العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المدينة العربية الحديثة قراءة سوسيو لسانية في أعراض مرض التمدن

المدينة العربية الحديثة قراءة سوسيو لسانية في أعراض مرض التمدن

The Modern Arab City

Driss Makboul **

إدريس مقبول *

* أستاذ مشارك بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين (مكناس) ومدير مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات لاستراتيجية - المغرب.

** Associate Professor at the Regional Center of Educational and Pedagogical Professions (Mekness), and Director of the Ibn Ghazi Center for Strategic Studies, Morocco.

الملخّص

يسعى هذا البحث إلى دراسة العلاقة المتبادلة بين الإنسان والعمران واللسان، منطلقًا من فرضية أن أعراض مرض التمدن ناجمة عن عدم الانسجام والتوافق، وهي تظهر عنفًا واستبعادًا وميزًا عنصريًا على مستوى الهوية الإنسانية، وتلوثًا بصريًا وتشوهات مجالية على مستوى الهوية العمرانية، واغترابًا وتفككًا لغويًا واضطرابًا تواصليًا على مستوى الهوية اللسانية.

Abstract

Abstract: Maqboul examines the interactive correlation between man, the built environment, and language. His paper begins with the hypothesis that symptoms of ‘diseased urbanization’, such as the absence of harmony and compatibility, appear on the level of human identity in the specter of violence, exclusion, and racist discrimination. In terms of urban identity in the built environment, the urbanization phenomenon is both visual and spatial. Turning to linguistic identities, one can observe linguistic alienation and fragmentation, and communicative turbulence.

الكلمات المفتاحية:
  • مدينة عربية
  • مرض التمدن
  • هوية عمرانية
  • هوية إنسانية
  • هوية لسانية
Keywords:
  • Arab City
  • Urbanization
  • Phenomenon
  • Urban Identity
  • Linguistic Identity

قراءة سوسيو لسانية في أعراض مرض التمدن

A Socio-Linguistic Reading of Symptoms of Urbanization Phenomena

تأطير منهجي

من أجل أن يكون عملنا متوازنًا في بنائه النظري وخلفيته العلمية والفكرية، اعتمدنا على منهجية تقوم على تبنّي مقاربة من ثاثة مستويات، وصفية وتفسيرية ومقارنة، تهدف إلى الإحاطة قدر الإمكان بمختلف جوانب الموضوع وإشك لاته المتداخلة. وقد فرض علينا تعدد الزوايا

التي يمكن النظر منها إلى موضوع "أعراض مرض التمدن" لانفتاح على مناهج عدة من داخل العلوم الإنسانية ولاجتماعية، فاستعنّا بما تمنحه الأدوات التحليلية في علم لاجتماع اللساني (وهو مجال يدرس العاقات بين ثاثة متغيرات: الإنسان والمجتمع واللغة) وعلم النفس اللساني (وهو مجال يدرس العاقة بين إدراك اللغة وإنجازها وبنية التمثات النفسية للإنسان)، وكذا علم النفس المعماري، من خال بحث الهوية المعمارية والطابع المعماري والشخصية المعمارية للمدينة العربية في عاقتها بمشاعر التشظي والضياع والعزلة والأنانية التي يعيشها إنسان المدينة، وتنعكس على هندسة مدينته. أردنا لعملنا أن يلتزم بقدر أكبر من الجرأة وقدر أقل من لانغاق في تجاوزه حدود التخصصات الصارمة، وفي مقاربته المادي وغير المادي من أعراض مرض التمدن في الفضاء المدني، وذلك من أجل بحث العاقة بين اللساني ولاجتماعي، بما هو التواصل داخل المدينة نشاط إنساني مركّب ويتميز بقدر كبير من التعقيد1، وأيضًا بما هي المدينة نسق من حياة العامات السيمائية2 "تُخفي" في كثير من الأحيان خاف ما تُظهر، و"تتكلم" عمرانيًا عن أشياء "تحجبها"، هذا من جهة، ونسعى في الوقت ذاته إلى لاقتراب من بحث لاجتماعي والعمراني من جهة ثانية، ونتتبع جدلية العاقة بين النفسي والعمراني في المدينة العربية، محاولين في ذلك كله، وفي اتصال بالفن والأدب اللذين يمنحان "العلم" "متعته" و"عمقه"، أن نقدم تفسيرًا لعدد من الظواهر التي باتت اليوم عامة واضحة ومؤشرًا دالً على "مرض المدينة" وعلى "تشوهات حياتنا المدنية" التي تُعتبر نتيجة طبيعية للإقبال على "المدينة" من دون تخطيط أو تفكير. ويمكننا صوغ إشكالية البحث في الأسئلة الآتية: كيف يتصل العمراني بالإنساني في بناء المدينة العربية المعاصرة؟ كيف يجسد اللساني هندسة العمراني وتداخاته وتشوهاته وانحطاطه؟ إلى أي مدى يمكن المدينة العربية الحديثة أن تستوعب تناقضات الإنسان مع المكان والزمان؟ هل من سبيل لإعادة ترتيب حياتنا المدنية في المدينة العربية من أجل إعادة التوازن والإقاع نحو المستقبل الديمقراطي؟

المقدمة الفلسفية للأطروحة، أو الإنسان بين العمران واللسان

نفترض في عملنا من وجهة نظر إبستيمولوجية أن هناك تشابهًا بين ثاث بُنى مركزية: بنية الإنسان، وتجسد الإرادة المتعالية في التاريخ؛ بنية العمران، وتجسد لامتداد الجمالي في الفراغ؛ بنية اللسان، وتجسد الرؤية الرمزية للوجود.

نفترض تبعًا لذلك أن هذه البنى أو الأنظمة متصلة في ما بينها اتصالً وثيقًا، سلبًا وإيجابًا، ففساد بنية الإنسان، بما يعني تعطل إحدى قواه المادية أو العقلية، يستتبع فساد بنية العمران وبنية اللسان. وإذا تطرّق العطب إلى الوجود الإنساني، فانهدمت قيم العدل والكرامة والحرية التي بها قيوميته في حياته، تداعى له الوجود العمراني واللساني بالمرض ولانهيار، وما كانت حياته إلا فقرًا ثقافيًا، لأن الإنسان متجسد في "الثقافة"، والثقافة، كما يقول إدوارد هال، "ليست مفروضة على الإنسان، ولكنها الإنسان بمعناه الواسع"3، فتعكس العمارة واللسان معًا تصميم ثقافة الإنسان وخريطتها. والإنسان باعتباره حيوانًا رمزيًا أو رامزًا4، على حد تعبير إرنست كاسيرر5، يتحدد وجوده بالدرجة الأولى عبر بنى رمزية، وهو يطمح في تجربته الفريدة إلى تشييد نظام رمزي يتجاوز به عالمه المادي المحدود، ويؤسس من خاله بعدًا جديدًا في الواقع، ويستشعر في الوقت نفسه بأنه ينتمي إلى العالم الإنساني، ويتوحد تحته من أجل تحقيق التواصل الإنساني في بُعده لاجتماعي، ولا سيما أن اللغة بنية رمزية نعي من خالها العالم، وهي تتوسط عاقاتنا بالآخر وصل وفصلً، بحسب طرق توظيفها وأساليبه، وتكشف وجودنا للعالم ككينونة رمزية ووجود لغوي، بحيث تتحول إقامتنا من السكن في العالم الطبيعي إلى الإقامة في عالم ثقافي رمزي فنصير إلى الوضع الذي "نوجد فيه" في "اللغة" وب"اللغة"، بحيث تضرب حولنا اللغة إطارًا يغلف وعينا الذاتي، فمثلما نشيد عالما باللغة، تمنحنا العمارة وما يدخل في العمل الفني إمكان إنشاء عالم، كما يقول الألماني مارتن هايدغر6. ومثلما أن الإنسان يأوي إلى العمران ليسجل في فضاءاته حضورًا مرئيًا ومقروءًا عبر التقابات، كما يخبرنا كلود ليفي شتراوس في مداريات حزينة7، فإنه يأوي إلى العمران ذاته ليسكن فيه ويضمن له حاجته المادية والجمالية، ويأوي إلى "اللغة" ليسكن فيها أيضًا ويضمن حاجته التواصلية والرمزية. إننا نسكن في لغاتنا ونستأمنها على أفكارنا ومعتقداتنا وأساطيرنا وجميع خي لاتنا؛ فوجودنا الرمزي في اللسان لا يقل أهمية عن وجودنا المادي في العمران، والعمارة هي تراكيب المعاني التي يستخدمها الناس لإضفاء الشكل على تجاربهم وخبراتهم في بناء العالم. في بنية اللسان وبنية العمران/المدينة، هناك تشابه وتقاطع يمكن أن نجد جذورهما لدى فيلسوف اللغة النمساوي لودفيغ فتغنشتين الذي اعتبر أن اللسان يمكن النظر إليه كما لو أنه "مدينة"8، وهي الفكرة التي استوحاها ألكسندر كريستوفر، المهندس والأنثروبولوجي الإنكليزي، خصوصًا في عمليه

"الأنماط اللغوية"9 و"طريقة البناء الخالدة"10، فاعتبر أن البنايات والأحياء والمدن والحواضر الكبرى هي نتاج للغة "الأنماط"، وبيَّن كيف أن هذه الأنماط تتصل في ما بينها لتشكل نسقًا اتصاليًا أو لغة خاصة لا تختلف عن اللغة الشفوية أو المكتوبة؛ فاللسان والعمران يتمتعان في بنيتهما التحتية بهندسة واحدة تقوم على منطق التعارضات والعاقات المتبادلة. ومثلما هناك لغة مبتذلة أو راقية، هناك مدينة مبتذلة أو راقية. "أنماط" كريستوفر هذه هي عبارة عن كيانات هندسية لمختلف الأحجام والمقاسات، من الأبنية والتصاميم والنوافذ والأبواب والشوارع والأزقة التي يمكن أن نعقد بينها وبين التركيب اللغوي مقارنات وتقابات، من حيث تتصل الأولى (أي البنية العمرانية) في ما بينها وفق نسق قواعدي معيّن مثلما تتصل الثانية، وهي الكلمات والجمل والفقرات والفصول (أي البنية اللسانية) وفق نسق مماثل11. إننا نتكلم لغتنا، كل بطريقته الخاصة، فلكل منا "نمطه" الخاص به الذي يعكس تجربته التواصلية التي يصل فيها بين المفردات على نحو خاص ليشكل "المعنى" الذي يشاركه فيه الآخرون. وأنماطنا اللغوية جميعًا هي ما يشكل في النهاية "اللسان" الذي يجمعنا، مثلما لكل واحد منا نمطه الخاص في البناء والعمران، والذي لا شك أن كثيرًا من مفرداته يتكرر في "العالم" لكن بأساليب متباينة. هذه الأنماط هي كلها ما يشكل في النهاية "المدينة" بما هي أسلوب حياة يجمعنا لنوجد فيه وجودًا جماليًا وفكريًا من حيث إن العمارة تعكس فكرتنا عن الفضاء، كما يقول فيليب بودون12.

مرض التمدن

لما كانت غايتنا من هذا البحث تتبُّع أعراض مرض التمدن، أو لنقُل "العامات" بالمفهوم السيميائي عند رولان بارث وجوزيف كورتيس13، أو الأعراض المصاحبة لدخول الإنسان "العربي" زمن المدينة العربية الحديثة، فإننا جعلنا أملنا من وراء هذا السعي المعرفي وضع الإصبع على المخفي والمحتجب من مكامن العطب في تشخيص حالتنا الحضارية الراهنة. فلنبدأ بتحديد مفهوم "مرض التمدن" أو "باثولوجيا التمدن العربي" الذي نعتقد أنه يبقى مبحثًا طريفًا لاعتبارات عدة ليس أقلها كونه ملتقى تقاطع تخصصات متنوعة.

يجري عادة الحديث عن أمراض التمدن في سياق الدينامية التي يشهدها البروز المتسارع للمدن الحديثة في العالم، وما تحمله معها من اضطرابات وتغيرات على مستوى السلوك الإنساني فرديًا وجماعيًا، وفي سياق أدق هو سياق التساؤل عن إمكانية/ وسبل جعل المدن الحديثة فضاءات قابلة للعيش في ظل "أمراض المدينة" التي يفرزها بشكل تلقائي تأزم الأوضاع داخلها بما تراكمه من تناقضات صارخة تؤدي إلى لاغتراب14. أمراض التمدن هي، بحسب توماس ديلورينزو، أمراض الإنسان المقهور في المدينة الحديثة؛ الإنسان الذي تحولت حياته إلى مجال واسع يستغله ويستثمره رأس المال المتوحش الذي يبيع ويشتري في كل شيء؛ فأمراضه هي بالتحديد أمراض التلوث بجميع أنواعه، السمعي والبصري وأمراض السياسة ولاقتصاد التي تباشر "قضاء" / أو "القضاء على" مصالحه15، ذلك أن دينامية السياسة الرأسمالية داخل شرايين الميدان العقاري للمدينة الحديثة ترتبط بكون المجال الحضري أصبح بضاعة خاضعة لقانون السوق، وأصبحنا إزاء "المدينة السوق"، وبالتالي أصبحنا جزءًا من نظام الحاجات الذي يقوم عليه لاقتصاد التسويقي، فيتعاظم الأمر ويتفاقم حتى يصبح السوق، كما يقول إغناسيو راموني، نموذجًا يصنع مادة التفكير ويشكل الحياة16. يربط أستاذ الجغرافيا السياسية بيتر جيمس تايلور أعراض مرض التمدن17 بالمناخ النفسي ولاجتماعي لإنسان "المدينة الحديثة"؛ ذلك أن المشكات اليومية والمصيرية التي أضحت سمة بارزة للمدينة العربية في المشرق العربي كما في المغرب العربي بجميع رهاناتها الهائلة، هي في النهاية محصلة فوضى عارمة، ومدنية معتقلة داخل الأسمنت، ومواطنون يعانون "المدنية"، حيث أصبح المواطن في بناها فاعلً وضحية في آن معًا18، حيث أعراض التمدن تمتد من التناقضات العمرانية الصارخة19إلى نقص المياه والشروط الصحية، إلى استغال الأطفال والنساء، إلى برامج التهميش والإقصاء والتضييق على الحريات، إلى تراجيديا التلوث البيئي وإلى جميع سوءات "المدينة"20.

ربما تعني "أمراض التمدن"، في جملة ما تعنيه، الأمراضَ الطارئة على الإنسان في المدينة الحديثة التي جعلته أشبه ما يكون بكائن مفترس في حديقة حيوان تضم الناس داخل أقفاص حديدية ضيقة كما يصور الأمر ديزموند موريس في عمله The Human Zoo (حديقة الحيوان البشرية)21، حين تنبع أمراض "المدينة" من السلوك العدواني والجنسي والأنانية والأبوية المتسلطة؛ كل ذلك تحت ضغوط الحياة الحضرية التي تقضم الإنسان، فالحيوانات تميل إلى العدوانية إذا زاد تكدسها في مكان واحد وفقدت مساحاتها الشاسعة، وهو ما يقع في المدينة العربية الحديثة التي يعاني فيها الناس التكدس السكاني في مساحات ضئيلة من الأرض22، ولهذا نجدهم يفتقدون الإحساس بالحرية والتمتع بالخصوصية، ويُعتبر هذا من العوامل المهمة لظهور العدوانية والأنانية، فيتحول الإنسان من هويته المسالمة المتعايشة إلى هوية متوحشة وعمياء23.

بين الهوية العمرانية والتفاعلية الرمزية

إننا عندما نبني المدينة باعتبارها مجالً حياتيًا لاجتماع الإنساني، فإننا نبني- كما يقول عبد الهادي التازي - "الطبائع، نبني الشخصية، نبني الأخاق، ولذلك فإن بناء المدينة.. ليس بالأمر الهين الذي بمستطاعنا أن نقوم به بكل سهولة، إن تخطيط المدينة لا يعني عملً عشوائيًا مرتجلً يحتاج لأسبوع، أو لشهر أو لسنة، ولكنه عمل يحتاج لدراسة مستقبل الأيام"24. والحديث عن المستقبل هو الذي يعطي الشرعية في الواقع لتناول موضوع هوية المدينة العربية؛ ذلك أن الهوية العمرانية للمدينة تقتضي طابع الديمومة ولاستمرارية والتميز الذي يواجهك أول لقاء كما يخبرنا أستاذ تاريخ الفن والعمارة فرانسوا لويير25. لأجل ذلك، فهي لا تتوقف في إطار زمني محدد، بل تتطور لتخترق الزمن ولتشك ل الوجود النوعي للمدينة الذي ليس سوى مرآة للوجود النوعي للإنسان، سواء كان شرقيًا أو غربيًا26. وكما يقول جورج نيكلسون، المتخصص بالجغرافيا والتخطيط الحضري، فإن "كل مدينة في حد ذاتها فريدة، فالثقافات والوظائف والتاريخ، مجتمعة

مع بعضها هي من يمنحها فرادتها وهويتها"27. من هنا، فإن مدى استلهام النموذج الحضاري والثقافي للهندسة المعمارية كان المؤشر على أصالة الهوية المعمارية وتماسكها أو تفككها، في إطار من تقويم النظرية المعمارية في ضوء الخصائص البيئية والحضارية المحلية. وعلى قدر وفاء العمارة بالشروط الفنية والحاجات الأصيلة لصانعي الحضارة والثقافة ينعكس ذلك على "المتجلي" عمرانيًا ولسانيًا في الفضاء الهندسي والتواصلي، وفي المقابل تعكس لاستعارات المعمارية "غير الواعية" وغير المدروسة خارج سياقها تدهورًا واضحًا في الذوق والفكر والتخطيط، وهو ما تعانيه اليوم "جميع المدن العربية تقريبًا من أزمة عمارة بسبب دخول فن العمارة الغربية عليها، مسببًا انهيار المشهد المعماري العربي الأصيل، إن يكن في القاهرة أم في بغداد أو الإسكندرية أو الجزائر"28. كان للمدينة العربية (بغداد وفاس والقاهرة والقيروان وغيرها) في التاريخ الوسيط طابع عمراني وهوية عمرانية تعكس فلسفة الوجود والإنسان ورؤيته النسبية المنسجمة لقيم الجمال والآخر والأخاق، ولتنظيمٍ مركّب لقطاعات لاقتصاد والتجارة والصناعة والفاحة وغيرها، بالإضافة إلى انسجام ذلك مع مناخ الجغرافيا العربية الذي كان ملهِمًا لكثير من الإبداعات الهندسية29. كان المسجد "الجامع" في قلب المدينة، ولم يكن رمزًا للعبادة والنسك فحسب، وإنما كان أيضًا ذا مركزية ترمز إلى مركزية سلطة العلم والمعرفة30 التي تحتل من المدينة قلبها، وحوله تتوزع وتنتشر في "خطط" متناغمة عنقودية - ذات نظام داخلي مضمر -31 تتوفر على نهايات مغلقة، وتنتهي بأسوار تشكل درع المدينة وحصنها في وجه الغزاة. كان "الجامع" هو المقابل العمراني لهندسة الأغورا اليونانية التي احتلت المركز من قلب المشروع الحضاري اليوناني. واليوم، أمام انتكاسة الفكر والذوق والجمهور والسياسة العربية، انتكس التخطيط، بل بات هناك تخطيط لا يؤشر على هوية محددة، فهو الفوضى بامتياز32. وحتى من لا يعترف بهذا المنطق ويرى في النموذج القديم نموذجًا فوضويًا أيضًا، فإن القاهرة القديمة لن تكون بحال إلا أقل فوضوية من القاهرة الحديثة33، وعلى ذلك قس باقي العواصم العربية الثقافية34.

إن الهوية الهندسية للمدينة العربية لا تنفصل عن طبيعة الهوية الهندسية لاجتماع وللأسرة اليوم، وكما يقول يان سبورك: "كما في فن العمارة، نحن أمام ما يمنح لاستقرار والدوام للمجتمع ولهيكليته"35؛ إذ لا شك في أن الأسرة والإنسان والثقافة، بما هي عناصر للبنية الفوقية في مجتمعاتنا المعاصرة، تقوم بدور حيوي في اختياراتنا العمرانية، إلى جانب نمط لاقتصاد والحكامة التي تزيد من تفتيت بنى المجتمع الكبرى لمصلحة الأسرة النووية الصغيرة التي حملت معها، في ظل ظروف ضاغطة، أشكال "البناء التجاري" التي تتناسب مع الطابع الفرداني للمدينة وللعاقات الجديدة فيها، وباتت محدودة شيئًا فشيئا؛ فالمدينة بهويتها الجديدة، كما يقول جورج زيمل، أثّرت بشكل كبير في العاقات لاجتماعية، وفي نظرتنا إلى الظواهر وتعبيرنا عنها، وجعلت الفرد أكثر وعيًا بذاته (الأنا) وأكثر امتاكًا لحريته بفعل عاملي "المسافة" و" لاستقالية"، لكنها جعلته في الوقت نفسه أضعف من ناحية العاقة بالآخر36، معلنة الفقر "الإنساني" وعامات "التصحر اللساني"، وهما من أعراض مرض التمدن. إن ضعف العاقات لاجتماعية ليس عنصرًا خارجًا عن تناولنا قضية الهوية العمرانية؛ ذلك أن الهوية العمرانية للمدينة العربية لا تتوقف عند حدود تناسق أو عدم تناسق، تقارب أو تباعد - كما سنرى - الرسوم والأشكال والمساحات والأحجام والفراغات، بل تعني كذلك ما وراء ذلك من النشاط التواصلي الإنساني في إطار ما يسمّى التفاعلية الرمزية37، لأن هذه الهوية تتجسد عبر مساحتين: عبر "الواجهة"، وهي حدها الظهوري البراني، و"نوعية العاقات"، وهي حدها الداخلي الجواني بحسب جوناثان ريتشارد38. هذا الحد يتجسد أول في طبيعة العاقات التواصلية من التوادّ والتساند والقرب والبعد، ويكشف عن ذاته عبر النشاط اللساني في اجتماعات الناس ولقاءاتهم ومنتدياتهم وأسواقهم واحتف لاتهم وأحزانهم.. ويمكن أن نسجل في البداية انحسار مساحات التواصل اليومي الشفوي في المدينة العربية الحديثة مقارنة بذي قبل، وذلك لمصلحة "النرجسية المدينية الجديدة" بتعبير شين شارلز ساورغوس39، ومصلحة وسائل الإعام الجديد (المجال لافتراضي) التي بات يمضي معها الإنسان أوقاتًا أطول، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الفردانية التي حملتها معها المدينة الحديثة بهندستها ومتطلباتها المرهقة، فتقلصت معها الأوقات التي يمضيها الإنسان العربي "المديني" مع غيره تقلص المشترك، واتساع "الحيز الخاص"40 في ما يمكن أن نسميه "انكماش التواصل الأفقي

الشفوي"، لأن هذا التواصل، كما يقول والتر أونج، "يوحد الناس في مجموعات، أما الكتابة والقراءة فنشاطان انفراديان يسحبان النفس إلى ذاتها"41. أصبح السكان أقلَّ معرفة بجيرانهم، وقلَّ م نْ حولهم عدد الأصدقاء والأقارب، وهذا بطبيعته جاء بسبب تراجع أسلوب حياتنا ذي الحركية اللفظية42 التي باتت تضعف شيئًا فشيئًا بفعل ميل عام لمجتمع المدينة أو "مجتمع الفرجة"43، كما يسميه غي ديبور، لثقافة لاستهاك و"مبدأ الجهد الأقل"44. وهذا يمكن فهمه، من وجهة نظر سوسيو لسانية، انطاقًا من تمييز كثيرين بين نمطين من لاجتماع45، منهم الألماني فيرديناد تونيز، حين يميز بين "الجماعة" و"المجتمع"، بين نمطين من التواصل والسلوك والتفكير؛ ففي "الجماعة" ذات البُعد التراحمي، نجد أن هناك – بسبب التماسك العضوي لعناصرها - نظامًا اتصاليًا شفويًا يتأسس على عاقات المواجهة المباشرة وغير ذلك من الوسائل غير الرسمية لتناقل المعلومات. وقد انكمشت هذه الشبكة وهذا النظام في المجتمع المديني ذي الطابع التعاقدي حين حلت محلهما وسائل ﺍﻻتصال ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺭﻱ ﺍﻟﺘﻲ باتت تنقل المعلومات بطريقة رسمية وروتينية وغير شخصية46. من وجهة نظر "التفاعلية الرمزية"، ومقارنةً بحياة الريف أو المدينة العتيقة، تفتقر الحياة في المدينة العربية الحديثة إلى عناصر التضامن الأقوى والتماسك الأسري وخبرة الناس بعضهم ببعض من خال نموذج التواصل القريب الذي تسمح به القرية أو المدينة القديمة (نظرًا إلى منطق الجوار)، ولا تسمح به المدينة الحديثة (نظرًا إلى منطق المسافة) إلا بنسب متفاوتة ومحدودة، على حد قول الشاعر تشارلز

كاليب كولتون (Ch. C. Colton)47:

إذا شئت أن تُعرف ولا تَعرف عش في القرية. وإذا شئت أن تَعرف ولا تُعرف أسكن المدينة48.

في نظام القرية الصغير، يصبح الكل معروفًا لدى الكل، ولا أهمية لمسألة معرفة الإنسان بما يجري من تفصيات العالم الذي لا يتوقف مخاضه، وفي نظام المدينة "العماقة" حيث كل التفصيات المهمة وغير المهمة متاحة للمعرفة، يصبح الإنسان معها معزول وغير معروف في وسط واسع لا يعرف الناس فيه كل من يعيش معهم، وتصبح "الشهرة" صناعة، فيضعف "الإنساني"، وتضعف "الذاكرة" لصالح النموذج الجديد من المواطن العالمي الذي "نسي أين ولد" كما يقول ميان كونديرا49. هذه الأمور التي تفتقدها حياة المدينة، ومنها مدينتنا العربية، هي ما دعت أمثال بارك وزيمل إلى تفضيل النظام الجماعاتي حتى يتمكن الأفراد من المعيشة في مجتمعات محلية صغيرة يشعرون فيها ب لانتماء والعضوية، و يتمكنون فيها من تدعيم عاقات الجوار، وهو ما توفره حياة الأرياف والمدن القديمة بما فيها من القرب والحميمية ومن التفاعل المباشر الذي يكون وجهًا لوجه50. إذا كانت هذه التقابلية بين النموذجين ناتجة من مقارنة لا تخلو من رومانسية سوسيو لسانية تفترض المسافة واستقرار النموذج لاجتماعي، فإن واقع المدينة العربية الحديثة يشي بقدر غير يسير من الدينامية العنيفة ذات الصبيب الهادر من القرية التي تتغذى على تفريغ أزماتها في اتجاه المدينة، كانت لها مبرراتها الموضوعية، وساهمت في تغيير مامح الهويتين العمرانية واللسانية للمدينة على حد سواء، وهو ما أنتج بالتراكم النوعي ظاهرة الترييف، حيث تحول الريف من بيئته الطبيعية إلى بيئة غير طبيعية.

الترييف وإعادة إنتاج نظام العلامات السوسيو مجالي

إن الغاية من وراء التحقيق السيميائي هو، بحسب رولان بارت، "إعادة بناء اشتغال الأنظمة العامية غير اللغوية"51؛ إعادة بناء تتأسس في أحد مفاصلها على تقصّي المشترك الدلالي بين العامات، ومن بينها العامات المجالية/العمرانية. في المدن العربية الحديثة نكاد نجد ارتباطًا موحدًا بظروف النشأة والتمدد نفسها؛ ذلك أن ظهور أغلبها ارتبط بالمرحلة لاستعمارية52، وما تطلبته الحاجات المتزايدة والمستجدة إداريًا (خدمات، إدارات حكومية، تمثيليات دبلوماسية)، وأيضًا اقتصاديًا من نزوح لقطاعات كبيرة من الريف في اتجاه المجال الجديد الذي بدأ يؤدي دورًا استقطابيًا بعد أن تحول الريف إلى بيئة طاردة. ولهذا، سيكون القاسم المشترك بين هذه المدن العربية الحديثة كلها هو امتدادها على هامش النواة الأولى التي باتت تُنعت بالمدينة القديمة53، فنشأت المدينة العربية الحديثة (دمشق، القاهرة، الجزائر، تونس،

الدار البيضاء... إلخ) على ضفاف المدينة القديمة، لتعكس "تعارض العامات المجالية" (التي تنتج مَفْصلَة المتصِل) أو الثقافة التمييزية لاستعمارية بين طبقات المجتمع، حيث كان الأوروبيون والأعيان يسكنون في الجزء الجديد، ويتكدس السكان الأصليون والنازحون من الأرياف في الجزء القديم أو على هامش المجال الجديد. وبلغة الفارابي، أصبحنا إزاء مدينتين في مدينة واحدة: مدينة الخسة والسقوط، ويمثلها الجناح الأوروبي المحمي الذي لا يهتم إلا بمصالحه وسعادته، والمدينة الجاهلة التي تغيب فيها السعادة ويسود الشقاء، وهي نموذج الغبن والفقر ويمثلها المهمشون القادمون من الريف54. وبالتالي، أصبح لكل مجال نمطه الثقافي ونسقه اللساني ودائرته المعيشية التي لم تكن منفصلة تمامًا بل كانت متمايزة بوضوح، لأن المصالح لاقتصادية كانت تستدعي بقاء التوزيع المجالي قريبًا بعضه من بعض، ومن وجهة نظر سوسيو لسانية يصبح هذا التقسيم المجالي عامة بصرية على التوزيع الطبقي والتراتبية لاجتماعية التي تحددها الجغرافيا والنطاق قبل أي مؤشر آخر. في هذا السياق، يقول المهندس المعماري الشهير ميشال إيكوشار55: "يجب علينا أن نوزع الصناعة وسكنى العمال بحسب الأماكن المائمة لكل منهما، وبكيفية تيسّر اتصالً سهلً بينهما "56؛ توزيع عاماتي وتقريب، وتوزيع ليست الغاية منه سوى تهيئة المجال لاستغال الرأسمالي الأقصى لجهود الأهالي والريفيين النازحين إلى المدينة؛ استغال يفاقم من معاناة العمالة ذات الوضع المتدني، ويساعد على إبقاء الطبقة العاملة قيد الضبط والرقابة محافظته على هذه الأحياء المتخلفة ملحقات وظيفية لاقتصاد المدينة. هذه الطبقة التي هاجرت من الريف إلى المدينة العربية الحديثة لم يكن مسموحًا لها بالدخول إلى الفضاء الجديد إلا باعتبارها قوة للعمل الشاق في صفوف الرجال أو الرخيص في صفوف النساء57. وفي الوقت الذي ضاقت فيه المدينة القديمة عن استيعاب فائض الطاقة السكانية المهاجرة، بدأت تشتعل - كما النار - في بعض الفراغات وفي بعض الهوامش نطاقاتٌ من أحياء الصفيح التي بدأت تتسع بفعل سياسة التفقير والعزل ولاستغال والإهمال، وهو ما أدى إلى اختاللت مجالية صارخة58، أطلقت عليها الباحثة جانيت أبو لُغد نظام الميز العنصري الحضري59، وهو واحد من أعراض مرض

التمدن، حيث تهتم السياسة الحضرية فقط بالمجال الذي يتكلم ساكنوه اللغة الأجنبية (مركز القوة)، في حين تبقى الفضاءات الصفيحية أشبه ما تكون بحظائر البؤس لاجتماعي، حيث لا يوجد تخطيط يهيئ الإنسان لمهمات الخبرة، ولا تربية تنشئه على معاني المشاركة، ولا تنظيم اقتصادي يضعه على عتبة المسؤولية الإنتاجية والكرامة لاجتماعية. إن إعادة إنتاج نظام العامات ذي البُعد السوسيو مجالي كانت فعاًاستعماريًا؛ ففي مدينة حديثة كالدار البيضاء المغربية، نجد أن سلطات الحماية لاستعمارية – تاريخيًا - لم تقاوم "انتشار أحياء الصفيح إلا عندما أصبح هذا النوع من استغال المجال يتعارض مع مصالح الرأسمال، وأكثر من ذلك قامت البلدية باقتناء الأراضي التي كانت تقوم عليها كثير من أحياء الصفيح وفرضت منذ 1942 ضريبة على سكانها"60. تتكرر الصورة نفسها في عدد من المدن العربية الحديثة، لكن بإخراج مختلف قليل يضم أصنافًا من المفجوعين والموجوعين؛ ففي القاهرة، نشأت في إثر موجات الترييف المتتالية والسياسات التنموية الفاشلة الموروثة عن لاستعمار مناطق سوداء هي عبارة عن أعشاش للهامشيات والعشوائيات، كأنساق تعبيرية تكسر "انسجام نص المدينة". وبدأت تجتذب صنفين من البشر المحرومين: صنف من "أسر تعاني مشكات"61 وصنف آخر من "أسر تسبب مشكات"62. كما ظهرت إلى السطح مأساة سكان "السطوح" و"القرافات"، وهي مأساة إنسانية أو "مأساة تناصية" بلغة اللسانيات، حيث يدخل "نص الحياة" ليتشابك مع "نص الموت" فيشكان معًا تراجيديا العصر هي بالمنظور الإنساني مأساة بكل المقاييس نتيجة إفاس السياسة وموت الضمير؛ فالإحصاءات تشير إلى وجود حوالى ربع مليون ممن يشاركون الموتى مساكنهم؛ هذه الظاهرة التي حملت معها تحلل خطِرًا في البنى الإدراكية لأعظم فكرة وجودية هي فكرة الحياة والموت، وسقوط ا لجدار القدسية الذي كان يلف الموت عبر الزمن، وابتذالً واضحًا لحرمة "الموتى." في الواقع، لم يحدث الترييف من طريق الهجرة أو بحركة الإنسان/الفاح الحضري (أو الفاعل الإنجازي بلغة اللسانيات السيميائية) من البادية (الموضوع المكاني الأصل) صوب المدينة (الموضوع المكاني الذي بات يشكل الرغبة) فحسب، بل جاء أيضًا نتيجة اتساع جسد المدينة العشوائي، وانتشاره لتجد المدينة نفسها في تماس مباشر مع المجال الريفي، أو بعبارة أخرى أصبحنا إزاء ما يسمّيه عال مِ لاجتماع والأنثروبولوجيا الأميركي روبرت ريدفيلد بنظرية "المتصل الريفي الحضري"63، التي تفسر لنا صعوبة التقسيم - في بعض الأحيان - بين مجتمع ريفي خالص ومجتمع حضري خالص، لما جرى

بينهما من تداخل وتشابك64، الشيء الذي سيكون له بالغ الأثر في البنية الثقافية واللسانية، وتحديدًا في اللهجات العامية الحضرية65 التي ستتوزع - نسبيًا - وفق النظام السوسيو مجالي الذي يتأسس على عاملي السلطة والثروة، لينضاف إليهما عامل اللسان باعتباره عامل تشطيريًا أيضًا كما يقربه هذا "الرسم التخطيطي البصلي" الذي لا ينفي التداخل النسبي.

اﳌﺪﻳﻨﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ: ﻧﻤﻮذج اﻟﻌﺘﺎﻗﺔ/اﻟﻠﺴﺎن اﳌﺤﲇ اﳌﺪﻳﻨﺔ اﻟﺠﺪﻳﺪة: ﻧﻤﻮذج اﻟﺤﺪاﺛﺔ/اﻟﻠﺴﺎن اﻷﺟﻨﺒﻲ

اﻟﻬﺎﻣﺸﻴﺎت: ﻧﻤﻮذج اﻟﻬﺠﺎﻧﺔ/ أﻟﺴﻨﺔ ﻣﻬﺎﺟﺮة

تكسير النظام الأكسيولساني66 للمدينة العربية

عند التأمل لا تبدو المدينة مجرد معطيات مادية فيزيقية تبعث هذا البريق، وإنما تبدو نموذجًا غير مادي لعاقات اجتماعية وظيفية بالغة التعقيد، بما تمنحه من التأثيرات المتبادلة سوسيولوجيًا ولسانيًا67. ومن وجهة نظر سوسيولوجيا التحضر والأكسيولسانيات (أو الدراسة القيمية اللسانية)68، يفرض الترييف الذي اكتسح مساحة المدينة العربية الحديثة سلوكات وخصوصيات وأنماط الحياة الريفية على المجال المستقبِل، والتي يتجاوز تأثيرها المورفولوجيا العامة للمدينة عبر استراتيجية لانتشار

الحر في الفضاء المفتوح، إلى مجال الأكسيولوجيا والقيم المجتمعية كما يخبرنا تشارلز ريتشارد ديكرت69، ذلك أن واقع التدفق المتواصل للريفيين على المدن الحديثة جعل الأجيال الحضرية الجديدة في كثير من الأحيان غير "مقبولة اجتماعيًا من قِبل أهل المدن الأصليين "70، وتعيش نوعًا من العزلة لاجتماعية71، وهو ما سيول د صدامًا بين القيم وردات فعل عنيفة تظهر أول ما تظهر في اللغة والتواصل "المنتفخ"72، كما يسميه بيتر غروبر، الذي يغلب على مضامينه لاحتقار والتسفيه والتنقيص المتبادل والطرائف العنصرية والنكت الساخرة73، الأمر الذي سيجعل المجال التواصلي، من وجهة نظر سوسيو لسانية، مجال مشحونًا وعنيفًا باستمرار ومهيَّأً لانفجار والتوتر الدائم، ويساهم في خلق ما يشبه الطائفية القبلية واللسانية74 التي تقف على أرضية قاب قوسين أو أدنى من لاحتراب بسبب واحد من أعراض التمدن، وهو لاستبعاد لاجتماعي75؛ ف"الإنسان إذا ما أنكر عليه المجتمع الذي يعيش فيه، سواء أكان مجتمع الأهل أم الأقران، إشباع حاجاته، فقد يرغب في لانفصال عنه، متخذًا من العزلة وسيلة لذلك "76. كما أن التضامن المجتمعي الذي يعلن نفسه عبر تعبيرات مجتمعية وثقافية ولسانية مختلفة، يتهدده "تمرد الإنسان" الذي يتعرض للعزل ولاستبعاد اللساني، وحينها - كما يقول ألبير كامي - "كل تمرد يسمح لنفسه بإنكار أو بتهديم هذا التضامن"77. في المحصلة، لم يعد يُنظر إلى القرية باعتبارها مجال لتغذية المدينة كما كانت عبر التاريخ، حيث غلبت صورة "الأزمة" على فضاء "القرية" وعلى كل ما يتعلق بها باعتبارها "مجال تواصليًا مانحًا". وباتت

المدينة تشعر ب" لاستقالية مع تنامي النظام الصناعي والغذائي الذي تتحكم فيه الآلة الرأسمالية التي سحقت الصورة البسيطة للفاح الذي يجهد نفسه بكفاح وصبر ليزرع ما يأكله الناس في المدينة". لقد تم محو هذه الصورة "التعاونية" ذات العمق الإنساني، وحلت محلها الصورة المجازية لنيكولاس كراوز عن "المدينة التي تأكل"78 من دون توقف في السياق الحضري الجديد، والتي ساهمت في تغيير النسق الأكسيو لساني الذي كان يتسم ب"التكاملية" و" لاحترام" بين المجالين، ودفعت به إلى حافات الصدام. من جهة أخرى، وهي نظرية هذه المرة، تُعتبر المدينة مجال للتعايش الثقافي، وهي في قلب ذلك نُظم من الإدارة والتفكير والمواقف والقيم، أو لنقُل بعبارة لويس ورث هي نمط حياة خاص79 قبل أن تكون جغرافيا مملوءة أو ديمغرافيا حية؛ إنها مساحة للتواصل بين القيم المدنية والفكرية التي تتساند من أجل ترسيخ مستوى من العيش المشترك المبني على التربية على لاحترام والتسامح الذي يجمع المعتقدات كلها80 وحقوق الإنسان والخضوع لسلطة القانون، وهي بهذا المعنى تتجاوز الصورة البسيطة والتبسيطية التي تقرر إمكانية اندماج سهل لثقافة الريف (التي تتحكم فيها الطبيعة والأعراف والتلقائية) في ثقافة المدينة أو ذوبانها غير المشروط فيها. إن الهجرة واقع تاريخي، وستبقى كذلك إلى الأبد، لكنها تتحول إلى مشكلة اجتماعية بالفعل حينما يتم السعي إلى حلها عن طريق الإدماج الحضري القسري، أو ما يسمّيه أحد رواد مدرسة شيكاغو روبرت إزرا بارك بعملية لانصهار، لأن الثقافة التي يحملها المهاجر القروي تتميز بهيمنة التقاليد والأعراف، وهي تختلف تمامًا عن الثقافة الحضرية التي تتميز بسيادة الفردانية والرأي العام والقانون الوضعي81. ليس من شاهد على اكتساح القيم الريفية للمجال الحضري في المدينة العربية الحديثة أكثر مما نجده في "الحضور التواصلي الصادم" لصورة الريف في السياق والمقام الحضري، من أسواق وحظائر لتربية الحيوانات داخل النسيج العمراني للمدينة الحديثة؛ ذلك أن واقع البطالة دفع الكثيرين إلى نقل "أدواتهم الثقافية وأنساقهم التواصلية" وركام أشيائهم؛ صنائعهم وعرباتهم المجرورة وح رفهم وخبراتهم الريفية، إلى عقر المدينة الحديثة، والتجول بوسائل نقلهم الريفية في قلب المدينة العربية الحديثة، مع ما يصاحب ذلك من انتشار أسواق فوضوية لا تخضع لأي نظام أو تهيئة مسبقة؛ مشهد يعكس اختالً صارخًا بين "الإنسان" و"الوظيفة" في المدينة، أو ما يسمّيه كنغسلي ديفيز وغولدن82"التحضر المفرط"83 الذي باتت عليه بعض مدننا، كما يعكس انفجارًا يوميًا وإدانة مستمرة لسياسة

التخطيط العمراني في العالم العربي تذكّرنا بمسرحية "ابن الرومي في مدن الصفيح" للكاتب المغربي عبد الكريم برشيد التي كتبها في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، شاهدًا على عصر "المدينة الظالمة"84، حيث المساكن الصفيحية التي تشخص التفاوت الطبقي والصراع لاجتماعي وافتقار الناس البسطاء إلى أبسط حقوق الإنسان؛ حياة يصبح فيها "الصفيح" لسانًا ناطقًا وبليغًا في نقل "المأساة الإنسانية" للساكن على حافات المدينة وفي شقوقها. وفد الإنسان المكدود من البادية هروبًا من بؤس في أحضان الطبيعة القاسية بجفافها وعزلتها، كان يُخَفف من وقعه أُلفة القرابة وحُنوّ النسيج الأسري المتعاطف، إلى مدن القصدير، حيث تتزوج رذائل البادية، وقد أفلتت من مناخ التماسك التلقائي، برذائل المدينة، حيث يتضاعف البؤس مضروبًا في الشعور بالحرمان. ربما كان من المناسب أن نقول إن الفئة المهاجرة إلى فضاء المدينة العربية باتت تئن تحت وطأة نظام من العامات لاجتماعية المدينية التي تُكدس البشر في مدن معدنية؛ فالمؤشرات كلها تشير إلى أن لا رحمة فيها ولا شفقة ولا أخوة، بل إجرام في وسط الناس فيه أنانيون يجهل بعضهم بعضًا؛ وسط انحلت فيه الأسرة، وقست فيه المشاعر، وعزت فيه العواطف الخيرة، وسط في الواقع لم يختر فيه "الهامشيون" "هامشيتهم" لرغبتهم في ذلك، بل إن "المدينة" "القاسية" تتولى تهميشهم وطحنهم. إن الفاح الحضري بدخوله المدينة الحديثة دخل زمنًا آخر مختلفًا؛ دخل زمنًا "مضطربًا" يضج ب لانهيارات، وأصبح يفقد فيه شيئًا فشيئًا "عناصر فطريته" و"أصالته"، ومعها يفقد أقساط ا من حريته لمصلحة إكراهات "المدينة" وضغوطها التي لا تتوقف. لقد دخلها ليكون "حرًا" و"مالك ا"، فإذا به يصير "مملوكًا"، حوَّلته "المدينة" إلى "مَد" (ِين85)؛ دخل ليقيم في "مدينة با قلب" كما هي عبارة عبد المعطي حجازي86، فوجد نفسه مَرْمِيًّا على حافاتها وهوامشها التي تتشعب وتتمدد "با عقل " في ما يشبه نمو "المرض الخبيث."

المدينة العربية: خلية نحل أم مقبرة؟

هذا عنوان استوحيناه من نموذج إدراكي جمالي87 وصف به الروائي الكبير عبد الرحمن منيف في رائعته مدن الملحواحدة من المدن العربية "المتخيلة" التي عرفت طفرة مليونية بعد اكتشاف النفط88،

لكنها طفرة تضج بالمفارقة التي فجرتها اللغة الإبداعية بكل دقة ورهافة حس. يقول: "في وقت من الأوقات كانت حران مدينة الصيادين والمسافرين العائدين، أما الآن فلم تعد مدينة لأحد، أصبح الناس فيها با مامح، إنهم كل الأجناس ولا جنس لهم، إنهم كل البشر ولا إنسان، اللغات إلى جانب اللهجات والألوان والديانات، الأموال فيها وتحتها لا تشبه أية أموال أخرى، ومع ذلك لا أحد غنيًا أو يمكن أن يكون كذلك، كل من فيها يركض، لكن لا أحد يعرف إلى أين أو إلى متى، تشبه خلية النحل وتشبه المقبرة"89. في المدينة العربية التي وصفها عبد الرحمن منيف، وهي مدينة باتت با هوية، وسكانها من "الناس با مامح" أي با هوية، ولا يشعرون بأي انتماء إلى المدينة التي تضمهم، وهم فيها أقرب إلى "التجمع" منهم إلى "الجماعة" أو "المجتمع"، منسوب التماسك ضعيف جدًا، وهو ما يؤدي إلى تقليل إمكانيات المساعدة المتبادلة بينهم وشبكات الصداقة والتساند، وكلما تزايدت مشاعر الخوف وعدم الثقة في ما بينهم (كل من فيها يركض)، ازدادت صعوبة لاستقرار وبناء شبكات تواصل اجتماعي (أفقي) تتسم بالدفء. ففي المدينة العربية الحديثة نجد أنفسنا إزاء مجتمعات لغوية متعددة لا إزاء مجتمع واحد، ولكل مجتمع هويته90. هذا التعدد الثقافي واللساني لا يمس بشكل مباشر "إمكانية الفهم المتبادل"91إلا بشكل نسبي وغير ظاهر أحيانًا، لكنه يكرس الطبقية المجتمعية والميز اللساني، ويكشف عن المسافات لاجتماعية والثقافية بين المتحدثين، ذلك أن اللغة - وفي قلبها الثقافة كما يقول هال – "هي الصلة بين البشر والوسيلة التي يجب أن يتفاعلوا بها بعضهم مع بعض"92. لما كانت المدينة في أدبيات النقد المعماري نصًا بصريًا رمزيًا93، تجسدت "المدينة" العربية في صورة "مقبرة"، حيث يغيب فيها جميع مامح الحياة الإنسانية، وتخلو من "روحها" ومن صور اللقاء الطبيعي والتلقائي بين الناس، حين تفقد امتدادها التاريخي بحمولته الثقافية لمصلحة " لاحتكار" وشراهة المال العقاري الذي لا يعطي اعتبارًا لما هو إنساني بقدر ما يهتم بالتهام المزيد من المساحات وتسطيح ذاكرتها، في ما سمّاه عمر الشهابي اقتاع الجذور94؛ فقد تغيرت معالم المدينة في بلد كالبحرين نتيجة عمليات ردم البحر التي عُرفت ب"الدفان"، ودُفنت مع المكان ذاكرته وتاريخه، فانتقلنا من مدن وقرى كان البحر أساسها، ليصبح الشاطئ مكانًا غير مألوف؛ مكانًا غريبًا على أغلب سكان الجزيرة. أضحى البحر بعيدًا، ومع ذهاب البحر ذهبت "الذاكرة" و"الأسماء" كلها وما تعلق بها من تفصيات وتقاليد اجتماعية، ومنعت الأغلبية من الوصول إليه، اللهم إلا الطبقة الميسورة التي تستطيع

أن تدفع تكاليف الدخول أو السكن في هذه المدن الخاصة والمجتمعات المغلقة التي برزت في مكان البحر. من وجهة نظر سوسيو لسانية، يعزز لاستعمال اللغوي اليومي ل"الخاص" الذي يؤشر على "خصخصة الفضاء"95 الدعوى بأن لاستبعاد لاجتماعي في المدينة العربية قد يكون قدر الغالبية العظمى؛ ف"النادي الخاص" هو ناد ذو انتقائية عالية في قبول العضوية فيه، و"المنتجع الخاص" هو منتجع لا يقدر على الإقامة فيه إلا قلة من الناس، و"الأحياء السكنية المغلقة ذات البوابات" هي تلك التي لا يطمح إلى العيش فيها سوى قلة من الناس، و"المدرسة الخاصة" أو "المستشفى الخاص" لا يكون لانتفاع بخدماتهما متاحًا إلا لنخبة من الناس. يصبح "الخاص" إذن - من وجهة نظر لسانية - دليلً تداوليًا على التوزيع المكاني للثروة والفقر. يحمل الدليل اللساني "الفضاء الخاص" في المدينة العربية سمات تمييزية مناقضة لما يحمله "الفضاء الآخر" ذو الطابع العمومي، حيث تتدنى "سمعة الفضاء" وتتدنى الخدمات والمرافق لاجتماعية والصحية، وترتفع مستويات الجريمة والعنف، فيتحول الفضاء المديني إلى فضاء يذكي الحقد ويؤسس لمجتمع الكراهية، "وحين تكون هذه السمات ذات طابع سلبي، فإنها تحد من الفرص المتاحة أمام السكان وتخفض نوعية حياتهم، وقد تخلق في نفوسهم مشاعر العجز ولاغتراب"96. إذا كانت خلية النحل تعكس مساواة كبيرة من حيث هندستها العمرانية، فإن المدينة العربية بأحيائها السكنية وتخطيطها "غير العادل" لا تزال قادرة على "ممارسة الإقصاء ولاستبعاد" - بلغة إدوارد باكلي وماري سيندر - لكثير ممن يمكن أن يقيموا في المجال الحضري، فتدفعهم إلى جيوب الحرمان المكثف، حيث أعراض مرض التمدن من الجريمة المتشابكة والأمراض لاجتماعية (التسول، الدعارة، تجارة الممنوعات... إلخ.) والمستويات المتدنية في الصحة والتعليم والتنمية المحلية، كل ذلك يدفع إلى تمييز فضائي بين من يكون في "الداخل" ومن يكون "خارج" أسوار "الخلية الراقية"، أو على الأصح الإقامات الراقية؛ فبالإضافة إلى تكلفة السكنى، وهذا عامل حاسم، نجد استعمال البوابات والأسوار، وهي عامات بصرية سيميائية "حادة" و"عنيفة" لا يقتصر فيها استبعاد هذه الأحياء على السكان الجدد غير المرغوب فيهم، بل تستبعد كذلك عابري السبيل الذين يمرون بها عرضًا وسكان الأحياء القريبة منهم، والبوابات عامة مرئية من عامات لاستبعاد97. ليست الصورة المجازية "خلية النحل" في الواقع إلا "صورة مبتسرة" ورمزًا لارتفاع معدلات الحركة وما يصاحبها من لاكتظاظ والتدافع، من دون أن تعني على الإطاق روح "عمل النحل" التعاوني

و"البنّاء"، ولا تواصله الطبيعي والمتناسق والفطري، مساحات "ممتلئة" و"صاخبة" لكنها خالية من "الجدوى" وفقيرة إلى المعنى الإنساني، لأنه صار في المدينة العربية الحديثة مزيد من لاستعراضية والضوضاء والأضواء (في ما يُعرف بالتلوث الذي سيأتي الحديث عنه لاحقًا) في الفضاء المديني الجديد، فانتقلنا من ثنائية الوجود والتملك98 إلى ثنائية الوجود والمظهر99، كما يقول عبد السام بنعبد العالي100. باتت الروح الداخلية للمجتمع المديني ميالة إلى نقيض وظيفة (لانوجاد في المدينة)101، أي ميالة إلى الكسل والعطالة أكثر من ميلها إلى الإنتاجية والتطوير، كما يقول غي دوبور: "مهما كان مجتمع لاستعراض المشهدي متحركًا وصاخبًا إلا أنه مجتمع يريد أن ينام"102.

المكان لاا يتكلم لغته

يعتبر رولان بارت أن المدينة "عبارة عن خطاب، وأن هذا الخطاب هو في الواقع لغة، فالمدينة تتكلم إلى ساكنيها، ونحن (نتكلم) مدننا"103، فالمدينة لا تكاد توجد إلا من خال البُعد التلفظي. من جهة أخرى قريبة، تُعتبر "المدينة"، بحسب بارك، بمنزلة مختبر اجتماعي104 يمكن أن نراقب فيه حركية الأفكار والظواهر والتيارات من كل نوع، ومن ذلك المسألة اللسانية. وفي كتاب اللغة الصامتة، عقد الأنثروبولوجي الأميركي إدوارد هال فصلً بعنوان "المكان يتكلم "105، راح يتحدث فيه عن ذاكرة المكان ولسان المكان، أي الجزء الذي تصنعه الثقافة الخاصة لترسيم حدودها على الأرض باعتبارها مقومًا سياديًا؛ فأنت "يُفترض بك" أن تعرف المدينة العربية الحديثة بمجرد استماع الأصوات "العربية" عند دخول حدودها، لكن الواقع يكشف اغترابًا لسانيًا مخيفًا أحيانًا، حيث يتكلم الجمهور العربي في مدينته لغات أجنبية من المطار إلى الإدارات إلى المؤسسات التربوية والمنتديات لاجتماعية، ويتواصل بإعانات تجارية كلها بلغات أجنبية، تشعر وكأنك في لاس فيغاس أو باريس أو لندن. إن حديث أي شخص بلغته هو، بحسب تراسك، "الدليل الواضح على هويته الشخصية في

كل مكان"106، فما بالك ولسان الشوارع والواجهات حين لا يتكلم إلا بلغات أجنبية، وهذه وضعية تكشف عمّا يسميه جان لوي كالفي إشعارًا مبكرًا بموت اللغة أو امتصاص لغة للغة107. في المدينة العربية الحديثة يمكن أن نكتشف من دون عناء أن وضعية التفوق اللغوي للألسنة الأجنبية (وهي من أعراض مرض التمدن) واضحة بكل تأكيد باعتبارها نتيجة التردي والتراجع اللذين تعرفهما اللغة الوطنية والقومية في الواقع الوظيفي والمعيش، ومرد ذلك إلى طبيعة ما يرافق اللسان المعْتبَر متفوقًا من صورة أثيرية ذات غواية خاصة، تجعل من تفوق اللغة "الخرافي" تفوقًا بالتعدية للمتكلم بها، لأن اللغة "المتفوقة"، ولتكن الفرنسية أو الإنكليزية على سبيل المثال، أصبحت سمة مصاحبة للثقافة والفكر والقوة، إلى درجة أن الشخص المثقف في المجتمع المديني، أو الحائز مستوى تعليميًا عاليًا ولا يتحدث باللغة الإنكليزية يُنظر إليه بشيء من لانتقاص108، وربما يمارس ضده الإقصاء109. لهذا، تجد من أعراض مرض التمدن ما يصاحب نفسية الناطقين بغير لغتهم القومية لأسباب شتى، كالخوف من السخرية أو الخجل أو إخفاء لانتماء القومي110 أو ذهنية التظاهر التي تغلب على بعض النخب. لأجل ذلك ظهر عدد من النظريات في مجال تعليم اللغات يمكن الترميز إليها بنظريات العجز التي تنطلق من فرضية أن متعلمي اللغة الإنكليزية في البلدان المتخلفة يعانون عجزًا يسمّى لافتقار إلى اللغة الإنكليزية، ولهذا فهم مدعوون إلى تعلّم اللغة الأجنبية (الإنكليزية) لاكتساب التفوق والقوة والكمال، وكأنما هذا لافتقار بات يمس وجود الإنسان وإنسانيته، في الوقت الذي لا يعدو أن يكون تصويرًا بارعًا وماكرًا للدعاية الناشطة في أيديولوجيا "تفوق اللغة الإنكليزية"؛ هذه الدعاية التي تستهدف اختراق الهوية وتفتيتها111. كان لاستعمار دائمًا ينظر إلى موضوع لغات الأهالي من زاوية نفعية وانتهازية وأسطورية؛ فقد أكد الفرنسي وليام مارسي، على سبيل المثال، أن من غير العملي ولا النافع أن تتعايش لغتان (العربية والفرنسية) طويل في سياق واحد، ويقصد مدن شمال أفريقيا زمن لاستعمار، ولا بد أن يختار الناس

مع الوقت الفرنسية لأنها أكثر ماءمة والأقدر على التعبير والأدق في وصف المشاعر، عاوة على أنها لغة من يصنع ومن يقود ومن يخطط ومن يعطي الأجرة112. هذه الهيمنة للغات الأجنبية في مدننا العربية: في إدارتها ومدارسها ومرافقها، بل وأسواقها، والتي تبدو عند كل حديث حي113، جاءت نتيجة سياسة وتخطيط لغوي استعماري أفرز ب"الوكالة" مفعوله في جينات أجيال ما بعد " لاستقال" التي تولت زمام التدبير والإدارة، مستندة في ذلك إلى أسطورة أن هذه اللغات الأجنبية هي لغات "المدينة" و"العقل" و"التحضر"، كما يخبرنا المتخصص بسوسيولوجيا اللغة واللسانيات الكولونيالية بيير أشار114، في مقابل اللغات المحلية التي ظل يُنظر إليها على أنها رديف ل"البداوة" و"الخرافة" و"التخلف" و"الرجعية." وفي مدينة حديثة كالجزائر، لا يزال الماحظ يرصد، رغم مضي أكثر من خمسين سنة على لاستقال عن فرنسا (1962)، كيف أثّرت الأيديولوجيا اللغوية اليعقوبية115 لفرنسا في هذه الحاضرة العربية116، فجعلت المكان لا يتكلم بلسانه، بل بلسان المستعمر الذي سكنه بالقوة والعسف، حتى أن الظاهرة التي تكاد تكون متغلبة هي التحول اللساني117؛ إذ بمجرد إشعال أي حديث في أي موضوع حتى يجد المتحدثون أنفسهم، سواء أكانوا متحدثين بالعربية أم بالأمازيغية، منتقلين إلى النسق اللساني الفرنسي118، أو الإسباني كما هو الوضع في شمال المغرب (طنجة/تطوان)119، أو الإنكليزي كما في مدن الشرق العربي (القاهرة الحديثة نموذجًا)120.

تشوهات المدينة ضدًّا على المعنى والتاريخ

ورثنا منذ القرن التاسع عشر مع فيكتور هيغو في عمله أحدب نوتردام121، وهو يتحدث عن التغيير الذي يطاول الفكرة وبالتالي الأسلوب عبر التاريخ، تمييزه الفني بين كتاب من الحجارة122

الذي يمكن أن يدل على "المدينة"، وكتاب من الورق123، وكاهما يحمل الفكرة و"إمكانية المقروئية" و"يعبّر" عن "المعنى"، سواء بالكلمة أو بالتشكيل والهندسة التي تأتي مستقيمة رائعة وساحرة، ولكن يمكن أن يصيبها "التشوه" و"الفساد" و"عدم لانسجام." إن العين لا تخطئ ما بقيت الحياة في المدينة العربية الحديثة على ما تتسم به من انعكاسات لتشوهات المدينة "عمرانيًا"؛ من لانشطار والفوضوية وعدم لانسجام والعنصرية، وذلك من خال رصد أهم أسباب عدم "الماءمة" و"التناسب" و"التكيف" للقادمين "النازحين" من خارجها والمقبلين على "خيراتها" و"ثمارها" مع امتاءاتها وفراغاتها، والذين يعاني أكثرهم أعراضًا نفسية وعصبية وتصرفات تتسم بالشذوذ والتطرف والعنف، في مصادمة مباشرة لما يقتضيه "السلوك المدني" الذي تقتضيه "الحياة المدنية"124 في المجمل؛ فالفضاء المديني "الشائه" "خارجيًا" و"داخليًا" يتجاوز كونه مكانًا للوجود البسيط، ليصبح مكانًا لتشكل الأفعال وبناء الذهنيات المتطرفة و"الحادة"، انطاقًا من سلسلة من الإرغامات والإكراهات العمرانية التي يأتي على رأسها ضيق الفراغات العمرانية التي تضم الفقراء والفئات الهشة في غياب للشروط الصحية125، فيدفع بهم ضيقها إلى تقمص السلوك العنيف (وهو أحد أعراض مرض التمدن) تعبيرًا عن الرفض، ونحو مزيد من التعبيرات العدوانية تجاه المحيط. في الفراغات العمرانية المنكمشة، يتعرض الإنسان لمزيد من الإجهاد السيكولوجي بسبب لازدحام، الذي بات من أهم المشكات التي تواجهها المدينة العربية الحديثة اليوم. وقد بيّن عدد كبير من الدراسات، وعلى رأسها دراسات هودسون هوغاند126 ودراسات جون كالهون بشأن الكثافة السكانية وتأثيراتها في السلوك في الفضاءات الحضرية127، أن عندما تزداد أعداد السكان ويضطر الناس إلى العيش بعضهم قرب بعض متزاحمين، فإنهم يشعرون، في ما يسمّيه مارك جاكسون "زمن التوتر"128، بأن الموقف يشكل نوعًا من التهديد كما يذكر إدوارد كريبات129، وبالتالي فإنهم يشعرون

بالإرهاق والتوتر المتنامي داخل المدينة التي أصبحت أشبه ما يكون بالتجمعات المرضية130، التي وصفها كالهون. هذا إلى جانب مظاهر الفوضى ولانحرافات السلوكية المصاحبة لها، الشيء الذي دفع كالهون إلى صوغ عبارة " لانحطاط السلوكي"131 لوصف حالة لاندفاع أكثر في اتجاه العنف الذي يصبح سلوكًا يوميًا132. من وجهة نظر علم النفس العمراني133، يُعتبر "السكن لاجتماعي" و"السكن الوظيفي"، وغيرهما من أنماط السكن التي بدأت المدينة العربية الحديثة تضج بها، نموذجًا حيًا للتناقض بين "الخارج" و"الداخل" الذي حملته العمارة الجديدة، كما يقول جوناثان ريتشارد134، نموذجًا لتدهور العمارة العربية ولتدهور الفضاء التواصلي في مدينة باتت مشوهة135، لأن هذا النوع من "العرض العمراني" أو السكني ليس في النهاية سوى مجموعة من الصناديق الأسمنتية الضيقة الخالية من كل تعبير ثقافي أو لمسة جمالية (عبارة عن مراقد فقط)؛ إنه السكن الفقير ثقافيًا و"دلاليًا"، والذي لا يمكن الإنسان أن يعيش فيه حميميته ولا أن يستوحي أو يستمد من خاله أي معنى136، ولا أن يتواصل فيه مع غيره بضرب من الخصوصية، حيث بات يكشف أسرار البيوت بوضوح، لأن كل ما يجري داخله يجد صداه في الخارج من دون عناء؛ إنه "شفاف" يهدم جدار الخصوصية137 ومغشوش إلى درجة "الإقراف.." الغش قيمة تتوارى خلف البنية العمرانية في المدن العربية، وهو لا يتوقف عند حدود البناء الذي يفتقر إلى أساسيات التشكيل وجمالياته، وإنما يستمر إلى تزوير المامح الحضرية للمدينة بتغيير الدوال؛ ففي كثير من المدن العربية الحديثة، يجري عبر عمليات "التغويت العمراني"138 تسويق أحياء شبيهة بالغيتوهات المغلقة والمستوطنات تحت أسماء خادعة (الأمل، السعادة، الزهور، الفرح، البهجة، المستقبل، إلخ..). وتمّت أيضًا عمليات تغيير وتعديل طاولت التسميات الطبقية السكنية - مثلما حدث في دمشق على سبيل المثال - من قصور أولى، ثانية، ثالثة... إلخ إلى تسميات جديدة: أحياء قديمة، سكن حديث، مناطق تنظيم جديدة؛ إذ تم تغيير الدوال ولم يتغير المحتوى (المدلول العمراني) بتغيير التسمية139.

يَعتبر بارك في عمله "المدينة: مقترحات حول دراسة السلوك الإنساني في البيئة الحضرية" أن الظروف النفسية والأخاقية للحياة في المدينة تعكس نفسها بصورة طبيعية في استغال المكان وفي إنشاء عاقة "نوعية" بالمكان، وكذلك في أنماط الحركة الإنسانية وجميع أشكال التواصل والتفاعل والصناعة والإنتاج140. الواقع أن كثيرًا ممّا يعكس نفسه على البنى العمرانية للمدينة العربية، بالإضافة إلى "الغش"، نجد الجشع والفساد الإداري والمالي لمؤسسات التهيئة المجالية والعقار في كثير من المدن، والذي ليس هو إلا جزءًا من بنية فساد سياسي تقوده "طبقة الرعاع السياسي"، على حد قول واسيني ("صعود الرعاع الذي يعني مرة أخرى صعود القيم الميتة)"141. وما يعكس نفسه بصوت عال على الجدران والواجهات هو لغة لاستغال الرأسمالي الذي يفصل بين "المكان" و"القيمة"، وبين "العمران" و"المعنى" وبين "السكن" و"الذوق الأخاقي"، لهذا تجده مدفوعًا بهاجس لاحتكار و"تسليع" جميع مناحي الحياة الإنسانية، ولا يترك مساحة لاستراحة أو لاسترخاء؛ فالفراغات كلها يجب أن تمتلئ ب"الأسمنت الأسود"، بالغابات الخرسَان ية من أجل المال؛ هذا المال الذي يتاجر في بناء المقابرِ للفقراء كما في بناء القصور للأغنياء يذكّرنا بما قاله صنع الله إبراهيم في رائعته اللجنة التي تحكي عن سلطة المال العقاري لاحتكاري: "بعد أن كانت مشاريع الإسكان قاصرة على خدمة الطبقات محدودة الدخل، تقدم لها مجمعات متماثلة الشكل والحجم، اتسعت الآن لتشمل كافة الطبقات، واكتسبت تنوعًا شديدًا يمتد من المقابر إلى الأبراج الفاخرة"142؛ طبقية عمرانية يتجاور فيها البذخ الصارخ مع البؤس الأسود. ترتفع حدة التناقض بين العامات العمرانية لتفضي إلى تشوهات تأتي ضدًّا على "المعنى" و"التاريخ" و"الإنسان"، يمكن أن نقرأ من خالها تشوهات الحياة المدينية العربية التي أصبح من الصعب تجسيمها، بسبب انهيارات هائلة طاولت جميع تفصيات حياتنا الإنسانية ويجسدها أوضح تجسيد ما يسمّى التلوث البصري143 الصادم الذي قلّما ينفلت منه حي أو شارع، ولعل من آياته البينة ما تعرفه مدننا العربية من أشغال لا تنتهي، ومن عمليات حفر وهدم غير متناسقة، لا تلبت أن تنتهي حتى تبدأ من جديد (مدن هي عبارة عن ورش مفتوحة بسبب سوء التدبير.) التلوث البصري هو نتاج فساد بصري يُورث أمراضًا بصرية هي جزء من أعراض مرض التمدن التي تُضاعف اضطراباتنا النفسية والعصبية، وتؤشر على انحدار حاد في الذوق العام. ومما يزيد التلوث البصري حدة تنافر الألوان وغياب التناسق في الفضاء العام، ومنظر الحاويات على الأرصفة التي تفيض بأصناف القمامة، وحولها أو وسطها من ينبش بحثًا عما يستصلحه للأكل، وهو

من التشوهات الإيكولوجية (التي تحمل أكثر من دلالة144 اقتصادية وأخاقية وسياسية) التي نمت في الأوساط الحضرية أمام تجاهل رسمي محبط. من عائم التلوث البصري أن العامات الحضرية امتدت خارج دائرة سياقها القانوني، فخرجت بذلك عن الحد العمراني المعروف، وتجاوزت من خال مشهد تطاول أعناق البنايات في خرق للأسس التنظيمية وعروض الشوارع المنظمة، والتشوهات والكتل البنائية غير القانونية، والفراغات غير المصممة، والطرق التي يقول سالكها، بلغة إدوارد الخراط وهو يتحدث عن القاهرة: "فكأنني أبحث عن طريق، وكأنني لا أجد الطريق"145. يزيد من تلوث الفضاء حمى الإعانات التجارية السائلة على الجدُر والأيقونات المتزاحمة، والأضواء المنتشرة بشكل عشوائي في كل مكان، وانعكاس الرداءة في الذوق الذي يم الواجهات بعنف واستفزاز للوجدان والذوق146. إنه انهيار شامل لواجهة المدينة الحديثة التي أفسدها نشر الغسيل على الواجهات، وأغرقتها المكيفات وتزاحم الأطباق الاقطة، فمحت التفصيات الثقافية كلها، وقللت من القيمة العمرانية للمدينة، وجعلت منها "عامة عمرانية فائضة بالدلالة المنكوسة"، تعكس حلم حضيض يُنَفس عن بلواه ب لاستغراق في ما يصنعه الإعام الآخر. من مامح التلوث البصري زحف المحات التجارية، وتعدّي المقاهي وبعض المطاعم على أرصفة المشاة بامتدادات تجارية واستهاكية ضيقت المجال الحركي الحر للمتجولين، ودفعت بهم إلى مزاحمة السيارات على الطرق المكتظة. ولا يبعد عن كل هذا وذاك الإضافات التي تخرق مبدأ لانسجام والتوافق147 في الهوية الهندسية للمدينة، التي تفترض احترام المقاييس في الإيقاع والتقسيم والبنية، وهو ما يفرز في حال عدم احترامه مدينة بأكثر من هوية، وفي بعض الأحيان إضافات با هوية148؛ شظايا هويات متداخلة بشكل غير فني يفتقر إلى إحساس بعنصر لانسجام، بحيث يمكننا تشبيه ذلك في بنية اللسان، بإدخال نسق لغوي في نسق لغوي آخر مباين، أو حتى في بنية اللسان الواحد بإضافة نص إلى نص سابق عليه، فإذا لم يراع النص الثاني المضاف سياق الأول ودلالته وأسلوبه وبنيته التركيبية والخبرية أو الإنشائية، ظهر

عُواره بوضوح وأحدث نشازًا وغموضًا وارتباكًا لغويًا واضحًا؛ ارتباك لساني نظير لارتباك العمراني في ما يعكس ارتباك الإنسان العربي وضياعه.

خاتمة: من أجل هوية عمرانية عربية متماسكة ومنفتحة

إن التجارب الإنسانية والعمرانية كلها تدل على أن الحلول التي تُفرض على مدينتنا ومجتمعنا ولا تنمو داخله وفي تربته، متصلة وواصلة بين ماضيه وحاضره ومتطلعة إلى مستقبله، لن تساعد على إحداث تغيير دائم. والرهان على "مدينة عربية حديثة" كان دائمًا يدفعنا إلى طرح السؤال عن الكيفية التي تم بها – باسم الحداثة والتقدم - إعادة إنتاج النموذج العمراني الغربي في بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة تمامًا عن تلك التي استعير منها. ورغم جميع التشوهات التي أصابت المدينة، ورغم أن بحثنا كان في آلام المدينة وأمراضها، فإننا بحاجة إلى أمل يفرضه ما نراه من ضوء يطلع حتى من صدوع الجدران وشقوق الصخور؛ أمل بإعادة الحياة إلى المدينة العربية من طريقين: التربية والعدالة، وإذا فقدنا الأمل، فإن "نهاية الأمل هي بداية الموت"149 كما يقول مالرو. كان هناك دائمًا من يميل إلى اختزال التقدم في تبنّي نموذج صناعي وحضاري، على غرار ما حدث في أوروبا، من دون التفكير في المقدمات "الثقافية" التي هي بمنزلة الشروط الحيوية لحصول "الحركة في اتجاه التمدين الإنساني"؛ ذلك أن المسألة الحضرية لا تتلخص في التصنيع ولا في "الحالة لاستهاكية" المتصاعدة با وعي، وهو ما نتوقع أنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى التحديث، بل إن هذا التحول مبسط ومسطح: إن ما حدث في أوروبا لم يحدث عندنا، أو حدث على نحو لم تراعَ فيه لا الأبعاد الثقافية - التاريخية ولا الأبعاد السياسية – لاقتصادية، ولا حتى البيئية والجمالية، فنتجت منه مدينة مشوهة، والسؤال إذن يتعلق بأي مدينة لأي مجتمع؟ إننا في حاجة ماسة إلى أن نفيد في تخطيط مدننا من استلهام الروح العربية في الصياغة والتشكيل، لأن لكل أمة روحها، منها الروح الموسيقية والشعرية في تناسقها، مع لاعتماد أيضًا على ما يفترضه المستقبل من حاجات مستجدة يدفع في اتجاهها العصر والتطور، ذلك أنه لا يمكننا أن ننفصل عن العالم، بيد أن اتصالنا به يجب أن يكون من موقع واع وحي. يخبرنا الحبابي أن "للحضارة الصناعية بنياتها الخاصة، فا يكفي أن نسوق سيارة، ونركب طائرة، ونسافر في بلدان تلك الحضارة لنكون منها. كثير هي الشعوب التي تمتلك آلات دقيقة ومعامل صناعة كبرى (المفاتيح في اليد)، لكن السر ليس في العنديات، بل في تكييف الكينونة والذهن والرأي مع الفكر المتصرف في المعطيات، الفكر المبدع، الصانع والمدبر والمنظم"150.

عرفت مجتمعاتنا حداثة شكلية لم تجاوز حدود المظاهر ورسوم "الأشياء" وعمليات "النقل الأصم" للأشكال التي أفرغناها من مضامينها، وانتقلنا إلى "المدينة" بوثوقياتنا وسلطويتنا وطائفياتنا ومركزيتنا وقداسة نظامنا في السلطة والحكم، ولهذا فشلنا، كما يقول زكي نجيب محمود، "حتى الآن في اللحاق بركاب العصر، أي أننا نعيش مرحلة زمنية من الغيبوبة أو من التخلف الحضري"151، كل ذلك لأننا غفلنا عن سؤال المشروع المجتمعي الذي تتطلبه "مدينتنا"، وسؤال "الإنسان" و"الثقافة" و"اللسان." إن الأنساق العمرانية هي أنساق سيميائية ذات بُعد ثقافي بالدرجة الأولى، أي تحيل إلى الإنسان وثقافته في أخص خصوصياته. وهي حين تنتقل "با وعي" من سياق حضاري إلى آخر، توزع استبدادها وقهرها على الذين انساقوا في لحظة انزلاق حضاري لومضة عامة يجهلون عواقب تبنّيها. يقول أبو يعرب المرزوقي: "إن لاستيراد الميت يصيب الأمم اللواقح بالعقم، لكونه يحول دونها والمعاناة التي يتدرج بها الفكر من زاده الخاص إلى الإسهام في تحقيق الزاد الإنساني العام، تدرجًا مُسهمًا في إبداع هذا الزاد، إذ دون ذلك لا تكون الكونية والكلية بين البشر إلا لاشتراك في الحيوانية طبيعة، والعبودية للسائد تاريخًا"152. بغير هذه الأسئلة الحية، سنجد أنفسنا إزاء مدينة ميتة، أو مدينة الموت، كما يسمّيها جيفري نيدوروسيك153؛ مدينة تنتشر فيها قيم الموت التي تخنق قيم الحياة، ومع الموت ينتشر البؤس والظام والبرودة، وينتكس الإبداع.. References

الهوامش

  1. Gustave-Nicolas Fischer , Les Concepts fondamentaux de la psychologie sociale (Paris: Dunod; Montréal: Presses de l’université de Montréal, 1987), p. 159.
  2. يعرّف فرديناند دوسوسير السيميائيات بأنها "علم يدرس حياة العامات وسط الحياة لاجتماعية". انظر:
    Ferdinand de générale , publié par Charles Bally et Albert Sechehaye; édition critique préparée par linguistique de Saussure, Cours Tullio De Mauro (Paris: Payot, 1984), p. 53.
  3. إدوارد تي هول، اللغة الصامتة، ترجمة لميس فؤاد اليحيى؛ مراجعة وتدقيق محمود الزواوي (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 2007)، ص.239
  4. Symbolic Animal.
  5. Ernst Cassirer, An Essay on Man; a n Introduction to a Philosophy of Human Culture, Yale Paperback; Y52 (New Haven, CT: Yale University Press, 1972), p. 26.
  6. مارتن هايدغر، أصل العمل الفني، ترجمة أبو العيد دودو (كولونيا، ألمانيا: منشورات الجمل، 2003)، ص.103
  7. Claude Lévi-Strauss, Tristes tropiques, photogr. par l’auteur, Terre humaine; 3 (Paris: Plon, 1955), pp. 249-264.
  8. Juval Portugali, Self-Organization and the City , with a Foreword by Hermann Haken, Springer Series in Synergetics (New York: Springer, 1999), pp. 11-12.
  9. Christopher Alexander [et al.], A Pattern Language: Towns, Buildings, Construction (New York: Oxford University Press, 1977).
  10. Christopher Alexander, The Timeless Way of Building (New York: Oxford University Press, 1979), p. 167.
  11. المصدر نفسه، ص.50-49
  12. Philippe Boudon, Sur l’espace architectural: Essai d’épistémologie de l’architecture, Collection Eupalinos. Série architecture et urbanisme, nouv. éd. rev. et augm (Marseille: Editions Parenthèses, 2003), p. 10.
  13. يقول جوزيف كورتيس: "السيمياء لا تعني دراسة العامات، ولكن كل ما هو سابق عليها، كل ما هو ضمني فيها، كل ما يمكن أن ينتهي إلى إنتاجها"، انظر: جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة جمال حضري (الجزائر: منشورات لاختاف؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2007)، ص.167
  14. انظر أعمال المؤتمر 12 في سان فرانسيسكو سنة 1992، في:
    Documentation on City Design and Social Pathology: Selected from Presentations at the International Making Cities Livable Conferences (Carmel, Calif.: IMCL Council,
  15. James T. Bennett and Thomas J. DiLorenzo, From Pathology to Politics: Public Health in America (New 1(
    انظر:
    Brunswisk, NJ: Transaction Publishers, 2008), p. 67.
  16. توما دوكونانك، الجهل الجديد ومشكلة الثقافة، ترجمة منصور القاضي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2004)، ص.53
  17. Urban syndromes.
  18. Peter J. Taylor, Extraordinary Cities: Millennia of Moral Syndromes , World-systems and City/State Relations (Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing Limited, 2013), p. 297.
  19. Robert Venturi, Complexity and Contradiction in Architecture, with an Introduction by Vincent Scully (New York: Museum of Modern Art in association with the Graham Foundation for Advanced Studies in the Fine Arts, 2002), p. 20.
  20. Ronald J. Johnston and Peter J. Taylor, A World in Crisis ?: Geographical Perspectives, 2nd ed. (Oxford, UK; Cambridge, Mass.: B. Blackwell, 1989), p. 35.
  21. Desmond Morris, The Human Zoo (New York: Random House, 2009) 2(
    انظر:
  22. يقدَّر أن نحو 60 في المئة من سكان البلدان العربية سيكونون من سكان المناطق الحضرية في سنة 2020، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الضغط على البنية التحتية المرهَقة أصلً، ومن ثم إنتاج بيئة مكتظة وغير صحية وغير آمنة للعيش في مدن كثيرة". انظر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائيو المكتب الإقليمي للدول العربية، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009: تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية (بيروت: البرنامج؛ المكتب، 2009)، ص.35
  23. شبيه بهذا التحليل ما نجده لدى عبد الرحمن منيف حين يقول: "لكن الناس هنا نوع آخر، إنهم أقرب ما يكونون إلى حيوانات الصحراء، مملوؤون بالحراشف والقسوة والخشونة، جلودهم سميكة، وأعماقهم بعيدة لا تدرك". انظر: عبد الرحمن منيف، مدن الملح، الأخدود، ط 11 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.23
  24. عبد الهادي التازي، "تصميم المدينة من خال المصادر العربية والأجنبية،" في: المدينة في تاريخ المغرب العربي: أشغال الندوة المنظمة من 24 إلى 26 نونبر 1988 (الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن مسيك، 1988)، ص.17
  25. François Loyer et Christiane Schmuckle-Mollard, dirs., Façadisme et identité urbaine: Colloque international, Paris, 28-29-30 Janvier 1999, Idées et débats (Paris: Éd. du patrimoine, 2001), p. 20.
  26. للمزيد، انظر: عبد الباقي محمد إبراهيم وحازم محمد إبراهيم، المنظور التاريخي للعمارة في المشرق العربي (القاهرة: مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية،.)1987
  27. George Nicholson, "The Rebirth of Community Planning," in: Andy Thornley, ed., The Crisis of London (London; New York: Routledge, 2005), p. 94. (true 1992)
  28. غسان الحلبي، "فن العمارة العربية،" الوحدة (روما)، السنة 3، العددان 30-29 (1987)، ص.207
  29. للمزيد، انظر: محمد بدر الدين الخولي، المؤثرات المناخية والعمارة العربية (بيروت: جامعة بيروت العربية،.)1975
  30. للمزيد، انظر: سابا جورج شبر، العلم وتنظيم المدن العربية (بيروت: دار الكاتب العربي،.)1964
  31. للمزيد، انظر: أحمد علي إسماعيل، المدينة العربية والإسامية: توازن الموقع والتركيب الداخلي (الكويت: جامعة الكويت، قسم الجغرافيا، وحدة البحث والترجمة،.)1987
  32. للمزيد، انظر: أحمد منصور، ثقافة الفوضى: مصر والعالم العربي اليوم (القاهرة: دار الشروق،.)2009
  33. للمقارنة، انظر: سالم معروف المعوش، المدينة العربية بين عولمتين (بيروت: دار النهضة العربية،.)2006
  34. يخبرنا عبد الهادي التازي عن النظام في المدينة القديمة ونقيضه في المدينة العربية الحديثة، فيعتبر أن الأسواق على سبيل المثال كانت توجد في المدينة بكيفية مدققة جدًا، وأن توزيعها الجغرافي محكم. وقد كان لكل منها اختصاص، مثل سوق الصفارين وسوق الحرارين وسوق القطانين، وهذا يعطينا فكرة حضارية جدًا عن أن البناة المتقدمين كانوا يعرفون كيف يوزعون مرافق المدينة، بحيث لا يشوش بائعو المأكولات على بائعي الكتب مثلً، فكان لكل حرفة مكان خاص بها. وما يؤسف له أن هذا النظام البديع أخذنا نفقده اليوم في مدننا، حيث نجد الفوضى العارمة التي تتمثل في اختاط التجار من أصناف متباعدة. انظر: التازي، ص.21
  35. يان سبورك، أي مستقبل لعلم الاجتماع: في سبيل البحث عن معنى وفهم العالم الاجتماعي، ترجمة حسن منصور الحاج (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2009)، ص.94
  36. Georg Simmel, La Parure et autres essais , trad. et présentation de Michel Collomb, Philippe Marty et Florence Vinas, Philia (Paris: Ed. de la Maison des sciences de l’homme, 1998), p. 20.
  37. Symbolic Interactionism هو منهج يجد جذوره في الفلسفة والسيكولوجيا البراغماتية لوليام جيمس. دعَّم أصول ه تشارلز كولي وجورج ميد وإيرفنغ غوفمان، ويهتم بتفاعل الأفراد وبالطرق التي يبنون بها المعاني التي تحدد المواقف بالنسبة إليهم، بما يسمح لهم بالتصرف بطرق محددة. انظر: جون سكوت، علم لاجتماع: المفاهيم الأساسية، ترجمة محمد عثمان (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص.430
  38. Jonathan Richards, Facadism (London: Routledge, 2002), pp. 2-121.
  39. Shane Charles Sourgose, Life in the City (Rosamond, CA: North Star Print, 2010), p. 85.
  40. سنعود إلى مفهوم "الخاص" باعتباره عامة ودليلً لسانيًا في مبحث "المدينة العربية: خلية نحل أم مقبرة."
  41. والتر ج. أونج، الشفاهية والكتابية، ترجمة حسن البنا عز الدين؛ مراجعة محمد عصفور، عالم المعرفة؛ 182 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1994)، ص.144
  42. انظر: المصدر نفسه، ص.142
  43. انظر: جي ديبور، مجتمع الفرجة: الإنسان المعاصر في مجتمع الاستعراض، ترجمة أحمد حسان، دراسات ثقافية أجنبية (القاهرة: دار شرقيات،.)1994
  44. The principle of least effort, Ronald Wardhaugh , An Introduction to Sociolinguistics , Blackwell Textbooks in Linguistics; 4, 6th ed. (Chichester,
    انظر:
    UK; Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2010), p. 217.
  45. يمكن رصد أصل هذه الثنائية عند كونفوشيوس وأفاطون وهيغل ودوركهايم وماكاريويزك وكيستياكوسكي.
  46. Ferdinand Tönnies, Community and society = Gemeinschaft und Gesellschaft, Translated and edited by Charles P. Loomis (Mineola, NY: Dover Publications, 2002), p. 4.
  47. Charles Caleb Colton, Lacon, or, Many Things in Few Words: Addressed to those who Think, vol. 1, 5th ed. (New York: E. Bliss and E. White, 1820), p. 183.
  48. هذه ترجمة تقريبية للنص التالي:
    If you would be known, and not know, vegetate in a village; if you would know, and not be known, live in a city.
  49. ميان كونديرا، الجهل، ترجمة معن عاقل (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2013)، ص.21
  50. Larry T. Reynolds and Nancy J. Herman-Kinney, eds., Handbook of Symbolic Interactionism (Walnut Creek, CA: AltaMira Press, 2003), p. 941.
  51. رولان بارث، مبادئ في علم الأدلة، ترجمة وتقديم محمد البكري، ط 2 (الاذقية، سورية: دار الحوار، 1987)، ص.29
  52. عن ارتباط المدينة الحديثة ب لاستعمار، انظر: ,
    trad. de l’italien par Catherine Histoire de la ville , Leonardo Benevolo Peyre (Marseille: Editions Parenthèses, 2004), p. 305.
  53. The Old City.
  54. انظر: أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، قدم له وعلق عليه ألبير نصري نادر، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 1968)، ص.36
  55. ميشال إيكوشار مهندس فرنسي ذائع الصيت في باريس في بداية القرن العشرين، وشهرته جاءت بسبب قيامه بوضع مخططات للمدينة العربية الحديثة في عدد من العواصم العربية (دمشق، بيروت، جبيل، فاس، مكناس، الرباط، الدار البيضاء). انظر
    François Pouillon, éd., Dictionnaire des orientalistes de langue française , nouvelle éd. revue et augmentée
    سيرته في: (
    Paris: IISMM, Karthala, 2012), pp. 368-370.
  56. Michel Ecochard, Casablanca: Le Roman d’une ville (Paris: Editions de Paris, 1955), p. 80.
  57. يرى مختار علي أبو غالي أن "البغاء مَفْرَز مديني، والبغي إحدى لعنات المدينة، إن لم تكن ألعنها على الإطاق"، انظر: مختار علي أبو غالي، المدينة في الشعر العربي المعاصر، عالم المعرفة؛ 196 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1995)، ص.101
  58. حسين عبد الحميد رشوان، مشكات المدينة: دراسة في علم الاجتماع الحضري، ط ٢ (لاسكندرية، مصر: المكتب الجامعي الحديث، ٤٨٩١)، ص.58
  59. Janet L. Abu-Lughod, Rabat: Urban Apartheid in Morocco, Princeton Studies on the Near East (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1980), p. 131.
  60. مصطفى الشويكي، "الأبعاد لاجتماعية للتحولات المجالية بالدار البيضاء،" في: المدينة في تاريخ المغرب العربي، ص
  61. أي تعاني الحرمان لاجتماعي ولاقتصادي.
  62. أي التي يثير سلوكها مشكات للآخرين، إما لما تقترفه من أفعال عمدًا (جريمة مثل)، وإما بسبب أفعال غير عمدية (كإحداث الضوضاء أو ترويع الجمهور بما يحدثه المختلون عقليًا على سبيل المثال.)
  63. Continuim Rural-Urbain
  64. Robert Redfield, "The Folk Society," American Journal of Sociology, vol. 52, no. 4 (January 1947), pp. 293-308.
  65. Urban vernaculars
  66. Axiolinguistique
  67. أحمد كمال، سنية خليل وكرم حبيب، علم الاجتماع الحضري: دراسة بنائية وظيفية للمجتمع الحضري (القاهرة: دار الجيل، 1976)، ص.102-101
  68. Jean Gagnepain, Du vouloir dire: Traité d’épistémologie des sciences humaines. 2, De la personne, de la norme (Paris: Livre et communication, 1991), p. 175.
  69. Charles R. Dechert, "Community and Freedom: The Constraints of Civility," in: Robert Magliola, John Farrelly, eds., Freedom and choice in a democracy , vol. 1, Meaning of Freedom (Washington, DC: Council for Research in Values and Philosophy, 2004), p. 81.
  70. نيقولاوس ﻓﺎن دام، الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2006)، ص.149
  71. Social Isolation
  72. يقول بيتر غروبر شارحًا العاقة بين لانتفاخ والتواصل والشر: "إننا ننفخ أنفسنا، وكلمة ينفخ أو يملأ بالهواء بالنفخ، هي في الألمانية القديمة bosi، ومنها نشأت الكلمة الألمانية boese أي شرير". انظر: بيتر غروبر، فن العدوان: الانفعالات والطاقات، تقييدها والسيطرة عليها، تقديم روبرت ليه؛ تعريب نوال الحنبلي (الرياض: مكتبة العبيكان، 2004)، ص.7
  73. من قبيل المثل الشعبي العنصري المصري الذي يحتقر الفاح: "جاي من ورا الجاموسة" أو "صعيدي ودماغه جزمة"، والمثل الشعبي العنصري المغربي في احتقار قبيلة بني مسكين نواحي مدينة السطات: "بني مسكين عشرة في عقيل"، حيث يُتهمون بالغباء واجتماع عشرة منهم في عقل واحد رغم كرمهم وغنى بادهم، والمثل الشعبي السعودي في شأن أهل الرس: "أنت مهبول ولا من أهل الرس"، وهو واضح في الجمع بين الحمق وأهل الرس وكأنهما وجهان لعملة واحدة... إلخ. وللتذكير، فإن الأمثال الشعبية هي بمنزلة الوثيقة لاجتماعية - ذات البعد اللساني الشفوي - الأقرب إلى الشفافية والأدنى إلى الأصالة في رسم ذهنية الجماعة ونقل رؤية المجتمع لفئاته وطبقاته ولجميع القضايا والقيم. للمزيد، انظر:
    Aziz Kassis, The Book of Proverbs and Arabic Proverbial Works, Supplements to Vetus Testamentum (Leiden; Boston: Brill, 1999).
  74. انظر: رابح لونيسي، دعاة البربرية في مواجهة السلطة (الجزائر: دار المعرفة، 2002)، ص.5
  75. لاستبعاد لاجتماعي هو أحد أشكال لانغاق لاجتماعي، بحسب ماكس فيبر. انظر: جون هيلز، جوليان لوغران ودافيد بياشو، تحرير، الاستبعاد الاجتماعي: محاولة للفهم، ترجمة وتقديم محمد الجوهري، عالم المعرفة؛ 344 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007)، ص.24
  76. Abraham H. Maslow, Motivation and Personality , 2nd ed. (New York; Evanston; London: Harper and Row, 1945), p. 345.
  77. ألبير كامي، الإنسان المتمرد، ترجمة نهاد رضا، ط 3 (بيروت: منشورات عويدات، 1983)، ص.28
  78. Nicolas Krausz, Isabelle Lacourt et Maurizio Mariani, La Ville qui mange: Pour une gouvernance urbaine de notre alimentation, dossier pour un débat ; DD 191 (Paris: C. L. Mayer, 2013), p. 76.
  79. Louis, Wirth,  Urbanism as a Way of Life. Ardent Media Incorporated, 1991.
  80. نسجل إعجاب جون فرانسوا مالريب بتسامح المدينة العربية التراثية التي جمعت، في قرطبة، على سبيل المثال، عظماء الثقافة الإسامية والمسيحية واليهودية في بيوت متجاورة، خاف ما بات عليه الوضع اليوم. انظر:
    André Lacroix et Alain Létourneau, dirs., Méthodes et interventions en éthique appliquée (Saint-Laurent, Québec: Fides, 2000), p. 8.
  81. Robert E. Park, "La Ville: Propositions de recherche sur le comportement humain en milieu urbain," (1925), dans: L’École de Chicago , textes traduits et présentés par Yves Grafmeyer et Isaac Joseph, RES. Champ urbain (Paris: Aubier, 1984), pp. 83, 85, 95 et 97-98.
  82. John Scott, ed., Sociology: The Key Concepts (New York: Routledge, Taylor and Francis Group, 2006), p. 190.
  83. Overurbanisation
  84. عبد الكريم برشيد، ابن الرومي في مدن الصفيح: نص مسرحي (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.)2014
  85. يمنحنا اللسان العربي ثاثية دلالية في مادة (مدن)؛ فمدنَ بالمكان:أقام به، والمدينة (مفعولة) بمعنى المملوكة، ومنه ابن المدينة أي ابن المملوكة، والمدينة الحصن. انظر: أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، 15 ج (بيروت: دار صادر، 1992)، ج 13، ص.403-402
  86. أحمد عبد المعطي حجازي، مدينة با قلب (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)2002
  87. العلم لا ينفصل عن الفن في تصورنا للبحث، ونحن مدينون كما قال عالم لاجتماع الأميركي روبرت بارك للكتّاب والروائيين أمثال إميل زولا في اشتغالهم على "المدينة" بطريقة فنية. انظر:
    Robert E. Park, "The City: Suggestions for the Investigation of Human Behavior in the Urban Environment," in: Robert E. Park, Ernest W. Burgess and Roderick D. McKenzie, The City , with a bibliography by Louis Wirth (Chicago, Ill.: University of Chicago Press, 1984), p. 3.
  88. تضاعف عدد المدن العربية التي يزيد عدد سكانها على المليون نسمة ثاث مرات في ما بين سنتي 1970 و 1990. للمزيد، انظر: أسامة أمين الخولي، البيئة وقضايا التنمية والتصنيع: دراسات حول الواقع البيئي في الوطن العربي والدول النامية، تقديم مصطفى طلبة، عالم المعرفة؛ 285 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2002)، ص.72
  89. منيف، ص.180
  90. روبرت ليون كوبر، التخطيط اللغوي والتغير الاجتماعي، ترجمة خليفة أبو بكر الأسود؛ راجعه لغويًا وقدم له الطاهر خليفة القراضي (طرابلس، ليبيا: مجلس الثقافة العام، 2006)، ص.198
  91. Mutual Intellegibility.
  92. هول، ص.239
  93. Architecture as a Text.
  94. انظر: عمر هشام الشهابي، اقتاع الجذور: المشاريع العقارية وتفاقم الخلل السكاني في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تقديم علي خليفة الكوراوي وعلي فهد الزميع (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2012
  95. عن خصخصة الفضاء، انظر:
    Lire l’espace, comprendre l’architecture: Essais sémiotiques Manar Hammad, (Limoges: Presses universitaires de Limoges (PULIM); Paris: Geuthner, 2006), p. 157.
  96. هيلز، لوغران وبياشو، تحرير، ص.207
  97. Edward J. Blakely and Mary Gail Snyder, Fortress America: Gated Communities in the United States (Washington, DC: Brookings Institution Press, 1997), p. 153.
  98. avoir / être
  99. paraître/ être
  100. عبد السام بنعبد العالي، ميتولوجيا الواقع، المعرفة الفلسفية؛ 240 (الدار البيضاء: دار توبقال، 1999.10)، ص
  101. تتحدد مفاتيح التمدن أو لانوجاد في المدينة في أربع وظائف حسبما تحددت في ميثاق أثينا: السكن، العمل، لاسترواح في الأوقات الحرة، التنقل، انظر: ,
    avec un discours liminaire de Jean Giraudoux, forces La Charte d’Athènes Le Corbusier, vives (Paris: Editions de Minuit, 1957), p. 99.
  102. نقلً عن: سبورك، ص.71
  103. عبارة بارت هي:
    nous parlons notre ville،
    أي غير معنى "نتكلم معها:
    nous parlons avec notre ville:،
    بل نتكلمها لأنها تسكننا قبل أن نسكنها، فنحن نعكسها عبر مخيالنا ولغتنا واستعاراتنا. انظر:
    Roland Barthes, "Sémiologie et Urbanisme," L’Architecture d’aujourd’hui , no. 153 (Décembre 1970 - Janvier 1971), p. 441.
  104. Robert E. Park, "La Ville comme laboratoire social," (1925), dans: L’Ecole de Chicago , p. 164.
  105. هول، ص.208
  106. روبرت تراسك، أساسيات اللغة، ترجمة رانيا إبراهيم يوسف، المشروع القومي للترجمة؛ 381 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002)، ص.102
  107. لويس جان كالفي، حرب اللغات والسياسات اللغوية، ترجمة حسن حمزة؛ مراجعة سام بزي حمزة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.216
  108. للمزيد انظر: رمضان عبد التواب، المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، ط 3 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997)، ص.172
  109. Robert Burchfield, The English language (Oxford; New York: Oxford University Press, 1985), p. 160.
  110. السيد عبد الفتاح عفيفي، علم الاجتماع اللغوي (القاهرة: دار الفكر العربي، 1995)، ص.129
  111. عن نظريات النقص أو العجز، انظر: ريتشارد أنتوني هدسون، علم اللغة الاجتماعي، ترجمة محمود عياد؛ مراجعة نصر حامد أبو زيد ومحمد أكرم سعد الدين، ط 2 (القاهرة: عالم الكتب، 1990)، ص.328
  112. William Marcais, "Langue Arabe dans L’Afrique du Nord," Revue pédagogique (Alger), no. 1 (1931).
  113. Talk Fresh.
  114. P. Achard, "The Development of Language Empires," Paper Presented at: The Post Congress Session on Ethnocentrism in Sociolinguistics, Central Institute of Indian Languages, Mysore, August 1986, p. 8.
  115. Jakobean Ideology.
  116. Robert B. Kaplan and Richard B. Baldauf, eds., Language Planning and Policy in Africa, Vol. 2: Algeria, Côte d’Ivoire, Nigeria and Tunisia (Clevedon; Buffalo: MultilinguaL Matters, 2007), p. 44.
  117. Code Switching.
  118. Ambroise Queffélec [et al.], Le Français en Algérie: Lexique et dynamique des langues , champs linguistiques, Recueils. Actualités linguistiques francophones (Bruxelles: Duculot, 2002), p. 113.
  119. Karima Ziamari, Le Code switching au Maroc: L’Arabe marocain au contact du français , préface de Carol Myers- Scotton, Espaces discursifs (Paris: L’Harmattan, 2008), p. 13.
  120. Reem Bassiouney, Language and Identity in Modern Egypt (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2014), pp.
  121. Victor Hugo, Oeuvres de Victor Hugo , 22 vols. (Paris: Flammarion, 1942-1944), vol. 14: Notre-Dame de Paris, 1482 , p. 165.
  122. Livre de pierre.
  123. Livre de papier.
  124. أبان الكثير من التقارير والدراسات أن ح لات الذهان والفصام منتشرة في الوسط الحضري أكثر. ويعد استعمال المواد غير المشروعة، ولا سيما الحشيش والقنب، من أقوى الأسباب المشهورة كعامل من عوامل تطور الذهانات. انظر: الوقاية من الاضطرابات النفسية: التدخات الفعالة والخيارات السياسية، التقرير المختصر (القاهرة: منظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، 2005)، ص.57
  125. يُعتبر لافتقار إلى الشروط الصحية، من حيث النظافة والتهوية والمناخ ودرجة الحرارة والرطوبة، ذا تأثير في تصعيد السلوك العدواني. كما أن لازدحام وضيق المكان يؤديان إلى الإرهاق والتوتر والصراع والرغبة في الهروب من المنزل والنزاع المستمر بين أفراد الأسرة، لنقص الإمكانات، وتضارب المصالح، والإمكانات المحدودة.
  126. مما خلص إليه هوغاند أن البشر الذين يعيشون في زحام المدينة يعانون أكثر من غيرهم أمراض تصلب الشرايين والقلب، وهي نتيجة طبيعية لزيادة درجة التحضر، انظر:
    Bulletin of the ," Hudson Hoagland, "Cybernetics of Population Control Atomic Scientists , vol. 20, no. 2 (February 1964), pp. 2- 6.
  127. John B. Calhoun, Space and the Strategy of Life (Bethesda, Md.: U.S. Dept. of Health, 12(
    انظر من دراساته:
    Education, and Welfare, Public Health Service, 1971).
  128. Mark Jackson, The Age of Stress: Science and the Search for Stability (Oxford: Oxford University Press, 2013), p. 186.
  129. Edward Krupat, People in Cities: the Urban Environment and its Effects (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1994), p. 99.
  130. Pathological togetherness.
  131. Behavioral Sink.
  132. John B. Calhoun, "Population Density and Social Pathology," Scientific American (February 1962), p. 144.
  133. (
    London: Hayward Pub., 2008). Psycho Buildings: Artists Take on Architecture al.], [et Rugoff Ralph:
    للمزيد، انظر (133)
  134. Richards, p. 43.
  135. Deformed City.
  136. Meaningless
  137. انظر: عدلي السمري [وآخرون]، علم الاجتماع والمشكات الاجتماعية (لاسكندرية، مصر: دار المعرفة الجامعية، 2003)، ص.41
  138. عن "التغويت" Ghettoïsation):)، انظر
    SRD, La Ville au risque du ghetto, Hervé Marchal et Jean-Marc Stébé, sciences du risque et du danger. Références (Paris: Ed. Tec et doc, 2010), p. 50.
  139. انظر: دمشق أقدم مدينة في التاريخ، ندوة آذار الفكرية في مكتبة الأسد، دمشق، سوريا، 1991 (دمشق: مكتبة الأسد، 1991)، ص.36
  140. Park, "The City," p. 4.
  141. واسيني الأعرج، مرايا الضرير: "كولونيل الحروب الخاسرة"، ترجمة عدنان محمد (دمشق: ورد للطباعة والنشر، 2011)، ص.13
  142. إبراهيم صنع الله، اللجنة، ط 2 (القاهرة: مطبوعات القاهرة، 1982)، ص.126
  143. Visual Pollution.
  144. عالج أمبرتو إيكو تعدد الدلالة في عامات المجال العمراني من منظور تاريخي. انظر:
    La Structure Umberto Eco, absente: Introduction à la recherche sémiotique , traduit de l’italien par Uccio Esposito-Torrigiani (Paris: Mercure de France, 1972).
  145. إدوارد الخراط، مضارب الأهواء: قصص قصيرة (القاهرة: دار البستاني للنشر، 2003)، ص.148
  146. للمزيد عن التلوث البصري الضوئي في المدينة، انظر:
    Urban Lighting, Light Pollution, Josiane Meier [et al.], eds., and Society (New York: Routledge, Taylor and Francis Group, 2015).
  147. Harmony.
  148. The Anonymous Adition.
  149. أندريه مالرو، الحبل والفئران: مرآة اليمبس، ترجمة هنري زغيب (بيروت: منشورات عويدات، 1982)، ص.223
  150. محمد عزيز الحبابي، "الحضارة الإنسانية وحضارة التصنيع،" الوحدة، السنة 1، العدد 4 (1985)، ص.14
  151. زكي نجيب محمود، ثقافتنا في مواجهة العصر، ط 2 (القاهرة؛ بيروت: دار الشروق، 1979)، ص.108
  152. أبو يعرب المرزوقي، آفاق النهضة العربية ومستقبل الإنسان في مهب العولمة، الفلسفة (بيروت: دار الطليعة، 1999)، ص.71
  153. Jeffrey A. Nedoroscik, The City of the Dead: A History of Cairo’s Cemetery Communities (Westport, CT: Greenwood Pub. Group, 1997).

المصادر والمراجع

العربية

بارث، رولان. مبادئ في علم الأدلة. ترجمة وتقديم محمد البكري. ط 2. الاذقية، سورية: دار الحوار،.1987

تراسك، روبرت. أساسيات اللغة. ترجمة رانيا إبراهيم يوسف. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002. (المشروع القومي للترجمة؛ 381)

الحبابي، محمد عزيز. "الحضارة الإنسانية وحضارة التصنيع." الوحدة: السنة 1، العدد 4، الحلبي، غسان. "فن العمارة العربية." الوحدة (روما): السنة 3، العددان 30-29،.1987

دوكونانك، توما. الجهل الجديد ومشكلة الثقافة. ترجمة منصور القاضي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2004

ديبور، جي. مجتمع الفرجة: الإنسان المعاصر في مجتمع الاستعراض. ترجمة أحمد حسان. القاهرة: دار شرقيات، 1994. (دراسات ثقافية أجنبية)

سبورك، يان. أي مستقبل لعلم الاجتماع: في سبيل البحث عن معنى وفهم العالم الاجتماعي. ترجمة حسن منصور الحاج. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2009 السمري، عدلي [وآخرون]. علم لاجتماع والمشكات لاجتماعية. لاسكندرية، مصر: دار المعرفة الجامعية،.2003

عبد التواب، رمضان. المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي. ط 3. القاهرة: مكتبة الخانجي،.1997

عفيفي، السيد عبد الفتاح. علم الاجتماع اللغوي. القاهرة: دار الفكر العربي،.1995

الفارابي، أبو نصر محمد بن محمد. كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة. قدم له وعلق عليه ألبير نصري نادر. ط 2. بيروت: دار المشرق،.1968

كالفي، لويس جان. حرب اللغات والسياسات اللغوية. ترجمة حسن حمزة؛ مراجعة سام بزي حمزة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008

كمال، أحمد، سنية خليل وكرم حبيب. علم الاجتماع الحضري: دراسة بنائية وظيفية للمجتمع الحضري. القاهرة: دار الجيل،.1976

كوبر، روبرت ليون. التخطيط اللغوي والتغير الاجتماعي. ترجمة خليفة أبو بكر الأسود؛ راجعه لغويًا وقدم له الطاهر خليفة القراضي. طرابلس، ليبيا: مجلس الثقافة العام،.2006

كورتيس، جوزيف. مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية. ترجمة جمال حضري. الجزائر: منشورات لاختاف؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2007

محمود، زكي نجيب. ثقافتنا في مواجهة العصر. ط 2. القاهرة؛ بيروت: دار الشروق،.1979 المرزوقي، أبو يعرب. آفاق النهضة العربية ومستقبل الإنسان في مهب العولمة. بيروت: دار الطليعة، 1999. (الفلسفة)

المعوش، سالم معروف. المدينة العربية بين عولمتين. بيروت: دار النهضة العربية،.2006

هايدغر، مارتن. أصل العمل الفني. ترجمة أبو العيد دودو. كولونيا، ألمانيا: منشورات الجمل، هدسون، ريتشارد أنتوني. علم اللغة الاجتماعي. ترجمة محمود عياد؛ مراجعة نصر حامد أبو زيد ومحمد أكرم سعد الدين. ط 2. القاهرة: عالم الكتب،.1990

هول، إدوارد تي. اللغة الصامتة. ترجمة لميس فؤاد اليحيى؛ مراجعة وتدقيق محمود الزواوي. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع،.2007

هيلز، جون، جوليان لوغران ودافيد بياشو (تحرير.)الاستبعاد الاجتماعي: محاولة للفهم. ترجمة وتقديم محمد الجوهري. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2007 (عالم المعرفة؛ 344)

الأجنبية

1. Abu-Lughod, Janet L. Rabat: Urban Apartheid in Morocco. Princeton, NJ:

Princeton University Press, 1980. (Princeton Studies on the Near East)

2. Benevolo, Leonardo. Histoire de la ville. Trad. de l’italien par Catherine Peyre.

Marseille: Editions Parenthèses, 2004.

3. Boudon, Philippe. Sur l’espace architectural: Essai d’épistémologie de

l’architecture. Nouv. éd. rev. et augm. Marseille: Editions Parenthèses, 2003.

(Collection Eupalinos. Série architecture et urbanisme)

4. Calhoun, John B. "Population Density and Social Pathology." Scientific American:

February 1962.

5. Cassirer, Ernst. An Essay on Man; an Introduction to a Phil osophy of Human

Culture. New Haven, CT: Yale University Press, 1972. (Yale Paperback; Y52)

6. Ecochard, Michel. Casablanca: Le Roman d’une ville. Paris: Editions de Paris,

7. Gagnepain, Jean. Du vouloir dire: Traité d’épistémologie des sciences humaines. 2,

De la personne, de la norme. Paris: Livre et communication, 1991.

8. Hammad, Manar. Lire l’espace, comprendre l’architecture: Essais sémiotiques.

Limoges: Presses universitaires de Limoges (PULIM); Paris: Geuthner, 2006.

9. Jackson, Mark. The Age of Stress: Science and the Search for Stability. Oxford:

Oxford University Press, 2013.

10. Johnston, Ronald J. and Peter J. Taylor. A World in Crisis ?: Geographical

Perspectives. 2 nd ed. Oxford, UK; Cambridge, Mass.: B. Blackwell, 1989.

11. Lacroix, André et Alain Létourneau (dirs.). Méthodes et interventions en éthique

appliquée. Saint-Laurent, Québec: Fides, 2000.

12. Lévi-Strauss, Claude. Tristes tropiques. Photogr. par l’auteur. Paris: Plon, 1955.

(Terre humaine; 3)

13. Loyer, François et Christiane Schmuckle-Mollard (dirs.). Façadisme et identité

urbaine: Colloque international, Paris, 28-29-30 Janvier 1999. Paris: Éd. du

patrimoine, 2001. (Idées et débats)

14. Marchal, Hervé et Jean-Marc Stébé. La Ville au risque du ghetto. Paris: Ed. Tec et

doc, 2010. (SRD, sciences du risque et du danger. Références)

15. Portugali, Juval. Self-Organization and the City. With a Foreword by Hermann

Haken. New York: Springer, 1999. (Springer Series in Synergetics)

16. Richards, Jonathan. Facadism. London: Routledge, 2002.

17. Ziamari, Karima. Le Code switching au Maroc: L’Arabe marocain au contact du

français. Préface de Carol Myers-Scotton. Paris: L’Harmattan, 2008. (Espaces

discursifs)