، في حين يحدد المتغير الآخر ما إذا كان الفرد قد حصل على تعليم أقل من جامعي. أمّا المتغير

الثالث، فيحدد ما إذا كان الفرد أميًا. وقد أ درجت هذه المتغيرات في التحليل الترددي Regression (

) Analysis، ونوع التحليل الترددي المستخدَم هنا هو نموذج الاحتمال الخطي Linear Probability () Model الذي يُستخدم عندما يكون المتغير الرئيسي في التحليل متغيرًا ثنائيًا (Dichotomous Variable)

كما هي الحالة في بحثنا هذا، حيث إن المتغير الرئيسي هو ما إذا كان الفرد يدعم الديمقراطية أم لا، واحتمال الإجابة هو نعم أو لا. كما قمنا بإضافة عوامل التحكم (Control Variables) الأخرى المتوافرة في هذا الاستبيان، من عوامل ديموغرافية واقتصادية وسلوكية، وذلك لتفادي مشكلة انحراف نتائج الدراسة نتيجة المتغيرات المحذوفة (Omitted Variable Bias) قدر المستطاع، والحصول على أدق نتائج ممكنة. في ما يلي معادلة التحليل الترددي المستخدَمة في البحث:

P(democracy = 1|x) = β0 + β1HigherEducation + β2HigherSchoolOrLess + β3income + β4FamilyIncome + β5Age + β6Male + β7Muslim + β8Married + β9Employed + β10VoteElections + β11PoliticsInterest + β12InternetUse + ρ + µ,

حيث إن العامل ρ يرمز إلى متغيرات التحكم الثابتة للبلدان (Country Variables)، والعامل µ يرمز إلى احتمال الخطأ، ويجب تضمينه اعترافًا منا بوجود احتمال الخطأ مهما يكن طفيفًا في الدراسة، ولأن من غير الممكن لأي دراسة أن تدّعي معرفة جميع العوامل التي تؤثر في آراء الفرد تجاه الديمقراطية4. الجدول (2) يقدم تعريفات مبسّطة لجميع المتغيرات المستخدَمة في البحث. الجدول (2) تعريفات المتغيرات المتغير

التعريف

ايرملمتغيرالتعريف
المتغير الرئيسي
دعم الديمقراطيةمتغير مركّب ثنائي (Dichotomous) يحدد ما إذا كان الفرد يدعم النظام
الديمقراطي أم لا، وهذا يتضمن تحديد أداء النظام الديمقراطي في نواحي
الاقتصاد والحسم وقلة المشكلات، والحفاظ على النظام والاستقرار
والقيم الاجتماعية والأخلاقية.

والقيم الاجتماعية والأخلاقية.

((4 من الواجب التنويه إلى أنه أُعيدت برمجة جميع الإجابات من قبيل «لا أعرف» أو «رفض الإجابة» على أنها إجابات فارغة،

واستُبعدت النتائج الفارغة في الاستبيان، وذلك كي لا يجري تضمينها في التحليل الترددي.

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

المتغير المستقل الرئيسي
مستوى التعليم الجامعيمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد قد حصل على تعليم عال (جامعي)
أم لا، وهذا يتضمن أي درجة تعليم ما بعد الشهادة الثانوية (شهادات
البكالوريوس والماجستير والدكتوراه).
العوامل الديموغرافية
أمّيمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد أمّيًا أم لا.
تعليم أقل من جامعيمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد قد حصل على أي مستوى من التعليم أقل
من مستوى الجامعة، بما في ذلك التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي.
السنمتغير مستمر (Continuous) يحدد سن الفرد.
الجنسمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد ذكرًا أم أنثى.
الدِّينمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد مسلمً أم مسيحيًا.
ا الحالة الاجتماعيةمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد متزوجًا أم أعزب.
العوامل الاقتصادية
الدخل الشهريمتغير مستمر يحدد دخل الفرد الشهري بالدولار الأميركي.
الدخل الشهري للعائلةمتغير مستمر يحدد دخل العائلة الشهري بالدولار الأميركي.
حالة التوظيفمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان لدى الفرد عمل أم أنه عاطل من العمل.
العوامل السلوكية
التصويت في الانتخاباتمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد قد شارك في الانتخابات الأخيرة أم لا.
الاهتمام بالسياسةمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد مهتمً ومتابعًا للشأن السياسي أم لا.
استخدام الإنترنتمتغير ثنائي يحدد ما إذا كان الفرد مستخدمًا للإنترنت أم لا.
مجتغيرات البلدانمجموعة من المتغيرات التي تحدد بلد الفرد، وهذه البلدان هي: الجزائر
ومصر والعراق والأردن ولبنان وفلسطين والسعودية والسودان وتونس
واليمن.

واليمن. تجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين يقوم عادة، عند دراسة العلاقة بين التعليم والديمقراطية، باستخدام عوامل إضافية، مثل عامل القومية أو العرق، وعامل نوعية مؤسسات الدولة، ومدى تطور المأسسة (Institutionalization) في بلد معيّ، وهي ذات دور في تحديد مدى تطور العملية الديمقراطية في هذا

صيف 2015

البلد. للأسف، ليس هذان العاملان متوافرين في قاعدة بيانات الباروميتر العربي، فالأول غير موجود

لأن من استهدفهم الاستبيان هُم، في معظمهم إن لم يكن جميعهم، من القومية العربية، وبالتالي لم يُطرح

سؤال القومية على الأغلب لكونه غير مناسب في هذا السياق. أمّا في ما يتعلق بعامل المأسسة، فإنه متضمن

بشكل ضمني في التحليل الترددي الذي أجريناه، فهو يُعتبر من ضمن عوامل كل بلد الثابتة التي أُدخلت

). Country Control Variable كعامل تحكّم (

إحصاءات توصيفية

يقدم الجدول (3) إحصاءات توصيفية لكلا المتغيرين الرئيسيين موضوع هذا البحث، وهما دعم

الديمقراطية ومستوى التعليم الجامعي. أمّا الجدول (4)، فيقدّم إحصاءات توصيفية تتعلق بباقي

المتغيرات المستخدمة، بما في ذلك المتغيرات الديموغرافية والاقتصادية والسلوكية. بالنسبة إلى الإحصاءات الواردة في الجدول (3)، نلاحظ أن قرابة 71 في المئة من المشاركين يدعمون

نظام الحكم الديمقراطي ويفضّلونه. أمّا نسبة مستويات التعليم، فتنقسم بين 10 في المئة من المشاركين

أميين، و 45 في المئة حصلوا على تعليم أقل من الجامعي، والباقون (36 في المئة)، موضوع دراستنا، هُم

ممن حصلوا على تعليم جامعي عال (بكالوريوس أو ماجستير، أو دكتوراه أو حتى شهادة دبلوم سنتين). الجدول (3)

إحصاءات توصيفية للمتغيرين الرئيسيين

القيمة العلياالقيمة الدنياالانحراف
المعياري
الوسطي
(المعدل)
المتغير
100.450.71دعم الديمقراطية
مستويات التعليم
100.480.36مستوى تعليم جامعي
100.470.54مستوى تعليم أقل من جامعي
100.320.10أمّي
حجم العيّنة: 11933

حجم العيّنة: 11933 أمّا بالنسبة إلى الإحصاءات المتعلقة بالعوامل الديموغرافية المعروضة في الجدول (4)، فنجد أن متوسط

السن 37 سنة تقريبًا، وأن 48 في المئة من المشاركين في الاستبيان هم من الإناث، وحوالى 32 في المئة من

((4(هذه النسبة قريبة من نسب دعم الديمقراطية التي أوردهاِالمؤشر العربيلسنة 4201 الصادر عن برنامج قياس الرأي العام

العربي، الذي يديره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة - قطر. انظر: المؤشر العربي، 2014 (الدوحة؛ بيروت:

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 4201)، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.dohainstitute.org/release/90e0ea1e-b844-4aae-80fc-91209ea343c0>.

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

المشاركين متزوجون. أمّا في ما يتعلق بالدِّين، فإن أغلبية المشاركين العظمى (49 في المئة) مسلمون، علم

بأن سكان بعض الدول هُم جميعهم مسلمون، وهذا يفسر اختفاء هذا المُعامل من بعض نتائج التحليل

الترددي، وهو ما سنشير إليه ونشرحه في قسم النتائج. أمّا في ما يخص الإحصاءات الاقتصادية الواردة في الجدول (4)، فنجد أن حوالى 50 في المئة من المشاركين

عاطلون من العمل، وهذه نسبة مرتفعة جدًا وربما لا تعبّ عن ن سب البطالة التي نجدها في تقاريرِ

حكومات هذه الدول. كما أن معدل الدخل الشهري للفرد هو 317 دولارًا4. وبالطريقة نفسها،

إذا نظرنا إلى دخل العائلة الشهري، نجد أن معدله 682 دولارًا، وهذا معدل مرتفع مقارنة بالتقارير

الاقتصادية لهذه الدول. الجدول (4)

إحصاءات متغيرات التحكم

القيمة العلياالقيمة الدنياالانحراف
المعياري
الوسطي
(المعدل)
المتغير
89181337العمر
100.050.25الجنس (ذكر)
100.240.94الدِّين (مسلم)
100.470.32الحالة الاجتماعية (متزوج)
100.050.05حالة التوظيف (موظف)
10.000 دولار0649 دولارًا317 دولارًاالدخل الشهري للفرد
10.000 دولار01053 دولارًا682 دولارًاالدخل العائلة الشهري
100.800.72التصويت في الانتخابات
100.440.75الاهتمام بالسياسة
100.050.43استخدام الإنترنت
حجم العينة: 11933

حجم العينة: 11933

((4(قد تكون نسب البطالة التي تصدرها حكومات الدول العربية غير صحيحة، أو عُدّلت بقرار سياسي. وقد تكون نسبة البطالةِ

الحقيقية بالفعل مرتفعة لدرجة النصف، وحينها تكون العيّنة المنتقاة لهذا البحث ممثّلة فعل للفضاء الاحتمالي للدراسة، وهو جميع

سكان الدول العربية العشر موضع الدراسة.

((4 تجدر الإشارة هنا إلى أن هنالك فرقًا شاسعًا في الدخل الشهري للفرد بين الدول موضع الدراسة؛ فمثل، نجد أن معدل دخل

الفرد في اليمن هو 119 دولارًا، في حين أنه يصل إلى 1039 دولارًا في السعودية. ولكن لضرورات البحث، كان لابد من جعل

جميع هذه الدول في متغير واحد للدخل الشهري للفرد. في هذا الصدد، استُغني عن جميع الإجابات التي أعطت أرقامًا غير منطقية

أو بعيدة كل البُعد عن الدخل المعقول في البلدان العربية. وتسمّى هذه الإجابات Outliers، ولذلك نرى أن قيمة أكبر دخل شهري

في الجدول (4) هي 10.000 دولار، وقد حصلنا على هذا الرقم بعد استبعاد جميع الإجابات ذات قيمة دخل شهري تتعدى

ال.10.000 دولار

صيف 2015

القسم الأخير من الجدول (4) يحوي إحصاءات العوامل السلوكية، ومنها نسبة استخدام الإنترنت، إذ يبدو أن نسبة 43 في المئة فقط ممن شاركوا في الاستبيان يستخدمون الإنترنت. كما أن حوالى 75 في المئة من مجمل المشاركين في الاستبيان مهتمون بالسياسة، وهي نسبة تُعتبر مرتفعة، في حين أن 28 في المئة فقط منهم لم يصوتوا في الانتخابات الأخيرة التي جرت في بلادهم، وهذا دليل على نسبة مشاركة عالية في الانتخابات، ولكن يجب توخّي الاحتراز من خطأ التعميم هنا؛ ففي بعض البلدان، كالسعودية، كانت نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية منخفضة (39 في المئة) كونها تجربة لا تزال في بداياتها.

النتائج

يعرض الجدولان ((6)5 و) نتائج التحليل الترددي لهذا البحث، حيث اعتُمدت تقنية الأخطاء المعيارية المتينة (Robust Standard Errors) لجميع المُعاملِات زيادةً في دقة التحليل وللحصول على نتائج أكثر مصداقية. يعرض النموذج (1) في الجدول (5) نتائج العلاقة بين الحصول على التعليم العالي ومدى دعم الفرد للديمقراطية، وذلك من دون أن يجريَ إدخال أي متغيرات أو عوامل أخرى إلى التحليل. ويعرض النموذج (2) في الجدول نفسه نتائج التحليل الترددي بعد إدخال متغيرات التحكم الأخرى، ويعرض النموذج (3) النتائج بعد إدخال متغيرات البلدان، وهو النموذج المعتمد في هذه الدراسة كونه نموذجًا

كاملً. وأُدرج النموذجان ((1) و 2) فقط لإظهار الفرق بين العلاقة الأساسية من دون متغيرات وكيف تتغير هذه العلاقة عند إدخال متغيرات التحكم ومتغيرات البلدان، التي تتضمن ميزات كل بلد، بما في ذلك نوع نظام الحكم، ومدى تطور المؤسسات، والدخل القومي الإجمالي، وما إلى هنالك من ميزات تتمتع بها كل دولة. عند مقارنة نتائج النماذج الثلاثة، نجد أن مُعامل التعليم الجامعي مهم (Significant) وسلبي في النموذج (1)

الذي يعاني على الأغلب انحرافًا في نتائجه بسبب غياب متغيرات التحكم (Omitted Variable Bias) المرتبطة بكلا المتغيرين موضع الدراسة، وهما التعليم الجامعي ودعم الديمقراطية. ونجد في النموذج (2) أيضًا أن مُعامل التعليم العالي مهم (Significant) وسلبي مع تغير في قيمة المُعامل. أمّا في النموذج (3)

الكامل، فنجد أن العلاقة غير موجودة بين التعليم العالي والديمقراطية؛ إذ يمكن إهمال مُعامل التعليم

العالي لأنه غير مهم (Insignificant)، بمعنى أنه لا توجد علاقة، بحسب نتائج هذا التحليل، بين حصول الفرد على تعليم جامعي وتفضيله الديمقراطية كنظام حُكم. طبعًا هذه النتيجة تخالف فرضية البحث، وسنأتي في الخاتمة إلى مبررات ظهور هذه النتيجة.

(((4  انظر: نتائج الدورة الثانية من انتخابات أعضاء المجالس البلدية في السعودية، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.intekhab.gov.sa>.

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

الجدول (5)

نتائج التحليل الترددي الشامل باستخدام نموذج الاحتمال الخطي

دعم الديمقراطيةالمتغير الرئيسي
)3(م)2()1(النموذج
نعملالاهل تم استخدام متغيرات البلدان؟
المتغير الرئيسي المستقل
0.900*** 0.042-** 0.020-سيرم
حصول الفرد على التعليم الجامعي
)0.106()0.106()0.900(
العوامل الديموغرافية
** 0.100*** 0.100----السن
)0.000()0.000(
0.900-0.006-----الجنس
)0.900()0.900(
*** 0.065-*** 0.504-----الدين
)0.020()0.107(
* 0.020*** 0.920----الحالة الاجتماعية
)0.010()0.010(
0.500-*** -0.047----ا مستوى التعليم ما قبل الجامعي
)0.104()0.104(
العوامل الاقتصادية
0.000-0.000-----الدخل الشهري للفرد
)0.000()0.000(
0.000-** 0.000-----دخل العائلة الشهري
)0.000()0.000(
0.3000.200----حالة التوظيف
)0.010()0.010(
العوامل السلوكية
*** 0.306*** 0.020----التصويت في الانتخابات
)0.006()0.500(
*** 0.050-*** 0.030-----الاهتمام بالسياسة
)0.010()0.010(
* 0.910-** 0.220-----استخدام الإنترنت
)0.010()0.010(
*** 0.710*** 0.784*** 0.717)0.500(المُعامل الثابت
)0.304()0.030(
11.33911.33911.339حجم العينة
0.3060.8000.000مُعامل التحديد R-squared
0.0000.0000.320احتمال وجود نتيجة أفضل Prob>F
نتائج فحص أهمية إدخال متغيرات البلدان (T-test)
41.32
0.000
--------ما أهمية إدخال متغيرات البلدان؟
ملاحظة: وُض ِ عت الأخطاء المعيارية بين قوسين تحت نتيجة كل مُعامل، وذلك لتحديد أهمية هذه النتيجة ومدى إمكانية
اعتمادها أو إهمالها. كما استُخدمت ثلاث درجات من الأهمية بناء على قيمة المُعامل p-value، حيث اعتبُرت النتائج مهمة
بنسبة تأكيد 90 في المئة في حال كانت قيمة p<0.1، ومهمة بنسبة 95 في المئة في حال p<0.05، ومهمة بنسبة 99 في المئة في حال
p<0.01. وتم إعطاء رمز * للدلالة على أهمية كل نتيجة. وبالتالي، تُعتبر جميع النتائج التي لا يوجد بجانبها رمز * غير مهمة
ويمكن إهمالها، أو بالأحرى يمكن القول إن العلاقة غير موجودة بين هذا المتغير والمتغير الأساسي، وهو «دعم الديمقراطية.»

ويمكن إهمالها، أو بالأحرى يمكن القول إن العلاقة غير موجودة بين هذا المتغير والمتغير الأساسي، وهو «دعم الديمقراطية.»

ضِلُ: وُعت األخطاء املعيارية بني قوسني حتت نتيجة كل مُعامل، وذلك لتحديد أمهية هذه النتيجة ومدى إمكانية اعتامدها أو إمهاهلا. كام استُخدمت ثالث درجات من األمهية بناء عىل قيمة امعامل مالحظة
أُ. وعطي الرمز * للداللة عىل أمهية 99 يف املئة يف حال، مهمة بنسبة 59 يف املئة يف حال، ومهمة بنسبة 09 يف املئة يف حال كانت قيمة، حيث اعتُربت النتائج مهمة بنسبة تأكيد p<0.01 p<0.05 p<0.1 p-value.»كل نتيجة. وبالتايل، تُعترب مجيع النتائج التي ال يوجد بجانبها رمز * غري مهمة ويمكن إمهاهلا، أو باألحرى يمكن القول إن العالقة غري موجودة بني هذا املتغري واملتغري األسايس، وهو «دعم الديمقراطية
0.0040.5201٫310)0.106(0.435 ***)0.330(0.207)0.830(0.950)0.304(0.506 *)0.830(0.080- **)0.307(0.850------)0.304(0.110)0.200(0.200)0.000(0.000)0.000(0.000)0.065(0.107)0.066(0.390اليمنير
ج
نأرجدعم الديمقراطية
0.1000.5201٫142)0.522(0.727 ***)0.130(0.040-)0.206(0.307-)0.204(0.063 ***)0.520(0.330)0.207(0.010)0.912(0.150)0.204(0.042- *)0.100(0.200 **)0.000(0.000)0.000(0.000-)0.030(0.910)0.045(0.310تونس
0.0000.9001٫382)0.804(0.559 ***)0.920(0.107)0.230(0.100-)0.207(0.004)0.130(0.310-)0.330(0.306)0.530(0.340 - ***)0.030(0.810)0.100(0.100)0.000(0.000- *)0.000(0.000)0.046(0.060-)0.050(0.110-السودان
0.0000.1341٫352)0.390(0.844 ***)0.307(0.119 - ***)0.320(0.152 - ***)0.800(0.030 ***)0.330(0.135 ***)0.130(0.044------)0.820(0.044-)0.100(0.200)0.000(0.000-)0.000(0.000-)0.044(0.046-)0.150(0.068-السعودية
0.1800.1301٫369)0.190(0.832 ***)0.920(0.137 - ***)0.207(0.020-)0.207(0.200)0.820(0.130-)0.920(0.106)0.520(0.050- **)0.207(0.040-)0.100(0.200-)0.000(0.000)0.000(0.000-)0.067(0.061)0.071(0.131 *فلسطني
0.0000.1061٫061)0.115(0.757 ***)0.307(0.307)0.304(0.040-)0.306(0.550)0.041(0.820-)0.044(0.107)0.806(0.137-)0.830(0.041-)0.100(0.000-)0.000(0.000 *)0.000(0.000-)0.290(0.820-)0.907(0.120م
لبنان
0.0520.1101٫190)0.142(0.399 ***)0.306(0.000-)0.304(0.204-)0.030(0.510-)0.040(0.150-)0.530(0.043)0.804(0.920-)0.830(0.120-)0.100(0.200)0.000(0.000-)0.000(0.000 *)0.079(0.194 **)0.380(0.202 **األردن
0.0000.5201٫127)0.280(1.165 ***)0.820(0.180 ***)0.042(0.210)0.304(0.007-)0.306(0.850-)0.330(0.050-)0.304(0.127 - ***)0.820(0.910)0.100(0.200- *)0.000(0.000- **)0.000(0.000-)0.046(0.980- *)0.250(0.507-العراق
0.0000.3041٫024)0.061(0.852 ***)0.130(0.204)0.530(0.520-)0.204(0.020)0.820(0.106)0.130(0.107)0.530(0.141 - ***)0.820(0.090 ***)0.100(0.100)0.000(0.000)0.000(0.000)0.130(0.107)0.304(0.043-مرص
0.0000.3501٫192)0.390(0.878 ***)0.920(0.112 - ***)0.206(0.520-)0.207(0.042)0.030(0.043)0.304(0.520-------)0.820(0.900-)0.100(0.100-)0.000(0.000)0.000(0.000-)0.044(0.250)0.504(0.077-اجلزائر
احتامل نتيجة أفضل Prob>Fم
امُعامل التحديد R-squared
حجم العيّنةم
الثابت) (Constant
ماا
استخدام اإلنرتنت
إراالهتامم بالسياسةااالتصويت يف االنتخاباتياحالة التوظيفاحلالة االجتامعيةحااالدِّينِاجلنسجالسندخل العائلة الشهرييأ
م
الدخل الشهري للفرد
م
التعليم األقل من جامعي
أالتعليم العايلسيأرم
البلد ي
املتغري األسايس

)6(اجلدول نتائج التحليل الرتددي لكل بلد عىل حدة

صيف 2015

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

حتى نستكشف أسباب اختفاء العلاقة بين الديمقراطية والتعليم العالي في النموذج (3) بعد إضافة متغيرات البلدان، كان لا بد لنا من تطبيق هذا التحليل الترددي لكل بلد على حدة، لنرى طبيعة هذه العلاقة فيه. ويلخّص الجدول (6) نتائج التحليل الترددي لكل بلد على حدة، فنلاحظ بدايةً عدم وجود نتيجة لمُعامل الدِّين في ثلاثة بلدان هي الجزائر والسعودية واليمن. ويعود تفسير ذلك إلى عدم وجود أي شخص من دين آخر غير الدِّين الإسلامي في العيّنات المأخوذة من هذه البلدان. كما نلاحظ أن العلاقة

غير موجودة في معظم البلدان ما عدا الأردن وفلسطين. ونتساءل هنا: لماذا كانت النتيجة مختلفة في الأردن وفلسطين؟ وما هي خصوصيتهما التي أدت إلى وجود ارتباط إيجابي بين التعليم العالي ودعم الديمقراطية

بين أفرادهما. وللرد على هذا التساؤل، كان لا بد لنا من الغوص قليلً في إحصاءات توصيفية تتعلق بن سبِ

التعليم العالي ونسب دعم الديمقراطية فيهما، وهذا لا ينفي طبعًا احتمال وجود عوامل أخرى ربما ساهمتِ

في هذه النتيجة. بلغت نسبة دعم الديمقراطية في الأردن 60 في المئة، وهذه نسبة أقل من نسب الدول العشر مجتمعة. وبلغت في فلسطين ما يساوي نسبة الدول العشر مجتمعة. أمّا نسبة التعليم العالي في الأردن، فهي أعلى

قليلً من نسب الدول العشر؛ إذ بلغتِ 42 في المئة مقارنة ب 36 في المئة في باقي الدول. وبلغت في فلسطين 29 في المئة، وهي أقل من نسبة التعليم العالي في الدول العشر مجتمعة. إن اختلاف هذه الإحصاءات بين البلدين من دون وجود صفة جامعة بين هذه الاختلافات يجعل من الصعب إيجاد تفسير لحصولنا على نتائج مختلفة من التحليل الترددي الذي أجريناه على كلا البلدين، وهناك على الأغلب عوامل أخرى لم تكشفها هذه الدراسة فظهرت نتائج مختلفة عن نتائج غيرها من الدول.

نقاش وخاتمة

كما هو واضح، تختلف نتائج التحليل هنا عن فرضية البحث؛ فنحن افترضنا وجود علاقة إيجابية بين حصول الإنسان على مستويات عليا من التعليم وتفضيله النظم الديمقراطية للحكم في الوطن العربي، وجاءت نتائج النموذج (3) الكامل لتقول إن هذه العلاقة غير موجودة أصلً، وهذه النتيجة وصل إليها بعض الباحثين، كما أسلفنا في قسم الدراسات السابقة. وللتأكد من غياب هذه العلاقة في جميع الدول موضع الدراسة، قمنا بإجراء تحليل ترددي لكل بلد على حدة، فوجدنا أن العلاقة غير موجودة في جميع البلدان ما عدا الأردن وفلسطين، حيث إن العلاقة مهمة وإيجابية في هذين البلدين، وهذا يتماشى مع فرضية البحث، ولكن هذا غير كاف لنقض نتيجة التحليل في النموذج (3) الكامل، وبالتالي استُخلص هنا أن العلاقة بين التعليم العالي ودعم الديمقراطية في الوطن العربي غير موجودة.

((4(يجب التنويه إلى أن نتائج هذا البحث غير قابلة للمقارنة بشكل مباشر بنتائج البحوث السابقة لأنها استخدمت بيانات على

مستوى البلدان لا على مستوى الأفراد، كما هي الحال في هذا البحث. ولكن، باعتبار أن دعم الفرد للديمقراطية يمكن أن يُعتبر

مؤشرًا على توجه جمعي للمجتمع ككل، فإنه يمكن اعتبار نتائج هذه الدراسة قابلة للمقارنة بشكل غير مباشر بدراسات سابقة

في هذا المجال.

صيف 2015

هذه النتيجة تدفعنا إلى التفكير في طبيعة العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية؛ فإذا كان دعم الديمقراطية لدى الأفراد غير مرتبط بحصولهم على التعليم الجامعي، فما هو إذًا العامل المتعلق (أو ما

هي إذًا العوامل المتعلقة) بالتعليم والمساعِد على بناء الديمقراطية واستدامتها؟ هل هو نوعية التعليم الجامعي؟ هل هو التعليم المتساوي للجميع؟ ما نود قوله هنا أن كلا هذين العاملين يؤدي دورًا في زيادة

دعم الأفراد للديمقراطية. بالنسبة إلى عامل نوعية التعليم، نشير إلى أنه يحتاج إلى دراسة مستقلة لإعطائه حقه من البحث والتمحيص. ونورد هنا ملخصًا عن علاقة نوعية التعليم بالديمقراطية كتفسير محتمل لنتائج التحليل

الذي أجريناه والذي خلص إلى غياب وجود علاقة بين التعليم الجامعي ودعم الديمقراطية عند الأفراد في الوطن العربي. ما يمكن استنتاجه من نتائج التحليل هو أن حصول الفرد على تعليم جامعي لم يساعد، كما يبدو، على تعزيز دعمه لنظم الحكم الديمقراطي، وهذا يقودنا إلى التساؤل: إذا افترضنا أن نظرية الحداثة صحيحة، فما المشكلة إذًا في التعليم الجامعي في الوطن العربي؟ ولماذا لم يكن فعالً إلى درجة كافية لجعل الحاصلين عليه من داعمي الديمقراطية؟ وهل يساعد التعليم الجامعي العربي في تشكيل الشخصية السياسية لطلابه؟ وهل يحقق ما تحدّث عنه ليبست من انفتاح على الآخرين وتشرّب

لمبادئ تقبّل الرأي الآخر والتسامح، ونبذ العنف والتطرف، واستخدام العقل في انتخاب ممثّليه في

الحكومة؟ هل يتمتع التعليم الجامعي بقدر من الاستقلالية عن نهج الدولة ما يجعله قادرًا على إعطاء

طلابه الفرصة لعدم التأطر بالمنهج، الذي تريد لهم السلطة أن يتبعوه كجزء من سياسات التدجين واحتواء وإخماد الثورة الموجودة داخل كل مواطن؟ هل تعطي مناهج الجامعات العربية الطالب هامشًا من الحرية؟ وهل تفتح آفاقه للإبداع والانطلاق؟ هل يُسمح للطلاب بممارسة الديمقراطية ضمن

مؤسسات التعليم العالي بانتخاب هيئاتهم الطلابية، والتأطر ضمن انتماءاتهم الحزبية، وتناقل السلطة بشكل سلمي كتمرين عملي على الديمقراطية؟ هل تعزز الجامعات مفاهيم المواطَنة وحقوق الإنسان والمشاركة المدنية والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والفعالية الشخصية والتفكير النقدي بدل التلقين؟ هل تعطي الجامعات هامشًا من الحرية للأساتذة ليبدعوا في أساليب التعليم؟ هل توفر الجامعات فرصًا

للطلاب لممارسة المهارات المدنية، مثل حل المشكلات، والكتابة المقْنعة، والتعاون، وبناء التوافق في الآراء، والتواصل مع المسؤولين الحكوميين بشأن قضايا مثيرة للاهتمام؟ هل يشجع التعليم الجامعي التفكير التحليلي النقدي الحر للمنافسة على مستوى قرائنه في العالم تُرّج الجامعات مثقفين؟ هل

«يرفضون الواقع السائد» ويسعون إلى «تغييره من منظور الشعب»؛ مثقفين قادرين على «أداء الوظيفة النقدية»4؟

((4(انظر: محمد فاعور، «التعليم والديمقراطية في العالم العربي،» (مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 1 كانون الأول/ ديسمبر

2011)، على الموقع الإلكتروني:.>http://carnegie-mec.org/publications/?fa=46068<

((4 انظر: عزمي بشارة، «عن المثقف والثورة،»، السنة تبيّن 1، العدد 4 (ربيع 2013)، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.dohainstitute.org/release/5353c321-e0f3-4e6a-b961-6f31f31e5f0a>.

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي «لا»؛ أي إن التعليم الجامعي العربي لا يقدم أيًا من هذه المهارات بشكل

عام، مع وجود بعض الاستثناءات هنا وهناك. لذا، نستطيع القول إن هذا الفشل على مستوى نظام التعليم الجامعي قد يكون أحد أسباب انسداد الأفق الذي وصلت إليه ثورات الربيع العربي، وذلك لغياب مهارات ومبادئ الممارسة الديمقراطية عن مواطنيها كونهم تربوا وترعرعوا في ظل أنظمة قمعية

تمتد من أُسرهم، وتمر بالشارع والمدرسة، وتنتهي بالجامعة والعمل. ولم تحقق ثورات الربيع العربي من أهدافها سوى إطاحة بعض الأنظمة الحاكمة، فبقي الاستبداد بصور أخرى، لأن الشعوب العربية لم تترب

على الديمقراطية يومًا. لقد عملت الأنظمة العربية خلال العقود الماضية على تدجين مواطنيها وقتل روح الإبداع والمبادرة عندهم، وزرعت بدل ذلك مشاعر الخوف وفقدان الثقة بالذات وروح الكراهية والتسلط والتعدي وعدم قبول الآخر. أكثر من ذلك، قيدت هذه الأنظمة الحرية الأكاديمية، فغابت المدارس الفكرية والعلمية عن جامعاتنا العربية، وهو ما أدى إلى تدنّ المعارف والعلوم وشخصيات هيئات التدريس وتكوينهم العلمي ووعيهم السياسي، الأمر الذي أدى إلى شكلية العمل الجامعي غير الرصين، حيث تحولت الجامعة في العالم العربي إلى مدرسة ثانوية كبيرة. إن نتائج هذه السياسات القمعية تطفو إلى السطح الآن بعد أن أفاق الناس من صدمة الربيع العربي، ووجدوا أنفسهم أمام الحقيقة الصعبة وهي أنهم لا يملكون أدوات ومبادئ الديمقراطية والتنازع السلمي والشريف على السلطة ضمن إطار العمل الديمقراطي، فانقسموا إلى فئات متصادمة يسعى بعضها إلى إلغاء الآخر، وازداد الاستقطاب، وفي معظم الحالات فاز من بيده السلاح ومن استطاع قهر الآخر عبر القتل والتهديد والسجن. وظهرت ثورات مضادّة، وعاد حكم

العسكر في بعض البلدان العربية، وانتشرت فوضى السلاح في بلدان أخرى، وتنازعت المليشيات المسلحة السيطرة على المدن والبلدات والقرى، وحُيّدت القوى السلمية الواعية وهُجّرت أو سُجنت أو قُتلت في

بعض الأحيان. وانتشر الفكر المتطرف نتيجة غياب الدولة والأمن وانشغالها بتعزيز سلطتها بقهر الشعب، الأمر الذي أدى إلى ردّات فعل عنيفة صدرت عن المتضررين، والعنف جرّ عنفًا مضادًا، ودخل الوطن

العربي في دوامة العنف والإرهاب ومستنقع من الدماء ما فتئ ينزف. ربما يكون هذا مبرَّرًا؛ ذلك أن الانتقال إلى الديمقراطية عملية معقدة يدخل فيها «دور القوى الاجتماعية

ووزن الجيش والقوى الأمنية وحجم الطبقة الوسطى ومستويات التحصيل العلمي وأثرها في الثقافة الديمقراطية». وربما يؤدي هذا الانتقال إلى تفكك المجتمع إذا انتقل إلى التعددية السياسية قبل اكتمال عملية بناء الأمة والاندماج. لذا، فقد يكون «طريق الانتقال الأفضل إلى الديمقراطية في مثل هذه الدول

(((5 انظر: نسرين حلس، «إصلاح التعليم أول خطوة على طريق تحقيق الديمقراطية،» (إيلاف، /12/132013)، على الموقع

.>http://www.elaph.com/Web/news/2013/12/857012.html< الإلكتروني:

(((5 انظر: شبل بدران، «نظام التعليم العربي والديمقراطية علاقة غائبة،» (مداخلة وتعقيب على دراسة: عدنان بدران، نحو نظام –

تربوي تعلمي في عالم متغير شفاف، الشرق الأوسط (موقع إلكتروني)، 12 أيار/ مايو:)2004

<http://www.metransparent.com/old/texts/Badran_arab_democraty.htm>.

صيف 2015

هو الإصلاح التدريجي؛ فالثورة تحمِل في ثناياها مخاطر تَوّل مفهوم حُكْم الأكثرية إلى حُكم الطائفة

الكبرى أو الإثنية المحرومة، أو الأكثرية المظلومة... ما يهدِّدها هي ذاتها بالانقسام والتشظِّي، لأنه إذا أصبحت الهُوية هي المعيار للحقوق السياسية وليس المواطنة، لا تبقى جماعة واحدة غير مهدَّدة بالانقسام؛

فالمنظومة نفسها تولةِّد باستمرار متحدِّثين باسم هُويات مظلومة داخل الجماعة وخارجها، فسياسات الهُوي

تفقِّس هُويات». هذا بالنسبة إلى عامل نوعية التعليم الجامعي. أمّا بالنسبة إلى عامل التعليم المتساوي للجميع، فقد قام

الباحث أمبارو كاستيلو كليمنت بدراسة عن أثر التعليم المتساوي (العادل) في ولادة الديمقراطية واستمرارها، مستخدمًا بيانات التعليم ونظام الحكم في 104 بلدان بين سنتي 1960 و 00.20

واستنتج أنه بدلً من زيادة معدل سنوات الدراسة، يجري تحسين مستوى التعليم وجعله متساويًا

للجميع بما هما العاملان الأساسيان في التحول الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية. هذه النتيجة تتوافق

مع ما توصل إليه ليبست وبارو وغلايسر من أن تقديم تعليم متساوٍ لأكبر شريحة ممكنة من الشعب هو أحد العوامل الأساسية في التحول الديمقراطي. وربما يكون تفسير مثل هذه النتائج عائدًا إلى أن زيادة معدل عدد سنوات الدراسة في بلد ما مرتبطة بالنخبة التي تتلقى أفضل أنواع التعليم وأرقاها، في حين أن أغلبية باقي طبقات المجتمع محرومة من أدنى درجات التعليم، ومن هنا تأتي أهمية توزيع التعليم بشكل عادل بين جميع طبقات المجتمع، الأمر الذي يساعد في دعم الديمقراطية في هذا المجتمع. ويبدو أن هذا العامل متوافق مع نتائج المؤشر العربي لسنة 4012 والذي أجاب حوالى ربع المشاركين فيه بأن العدل والمساواة بين المواطنين هما من أهم شروط الديمقراطية، وبالطبع هذا يتضمن العدل في توزيع التعليم. على الرغم من وجود دراسات سابقة خلصت إلى النتيجة نفسها هنا، تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بحاجة إلى دراسة مفصّلة أكثر، وخاصة عندما وجدنا أن هذه العلاقة إيجابية ومهمة في بلدين من البلدان موضع

الدراسة. وهذا يشير إلى نقص في هذا البحث لأسباب متعددة، قد يكون بينها عدم شمول جميع دول الوطن العربي في الدراسة، الأمر الذي لو تم لازدادت حدة التفاوت أو الاختلاف في كلا المتغيرين الرئيسيين، المستقل وغير المستقل، وأدت في النهاية إلى نتائج أكثر دقة. ومن أهم عوامل محدودية

(((5 انظر: عزمي بشارة، «نوعان من المراحل الانتقالية وما من نظرية،» من المحاضرة الافتتاحية في: المؤتمر السنوي الثالث للعلوم

الاجتماعية والإنسانية، تونس، -2022 آذار/ مارس 4201، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.dohainstitute.org/release/ba5fdbfb-9066-40a6-85ef-2f40dc4065d5>. (53) Amparo Castelló-Climent, «On the Distribution of Education and Democracy,» (Institute of International Eonomics, University of Valencia, 2007). (54) Lipset, «Some Social Requisites of Democracy»; Barro, «Determinants of Democracy,»; Glaeser, Edward, Rafael La Porta, Florencio Lopez-de-Silanes, and Andrei Shleifer, 2004 «Do Institutions Cause Growth?» Journal of Economic Growth, vol 9, pp. 271-303.

(((5 انظر: المؤشر العربي، 4201، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.dohainstitute.org/release/90e0ea1e-b844-4aae-80fc-91209ea343c0>.

العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي

هذه الدراسة هو أن بعض المتغيرات، مثل الدخل الشهري، قيس بشكل غير دقيق، ناهيك عن الكم الهائل من الأفراد الذي رفضوا التصريح عن دخلهم الشهري، فاضطررنا إلى اعتبار دخلهم الشهري صفرًا، أي لا يوجد دخل، وقد يكون هذا مصدرًا للنتائج غير الدقيقة هنا كنتيجة لحصولنا على متغيرات

بأخطاء قياس عالية. إن القياس المتناغم والمتناسق لهذه المتغيرات عبر جميع البلدان يمكن أن يكون مدار بحوث مستقبلية. أخيرًا، على الرغم من أن التحليل هنا يحوي عددًا لا بأس به من متغيرات التحكم، فإن هذا التحليل

قد يعاني غياب بعض عوامل التحكم المرتبطة بالتعليم العالي والديمقراطية على حد سواء، والتي لم

يجرِ قياسها في هذا الاستبيان، الأمر الذي أدى ربما إلى انحراف في نتائج البحث بسبب غياب مثل هذه العوامل. في النهاية، لطالما آمن الكثير من منظمات دعم الديمقراطية في العالم بأن شعبًا أكثر تعليمً وأوفر ثروةً سينتقل

في النهاية إلى الديمقراطية، ولكن نتائج هذا البحث تُظهر على الأقل أن هذه العلاقة غير موجودة، وربما

يكون دعم الديمقراطية مرتبطًا بعوامل أخرى غير التعليم العالي. ولكن تجدر الإشارة إلى أنه يجب تناول هذا الموضوع بمزيد من البحوث لأن نتائج بحثنا هنا غير نهائية، ولأن آثار هذا السؤال تتعدى الأثر المحلي إلى أثره العالمي في رسم سياسات نشر الديمقراطية في العالم.

يعلن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عقد المؤتمر السنوي الرابع لقضايا الديموقراطية والتحول الديموقراطي

تحت عنوان:

«العن ف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة»

في الفترة الواقعة بين 12 و 14 أيلول / سبتمبر 2015 الدوحة - قطر