العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إشكالية التفاوتات الاقتصادية في «رأس المال الجديد»

إشكالية التفاوتات الاقتصادية في «رأس المال الجديد»

The Problem of Economic Disparities in ‘New Capital’

فتيحة الحساني*

الملخّص

* باحثة حاصلة على ماجستير الأبحاث في العلوم الاقتصادية من جامعة القاضي عياض في مراكش.

Abstract

Capital in the Twenty-First Century: العنوان الأصلي

الكلمات المفتاحية:
  • تفاوت اقتصادي
  • رأس المال الجديد
  • توماس بيكيتي
  • الثروة
  • المساواة
Keywords:
  • Economic Disparity
  • New Capital
  • Thomas Piketty
  • Equality
  • Revolution

الكاتب

: توما بيكيتي

الكتاب

: رأس المال في القرن الحادي والعشرين

مكان النشر الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات: ٦٩٦

كيف يتطوّر توزيع رأس المال عبر الزمن؟ وهل من صلة بين النمو وتوزيع الدخل وتوزيع الثروة؟ وهل عدم المساواة حتمي بالنسبة إلى النظام الرأسمالي، أم أن هناك طرقًا ووسائل لتقويم الرأسمالية؟ إنها بعض القضايا الرئيسية التي يتعرّض لها بالدرس والتحليل هذا الكتاب الضخم رأس المال في القرن الحادي والعشرين، الذي نشُر سنة 0132 باللغة الفرنسية (١) قبل أن يتُرجم إلى الإنكليزية سنة 4 102 (٢)، ليلقى

: كامبريدج (ماساتشوستس) ولندن (بريطانيا): بلكناب بريس لمنشورات جامعة هارفرد

صيتًا عالميًا واسعًا ويصبح من أكثر الكتب مبيعًا في العالم (٣)، لدرجة أن كثيرين من الاقتصاديين بدأوا يعتبرونه أهم كتاب نشُر في الاقتصاد منذ النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود لجون مايرد كينز في سنة 1936، فيما ذهب آخرون إلى تسميته «داس كابيتال الجديد»، في إشارة إلى الكتاب الشهير لكارل ماركس الذي يحمل العنوان نفسه. تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب هو ثمرة خمس عشرة سنة من البحوث قادها الاقتصادي

الفرنسي توما بيكيتي بشأن قضية اللامساواة، مستندًا إلى بيانات تاريخية ممتدة على مدى ثلاثة قرون وشاملة أكثر من عشرين دولة، وهي مضمّنة في قاعدة بيانات دولية ضخمة World Top () Incomes Database)٤(. وهو بذلك يجدّد فهمنا لديناميات الرأسمالية من خلال تحديد تناقضها الأساسي المتمثّل في العلاقة بين النمو الاقتصادي وعائد رأس المال. يضم هذا الكتاب أربعة أجزاء مقسّمة إلى ستة عشر فصلً. يتناول الجزء الأول («الدخل ورأس المال») قضايا الترابط بين الدخول ومخرجات العملية الإنتاجية، بالإضافة إلى مسألة النمو الاقتصادي للدول الغنية عبر القرون الثلاثة الماضية، مستعرضًا النظريات الاقتصادية الكثيرة بشأن تراكم الدخل ورأس المال. ويتناول الجزء الثاني («دينامية نسبة رأس المال إلى الدخل») تحوّل نسبة رأس المال إلى الدخل على المدى الطويل، من خلال تحولات رأس المال ضمن حركة الانتقال من أوروبا العجوز إلى العالم الجديد، وصولً إلى انفصال رأس المال والدخل في القرن الحادي والعشرين، مستخلصًا أن «الدرس الرئيسي المستقى من هذا الجزء الثاني من الكتاب هو بالتأكيد أنه لا توجد قوى طبيعية تقلّل حتمً من أهمية رأس المال ومن تدفّق الدخل من ملكية رأس المال على مدار التاريخ» (٥). أمّا الجزء الثالث («بنية عدم المساواة»)، وهو ربما الجزء الأهم من الكتاب، فيتناول أوجه عدم المساواة، وهي كثيرة، في سياق تاريخي، وصول إلى القرن الحادي والعشرين، قبل أن يقدّم الكاتب في الجزء الرابعوالأخير («تنظيم رأس المال في القرن الحادي والعشرين») مقترحات مستقبلية لدرء عدم المساواة وتصحيح النسق الرأسمالي، لا سيما من خلال المقترح الطوباوي ل«الضريبة الدولية على رأس المال».

تحليل لتطور رأس المال على خلفية عدم المساواة

يلخّص هذا المقتطف من الصفحة الأولى من الكتاب مضمونه جيّدًا: «سمح النمو الحديث ونشر المعرفة بتجنّب الطامّة الكبرى الماركسية، غير أنهما لم يغيّا البنى العميقة لرأس المال وعدم المساواة (...)؛ فبمجرد أن تجاوز معدل عائد رأس المال بشكل مستدام معدل نمو الإنتاج والدخل، وهذا ما كانت الحال عليه حتى القرن التاسع عشر، ومن المرجح أن تصبح مجدَّدًا القاعدة في القرن الحادي والعشرين، فإن الرأسمالية تنتج بشكل ميكانيكي عدم مساواة لا تُطاق وتعسفية، وهو ما يشكّل تحديًا جذريًا لقِيَم الجدارة والاستحقاق التي تستند إليها مجتمعاتنا الديمقراطية» (٦). فبالاعتماد على النظريات المتعاقبة منذ توماس مالتوس وحتى سايمون كوزنتس، مرورًا بديفيد ريكاردو وكارل ماركس، بالإضافة إلى أعمال أدبية عدة، يدرس بيكيتي في هذا الكتاب عدم المساواة في الدخل على المدى الطويل، كما يتبيّ من خلال الإقرارات الضريبية، بالإضافة إلى عدم المساواة في ملْكية الأصول، كما يتبيّ من خلال الضرائب العقارية، ليخلص إلى كتلة من البيانات تشير كلها إلى النتيجة عينها: لقد دخلت الدول الغنية عصرًا جديدًا من عدم المساواة. من العلامات المميزة الأساسية لهذا الكتاب، وهو ما يفسّ نجاحه الباهر في الولايات المتحدة، أنه يشير إلى أن ارتفاع عدم المساواة لا يرتبط بالفروق في «الجدارة والاستحقاق» وإنما بالفروق في أصول الملْكية فحسب، وهو ما يأتي على خلاف «الأسطورة» المساواتية الرأسمالية الأميركية القائلة إن الثراء في متناول الجميع وإن تكافؤ الفرص مكفول للجميع...

ويوضح الكتاب أن عدم المساواة في الدخل وعدم المساواة في الثروة ونسبة رأس المال إلى الدخل، تتّبع جميعها في البلدان المتقدمة منحنى يأخذ شكل الحرف اللاتيني U. كما يُبيّ أننا نجد في بدايات القرن الحادي والعشرين مستويات من عدم المساواة تضاهي مستويات عدم المساواة في القرنين التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتعيد هذه النتائج وضع علاقة الاقتصادي الأميركي كوزنتس (التي نشأت سنة 1509) موضع سؤال، إذ أكّد حينها كوزنتس، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، أن التنمية الاقتصادية يرافقها بشكل بديهي الانخفاض في عدم المساواة في الدخل. بينما يؤكّد بيكيتي أن الرأسمالية تولّد -في حال عدم تنظيمها- عدم المساواة بشكل متزايد. ويقترح في هذا الصّدد عددًا من التدابير السياسية للحدّ من الارتفاع في عدم المساواة، ومنها، على وجه الخصوص، إنشاء ضريبة عالمية على رأس المال.

ضريبة عالمية على الثروة

يخصّص بيكيتي الجزء الرابع من الكتاب لتقديم حلول من أجل تصحيح عدم المساواة المتأصّل في النظام الرأسمالي، لا سيما أن من شأن حجم التفاوتات أن يتفاقم إذا ما استقرّ القرن الحادي والعشرون في النمو المنخفض المزمن (وهو ما يتوقّعه بيكيتي فعلً). ومن ثم، تزداد فكرة «الضريبة العالمية على رأس المال» أهمية في نظر بيكيتي لتصبح ضرورية للجم جموح الرأسمالية.

في الواقع، إن فكرة بيكيتي لفرض ضريبة عالمية على الثروة مثيرة للاهتمام، ولكنها غير عملية على الإطلاق، بل هي أقرب ما تكون إلى الطوباوية؛ فمن جهة، سوف يستلزم الأمر عقودًا طويلة كي ترى الطبقة الوسطى العالمية، لا سيما في الدول الناشئة، مصلحة في الضغط على نخبها وحكوماتها في هذا الاتجاه، وهذا ما ينطبق خصوصًا على الدول التي تكون غير قادرة على توليد النمو الشامل وإعادة توزيع ثماره من خلال نظام للعدالة الاجتماعية مبني على قواعد مجتمعية قوية للتضامن (دول الرفاه). ومن جهة أخرى، لا يزال هذا المنطق منطقًا محضًا لإعادة التوزيع، أي إنه يبالغ في قدرة الدولة على تصحيح إخفاقات السوق، ولا يعالج المسألة الأكثر تعقيدًا للتوزيع المسبق الكفيل بتحقيق تكافؤ الفرص الحقيقي، أي التوزيع العادل والمنصف لرأس المال نفسه.

إعادة إنزال رأس المال المنزلة التي يستحقّها في الفكر الاقتصادي

هذا الكتاب هو في المقام الأول عمل إحصائي ضخم؛ فهو يغطي على مدى قرون عدة، وبالتفصيل، حالة فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، موفّرًا في الآن نفسه الكثير من المعلومات بشأن عدد من البلدان الغنية الأخرى. وهذا يساعد كثيرًا الباحثين والمهتمين على فهم كيف يمكن المؤسسات السياسية والاقتصادية المحلية أن تؤدي دورًا حيويًا في فهم ديناميات الظواهر الاجتماعية، على اعتبار أن كل بلد، وفقًا لتاريخه والتوافقات الديمقراطية الخاصة به، سوف يستجيب بشكل مختلف للقانون الأساسي لرأسمالية السوق الذي يدفع إلى زيادة تركيز الثروة: على المدى الطويل، يبلغ عائد رأس المال بعد خصم الضرائب حوالى 4 إلى 5 في المئة سنويًا، في حين أن متوسط النمو في البلدان الغنية هو حوالى 1 إلى 2 في المئة. وعندما تنمو المداخيل الجديدة بنسبة 1 في المئة وعائد الدخول السابقة هو 4 في المئة، فديناميات تراكم ثروات الأغنياء أعلى كثيرًا من المداخيل الجديدة، على اعتبار أنهم لا ينفقون كل ما يكسبون،

وهذا يؤدي مع مرور الوقت إلى تركيز للثروة، يكون أكبر دائمً. وحتى إن لم تكن الأمور في الواقع خطية ومطلقة كما تتجلى عند بيكيتي، يبقى هذا التحليل ناجعًا وهذا الكتاب مرجعيًا في ما يخصّ الاتجاه اللامساواتي لرأسمالية السوق؛ هذا الاتجاه الحثيث الذي لا يمكن أن تكسره سوى الأحداث السياسية الاستثنائية، مثل الحروب، أو الإجراءات السياسية الجذرية، مثل فرض الضرائب التصاعدية والعالية على رأس المال. ولئن كان رأس المال قد ظل فترة طويلة أحد الجوانب الأقل درسًا في الرأسمالية، لا سيما في أعقاب انحسار الفكر الماركسي، سواء في ما يتعلق بطبيعته أو بتراكمه أو بتوزيعه، على اعتبار أن لمعظم الاقتصاديين المعاصرين – بحكم هيمنة البراديغم النيوكلاسيكي – ميلً إلى العمل على نماذج رياضية معيّنة وفترات محددة وسلسلة بيانات قصيرة، فإن الاقتصادي بيكيتي يوسع دراسته إلى أقصى حد ممكن في الزمان والمكان، ليعيد من ثمّ إحياء الفكر الاقتصادي الكلاسيكي (آدم سميث وديفيد ريكاردو وكارل ماركس، ومن على شاكلتهم). إن من أهمّ مزايا هذا الكتاب هي أنه تمكّن، من خلال المشكلة الأساسية المتمثّلة في عدم المساواة، من إعادة وضع رأس المال في قلب التحليل الاقتصادي الذي يصبح من جديد «اقتصادًا سياسيًا» بعد أن ظلّ فترة طويلة «اقتصادًا رياضيًا» محضًا ومنفصلً تمامًا عن الواقع.

خلاصات الكتاب ووقع تأثيره في الفكر الاقتصادي

لا غرو في أن يلاقي هذا الكتاب نجاحًا باهرًا في معظم بقاع العالم، وبشكل خاص في البلدان الغنية التي تعرف ديناميات رأسمالية تراكمية تقترن بتعمّق عدم المساواة في توزيع الأجور والثروات. ومن ثمّ، يمكن استخلاص كثير من الدروس النظرية والعملية من هذا الكتاب الذي أصبح مرجعيًّا في مدّة قياسية؛ فمن جهة، يسمح منهجه بإعادة إدراج التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في قلب تخصص الاقتصاد، فاتحًا المجال أمام إعادة إحياء الاقتصاد السياسي التاريخي. وهو من جهة أخرى قراءة مفيدة لجميع مناهضي الرأسمالية أو أولئك الذين يريدون إعادة صوغ الرأسمالية صوغًا عميقًا. الفكرة الأساسية هنا هي أنه إذا اعتبرنا أن نشر المعرفة دافع رئيسي لإرساء التسوية الاجتماعية والاقتصادية والظروف المتساوية على المدى الطويل، كما بيّ ذلك كثير من مناصري نظريات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فإن تزايد استقطاب الرواتب العليا والتركيز الشديد لأصول الملْكية في العالم المعاصر يهدّدان قيم الجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية في المجتمعات الديمقراطية. ومن ثمّ تأتي ضرورة الانكباب على تقصّ حلول لهذه المعضلة الاقتصادية الكبرى، وهو ما يوفّيه بيكيتي حقه في هذا الكتاب.

الهوامش

(٣) بيع من هذا الكتاب حتى كانون الثاني/ يناير 2015 ما يربو على مليون ونصف مليون نسخة حول العالم، وبلغات متعددة، خاصة منها الإنكليزية:

(٦) المصدر نفسه، ص.1