العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تقرير حول المؤتمر السنوي الخامس للعلوم الإنسانية والاجتماعية:

تقرير حول المؤتمر السنوي الخامس للعلوم الإنسانية والاجتماعية:

Report on the Fifth Annual Humanities and Social Sciences Conference «The Arab City:

Kamel Tirchi **

كمال طيرشي *

الملخّص

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة المؤتمر السنوي الخامس للعلوم الإنسانية والاجتماعية (2015 - 2016) خلال الـفـتـرة 12 - 14 آذار/ مـارس 2016. وجرى توحيد موضوعَي المؤتمر مع موضوعَي الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية لتشجيع البحث العلمي؛ وهما موضوع "سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر" وموضوع "المدينة العربية: تحديات التمدين فـي مجتمعات متحولة". وقـد استقبلت اللجنة التحضيرية للمؤتمر 107 مقترحات بحثية فـي مـوضـوع المدينة العربية، وافـقـت اللجنة العلمية على 32 مقترحاً، منها أبحاث قابلة للعرض خلال المؤتمر السنوي. وشارك في الموضوع من خارج الجائزة 35 باحثا من جل أقطار الوطن العربي.

الكلمات المفتاحية:
  • المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
  • المدينة العربية
  • العلوم الاجتماعية
  • العلوم الإنسانية

Challenges of Urbanization in Changing Communities»

عقد المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات في الدوحة المؤتمر السنوي الخامس للعلوم الإنسانية ولاجتماعية (2015 - 2016)، خال الفترة 12 - 14 آذار/ مارس 2016. وجرى توحيد موضوعَي المؤتمر مع موضوعَي الجائزة العربية للعلوم لاجتماعية والإنسانية لتشجيع البحث العلمي؛ وهما موضوع «سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر» وموضوع «المدينة العربية: تحديات التمدين في مجتمعات متحولة». وقد استقبلت اللجنة التحضيرية للمؤتمر ٧٠١ مقترحات بحثية في موضوع المدينة العربية، وافقت اللجنة العلمية على ٢٣ مقترحًا، منها أبحاث قابلة للعرض خال المؤتمر السنوي. وشارك في الموضوع من خارج الجائزة 35 باحثًا من جل أقطار الوطن العربي.

مسارات التحولات السوسيولوجية في بعض المدن العربية

افتُتح المؤتمر بمحاضرة لفهمي جدعان، أكد من خالها أن «الحرية» وأسئلتها لا تزال مثار نقاش كبير على مختلف الصعُد بين المفكرين والفاسفة والسياسيين العرب وغيرهم. ثم انطلقت فعاليات الجلسة الأولى للمؤتمر، وكانت البداية حول موضوع: مسارات التحولات السوسيولوجية والمدنية في بعض المدن العربية.

في هذا الباب قدم الباحث المهدي مبروك ورقة حملت عنوان: « نفايات المدينة في سياق تحول ديمقراطي؛ استراتيجيات الهوية والمجال: دراسة حالة مدينة جربة»، تطرق من خالها إلى بعض المدن التونسية التي عرفت انهيارًا غير مسبوق لمنظومة البيئة، عاوةً على البناء الفوضوي وموجة العنف الحضري (عنف ومخدرات وح لات انتحار واعتداء على الممتلكات العمومية)، وجميع مظاهر «السلوكات غير المدنية». ولكن تظلّ النفايات في ذلك كله المؤشر البليغ على حدّة «الدراما الحضرية» العامة، حيث استشهد الباحث بحالة مدينة جربة التي مثّلت عسرَ إدارة المشترك، خصوصًا عندما ما يتعلّق الأمر بالفضاء العام في سياقات استثنائية. تلت الورقةَ مداخلةُ الكبير عطوف بعنوان: «التمدين والهجرة والتحولات لاجتماعية في الدار البيضاء في ظلّ تحديات الماضي والحاضر»، تناول من خالها المحطات - المراحل التاريخية التي قطعتها مدينة الدار البيضاء على مستويات التمدين والتعمير والهجرة، وكذا على مستوى العقبات التي واجهتها، في ظل التحولات المجتمعية المعاصرة، وأهم المخططات - التصاميم الحضرية، والإشك لات البنيوية التي رافقت توسع المدينة وتنظيم مجالها. واقترح الباحث الحلول - البدائل الممكنة التي بإمكانها الحفاظ على التراث المادي- التاريخي والرمزي لمواجهة التحديات الجديدة. أمّا مداخلة عبدوتي محمد أحمد، فجاءت تحت بعنوان: «مسارات التحولات في عاصمة عربية فقيرة ومآلاتها: دراسة حالة نواكشوط». وقد عرَّج على أهم مظاهر التحولات التي شهدتها نواكشوط وإشك لاتها خال أكثر من نصف قرن، وكيف ساهمت هذه التحولات في إعادة صوغ واقع المدينة، وكيف أثّرت في ساكنتها. وقد عولجت التحولات من منظور متعدد لاختصاصات للحصول على صورة «ثاثية الأبعاد»: اقتصادية واجتماعية وبيئية، بما يسمح بتفسير واقع المدينة وكيف أنه عكس نقيضًا شبه تام لما كان مأمولً.

المدينة العربية وإشكاليات التمدين و لااندماج و لااغتراب

عالجت مداخات الباحثين في الجلسة الثانية بعض إفرازات ظاهرة التمدين في تطور لغة الخطاب الديني في المجتمع، كما طرحت المعطيات النظرية المتراكمة والمكتوبة والخاصة بأثر الخطاب الديني في المجتمع وتطوره خال الثاثة عقود الماضية، وعاقة ذلك كله بموضوع التمدين. في الإطار نفسه، ناقش إدريس مقبول بعض مظاهر مرض المدينة العربية الحديثة التي باتت تتسم بسمات لانشطار والفوضوية وعدم لانسجام والعنصرية، وذلك من خال رصد أهم أسباب عدم اندماج القادمين «النازحين» في نسيجها الحياتي والمعماري المميز. أخيرًا تناول فتحي محمد مصيلحي حالة مدينة القاهرة، مؤكدًا ضرورة اتّباع سياسة «تفريغ» المدينة من الأنشطة الإدارية التي تتمركز في قلب القاهرة نحو عاصمة إدارية جديدة، وذلك من أجل حل مشكلة اختناقات تدفّق الحركة على المحاور المتأزمة بعدما باتت تخنق الدينة وسكانها.

المدينة العربية وإشكالية التهميش والإقصاء

في جلسة المؤتمر الثالثة، ط رح موضوع المدينة العربية وإشكالية التهميش والإقصاء. و تركزت مضامين هذه الجلسة على دراسة مناح مورفولوجية عدة لبعض مدن المغرب العربي، ومنها - على سبيل المثال - مدينة فاس التي عرفت مراحلُ تعميرها آثارًا سلبية تركت بصمتها على المشهد الحضري. هذا بالإضافة إلى مظاهر الإقصاء والتهميش بالمدينة: كالسكن الصفيحي، ولاكتظاظ، والدور الآيلة للسقوط، وبطالة الشباب، والفقر الحضري، والجريمة. في السياق نفسه تناول الهادي بووشمة حالة مدينة تلمسان الجزائرية، مستحضرًا إياها مدينةً عربية تعاني أزمة التحضر، ومعتمدًا في ذلك مقاربة سوسيو – مجالية فحصت عاقة العشوائيات الحضرية بالهجرات القبلية وبالتهميش والبطالة وصعوبة لاندماج.

حوكمة المدن والمخططات التنظيمية للمدن العربية

تحت عنوان « حوكمة المدن والمخططات التنظيمية للمدن العربية»، ناقشت الجلسة الرابعة الإطار التفسيري الأكثر شمولية لمكانة الحوكمة في التخطيط للمدينة، وذلك انطاقًا من استحضار البُعد التشاركي في هذه العملية، على أساس كونه مبنيًا على عامل الزمن. وقد استند البحث الذي قدمه أحمد مالكي على مدونة استحضرت مخططات التهيئة العمرانية في المغرب بوصفها وثيقة تعميرية أساسية في تنظيم المدينة. ومن المدخل ذاته، ناقش صالح النشاط موضوع التخطيط الحضري في مدينة الدار البيضاء، متسائا عن مدى وجود سياسة عمومية في هذا المجال، وعمّا إذا كان هناك تصور مشترك للمدينة التي نريد. هذا بالإضافة إلى إبراز مامح العاقة الإسنادية بين التخطيط لاستراتيجي والتدبير المندمج على أساس أن بنية المدينة كانت وما زالت فضاءً لإفراز التباينات والتناقضات لاجتماعية ولاقتصادية.

المدينة العربية والتحولاات لااجتماعية - لااقتصادية

تشير الأوراق المقدمة في سياق اليوم الثاني بشأن موضوع المدينة العربية إلى التغيرات السوسيولوجية وكذا المورفولوجية التي أثرت في هذه المدينة. وقد قيّم الباحثون من خالها الأثر لاجتماعي للتنمية العمرانية المكثفة، معتمدين، كمثال إمبيريقي على ذلك، المقارنة بين سكان المباني العالية وسكان المباني المنخفضة في دولة قطر. وسعى خليفة عبد القادر من خال ذلك إلى إثارة اهتمام المخط طين الحضريين وحملهم على إعادة صوغ خطّتهم لتشمل العوامل لاجتماعية والنفسية في عملية التنمية العمرانية. وبالهواجس المعرفية والعملية عينها، دخل عبد العزيز حسن الموضوع من مدخل المدن الجزائرية الصحراوية وما تعرفه هذه الأخيرة من حركية عمرانية واجتماعية متسارعة منذ لاستقال، بفعل الإدارة المركزية التي أدمجت الصحراء بصفتها فضاء استراتيجيًا ضمن المجتمع الوطني العام. كانت محصلة هذه العوامل أن بلغت نسبة السكان الحضريين 69.62 في المئة، بنمو حضري نسبته أعلى من نسبة نمو مدن الشمال نفسها (4.13 في المئة في مقابل معدل وطني بلغ 3.35 في المئة.)

التغييرات المورفولوجية في المدينة العربية المعاصرة

أثارت موضوعاتِ الجلسة السادسة الورقة التي قدّمها هتون أجواد الفاسي وتناول فيها موضوع «تحديات المحافظة على هوية الحرمين المقدسين»، ودرس من خالها أطراف حالة التمدين العشوائي للمدينتين المقدّستين مكة والمدينة، مبيّنًا دور طفرة السبعينيات لاقتصادية في ذلك، وكذلك الحاجة المادية، والملكية الخاصة، والتسييس، والرؤية الدينية، والتحديث والعولمة. بعد ذلك، طرحت نورية سوالمية أنموذجًا حيًّا هو مدينة أرزيو الجزائرية، موضحة طبيعة الجوار داخل هذه المدينة، وكيفية نسج الروابط لاجتماعية بين الجيران في مجتمع حضري محلي متميز. وقد تبيّن أن هذه الروابط اختلفت عمّا كانت عليه سابقًا نتيجة عوامل عدة، أهمها التخطيط العمراني وتقدم التقسيم لاجتماعي للعمل. وغير بعيد عن الجزائر، طرح الحسن المحداد واقع المدن المغربية والموريتانية المنتشرة على ساحل المحيط الأطلسي، مبيّنًا كيف أن تزايد السكان على نحو سريع في مناطق كانت في الماضي فضاءات فراغ سكاني أجبر المخططين الحضريين على الدخول في سباق يكاد لا ينتهي لتعبئة المياه بكمية أكبر ومسافة أبعد وتكلفة أعلى، وهو ما أثّر في مورفولوجية المدينة وعمرانها.

الهجرة الداخلية: ترييف المدينة ومدْينة الريف

تقدمت لمناقشة هذا الموضوع أربع أوراق بحثية، استهلتها بادئ ذي بدء ورقة الباحث خضر زكريا بمناقشة العوامل الأساسية لهجرة أبناء الريف السوري إلى المدن، ولا سيما إلى العاصمة دمشق، وهو ما تسبب في تراجع الإنتاج الزراعي وتخلّفه رغم أنه يعد واحدًا من أهم قطاعات لاقتصاد الوطني السوري. من هذا المنطلق، ربط الباحث بين هذه الأزمة وأسباب المشاركة الفعالة لأطراف العاصمة وريفها في الثورة السورية سنة 2011. ثم ناقش حميد الهاشمي ظاهرة تريف مدينة بغداد، وذلك من خال تشخيص ثاثة عناصر رئيسية ساهمت في بروز هذه الظاهرة، وهي العشيرة والطائفة والسياسة؛ فالعشيرة تطلّ برأسها كلّما ضعفت سلطة القانون وانحسر التعليم، وكذا الحال بالنسبة إلى الطائفة أو الطائفية. أمّا السياسة، فتركب القبلية/ العشيرة وحتى الطائفة، أو تزاوج بين الجميع. كل ذلك يأتي على حساب السياسة الرشيدة التي يمكن أن تبني بلدًا متطورًا ومدنًا حضرية مزدهرة. وفي موضوع الهجرة والتمدين ذاته، استحضر بكار المرتجي تاريخ المملكة المغربية ابتداءً من منتصف القرن المنصرم، حين عرفت فترات جافة ومتواترة أثرت بشكل واضح في ساكنة البوادي والأرياف التي تعتمد الفاحة بالدرجة الأولى. وقد اختلفت ردود أفعال الساكنة المغربية إزاء ظاهرة الجفاف وتأثيراتها السلبية من منطقة إلى أخرى، حيث هاجر البعض في شمال الباد إلى المدن الساحلية العريقة، بينما استقر سكان الجنوب في مراكز تحولت بسرعة إلى مدن، مزاولين أنشطة اقتصادية جديدة.

المدينة العربية وتحديات التمدن والتحديث

جاء موضوع المدينة العربية وتحديات التمدن والتحديث أساسًا ارتكز عليه الباحثون في الجلسة الثامنة، فطرح معاوية سعيدوني أزمة التحديث والتخطيط في الجزائر خصوصًا، وفي العالم العربي

عمومًا، بصفتها أحد أبعاد أزمة المجتمع والحضارة. وقد وصفها بأنها حالة انفصام تخطيطي ارتبطت بمشروع تحديثي أحلّ شرعية الخطاب محل شرعية النجاعة والواقعية. ولأن المعمار يتأثر بالنكبات لاستعمارية كما يتأثر البشر، تناول إبراهيم فريد محاجنة النكبة الحاصلة في فلسطين، حيث ط مست المدينة الفلسطينية عمرانيًا وأُسقطت من الذاكرة الجماعية، بينما انبرى الفكر الصهيوني يبذل كل ما في وسعه كي يمحو أثر المعمار الفلسطيني من مظاهره كافة لأنه يمثل بالنسبة إلى الفلسطينيين هوية وطنية ورابطة تاريخية وفنية بالمكان.

المدينة الإبداعية والمدينة لاافتراضية

في جلسة المؤتمر الختامية، قدّم الباحث عبد الرحمن رشيق محاضرة منفصلة تبلورت فكرتها حول: كيفية تفكّيك التمدين للمجتمع إلى «جزر اجتماعية »، وتعرض بالتحليل للسياسة العمرانية، وكذا نوعية العاقات لاجتماعية في أحياء شتى في المدن المغربية الكبرى في إطار صيرورة التمدن الكثيف. ودافع الباحث عن فكرة مفادها أن التغيرات العمرانية فرضت نمط ا سوسيولوجيًا جديدًا في المغرب. كما أن الفردانية تشك ل اللبنة الجوهرية المميزة لشبكة العاقات لاجتماعية الصاعدة في المدن. وقد أكد الباحث أن هناك أبحاثًا بيّنت سعي الفرد إلى المحافظة على استقاليته ضد ما يسعى إليه المجتمع بهيمنته، وتوصل إلى أن هذا المنحى يؤدي إلى بناء ما يمكن نعته ب «جزر اجتماعية»، كما أنه ترتب عن صيرورة الفردانية إنتاج نسيج عمراني متجزئ ومنغلق على نفسه.

واصل المشاركون بعد ذلك تقديم مداخاتهم تحت عنوان: «المدينة العربية والتحولات العمرانية». في هذا الإطار، عالج ياسر محجوب مسألة تغيُّر شكل المدينة العربية ومفهومها تحت

ضربات التغيرات لاقتصادية والسياسية ولاجتماعية والثقافية، التي قويت بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك الثروات الضخمة التي مكّنت دولً عربية عديدة، وخصوصًا في الخليج العربي، من التحول، في وقت قصير جدًا، من مدن تقليدية إلى مدن في قمة الحداثة. في المقابل، أفاض طه لحميداني في شرح تاريخ تشكُّل الثنائية المعمارية في المدن المغربية، مركّزًا على ما خلّفته الفترة لاستعمارية في مدينة الرباط من عمارة تجعل الإنسان يعاين في عبوره المدينة لزمنين متباعدين: زمن ما قبل الحماية بسِماته العمرانية التقليدية، وزمن الحماية بخصائصه وبناه المعمارية الحديثة الطراز، ليسعفنا كلٌ من الزمنين في طرح شجون من الشهادة على العصر الذي يُكرهنا دائمًا على معايشة ثنائيات الأصالة والمعاصرة. أمّا ماجدة صواب، فقد ناقشت ظاهرة التمدين بوصفها كونية، وبوصف المغرب يتّجه بدوره إلى مجتمع يطغى فيه الحضر على الريف. غير أن هذا التمدين لم يعرف، بحسب رأيها، مراحل النموّ والتطور نفسها التي شهدتها دول الشمال، بل طغى عليه تمدين ديموغرافي ساهم في إنتاج أزمات الريف المتكررة. ولم يستوعب لاقتصاد الحضري الأعداد المتدفقة من طالبي الشغل والسكن، وهو ما انعكس سلبًا على سيرورة إنتاج المدينة التي غاب فيها منطق العقل والتزام قانون التعمير، فتولدت عن ذلك مدينة هجينة تُقصي سكانها وتهمّشهم في كثير من الح لات.

شكلت مسألة المدينة الإبداعية والمدينة لافتراضية أبرز محطات النقاش الذي شهدته الجلسة الختامية للمؤتمر، وكانت بداية الجلسة العاشرة والأخيرة التي ترأسها أحمد خواجة، وبادر من خالها المتدخل الأول علي عبد الرؤوف إلى طرح قضية الفوضى العمرانية الخلّقة في المدينة العربية المتحولة: حالة القاهرة، وعرّج على القراءة المطروحة لفكرة الفوضى، وكيف يمكن أن تتحول من صفة سلبية إلى قيمة خلّقة. وعرض الباحث فكرته من خال تناول مشهدين أساسيين لما آلت إليه كباري (جسور) القاهرة وفضاء ميدان التحرير بعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011. والفكرة الرئيسية التي دافع عنها هي أنه كانت ل «النظام العمراني» الذي كان متّبَعًا في مصر قبل الثورة وظيفة إقصائية؛ إذ إنه أقصى السكان من فضاءاتهم «الطبيعية»، مثل ضفاف النيل والساحات العامة وغيرها، ومن ثم فشل في جعل فضاء المدينة لسكانها وفي إدماجهم وظيفيًا داخل هذا الفضاء. وفي المقابل، أدت استعادة المهمَّشين، عبر حركة «الفوضى الخاقة» التي اتّبعوها ومن دون وعي أحيانًا، لضفاف النيل والشواطئ البحرية بصفة عامة، وكذلك اكتساحهم فضاء الجسور عبر أنشطتهم لاقتصادية الممنوعة، إلى إعادة ترتيب فضاء المدينة بما يتناسب مع ثقافتهم ومصالحهم وإمكاناتهم، ولو إلى حين، وهو ما طرح موضوع حظوظ الباحثين العرب في قراءة تجربة المهمَّشين في ضوء «دراسات التابع» Subaltern Studies).)