العودة إلى تفاصيل المؤلَّف القبليّة: مفارقة تاريخية في القرن الحادي والعشرين؟

القبليّة: مفارقة تاريخية في القرن الحادي والعشرين؟

Tribalism - A Twenty-first Century Anachronism?

ريتشارد تابر *

الملخّص

* معهد دراسات أفريقيا والشرق الأوسط، لندن. ** ترجمة: خالد بن الصغير.

Abstract

Anyone who follows Middle Eastern politics today is aware that tribes and tribalism still play an important role in many countries. Half a century ago, few would have anticipated this. But are today’s tribes the same kind of groups as they were then? Have not the tribes too been changed by the revolutionary changes in military and communications technologies and in the nature of world economics, politics and society since the mid- 20th century? This article surveys not merely these changes, but how the term tribe has always been applied to very different kinds of social groups, living in very different kinds of states. An examination of the contrasting histories of tribes in Afghanistan and Iran shows how, in a situation of conflict and insecurity, tribalism retains important ‘survival value’ for the people, but where the state is strong, tribes are likely to survive, if at all, as tourist attractions.

الكلمات المفتاحية:
  • دولة
  • طالبان
  • اتصالات
  • تنقل
  • قبيلة
Keywords:
  • Tribe
  • State
  • Social Change
  • Communications
  • Afghanistan
  • Taliban

يعرف كل من يتابع السياسة في الشرق الأوسط اليوم أن القبائل والعصبية القبلية لا تزال تؤدي دورًا مهمًا في كثير من البلدان. قبل نصف قرن من الآن، لم يكن أحد يتوقع هذا

الأمر، ولكن، هل قبائل اليوم هي المجموعات نفسها التي كانتها آنئذ؟ ألم تتغير القبائل أيضًا بفعل التغيرات الثورية في تكنولوجيا الاتصالات والصناعات العسكرية، وفي طبيعة الاقتصاد والسياسة والمجتمع في العالم منذ منتصف عشرينيات القرن العشرين؟

يستعرض هذا المقال هذه التغييرات، وكيف كان مسمّى «قبيلة» يُطلَق باستمرار على

أنواع مختلفة كثيرًا من فئات اجتماعية تعيش في دول مختلفة تمامًا. ودراسة التاريخ

المتناقض لقبائل في أفغانستان وإيران تُظهر أن القبلية تحافظ، في ظروف النزاع وانعدام الأمن، على «قيم بقاء» مهمة لمصلحة الناس، أمّا حيث تكون الدولة قوية، فإن القبائل،

إن بقيت على قيد الحياة، تقوم بدور جذب سياحي في الغالب.

لا تخفى على متتبعي السياسة في الشرق الأوسط في أيامنا هذه أهمية الدور الذي لا تزال القبائل والقبليّة تضطلع به في كثير من البلدان. وقبل نصف قرن خا، ما كان ليتوقع هذه

الحال سوى قلّة من المهتمين. ولكن هل القبائل اليوم هي ذلك الضَّرب ذاته من الجماعات التي كانت قائمة في الماضي؟ ألم تتغيّر القبائل بفعل التغيرات الثورية التي جرت منذ منتصف القرن

العشرين على مستويات التقنيات العسكرية وتقنيات الاتصالات وطبيعة الاقتصاد العالمي والسياسة والمجتمع؟ بل إن ما نحتاج إلى الوقوف عليه يتعدّى هذه التغيرات إلى الاهتمام بالكيفية التي لطالما

طُبِّقَ بها مصطلح القبيلة على أنواع شتّى من المجموعات الاجتماعية، تعيش في أنواع شتّى من

الدول.عُنيتُ بقضية القبائل والقبليّة في الشرق الأوسط على مدى نصف قرن، وكانت موضوعَ كثيرٍ

من منشوراتي. وأعتقد أن بعض النقاط التي تناولتها بالمناقشة مرارًا وتكرارًا تحتمل العودة إليها

وتفحّصها من جديد في أواسط العقد الثاني من هذا القرن الجديد، علمًا أنني سأشير بصفة خاصة،

في سياق محاولتي تحديد ضروب التحول والثبات الأساسية، إلى إيران وأفغانستان، حيث كان لي في كلٍّ منهما أول لقاء فعلي مع القبائل في ستينيات القرن الماضي. القبليّة، على العموم، محلّ

قدح في الغرب، وعادةً ما تُقدَّم كقوة بدائية تدميرية وظامية - نقيض الحداثة العقانية - وكلعنة بالنسبة إلى المدافعين عن الحضارة التي يُفترض أنها تتقيّد بالقانون، وتتسم بالمساواة، وتقوم على

حقوق الإنسان. كثيرًا ما برز مفهوم الإثنية في العقود الأخيرة، وتكرّس التطهير الإثني والإبادة الجماعية بوصفهما آفة

العصر. وما إن يظهر البُعد الإثني في أيّ من النزاعات المحتدمة في هذا العالم، حتى يجري تحديده

على أنه الجذر الأساسي للنزاع القائم، في حين يندر تفحّص الجذور المادية والاقتصادية الفعلية

والمعقدة أو إشاعتها. يتجاهل هذا المنظور، بالطبع، ما ارتكبته الحضارات المزعومة من أعمال وحشية فظيعة، كما أنه يغفل عن وجود سمات قبلية مميزة في ما يُدعى المجتمعات المتحضرة: أندية

كرة القدم؛ بعض الأحزاب السياسية؛ بعض شركات الأعمال؛ بعض المؤسسات المغلقة؛ دع عنك الجريمة المنظمة. بل من الممكن القول إن أي مظهر من مظاهر المحسوبية ومحاباة الأقارب قبليّ في

أساسه؛ إذ إنه يتجنب حكم القانون ومؤسسات الدولة بتفضيل الروابط الشخصية القائمة على القرابة والرعاية. ولا يخلو مجتمع من مجتمعات الأرض اليوم من مثل هذا النشاط، إلى درجة أن البحث

عن سبيل لالتفاف على القواعد، التي تُرى على أنها مفروضة من طرف دولة مهمِلة ومجردة وغير ديمقراطية، بات يظهر كأنه من طبيعة البشر. ثمة منظور آخر في هذا الصدد، وقد سبق لي أن كتبت في سنة 1983: «إن للقبلية عيوبها ومحدوديَّاتها، لكن توفيرها أسباب الأمن الاجتماعي وضمانها

قيم البقاء على المدى الطويل يجب أن يزكّياها باعتبارها خلوًا من أيّ مفارقة تاريخية في العقود

الأخيرة من القرن العشرين‏». وأعتقد أن صحة هذا القول الجازم أكدَه بما يكفي بعض أحداث الشرق الأوسط في العقود الثاثة الأخيرة. حظيت فكرة «القبليّة»، في القرن الجديد، بمناقشات مستفيضة في الصحافة. كما شهدت ساحة النشر دفقًا

من المقالات والكتب التي تحمل عناوين مثل: « قبيلة أخرى با دولة » (حول الصحافيين في العراق)‏؛ نحن وهم: كيف تفهم عقلك القبليّ‏؛ «القبلية الجديدة: الزُّمَر العصبوية وصناعة السياسة الخارجية

للولايات المتحدة الأميركية»‏؛ «العرق والدين وإنكار الطبقية. القبلية بوصفها تمثيلً لوعي زائف»‏.

(1) Richard Tapper, «Introduction,» in: Richard Tapper, ed., The Conflict of Tribe and State in Iran and Afghanistan (London: Croom Helm; New York: St. Martin’s Press, 1983), pp. 74-75. (2) O. Schell, «Another Tribe without a State,» New York Times , 7/9/2003. (3) David Berreby, Us and Them: Understanding your Tribal Mind (New York: Little, Brown and Co., 2005). (4) Kurt M. Campbell, Derek H. Chollet, «The New Tribalism: Cliques and the Making of U.S. Foreign Policy,» Wash- ington Quarterly , vol. 30, no. 1 (Winter 2006-2007), pp. 193-203. (5) Norman Pollack , «Race, Religion and the Denial of Class,» Counterpunch Weekend Edition (22 August 2014), on the Web: <http://www.counterpunch.org/2014/08/22/race-religion-and-the-denial-of-class/>.

نادرًا ما غابت القبليّة عن التعليقات الصحافية في الشرق الأوسط، منذ 11 أيلول/سبتمبر 2011،

ليس في أفغانستان والعراق بعد الغزوتين اللتين قادتهما الولايات المتحدة ضدهما فحسب، بل أيضًا في كثير من البلدان الأخرى مثل سورية والأردن وفلسطين وليبيا والسعودية واليمن ودول الخليج/ الإمارات؛ كما في دول أخرى ليس للقبائل فيها ذلك الشأن السياسي، مثل إيران وتركيا والجزائر ومصر والمغرب وتونس. ها هنا تعليقان لاثنين من المراقبين بخصوص العراق وأفغانستان:

يجب النظر إلى الهجمات على قوات التحالف [في العراق] من منظور الحرب القبلية؛ فهذا عالم يستمد قدرًا كبيرًا من تعريفه من «الثأر»، و«المروءة»، و«الشرف»‏. تبدو خريطة لجنة الانتخابات في أفغانستان للوهلة الأولى على أنها صورة مُرمَّزة بالألوان

للمجموعات الإثنية المتعددة الموجودة في الباد. لكن التأمّل الدقيق كفيل بأن يكشف أنها

صورة لنتائج التصويت‏.

وعلى النقيض من هذا، إليك ما جاء في تقرير عن إيران:

السياحة القبلية من وسائل القضاء على الفقر وتوسيع نطاق العدالة الاجتماعية لإتاحتها إمكانية الاستفادة أمام واحدة من المجموعات الاجتماعية الأكثر حرمانًا. وأوضح محسن الأحمدي، نائب رئيس هيئة الشؤون القبلية المكلفة بالشؤون الاجتماعية وشؤون التواصل في إيران، أن بيع مصنوعات الحرف اليدوية المحلية، والأشغال الفنية ومنتوجات الألبان، وتأجير الخيام القبلية ومحات الإقامة والاستجمام من شأنه المساعدة على تنويع أعمال القبليين وتعزيز اقتصادهم... وأشار الأحمدي إلى أن القبائل المهاجرة التي تنتشر تقريبًا في جميع

‏أرجاء الباد تُعتبر من أروع الأشياء الكفيلة بجذب الزوار والأنثروبولوجيين الأجانب.

ما القبائل وما القبليّة؟

ما الذي نعنيه بالقبائل؟ هل هناك ما هو مشترك بين القبائل المشار إليها في التقارير الأربعة أعاه؟ هل القبائل في أفغانستان والعراق وإيران وقطر - أو في ليبيا والمغرب وغيرهما - كيان اجتماعي من النوع نفسه؟ وكيف تغيّرت، وإلى أي مدى، في كلّ سياق من هذه السياقات، في السنوات الخمسين

الماضية أو أكثر، على سبيل المثال؟ ثمة صور للقبليين لدى الغرباء عن المنطقة تتوقف على المكان الذي يصادف أن يكونوا فيه وما يرونه (على الطبيعة أو في وسائل الإعام). لكن مثل هذه الصور قد لا تتسق مع ما يحمله أي من القبليين أنفسهم، أو مع ما يحمله أبناء وطنهم من غير القبليين.تتحدى القبائل كل مجهود يرمي إلى وضع تعريف لها: ذلك أن المجموعات المصنَّفة على هذا النحو تتنوّع

(6) Amatzia Baram, «Victory in Iraq, One Tribe at a Time,» New York Times , 28/10/2003. (7) Shoib Najafizada, «Afghan vote reflects ethnic fault lines,» Agence France Presse (Website), 26 October 2004. (8) Anonymous, Iran Daily, 20 October 2004.

تنوعًا هائا باختاف المنطقة وداخل كل بلد، وذلك من حيث الحجم والموارد الأساسية وأنماط

الاستقطاب والتنظيم، شأنها في ذلك شأن أي نوع من المجموعات. وما نحتاج إليه هو تعريف متعدد

‏الخصائص. وبدلً من محاولة تعريف ماهية القبائل، من الأسهل كثيرًا أن نوضح ما نعنيه بالقبيلة

كفكرة، وكذلك بالنسبة إلى القبلية، الأمر الذي عادةً ما يتمّ بالإشارة إلى أفكار أخرى تقف قبالتها،

وأبرزها الدولة، وحكم القانون. ما من مجال لإضفاء طابع جوهري على القبيلة والقبليّة؛ إذ ليس لهما

جوهر محدِّد (مثل القرابة، والسياسة)، والأحرى أنهما من بين العناصر الأيديولوجية المحدِّدة للسلوك السياسي والاجتماعي. ومن مثل هذه العناصر الأخرى النفعية السياسية والاقتصادية (ما لدى القادة لتقديمه)، وكذلك الإلهام الديني (لدى القادة الكاريزميين)، وكاهما تبعثه وتطلق شرارته قوى خارجية

مثل الغزوات الأجنبية.لنبدأْ بتقويض بعض ضروب إضفاء الطابع الجوهري: بعض القبائل مشيخات كبيرة، مرتّبة طبقيًا، ولها القدرة على مواجهة الحكومات إن لم يكن على إطاحتها. لكن هناك قبائل

أخرى تسودها المساواة وتخلو من القادة؛ إذ أظهر الأنثروبولوجيون كيف أن القبائل الصغيرة تتجنب عمدًا تقديم قادة مميَّزين، تفاديًا لجذب الاهتمام وتدخّل جهات أقوى مثل الحكومة‏. المصطلحان المتداولان في إيران هما إياتوعشاير، ويعنيان «قبائل بدوية رعوية ‏». لكن ليس هناك تطابق أو توافق لازم بين هذه العناصر، أو بين أي اثنين منهما، في إيران على الأقل. وبالتأكيد، فإن بعض القبائل هي بالفعل من البدو الرعاة، أو ربما كانت كذلك في الماضي، لكن كثيرًا منها ليس

كذلك. وبالمثل، ليس كثير من الرعاة بدوًا، وهناك أيضًا رعاة وبدو لا ينتمون إلى قبائل، وهلمجرًا.

‏وتبيّن في بعض الحالات أن البداوة نوع من التكيّف السياسي، وإذا ما سألتَ من يُوسَمون بأنهم

قبائل كيف ينظرون إلى أنفسهم، فسوف يقدمون إجابات مختلفة. ومثال ذلك أن شاهسيفان، وهي اتحاد قبائل بدوية رعوية وجزء من الأقلية التركية في الدولة الفارسية، كانت تنظر في ستينيات القرن العشرين إلى البداوة والعيش في الخيام باعتبارهما من العامات المهمة الدالة على هويتها، وذلك على النقيض من التات، القرويين المستقرين وسكّان البلدات، في حين أن البشتون الذين عشت معهم في شمال أفغانستان في أوائل سبعينيات القرن الماضي يصنفون أنفسهم بأنهم من «الرعاة» (مالدار). كما تتميّز قبائل دوراني، شأنها شأن حكام الباد، عن الأوزبك والهزارة والطاجيك وسواهم من

المزارعين الذين يعيشون بينهم. وفي ما يخص قبائل دوراني، فإن خيامها وترحالها تعبير عن أغراض

(9) Rodney Needham, «Polythetic Classification: Convergence and consequences,» Man (New Series), vol. 10, no. 3 (September 1975), pp. 349-369. ((1(لاطاع على أمثلة من إيران وأفغانستان، انظر: Ambiguous Relations: Kin, Class, and Conflict Daniel Bradburd, among Komachi Pastoralists , Smithsonian Series in Ethnographic Inquiry (Washington: Smithsonian Institution Press, 1990); B. Glatzer, «Political Organization of Pashtun Nomads and the State,» pp. 212–232, and M. Yapp, «Tribes and states in the Khyber 1838-42,» pp. 150-191, in: Tapper, ed., The Conflict of Tribe. (11) Richard Tapper, «Change, Cognition and Control: The Reconstruction of Nomadism in Iran,» in: C.M. Hann, ed., When History Accelerates: Essays on Rapid Social Change, Complexity, and Creativity (London; Atlantic Highlands, NJ: Athlone Press, 1994), pp. 188-211. (12) William Irons, «Nomadism as a Political Adaptation: The Case of the Yomut Turkmen,» American Ethnologist , vol. 1, no. 4: Uses of Ethnohistory in Ethnographic Analysis (November 1974), pp. 635-58, and Glatzer, «Political Or- ganization of Pashtun Nomads».

وغايات اقتصادية لا عاقة لها بالهوية، أي إنها تلك الضرورة التي غالبًا ما كانت مزعجة ومنغّصة‏.

تقوم بعض القبائل على أساس صات النسب التي تعود إلى أصل مشترك، لكن مجموعات قبلية كثيرة كانت قد تشكلت تاريخيًا على أساس سياسي، بالالتفاف حول قائد كاريزمي أو ناجح، سواء

في الفتوحات أو من أجل الدفاع عن الأرض، وهو ما تشهد به أمثلة كثيرة في تاريخ القبائل التركية‏. وتأتي بعد ذلك أسس أخرى، كروابط المصاهرة والزواج، ومزاعم التي «لا بد منها» حول وجود أصل مشترك «لا بدّ من وجوده‏». ليست القبليّة (بمعنى إعطاء الأولوية للولاءات والعمل المشترك

مع أبناء القبيلة) بالنمط الوحيد للتنظيم في معظم القبائل. والجماعات تتشكل أيضًا على مستويات محددة، وتبدي ولاءات معينة في حالات النزاع، وغالبًا ما تشهد انشقاقات وحزازات‏. وكثيرًا ما

تكتسي الهويات والتباينات الإثنية والطبقية (دع عنك العبودية) أهمية بالغة في بناء المجتمع، جنبًا

إلى جنب مع أنماط الرعاية التي تقيم جسورًا في ما بينها. وقبل كل شيء، فإن المعتقدات الدينية

والولاءات لطالما وفّرت ما يسمّيه فيليب كارل سالزمان «البنية الاجتماعية الاحتياطية‏»، المتاحة

للتعبئة، خصوصًا عندما ينادي بها زعيم ديني يتمتع بالكاريزمية، مثل أحد المالي أو الشيوخ الصوفية،

وهو ما يمكن العثور على أمثلة كثيرة له في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هكذا نجد أن الشعوب القبلية في المنطقة متنوعة للغاية، وهي تعيش في قرى ومضارب بدو وبلدات ومدن، وفي جبال وصحارى وأودية خصبة.

العلاقات بين الدولة والقبيلة عبر الزمن

لاحظ بعض الأنثروبولوجيين والمؤرخين في سبعينيات القرن العشرين أن القبائل تمكنت تاريخيًا من

إقامة كثير من الدول - بحيث يستند تكوين الدولة إلى الإمكانات القبلية - واقترحوا عاقة عكسية بين قوة الدولة وقوة القبائل (خصوصًا في إيران). بعد ذلك بثاثين سنة، اقترح صحافيون الشيء ذاته في سياق تعليقهم على الحرب في العراق. ومثال ذلك السؤال الذي ورد على موقع الواشنطن بوستفي 2 أيلول/سبتمبر 006:2 «هل تقوى الهويات

(13) Richard Tapper, «Golden Tent-Pegs: Settlement and Change among Nomads in Afghan Turkistan,» in: Shirin Akin- er, ed., Cultural Change and Continuity in Central Asia (London; New York: Kegan Paul; Central Asia Research Forum, School of Oriental and African Studies, 1991), pp. 198-217. (14) Richard Tapper, «Historians, Anthropologists and Tribespeople on Tribe and State Formation in the Middle East,» in: Philip S. Khoury and Joseph Kostiner, eds., Tribes and State Formation in the Middle East (Berkeley: University of California Press, 1990), pp. 48-73. (15) William Lancaster, The Rwala Bedouin Today , Changing Cultures (Cambridge, [Cambridgeshire]; New York: Cambridge University Press, 1981), pp. 32 ff. (16) Richard Tapper, «The Organization of Nomadic Communities in Pastoral Societies of the Middle East,» in: L’Equi- pe écologie et anthropologie des sociétés pastorals, ed., Pastoral Production and Society = Production pastorale et société: Proceedings of the International Meeting on Nomadic Pastoralism, Paris 1-3 Dec. 1976 (Cambridge, [Eng.]; New York: Cambridge University Press, 1979), pp. 43-65. (17) Philip C. Salzman, «Does Complementary Opposition Exist?,» American Anthropologist , vol. 80 (1978), pp. 53‑70.

القبلية كلما ضعفت الدول القومية؟ ما الذي يجب أن يفعله الحكم ‹الصالح›، إن كان هناك ما يفعله، حيال القبائل؟». وأشارت مجموعة من المجيبين إلى القبائل في كلٍّ من العراق وباكستان ووسط أفريقيا وشرقها والأردن وفلسطين وإيران وباكستان، وتكررت على ألسنتهم إجابة واحدة: «احترموا القبائل؛ إنها تقوم بما تعجز الدول الضعيفة عن فعله‏». لم أكن وحيدًا في السير على خطى إرنست غيلنر E. Gellner) (في تطبيقه نموذج ابن خلدون الخاص ب «تداول النخب» في المغرب إبان العصور الوسطى على تاريخ العاقات القائمة بين الدولة والقبيلة في إيران (وغيرها)، لكني طورتُ هذا النموذج إلى نظرية في «القبيلة» و«الدولة» بوصفهما «حالتين عقليتين‏»، أو نموذجين ثقافيين - أيديولوجيين متنافسين أو متناوبين عاملين في المنطقة، يتحدد كل منها بالإحالة إلى الآخر، مع سيادة اثنين من «الأنماط المثالية» للقيادة (قاطع الطريق والقائد المتزعم)، يصحبهما وجود عنصر ثالث مشترك يمثله الزعماء الدينيون الكاريزميون، ليقوم هؤلاء بالتدخل وتقديم البدائل، وربما أفلحوا في خلق الدافع لتحويل القبائل إلى دول. من الواضح أن الدول تطورت على نحو جذري، من ممالك أو مشيخات ما قبل حديثة إلى كيانات سياسية وفقًا لنسق ما بعد ويستفاليا، فأصبحت لها حدودها الإقليمية، وباتت تحتكر وسائل الدمار (القوات المسلحة والشرطة) وحكم القانون، ومؤخرًا الدساتير، لكنها تتراوح من أوتوقراطيات إلى

جمهوريات من أنواع مختلفة وعلى هيئة حكام ورعيّة، أو مواطَنة طوعية وعقد اجتماعي. كي نجيب عن سؤالَي كيف تطورت القبائل؟ ولماذا؟ لنعدِّدْ بعض العوامل ذات الصلة.

محرّكات التغيير في الوسط القبلي

تقنيات الحرب

كان هناك نوع من سباق التسلح بين القوى القبلية والدولة، والقبائل تمتعت فترةً طويلة بكثير من الميزات. مقاتلوها كانوا مدربين على القتال في الحروب التي اكتسبوا فيها الخبرة. وقد بدأ الأمر بالخيول (والإبل)، وباختراع السرج والركاب، ثم واجهت الأقواس والسيوف والرماح القبلية دخول الأسلحة النارية. وأقدمت الحكومات، منذ أواخر القرن التاسع عشر، على جلب المدافع الرشاشة، وجلب القوى الجوية ابتداء من عشرينيات القرن الماضي وفي ثاثينياته، حين استخدمت القوات البريطانية الطائرات لقصف القبائل المتمردة في العراق والهند. وكان استخدام الدبابات والمدفعية محدودًا في كثير من المناطق القبلية، كما هي الحال في الجبال النائية‏. ومنذ سبعينيات القرن

العشرين، أصبحت الأسلحة الهجومية الرشاشة، مثل بندقية «الكاَشنيكوف» وقاذف الصواريخ «آر بي جي» من الأشياء المتداولة والمعروفة في المناطق القبلية. وفي الآونة الأخيرة، أثبتت طائرات

(18) <http://onfaith.washingtonpost.com/postglobal/2006/09/what_to_do_with_tribes/all.html>.

غير أن السنة الاحقة شهدت صدور مجموعة كبيرة من المقالات التي وقع فيها التنديد بالقبلية بصفتها تمثل «عدوًا حقيقيًا.»

(19) Tapper: «Introduction,» and «Historians, Anthropologists and Tribespeople on Tribe». (20) Ghulām Ḥusayn Sāʻidī, Tūp, dāstān [The Canon: A Story] ([Tihran: Sāzimān-i Intishārāt-i Ashrafī, 1968]).

الهليكوبتر أنها قوة مدمرة إلى أن تصدت لها صواريخ «ستينغر». وتبدو القوات القبلية الآن عاجزة عن امتاك أي وسيلة دفاعية في مواجهة التقنية الأحدث: «الطائرات من دون طيار» التي يجري التحكم فيها عن بُعد.

تقنيات النقل والاتصال

مرة أخرى، واصل الطرفان السباق. وكانت القبائل البدوية قادرة في الأصل على التنقل وإيصال الرسائل بصورة أسرع. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، حظيت الحكومة بميزة استخدام التلغراف، لكن القبائل المتمردة في إيران ما لبثت أن استخدمته أيضًا، في مناسبات شهيرة، كي توصل مطالبها إلى الحكومة. وفي القرن العشرين، أفاد الطرفان من انتشار شبكات الطرق، وهو ما أتاح للقبائل تحسين منافذها إلى الأسواق وسواها من المرافق، واستبدلت بالإبل والخيول الشاحنات الكبيرة والخفيفة، لكن هذا التحول ذاته سهَّل أيضًا إحكام الحكومة سيطرتها على القبائل. وفي الآونة الأخيرة، أحدثت

الهواتف النقالة والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية والإنترنت تغيرات كبرى لكا الطرفين؛ وراح كثير من العناصر القبلية يستخدم الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي لالتقاط الأخبار العاجلة،

والحصول على المعلومات، والقيام بالدعاية، فضلً عن تحقيق بعض الأغراض الثقافية‏.

تقنيات الإنتاج

جمع كثير من القبائل تقليديًا بين التجارة والغزو. وكان بعضها ينتزع رسومًا على مرور التجارة في

أراضيه، أو ينتزع ريوعًا من الفاحين. أمّا قبائل الرعاة، فكانت تربّي الماشية وتبيع منتوجاتها في

السوق أو تبادلها مع الفاحين. وفي الآونة الأخيرة، أفادت عناصر قبلية من إنتاج محاصيل المخدرات الثمينة وتجارتها، كما من تهريبها عبر الحدود مع غيرها من السلع.

تقنيات المواطَنة

بازدياد الدول قوة، زادت سيطرتها على القبائل بواسطة الجيش والشرطة والمحاكم، كما زادت توفيرها بعض الخدمات الحديثة كالصحة والتعليم (مثل العيادات والمدارس القبلية في إيران وغيرها)، وراحت تعامل القبائل كبقية المواطنين. وكان المقصود من بعض هذه التقنيات الجديدة وضع حدّ للقبائل، كقوة سياسية على الأقل.

هل حانت نهاية القبائل؟

أفلحت القبائل والتشكيات شبه القبيلة في البقاء أمام التحولات التكنولوجية. والسؤال هو: هل هناك أشكال ووظائف محددة من الماضي حافظت عليها؟ هل لا تزال للقبائل تلك الأهمية في استقطاب الولاءات الأولية، وتوفير سبل التعامل مع جهاز الدولة (القانون والضرائب والتجنيد...

إلخ)، فضلً عن ضمان الحماية من اضطهاد الدولة؟ بات كثير من هذه الأمور من وظائف «المجتمع

(2((المصدر نفسه.

المدني»؛ إذ يقوم كثير من عناصر «المجتمع المدني» المعاصر بهذه الأدوار على وجه التحديد، أمّا

في الدول التي فقدت مجتمعها المدني الرسمي أو لم تعرف مثل هذا المجتمع، فليس من المستغرب أن نجد القبائل والمنظمات القبلية تبزغ أو تعاود البزوغ كي تسدّ الفراغ. رأى بعضهم، على الرغم من

ذلك، أن السكّان «القبليين» السابقين في مناطق النزاع المعاصرة (أفغانستان، العراق، سورية) فقدوا

طابعهم القبلي «الأساسي»، إذ اتخذوا أشكالً تنظيمية جديدة ومختلفة من أجل التعامل مع الدول التي تواجههم اليوم. لنسلّطْ الضوء على الحالتين المتعارضتين في أفغانستان وإيران.

أفغانستان

يتركّز تعاملنا هنا بصورة أساسية على البشتون (البختون، البوشتون، الباتان)، البالغ تعدادهم حاليًا

أكثر من 25 مليون شخص، وكثيرًا ما يوصفون بأنهم أضخم سكان قبليين على وجه البسيطة. وينتشر

البشتون في أراضي أفغانستان، خصوصًا في الأجزاء الجنوبية، من هيرات وقندهار، إلى غزني

وكابول وجال أباد، لكنهم منتشرون أيضًا في أجزاء من الشمال. وقد يكون العدد الأكبر من السكان البشتون هو الذي يعيش في باكستان، ولا سيما في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي القديم، وكذلك في أجزاء أخرى كثيرة، بما في ذلك المدن الكبرى. وتتسم الأنشطة الاقتصادية الفعلية، والتنظيم الاجتماعي والسياسي والممارسات الثقافية (وحتى اللهجات) لدى هذه الفئة من السكان بتنوع كبير. وكان كثيرون من الكتّاب، من بينهم بشتون وأنثروبولوجيون (وأنثروبولوجيون بشتون)، قد حاولوا

تحديد العناصر المشتركة الموحِّدة، مثل قانون البختونوالي الشهير، غير أن هذا الأخير أيضًا لا يحظى

باعتراف جميع الذين يزعمون أنهم من البشتون. حكم البشتون أفغانستان منذ أن أسسها أحمد شاه العبدلي/الدوراني في أواسط القرن الثامن عشر حكمًا متواصا تقريبًا حتى حدود القرن الحالي. وفي غضون ذلك، اكتسبت قبائل البشتون سمعة

دولية بفضل أنشطتها على الحدود الشمالية الغربية للهند البريطانية، بما في ذلك المشاركة في فصول الحروب الأفغانية الثاث إبان القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فضا عن مساهمتهم في مختلف الثورات المحلية تحت قيادة الزعماء الدينيين، من أمثال آخوند عبد الغفور المعروف بسيدو بابا الذي كان في سوات، ومرزا علي خان من قرية إبي والمعروف بفقير إبِّي. وفي ثمانينيات القرن

العشرين، مثَّل البشتون العناصر الرئيسية في صفوف المجاهدين الذين واجهوا قوات الاحتال الروسية

[السوفياتية] والحكومة الشيوعية في كابول. ومنذ سنة 1994 إلى اليوم، كانت الهيمنة للبشتون في

طالبان، أولً كحركة أفلحت في إلحاق الهزيمة بأمراء الحرب المجاهدين المتناحرين، ثم كحكومة في كابول (1996 - 0012)، وبعدها ك«تمرد» ضد حكومة حامد كرزاي المدعومة من حلف شمال الأطلسي، ابتداء من سنة.2004 قارن أنثروبولوجيون وسواهم بين طالبان والحركات الدينية الإحيائية والألفية، والعبادات النبوية، وثورات الفاحين. لكن جميع التعميمات بخصوص طالبان ومثُلهِم العليا وسياساتهم منذ سنة 0012

سارت بعكس التغاير أو عدم التجانس البالغ الوضوح الذي يسم الحركة منذ أن غدت «تمردًا»؛ وكان هذا التغاير حاضرًا منذ ظهور طالبان في تسعينيات القرن الماضي، وهو حاضر أيضًا في المجتمع

القبلي البشتوني. في صفوف الشعب القبلي البشتوني الدوراني القروي، الذي درسته في أوائل سبعينيات القرن العشرين‏ في سياق كانت الدولة تؤدي فيه دورًا متناميًا لكنه لا يزال نائيًا في الحفاظ

على النظام، وعلى نحو كان مكلفًا بالنسبة إلى الشعب (تجنيد، ضرائب، رشوة)، كان ثمة تفاعل بين القيم والهويات الدينية والقبلية والإثنية. وكانت كل قيمة مهيمنة غارقة مثقلة بالتجاذب وعدم الاتساق، حيث كان الدين تلك القواعد الصارمة والعقوبات التي يفرضها المالي ويديرونها في المحاكم، كما كان روحانية أقطاب الصوفية وشيوخها ونزوعهم إلى إحال السام، وكانت الهوية القبلية مصدرًا

للتضامن والعنف على السواء، كما كانت الهوية العرقية تدني وتقصي في آن معًا. وفي بحث غير

منشور يعود تاريخه إلى سنة 1998، قمت بتحليل أوّلي لأيديولوجيا طالبان وممارستها في ضوء هذه

القيم السائدة، فوجدت عناصر استمرار، إلى جانب جملة من الاختافات الجذرية‏. سعى بعض المعلقين على صعود طالبان الأفغانية وعودتها إلى الحياة بعد تفككها الأولي، في إثر الغزو العسكري الذي قادته الولايات المتحدة سنة 0012، وراء تفسيرات أحادية السبب، كالتعصب الديني، أو الإثنية البشتونية، أو القبلية البشتونية. ويرى أحد هذه التعليقات أن طالبان استعادت النظام في بلد منقسم قبليًا وإثنيًا، حيث أخفقت الدولة وتسببت فصائل المجاهدين وأمراء الحرب والخانات القبليون في

نشر الفوضى، وذلك بإعادة إدخال جديد معايير البشتون وقيمهم القبلية التقليدية. وترى صيغة أخرى من هذا النقاش أن طالبان كانت تجليًا متطرفًا ل«بديل» يحلّ محلّ الخانات وأمراء الحرب (نموذج

قدّيس بارت)‏، لكن هذا لم يكن سوى عنصر واحد في خلفيتها الثقافية البشتونية، سهّل ظهوره

ما يقارب العقدين من الحرب، إضافة إلى الموارد الخارجية والدعم الخارجي. ويبدو أن التناقضات الداخلية أو الضغوط الخارجية، أو أي حافز آخر، قد تؤدي، إن عاجلً أم آجا، إلى تأرجح البندول

عائدًا في الاتجاه المعاكس، نحو نظام ليبرالي أكثر اعتدالً، يمثّل القيم البشتونية البديلة. ما أراه هو أن ثمة بعض المعقولية في صيغتي النقاش؛ فمقاتلو طالبان الأصليون من البشتون، حيث جرى استقطابهم من مخيمات الاجئين والمدارس الدينية في باكستان ومن بين القبائل المحيطة بقندهار، ومن الطبيعي أن يكونوا قد جلبوا معهم عناصر من الثقافة البشتونية، مهما تكن مشوهة أو غير متوازنة، ولا سيما فكرة الشرف المتطرفة في معاملتها النساء. ولكن مرة أخرى، وعلى الرغم من بعض العداوات الإثنية وضروب سوء الفهم، رحبت طالبان منذ البداية بغير البشتون من المسلمين السنّة «الصالحين»، بل كانوا على استعداد - كما هو معهود دائمًا عند البشتون - للدخول في تحالفات

(22) Nancy Tapper, Bartered Brides: Politics, Gender, and Marriage in an Afghan Tribal Society , Cambridge Studies in Social and Cultural Anthropology; 74 (Cambridge [England] ; New York: Cambridge University Press, 1991).

2(((تمكّن بعض مضامين هذه الدراسة من البقاء ليُنشر في المقال التالي وقد اعتمدته في صياغة الفقرات الاحقة: Richard

Tapper, «Studying Pathans in Barth’s Shadow,» in: Benjamin Hopkins and Magnus Marsden, eds., Beyond Swat: History, Society and Economy along the Afghanistan-Pakistan Frontier (London: C. Hurst, 2013), pp. 221-38. (24) Fredrik Barth, Political Leadership among Swat Pathans , Monographs on Social Anthropology; 19 (London: Uni- versity of London, Athlone Press, 1959).

مع الشيعة كي يدفعوا قدُمًا أهدافهم السياسية أو العسكرية. وكثير من قيم طالبان الصريحة مألوفة لدى القرويّين الدورانيين الذين أعرفهم، على الرغم من أنه نادرًا ما وقع في التاريخ إدخال تلك القيم حيز

التنفيذ بتلك الصرامة التي كانت تحت حكم طالبان بين سنتي 1996 و.2001 استكشفتُ في البحث الذي كتبته سنة 1998 التناقض الواضح بين الإسام الإنساني المتسامح الذي قرنته بقبيلة الدوراني في سنتي 1971 و 1972، والإحيائية الطهرانية التي صوّرتها وسائل الإعام، بعد

جيل واحد، على أنها معتقدات طالبان وسياساتها وسلوكها. وفي إمكاني أن أتبيّن عناصر الإسام

الطالباني لدى الدوراني كما عرفتهم، ولعلهم رحبوا بظهور زعيم طالبان الما عمر باعتباره «قدّيسًا

حقيقيًا» أو «شيخًا». واعترف كثير من المعلقين بأن الما عمر هو آخر تجليات ما اعتاد البريطانيون

على تسميتهم ب«المالي المجانين»، أولئك الزعماء الصوفيون الذين قادوا الثورات الإحيائية عند الحدود ضد الأجانب وضروب النفوذ غير الإسامي‏. لكني أحسست بما لايدع مجالً للشك بأن التعصب السائد لدى طالبان لم يكن، على مستوى أول، سوى نسخة متطرفة من إحدى الحلقات الموجودة في ثقافة الدوراني ومجتمعها، وأنها تمثّل، على مستوى ثانٍ، استجابة مؤقتة لأزمة شديدة، وهذا ما أيّده المدافعون عن طالبان، وأوردته التقارير الصحافية، وتداولته مواقعهم الإلكترونية‏. في غياب سلطة الدولة، وحيث يهيمن أمراء الحرب على المشهد المحلي، عرضت طالبان - على البشتون - الوحدة القبلية، واعترفت بمطالبتهم القوية والواضحة تاريخيًا بالتفوق الإثني، فضلً عن

التطبيق الصارم للشريعة الإسامية. وكان عليهم، إذا ما أرادوا إقامة دولة قابلة للحياة في بلد غير متجانس إثنيًا وإقليميًا مثل أفغانستان، التخفيف من بعض هذه القواعد. وكان قادة طالبان ضد

الدولة منذ البداية، سواء عن عمد أو عن جهل، وحين كانوا في السلطة هم أنفسهم، أخفقوا في تشكيل حكومة فعالة. لكن أفعالهم أثبتت أنهم كانوا مهيئين، مثل جميع الحركات الإسامية، لتعديل سياساتهم في سبيل تحقيق مراميهم السياسية. وهكذا أدركوا أن صيغة صارمة للغاية ومشوهة للشريعة الإسامية ما كانت لتروق غالبية السكان في أفغانستان. بعد التفكك الذي شهدته طالبان في سنتي 0010022 و 2، رأت مرة أخرى خصوم الأمس، أمراء الحرب، يعودون إلى السلطة في كابول، بدعم من القوات الأجنبية الجديدة التي دأبت، طوال سنوات ما بعد الغزو، على القيام بكل ما من شأنه المساعدة على تنفير كثير من أهل الباد من خال تجاهلهم وتبخيس قيمهم وإيقاع ضحايا مروعة بين المدنيين. وأفلحت طالبان في إعادة تنظيم أيديولوجيتها واستراتيجياتها ومراجعتها. وبغضّ النظر عن الدعم الذي استمرت في الحصول عليه من باكستان، فإنها لم تجد صعوبة في تجنيد مقاتلين جدد من الشباب في معظم أنحاء الباد،

(25) Thomas H. Johnson and M. Chris Mason, «Understanding the Taliban and Insurgency in Afghanistan,» Orbis , vol. 51, no. 1 (Winter 2007), pp. 1–19. (26) E.g. the now-defunct, English-language websites: <http://www.ummah.net/taliban/taliban/i-taliban.htm>, and <http://www.taleban.com/taleban.htm>.

كما تغيرت تصورات طالبان لنفسها‏. صحيح أن الأيديولوجيا المعلنة والموحِّدة لا تزال إسامية أساسًا، لكن بات فيها أيضًا عناصر قبلية وقومية قوية، كالتوق إلى الثأر وطرد قوات الاحتال، بما في ذلك أتباع الدولة الإسامية، كما هي الحال في سنة 015.2 وقد سعت أيضًا إلى التقرّب من

الطبقات المدينية المتعلمة، فضا عن الجماهير القروية والمدينية. وخففت من صرامة كثير من القيود المفروضة سابقًا، كحظرها التلفزيون وغيره من أدوات التكنولوجيا الحديثة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الموسيقا، ومسابقات اقتتال الكاب، وتحليق الطائرات الورقية، وحظر تعليم الإناث (الذي ظل ساريًا في بعض المناطق)، والإصرار على التحاء الرجال، ومعارضة التشيع والتصوف على حد سواء‏. تتكون طالبان الأفغانية الجديدة، كما كان عليه الأمر في السابق، من نواة أساسية من أتباع الما عمر المقرّبين المتشددين، ومن هامش متنوع للغاية من العناصر المحلية المناهضة للحكومة، حيث تميل

هذه الأخيرة ومؤيدوها الأجانب إلى إطاق اسم «طالبان» على جميع هؤلاء. وبالنظر إلى أن طالبان تتحمل أيضًا مسؤولية كثير من الإصابات في صفوف المدنيين، فإنه ليس مستغربًا أن يكون هذا الهامش - كما هي الحال دائمًا مع قبائل البشتون - عرضة ل «تغيير الولاء»، حيث يجري إعطاء الأولوية للعداوات والخصومات المحلية قياسًا بالالتزامات «القومية» أو الأيديولوجية؛ ذلك أن للخصومات القبلية الداخلية دورًا مهمًّا، سواء بين الاتحادات الرئيسية لكل من الدوراني والغلزائي أو بين بقية ‏القبائل المكونة لها. يذهب بعض المحللين إلى القول بعدم وجود ما هو «قبليّ» في ما يتعلّق بطالبان؛ إذ لا يقتصر الأمر

على التغيّر الجذري النهائي الذي اعترى الثقافة والمجتمع القرويين الأفغانيين، منذ الحرب ضد

السوفيات، بل يتعدّاه إلى تحطّم النظام القبلي البشتوني واندثاره، نتيجة الاغتيالات الواسعة النطاق التي طاولت شيوخ القبائل، والنظرة الضيقة المحدودة إلى العالم لدى المحاربين الشباب (ممن

(27) «Understanding Afghan Culture: Analyzing the Taliban Code of Conduct: Reinventing the Layeha,» (Program for Culture and Conflict Studies (CCS), Department of National Security Affairs, Naval Postgraduate School, Monterey, CA, 6 August 2009), on the Web: <info.publicintelligence.net/Layeha.pdf>. Antonio Giustozzi, ed., Decoding the New Taliban: Insights from the Afghan Field (New 2(انظر على سبيل المثال:((York: Columbia University Press, 2009).

(2((عولج هذا الموضوع وفحص بطريقة مفصّلة، مع الوصول في شأنه إلى خاصات مختلفة، ومثال ذلك: Thomas J. Barfield,

Weapons of the not so Weak in Afghanistan: Pashtun Agrarian Structure and Tribal Organization for Times of War and Peace, Agrarian Studies Colloquium series, Hinterlands, Frontiers, Cities and States: Transactions and Identities, Yale University, February 23, 2007, on the Web: <http://www.yale.edu/agrarianstudies/colloqpapers/19barfield.pdf>; Johnson and Mason, «Understanding the Taliban»; Graeme Smith, «Talking to the Taliban,» Globe and Mail , 22/3/2008, and Anand Gopal: «The Battle for Afghanistan: Militancy and Conflict in Kandahar,» (Counterterrorism Strategy Initiative Policy Paper, New America Foundation, November 2010), and No Good Men Among the Living: America, the Taliban, and the War through Afghan Eyes (New York: Metropolitan Books; Henry Holt and Company, 2014).

ولد كثير منهم وترعرع في مخيمات الاجئين في باكستان)، إضافةً إلى اقتناء الأسلحة والتكنولوجيا ‏الإلكترونية الحديثة. لستُ مقتنعًا بمثل هذه الحجج التي تبدو قائمة على فكرة مثالية عن المجتمع القبلي، مستمدة

من نصوص أنثروبولوجية عفا عليها الزمن، تبرز فيها القبائل على أنها جماعات تسودها المساواة، وتعمل وفق مبادئ الانقسامية والتعارض التكاملي. ولا ينطبق هذا المثل الأعلى إلا على قلّة قليلة من الجماعات القبلية الفعلية في أفغانستان؛ إذ يتسم الواقع بمرونة كبيرة جدًا، ولطالما تعقّد بعمليات سياسية أخرى، من تغيّر التحالفات والتكتات إلى المركزية السياسية والتركيب الطبقي، دع عنك

ظهور شيوخ الصوفية. ومنذ قرابة قرنين من الزمان، اعترف مونتستيوارت إلفينستون، وهو أول من كتب على نحو مفصّل عن النظام القبلي البشتوني، بما في هذا الأخير من تعقيد‏. وبطبيعة الحال،

فإن طالبان ليست (مجرّد) تنظيم قبلي شأنها شأن بقية الحركات الحدودية في القرنين التاسع عشر

والعشرين، لكن أعضاء طالبان، بمن فيهم قادتها‏، ينتمون إلى قبائل، والقيم والمبادئ القبلية جزء من حياتهم. وما أراه هو أن النظام القبلي البشتوني لطالما كان «قبليًا (بمعنى «النموذج المثالي»)

مضافًا إليه أمور أخرى زائدة»، ولطالما تكيف مع الظروف المتغيرة، وهذا ما يواصل القيامَ به في القرن الحادي والعشرين. يبقى صحيحًا أن البشر راحوا، في ظل ظروف انعدام الأمن وانتشار الأزمة التي عاشتها أفغانستان منذ سنة 1978، يطلبون الأمن لدى عوائلهم وقبائلهم وجماعاتهم الإثنية وشيوخهم. وبطبيعة الحال، كان للظروف المتبدلة ذلك التبدّل المأساوي أثرها الجذري في بناء هوية كثير من الجماعات الأفغانية. ومن المؤكّد أن الدين كان له دور أكبر من ذي قبل في الخطابات الرسمية والسياسية الأفغانية، مثلما أنه أيضًا يحتل الآن مكانة أبرز في التحليات الأكاديمية لأحداث. وما لم تقم دولة قوية ويحلّ الأمن والعدالة وتتوافر الخدمات، فإن من غير المحتمل أن تتراجع أهمية الهويات العرقية والقبلية.

(30) Antonio Giustozzi, Koran, Kalashnikov, and Laptop: The Neo-Taliban Insurgency in Afghanistan (London: C. Hurst, 2007); Joshua Foust, «The Myth of Taliban Tribalism,» (Registan, 15/7/2008), on the Web: http://www.registan. net/index.php/2008/07/15/the-myth-of-taliban-tribalism/, and Thomas Ruttig, «How Tribal Are the Taleban?: Afghani- stan’s Largest Insurgent Movement between its Tribal Roots and Islamist Ideology,» (AAN Thematic Report; 04/2010, Afghanistan Analysts Network, Kabul, Afghanistan, 2010). (31) Mountstuart Elphinstone, An Account of the Kingdom of Caubul, and its Dependencies, in Persia, Tartary, and India; Comprising a View of the Afghaun Nation and a History of the Dooraunee Monarchy , 2 vols., 3 rd ed. (London: Richard Bentley, 1842), vol. 2, book 3:   Passim.

((3(انظر في هذا الصدد ببليوغرافيا الماّ عمر الصادرة عن طالبان في نيسان/أبريل 0152 تتضمن إعانه بفخر انتماءه إلى قبيلة هوتاك:

http://shahamat-english.com/index.php/paighamoona/53792-commemorating-the-nineteenth-anniversary-of-the- <

historical-gathering-and-selection-of-ameer-ul- >, وببليوغرافيا خلفه الملّ أختر أحمد منصور ولا يُذكر فيها أصول انتمائه إلى

قبيلة اسحقزي:

<http://www.rferl.org/content/afghanistan-taliban-issues-mansur-biography/27221027.html >.

إيران

إن القبائل في إيران تختلف حالها أشدّ الاختاف، وكانت قد أدّت، تاريخيًا، كما هي الحال في

أفغانستان، ذلك الدور الكبير، المهيمن في بعض الأحيان. وعلى امتداد سنوات الألفية الثانية، شهدت إيران غزوات قبائل بدوية أسس قادتها سالات حاكمة: المغول والتركمان والصفويون والأفغان والأفشار والزند، وأخيرًا القاجار، وكانت كلها ذات أصول قبلية (وغير فارسية)، استفادت من دعم

القبائل البدوية العسكري. وجدت القبلية نفسها أمام أعدائها في مطلع عشرينيات القرن الماضي، عندما ارتقى رضا خان، وهو ضابط في الجيش، سدّة الحكم وعزم على تحويل إيران إلى دولة قومية حديثة، مستقلة عن القوى الأجنبية. فالحداثة، في نظر هذا الحاكم، لا تقتصر على علمنة القضاء والأنظمة التعليمية، والتجانس الثقافي أو فَرْسنَة السكان، بل تشمل أيضًا سحق القبائل التي كادت جميعها أن تكون ناطقةً

بغير الفارسية. كان رضا خان (الذي أصبح اسمه الجديد رضا شاه بهلوي) معروفًا بنفوره الشديد من القبائل، لاعتباره إياها مفارقة تاريخية لا مكان لها في الدولة الإيرانية الحديثة التي يجب الدفاع عنها، على غرار تركيا

كمال أتاتورك، بجيش محترف وحديث. وبدلً من الاقتصار على إخضاع القبائل، قرّ قرار رضا شاه

على التخلص منها، وتدمير أسسها الاقتصادية والسياسية والثقافية. وأفلح في عشرينيات القرن الماضي وثاثينياته في تهدئة القبائل الكبرى ونزع ساحها، وقتل زعمائها الأقوياء أو نفيهم أو سجنهم، فضلً عن حظر الهجرات البدو، وتحطيم خيامهم، ومنع الرجال من ارتداء الزيّ القبلي. لكن نجل رضا شاه، محمد رضا بهلوي، خفف وطأة هذه السياسة من مطلع أربعينيات القرن العشرين حتى اندلاع ثورة 1978 - 1979، واعتمد سياسات جديدة تجاه القبائل، البدوية منها والمستقرة. فحيث كان لا يزال ثمة زعماء، قوّض سلطاتهم بالإصاح الزراعي ومراقبة الجيش، لكنه سمح للبدو بالعودة إلى سكنى

الخيام والترحال، كما عاد بعضهم إلى الزيّ التقليدي. لكن استمرار وجود القبائل البدوية بات مربكًا، وبقي الاستقرار سياسة من سياسات الحكومة. وفي أواسط ستينيات القرن العشرين، عندما قمت ببحثي الميداني، كان ثمة تجاهل صريح ​للقبائل‏، فضلً عن إخضاعهم لسياسات تمييزية في ما

يتعلق بنظام حيازة الأراضي وتسعيرها، وهو ما أدّى إلى تدمير اقتصاداتهم الرعوية. وكان هذا مثالً

كاسيكيًا لدولة قوية في تعاملها مع قبائل ضعيفة. شهدت القبلية انبعاثًا مقتضبًا بعد ثورة 1978 - 1979 مباشرةً؛ إذ عاد بعض الزعماء القبليين المنفيين

وانخرط في السياسة، وطالبت جماعات قبلية كثيرة بإعادة أراضيها المصادرة، لكن الجمهورية الإسامية سارعت إلى قمع هذه التحركات السياسية، وسعت إلى إعادة تحديد من هي القبائل البدوية. وشبههم آية الله الخميني نفسه برجال الدين صراحةً، لأنهم عانوا التمييز والقمع في ظل نظام

(33) Richard Tapper, «Personal Reflections on Anthropology of and in Iran,» in: Shahnaz R. Najdmabadi, ed., Concep- tualizing Iranian Anthropology: Past and Present Perspectives (Oxford: [s. n.], 2010), pp. 225-241.

الشاه؛ وأعلن أن القبائل «ذخائر الانقاب»، وكان لها دور مجيد كحرس للحدود في الحرب مع العراق 1980 - 1988، وعلى مرّ التاريخ. قبل الخميني، شملت الصورة العامة الخاصة بالقبائل في إيران زعماء المجموعات القبلية الكبرى،

مثل البختياري وقشقايي وشاهسيفان التي قدّمت للحكام الأوائل كا من الدعم العسكري البالغ الأهمية والمعارضة الخطيرة. وبذل الشاهان بهلوي قصارى جهدهما لاستئصال الأساس الذي تقوم عليه سلطة للزعماء القبليين، واستطاعت الجمهورية الإسامية أن تضع أولئك الزعماء بصفة ‏تامة خارج التعريف الرسمي لإيات والعشائر. وباتت هذه الأخيرة تُعرَّف بأنها جماعات من

البدو، تربطها عاقات القرابة والمصالح المشتركة في الأنشطة الرعوية، وإنتاج الألبان والصناعات اليدوية القابلة للتسويق، وأصبح الترويج لها الآن علنًا ​باعتبارها تمثّل نقاط جذب للزوار الأجانب والأنثروبولوجيين. ويكفي إدخال العبارة المفتاحية « Iran nomad tours » (الجولات السياحية البدوية الإيرانية) في محركات البحث الموجودة على شبكة الإنترنت للدخول على ما يفوق 00.0002 مادة، مع ضرورة الإشارة إلى أن مثل هذه الرحات كانت قد بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، أي قبل اندلاع الثورة الإيرانية. أختم، بإيجاز، مكررًا اثنتين من ماحظاتي: الأولى هي أن في حالات النزاع وانعدام الأمن  - السائدة

اليوم في أجزاء كثيرة من بلدان الشرق الأوسط، وليس في أفغانستان فحسب - فإن ما توقعته في سنة 1983 في ما يتعلق ب«قيمة البقاء» يبقى قائمًا بالنسبة إلى القبليّة. الثانية هي أن في الحالات التي

تكون فيها الدولة قوية، ومسيطرة على تكنولوجيات الحرب والاتصالات والإنتاج والمواط نة، فإن من المرجح أن يرتهن بقاء القبائل لشكل معدّل أشد التعديل، باعتبارها وسيلة من وسائل الجذب السياحي. ويجب أن نضيف أن «الجولات السياحية القبلية» ليست مقتصرة على إيران، و«السياحة القبليّة» تجارة مزدهرة في كثير من بلدان العالم التي توجد فيها «قبائل» مختلفة جدًا عمّا هو كائن في

الشرق الأوسط، من دون أن تعود منافع ذلك بالضرورة على القبائل المعنية.

(34) Tapper, «Change, Cognition and Control».