البحث العربي ومجتمع المعرفة: رؤية نقدية جديدة
Arab Research and Knowledge Society: A New Critical Perspective by Sari Hanafi and Rigas Arvanitis
الملخّص
الكتاب: البحث العربي ومجتمع المعرفة: رؤية نقدية جديدة الكاتب: ساري حنفي وريغاس أرفانتيس مكان النشر: بيروت الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية تاريخ النشر: 2015 عدد الصفحات: 400
Abstract
Book title: Arab Research and Knowledge Society: A New Critical Perspective Author: Sari Hanafi and Rigas Arvanitis Place of publication: Beirut Publisher: Center for Arab Unity Studies Date of publication: 2015 Number of pages: 400
- البحث العربي
- الباحثون
- الجامعات
- مجتمع المعرفة
- Arab Research
- Knowledge Economy
- Universities
- Researchers
رؤية نقدية جديدة
الكتاب: الكاتب:
ساري حنفي وريغاس أرفانتيس مكان النشر: بيروت الناشر:
مركز دراسات الوحدة العربية تاريخ النشر: 2015 عدد الصفحات: 400
مقدمة (الاختيار ومبرراته)
يُوصَف البحث العلمي بأنه «النشاط
الذي ينتج العلم، ويكشف الحقائق، ويقدم الحُلول للمشاكل». وانطاقًا من أهميته
هذه، فإنه يُعتبر مؤشرًا ومعيارًا مهمًّا للتنمية
البشرية وتطور البلدان، نتيجة الأهمية المفترضة التي يقدمها إلى صانع القرار والجهات والمؤسسات المعنية بمخرجاته. وتوصف بلدان العالم العربي بتدنّي إنتاجها من البحث العلمي، وكذلك بسوء توظيف نتائجه. ولهذه الأهمية وهذه الإشكالية، كان لا بد أن تُجرى مراجعات مستمرة لعملية البحث العلمي. ولعل هذا الكتاب الذي نطالعه الآن هو من أهم وأضخم
المراجعات المقدَّمة حتى الآن بشأن النتاج البحثي في العالم العربي. يتمتع مؤلِّفا العمل بخبرة طويلة في هذا المجال، كباحثَيْن ومراقبَيْن مشاركَيْن، كما قدم كلٌّ منهما
نفسه؛ فساري حنفي، محرّر المجلة العربية لعلم
الاجتماع إضافات، وأستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة الأميركية في بيروت. وكنائب لرئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، استطاع التعرّف
إلى القضايا ذات الصلة بتشكل الجماعة العلمية ومأسستها في المنطقة العربية وفي المناطق الأخرى. أمّا ريغاس أرفانتيس، فقد طوّر برامج
تتعلق بديناميات البحث والتعاون الدولي في مجال العلوم (ص. 40)
من دوافع هذا العمل بحث أسباب الاعتراف الضعيف بالجماعة العلمية (Scientific Community) في البلدان العربية، على الرغم من كونها غنية بالجامعات والمستشفيات، وإلى درجة ما بالإنتاج العلمي. وهناك أيضًا بحث سؤال هل كانت مشكلة التشرذم وقلة التواصل بين الباحثين والمؤسسات البحثية، سواء العربية - العربية أو العربية الأجنبية، في ظل العولمة، تنبع من المؤسسات، أم أنها نتيجة سياسات ومعوقات سياسية واجتماعية عميقة أثّرت في إنتاج المعرفة العلمية؟ يضاف إلى ذلك أن العمل هذا يسلط الضوء على التوتر بين تدويل البحث وأهميته المحلية، وبالتالي وجود حلقة مفقودة بين البحث العلمي والجامعات والمجتمع. ومن أهداف الكتاب أيضًا الدعوة إلى ضرورة البحث، وإلى إجراء البحوث التي ليس لديها أهداف اقتصادية أو استراتيجية مباشرة، بمعنى أن البحوث ذات الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية تكون موجهة، وربما مؤدلجة، وهو ما يخلّ بموضوعيتها وعلميتها اللتين هما من أهم شروط البحث العلمي الناجح. يطرح الكتاب تساؤلات مهمة، من قبيل: لماذا غاب التفكير النقدي لبحث واقع البحث العلمي؟ ولماذا تَرك غياب البحوث جرحًا عميقًا
سيستغرق الشفاء منه أعوامًا عدة؟ في الواقع، تطور البحث العلمي كمًّا ونوعًا في
بلدان العالم المتقدمة خاصة. وساعدت العولمةُ وأدواتها، ولا سيما تكنولوجيا المعلومات وشبكة الإنترنت، في جوانب كثيرة تتمثل في اختصار الوقت والجهد في ما يتعلق بجمع المعلومة، وتهيئة تقنيات متطورة في البحث العلمي وجمع البيانات، وكذا تدريب الباحثين، وإنشاء قنوات التواصل والتفاعل بينهم، بل وحتى تشكيل «جماعات علمية» افتراضية.
وبالتالي، لا بد من تقييم مدى فاعلية تلك التطورات وأثرها وانعكاساتها في واقع البحث العلمي في العالم العربي.
المضامين
جاء الكتاب في قسمين، الأولبعنوان «العوامل المؤثرة في ديناميات البحث العلمي العربي»، والثانيبعنوان «التطور المضطرب للعلوم الاجتماعية في المنطقة العربية». تضمن القسم الأول ثاثة فصول، بحث الفصل الأولمنها في «الدور الحاسم لأنظمة الوطنية للبحث
والابتكار»، وفيه أربعة عناصر هي: أولً: المؤشرات والبيانات في منظومة البحث العربية؛ تعبئة البيانات لتحليل العوامل؛ الأنظمة الوطنية لابتكار؛ الاستشعار في البحث والابتكار والتنمية. فيالفصل الثاني، عمل الباحثان على تقصّي
النشر «العلمي: النمو والتأثير والتدويل»، وقسّما
الفصل إلى خمسة محاور: النمو السريع للنشر العلمي؛ نمط التخصّص الملحوظ؛ انخفاض
الاستشهادات؛ انخفاض الأثر؛ التعاون العلمي الدولي والتعاون بين الأقطار العربية. أمّا الفصل
الثالث، فقد عني ب«الجامعات والباحثون
والشتات العلمي»، محاولً قراءة «الجامعة والمؤسسات العلمية والبحثية، والجماعة العلمية، والشتات العلمي المتمثل بهجرة العقول واحتمالات عودتها». هذا في حين أن الفصل الرابعاتجه إلى تناول «ممارسات البحث في لبنان: المؤسسات والتدويل»، وذلك من خال مراجعة النتائج العلمية، والركائز الأساسية، والسياسات البحثية الوطنية، وأطر التعاون الدولي، ومحاولة إعطاء صورة مقارنة بالأردن. جاء القسم الثانيمن الكتاب تحت عنوان «التطور المضطرب للعلوم الاجتماعية في
المنطقة العربية». وهو في ستة فصول تكمل تسلسل فصول القسم الأول؛ ف الفصل الخامس تتبّع «تطور ومكان إنتاج العلوم الاجتماعية»
من خال «مواقع إنتاجها، وإسقاط تصنيف بوراووي على المنطقة العربية، والأنشطة البحثية المجزأة». واستطلع الفصل السادس«الكتابة السوسيولوجية العربية» من خال حالة «كُتّاب مجلة إضافات، والموضوعات المدروسة»، في حين أن الفصل السابعحاول تقييم واقع «البحوث الاجتماعية واللغة» من خال محاور «التدويل الإشكالي، ولغة التدريس، ولغة البحث، وصعوبة استخدام المراجع العربية والأجنبية». أمّا الفصل الثامن، فحاول الإجابة عن
سؤال «مَن يقتبسُ مِن مَن؟»، وتتبُّع ما كُتبَ عن
«الانتفاضات العربية في البحث العلمي». إلى ذلك قُسم الفصل إلى خمسة محاور: العامات السوسيولوجية للمقالات؛ التأليف، والاقتباس والكلمات المفتاحية؛ تحليل الشبكة والاقتباس؛ تحليل نوعي لإنتاج الأكاديمي العربي. جاء الفصل التاسعتحت عنوان «نحو فهم كتابة الأكاديميين العرب للعموم: حالة مقالات الرأي في الصحف اللبنانية»، وجرى فيه تناول «من يكتب في الصحف؟، وأساليب التعبير التأملي والاستفزازي والمواطن، والموضوعات: غلبة السياسة، وكتابة مقالات الرأي: الأهمية والتحديات، والصحف والأكاديميون في المجال العام». وخَصّصَ الباحثان الفصل العاشر
للخاتمة، وفيه خمسة أجزاء: نماذج التنمية في المنطقة العربية؛ الثقة بالعلوم؛ البيئة الاجتماعية؛ العاقة بالمجتمع؛ التوصيات المتضمنة «رؤية للمستقبل». كما أن الكتاب تضمن ملحقًا بالمؤشرات البليومترية في المنطقة العربية.
حفل الكتاب بعدد كبير من الجداول والأشكال التوضيحية التي تبسط الإحصاءات التي حصل الكاتبان عليها لتُسندَ هذا العمل العلمي الشَيّق.
المنهجية
يقوم الكتاب على تقصّي النتاج العلمي العربي
في مجال العلوم الاجتماعية، وذلك باعتماد دراسة الحالة أو النموذج. وهنا نجد كيف لجأ الباحثان إلى اعتماد لبنان والأردن نموذجين للمقارنة. من جانب آخر، اختارا «حالة» مجلة إضافات، باعتبارها مساحة نشر (نموذجية) للباحثين العرب في مجالات العلوم الاجتماعية، ولم يقعا في الوقت نفسه أسيرَيْ حالتي الدراسة
هاتين، بل انطلقا في إيراد كثير من الجداول والإحصاءات والمؤشرات التي تبين واقع البحث العلمي في العالم العربي. وعقدا تارة المقارنات البينية، وتارة أخرى المقارنات بين البلدان العربية وبعض أقاليم وبلدان العالم الأخرى، لتبيان موقعنا منها. وهكذا يجد القارئ مقارنات بين البلدان العربية ومناطق أخرى، مثل أميركا الاتينية. يعتمد الباحثان «منظورًا وطنيًا» من خال
استطاع نظم الأبحاث في البلدان العربية التي اعتُمدت كدراسة حالة، ومن خال أعمال سابقة
لهما، ولا سيما ما أنجزه حنفي من مراجعات تقييمة للبحث العلمي في البلدان العربية خال الأعوام القليلة السابقة، وتقرير إسكوا الذي أعده مؤلفا هذا الكتاب،، وغير ذلك. ويعتبر المؤلفان عملهما هذا حصيلة تفكير طويل في
وضعية إنتاج المعرفة في الوطن العربي، آخذَين بعين الاعتبار ليس فقط الماحظات الإمبريقية، بل أيضًا التحليات التاريخية البنيوية، بالإضافة إلى البحوث البليومترية والإمبريقية، ومراجعة الأدبيات السابقة (ص. 40)
عاوة على ذلك، قام الباحثان في سنتي 2009 و 0102 بإجراء مقابات معمقة مع عيّنة مؤلفة
من 8 4 أستاذًا في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية من دول المشرق العربي، ومقابات أخرى بطريقة المسح بالعيّنة تستند إلى مقابات
شبه موجهة في العمق، مع التركيز على السِيَر
الذاتية لعيّنة من 125 أستاذًا وباحثًا من لبنان،
و 80 من نظرائهم من الأردن. كما أجريا تحليلً
كاملً لإطار السياسات في مجال التعاون الأورو المتوسطي، وعما على دراسة السيَر المهنية
المتعلقة ب 032 أساتذة باحثين في المنطقة العربية، وتحليل مضمون عيّنة عشوائية منتظمة ل
225 مقالً من مقالات الرأي في الفترة - 2010 0112، لتحديد أهمية مساهمة الأكاديميين فيها. يضاف إلى ذلك الدراسات البليومترية التي أجراها الباحثان على النشر العلمي العربي عمومًا، واللبناني والأردني خصوصًا. كما أنهما
أجريا مسحًا اعتمدا فيه الاستبيان الإلكتروني
في إطار مشروع أوروبي سُمّيَ «ميرا»
MIRA Survey) (، وأجاب عن أسئلته 4 340 باحثًا من 38 بلدًا.
أَولى الكتاب أهمية للتعاون الدولي في مجال البحث العلمي، ورأى أنه يؤدي دورًا بنيويًا في
البلدان ذات الموارد الشحيحة، وذات التجربة التاريخية القصيرة، أو نظم الأبحاث الأقل تنوعًا.
كما يعتبره العنصر المؤسس للمجتمع العلمي المحلي، جنبًا إلى جَنب مع جهد محلي لهيكلة
المنتديات العلمية المتخصصة والنشر وإدارة الموارد. هذا بينما رأى الكتاب أن البحث الفردي يتسم بالشرذمة، حيث المشاريع السريعة لباحثين يلهثون وراء كسب فرص التمويل. هكذا يتصرف الأكاديميون والباحثون كجيو - استراتيجيين في تخصصاتهم من خال تحديد الجهات الفاعلة الرئيسية، وأوجه التعاون الممكنة
معهم، ولكنهم يتصرفون أيضًا كرياديي أبحاث Entrepreneurs) (لإدارة الموارد بشكل دائم (الأفراد، والدكتوراه، ومرحلة ما بعد الدكتوراه، والمال، والمعلومات).
نتائج ومقترحات (واقع مخيّب للآمال)
تأكيدًا لأهمية البحث العلمي والجماعة المشتغلة به، يخلص الباحثان إلى ما يعتبرانه استنتاجات رئيسية لعملهما هذا، وهو أن الجماعة العلمية
في عصر «العِلم الوطني » National Science) (
ولدت بعد إنهاء الحقبة الاستعمارية... لتشكّل
نمطًا وطنيًّا للتنمية العلمية. وجرى الترويج
لاستراتيجيات إحال الواردات والاعتماد على
الذات في السياسات الاقتصادية العامة، وأُدير تنظيم العلم وتوجهات أهداف الجماعة العلمية. ويشدد الكتاب على دور العولمة في تطوّر العلم
وتعظيم دوره كمًّا وكيفًا وفاعلية وتأثيرًا، وكذلك
على جانب التعاون الدولي ومكانة الباحث نفسه فيه. ولهذا، يستنتج المؤلفان أن الباحث «أصبح بطل التعاون الدولي، من خال اتخاذ القرارات، حيث المصالح الفردية ستكون المحرك الرئيسي. ويستند تفسير ذلك إلى فكرة أن الفرد يتعرف إلى المتعاونين ذوي الاهتمامات المشتركة، وأنه قادر
على تقييم النتائج المتوقعة من التعاون المخطّط لها واستغالها» (ص. 23) من بين نتائج البحث أن «قِلّة وشكل وطبيعة بعض الأبحاث ليست عائدة إلى - قلة الموارد - إنما بسبب عدم وجود الجرأة وعدم التنظيم، وضعف الجماعة العلمية وغياب استقاليتها» (ص. 35). هذا إضافة إلى عدم وجود إحصاءات موثَّقة عن البحث والابتكار في المنطقة العربية، ولم يجرِ تصميم أي بنى تحتية أو مؤسسات لإنتاجها، الأمر الذي يؤدي الى حدوث مشكات عند
إجراء مقارنات دولية، حيث إن المنطقة العربية لم تستفد حتى الآن من أي تمرين من تمارين قياس أثر النشاطات البحثية. كما أن الحصة السنوية لكل فرد في المنطقة العربية من الإنفاق على البحث والتنمية لا تتعدى ال 10 دولارات أميركية (ص. 396) وخلص البحث إلى أنه يندر وجود بنك للمعلومات المتعلقة بالكتب العربية بحيث يسمح لنا بأن نقدم بعض التقييمات لإنتاج الكتب في الوطن العربي، وإلى أن هناك أسبابًا
جمة لإنتاج المنخفض نسبيًا من المعرفة العلمية
في الأقطار العربية، لكن لعل أهمها أربعة هي: - على الرغم من أن أغلبية الباحثين في المنطقة العربية تنتمي إلى مؤسسات التعليم العالي، فإن الأجندة البحثية غابت عن معظم هذه المؤسسات. - دور نظام الترقية الجامعي، حيث يؤثر هذا بشكل عميق في إنتاج أعضاء الهيئة التدريسية. وفي أحسن الحالات، تقوم أنظمة التعيين والترقية بذكر ضرورة تقديم عدد معيّن من
المنشورات. وفي حالات أخرى كثيرة لا يكون النظام واضحًا، ولا تُعلَن قواعد محددة. - يندر وجود المجات العلمية المحلية المنتظمة المنشورة باللغة العربية. لذلك، يجب تشجيع الدوريات المحلية ذات المحتوى العلمي الجيد. - الحاجة إلى إجراء تحليل منهجي لتأثير برنامج الأبحاث. ومن المعلوم أنه يجري بذل جهد ملحوظ لإنشاء المراصد والمؤشرات في مجال العلوم والتكنولوجيا في المنطقة، ولكن لم يرافق ذلك جهد لدراسة أثر الأبحاث ودور عملية النشر (141 -.)142
إلى جانب ما اصطلح عليه المؤلفان، أي «إشكالية البحوث الاجتماعية»، فإنهما يشخصان التالي: • تضخم الأبحاث السياسية في المشرق العربي على حساب الأبحاث المهنية والنقدية، وذلك بسبب التمويل الأجنبي الذي يحابي أبحاثًا تفضي مباشرة إلى توصيات ل«حل» مشكلة اجتماعية، لكن الحال ليست كذلك في المغرب العربي. • ضعف الأبحاث العمومية في أنحاء الوطن العربي كافة، وإن كان ذلك يصح في المشرق العربي بشكل خاص. • غالبًا ما يُفقدُ الترابطُ بين أنواع هذه الأبحاث
الأربعة (سياسية، مهنية، نقدية، عمومية) في المشرق العربي، بينما نجد أن الوضع «صحيٌّ»
أكثر في الأقطار المغاربية الفرنكوفونية. يقف الباحثان عند حقيقة لافتة هي أن أغلبية المعرفة المتعلقة بقضية اجتماعية تُنتَج بشكل كبير خارج الوطن العربي، وباللغة الإنكليزية، ويعود هذا بشكل أساسي إلى هيمنة هذه اللغة الانكليزية في الأبحاث وإنتاج المعرفة المرتبطة بسيادة المؤسسات الأكاديمية والمراكز الاستشارية، عاوة على معايير النشر الغربية في الدوريات العالمية التي لا تبذل سوى القليل من الجهد، أو لا تبذل أي جهد على الإطاق، في التكيّف مع اللغات الأجنبية. وعاوة على ذلك،
فإن المعرفة الضئيلة داخل الوطن العربي تُنتَج باللغة العربية من دون أن تُترجم (ص. 307) باختصار، هناك شوط طويل على المجتمعات العربية أن تقطعه، إذا كانت تتوخى أن تكوّن
مجتمع المعرفة. وهذا لا يعتمد فقط على جهد الجماعة العلمية، إنما على تضافر جهود المجتمع كله.
من الحلول التي يقترحها الكتاب لإشكاليات البحث العلمي في مجتمعاتنا «جذب الشباب إلى البحوث، وزيادة الوعي حول حقيقة أنه لا يمكن شراء كل شيء من خارج حدودنا، وأن البحث الحقيقي والأصلي هو الأساس من أجل الاستقال الاقتصادي والسياسي والثقافي» (ص. 35) كما يقترح تفعيل نقاش واسع وعميق حول وضعية البحث العلمي في البلدان العربية؛ نقاش حول كيفية عمل الأبحاث وديناميتها. أمّا توصية الكتاب، فهي إصاح الحلقة التي
تصل بين الأبحاث والجامعات والمجتمع، وجعل الابتكار هدفًا واضحًا للسياسة العامة،
وجعل البحث موضوعًا سياسيًا، واعتماد
ترتيب «التنويع والأولويات العلمية»، وتقوية الفرق البحثية وتمكينها، والتركيز على التعاون مع الجامعات والمؤسسات العلمية الأجنبية من خال برامج الدكتوراه والزمالة وما بعد الدكتوراه، بما يؤدي أغراضًا متعددة تتوزع بين النتاج البحثي والشهادة العلمية، والنشر عبر منابر علمية معتبَرة، وأخيرًا الاستفادة من الكفاءات
العربية المهاجرة بالوسائل المتاحة.
كلمة أخيرة
لم تتسنَّ للباحثَين مؤلّفَي الكتاب بيانات دقيقة
بشأن بعض البلدان العربية، مثل العراق الذي لم يركز البحث عليه. وكان عليهما اللجوء إلى مصادر متنوعة، منها الاتصال بجهات معنية بالبحث، سواء تلك التابعة للمؤسسات الحكومية أو المؤسسات المستقلة، وهي كثيرة، بعضها يعمل من خارج البلد. رغم ذلك، فإنهما وفِّقا بإنجاز عمل كبير ومرجع مهم لكل باحث ومؤسسة علمية عربية معنية بالبحث العلمي وإنتاج المعرفة.
عمومًا، يطرح الكتاب صورة غير مضيئة لواقع
البحث العلمي في البلدان العربية، وذلك بناءً
على معطيات الواقع، ولا سيما في مجال العلوم الاجتماعية، وبحكم ضآلة الإنفاق على مجالس ومراكز البحث العلمي المتخصصة في هذا المجال، وأن ما تقدمه لها حكومات بلدانها ما هو إلا «ذرٌ للرماد في العيون»، كما يقال.
الهوامش
(1) زايد. مصطفى، قاموس البحث العلمي (الاسكندرية: النسر الذهبي للطباعة، 1999)، ص.5 (2) وتصدر عن الجمعية لعلم الاجتماع، بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية. صدرت أولى أعدادها ابتداء من سنة.2008 (3) تعرف الجماعة العلمية بأنها شبكة متنوعة من العلماء المتفاعلين. وتتضمن الكثير من الجماعات الفرعية التي تعمل في تخصصات ومؤسسات معيّنة. وتمارس نشاطات
متنوعة يُتوقَّع أن تحقق الموضوعية من خال المنهج العلمي
المعمق، وعبر النقاش والجدل ضمن المجات والمؤتمرات العلمية. ويساعد في تحقيق الموضوعية التزام الجودة في المنهج العلمي وتفسير النتائج. (https://en.wikipedia. وهناك الجماعة العلمية org/wiki/Scientific_community)
الافتراضية Virtual Scientific Community) (، وهي مصطلح
استجد مع ظهور شبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، وتعني: مجموعة من الناس هم، غالبًا، من الباحثين الذين
يتبادلون المصادر العلمية المتعلقة بتخصصاتهم، وتكون
شبكة الإنترنت وسيط. ا لها (https://en.wikipedia.org/wiki/ Virtual_scientific_community)
(4) سبق أن نُشر هذا المبحث في مجلة إضافات (العدد 19، صيف 0122)، في باب المقالة الافتتاحية لرئيس التحرير ذاته (ساري حنفي). (5) يوجد تفاوت في فهم مصطلح «مقالة» بين المشرق
والمغرب في العالم العربي؛ ففي المشرق (العراق مثلً)، يشير إلى المادة التي تُنشر في الصحف اليومية أو الأسبوعية، وتعبّر
عن وجهة نظر الكاتب واطاعه، وتخلو من التوثيق والاستشهاد والإحالات إلى مراجع أخرى. وبذلك، فهي تختلف عن تلك المادة العلمية التي تتسم بإجراءات منهجية وتكون ذات طابع أكاديمي متعارف عليه، خاصة تلك التي تقدم للنشر في المجات العلمية المحكمة، فتسمّى «بحثًا» أو «دراسة»،
في حين ينطبق مصطلح مقالة في المشرق العربي على كلتا المادتين، ويشار في الأوساط الأكاديمية إلى المادة البحثية العلمية على أنها «مقالة».