العودة إلى تفاصيل المؤلَّف سوسيولوجيا المعاناة من خلال المعيش اليومي لشباب الأحياء الشعبية: شباب أحياء مدينة صفاقس مثالًا

سوسيولوجيا المعاناة من خلال المعيش اليومي لشباب الأحياء الشعبية: شباب أحياء مدينة صفاقس مثالًا

Sociology of Suffering

Fouad Ghorbali **

فؤاد غربالي *

الملخّص

اعتمادًا على بحث ميداني في «حي العقاربة»، أحد أحياء مدينة صفاقس، تحاول هذه الدراسة تقديم فهم سوسيولوجي لمعيش الشباب في الأحياء الشعبية، وذلك عبر تمشٍّ منهجي كيفي ومقاربة نظرية تندرج ضمن سوسيولوجيا براغماتية، لا تولي الاهتمام للصيرورات البنيوية بقدر ما تعطي مساحة للفاعلين بوصفهم ذوات منتجة للمعنى. كما تحاول الدراسة إبراز تجربة التهميش والإقصاء الاجتماعي في حي العقاربة، ليس بوصفها حتمية وقدرية ومعطى يتم خارج ذاتية الفاعلين وبعيدًا عن سيطرتهم، بل بوصفها تجربة اجتماعية وإحساسًا ذاتيًا يطور إزاءها الفاعلون مقاومة تتخذ في الغالب استراتيجيات مختلفة يعمل من خلالها شباب هذه الأحياء على ضمان «الاستمرار في العيش » والدخول إلى مجتمع الاستهلاك الحضري.

Abstract

**  Social Researcher in Tunis.

الكلمات المفتاحية:
  • معيش يومي
  • دولة اجتماعية
  • أحياء شعبية
  • شعور بالحيف
  • سوسيولوجيا المعاناة
Keywords:
  • Youth
  • Daily Life
  • Social State
  • Low Income Districts
  • Feeling of Injustice
  • Sociology of Suffering

شباب أحياء مدينة صفاقس مثالا

The Daily Life of Youth in Sfax’s Low-Income Districts

ملخص: اعتمادًا على بحث ميداني في «حي العقاربة»، أحد أحياء مدينة صفاقس، تحاول هذه الدراسة تقديم فهم سوسيولوجي لمعيش الشباب في الأحياء الشعبية، وذلك عبر تمشٍّ منهجي كيفي ومقاربة نظرية تندرج ضمن سوسيولوجيا براغماتية، لا تولي لاهتمام للصيرورات البنيوية بقدر ما تعطي مساحة للفاعلين بوصفهم ذوات منتجة للمعنى. كما تحاول الدراسة إبراز تجربة التهميش والإقصاء لاجتماعي في حي العقاربة، ليس بوصفها حتمية وقدرية ومعطى يتم خارج ذاتية الفاعلين وبعيدًا عن سيطرتهم، بل بوصفها تجربة اجتماعية وإحساسًا ذاتيًا يطور

إزاءها الفاعلون مقاومة تتخذ في الغالب استراتيجيات مختلفة يعمل من خالها شباب هذه الأحياء على ضمان « لاستمرار في العيش» والدخول إلى مجتمع لاستهاك الحضري.

Abstract: Based on field research undertaken in the al-‘Aqaribah neighborhood of Sfax, this study attempts to provide a sociological understanding of the day-to-day life of Tunisian youth in «popular» or low-income neighborhoods. A systematic, qualitative, walk-through survey puts focus on the young actors themselves as producers of meaning—as opposed to the structural processes

enveloping them per se. The study highlights the experience of marginalization and social exclusion in al-‘Aqaribah district, but not as something predetermined, produced externally to the key actors themselves, or removed from their control. Rather, it examines a mix of social experiences and subjective senses that the young people of these neighborhoods resist. This paper looks at how young people take up different strategies to ensure that they can «stay alive» and gain access to the urban consumer society.

مقدمة عامة

طالما شكلت «الأحياء الشعبية» الموجودة على هامش المدن التونسية الكبرى التعبير الأمثل عن نمط التحضر الذي شهدته تونس منذ فترة لاستقال، حيث عرف بكونه نمط تحضر انتقالي لم تسبقه عملية تصنيع بل كاننتيجة تفقير الأرياف على حساب المدن، وهو ما أحدث حركة نزوح كثيفة من الأرياف في اتجاه المدن منذ ثاثينيات القرن الماضي، وهذا أمر عمّقته دولة

لاستقال في مراحل مختلفة من تاريخها، إذ تبنّت في الغالب نموذجًا تنمويًا يفتقد العدالة بين

المناطق الداخلية والمناطق الساحلية. جعل نموذج التنمية الذي تبنته دولة لاستقال من المدن الساحلية «ملجأ» ومقصد كثير من الفئات

«المقتل عة من أريافها»، سواء للعمل أو للدراسة. ولئن نجح جزء من تلك الفئات في افتكاك مكان له في عالم المدينة بفعل المصعد لاجتماعي للمدرسة، فإن الجزء الآخر ظل على هامش «المجتمع الحضري» المتمثّل ببعديه في عالمي العمل ولاستهاك، ليكون له مجاله لاجتماعي الخاص المتمثّل بدوره في «الأحياء الشعبية» التي غالبًا ما بُنيت بعيدًا عن «الرقابة الرسمية» للدولة أو بتواطؤ منها، وهي

أحياء تتسم بكونها «متمردة» على معايير التخطيط العمراني، فتسمّى حينًا «أحياء السكن الفوضوي»

وتسمّى حينًا آخر «أحياء السكن السري»، وهما تسميتان تلتقيان عند كون تلك الأحياء مجال

«الاشكلي» وكل ما هو غير مهيكل. وقد شكلت تلك الفضاءات مبحثًا سوسيولوجيًا لعلماء لاجتماع

في تونس منذ السبعينيات، إلا أن جل الدراسات الموجودة اكتفت بإياء الأهمية للجوانب البنيوية وللعوامل التي ساهمت في بروز تلك الأحياء والظواهر المرتبطة بها، مثل الفقر والبطالة والجريمة،

من دون أن تصغي فعلً لصوت الفاعلين بوصفهم ذواتٍ يعيشون الفقر والإقصاء لاجتماعي كتجربة

(1) Paul Sebag, Tunis: Histoire d’une ville , histoire et perspectives méditerranéennes (Paris: L’Harmattan, 1998); Fredj Stambouli, «Sous emploi et espace urbain des bidonvilles au Maghreb,» Revue tunisienne de sciences sociales , nos. 28- 29 (1972), et Morched Chabbi, «Une nouvelle forme d’urbanisation à Tunis: L’habitat spontané péri-urbain,» (Thèse de Doctorat en Urbanisme et Aménagement, Université de Paris Val-de-Marne, IUP de Paris, Créteil, 1986).

ومحنة في حياتهم اليومية، وهو أمر تترجمه ممارساتهم وإحساسهم بغياب العدالة الذي يول د لديهم شعورًا بالمعاناة والإحساس بالامساواة وعدم الجدوى، وتترجمه سلوكاتهم وتعبيراتهم الهويتية،

والأشكال الجديدة للروابط لاجتماعية التي يعيدون بناءها في خضم حالة الايقين وتقطّع المسارات التي يعرفونها، وكذلك من خال خطاباتهم ومواقفهم وتمثّاتهم حول أنفسهم وحول المجتمع. من هذا المنطلق، سنحاول أن نبلور رؤية وتمثلً سوسيولوجيًا براغماتيًا لمعنى المعاناة والإحساس

بالإقصاء لاجتماعي لدى الفئات التي تعيش في الفراغات الحضرية للمدينة التونسية المعاصرة، وبشكل خاص الفئات الشبابية، وذلك من منطلق تجربة الفاعلين أنفسهم من حيث هم ذوات قادرة على إنتاج معنى لوجودها وتشكيل أطر للمقاومة في إطار المعيش اليومي تشكل سياسة تحتيةضد الهيمنة ولاختزال في صورة «الذوات المستلبة» القابعة في «قاع المدينة» في ظل «الامرئية لاجتماعية».

المدخل النظري: منهجية الدراسة

نحو مقاربة براغماتية

في هذا السياق، نهدف في هذه الدراسة إلى الدخول، كما يقول عال م لاجتماع الفرنسي لابيروني، إلىِ «الأحياء الشعبية» في مدينة صفاقس من خال «كلمات متساكنيها»، وتحديدًا من خال كلمات

الشباب الذين أجرينا معهم المقابات؛ فالفضاءات الشعبية ليست فقط مجال جغرافيًا يتجاور فيه

الفقراء وتتراكم فيه الإعاقات لاجتماعية، وليس فقط ذلك العالم المضاد للحياة الحضرية العادية، بل إنه، كما يقول لابوريني، «مكان للكلمات، فالناس يعيشون وهم يتكلمون ويتكلمون وهم يعيشون» عبر ذلك الشعور المشترك بأن «اللغة الرسمية» كثيرًا ما تخونهم، واللغة الرسمية بالنسبة إلى الفئات

«المهمشة» هي لغة المدرسة والدولة والإعام، أي بعبارة أخرى لغة «الطبقات المهيمنة»، وهي لغة تبدو لهم «كاذبة و مخادعة» لأنها «تتحدث عن لاندماج في الوقت الذي تعني فيه الإقصاء وتؤكد

(2) Danilo Martucelli, Forgé par l’épreuve: L’individu dans la France contemporaine , collection Individu et société (Paris: A. Colin, 2006). (3) Jean Foucart, Sociologie de la souffrance , ouvertures sociologiques (Bruxelles; [Paris]: De Boeck, 2003). (4) Olfa Lamloum et Mohamed Ali Ben Zina, dirs., Les Jeunes de Douar Hicher et d’Ettadhamen: Une enquête sociologique (Tunis: Arabesques, 2015). (5) Mohamed Nachi, Introduction à la sociologie pragmatique: Vers un nouveau style sociologique? , préface de Luc Boltanski, collection cursus. Sociologie (Paris: A. Colin, 2006) (6) Michel de Certeau, L’Invention du quotidien , collection Folio. Essais, nouv. éd. (Paris: Gallimard, 1990).

(((جيمس سكوت، المقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم، ترجمة إبراهيم العريس ومخايل خوري (بيروت: دار الساقي،.)1995

(8) Guillaume Le Blanc, L’Invisibilité sociale , pratiques théoriques (Paris: Presses universitaires de France, 2009). (9) Didier Lapeyronnie, Ghetto urbain: Ségrégation, violence, pauvreté en France aujourd’hui , avec Laurent Courtois, (Paris: R. Laffont, 2008), p. 58.

(((1 المصدر نفسه. (((1 المصدر نفسه.

المساواةَ في الوقت الذي تبرر فيه الامساواة». وعلى هذا الأساس يصنعون خطابهم الخاص حتى لا يتركوا للآخرين فرصة تشكيل خطاب حولهم، وهنا تبرز أهمية السوسيولوجيا البراغماتية على النحو الذي بلوره بولتانسكي وتيفينوت اللذان يعتبران أن الموضوع المفضل للسوسيولوجيا البراغماتية، بوصفها نظرية نقدية، هو أساسًا «وصف وتحليل الطريقة التي يسم من خالها الفاعلون في حد ذاتهم

الموجودات التي تشكل محيطهم، مساهمين بالتالي في إنجاز العالم لاجتماعي». نكون وفق هذا المعنى إزاء منهجية تقتضي أساسًا دراسة خطاب الفاعلين في ظل بحثهم عن «المصلحة المشتركة»،

وذلك في اتساق مع ما يقدرونه أنه هو «العادل»، بعبارة أخرى تضع السوسيولوجيا البراغماتيةُ في المقدمة قدرة الفاعلين الإبداعية ولاستكشافية، بما هي قدرة على خلق جملة من أشكال التوافق والتواطؤ والتبرير والتصنيف المعياري للفعل والممارسات. من هذا المنطلق النظري تحديدًا، سنحاول أن نعيد بناء خطاب شباب «الأحياء الشعبية» الذين يتجهون في غالب الأحيان إلى تحويل خطابهم إلى فعل وممارسة ملموسة في حياتهم اليومية، من حيث هي تجربة اجتماعية محكومة بالمعاناة من أجل « لاستمرار في الحياة» وبما هي «محنة» أيضًا تستوجب سياسة تحتية للمقاومة وإبداعًا لأشكال فريدة من الوجود لاجتماعي.

العمل الميداني في «حي شعبي» وتقنيات البحث المعتمدة

لا يمكن أن يكتسب هذا البحث فاعليته إلا من خال تمشٍّ منهجي واضح ودقيق يمكّن من ولوج العالم لاجتماعي لشباب الأحياء الشعبية، وذلك لتجميع أكثر ما يمكن من مادة بحثية نعيد من خالها تأويل وفهم العالم لاجتماعي للشباب الذين يعيشون تجربة العيش في «حي شعبي» بما هي تجربة يسودها الإحساس بالامساواة والخوف من المستقبل، وكذلك بما هي تجربة «مقاومة» وإبداع استراتيجيات من أجل « لاستمرار في العيش.» على هذا الأساس كان اتصالنا ب«ميدان البحث» مباشرًا ضمن «عاقة تفاعلية» مع المستجوبين، وذلك

وفق ما تمليه مقتضيات البحث في «حي شعبي»، حيث يواجه الباحث تقلبات الميدان، والفرص الضائعة، والشك المتواصل من جانب المستجوبين، وهذا ما عشناه خال «وجودنا البحثي» في

(((1 المصدر نفسه.

(13) Luc Boltanski et Laurent Thévenot, De la justification: Les Economies de la grandeur , NRF essais (Paris: Gallimard, 1991).

(((1 المصدر نفسه، ص.341-340

(15) Luc Boltanski, «Passer des épreuves,» Projet, no. 289 (Novembre 2005), p. 74.

(((1 يرى دانيلو مارتوشيلي أن «كل محنة تظهر بوصفها اختبارًا وامتحانًا موجهًا إلى كل واحد منا (غير معلن في غالب الأحيان)،

وعن طريقه تتم عملية لانتقاء لاجتماعي. ومن ناحية أخرى، تكون كل محنة بمثابة اختبار مقاومتنا وقدرتنا على التحمل؛ إنها تفترض على هذا الأساس تصورًا فريدًا للفاعل.»

Danilo Martuccelli, «La sociologie aux temps de l’individu,» Revue Interrogation? , no. 5: L’Individualité, objet problématique des sciences humaines et sociales  (Décembre 2007), sur le site: <www.revue-interrogation.org /la sociologie-au-temps-de l’individu>. (17) Gérard Mauger, «Enquêter en milieu populaire,» Genèses , vol. 6, no. 1 (Décembre 1991), p. 125.

حي العقاربة بمدينة صفاقس؛ إذ رافق وجودَنا نوع من الشك والحذر من طرف السكان والشبان المستجوبين، حيث كانت الأسئلة المتواترة من قبيل: هل سيغير ما تقوم به من وضعنا؟ هل تكتب تقارير للشرطة؟ ما معنى علم لاجتماع؟ هل لديك سجائر؟... إلخ. و لئن كانت «درجة حذر» المستجوبين نسبية ولا تشكل عائقًا أمام سير المقابات التي أنجزناها، وذلك بفعل انفتاح الفضاء العمومي بعد ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011، فإن حذر الفاعلين يصبح أمرًا جليًا حين يتعلق

بالحديث عن استهاك المخدرات وبيع الخمر خلسة. في هذا الإطار، استدعى حضورنا في الميدان «استثمارًا في المدة الزمنية» من أجل معرفة الميدان، وضمان ثقة الفاعلين. ولهذا حاولنا في بداية

البحث أن يكون اتصالنا بالمستجوبين «غير شكلي» عبر الأحاديث العابرة والجلوس مع المستجوبين

في المقاهي المتاخمة للحي موضوع الدراسة، وهو ما مك ننا في مرحلة ثانية من إعداد دليل المقابلة شبه الموجهة بناء على المعطيات التي جمعناها خال المرحلة لاستكشافية وجرت مفصلتها وفق أربعة محاور أساسية: تمثُّل الذات في ظل وضعية البطالة، والعاقة بالحي، والعاقة بالسلطة الأمنية، وطرق مقاومة البطالة. وأجرينا 20 مقابلة شبه موجهة مع شبان تتراوح سنّهم بين 18 و 35 سنة، ويواجهون في جلهم مشكات البطالة والهشاشة لاقتصادية، ويشتركون في المسارات الحياتية نفسها التي تظهر بوصفها مسارات متقطعة. كما اعتمدنا على تقنية الماحظة بالمشاركة من خال المكوث ساعات طويلة مع شبان حي العقاربة في المقاهي وأزقة الحي، وتركزت ماحظاتنا على ممارساتهم اللغوية وطرقهم في التعبير عن الصعوبات التي يعيشونها.

أركيولوجيا «السكن الشعبي» في تونس ونمط التحضر

يرى عالم لاجتماع التونسي فرج سطمبولي أن ظهور السكن الشعبي في تونس يعود إلى الفترة الأولى لاستقال، حيث تنامت الأحياء القصديرية على أطراف مدينة تونس و«سكن الوكائل»، وذلك تحت وطأة النزوح الريفي الناتج من تفقير الأرياف منذ الفترة لاستعمارية. وقد تعاملت دولة لاستقال الناشئة مع «السكن الشعبي» وفق سياسة التطهير التي قامت على عمليات إجاء متساكنيه وإعادتهم إلى أريافهم التي جاؤوا منها، وذلك من منطلق إبراز «قوة الدولة» للحفاظ على الوجه الحديث للمدينة. ولكن سرعان ما تبينت حدود تلك السياسة؛ إذ عرفت فترة السبعينيات، على عكس المتوقع، «انفجارًا ونموًا غير متحكم فيه» للسكن الشعبي على أطراف المدن الكبرى،

وهو ما سيفرض طلبات وحاجات اجتماعية متزايدة للفئات الحضرية الجديدة، وخاصة منها الفئات

الشبابية التي تراهن على لاندماج في الحداثة الحضرية من خال لانخراط بشكل كامل في عالَمي العمل ولاستهاك. كما تشكل أحياء السكن الشعبي والمدينة بصورة عامة مجالً لبسط الدولة سلطتها على نحو طالما تم في السياق التونسي، خصوصًا قبل سقوط نظام بن علي عبر آلية الزبونية السياسية الممثّلة في الحزب

(18) Fredj Stambouli, «La Refondation de l’urbain et du social dans le Maghreb d’aujourd’hui,» dans: Sandro Cattacin et Agi Földhàzi, dirs., A nouveau la ville ?: Un débat sur le retour de l’urbain, sociograph; no. 12 (Geneva: University of Geneva, 2011), p. 41.

الحاكم، وكذلك عبر السياسات الأمنية التي كثيرًا ما كانت تشدد الرقابة البوليسية على الفضاءات

الهامشية و«الاشكلية» من أجل إجهاض واستيعاب جميع الأشكال لاحتجاجية التي من شأنها أن تقوّض النظام القائم، وهو ما لم تنجح فيه السلطات القائمة؛ إذ إن ثورة 14 جانفي اندلعت من

«الهامش» و «الاشكلي»، حيث إن الفئات التي شاركت في «الأحداث الحضرية» المرتبطة بثورة 14 جانفي هي في جلّها فئات حضرية تعيش فجوة بين واقعها المعيشي المتسم بصعوبة الوضع لاجتماعي، وما تطمح إليه وترغب فيه. لعل الفئات الشعبية وجزءًا كبيرًا من الطبقة المتوسطة التي تشعر بأن قيمها بدأت تتأكّل وبأن الحراك

لاجتماعي يسير بها نحو الأسفل بعد أن تعطل تحقيق الرقي لاجتماعي عبر المدرسة والعمل القار، هي من أكثر الفئات حضورًا في جميع الحركات لاجتماعية التي عرفتها تونس منذ نهاية سبعينيات

القرن الماضي. ويعني هذا الأمر أن صيرورة التحضر في تونس والمجتمعات المغاربية ومجتمعات الجنوب بشكل عام هي صيرورة منتجة لاحتجاجات ولعدد كبير من أشكال المقاومة لاجتماعية. في هذا الصدد ترى الباحثة التونسية تراكي زناد أن الفضاءات الحضرية الهامشية هي مجال لاجتماعية إبداعية، ولا يمكن النظر إليها فقط كمَواطن للخضوع بل يمكن فهمها أيضًا بوصفها مجال لتعبيرات

احتجاجية عدة تنم عن مخزون إبداعي لا يمكن التغاضي عنه؛ إذ لا بد، برأي زناد، «من تفسير كيفية تحوّل هذه المناطق الحضرية إلى مناطق للخلق والإبداع، فالحضري الخاق ينبثق من رحم هذه

التجمعات ذات الكثافة العالية والمفتقرة إلى رقابة، لتظهر أشكال جديدة من لاجتماعية تفصح عن نسق وأنماط حياة لا نظير لها».

الحي موضوع الدراسة

ليس اختيارنا حيَّ العقاربة في مدينة صفاقس «اعتباطيًا» وعفويًا؛ فهذا الحي لا ينفصل عن مسار

التحضر الذي عرفه المجتمع التونسي خال مرحلة ما بعد لاستقال والذي يندرج، بلغة كلود ليوزي في إطار «نسق حضري تابع»، حيث يتبين، كما يقول ليوزي، «أن المدينة هي مفتاح التنظيم المجالي المعاصر في شمال أفريقيا، إذ يتداخل المجال الدولتي والمجال الحضري مع لاختراق الرأسمالي للنسيج لاجتماعي من خال الهيئات السياسية لاستعمار وصيرورة تشكّل الفكرة الوطنية للمجتمعات». وقد جاء هذا التحضر سابقًا لعملية التصنيع، وهو ما شك ل فجوة وعدم تزامن بين المسارين، وجعل من المدينة، كما يقول ليوزي، حيزًا لاستهاك بدل أن تكون حيزًا للإنتاج. يُظهر الحي موضوعُ الدراسة أحد نماذج مشكات التحضر الذي أفرز مشكات اجتماعية عدة، مثل

«البطالة» و« لانحراف» و« لاقتصاد الاشكلي»، وهي مشكات تحيل إلى «أزمة مدن لم يترافق فيها

(19) Traki Zannad Bouchrara, La ville mémoire: Contribution à une sociologie du vécu , sociologies au quotidien (Paris: Méridiens-Klincksieck, 1994), p. 23. (20) Claude Liauzu [et al.], Enjeux urbains au Maghreb: Crises, pouvoirs et mouvements sociaux , cahier d’études (Paris: L’Harmattan, 1985), p. 115.

النمو الحضري المتسارع مع نمو مماثل في الإمكانيات لاقتصادية والخدماتية، الأمر الذي وضع تلك المدن على حافة حرجة تتمثّل في انعدام التوازن بين حجمها و إمكانياتها»، أو كما يشير بيار رونزفالون، ف«عقدة الإشكالية الحضرية الراهنة ليست في النمو الحضري بما هي في عدم التوافق بين المتغيرات الديمغرافية والتحولات المؤسساتية». على هذا الأساس، يشكل حي العقاربة أحد الأنماط المميّزة لما يسمّى الهامشيةَ الحضرية عند بعض

المتابعين، وأحد «صور المشكات لاجتماعية»، حيث تعيش داخله الفئات المهمشة الكثيرة التي تشكّل عالمًا واسعًا يمتد عبر شرائح مختلفة تعيش في قاع المدينة، بحسب عبارة الباحث الجزائري

إسماعيل قيرة؛ إذ يبرز حي العقاربة في هذا الصدد خليط ا عجيبًا من العناصر الرثة المعدمة

كليًا، ومن المحرومين والفقراء الجدد، وممتهني لاقتصاد الاشكلي، والمستخدَمين ذوي الأجور

المنخفضة، والعاطلين من العمل، وعامات الجنس السري، والمتسولين والمشردين، وكل من يلتقط الرزق من المصبات أو من يسمَّون «البرباشة». نكون بهذا إزاء فئات مقصاة ومستبعَدة من عالم

العمل، وتعيش على هامش مجتمع لاستهاك، وتتمحور أيديولوجيتها حول النقد المرتبط بالشتم والنزعة الثورية الرثة. يقع الحي موضوع الدراسة في غرب مدينة صفاقس، وعلى بُعد 4 كلم فقط من مركزها، مشكِّا

عامة سوسيولوجية لعوالم البؤس، بلغة بيير بوردو، ليبرز بوصفه «الحي المنفى»، حيث إن جل سكانه هم من أصول ريفية اقتُلعوا من أريافهم بفعل فشل التجارب التنموية المتعاقبة، التي أحدثت فجوة بين المدن الكبرى الساحلية والمناطق الداخلية. لهذا، نجد أن سكان الحي يمثلون جهات سيدي بوزيد و القصرين وقفصة، وبعض المدن الصغرى التابعة لولاية صفاقس. أما من حيث

البنية التحتية، فناحظ أن الأنهج غير معبَّدة، متخذة في الغالب أشكال حلزونية لأنه لم يُتّبَع في

تسطيرها تخطيط عمراني محدد. كما أن غالبية المباني متاصقة على نحو يحول دون أي حميمية وخصوصية بين المتساكنين. كما تتسم مباني الحي بالتأكّل من الخارج وغياب التبليط بالأسفلت، وهو ما يغيّب كل جمالية عمرانية ويجعل متساكني الحي يشعرون بأنهم يعيشون في مزبلة. كما

أن ليس داخل الحي مرافق للترفيه والتسلية، الأمر الذي حوّل أزقته إلى ماعب ل طأأفال والشبان،

وجعل من المقاهي المتاخمة له «ماجئ» ترتادها أغلبية العاطلين من العمل الذين كثيرًا ما ناحظ

(((2 محمد صالح العجيلي، «المدينة العربية والقدرة على الإعالة،» شؤون عربية، العدد 199 (خريف.)2004

(22) Pierre Rosanvallon, La Nouvelle question sociale: Repenser l’Etat-providence (Paris: Ed. du Seuil, 1995), p. 28.

(((2 إسماعيل قيرة، «مجتمع التهميش.. إلى أين؟ مهمشو المدينة العربية نموذجًا،» المستقبل العربي، السنة 25، العدد 290

(نيسان/ أبريل.)2003

(((2 محمد بنعزيز، «سيدي مومن الجديد الخواء الثقافي ومخاطره على الشبيبة،» السفير العربي،.2015/1/14

Pierre Bourdieu, dir., La Misère du monde , libre examen. Documents (Paris: Éd. du Seuil, 1993).  ((2(

François Dubet et Didier Lapeyronnie, Les Quartiers d’exil , l’épreuve des faits (Paris: Éd. du Seuil, 1992).  ((2(

(((2 الأنهج، جمع نهج. والنهج في تونس هو الطريق المتوسط العرض.

(((2 العبارة مستوحاة من أغنية راب تونس عنوانها حوماني، لكلٍّ من أمين حمزاوي وكافون، وتتحدث عن متساكني الأحياء الشعبية الذين يشعرون بأنهم يعيشون في مزبلة.

أنهم يتشكلون في مجموعات صغيرة يتكئ أفرادها عند ساعات المساء الأخيرة على أحد الحيطان التي عادة ما تكون في مداخل الحي ومطلة على الطريق، فيراقبون المارة، ولا سيما الفتيات. وتبرز في هذا الإطار تجربة «الحيطست» كتجربة حضرية تعبّر عن حالة الفراغ واليأس التي تعيشها الفئات

الشبابية التي عرف جلّها تجربة «الفشل المدرسي» ولانقطاع المبكر عن الدراسة فانخرط في تجربة العمل الهش، مما اضطره إلى خوض تجربة «الهجرة السرية» بحثًا عن سبل أخرى لتحقيق الذات. في هذا السياق، تتشكل صورة رمزية للحي من خال التمثّل الذي يمنحه متساكنوه له، وبشكل خاص الفئات الشبابية؛ إذ يشعر أغلبهم بأن العوز المالي يسكنهم، ولافتقار إلى وسائل النقل يكبلهم، وهذا ما يجعلهم مشدودين برأيهم إلى أماكن «منحطة» ومتعفنة ومحكومة بجميع أنواع التلوث. ويعاش هذا الإحساس ك«وصمة»، الأمر الذي يمنعهم من النفاذ إلى أماكن العمل والتسلية ولاستهاك، وينذرهم

الإحساس بالوصمة من أن يعيشوا تجربة الفشل المتكررة في المدرسة أولً وفي سوق العمل ثانيًا،

فيُحرَموا أي فرصة لاستشراف للمستقبل، وهذه جميعًا بعض عامات تجربة ما يسمّى «البروليتاريا

الرثة» التي تجعل هؤلاء الشبان عاجزين عن إدارة الحاضر واستشراف المستقبل، فيعانون في غالب الأحيان مشكات اجتماعية مدمِّرة.

المسألة الاجتماعية الجديدة والهامشية الحضرية

فشل السياسات التنموية يشظّي المشهد لااجتماعي

- إفاس أيديولوجيا دولة الرعاية الاجتماعية: كانت فترة الثمانينيات مرحلة حاسمة في التاريخ لاجتماعي المعاصر للدولة الوطنية، إذ اتسمت تلك العشرية بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية تولدت عنها حركات احتجاجية عدة، أو ما يسمّى في القاموس الرسمي «الأحداث الحضرية»، وهي

تسمية تهدف إلى نزع الطابع السياسي عن تلك لاحتجاجات، واختزالها إلى مجرد أعمال شغب وعنف يستوجب قمعها. يفسر ليوزي تلك لاحتجاجات التي عرفتها جل البلدان المغاربية، وتونس بشكل خاص، بكونها تعبيرًا عن «انفجار للحاجات»، ورغبة جامحة من الفئات الوسطى والفقيرة في لانخراط بشكل كامل

في مجتمع لاستهاك، خصوصًا أن المدينة «تجسد نوبة من لاستهاك وتثيرها وتحبطها»، وهو

لاستهاك الذي تحول إلى مرجعية لتحقيق الذات ونزع لاعتراف، وهذا ما لم تقدر عليه الفئات الشعبية التي وجدت نفسها في إطار تناقض وتباعد بين النموذج الحضري لاستهاك وعدم توافر الإمكانات الحقيقية لانخراط في نموذج لاستهاك بشكل كامل با إحباطات. ومن الرغبات غير المتحققة لدى فئات واسعة من الطبقات المتوسطة، التي بنت حراكها لاجتماعي على الدولة الراعية، رغبة «الحصول على مسكن»، وهي رغبة ذات بُعد ثقافي ورمزي. في هذا الصدد يشير صالح

الحمزاوي إلى أن «أي دراسة للمجال الحضري لا تأخذ بعين لاعتبار المعايير الثقافية التي تحدد

(29) Liauzu [et al.], p. 43.

جزئيًا إدراكات المجال واستعم لاته هي دراسة منقوصة وتبسيطية». على هذا الأساس، فإن السكن

هو، بلغة مانويل كستال، «عالم العامات، وهو عالم مشحون بالدوافع والإحباطات، ولإدارة تلك الرموز دلالة قوية من حيث الإدماج لاجتماعي والتطور النفسي لهؤلاء المتساكنين». وقد أصبح مجال السكن أحد الأشكال الجديدة المعبّرة عن «النقص في الإدماج لاجتماعي وعن خيبات، حيث

تستشعر بقسوة الفجوة القائمة التي تفصل الواقع عن الطموحات». لا يمكن فهم إحباطات الفئات الفقيرة والمتوسطة من «وعود التنمية» إلا بربطها بتأكّل أيديولوجية دولة الرعاية لاجتماعية، التي لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها لاجتماعية بعد أن بنت أيديولوجيتها تحت يافطة «تحقيق الرفاه للجميع»؛ إذ تتخلى الدولة اليوم عن التزاماتها تحت ضغط مضاعف داخلي وخارجي بعد أن بنت شرعيتها منذ لاستقال على أولوية المسألة لاجتماعية. تشير الباحثة الفرنسية سيلفيا شيفولو في كتابها المعنون ب «المجتمعات العربية في حركة: ثاث سنوات من التغيير»، إلى أن جل المجتمعات العربية أخذ نصيبه من فك التزام الدولة والدعم المتزايد للقطاع الخاص. وكان من نتائج تراجع تدخّل الدولة ليس فقط بروز مشاريع مجتمعية جديدة، وإنما أيضًا تأكّل الأنظمة العمومية الموجودة بصورة خاصة، وفي ظل سياق يتزايد فيه عدم المساواة، حيث يمكن الطبقات المرفهة التعويل على قطاع خاص بصدد التمدد، في حين أن الفئات الهشة تبقى تابعة لقطاع عمومي في حالة رثة؛ فالتعليم والصحة بوصفهما رمزًا قويًا للسياسات التنموية ولاجتماعية تأثرا على نحو خاص بهذا

لاستقطاب الذي يشي بولادة مجتمع يسير بسرعتين. - الفقر الجديد ومسألة الإقصاء الاجتماعي: كان الفقر دائم الحضور في السياق التونسي، خاصة بعد 14 كانون الثاني/يناير، حين انكشف «وهم المعجزة التونسية» وتبين أن نسبة الفقر تبلغ 25 في المئة،

وأن «التلميذ النجيب» للبنك الدولي هو «تلميذ فاشل». إلا أن هنالك أشكال جديدة للفقر برزت منذ فترة لانخراط في «اقتصاد السوق»، أو ما يُعرف بفترة لانفتاح الليبيرالي التي جاءت بفعل إماءات

البنك الدولي في إطار ما يُعرف بإعادة الإصاح الهيكلي. ويرتبط ظهور «الفقراء الجدد» بأزمة الشغل،

كما يرتبط أيضا بالتحولات التي يشهدها عالم العمل وبداية تأكّل الطبقة المتوسطة. إن التحول في عالم العمل يتجلى في مستوى تراجع العمل القار؛ حيث إننا أصبحنا في سياق «مجتمع ما بعد الأجرة» إزاء عمل يتميز بعدم الثبات والمرونة، وهو ما يعني «تفريد» عقد العمل و«تحريره من صرامة لاتفاقيات الجماعية، ومن تحكيم أو تدخّل الدولة».

(30) Salah Hamzaoui, « Logements et conduites économiques, » dans: Système urbain et développement au Maghreb: Travaux du séminaire international de Hammamet, 22-30 juin 1976 , organisé par le social science research council et le centre culturel international de Hammamet; préf. de Amal Rassam et Abdelkader Zghal, horizon maghrébin (Tunis: Cérès productions, 1980), p. 43. (31) Manuel Castells, La Question urbaine , Textes à l’appui (Paris: F. Maspero, 1972), p. 190. (32) Liauzu [et al.], p. 44. (33) Sylvia Chiffoleau, Sociétés arabes en mouvement: Trois décennies de changements , la bibliothèque de l’Iremmo; 5 (Paris: L’Harmattan, 2012), p. 16.

(((3 فتحي الرقيق، من مرونة العمل إلى مدينة المشاريع: مقاربة سوسيولوجية (صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2009)، ص ‬.23

على هذا الأساس، وكما يشير كلود ديبار، نكون إزاء تعويض للعمل المعياري بالعمل غير المعياري؛ ف«النمو لاقتصادي تحت شروط السوق العالمية يجعل من تصور التشغيل التقليدي الكامل، أي مناصب العمل المستمرة مدى الحياة مع ما يتبعها من ترقية وما إلى ذلك، تصورًا قديمًا»، فسوق الشغل تسير نحو تقليص الضمانات المتمثلة في أنظمة الحماية

لاجتماعية. أصبح هذا التحول الذي عرفه عالم العمل آلية من الآليات التي تغذي الأشكال الجديدة للتهميش في الفضاءات الحضرية، وتؤدي إلى تحطيم الهوية المهنية؛ فبحسب روبير كاستل، «إن وضعيات عدم الثبات إزاء العمل وضعف الشبكة العائقية كثيرًا ما تتسم بمخاطر لاتجاه نحو نوع من المعطوبية

لاجتماعية وفك لارتباط لاجتماعي»، حيث يواجه الفرد بشكل مزدوج: العزلة العائقية وفقدان العمل، خاصة في ظل انهيار الدعائم السابقة التي تحقق له جملة من الدعائم والضمانات؛ إذ بتنا نعيش «تهاوي المؤسسات»، وهو تهاو يخص المؤسسات التي قامت مع المشروع التحديثي والمتمثّل في تطابق كامل بين الدولة الوطنية والمجتمع. في هذا الصدد يرى دانيلو مارتوشيلي أن «الوهن المتوقع للمؤسسة كما تعبّر عنه كلمة تحلل المؤسسة يعني أن كل ما كان بالأمس يعهد

للكفالة الجماعية أضحى متروكًا أكثر فأكثر للفرد نفسه، هذا الذي عليه أن يتحمل وحده مصيره الخاص، وكأن ذلك هو مسار حياته الشخصية». بهذا المعنى، يُعاد اليوم في السياق التونسي

تشكيل المسألة لاجتماعية، حيث أصبح الإقصاء يشمل نطاقات الحياة لاجتماعية كافة، ولم تعد «الصراعات لاجتماعية مرتبطة بالعمل، بل هي صراعات تتأسس حول القدرة على تحقيق لاندماج والخوف من الإقصاء» الذي يرى فيه بيير روسانفالون أنه «نتاج لصيرورة تفتت وفجوة في النسيج لاجتماعي»،. لكن ما يعنينا في هذا الصدد، وبالعودة إلى إشكالية البحث، هو التفاعل بين التحولات البنيوية وتجربة الفاعلين الذاتية، وهذا ما يعني في مستوى التحليل إياء أهمية ل «تمثات» الفاعلين و«مشاعرهم» التي يرى فيها فانسون دوكلجاك أنها «تظهر بوصفها وسائط يختبر عبرها الأفراد بشكل ملموس الظواهر لاجتماعية؛ ذلك أن الهيمنة ولاستغال والامساواة هي ظواهر اجتماعية مجردة يعيشها الأفراد عن طريق مشاعر فردية، مثل مشاعر الإحباط والحنق والحيف».

(35) Dubar Claude, «De l’école à l’emploi: Les Parcours précaires,» dans: Serge Paugam, dir., L’Exclusion, l’état des savoirs , les textes à l’appui (Paris: La Découverte, 1996), p. 184. (36) Robert Castel, «La Dynamique des processus de marginalisation: De la vulnérabilité à la disaffiliation,» Cahiers de recherche sociologique , no. 22 (1994), p. 19. (37) Danilo Martuccelli, Grammaires de l’individu , folio. Essais; 407 (Paris: Gallimard, 2002), p. 347. (38) Pierre Rosanvallon, La Nouvelle question sociale: Repenser l’Etat-providence (Paris: Ed. du Seuil, 1995), p. 118. (39) Robert Castel, «Les Pièges de l’exclusion,» Lien social et Politiques , no. 34 (Automne 1995), p. 118. (40) Vincent de Gauléjac et Isabel Taboada Léonetti, La Lutte des places: Insertion et désinsertion , avec la collab. de Frédéric Blondel et de Dominique-Marie Boullier, re-connaissances (Marseille: Hommes et perspectives; Paris: Desclée de Brouwer, 1994), p. 184.

نحو اقتصاد معياري للأحياء الشعبية: حي العقاربة نموذجًا

يرى لابيروني أن سكان الأحياء الشعبية أصبحوا «يتماهون بشكل قوي مع القيم و‹الأخاق› وبعيدًا عن التحديدات التقليدية للأدوار والهويات»، وهو ما يعني أن تجربة التهميش لا تتحدد بلغة مؤسساتية بل بلغة يغلب عليها الطابع المعياري، إذ بات «مهمشو اليوم» يتحدثون عن تجربتهم بوصفها تجربة «احتقار» و«شعورًا بالامساواة» والإقصاء، وعدم القدرة على «عيش الحياة»، ولانخراط بشكل كامل

في المجتمع. لهذا نجد من خال المقابات التي أجريناها مع متساكني الحي موضوع الدراسة أنهم يشددون في كلماتهم على رغبة ملحة في «العيش بكرامة»، ويطلبون « لاحترام» و« لاعتراف»، والحق في «أن يكونوا مثل الآخرين». لهذا، فهم يشكلون هويتهم الشخصية بين «الهُم» المبعَدة من «الحياة

الحقيقية» والآخرين «المنخرطين بشكل كامل في مجتمع لاستهاك المديني.»

النحن والهُم: المسافة والهوية الملتبسة للمتساكنين

ب لاستناد إلى ماحظاتنا الميدانية والمقابات التي أجريناها، يتبين أن شبان حي العقاربة يعيشون تجربتهم لا كتعارض مع العالم الخارجي، بل كمسافة إزاءه، حتى ولو كان يراودهم الشعور بأن مساراتهم الحياتية ووضعياتهم تختلف بعضها عن بعض، وأنهم يعيشون تناقضاتهم الخاصة، إلا أنهم يلتقون عند المسافة إزاء الآخرين، أي «برجوازيي المدينة» والطبقات المتوسطة. وتُعتبر هذه المسافة، سواء في مستواها الرمزي أو مستواها المجالي، أول أبعاد تجربة العيش على «الهامش»؛ فبالنسبة إليهم، يكمن التعارض بين وضعيات عيشهم ووجودهم لاجتماعي وبين ما يفترضون أنها معايير «العيش الحقيقي» في عالم المدينة، وهي في غالب الأحيان معايير وقيم الفئات المرفهة التي تتمثّل بشكل خاص في الترفيه وتحقيق الذات عبر لاستهاك، لهذا يعتبر جل المتساكنين الذين استجوبناهم،

وخاصة من الشباب، أنهم «ليسوا بصدد عيش حياتهم»، ومن المؤكد أنهم لا يملكون تعريفًا موضوعيًا

لمعنى الفقر، ولهذا لا يشيرون إلى أي مرجعية انتماء اجتماعي واضحة، بل يتأرجحون بين انتماءاتهم العمالية أو البطالة بالنسبة إلى بعضهم، ووضعية العوز بالنسبة إلى الجزء الأكبر منهم. في هذا الصدد يقول وحيد (27 سنة، عاطل من العمل): «هذا الحي جزء من المأساة التي أعيشها. لا شي فيه يعجب، أنظر إلى التلوث، إلى الفقر، إلى البطالة... الدولة نسيتنا ولا أحد يتذكرننا...عندما تذهب إلى أحياء أخرى بالمدينة تشعر بالفرق. الناس هنالك يعيشون حياتهم...هنا أشعر بالموت ولا أستطيع أن أعيش حياتي مثل الذين هم في عمري...إننا منسيون من الجميع من الدولة ومن الأحزاب...هل نحن تونسيون أم من باد أخرى؟.»....

«ساق» في الفقر و «رأس» في الأفق الثقافي للطبقات المتوسطة

بناء على المشار إليه، فإن متساكني الأحياء الشعبية غير متجانسين، ومساراتهم الحياتية متنوعة، الأمر الذي يجعلهم لا يعون ذواتهم كطبقة اجتماعية، ليجدوا أنفسهم ضمن التنميطات والتوصفات

(41) Didier Lapeyronnie, «L’Economie morale de la discrimination: La Morale des inégalités dans les banlieues populaires françaises,» dans: Anne Barrière [et al.], Inégalités et justice sociale , sous la direction de François Dubet, recherches (Paris: La Découverte, 2014), p. 91.

الملصقة بالأحياء الشعبية؛ فالأكثر هشاشة بينهم، كما تقول عالمة لاجتماع الفرنسية سيبرين أفونيل C. Avenel))، ليست لهم قدرة على إقامة مسافة ثقافية نقدية، أو صوغ مساحة خاصة تمك نهم من إقامة تعارض بين «النحن» و«الهم». ومهما تكن التنوعات لاجتماعية الموجودة، فإن جل المستجوبين يقدمون أنفسهم كفاعلين في مجتمع لاستهاك، ويطالبون بحقهم في لاستهاك، ف لاعتراف صار يتحقق عبر لاستهاك، والشعار الضمني لديهم هو «أنا أستهلك إذ ا أنا موجود». على هذا الأساس، لا يعرفون أنفسهم انطاقًا من نسق تراتبي بل عبر التماهي بطموحاتهم الشخصية، وما يرغبون في تحقيقه في سياق يتسم بحراك اجتماعي، فهم يحلمون بحياة مثل الآخرين، لكن ليس لديهم الدعامات المادية والرمزية لتحقيق ذلك وتغدو مشاريعهم الشخصية أمرًا غير يقيني، وهذا ما يثير لديهم إحساس كبير

بالفجوة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، ويول د لديهم إحساس دائم بالضيق والحنق الدائم، وهو ما يجعلهم يخوضون تجربة المعاناة لاجتماعية، حيث تتداخل الإكراهات البنيوية مع التجربة الذاتية لتفرز تمثّات وممارسات واستراتيجيات من أجل في العيش بكرامة.

تجربة المعاناة لااجتماعية

تتضح تجربة «المعاناة لاجتماعية» من خال الشعور الدائم بالضيق لدى مستجوبين عدة؛ إذ كثيرًا

ما يتحدثون عن وضعيتهم بإحساس يشوبه الألم، فيرى جلهم أنهم «منسيون» من جانب الدولة ومن جانب السياسيين الذين لا يتذكرونهم إلا في أثناء لانتخابات، بل إن وضعهم يساهم في وصمهم واستبعادهم يوميًا من أماكن الترفيه، ويجعلهم موضوع شك دائم عند السلطة الأمنية. وتتضح تجربة

المعاناة من خال صعوبة إدارة التناقضات بين الواقع المعيش والواقع المأمول عيشه. في هذا الصدد يعرّف دوكلجاك المعاناة لاجتماعية بأنها «نتاج التناقضات لاجتماعية التي تخترق الفرد في وضعية

معينة، وهو ما ينشئ صراعًا في اللحظة التي لا يستطيع فيها الفرد الخروج من وضعيته»، وهذا يعني أنه يواجه صراعًا ناجمًا عن أسباب موضوعية وبنيوية ويجعل الفرد غير قادر على سد حاجاته إلى

الحد الذي تصبح فيه التفصيات اليومية عبئًا على الفرد حين لا يجد الوسائل لحلها. يعبّر السكان

المستجوبين عن هذا الأمر بقولهم إنهم «يجرون وراء الخبزة دون أن يصلوا إلى شيء»، في حين يشعر بعضهم ب «العار» نتيجة الفقر والخصاصة التي يعيشها، وهو ما يؤدي إلى تشكل هوية سلبية حول الذات، ويعمق لانطواء. يقول زهير (26 سنة): «أشعر بأنني إنسان حقير لا قيمة لوجودي ما دمت عاطلً عن العمل وآخذ مصروف الجيب من عند أمي التي تعمل في مجال جمع الباستيك من الشارع مقابل ثمانية دنانير في آخر اليوم... في كل مرة أحاول إيجاد عمل لا أجد إلا الوعود الزائفة أو لاستغال، فهل يُعقل أن أشتغل يومًا كاملً في البناء ب 10 دنانير في حين يجني الأغنياء المليارات

دون أن يحاسبهم أو يلتفت إليهم أحد، في حين ياحقنا نحن البوليس من أجل أتفه الأسباب.»

(42) Cyprien Avenel, Sociologie des «quartiers sensibles» , sous la direction de François de Singly, 128. Sociologie, anthropologie. Domaines et approches, 3ème ed. (Paris: A. Colin, 2010), p. 57. (43) Vincent de Gaulejac, «De la souffrance du mal être,» dans: Florence Giust-Desprairies et Vincent de Gaulejac, dirs., La Subjectivité à l’épreuve du social: Hommage à Jacqueline Barus-Michel , changement social (Paris: L’Harmattan, 2009), p. 192.

ويضيف أسامة (30 سنة، عاطل من العمل): «أحيانًا يصيبني الشعور بأنني لست رجا... لأنني لا أملك ما أواجه به المجتمع، بل وحتى عائلتي التي تطالبني كل يوم أن أفعل شيئًا في حياتي، أن أتزوج، أن أعمل مثل الآخرين... فكرت عديد المرات في لانتحار... لم أجرب ذلك ولكني أتمنى أن أجد مخرجًا لهذه الوضعية البائسة التي أعيشها... أحلم بمغادرة هذه الباد أيضًا لأنك لا تشعر فيها بذاتك

وبإنسانيتك... بمجرد أن نكون في وسط المدينة نكون موضوع شك من الجميع والكل ينظر إلينا بحذر... البوليس بمجرد أن يراك ويشك في أنك آت من حي شعبي يطلب منك بطاقة الهوية ويسألك ما الذي تفعله هنا؟ وكأنه ليس من حقنا أن نتجول في المدينة... أنهم يريدون محاصرتنا داخل الحي لأنهم يظنون أننا مجرمون وخطيرون.» يعني هذا الأمر أن المعاناة لاجتماعية ترتبط بصورة متأكّلة عن الذات، وتستبطن الخصاصة والهشاشة لاجتماعية بوصفهما قصورًا ذاتيًا وعامة على الفشل لاجتماعي إلى الحد الذي يشعر فيه البعض،

في ظل البطالة وغياب العمل، ب «الخصي لاجتماعي»، ويتزايد هذا الإحساس خاصة عندما يشعر هؤلاء الشبان بأنهم موضع شك دائم عند الآخرين، وخاصة عند المؤسسة الأمنية التي يعتبرون أنها تعاديهم وتساهم بشكل كبير في صيرورة الوصم لاجتماعي التي يتعرضون لها، وذلك بوصفها عملية استبعاد مقصود لهم من النطاق العمومي.

الحي وتعميق الشعور بالإقصاء

يعيش سكان حي العقاربة إزاء حيهم شعورًا ينم عن مفارقة؛ فهُم من جهة يقدمون أنفسهم بوصفهم

«أبناء الحي» في إشارة إلى أن ثمة عاقة مذوتنة مع المجال الجغرافي الذي يعيشون فيه، ولكنهم يشعرون من جهة أخرى بأنهم يسكنون «حومة متسخة» تعاني « لانحال» ولا تشكل إطارًا حقيقيًا

للعيش وتطوير الذات، وهو «حي منسي» لا يوفر لهم أي فضاء للتواصل، خاصة حين تتأكّل عاقات الجيرة وتضعف مشاعر التضامن التقليدية، ليصبح لكل ساكن همه الشخصي والخاص، ويسود العنف الرمزي والمادي الحياةَ اليومية. يقول أحمد (20 سنة، تلميذ): «لقد كرهت العيش في هذا المكان الذي أعيش فيه. أتمنى أن أغادره إلى أي مكان آخر... لا شيء يعجب فيه... أوساخ وأتربة وبطالة ومشاكل يومية مع البوليس الذي يأتي كل يوم ليستفزنا بمجرد أن نجلس في الطريق»، ليضيف حمزة (25 سنة، عاطل من العمل): «هل تعتبر أن هذا حي. أنظر، إنها كلها أوساخ. ليس لنا أي مكان نستطيع أن نلعب فيه كرة القدم. إنه حي للبؤس والملل اليومي... البعض من المناطق المجاورة يأتي إلى هنا يلقي بالأوساخ... أنهم يعتبرون حينا هو مزبلة، وأن متساكنيه هم مثل الكاب يعيشون في الأوساخ... البلدية لا تأتي هنا أبدًا لأنهم يعتبروننا غير موجودين أصلً... الوحيدون الذين يأتون إلى الحي هم رجال الأمن من أجل مراقبة ما يحدث... إنهم ينظرون لنا دائمًا كمجرمين.» كما يرى هؤلاء الشبان بشكل ضمني أن انتماءهم إلى هذا «الحي البائس»، على حد تعبيرهم، هو جزء من الصورة السلبية التي يحملونها عن ذواتهم؛ إذ تشكل سمعة الحي «السيئة» ملصقة ترافقهم أينما

حلوا، معمقة إحساس الامساواة والشعور بالدونية أمام متساكني الأحياء الأخرى المرفهة. «إن السكن في هذا الحي هو تحطيم للمستقبل، ومن يسكن هذا الحي هو في حالة بؤس دائمة مقارنة بأحياء أخرى في المدن»، الأمر الذي يشي بأن التمايزات المجالية داخل الفضاء الحضري عامل من عوامل «الامساواة الحضرية». يقول أيمن (30 سنة، عامل بناء): «بمجرد أن تصعد في التاكسي وتقول له أوصلني إلى حي العقاربة، يرفض ويقول لك لا أستطيع، لأن سواق سيارات التاكسي لديهم فكرة سيئة عن حينا، فهو بالنسبة لهم حي عنف ومخدرات وإجرام رغم أن هذا غير صحيح... نفس الشيء عندما تذهب للبحث عن عمل في مصنع... فصاحب المصنع يحتقرك ويرفض تشغيلك عندما يعرف أنك من حي العقاربة... هنالك أفكار مسبقة تاحق أبناء الحي... فحتى السرقات التي تحدث في أحياء أخرى يقولون أن أبناء حي العقاربة هم الذين قاموا بها... إنهم يلصقون بنا كل شيء سيئ.» يتشكل على هذا الأساس إحساس بالخيبة والإحباط، وهو إحساس يحدد العاقة بالواقع؛ فكما يرى ألفرِد شوتس، فإن الفاعلين لاجتماعين يقومون أيضًا، وعلى غرار علماء لاجتماع، ببناء معارفهم حول الواقع ليؤوّلوه انطاقًا من «مخزونات معارف»، بل إنهم ينمذجونه لغايات عملية، فليس ثمة

«واقع» في حالة خام، كما يقول شوتس، بل إن الحقيقة لاجتماعية هي في الأصل بناء اجتماعي، وعلى هذا الأساس تصبح دراسة تمثات متساكني الأحياء الشعبية حول ذواتهم وحول واقعهم أحد المداخل الرئيسية لفهم حقيقة الامساواة. يتجلى هذا الأمر في سياق البحث الذي قمنا به من خال الوصف الذي يعطيه المستجوبون لواقعهم؛ إذ يرون أنه «واقع بائس»، حيث لا يترددون في تعبئة القاموس الجنسي التونسي للتعبير عن احتجاجهم ضد ما يعتبرونه نوعًا من التهميش والامساواة السائدة، وهو ما يؤكد حقيقة أن «أيديولوجيا المهمشين»

تتراوح دائمًا بين «الشتيمة» والأشكال «الثورية الرثة»؛ إذ إنهم يعيشون وضعية مفارقة، كما ياحظ عال مِ

لاجتماع الإيراني فرهاد خوروسخفار، «فهم [من جهة] غير مستغَلين من مجموعة أو طبقة، وهُم من

جهة أخرى لا يستطيعون إقامة مبدأ تعارضي يمكّنهم من [تحقيق] مبدأ تنافسي يموقعون من خاله هويتهم». لهذا، فهُم لا يجدون غير تسميات عامة وغير محددة بدقة من قبيل مجتمع «الناس العايشة». كما أن غياب الخصم المحدد يؤدي بهؤلاء «المهمشين» إلى تحميل أنفسهم مسؤولية ما يعيشون أو البحث عن تبريرات دينية وأخاقية لتفسير وضعهم الخاص، في حين ينصرف آخرون إلى لانكفاء الهوياتي على الذات من خال البحث عن ماذات بديلة تبدأ بمجموعة الرفاق بالنسبة إلى بعض الشبان، لتنتهي إلى الجماعات السلفية مرورًا بالسجن وتجربة لانحراف بالنسبة إلى

بعضهم الآخر.

(44) Alfred Schütz, Le Chercheur et le quotidien: Phénoménologie des sciences sociales , traduit par Anne Noschis- Gilliéron; postface et choix de textes par Kaj Noschis et Denys de Caprona; préface de Michel Maffesoli, méridiens klincksieck; 3 (Paris: Klincksieck, 2008). (45) Farhad Khoroskhavar, «Islam des jeunes musulman et exclusion,» (L’Observatoire des inégalités (website), 13 Septembre 2004).

أشكال المقاومة واقتصاد الاستمرار في العيش

لااقتصاد اللاشكلي أو الجري اليومي وراء الخبزة

بفعل البطالة وانسداد الأفق، يجد شباب حي العقاربة وسكانه أنفسهم فاعلين في لاقتصاد الاشكلي

بأصنافه المختلفة، بدءًا من التقاط أكياس الباستيك وصول إلى تجارة المخدرات، حيث نجد أنفسنا

في «بزار حضري» تتأكّل فيه الحدود بين الاشرعي الاشكلي والمحرم وبين العمل والبطالة، حيث ينخرط جزء كبير من النساء في العمل في «جمع الفضات الباستيكية» وبيعها لمصانع الرسكلة (إعادة التدوير) بأسعار تحددها تلك المصانع؛ إذ تنخرط النسوة في «عمل هش» من دون ضمانات تحميهن من لانعكاسات الصحية الناتجة من عملهن. وقد تحوّل جمع الفضات إلى مهنة عائلية غير

مهيكلة، ينخرط فيها، إلى جانب الأمهات، الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة بصورة مبكرة أو الذين

أُجبروا على لانقطاع المبكر وتحولوا إلى «عمال صغار» إلى جانب أمهاتهم، وهو ما يعني ظهور «اقتصاد لا شكلي» عائلي يستفيد من ضروب التضامن العائلي التقليدي، وهو تضامن تستفيد منه الدولة بدورها لتبرير انسحابها من المسألة لاجتماعية. بالإضافة إلى جمع الباستيك كنشاط يومي، نجد لانخراط في شبكات بيع «الخمر خلسة» والمخدرات، وهي أنشطة تراقبها الدولة، وتصمت عنها في الغالب بفعل التواطؤ بين السكان والسلطات الأمنية المحلية، حيث يتحول العمل البوليسي إلى جزء من الحياة الحضرية الهامشية التي يطور السكان إزاءها استراتيجيات تفاوُض كثيرًا ما تنتهي إلى

تواطؤ بين الطرفين. يؤكد حمزة المؤدب في هذا السياق أن الأنشطة المهنية الاشكلية، بوصفها «جريًا

وراء الخبزة»، تمك ن من لاندماج عبر الهامش، وتتيح للفاعلين التاعب بالقانون وخرقه، وهو ما يعني أن ثمة دينامية تحكم الهامش وتجعل من الفئات المهمشة فاعلً يجب أن يؤخذ بعين لاعتبار في فهم الصيرورات والتناقضات التي تخترق المجتمع التونسي الحالي؛ إذ يتحول بعض «المهربين» و«بائعي الخمور» إلى نموذج للنجاح، في الوقت الذي تتراجع فيه المدرسة وتتوقف عن أن تكون الطريق الأمثل لصعود السلم لاجتماعي. بهذا المعنى يصبح العمل الهش جزءًا من نسق تدبير الذات، وهو - بلغة السكان المستجوبين – «تدبير

للرأس». وتمكّن فرص العمل المؤقتة والهشة التي يحاول هؤلاء العاطلون من العمل «اقتناصها »، من إدارة الشأن اليومي وتمويل ممارساتهم لاستهاكية التي تتمحور حول «شراء الهواتف المحمولة والذكية» و«كراء سيارة» في آخر الأسبوع، وتنظيم لقاء غرامي وتحقيق نوع من لاستقالية الذاتية، وهو ما يؤدي إلى تشكل «فردانية ذرائعية» تنم عن أشكال إبداعية للتحايل على الصعوبات لاقتصادية من خال ما يمكن أن نعتبره «الترميق المهني» الذي يمزج في وقت واحد بين البطالة والهشاشة المهنية ولانحراف؛ إذ لاحظنا في أثناء البحث الميداني أن جزءًا من شبان الحي يتجه صباحًا إلى

(46) Hamza Meddeb, «Courir ou mourir: Course à el khobza et domination au quotidien dans la Tunisie de Ben Ali,» (Thèse de doctorat en science politique, Institut d’Etudes Politiques de Paris, 2012). (47) Vera da Silva Telles et Daniel Veloso Hirata, «Pratiques urbaines aux frontières incertaines entre illégal, informel, illicite,» dans: Robert Cabanes et Isabel Georges, São Paulo: La Ville d’en bas (Paris: L’Harmattan, 2009), p. 136. (48) Meddeb, «Courir ou mourir».

مركز مدينة صفاقس ومعهم الهواتف الجوالة التي يكونون قد سرقوها من ركاب الحافات العمومية، كي يبيعوها في أسواق المدينة العتيقة، ثم يعودون إلى «الحومة» للركون إلى المقهى، ليتحول بعض الشبان أحيانًا إلى «وسطاء للهواتف الجوالة» وأحيانًا أخرى إلى وسطاء لكل شيء، وبالتالي إلى فاعلين داخل نسق العاقات الحضرية. وبقدر ما تُعتبر هذه لاستراتيجيات التدبيرية أداة لإدارة الإكراهات التي يفرضها الإقصاء، فإنها تشكل من ناحية أخرى ممارسة «لاشكلية» تنتمي إلى ثقافة حضرية بصدد التشكل في الهوامش، وبعيدًا عن الرقابة الرسمية، وهي ثقافة استطاع جزء كبير من المهمشين والعاطلين من العمل بموجبها إعادة بناء شبكات عائقية. يقول أمين، وهو شاب يشتغل في بيع الخمر خلسة: «لم أختر بيع الخمر ولاشتغال في الممنوعات. لقد أجبرتني الظروف على ذلك... جربت السجن، وعندما غادرته لم أجد من سبيل للعمل سوى بيع الخمر خلسة، وذلك حتى أضمن لقمة العيش وأن لا أضطر لفعل أشياء قد تكون أخطر... الشرطة تداهمني عديد المرات... أحيانًا أدفع لهم فيصمتون ويغضون الطرف، ولكن أحيانًا أخرى، وبحسب الظروف، يقع إيقافي لأقضي شهرين في السجن... لقد صار الجميع يعرفني هنا... يأتونني من جميع الأحياء لشراء الخمر خلسة... لدي سمعة جيدة عند أولاد الحومة... لأنني أساعدهم أحيانًا وأمكنهم مجانًا من بعض قوارير الخمر... إنهم هم من يحمونني ويعْلمونني بقدوم سيارة الشرطة، وذلك حتى أتمكن من أخذ

احتياطاتي.»... إذًا، وبالمرور عبر لاقتصاد الاشكلي بوصفه اقتصادًا لتدبير الذات وإدارة الإكراهات البنيوية التي تخترق الحياة في حي شعبي، يتم لانتقال من «فردانية ذرائعية» إلى «فردانية استهاكية» تشكل معبرًا

لتحقيق مطلب لاعتراف لاجتماعي؛ إذ لا يشعر أغلب المتساكنين الذين استجوبناهم بأنهم يخوضون صراعًا طبقيًا بقدر ما يشعرون بأنهم «إزاء صراع مواقع» يشكّل عالم لاستهاك أحدها، الأمر الذي

يعني أن تجربة الإقصاء لاجتماعي ليست تجربة حتمية بل خاضعة لقدرة الفاعلين على التفاوض مع الواقع؛ فالعيش على هامش المدينة وهامش العمل الرسمي والمهيكل لا يعني الحرمان وإقصاء كاملً عن مجتمع لاستهاك، وهذا ما يؤكد فكرة محدودية «مفهوم الإقصاء» من حيث هو أداة للتحليل لاجتماعي. في هذا الصدد يؤكد كارزس S. Karsz)) هذه الفكرة بقوله: «هذه هي بالأحرى المفارقة، فالإقصاء يتعلق بأناس خارج المجتمع والذين يشكلون بالضرورة جزءًا منه، لكي تكون مقصى يجب

أن نكون في الداخل، فإذا لم نكن كذلك، فنحن لسنا مقصين لأن من يسمَّون المقصين هم داخل

المجتمع، إنهم يحاولون أن يعيشوا أو النجاة بأنفسهم على الأقل، إنهم يحاولون دائمًا تعبئة الموارد

الموجودة في المجتمع وتطوير استراتيجيات مختلفة»، بهذا المعنى، إن متساكني حي العقاربة هم بشكل أو بآخر داخل المجتمع وخارجه في الآن ذاته، ف لاستهاك يمك نهم من التموقع في جزء من الحياة لاجتماعية.

(49) Gaulejac, «De la souffrancae». (50) Saül Karsz, «L’Exclusion: Faux concept, vrai problème,» dans: Saül Karsz, dir., L’Exclusion, définir pour en finir , action sociale: Politiques et dispositifs (Paris: Dunod, 2007), p. 122.

إعادة تشكل الروابط الجماعاتية داخل الحي: القبائل الحضرية الجديدة

- مجموعات «الحيطست»: بقدر ما تعني تجربة التهميش، بما هي تجربة عدم لانخراط لاجتماعي، تأكّل الرابط لاجتماعي للفرد، فإنها تعني أيضًا القدرة على إعادة تشكيل روابط جديدة

تمكّن الفرد المقصى من البحث عن انتماءات جديدة، وضروب مبتكرة من التضامن يعتمدها ملجأً شخصيًا لمواجهة تهاوي ضروب التضامن التقليدي. في هذا الصدد، يتيح المجال الحضري إمكان

تشكيل مجموعات انتماء شعورية، بلغة ماكس فيبر، ويتمظهر هذا الأمر من خال مجموعات «الحيطست» التي تتخذ من جدران الحي مكانًا لمراقبة المارة فتسند ظهورها إليها وتتماهى معها.

وتمثل المجموعات «الحيطية» ملجأ لبعض العاطلين من العمل الذين تبيّن لنا من خال المقابات

التي أجريناها معهم أنهم يعانون الوحدة وتحلُّل الروابط لاجتماعية التي تصلهم بالنطاق العائلي والجيران والأقارب ليكون لانتماء إلى مجموعات الرفاق نتيجة حاجات فردية تتعلق بالبحث عن لانتماء وتحقيق لاعتراف. ويهيكل الطريق الحياة اليومية للمجموعات «الحيطية» التي تحولها إلى إفضاء إلى مجتمعية جديدة تفلت من الرقابة والتحديدات لاجتماعية؛ فالشارع هو بالنسبة إلى الشبان العاطلين من العمل «مكان عبور وهروب»، حيث يستطيعون ممارسة نوع من السلطة على أنفسهم وعلى محيطهم. كما أن الطريق هو أيضًا أحد فضاءات التنشئة والرغبات والتجدد؛ إنه فضاء لاعتراف والتضامن بين مجموعات الرفاق التي تمرر في إطارها جملة من القيم والمعايير والسلوكيات؛ فغياب هوية مهنية ثابتة للشبان العاطلين من العمل في حي العقاربة يشكل منفذًا لبروز هويات ميكرو جماعية يفلتون عبرها من عاقات الهيمنة القائمة الموجودة داخل النطاق العائلي، ونطاق عالم الراشدين بشكل عام. يتمظهر امتاك مجموعات العاطلين من العمل الفضاء العام عادة في سلوكيات عنفية وانحرافات صغيرة غالبًا ما تتجه ضد الفضاء العمومي ذاته، ومن ذلك – مثلً - تعمّد بعض الشبان قلع الأشجار

المغروسة على جانب الطريق، وتكسير اللوحات الإشهارية والبلورية، والعبث بكراسي محطات حافات النقل العمومي. نكون بهذا إزاء نوع من «العنف المجاني» بحسب بعبارة فرانسوا دوبيه، وهو عنف يمارسه هؤلاء الشبان لسبب ما أو با سبب، ويهدفون على نحو غير واع في غالب الأحيان إلى ترك «إمضاءاتهم»

(((5 «الحيطست» عبارة استُعملت في فترة الثمانينيات في الجزائر لتوصيف الشبان العاطلين من العمل الذين يمضون كامل يومهم

يسندون ظهورهم إلى حيطان المدينة، ويراقبون المارة طوال الوقت، وهم يعيشون في الأحياء الشعبية المحيطة بالمدن مثل الحي الشهير «باب الوادي.»

(52) Max Weber, Economie et société, tome 1: Les Catégories de la sociologie , traduit de l’allemand par Julien Freund [et al.]; sous la direction de Jacques Chavy et d’Eric de Dampierre, Agora. Les Classiques; 171 (Paris: Pocket, 2003). (53) Richard Morin et Michel Rochefort, «Quartier et lien social: Des pratiques individuelles à l’action collective,» Lien social et Politiques , no. 39 (Printemps 1998), p. 104. (54) François Dubet, La Galère, jeunes en survie , points actuels; 136 (Paris: Seuil, 1984).

على الفضاء العام في ما يشبه الرغبة في لفت لانتباه وتأكيد الحضور بشكل رمزي، لتخفي تلك السلوكيات أيضًا مضمونًا احتجاجيًا ضد الفضاء العام، وهُم الذين يواجهون لاحتقار لاجتماعي

بصورة يومية. ولا يتحرك هؤلاء «الحيطست» ضمن حركة اجتماعية منظمة، بل انطاقًا من عفوية ذاتيات فردية وجماعية مجروحة يطالبون عبرها ب لاحترام والكرامة اللذين يشعرون بأنهم يفتقدونهما في خصم تجربة البطالة والهشاشة لاجتماعية. يقول علي (18 سنة، عاطل من العمل): «ليس لنا إلا الشارع ولاتكاء على الحيوط... ما الذي نفعله ونحن لا نستطيع أن نجد عمل مائمًا... وحتى

وإن وجدنا عملً، فهو عادة ما يكون بمثابة لاستغال... نجتمع هنا في مدخل الحي كل مساء لنقتل الوقت قبل أن يقتلنا... أحيانًا يجرنا الملل إلى أن نفعل أشياء سيئة كأن نكتب على الحيوط أي شيء وأن نكسر زجاج الحافات وأن نستهلك الحبوب التي تباع هنا بكثرة... إنها أشياء خاطئة ولكن الجميع يحتقرنا وينظر إلينا باشمئزاز كبير. لهذا يجد الكثير من أبناء الحومة أنفسهم في حالة نقمة على وضعهم البائس وعلى المجتمع وعلى الدولة.» - فن الشارع: إن الحضور المرئي للفئات الشبابية المهمَّشة في الفضاءات العمومية المحاذية لحي

العقاربة لا يقتصر على السلوكيات العنيفة، بل يتخذ في غالب الأحيان أيضًا شكل ممارسات إبداعية تتمظهر في فن الشارع، وبشكل خاص «فن الغرافيتي» الذي ينتمي إلى ثقافة الشارع التي تساعد الشباب العاطل من العمل على التموقع وصوغ هوية مقاومة داخل دينامية النسيج الحضري. وقد تعززت الأشكال الفنية التعبيرية في الفضاء الحضري بعد ثورة 14 كانون الثاني/ يناير ليتحول بعضها إلى حركات احتجاجية تدين «معامات البوليس السيئة»، وغياب العدالة لاجتماعية، وفساد السياسيين. وتشي ثقافة الشارع المنتشرة في الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن التونسية بالقدرة الإبداعية لتلك الفئات، حيث يبرز أن في مقدورها التعبير عن نفسها ولفت لانتباه إليها، ويعني هذا الأمر أننا إزاء مقاومة ثقافية داخل «الأحياء الفقيرة»، وهو ما يساهم في بناء موقع لفعل جماعي نضالي يعاش في غالب الأحيان وفق شكل شخصي، الأمر الذي يسهل إظهار المشاعر حيال الامساواة وغياب العدالة؛ فبالنسبة إلى شأن الأحياء الشعبية، يشكل «الخطاب الحضري» عبر فن الشارع إمكانية إعطاء معنى لتجربة الإقصاء لاجتماعي، والعثور على بدائل ممكنة تعوض العنف المجاني، ذلك أن فن الشارع يمكّن من تكوين وعي أكثر تسييسًا، الأمر الذي يتيح إمكان أخذ مسافة إزاء السلوكيات

العدمية والمسارات المنحرفة. على هذا الأساس، يمكن أن ناحظ وجود شبه وعي اجتماعي وسياسي للهيمنة المعيشة، حتى وإن كنا نجد صعوبة في الحديث عن وجود «وعي طبقي» لدى الشبان الذين يمارسون فن الشارع، بل إننا

إزاء تمثات متجانسة للعاقات لاجتماعية، تحمل أشكالً معارضة وتعبئة نشطة ضد تجربة الإقصاء، من دون أن يعني هذا البتة أن فن الشارع، بوصفه تعبيرًا احتجاجيًا، قد تحول إلى حركة اجتماعية، بل

إنه في سياق تجربة شباب حي العقاربة، وفي سياق الأحياء الشعبية التونسية، ظل حركة جنينية يسهل

(55) Manuel Boucher et Alain Vulbeau, dirs., Emergences culturelles et jeunesse populaire: Turbulences ou médiations?, débats jeunesses (Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2003).

في كل مرة استيعابها من طرف المؤسسات الرسمية والأحزاب السياسية. يقول أحمد (18 سنة، تلميذ): «أنا مغرم بالراب منذ عمري 13 عشر سنة. لدينا مجموعة هنا في الحي ولكنها محدودة العدد. نلتقي كل مساء لنكتب الكلمات و نوزع أدوار تأديتها...كل الأغاني التي نؤديها تتعلق بالحديث عن الفقر والمعاناة والسياسيين الذين لم يحققوا للشعب أي شيء قبل الثورة و بعدها... نتحدث عن معاناتنا اليوم... نتحدث عن الحي وعن الحب وعن كل شيء، ولكن المشكلة أن لا أحد يريد أن يستمع إلينا ولا نجد أين نسجل أغانينا... إنهم يحتقروننا لأننا أبناء حي شعبي فقير.» - الانطواء المجالي واتخاذ الحي هوية لتعريف الذات: لدى شبان حي العقاربة الذين أجرينا معهم مقابات شعور مختلط إزاء حيهم؛ فهو بالنسبة إليهم «غيتو» يجدون فيه أنفسهم محاصرين داخله با آفاق مهنية، الأمر الذي يجعله فضاء لانغاق والتواري؛ فهم لا يغادرونه إلا لمامًا، وفي مجموعات

صغيرة. وحين يكونون في مركز المدينة، يغدون موضوع شك أصحاب الفضاءات التجارية الكبرى، ورجال الشرطة الذين يدققون في وثائق هوياتهم الرسمية ويتعاملون معهم بقسوة. لهذا، فإن لانكفاء إلى الحي ولانطواء داخله عامة على عدم القدرة على التمكن من ولوج المجتمع بشكل كامل فيراه الشبان الذين تحدثنا إليهم أنه مجتمع عدائي. يقول حسان (23 سنة، عاطل من العمل): «إننا لا نغادر الحي إلى وسط المدينة إلا ليلة العيد أو في مرات نادرة وقليلة. أما بقية الأيام، فنجتمع هنا في مقهى الحي أو تحت حائط المولد الكهربائي، نتبادل النكات والحكايات عن الفتيات والجنس، ونتقاسم السجائر، ونشاهد الأشخاص المارين والسيارات... أنا مثا أستفيق من النوم على الساعة العاشرة... أتجه مباشرة إلى المقهى أو معهد الحي لألتقي بصديقتي هناك...». ويضيف سامي (22 سنة): «إنني لا أريد الذهاب بعيدًا خارج الحي لأن الشرطة دائمًا تاحق من تعتبر أنهم

منحرفون ولصوص... إنهم بمجرد أن ينظروا إلى مامح وجهك يعرفون أنك تسكن في حي شعبي، فيطلبون منك بطاقة الهوية ويبدأون في استنطاقك بعنف، وإذا حاولت الدفاع عن نفسك فمصيرك الإيقاف والتهم الملفقة والصفعات العنيفة على الوجه... البوليس في تونس ظالم ويكره أبناء الأحياء الشعبية.» لكن في المقابل، يتحول الحي إلى بديل العزلة لاجتماعية التي يعيشها الشبان العاطلون من العمل،

حيث يبدو مجالً ممكنًا لبناء روابط إيجابية ثابتة إلى حد ما، وتحقيق نوع من الأمان النفسي؛ إذ

نجد أن ثمة ارتباطًا بالحي لدى المستجوَبين في خضم لانغاق والتواري اللذين يعيشونهما داخل

الحي، فبغضّ النظر عن درجة الوصم والصعوبات الشخصية، يعاش الحي بوصفه مكان «الجذور» و«الصداقات» و «العاقات العاطفية»، وكذلك شاهد على تاريخ فردي مندرج ضمن ما يسمّى «جماعة

التجربة» أو «جماعة المصير» بعبارة ميشيل مافيزولي، وهذا ما يجعل منه الفضاء الذي تتشكل عبره وحوله الهويات الجماعية. يمكن شبان حي العقاربة التماهي مع الحي بالتموقع داخل «المجتمع الكلي» وإقامة «حدية» بين «الهم» و«النحن». فمن خال الحي يتشكل لدى شبان الحي نوع من «النحن» السوسيومجالية التي

تمكّنهم من إعادة تركيب الموجهات الهوياتية المفتقدة في خضم تجربة الإقصاء لاجتماعي.

يقوم الشبان إذن بتحويل الحي إلى فضاء ملجأ وفضاء دفاعي، وأيضًا إلى مجال ضروري لترسيخ الوجود اليومي الذي يتشكل في خضمه حقل عاقات الصداقة التي تحفظ الهوية الفردية وتثبتها ضد جميع أشكال العنف الرمزي ولاجتماعي؛ ف لارتباط بالحي أو بالحومة في سياق عدم الثبات لاجتماعي يمكّن الشبان العاطلين من العمل من تطوير «وعي فخور» يرفض لاستبعاد الذي يتعرضون له، محوّلين لانتماء المجالي المشترك إلى رابط حميمي؛ فالتماهي بالحي الذي يُعَدّ موصومًا و«سيئ

السمعة» يتيح قلب الوصمة وتحويلها من عائق اجتماعي إلى مورد، ليتحول الحي بذلك من فضاء يمارس من خاله لاستبعاد لاجتماعي إلى فضاء يستشعر داخله المهمشون الحماية من خال لاشتغال المستمر على تحويله من فضاء عام إلى فضاء خاص، الأمر الذي يجعله «فضاء مفتك» ا يجري احتال بعض أزقته لتتحول إلى فضاءات للتنشئة الحضرية الهامشية. - أسلمة الحي وبروز الجماعات السلفية: يرى الباحث المغربي محمد الشرقاوي أن هنالك ثاثة أقطاب رئيسية داخل أي مجتمع، وهي: لاجتماعي والديني والدولة. والدولة في المجتمعات الحديثة تتكفل عادة بالقطب لاجتماعي، ولكن في لحظة تخلّيها عن ذلك، يتول ى القطب الديني الدور هذا. والمقصود بالديني جل الحركات التي تستند إلى مرجعية دينية لتبرير فعلها وحضورها في الفضاء العمومي. يتأكد هذا الأمر في حي العقاربة من خال الحضور الكثيف للمجموعات السلفية وجماعات الدعوة والتبليغ، وكذلك مظاهر التدين التي تبدو على بعض الشبان الذين كان قد سلكوا قبل تدينهم مسار لانحراف، بل وتجربة السجن؛ إذ يبدو استدعاء القيم الدينية دعامةً رمزية في غياب الدعامات الأخرى آلية من الآليات التي تمكّن من مقاومة الإقصاء لاجتماعي بوصفه تجربة تضعهم على «الهامش» وتسجنهم في «الامرئية لاجتماعية»، حيث يرى بعض الشبان العاطلين من العمل أن «البطالة قضاء و قدر»، ولا يخفي بعضهم نوعًا من «التدين» الصريح والمرئي (اللحية والقميص)، مع مواظبته على أداء الصاة في أوقاتها والإصرار على أن تكون في المسجد، ليَظهر الدين بهذا المعنى

قيمةً وملجأ وإطار انتماء، يمنح المعنى ويعيد لاعتبار إلى ذاتية مجروحة ومنزوعة الكرامة، وهو ما تعمل الحركة السلفية بشقيها العلمي والجهادي داخل الحي على تأكيده، حيث تستفيد المجموعات السلفية بشكل كبير من الإحساس بالظلم والمعاناة لدى شباب الحي، كما تستفيد من غياب الدولة عن الفضاءات المهمَّشة ومن تخلي الأحزاب السياسية والمجتمع المدني عن أدوارها التأطيرية لمصلحة

«الأدلجة الدينية للإحساس بالامساواة» وتحويلها إلى ممارسات وخطابات تستلهم مرجعياتها من النصوص الدينية، لتتشكل بذلك المجموعات السلفية بوصفها إطارًا للممارسة السياسية على هامش الدولة والمؤسسات، مثلما ترى الباحثة ألفة لملوم، حيث تمنح تلك المجموعات الفئات الشبابية المنخرطة فيها أطرًا للفعل الجماعي وإمكانات لمقارعة «المجتمع» و«الدولة» في الآن ذاته بوصفهما

(((5 قيلت هذه الفكرة في إطار محاضرة ألقاها محمد الشرقاوي في إفتتاح المؤتمر التاسع عشر للجمعية العالمية لعلماء الإجتماع الناطقين باللغة الفرنسية الرباط -2 4 تموز/ يوليو.2012

(57) Olfa Lamloum, «La Politique à la marge de l’Etat et des institutions,» dans: Lamloum et Ben Zina, dirs., p. 115.

مصدر «الفساد» و«الظلم» و«إهدار الكرامة». يقول نزار (27 سنة، عامل يومي وينشط في مجموعة سلفية) إن «سبب الفساد في المجتمع ناتج من عدم تطبيق الشريعة والعودة إلى الدين. لو نطبق ذلك ونحكم شرع الله، سينتهي الظلم والفساد والسرقة وكل شيء غير سليم...أنا شخصيًا أجاهد مع

الإخوة من أجل تحقيق هذا... إننا نجاهد عبر النصيحة والموعظة وتذكير الناس بضرورة لالتزام بشرع الله... لقد قمنا بهداية الكثير من شبان الحي ومن شبان أحياء أخرى أيضًا عبر إرجاعهم إلى طريق الله بدل الفساد الذين كانوا يعيشون فيه... أنا شخصيًا كنت مثلهم... كنت أعيش حياة المتعة

والفساد، والآن لقد هداني الله صرت أصلي لم أنقطع عن الصاة يومًا واحدًا أحظى باحترام كبير من

الإخوة و من أبناء الحي.» لكن ما يجب الإشارة إليه في المقابل هو أن هذا التدين الذي يتجه إليه بعض الشبان العاطلين من العمل ليس بمعزل عن ثقافة شبابية تتحول، في خضم «القلق» و «التوتر» و«الشعور بعدم الأمان» إزاء المستقبل، إلى قضية هوية ذاتية، تبحث عن معانيها بصفة فردية، ويُقصد بالهوية الفردية، كما يحددها

كاستال، «نتاج عمل هوياتي يستند إلى خاصتين هما: إعطاء معنى للأنا والقدرة التعبيرية عنها عبر مختلف الأفعال والسلوكيات التي تتجلى في عامات هوية صريحة». على هذا الأساس، فإن التدين لدى هؤلاء الشبان «المحبَطين» سلوك ومسألة شخصية تتقاطع أحيانًا مع مقولات الإسامية

الراديكالية لاحتجاجية. كما أن الرغبة الملحة في تحقيق لاعتراف لاجتماعي والخروج من حالة عدم لاعتبارية لاجتماعية التي يعيشها أغلب شبان الحي وتُعَدّ بمثابة الوجود الممحو، هي أحد

الدوافع إلى استثمار الديني واجهةً رمزية وإطارًا احتجاجيًا. هذا الميل إلى تجسيد الهوية الذاتية، بل والجماعية أحيانًا، من خال الديني، راجع أيضًا إلى غياب الأطر المؤسساتية، التي تتكفل بتطلعات الشبان العاطلين من العمل ومتساكني الأحياء الفقيرة من خال مساعدتهم على إعادة لاعتبار إلى ذواتهم عبر بناء مشروع حياتي وتشكيل هوية؛ مشروع يغيب فيه داخل حي العقاربة التأطير الجمعياتي والحزبي، ويغيب أيضًا جميع أشكال التدخل لاجتماعي بقرب هؤلاء العاطلين من العمل والمعرضين لمخاطر شتى (مثل المخدرات والعنف الموجه نحو الذات... إلخ). كما أن حضور الدولة أمني في الغالب، وديني أحيانًا عبر ترخيصها بناء مساجد، في مقابل غيابها على المستويين الثقافي ولاجتماعي. وقد أدى هذا «الغياب» للدولة لاجتماعية إلى تشكّل ما يمكن تسميته بالفجوات الحضرية، حيث تبين لنا من خال المعاينات الميدانية داخل حي العقاربة أن في ظل الغياب المزدوج للدولة والمجتمع المدني يعم «الاشكلي» و«المرئي» على جميع المستويات، من ذلك مثل حضور «الوعاظ الدينين» كجماعة الدعوة والتبليغ وجماعة السلفية العلمية والجهادية، حيث يتجه هؤلاء الفاعلون الاشكليون من خال خطاب ديني مغرق في التبسيط إلى فئات شبابية محبطة تعاني «الفراغ» وتفتقد موجهات هوياتية، ولديها «القابلية النفسية» للتماهي مع خطاب الوعاظ الحضريين الجدد.

(58) Manuel Castells, Le Pouvoir de l’identité , trad. de l’anglais par Paul Chemla, l’ère de l’information; 2 (Paris: Fayard, 1999), p. 116.

خاتمة

تصل بنا استنتاجات هذا البحث إلى تقاطعات مع البحث المنجز تحت إشراف الباحثين محمد علي بن زينة و ألفة لملوم بشأن شباب حيي التضامن ودوار هيشر اللذين يقعان على الأطراف الحضرية لتونس العاصمة، ويشكان تجمعات ديموغرافية كبرى مثّلت ولا تزال تمثّل منذ ظهورها في سبعينيات القرن الماضي «هاجسًا» و«قلقًا» للسياسات العمومية التي ما زالت تقارب الهامش

الحضري من زاوية أمنوية تهدف إلى كبح جماح «التوترات» لاجتماعية التي قد تنفجر بين حين وآخر. لكن بعد انفتاح المجال العمومي في عقب ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011، لم يعد من الممكن تجاهل المسألة لاجتماعية في الفضاءات الحضرية الهامشية، ولا غضّ النظر عما تعيشه الفئات الشبابية الشعبية من «مشكات» تتعلق بالتشغيل والمشاركة السياسية والمدنية ومسائل الهوية ولانتماء والجنسانية واستهاك المخدرات... إلخ، حيث صار المعيش اليومي للفئات الشبابية في الأحياء الشعبية المتسم بتجربة «المعاناة» و«المكابدة» و«الألم» منتجًا تعبيرات كثيرة، لعل من بينها

العنف وفنون الشارع المختلفة ولانخراط في الحركات الجهادية المعولمة، الأمر الذي يمثّل مؤشرًا

إلى تحولات عميقة تعتمل في رحم المجتمع التونسي المعاصر وتفترض مزيدًا من الدراسة والتحليل

من قِبل الباحثين لاجتماعيين، وتغييرًا جذريًا في السياسات العمومية المتعلقة بالمسائل الحضرية

ولاجتماعية والشبابية. من جهة أخرى، يبدو أن الأحياء الشعبية في تونس، وبفعل السياسات لاقتصادية المعتمدة على مدى عشريات من الزمن، تسير في اتجاه لانقطاع عن المدينة لتتحول إلى «غيتوات حضرية»، لها معاييرها ونظمها الخاصة، وهو ما يعني أنها فضاءات «ملجأ» لمتساكنيها، وفضاء ل«الحماية» من الخارج ومن الإذلال والفشل المتكرر، خاصة بعد انسحاب الدولة ولاكتفاء بالحضور في حدها الأدنى. في هذا الإطار تحديدًا، يمنح العيش في الأحياء الفقيرة المتساكنين المتروكين لحسابهم موارد «اقتصاد لاستمرار في العيش» عبر الممارسات الاشكلية، وهو ما يصنع أطرًا تصبح فيه كرامة كل

فرد هناك معترفًا بها؛ ذلك أن رهان هؤلاء المتساكنين هو لاعتراف بمعناه القيمي، حيث ينطوون على ذواتهم وعلى العائلة ومجموعة الرفاق، وهو انطواء مردّه إلى العنف الرمزي الذي يمارسه «العالم

الخارجي»، أي عالم لاستهاك وعالم العمل، وهما عالمان يشعر شباب الأحياء الشعبية الفقيرة أنهم على هامشهما، وهو ما يول د لديهم إحباطات وعنفًا وعدائية ضد المجتمع بأكمله من خال «القبليات الجديدة» الممثَّلة بشكل خاص بالجماعات الدينية الجهادية الجديدة التي تحاول أن تقدم نفسها بديلً تضامنيًا جديدًا من تأكّل التضامنات التقليدية والرسمية. في هذا الصدد، تجد الدولة نفسها إزاء مشكات «فجوات» و«فراغات اجتماعية» عجزت سياساتها «الإسعافية» و«الإطفائية» عن حلها. وتطرح الأحياء الشعبية تحديًا محوريًا أمام الفكرة الديمقراطية

المنبثقة حديثًا في السياق التونسي بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011؛ ذلك أن حل المسألة لاجتماعية

(59) Lamloum et Ben Zina, dirs., Les Jeunes de Douar Hicher.

الفجوات بين الفئات لاجتماعية.

المصادر والمراجع

العربية

كانون الثاني/ يناير.2015

دار محمد علي للنشر، ٩٠٠٢.

العريس ومخايل خوري. بيروت: دار الساقي،.1995

العربي: السنة 25، العدد 290، نيسان/ أبريل 2003، ص ٥٥ - ٤٧.

الأجنبية

يظهر بوصفه الشرط الرئيسي لانخراط الفئات الشبابية الفقيرة والمهمشة في الصيرورة الديمقراطية، وهو ما يستدعي اليوم إعادة التفكير مليًا في السياسات الحضرية من خال ربطها بالمسألة لاجتماعية

وبالفكرة الديمقراطية؛ فمستقبل الديمقراطية في تونس يبدو شديد لارتباط بمدى إدماج الأحياء الشعبية في النسيج الحضري، عبر سياسة ترتكز على قيمة «العدالة لاجتماعية» والتقليص من

References

بنعزيز، محمد. «سيدي مومن الجديد الخواء الثقافي ومخاطره على الشبيبة». السفير العربي 15:

الرقيق، فتحي.من مرونة العمل إلى مدينة المشاريع: مقاربة سوسيولوجية. صفاقس:

سكوت، جيمس. المقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم. ترجمة إبراهيم

قيرة، إسماعيل. «مجتمع التهميش.. إلى أين؟ مهمشو المدينة العربية نموذجًا». المستقبل

1. Avenel, Cyprien. Sociologie des «quartiers sensibles». Sous la direction de François de Singly. 3ème ed. Paris: A. Colin, 2010. (128. Sociologie, anthropologie. Domaines et approches) 2. Boltanski, Luc. «Passer des épreuves.» Projet: no. 289 , Novembre 2005. 3. ______ et Laurent Thévenot. De la justification: Les Economies de la grandeur. Paris: Gallimard, 1991. (NRF essais) 4. Boucher, Manuel et Alain Vulbeau (dirs.). Emergences culturelles et jeunesse populaire: Turbulences ou médiations?. Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2003. (Débats jeunesses) 5. Bourdieu, Pierre (dir.). La Misère du monde. Paris: Éd. du Seuil, 1993. (Libre examen. Documents) 6. Castel, Robert. «La Dynamique des processus de marginalisation: De la vulnérabilité à la disaffiliation.» Cahiers de recherche sociologique: no. 22, 1994.

7. ______. «Les Pièges de l’exclusion.» Lien social et Politiques: no. 34, Automne

8. Castells, Manuel. Le Pouvoir de l’identité. Trad. de l’anglais par Paul Chemla. Paris: Fayard, 1999. (l’Ere de l’information; 2) 9. ______. La Question urbaine. Paris: F. Maspero, 1972. (Textes à l’appui) 10. Certeau, Michel de. L’Invention du quotidien. Nouv. éd. Paris: Gallimard, 1990. (Collection Folio. Essais) 11. Chabbi, Morched. «Une nouvelle forme d’urbanisation à Tunis: L’habitat spontané péri-urbain.» (Thèse de Doctorat en Urbanisme et Aménagement, Université de Paris Val-de-Marne, IUP de Paris, Créteil, 1986). 12. Chiffoleau, Sylvia. Sociétés arabes en mouvement: Trois décennies de changements. Paris: L’Harmattan, 2012. (La Bibliothèque de l’Iremmo; 5) 13. Dubet, François. La Galère, jeunes en survie. Paris: Seuil, 1984. (Points actuels;

14. ______ et Didier Lapeyronnie. Les Quartiers d’exil. Paris: Éd. du Seuil, 1992. (L’Epreuve des faits) 15. Fassin, Didier. Des maux indicibles: Sociologie des lieux d’écoute. Avec la collab. de Pierre Aïach [et al.]. Paris: La Découverte, 2004. (Les Métiers du social) 16. Foucart, Jean. Sociologie de la souffrance. Bruxelles; [Paris]: De Boeck, 2003. (Ouvertures sociologiques) 17. Gaulejac, Vincent de. «De la souffrance du mal être.» Dans: Giust-Desprairies, Florence et Vincent de Gaulejac (dirs.). La Subjectivité à l’épreuve du social: Hommage à Jacqueline Barus-Michel. Paris: L’Harmattan, 2009. (Changement social) 18. ______. Qui est je?: Sociologie clinique du sujet. Paris: Éd. du Seuil, 2009. 19. ______ et Isabel Taboada Léonetti. La Lutte des places: Insertion et désinsertion. Avec la collab. de Frédéric Blondel et de Dominique-Marie Boullier. Marseille: Hommes et perspectives; Paris: Desclée de Brouwer, 1994. (Re-connaissances) 20. Hamzaoui, Salah. «Logements et conduites économiques.» Dans: Système urbain et développement au Maghreb: Travaux du séminaire international de Hammamet, 22-30 juin 1976. Organisé par le social science research council et le centre culturel international de Hammamet; préf. de Amal Rassam et Abdelkader Zghal, horizon maghrébin. Tunis: Cérès productions, 1980.

21. Honneth, Axel. La Lutte pour la reconnaissance. Trad. de l’allemand par Pierre Rusch. Paris: Les Éd. du Cerf, 2000. (Passages) 22. ______. La Société du mépris: vers une nouvelle théorie critique. Edition établie par Olivier Voirol; textes traduits par Olivier Voirol, Pierre Rusch et Alexandre Dupeyrix. Paris: Éd. la Découverte, 2006. (Armillaire) 23. Karsz, Saül. «L’Exclusion: Faux concept, vrai problème.» Dans: Karsz, Saül (dir.). L’Exclusion, définir pour en finir. Paris: Dunod, 2007. (Action sociale: Politiques et dispositifs) 24. Khoroskhavar, Farhad. «Islam des jeunes musulman et exclusion.» (L’Observatoire des inégalités, 13 Septembre 2004). 25. Lamloum, Olfa et Mohamed Ali Ben Zina (dirs.). Les Jeunes de Douar Hicher et d’Ettadhamen: Une enquête sociologique. Tunis: Arabesques, 2015. 26. Lapeyronnie, Didier. «L’Economie morale de la discrimination: La Morale des inégalités dans les banlieues populaires françaises.» Dans: Barrière, Anne [et al.]. Inégalités et justice sociale. Sous la direction de François Dubet. Paris: La Découverte, 2014. (Recherches) 27. ______. Ghetto urbain: Ségrégation, violence, pauvreté en France aujourd’hui. Avec Laurent Courtois. Paris: R. Laffont, 2008. (Le Monde comme il va) 28. Le Blanc, Guillaume. L’invisibilité sociale. Paris: Presses universitaires de France, 2009. (Pratiques théoriques) 29. Le Breton, David. «Conduites à risque des jeunes générations.» Vie sociale et traitements: nos. 49-50, Novembre-Décembre 1996. 30. Martucelli, Danilo. Forgé par l’épreuve: L’individu dans la France contemporaine. Paris: A. Colin, 2006. (Collection individu et société) 31. ______. Grammaires de l’individu. Paris: Gallimard, 2002. (Folio. Essais; 407) 32. ______. «La Sociologie aux temps de l’individu.» Revue Interrogation?: no. 5: L’Individualité, objet problématique des sciences humaines et sociales , Décembre 2007. sur le site: <www.revue-interrogation.org /la sociologie-au-temps-de l’individu>. 33. Mauger, Gérard. «Enquêter en milieu populaire.» Genèses: vol. 6, no. 1, Décembre

34. Meddeb, Hamza. «Courir ou mourir: Course à el khobza et domination au quotidien dans la Tunisie de Ben Ali.» (Thèse de doctorat en science politique, Institut d’Etudes Politiques de Paris, 2012).

35. Morin, Richard et Michel Rochefort. «Quartier et lien social: Des pratiques individuelles à l’action collective.» Lien social et Politiques: no. 39, Printemps

36. Nachi, Mohamed. Introduction à la sociologie pragmatique: Vers un nouveau style sociologique?. Préface de Luc Boltanski. Paris: A. Colin, 2006. (Collection cursus. Sociologie) 37. Otero, Marcelo et Dahlia Namian. «Grammaires sociales de la souffrance.»  Les Collectifs du Cirp , vol. 2, 2011. pp. 226-236. 38. Ricoeur, Paul. La Mémoire, l’histoire, l’oubli. Paris: Éd. du Seuil, 2000. (L’Ordre philosophique) 39. Rosanvallon, Pierre. La Nouvelle question sociale: Repenser l’Etat-providence. Paris: Ed. du Seuil, 1995. 40. Sebag, Paul. Tunis: Histoire d’une ville. Paris: L’Harmattan, 1998. (Histoire et perspectives méditerranéennes) 41. Stambouli, Fredj. «La Refondation de l’urbain et du social dans le Maghreb d’aujourd’hui.» Dans: Cattacin, Sandro et Agi Földhàzi (dirs.). A nouveau la ville ?: Un débat sur le retour de l’urbain. Geneva: University of Geneva, 2011. (Sociograph; no. 12) 42. ______. «Sous emploi et espace urbain des bidonvilles au Maghreb.» Revue tunisienne de sciences sociales: nos. 28-29, 1972. 43. Telles, Vera da Silva et Daniel Veloso Hirata. «Pratiques urbaines aux frontières incertaines entre illégal, informel, illicite.» Dans: Cabanes, Robert et Isabel Georges. São Paulo: La Ville d’en bas. Paris: L’Harmattan, 2009. 44. Touraine, Alain. La Fin des sociétés. Paris: Éd. du Seuil, 2013. (La Couleur des idées) 45. ______. Nous, sujets humains. Paris: Éd. du Seuil, 2015. (La Couleur des idées)