العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المهمات التنموية للدولة، والتحكم في السوق بالسياسة الصناعية

المهمات التنموية للدولة، والتحكم في السوق بالسياسة الصناعية

The State’s Development Tasks and Market Control via Industrial Policy

طاهر حمدي كنعان *

Taher H. Kanaan **

الملخّص

يستعرض هذا البحث رؤية الفكر الاقتصادي لدور الدولة حين تكون التنمية المستدامة هي محور الغايات التي تسعى السياسة الاقتصادية إلى بلوغها. يبين البحث أن آراء المفكرين الاقتصاديين، وكذلك السياسات التي اتبعتها الدول في هذا الشأن عبر العقود الماضية من القرن العشرين والقرن الحالي، كانت عرضة للتغيّر والمراوحة بين اتجاهات متناقضة. لكن دروس التجارب العملية التي خاضتها البلدان ذات الأداء الاقتصادي العالي، ولا سيما في شرق آسيا، انتهت إلى إثبات تهافت السياسات النيولبرالية التي سعت مؤسسات توافق واشنطن (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأميركية) إلى ترويجها في البلدان الطامحة إلى الإفلات من الحلقة الجهنمية للفقر والتخلف، وإلى ترجيح جدوى استبدال تلك السياسات بسياسات متوازنة للتحكم في السوق، ومعالجة مواطن الفشل في أدائه، وتحقيق التوزيع الأمثل للمهمات التنموية بين كل من الفضاءين العام والخاص وفضاء المشاركة بينهما.

Abstract

**  Senior researcher in Economics and Development.

الكلمات المفتاحية:
  • خصخصة
  • سياسات نيوليبرالية
  • تنمية مستدامة
  • نمور آسيوية
  • توافق واشنطن
Keywords:
  • Market Economy
  • Privatization
  • Neo-Liberal Policies
  • International Monetary Fund (IMF)
  • World Bank

ملخص: يستعرض هذا البحث رؤية الفكر لاقتصادي لدور الدولة حين تكون التنمية المستدامة هي محور الغايات التي تسعى السياسة لاقتصادية إلى بلوغها. يبين البحث أن آراء المفكرين لاقتصاديين، وكذلك السياسات التي اتبعتها الدول في هذا الشأن عبر العقود الماضية من القرن العشرين والقرن الحالي، كانت عرضة للتغيّر والمراوحة بين اتجاهات متناقضة. لكن دروس

التجارب العملية التي خاضتها البلدان ذات الأداء لاقتصادي العالي، ولا سيما في شرق آسيا، انتهت إلى إثبات تهافت السياسات النيولبرالية التي سعت مؤسسات توافق واشنطن (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأميركية) إلى ترويجها في البلدان الطامحة إلى الإفات من الحلقة الجهنمية للفقر والتخلف، وإلى ترجيح جدوى استبدال تلك السياسات بسياسات متوازنة للتحكم في السوق، ومعالجة مواطن الفشل في أدائه، وتحقيق التوزيع الأمثل للمهمات التنموية بين كل من الفضاءين العام والخاص وفضاء المشاركة بينهما.

Abstract: Kanaan reviews the vision that economic theory offers for the role of the state, whereby sustainable development defines the goals of economic policy. His paper shows how both the views of thinkers in the field of economics, and the economic policies pursued by states have been subject to change, and how over the past decades these have alternated between contradictory trends. It then examines how practical experience registered by high-performance economies, especially in East Asia, has proven the fallibility of neo-liberal policies. The basis of the Washington Consenus (the International Monetary Fund, the World

Bank, and the US Treasury Department) sought to promote, among countries aspiring to escape poverty and underdevelopment, a specific policy. In promoting the replacement of state policies with others more slanted toward control of the market, the Washington Consensus problematically strived to remedy deficiencies in market performance, through optimization of the distribution of development tasks to public and private sectors, and to the shared public-private domain.

كانت العقود الأولى من القرن العشرين قد شهدت صعودًا كبيرًا لدور الدولة في إدارة

لاقتصاد، بما في ذلك السيطرة الواسعة على المنشآت الإنتاجية من خال مبادرة الدولة إلى لاستثمار في تأسيس هذه المنشآت أو تأميم ما كان القطاع الخاص قد بادر إلى لاستثمار فيه. وقد تعاقبت عبر العقود المتوسطة من القرن العشرين ثاث موجات من انحياز السياسة لاقتصادية إلى أولوية دور الدولة في النشاط لاقتصادي. تمثلت الموجة الأولى في ردود الفعل على سقوط لاقتصاد العالمي في هوة «الكساد العظيم» سنة 1929. حينها، شهد كثير من البلدان الأوروبية عمليات تأميم واسعة طاولت المنشآت الإنتاجية، ولا سيما في القطاع الصناعي. وانطلقت الموجة الثانية بعد الحرب العالمية لثانية، حين شهدت أوروبا من جديد حركة تأميم واسعة في إطار إعمار ما خربته الحرب. أمّا الموجة الثالثة من توسّع لدور لاقتصادي للدولة في أوروبا، فحدثت في أعقاب الصدمة النفطية

بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، حين عمدت الحكومات الأوروبية إلى سياسة التأميم وسيلة لاستقرار لاقتصادي ورفع معدلات العمالة وإنقاذ المنشآت المهدَّدة ب لانهيار. استمرت السياسة لاقتصادية في الدول المتقدمة في إعطاء القطاع العام دورًا واسعًا في إدارة لاقتصاد

حتى بداية الثمانينيات، حين اصطدمت تلك السياسة بمتطلبات «العولمة» التي قوامها التنافس في الأسواق الدولية وما يقتضيه هذا التنافس من إتاحة حرية الحركة للقطاع الخاص؛ فعلى الرغم من أن النشاط الإنتاجي الواسع للقطاع العام ساهم بفعالية في لاستقرار لاقتصادي وفي التخفيف من المضاعفات لاجتماعية السلبية التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية، وفي إنجاز التكيّف مع عملية

إعادة الإعمار بسهولة ويسر، فإن عبء المعونات لاجتماعية التي أدمجت في أسعار سلع المنشآت العامة وخدماتها، انعكس سلبًا على إنتاجية هذه المنشآت وكفاءتها وقدرتها على المنافسة. وأصبحت

معالجة مشكلة الدعم الحكومي المتصاعد، وما تمخض عنه من مظاهر نقص الكفاءة في المنشآت العامة، على رأس أولويات السياسة لاقتصادية لمعظم البلدان الأوروبية. وشك ل هذا التطوّر الدافع

الأكبر لانبثاق سياسات الخصخصة، ولاشتداد زخمها في بداية تسعينيات القرن الماضي، وبالذات بعد

معاهدة ماستريخت التي أُبرمت بين دول لاتحاد الأوروبي سنة 1991. حينئذ ارتؤي أن إعادة الهيكلة

وإجراء الخصخصة على المنشآت الإنتاجية الحكومية هما من ضرورات التحديث لاقتصادي، فضلً عن فائدتهما في تحقيق عوائد للخزينة العامة تغنيها عن زيادة العبء الضريبي وتحمّل التكاليف

السياسية لهذا الإجراء. أمّا في البلدان التي هي خارج أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، فقد شهدت العقود منذ الحرب العالمية

الأولى الثورات لاشتراكية وتبنّي مناهج التخطيط لاقتصادي المركزي في دول أوروبا الشرقية وفي الصين. كما شهدت الحقبة منذ الحرب العالمية الثانية نشأة المجموعة الكبيرة من الدول الأقل نموًا في آسيا وأفريقيا وأميركا الاتينية التي عُرفت بدول العالم الثالث، ومعظمها من الدول التي

استقلت على التوالي بعد انهيار الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية وتفكُّك النظام الكولونيالي في العالم. سادت السياسةَ لاقتصادية في دول العالم الثالث الحديثة لاستقال خال العقود المتوسطة من القرن الماضي أفكارٌ ضعيفة الثقة باقتصاد السوق، منها ما أتى متأثرًا بالأفكار لاشتراكية والنجاح

لابتدائي الظاهر لاقتصادات التخطيط المركزي، ومنها ما أتى مع الفكر لاقتصادي الذي بات

يُعرف ب«اقتصاديات التنمية»، مستهد فًا تحقيق معدلات متفوقة من النمو لاقتصادي تضمن اللحاق

بمستويات المعيشة السائدة في الدول الصناعية المتقدمة؛ فقد بادر كثير من روّاد اقتصاديات التنمية

إلى دعوة البلدان الأقل نموًّا إلى سياسات اقتصادية تقوم على محاكاة الثورات الصناعية التي ارتكز

عليها تقدُّم البلدان الصناعية، وإلى تبنّي سياسات تتضمن دعم الصناعات الوطنية الناشئة بالحماية الجمركية لتمكينها من استبدال المستوردات، كما تتضمن مبادرة الدولة إلى تأسيس صناعات قائدة وحافزة لمضاعفة النشاط الإنتاجي. ما حدث هو أن عددًا محدودًا من البلدان الأقل نموًّا نجح في الوصول إلى عتبة «الإقاع» نحو المسار

الصاعد للتنمية المستدامة، وبالذات البلدان الشرق الآسيوية التي عُرفت اقتصاداتها ب« لاقتصادات ذات الأداء العالي» (High Performing Economies (HPEs))، في حين بقي عدد كبير من بلدان العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأميركا الاتينية في إسار الحلقة الجهنمية للتخلف، بل جنح كثير منها إلى التورط في سياسات مالية غير منضبطة وقائمة على محاولة التعايش مع مستويات من الإنفاق الحكومي تزيد كثيرًا عن الإيرادات العامة، وإلى تغطية العجز الناشئ في المالية العامة ب لاستدانة،

ولا سيما من أسواق المال الخارجية. مع استفحال مشكلة المديونية في البلدان المتورطة، تكرر لجوء هذه البلدان إلى المؤسسات المالية الدولية في واشنطن (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) في طلب المساعدة. وسرعان ما تبلورت لدى هاتين المؤسستين الدوليتين سياسة معيارية لمعالجة مشكلة العجز المالي والمديونية في أية دولة

تطلب المساعدة. وتضامنت وزارة الخزانة الأميركية مع هذه السياسة التي اصط لح على تسميتها توافق واشنطن (Washington Consensus). وكان أول من قام بصوغ هذا المصطلح الباحث لاقتصادي جون وليامسون سنة 1989 في ورقة بحثية بعنوان «ماذا تعني واشنطن بالإصاح لاقتصادي؟»، ضمّنها

عشر أدوات لإصاح السياسة لاقتصادية في بلدان العالم الثالث التي تعثّر فيها النموّ لاقتصادي

وغرقت في المديونية، خصوصًا بلدان أميركا الاتينية. وكانت «الخصخصة»، بمعنى تحويل ملكية و/أو إدارة المنشآت العامة إلى القطاع الخاص، واحدة من هذه الأدوات التي ركزت على الترويج لها مؤسسات واشنطن المذكورة، على الرغم من أن وليامسون نفسه حذّر من إساءة استخدام سياسة الخصخصة ومن انزلاقها إلى «عملية شديدة الفساد تنتهي بتحويل أصول الثروة العامة إلى نخبة من الخواص أصحاب لامتيازات مقابل جزء بسيط من القيمة الحقيقية لهذه الأصول»، مشيرًا إلى

ضرورة الحرص على أن تنشط المنشآت المخصخصة في أسواق تنافسية، أو أن تخضع لأنظمة من الرقابة الدقيقة. بحسب وليامسون، كان توافق واشنطن ردّ فعل على الدور القيادي الذي أ عطي للدولة في الحقبة السابقة، فناط بالدولة المبادرة إلى عملية التصنيع واستبدال المستوردات؛ ففي هذا الشأن، صرّح

توافق واشنطن بأن هذه الحقبة انتهت واستُبدلت بثاثة أفكار رئيسية: اقتصاد السوق، ولانفتاح على العالم، ولانضباط في سياسة لاقتصاد الكلي (الماكروي). في الفترة الاحقة منذ سنة 1990، جنحت توجهات مؤسسات توافق واشنطن إلى التطرف نحو «أصولية اقتصاد السوق» التي ترى أن قوى السوق كفيلة بحلّ معظم، إن لم يكن جميع، المشكات لاقتصادية التي تعانيها البلدان المأزومة، وهي توجهات حرص لاقتصادي وليامسون على النأي بنفسه عنها. وما حدث هو أن البلدان التي اتّبعت سياسات توافق واشنطن لم تحقق سوى نتائج متواضعة على صعيد النموّ لاقتصادي؛ ففي بلدان أميركا الاتينية على سبيل المثال، كان المتوسط

العام لمعدلات النموّ لاقتصادي خال التسعينيات نصف متوسط معدلات النموّ لاقتصادي في هذه

البلدان خال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات التي طُبقت فيها سياسات التصنيع بالإحال محل المستوردات. وحتى البلدان القليلة التي بدا فيها أن سياسات توافق واشنطن ساهمت في دفع

(((الأدوات العشر ل صإإاح هي: (1) لانضباط في المالية العامة، لمعالجة العجز المالي المتفاقم الذي يدخل البلد المأزوم في مشكات تضخّم الأسعار واختال ميزان المدفوعات الخارجية وتعميق الفقر لدى الطبقات الفقيرة؛ (2) إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، بالتركيز على أبواب الإنفاق الحافزة على النموّ لاقتصادي ومعالجة مشكات الفقراء، وبخفض المعونات غير المبرَّرة

وتوجيه أموالها إلى الخدمات الأساسية، من العناية الطبية والتعليم والبنى التحتية، مع مراعاة ألا يقع عبء لانضباط المالي على خفض الإنفاق بل على التوازن بين زيادة الإيرادات وخفض النفقات؛ (3) الإصاح الضريبي، بتوسيع قاعدة الضريبة مع زيادات معتدلة في معدلات الضرائب؛ (4) تحرير معدلات الفوائد على الإقراض، وهنا يبدي وليامسون الندم بسبب عدم توضيحه ضرورة عدم لاستعجال في وتيرة هذا التحرير لنسق التمويل، وضرورة إخضاع العملية للرقابة الحصيفة؛ (5) إقرار معدل الصرف للعملة الوطنية عند المستوى الذي يضمن القدرة التنافسية؛ (6) تحرير التجارة الخارجية؛ (7) تحرير دخول لاستثمار الأجنبي المباشر، وهنا يصرّ وليامسون على أن التحرير الكامل لحركة رؤوس الأموال (حساب رأس المال) لم يكن ضمن التوافق؛ (8) الخصخصة؛

(9) التخلص من الأنظمة المقيدة لحرية النشاط لاقتصادي deregulation))؛ (10) ضمان حقوق الملكية.

(2) John Williamson, «A Short History of the Washington Consensus,» in: Narcís Serra and Joseph E. Stiglitz, eds., The Washington Consensus Reconsidered: Towards a New Global Governance , Initiative for Policy Dialogue Series (Oxford; New York: Oxford University Press, 2008), chap. 4. (3) John Williamson, «Did the Washington Consensus Fail?,» (Outline of a Speech at the Center for Strategic and International Studies, Washington, DC, 2002).

نموها لاقتصادي، نجد أن هذا النموّ فيها كان مصحوبًا بفشل غير قليل في معالجة مشكات الفقر

فيها بصورة ناجعة. مقارنةً بالأداء التنموي المحدود لبلدان أميركا الاتينية، كانت بلدان شرق آسيا تحقق نجاحات مذهلة باتباع سياسات مختلفة تمامًا عن سياسات توافق واشنطن، من حيث قيام الحكومات بأدوار نشيطة

من أجل النهوض بصناعات معينة ذات آثار تحفيزية على النشاط لاقتصادي؛ ففي كوريا مثل، كانت الشركات الحكومية، مثل شركة الحديد والصلب الوطنية، منشآت رائدة لمعايير الكفاءة. وفي حين أن حكومات بلدان شرق آسيا حرصت على سياسة المحافظة على استقرار لاقتصاد الكلي، وهو ما يتسق مع وصايا توافق واشنطن، فإنها لم تستدرج إلى تطبيق الوصايا الأخرى من قبيل التسرع في سياسات تحرير التجارة أو تحرير أسواق رأس المال. بالتجاوب مع واقع تلك التجارب المقارنة، سجّل الفكر لاقتصادي منذ أواخر التسعينيات ارتدادًا

متزايدًا عن السياسة لاقتصادية التي روّج لها توافق واشنطن، والتي تتلخّص في الإيمان بقوّة حرّية

السوق والقطاع الخاص في تحريك لاقتصاد وتنميته، وإلزام الدولة أو القطاع العام بالتراجع إلى الحدّ الأدنى من التدخّل في النشاط لاقتصادي، والنأي بهذا القطاع عن شبهة اللجوء إلى منهج «التخطيط» للتنمية؛ إذ من شأن شبهة كهذه أن تودي ب لاقتصاد إلى مصير تعس كالذي حاق بدول لاتحاد السوفياتي السابق وغيرها من دول التخطيط المركزي. كان أحد روافد ذلك لارتداد هو النظرة المتفحصة التي أولاها عدد من الباحثين لاقتصاديين لما عُرف

ب«الأعجوبة التنموية لبلدان شرق آسيا». وتتلخّص استنتاجات هذه النظرة في ماحظة أن نجاح بلدان شرق آسيا في النموّ المتسارع للإنتاج والدخل، ولانخفاض الملموس في معدلات البطالة والفقر

والأُميّة، صاحبهما في كلٍّ من تلك البلدان قيام الحكومة بدور فعّال أكبر كثيرًا من الحدود التي كان

يتعين لالتزام بها بموجب سياسات توافق واشنطن. فلقد تجاوزت الحكومة في البلدان المذكورة هذه السياسات التي تنحصر أهدافها في تحقيق لاستقرار في لاقتصاد الكلّي، ومعالجة ما يعتريه من اخت لات قصيرة الأمد من قبيل ضبط العجز في المالية العامة وضبط معدل تضخم الأسعار وخفض المديونية، إلى سياسات تهدف إلى التنمية المستدامة عن طريق التدخل الحكومي في نشاط السوق والسعي إلى التحكّم فيه بالوسائل التي تحقق هذه التنمية، بما في ذلك إنشاء البنى المؤسسية في لاقتصاد وتقويتها أو إعادة تنظيمها بما يؤدي إلى رفع معدلات لادخار وتعديل أو تحوير نمط تخصيص الموارد ل غأأراض لاستثمارية المختلفة، وبما في ذلك أيضًا التدخل في نمط تخصيص الموارد بحيث يعكس اهتمامًا خاصًا ب لاستثمار في كلٍّ من البنى التحتية ورأس المال الإنساني

والتقدّم التكنولوجي. كانت عامة الطريق الرئيسية في ذلك لارتداد هي الدراسة التي أطلقها البنك الدولي سنة 1993 بعنوان «الأعجوبة الشرق الآسيوية». وكان البنك قد قرر إجراء هذه الدراسة نتيجة إصرار من اليابان

(4) Serra and Stiglitz, eds., Introduction, p. 4.

على أن يُولي عناية أكبر للتجربة التنموية في اليابان ودول أخرى في شرق آسيا؛ هذه التجربة التي

بدا من مامحها أنها تناقض مقاربة البنك الدولي للسياسات التنموية وتدحضها، ولا سيما في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، إبان صعود الأصولية النيوليبرالية. وعلى سبيل المثال، كانت اليابان تعتمد إخضاع السياسة التمويلية لاستراتيجيا أوسع ضمن ما عُرف ب«السياسة الصناعية»، مستهدفة في مجال التمويل لاهتمام بصناعات معيّنة اعتُبرت صناعات رائدة

للمستقبل، ودعمها بالقروض الميسّرة حتى تتغلب على العثرات التي يسببها فشل قوى السوق في

توفير الشروط والفرص الضرورية لنجاح هذه الصناعات. كان هذا النمط من السياسة التمويلية على تناقض صارخ مع عقيدة البنك الدولي المعارضة لأي نوع من التمييز لانتقائي في شروط التمويل، بما يخالف قوى العرض والطلب في السوق. وقد استجاب رئيس البنك في حينه لرغبة اليابان في دراسة التجربة التنموية لدول شرق آسيا، مُطلقًا

الدراسة المشار إليها بتكلفة بلغت 1.2 مليون دولار. سعت هذه الدراسة إلى تحليل نقدي للعوامل التي دفعت الأداء لاقتصادي في عدد من بلدان شرق آسيا نحو تحقيق وتائر نموّ عالية على مدى

العقود الثاثة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى أوائل التسعينيات، حين جرت الدراسة. بدأت ظاهرة هذا الأداء لاقتصادي المتميز في اليابان، وامتدت إلى «النمور الأربعة» وهي هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان، ثم عبرت إلى إندونيسيا وماليزيا وتاياند، وأخيرًا إلى الصين التي غدت

الدولة التاسعة في مجموعة البلدان التي أُطلق على اقتصاداتها مصطلح «اقتصادات الأداء العالي الآسيوية». إن نجاح هذه لاقتصادات في المحافظة على ذلك الأداء العالي في مسيرة التنمية على مدى أكثر من ثاثة عقود، يجعل اعتبار هذا النجاح ظاهرة عرضية أمرًا صعبًا، كما أن تشابه المقاربات

في السياسة التنموية في ما بينها يرجّح أن تشابهها في تحقيق مستويات عالية من الأداء ليس

محض مصادفة. خلصت الدراسة إلى أن ليس ثمة ما هو معجز حقيقة في الأداء التنموي المتميز لتلك البلدان، سوى أنها بذلت جهودًا ناجحة لتحقيق أحجام كبيرة من المقوّمات المعروفة للنموّ لاقتصادي المتمثلة

في حشد المدخرات واستثمارها في تكوين رأس المال المادي (المشاريع المنتجة) ورأس المال البشري (التربية والتعليم والقدرات التكنولوجية). وشملت سياساتها لاقتصادية - على وجه التحديد - العناصر التالية: • المحافظة الدؤوب على لاستقرار في لاقتصاد الكلّي، ولا سيما لجهة ضبط تضخم الأسعار، وتنافسية سعر الصرف للعمات الأجنبية؛ إذ من شأن استقرار لاقتصاد الكلّي أن يعلي ثقة المستثمرين الخواص بالنظام المصرفي ويشجعهم على استيراد التكنولوجيا المتقدمة من الخارج وتوطينها.

(5) Albert Fishlow [et al.], Miracle or Design?: Lessons from the East Asian Experience (Washington, DC: Overseas Development Council, 1994).

• لاستثمار الواسع والعميق من جانب القطاع العام في البنية التحتية لاجتماعية، ولا سيما في التربية والتعليم. وفي هذا المجال، زكّى البنك الدولي حزمة من السياسات تحت عنوان «النموّ التشاركي»

(shared growth) غرضها الوصول بخدمات التربية والتعليم إلى جميع المواطنين من مختلف فئات المجتمع، وتجاوز حصرها في نخب قليلة من شرائح المجتمع. • التركيز المُبكّر على الصناعة التصديرية باعتبارها القاطرة الرئيسية للنموّ. واشتملت مضامين هذا

التركيز على تطوير مهارات قوة العمل، ولارتقاء بإنتاجيتها، وتمكينها بالقدرات المعرفية وبأوثق الأساليب التكنولوجية. • أخيرًا وليس آخرًا، قيام الدولة بالتدخّل الحصيف في النشاط لاقتصادي من خال التطوير الهادف

إلى صناعات معيّنة اعتُبرت واعدة بمستقبل من النموّ المتميز والمجزي، ومنشئةً حجمًا كبيرًا من فرص

العمل، وعُرف هذا التدخل ب«السياسة الصناعية.» أمّا أدوات التدخّل الحكومي، فشملت إجراءات تتعلق بالتجارة والتبادل الخارجي، منها تقييد

المستوردات وضبط لاستثمار الأجنبي المباشر، ومنها التخصيص التفضيلي لكلٍّ من العمات الأجنبية والحوافز الضريبية والقروض الميسّرة، ولاستثناءات من قوانين مكافحة لاحتكار. اعتبرت الدّراسة أن سياسات التدخّل الحكومي تلك كانت ناجحة في تحقيق معدلات عالية من النمو،ّ

بخاف ما كان مُتوقعًا. كما أبدت قبولً محدودًا بوجاهة منطق المنادين بأهمية «السياسة الصناعية »

الهادفة إلى تحقيق معدلات عالية من النموّ، خافًا للسياسات التقليدية التي اعتاد البنك الدولي

التوصية بها والتي تعارض اللجوء إلى سياسات التدخل الهادف بدعوى أنها تشوّه وتعرقل فعالية قوى

السوق الضرورية لارتقاء بالنموّ لاقتصادي. لكن الدراسة أسهبت في الوقت ذاته في تأكيد أن من

الصعوبة بمكان المحافظة على تدخّل الدولة المتضمن في «السياسة الصناعية» ضمن حدود ما هو سليم وصائب. وبينت الدراسة بشكل لافت دور القيادات التكنوقراطية الكفوءة التي قادت الأداء لاقتصادي الرفيع في بلدان شمال شرق آسيا موضع الدراسة، وساهمت في إضفاء الشرعية على الأنظمة السياسية في هذه البلدان. وبينت أيضًا الظروف التاريخية والسياسية والثقافية الخاصة التي أتاحت نشوء مثل تلك القيادات. لكن الدراسة استدركت بأن الأثر التنموي في التنمية الصناعية بالذات كان محدودًا، كما أن تلك السياسات تميزت بالتاؤم بدقة مع ظروف البلدان الثمانية التي نجحت فيها. ومع صعوبة تكرار تلك الظروف في بلدان أخرى، يصعب افتراض أن اعتماد سياسات مماثلة في البلدان التي تفتقد مثل تلك الظروف يقود الى نجاح مماثل لما تحقق في البلدان الثمانية، وهذا ما يفسر فشل تلك السياسات عند التطبيق في بلدان أخرى تسود فيها ظروف مختلفة.

أولى عالم لاقتصاد جوزف ستيغلتز اهتمامًا خاصًا ل جإإابة عن التساؤل في ما إذا كان باستطاعة

البلدان النامية الأخرى إعادة إنتاج تجربة البلدان الثمانية في تطبيق مثل تلك السياسات، والحصول على نتائج مماثلة في إنجاز النمّو لاقتصادي السريع. وتوصل، في تحريه السياسات والعوامل

المشار إليها، إلى قائمة من العناصر المكوّنة لذلك الإنجاز، بما فيها المداخات الحكومية

التي ساهمت في ذلك. لكن التأكد من فعالية جانب أو آخر من المداخات الحكومية هو من الصعوبة بمكان؛ فحقيقة أن قطاعًا ما حظي بالدعم الحكومي فحقق نموًا سريعًا هي حقيقة غير

كافية لإثبات أن هذا النمّو ما كان ليتحقق لولا ذلك الدعم؛ إذ من المحتمل أن هذا النمّو السريع

يعود إلى أسباب أخرى ليس لها عاقة بالدعم الحكومي المذكور. ومن المرجح أن العناصر المكوّنة ل نإإجاز التنموي لا تكون مؤثرة كا على حدة، بل تصبح مؤثرة حين تجتمع في حزم من

السياسات يعزز بعضها البعض الآخر، ومنها خصوصًا حزمة السياسات التي تجمع بين تحقيق

معدلات ادخار عالية والوصول إلى مستويات رفيعة من تكوين رأس المال الإنساني، مع الحفاظ على بيئة مستقرة وصديقة لعوامل السوق، جنبًا إلى جنب مع تدخّل حكومي لدعم نقل التكنولوجيا

المتقدمة وتوطينها. إن لكلٍّ من بلدان «الأعجوبة الآسيوية» خصائصه الفريدة تاريخيًا وثقافيًا؛ فبعضها يغلب فيه التجانس

العرقي والثقافي بين السكان، وبعضها الآخر، مثل ماليزيا، تتنوع فيه الثقافات. لذلك، فالأرجح أن نجاحها التنموي لا يعود إلى خصائص فردية في كلٍّ منها، بل إلى عوامل مشتركة بينها. وقد شاع في وقت من الأوقات أن نجاح التنمية أو إحباطها في هذا البلد أو ذاك يعود إلى خصائص فريدة تميز هذا البلد أو ذاك! فعلى سبيل المثال، كان هناك انطباع أن البلدان التي ساد فيها تراث كونفوشيوس من قيم تقليدية حملت آثارًا سلبية لهذا التراث، فعرقلت نجاح التنمية فيها. لكن دراسة الحالات المختلفة

بعمق أكدت أن هناك عاما ثقافيًا واحدًا مشتركًا يؤثر في فرص التنمية في تلك البلدان، وهو درجة

تقدم التربية والتعليم فيها. بالإضافة إلى التحفظات المتعلقة بالتفسيرات «الثقافية» للأعجوبة الآسيوية، ثمة تحفظات أيضًا في ما يخص التفسيرات التي تعزو الظاهرة إلى حجم المدخات الضرورية للنمو لاقتصادي، وعلى رأسها مراكمة رأس المال المادي والبشري، والإنفاق على توطين التكنولوجيا (وتظهر الأعجوبة حين يتجاوز معدل النموّ المعدل الذي يمكن تفسيره بحجم هذه المدخات). فعلى سبيل المثال، يحاجج

كل من كروغمان ويونغ بأن النموّ الذي حققته سنغافورة يمكن تفسيره بالمستويات العالية من

الإنفاق لاستثماري، ولا سيما على التربية والتعليم. وفي حين تؤكد مثل هذه الدراسات أهمية تزايد

(6) Joseph E. Stiglitz, «Some Lessons from the East Asian Miracle,» World Bank Research Observer , vol. 11, no. 2 (August 1996). (7) Paul R. Krugman, «The Myth of Asia’s Miracle,» Foreign Affairs , vol. 73, no. 6 (November-December 1994), pp. 62-78. (8) Alwyn Young, «Lessons from the East Asian NICs: A Contrarian View,» (NBER Working Paper; no. 4482, National Bureau of Economic Research, Cambridge, MA, October 1993).

مراكمة رأس المال المادي والبشري في تفسير ظاهرة النموّ لاقتصادي السريع، فإنها تعتبر أن هذا غير

كاف لتفسير التحولّات التنموية الكبيرة التي تتجاوز في مداها المدى الذي يتناسب مع حجم تلك

المدخات من رأس المال المادي والبشري. من الأسئلة التي تبقى في حاجة إلى جواب هي: كيف أمكن معدلات لادخار أن ترتفع إلى هذه المستويات؟ المفهوم من التجارب التاريخية أن مستويات عالية من لادخار تحققت في البلدان الشيوعية عن طريق فرضها بقوة الإماء الحكومي، لكن كيف نفسر تحققها في بلدان لا تتيح أنظمتها مثل هذا الإماء القسري؟ هنا يمكن تعميم أن تحقُّق تلك النسب العالية من لادخار ولاستثمار غير ممكن إلا بوجود حكومة قوية تفرض ذلك فرضًا، بالعمل على جعل معدلات نموّ لاستهاك أقلّ من

معدلات نموّ الدخل. بعبارة أخرى، ما كان رفع معدلات لادخار، ولن يكون، ممكنًا من دون تدخّل

الحكومة وسياساتها المؤدية إلى حشد المدخرات. من الأسئلة الواردة أيضًا، وبقوة: - كيف أمكن المدخرات المتزايدة أن تجد طريقها إلى استثمارات كفوءة وناجحة في تكوين رأس المال المنتج؟ وهل مراكمة رأس المال بإضافة كمّ جديد من رأس المال إلى مثيله القديم تكفي

في حد ذاتها لتفسير النموّ لاستثنائي؟ - كيف أمكن البلدان الثمانية أن تجتاز فجوة تخلّفها التكنولوجي بتلك السرعة؟ إذ من المعروف أن التقدم التكنولوجي لا يتحقق بمجرد الإنفاق على استيراد التكنولوجيا، بل لا بد أن يتازم ذلك مع استثمار مباشر في تكوين رأس المال البشري بالتربية والتعليم، بحيث يخرج إلى النشاط لاقتصادي أعداد كبيرة من المهندسين الناجحين المؤهلين لفهم التكنولوجيا المتقدمة واستيعابها وتكييفها للحاجات الوطنية. من الافت بصورة خاصة في التجربة الشرق الآسيوية أنها تُبطل الوهم الشائع بأن النموّ السريع

المصاحب لتكوين رأس المال بالزخم المشار إليه لا بد أن يقود إلى تفاوت كبير في مشاركة المواطنين في عوائد التنمية، الأمر الذي يزيد في حدة الامساواة في الدخل والثروة في المجتمع. على النقيض من ذلك، هناك أدلة قوية على أن السياسات التي اتّبعتها الحكومات في البلدان الثمانية نجحت في تفادي تعمّق الامساواة في الدخل والثروة، بل ربما تجاوز نجاحها في ذلك إلى جعل المساواة عاملً

إضافيًا في تحقيق معدلات النموّ لاقتصادي العالية. أخيرًا، من الجدير بالتنويه دور لاستثمارات الأجنبية المباشرة في الأداء التنموي المتميز لبلدان

شرق آسيا؛ فلقد أحسنت هذه البلدان صنعًا بإتاحة المجال لاستقبال لاستثمارات الأجنبية المباشرة،

وبالحرص على خلق البيئة المحفزة على ذلك، مع التشديد على أن تتضمن تلك لاستثمارات نقلً ملموسًا للتكنولوجيا المتقدمة.

حرية السوق وضرورة التحكم فيها

قبل ظهور المعجزة الآسيوية، يمكن القول إن تيارين فكريين متعارضين سادا الفكر لاقتصادي الخاص بالسياسات التنموية: التيار الفكري الأوليرى أن قوى السوق الحرة تقود إلى الإنتاج لاقتصادي الكفوء كما لو كانت السوق يدًا خفية تسيّر هذه الكفاءة. وبموجب هذا النمط النظري (برادايم)، لا يترتب على السياسة

الحكومية سوى إزالة العوائق من أمام قوى السوق حتى تنشط بحرّية تجعل منظومة الأسعار ملتزمة

بالأسعار الصائبة التي تعكس حقيقة العرض والطلب، وتقود إلى تخصيص الموارد لاقتصادية على الوجه الأمثل. أمّا التيار الفكري الثاني، فيمثّل فكرًا بديلً ناتجًا من فشل السياسات المنبثقة عن الثقة المفرطة بقوى

السوق في تحقيق النموّ لاقتصادي، بالرغم من التزامها منظومة الأسعار الصحيحة؛ فلقد انبثق عن

واقع هذا الفشل وعن فقدان تلك الثقة التفكير في أن لا غنى عن التخطيط الحكومي لتخصيص الموارد لاقتصادية بصورة هادفة إلى التأثير في وتيرة النموّ لاقتصادي. وقد سادت لاتحادَ السوفياتي

والبلدان التي دارت في فلكه صيغةٌ متطرفة من هذا التفكير تمثّلت في اعتماد «التخطيط المركزي» للنشاط لاقتصادي. لكن هذه الصيغة انتهت إلى الفشل الذريع لكونها ضربًا من المستحيل، وهو

استبدال قرارات الحكومة المركزية في تخصيص الموارد بقوى السوق ومنظومة الأسعار المنبثقة عنها. إن التجارب العملية للبلدان الناجحة اقتصاديًا تعزو هذا النجاح في المقام الأول إلى ابتعاد هذه

البلدان عن المواقف العقائدية التي يقود إليها التطرف إلى جانب أي من التيارين الفكريين المذكورين، واعتمادها سياسات تعكس مزيجًا منهما يترك للدولة دورًا مهمًا في توجيه لاقتصاد، وهو ما يستدعي

السؤال عن ماهية هذا الدور على وجه التحديد، وكيف يجري تطبيقه للحصول على أفضل النتائج. جرى دحض المواقف العقائدية التي يقود إليها التطرف إلى جانب كلٍّ من التيارين الفكريين السالفي

الذكر بواقع التجربة العملية، كما جرى دحضها على مستوى النظرية لاقتصادية، حيث برهن عال ماِ لاقتصاد أرو وديبريو في سنة 1954 على أن قوى السوق لا تقود النشاط لاقتصادي إلى نتائج كفوءة إلا بتحقق عدد من الشروط الضرورية، منها أنه يتعين على النشاط لاقتصادي المعتمد على قوى السوق، لكي يقود إلى نتائج كفوءة، أن يكون خاليًا من آثار اقتصادية إيجابية أو سلبية خارجة عن

غاية النشاط الأساسية؛ فعلى سبيل المثال، يمكن قوى السوق، المتمثلة في أسعار تكلفة لاستثمار والإنتاج في مقابل أسعار بيع المنتوجات، أن تشير إلى جدوى كبيرة وأرباح مؤكَّدة لإقامة مصنع ما في منطقة ما. لكنْ ثمة آثار اقتصادية سلبية وأخرى إيجابية مترتبة على إقامة هذا المصنع: من الآثار

السلبية مثا تأثير المصنع في البيئة بما قد يُحْدثه من تلوث للهواء ولمصادر المياه... إلخ. ومن

الآثار الإيجابية كونه يعزز النشاط لاقتصادي في الموقع الذي يشاد فيه من مثل تشجيعه على إقامة

(9) Kenneth J. Arrow and Gerard Debreu, «Existence of an Equilibrium for a Competitive Economy,» Econometrica , vol. 22, no. 3 (July 1954).

مشاريع أخرى تزوده بالمدخات أو تستوعب مخرجاته الإنتاجية. بناء على ذلك، ربما تتسبب لاقتصاديات السلبية في القضاء على جدوى إقامة المشروع، أو على النقيض، ربما ترجح اقتصادياته الإيجابية وتضيف قيمة غير مباشرة إلى جدواه المباشرة. ومن الأنشطة التي من غير المتصور أن يعوّل

على قوى السوق في قيامها، تلك التي تُعرف بالسلع العامة، من بنى تحتية ومرافق عامة من قبيل ما تنشئه الدولة تلبية لحاجات المجتمع، لعلمها بعدم استعداد المواطنين للإنفاق المباشر من أجل الحصول على خدماتها. من أهم شروط نجاح قوى السوق ومنظومة الأسعار في التخصيص الكفوء للموارد حريةُ التنافس، وغياب لاحتكارات حتى تكون الأسعار عاكسًا أمينًا لواقع العرض والطلب من دون تشويه. وفي

غياب أيٍّ من الشروط المذكورة، تصبح السوق سوقًا فاشلة، الأمر الذي يستدعي تدخّل الدولة لمعالجة المضاعفات السلبية الناشئة عن غياب التنافس والتحكم لاحتكاري، وغير ذلك من نتائج فشل السوق. أصبح من المقبول بصفة عامة أن البلدان النامية التي نجحت في اللحاق بالبلدان الصناعية المتقدمة هي التي عمدت حكوماتها إلى توجيه عملية التغيير الهيكلي فيها بصورة هادفة إلى البحث عن أسواق جديدة، وتوجيه الموارد لاقتصادية إلى الأنشطة المرغوب فيها اجتماعيًا والواعدة تنمويًا. بل إن وقائع

التاريخ لاقتصادية تبيّن أن نجاح البلدان الصناعية المتقدمة ذاتها تَرافق مع ممارسات تدخّل قامت بها

حكوماتها، كما تدل على ذلك تجارب ألمانيا والولايات المتحدة واليابان، حيث تُماثل هذه التجارب الخبرة الحديثة لبلدان مثل كوريا وتايوان والصين. بالمقارنة، لا تدل الوقائع التاريخية على أن البلدان التي التزمت سياسات توافق واشنطن حققت مثل تلك الإنجازات، ولا سيما في مج لات التقدم التكنولوجي والنمو لاقتصادي وتقليل الفقر.

السياسة الصناعية

كان من نتائج الأزمة لاقتصادية العالمية التي وقعت في سنتي 2008 و 2009 أنها استدعت إعادة التفكير في عدد من المسلَّمات التي كوّنت «الحكمة التقليدية» في علم لاقتصاد في الحقبة السابقة.

من هذه المسلَّمات ما يتصل ب«السياسة الصناعية»، وهي المصطلح الذي جرى إطاقه على جملة السياسات الحكومية التي تستهدف التأثير في اقتصاد ما بقصد تنمية هذا لاقتصاد تنمية ناجحة على نحوٍ ما كان ليتحقق لو تُرك الأمر لقوى السوق من دون تدخّل الحكومة في تلك السياسات، ولا سيما منها المتعلقة بتخصيص الموارد لقطاعات بعينها أو لتشجيع تطبيقات تكنولوجية بعينها. وكان من نتائج الأزمة العالمية المذكورة أيضًا نشوء توافق واسع بين لاقتصاديين على أن قوى السوق ليست دائمًا بالكفاءة المرجوة، ولا يعوّل عليها بدرجة تُغْني عن التدخّل الحكومي لإنقاذ صناعات أو

منشآت إنتاجية حيوية من لانهيار الذي لو حدث لاستتبع انهيارات أوسع من تلك التي شهدتها الأزمة لاقتصادية العالمية السالفة الذكر. لذلك، تتوافق جمهرة لاقتصاديين في الوقت الحاضر على أهمية الدور الذي تؤديه السياسة الصناعية في درء المخاطر وجلب المنافع.

من الشواهد على أن التوافق الجديد المشار إليه بات ذا تأثير لافت في صانعي السياسة في الدول الكبرى، تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما في «خطاب لاتحاد» لسنة 2013 بأن الأولوية في سياسته هي «جعل أميركا قطبًا مغناطيسيًا جاذبًا للصناعة التحويلية وفرص العمل الجديدة»، وأن

بموجب هذه الأولوية جرى تأسيس «معهد لابتكار في الصناعة التحويلية» في مدينة يونغستاون في ولاية أوهايو. وأعلن باراك أيضًا إشهار «مراكز للمبادرات الصناعية» (Hubs Manufacturing) تجري فيها أنشطة تشاركية بين رجال الأعمال من جهة وإدارتي «الدفاع» و«الطاقة» الحكوميتين من جهة ثانية، من أجل تطوير أقاليم الولايات المتحدة التي أصابها التخلف بتأثير سلبيات العولمة، وتحويلها إلى مراكز للتكنولوجيا المتقدمة المولّدة فرص العمل. كما حثّ الرئيس أوباما الكونغرس على دعم إنشاء شبكة تضم 15 مركزًا من هذا القبيل، بهدف التأكد من أن ثورة صناعية جديدة مقبلة ستعيد لاعتبار إلى شعار «صُنع في أميركا!» وفي المملكة المتحدة، وعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بأن حكومته «ستتبنى استراتيجيا صناعية داعمة لمحركات النموّ للمستقبل.. لأن قوى السوق غير كافية لخلق القدرات الصناعية التي نحتاج

إليها في الأمد الطويل». وتعهد أيضًا بأن حكومته «سوف تتحرى قصص النجاح (للصناعات) البريطانية في الأسواق التجارية، وستقف خلفها بالدعم الصريح على أعلى المستويات.... وهذا في المج لات التي نحتاج فيها إلى مقاربات استراتيجية فاعلة، مستخدمين جميع روافع السياسة الحكومية – بدل لاكتفاء بردود الفعل على الأزمات بعد وقوعها، أو لانتظار لما سوف تمليه الأسواق»! وفي اليابان، عمد رئيس الوزراء شينزو آبي إلى إنشاء مؤسسة حكومية للسياسات لاقتصادية الجزئية (المايكروية) بعنوان «الإدارة المركزية لاستعادة الحيوية لاقتصادية»، تشتمل على مجلس لصوغ لاستراتيجيات التنموية التي تستهدف لارتقاء بالتنافسية الصناعية. وفي لاتحاد الأوروبي، حيث ربما أحدثت الأزمة لاقتصادية العالمية أعمق الأضرار لاقتصادية ولاجتماعية على الأمد الطويل، تقوم معظم الحكومات بإعادة تقييم سياساتها الصناعية، ساعية إلى التعلّم من الخبرات الناجحة التي اكتُسبت من خال تجربتي ألمانيا وفنلندا، ومتبنية مقاربات جديدة في السياسة الصناعية تشمل إجراءات شتى، مثل تكثيف الإعام للمستهلكين، والتركيز على وسائل لارتقاء بالكفاءة والتميّز الصناعي في قطاعات معينة، وتحديد القطاعات الجديرة بالدعم

مثل صناعات السيارات ووسائط النقل وإمداد الطاقة والكيماويات والغذاء... إلخ. وثمة حاليًا دائرة

مختصة في المفوضية الأوروبية مهمتها تقديم العون البشري والمالي لتصميم السياسات الصناعية والمساعدة في تنفيذها عبر دول المجموعة الأوروبية. وفي لاقتصادات الناشئة في الصين وروسيا والبرازيل والهند وإندونيسيا ونيجيريا، يحدب صانعو السياسة على تشجيع الأفكار الجديدة لشحذ فعالية السياسة الصناعية، وتعظيم أثرها في استدامة النمو

وتكثيف ولادة فرص العمل.

إن التعجيل بإنجاز تغييرات اقتصادية هيكلية لإحداث وحفز أنشطة تنافسية محقِّقة مستويات عالية من الإنتاجية، يتطلب تدخّل الحكومة في توجيه لاقتصاد وفق خطة مدروسة لتحقيق هذا الهدف. ولقد

اصطُلح على تسمية حزمة السياسات التي يتضمنها هذا التدخل بعبارة «السياسة الصناعية ». ولا تستوجب هذه التسمية بالضرورة أن تجري التغييرات لاقتصادية الهيكلية المشار إليها على القطاع الصناعي أو على نشاط الصناعة التحويلية؛ فكثيرًا ما يكون هدف السياسة الصناعية حفز قطاعات

أو أنشطة أخرى غير صناعية تكمن فيها إمكانات تنموية غير مستغلة. ومن الأمثلة على ذلك نشاط الصادرات الزراعية غير التقليدية، أو الخدمات السياحية الراقية، أو الخدمات التكنولوجية ذات القيمة المضافة العالية من قبيل تطوير البرمجيات الرفيعة. ووفق هذا التعريف الواسع، فإن «السياسة الصناعية» تشمل العمل على لارتقاء بتنافسية الأنشطة الإنتاجية القائمة؛ إذ كثيرًا ما تعجز هذه الأنشطة

(الصناعات) عن الوصول إلى مستويات عالية في القدرة على المنافسة من دون بيئة حاضنة من الصناعات المكملة والداعمة والخدمات المساندة للإنتاجية، ومن دون وجود منشآت منافسة قوية.

وكما بيّن عالما لاقتصاد بورتر وفريمان، يتطلب لارتقاء بالتنافسية تضافر الجهود وتطوير النشاطِ

بصورة متزامنة في مؤسسات ومنشآت كثيرة. ويتطلب ذلك بدوره طيفًا من المداخات الحكومية في اتجاهات عدة على مستوى لاقتصاد الكلي كما على المستويات لاقتصادية الفرعية، متضمنة إجراءات تنظيمية و/أو إجراءات دعم مباشر. إن الهدف الرئيسي للسياسة الصناعية، وفق معظم التعريفات لهذه السياسة، هو لارتقاء بالإنتاجية

والتنافسية والنمو لاقتصادي؛ فعال ما لاقتصاد كروغمان و اوبستفلد، على سبيل المثال، يعرّفانِ

«السياسة الصناعية» بأنها «محاولة الحكومة أن تشجع توجيه الموارد نحو قطاعات معيّنة تعتبرها

الحكومة مهمة للنموّ لاقتصادي»، في حين ترى تعريفات أخرى أن هدف السياسة الصناعية لا

يجوز أن ينحصر في دفع النمو لاقتصادي بل أن يشمل تغييرات هيكلية في لاقتصاد هدفها جعل النشاط لاقتصادي ذا مردود اجتماعي، وذا تأثير إيجابي في البيئة وفي استدامة التنمية. وتسعى حكومات أخرى من خال السياسة الصناعية إلى تقليل التفاوت في مستويات التنمية بين الأقاليم من خال تشجيع خاص لمبادرات استثمارية في الأقاليم المختلفة. وفي حين لم يبق ثمة شك في أهمية التدخّل الحكومي من أجل إنجاز سياسات تنموية ناجحة، فإن مدى ذلك التدخل ومقداره ما زلا موضع كثير من الجدل. ويتركز هذا الجدل في موضوع سامة اتّباع

(10) Victoria Curzon Price, Industrial Policies in the European Community (New York: St. Martin›s Press, 1981), Cited in: Tilman Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries: Overview and Lessons from Seven Country Cases , Discussion Paper; 4/2011 (Bonn: Deutsches Institut für Entwicklungspolitik (DIE), 2011). Michael E. Porter, The Competitive Advantage of Nations (New York: Free Press, 1990), and Christopher ((1(انظر: Freeman, Systems of Innovation: Selected Essays in Evolutionary Economics (Cheltenham, UK; Northampton, MA: Edward Elgar, 2008), Cited in: Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries. (12) Paul R. Krugman and Maurice Obstfeld, International Economics: Theory and Policy , 2nd ed. (New York: HarperCollins, 1991), Cited in: Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries.

عمليات «انتقائية» في التدخّل تنحاز إلى قطاعات معيّنة دون غيرها، فيشك ل هذا لانتقاء عدوانًا على

دور آلية الأسعار في توجيه النشاط لاقتصادي نحو الإنجاز المتميز بالكفاءة، باعتبار أن آلية الأسعار تُعَد، من خال الإشارات التي تطلقها، بوصلة التوجيه السليم لنشاط اقتصاد السوق. في رأي نقاد التدخّل الحكومي أن الحكومات لا تحْسن التنسيق بين الأنشطة لاقتصادية كما لا تحْسن

توقّع المضاعفات المستقبلية لقراراتها، الأمر الذي يقود إلى تدني الكفاءة في تخصيص الموارد، كما يؤدي إلى إحداث حوافز مشوّهة لدى المستثمرين في القطاع الخاص ولدى الموظفين الحكوميين.

في المقابل، هناك حاليًا إجماع عريض على أن «السياسة الصناعية» تحظى باحتم لات عالية للنجاح

في البلدان التي تتمتع بإدارات حكومية متميزة بالكفاءة والمهنية العالية، وبأنظمة سياسية تسود فيها الضوابط والتوازنات التي تحول دون الفساد أو السلوك الساعي إلى الكسب الريعي. من البلدان التي تتمتع بهذه المزايا البلدان الأعضاء في منظمة التعاون لاقتصادي والتنمية (وهي البلدان الصناعية الأكثر تقدمًا)، ومعها كذلك عدد من البلدان النامية العالية الدخل والأداء لاقتصادي، ومنها كوريا

الجنوبية وتايوان وسنغافورة والبرازيل وتشيلي، التي نجحت في اللحاق بالدول الصناعية المتقدمة من خال اعتمادها «السياسة الصناعية» بصور ناجحة. لكن مقدارًا غير قليل من الشك يحيط باحتم لات نجاح «السياسة الصناعية» في البلدان المنخفضة

الدخل والمفتقرة إلى إدارات حكومية كفوءة، والتي تعاني تخلّف أنساق الحكم والممارسات الإدارية المطبَّقة فيها، وخصوصًا ما يتعلق بمستوى الشفافية وأنظمة المحاسبة والمساءلة. من هنا، وعلى

الرغم من وضوح فشل السوق في هذه البلدان، فإن قدرة حكوماتها على التدخل الناجح للتعويض عن هذا الفشل بما يحقق الرفاه العام تبقى ضمن دائرة الشك وعدم اليقين. إن الجدل بشأن ضرورة التدخّل الحكومي وجدوى «السياسة الصناعية» هو جدل قديم يعود إلى الزمن الذي كانت الولايات المتحدة الأميركية من جهة وألمانيا من جهة أخرى تسعيان إلى تحقيق تقدم اقتصادي ومنجزات صناعية تنافس منجزات بريطانيا في تلك الحقبة؛ فحينئذ نشأ الجدل مع

قيام عالم لاقتصاد فردريك ليست في ألمانيا، وألكسندر هاملتون (أحد الآباء المؤسسين) في أميركاِ بالمرافعة بقوة في مسألة ضرورة وضع أنظمة الحماية الجمركية للمشاريع الفتيّة بصورة تكفل نجاح

لاستثمار فيها خال طور النشأة إلى أن تقف على أقدامها. ومنذ ذلك الحين استمر الجدل الساخن حول الحكمة في التدخّل في نشاط السوق بهدف إعادة توجيه الموارد لاستثمارية نحو القطاعات، التي ترى الحكومة أنها ذات أهمية خاصة لتحقيق الرفاه العام والتعجيل بالنموّ لاقتصادي. في إطار هذا الجدل، جرى جمع المعلومات والشواهد التي من

شأنها إلقاء الضوء على نتائج السياسة الصناعية، والتوصل إلى أحكام خاصة بنجاحها أو فشلها؛ فمن جهة، هناك من الشواهد ما يدل على أن الحكومة أدت دورًا مهمًّا في ح لات كثيرة وصلت فيها

(13) Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries.

أقطار مهمة إلى مرحلة التصنيع الناجح، وأصبحت منذ ذلك الحين في عداد الدول المتقدمة صناعيًا.

وانطبق هذا على ح لات مبكرة تاريخيًا، كالولايات المتحدة الأميركية وألمانيا واليابان، كما انطبق على

ح لات مستجدّة، مثل بلدان شرق آسيا الأحدث عهدًا بالتصنيع الناجح. من جهة أخرى، هنالك ح لات أدى فيها التدخّل الحكومي إلى هدر الموارد وتشويه نشاط السوق من دون نتائج مجدية. وحتى في الح لات الناجحة، يبقى مقدار من الشك في ما إذا كان النجاح

مرتبطًا بصورة يقينية بالتدخّل الحكومي، أم أنه نتاج عوامل أخرى كانت لتحدثه مع هذا التدخل أو من دونه، وهي المسألة المنطقية التي تُعرف بالواقعية المعاكسة (Counterfactual)، حيث يتعلق الأمر بصعوبة التيقن من أن النتائج الناجحة مرتبطة سببيًا بذلك التدخل الحكومي بالذات. ومن الأمثلة على

لالتباس الذي قد يقع نتيجة هذه المسألة، لاستشهاد بواقعة النجاح المدهش لقطاع صناعة البرمجيات الحاسوبية في الهند؛ فهناك من يعزو هذا النجاح إلى السياسات الحكومية الهادفة إلى تقديم الدعم إلى أنشطة منتقاة، وهناك في المقابل من يحاجج بأن النجاح المذكور تحقق في الواقع من دون دعم حكومي يذكر. كذلك لا يجوز استبعاد ح لات النجاح التي صاحبت سياسات ليبرالية خالية من التدخّل الحكومي، مثل حالة هونغ كونغ، على الرغم من أن نجاح هونغ كونغ كان محدودًا، ولم يتصف بالدرجة العالية من التقدم التكنولوجي الذي تحقق في بلدان أخرى في شرق آسيا. من الإنصاف القول إن جهود الحكومة في تشجيع رواد لاستثمار على البحث عن الأنشطة المجدية وتحري الأسواق الواعدة هي جهود لا تخلو من عناصر التجربة والخطأ. لذلك، لا يجوز إدانة هذه الجهود في الأحوال التي تسفر عن نتائج سلبية كما لو كان مبدأ البحث عن الفرص مدانًا في حد ذاته. وهناك أمثلة تشير إلى أن فشل عدد من المبادرات ربما يعوضه نجاح في مبادرة واحدة. وتجدر الإشارة هنا إلى ما قادت إليه الأبحاث الحكومية الهادفة في المجال العسكري وفي مجال أبحاث الفضاء من اختراقات تكنولوجية قادت إلى مردودات بالغة القيمة على المستوى لاقتصادي.

سياسات الانتقاء والاستهداف في مقابل السياسات الوظيفية

تميِّز النظرية لاقتصادية عادة بين «السياسات الوظيفية» و«سياسات لانتقاء أو لاستهداف.»

أمّ ا السياسات الوظيفية، فهي التي تهدف إلى تحسين البيئة والأطر التي تعمل ضمنها المنشآت

والصناعات (الأنشطة الإنتاجية) التي تبقى فيها آليات السوق هي الحكم في فشل تلك الأنشطة

(14) Ajit Singh, «The Past, Present and Future of Industrial Policy in India: Adapting to the Changing Domestic and International Environment,» in: Mario Cimoli, Giovanni Dosi and Joseph E. Stiglitz (eds.), Industrial Policy and Development: The Political Economy of Capabilities Accumulation , Initiative for Policy Dialogue Series (Oxford; Toronto: Oxford University Press, 2009), pp. 284 ff, Cited in: Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries. (15) Howard Pack and Kamal Saggi, The Case for Industrial Policy: A Critical Survey , Policy Research Working Paper; 3839 (Washington, DC: World Bank, 2006), pp. 33ff, and Suma Athreye and Mike Hobday, «Overcoming Development Adversity: How Entrepreneurs Led Software Development in India,» International Journal of Technological Learning, Innovation and Development , vol. 3, no. 1 (2010), pp. 36-46, Cited in: Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries.

أو نجاحها. وتشمل هذه الأطر مصادر الطاقة وخدمات الموانىء، والبيئة القانونية التي تحكم عاقات الأعمال، والحوافز الدافعة إلى البحث العلمي والتطور التكنولوجي... إلخ. في المقابل، فإن «سياسات لانتقاء أو لاستهداف» تتضمن تفضيل أنشطة على أخرى في ما يتعلق بإجراءات الحماية التجارية وبالمعونات والحوافز الضريبية والقروض الميسرة التي تستهدف منشآت أو قطاعات أو أقاليم بصورة انتقائية. وفي هذا الصدد، تركز النظرية لاقتصادية النيوكاسيكية على انتقاد السياسات لانتقائية، بحجة أن المعونة التمييزية لأنشطة اقتصادية دون غيرها تشوّه فعالية قوى السوق وقدرتها

على التخصيص الكفوء للموارد، وأن لا بديل من مناخ التنافس الحر دافعًا لتحسين الإنتاجية وتقرير

مَواطن المزايا المقارنة لدى المنشآت والأقاليم والبلدان، وأنه لا يتوقع أن يكون الموظفون الحكوميون

أكثر كفاءة من قوى السوق في تحقيق النتائج الإيجابية لأنشطة الإنتاج. في المقابل، هناك من لاقتصاديين من يحاجج بأن سياسات لانتقاء ولاستهداف مطلوبة عند انتشار عوامل الفشل في السوق؛ إذ إن وجود هذه العوامل يجعل الإشارات التي تطلقها آلية الأسعار غير صالحة لتوجيه الموارد بصورة أكفأ نحو استعم لاتها الفضلى. لهذا، يتعين على السياسة الصناعية أن تصوّب قوى السوق في لاتجاه الذي يعاكس عوامل الفشل، ويصحح الأثر السلبي لهذه العوامل

في نمط تخصيص الموارد لاقتصادية. ويبيّن عال م لاقتصاد داني رودريك أن على المقاربة الفعالةِ

لهذا التصحيح أن تأخذ في لاعتبار أن مواقع فشل السوق وأحجام عوامله ليست دائمًا مؤكدة أو

واضحة المعالم بالنسبة إلى صانع السياسة الحكومية، بل يتطلب التيقن منها معلومات ليست في متناول المؤسسات الحكومية، بل هي في كثير من الأحيان ضمن خبرة منشآت القطاع الخاص، ولا غنى عن التعاون مع هذه المنشآت للحصول على هذه المعلومات أو التيقن منها، حتى يتبيّن

لصانع السياسة العقبات والعوامل التي تؤدي إلى فشل السوق موضع البحث، وتتضح بالتالي أساليب التدخّل الحكومي الأكثر فعالية في التغلب على هذا الفشل. ويبين رودريك أيضًا أن لا جدوى من

انشغال صانع السياسة بمعرفة «نتائج» تطبيق سياسات معيّنة، لأن من المستحيل معرفة «النتائج» سلفًا

قبل النفاذ الفعلي لهذه السياسات، وإنما الأجدى هو لانشغال بصوابية عملية صوغ هذه السياسات وسامة «سيرورتها»، ولا سيما من حيث وضع أطر للتعاون الفعال بين المعنيين بالموضوع من جهة الحكومة ومن جهة القطاع الخاص، ومن حيث استعداد كلٍّ من الطرفين للتعلّم ولاستفادة من خبرة الآخر في ما يخصّ المشكات والفرص في السوق موضع البحث والتعاون والتنسيق في ما يشبه

عملية «استكشاف» مشتركة. إن نقصان المعلومات أو غيابها عن الفرص لاستثمارية وتكاليفها وعوائدها المحتملة، أي جدواها بصورة عامة، هو ظاهرة تعانيها المؤسسات الحكومية كما تعانيها منشآت القطاع الخاص. لذلك، لا بد من جهد تعاوني بين الطرفين للتعويض عن مثل ذلك النقصان أو الغياب، ولكن بشرط ألّ تؤثر المصالح الخاصة في القطاع الخاص في استقالية السياسة الحكومية، أو أل تخلّ بحصانتها

(16) Dani Rodrik, One Economics, Many Recipes: Globalization, Institutions, and Economic Growth (Princeton: Princeton University Press, 2007), chap. 4.

ضد فساد القطاع الخاص وسعيه إلى الربح الريعي على حساب المصلحة العامة. والهدف الرئيسي لذلك الجهد التعاوني هو حفز الإبداع (لابتكار innovation)، وهو المكوّن الأساسي لتنمية القدرات

الإنتاجية في لاقتصاد. وفي رأي رودريك أن ما يحد قابلية الإبداع (لابتكار) ليس جانب العرض بل جانب الطلب، بمعنى أنه حين تقل المبتكرات فإن السبب لا يعود بالضرورة إلى نقص في العلماء أو المهندسين القادرين على لابتكار، أو إلى تدنّي مستوى البحث والتطوير العلمي، أو إلى نقص في حماية الملْكية الفكرية، بل يعود إلى عدم اقتناع روّاد لاستثمار من رجال الأعمال بوجود فرص

حقيقية لجني الأرباح من مبتكرات معيّنة أو أخرى؛ فهذه المبتكرات تشير عادة إلى منتوجات جديدة

غير تقليدية. لكن لاستثمار في صناعة هذه المنتوجات لا يحقق الربح في أغلب الأحيان إلا إذا توفرت له بنى تحتية أساسية، أو تزامنت معه استثمارات في منتوجات مكملة له ومسببة لربحيته لجهة المدخات أو لجهة التسويق. هذا لاستثمار في البنى التحتية أو في المنتوجات المكمّلة هو

في الغالب واسع المدى ويتطلب عناقيد من القرارات لاستثمارية المتكاملة والمتزامنة التي تتجاوز إمكانيات روّاد لاستثمار الخواصّ، وهو ما لا يُتصوّر تحققه إلا بمداخات حكومية مقصودة عمدًا

وعن إصرار مسبق. ويستخلص رودريك مثال على ذلك من واقع السياسة لاقتصادية التنموية في الصين - تايوان؛ فلقد حدث في سنة 2004 أن أصاب لانخفاض أسعار السكر العالمية فأدى إلى كساد صادرات السكر من تايوان، وتسبب بالتالي في إحباط الجدوى لاقتصادية من زراعة قصب السكر في حقول الريف التايواني. لذلك قررت الحكومة العمل على زراعة محصول آخر مربح بدل قصب السكر، ولأمر ما وجدت أن المحصول الأكثر جدوى اقتصادية هو ثمرة الأوركيدا. لكن ربحية هذه الزراعة كانت مشروطة بمجموعة من لاستثمارات المتكاملة التي تتجاوز إمكانيات روّاد

لاستثمار الخواص. لذلك بادرت الحكومة إلى القيام ب لاستثمارات المطلوبة التي شملت إنشاء مختبرات لهندسة الجينات الزراعية، ومستوصفات للحجْر الصحي الزراعي، ومراكز للتوضيب

والتغليف والتحميل على السفن، وطرقًا زراعية جديدة، ووصات لإمدادات الكهرباء والمياه وغير ذلك من البنى التحتية، وكلها مكرسة لخدمة الزراعة المحمية في «مستنبتات خضراء» (greenhouses) التي اعتُبر أن من مسؤولية القطاع الخاص لاستثمار فيها كونها أصبحت ضمن المشاريع المربحة بفضل ذلك المدى من التدخّل الحكومي. وبالتوافق مع التحليل المبين أعاه، تُعتبر سياسات لانتقاء ولاستهداف ضرورية بصورة خاصة حتى يتاح المجال لإضفاء المزايا التالية على الأنشطة المنتقاة والمستهدفة: أولً، اقتصاديات التنسيق والتكامل بين الأنشطة الإنتاجية؛ فحتى يصبح مشروع إنتاجي ما مجديًا،

ينبغي أن يتزامن تنفيذه مع تنفيذ مشاريع إنتاجية أخرى مكملة، ولا بد من درجة عالية من التنسيق بين المستثمرين وقرارات لاستثمار لتحقيق هذا التزامن والتكامل.

Pack and Saggi, pp. 268 ff., and Ha-Joon Chang, «Industrial Policy: Can We Go Beyond an Unproductive ((1(انظر: Confrontation?,» Paper Presented at: ABCDE (Annual World Bank Conference on Development Economics), Seoul, South Korea, 22-24 June 2009, pp. 7 ff, Cited in: Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries.

ثانيًا، اقتصاديات الحجم الكبير وفرص اكتساب المعارف؛ إذ إن الإشارات الصادرة عن آلية الأسعار تفيد رواد لاستثمار في معرفة فرص الربح في ارتياد نشاط إنتاجي ما ضمن معطيات التكنولوجيا السائدة. لكن هذه الإشارات لا تفيد في استشراف الفرص التي تنشأ عن ممارسة نشاط غير مربح حاليًا، ولكنه يتيح المجال مستقبلً لتكوين المهارات والمعارف الناشئة عن الممارسة الفعلية للنشاط،

والتي تعمل على تحويل النشاط إلى نشاط مربح ومجدٍ، سواء بصورة مباشرة ضمن النشاط ذاته، أو غير مباشرة حين يتسبب النشاط في إفاضة التقدم التكنولوجي المتأتي منه إلى أنشطة أخرى مرتبطة به، سواء لجهة المدخات إليه من نتاج هذه الأنشطة أو مخرجاته القابلة لاستخدام في الأنشطة الأخرى؛ فعلى سبيل المثال، يتيح لاستثمار في الصناعة الإلكترونية المجال لط يف من المهارات والمعارف كي يفيض على العدد الكبير من الأنشطة المرتبطة بهده الصناعة بصورة مباشرة وغير مباشرة. وفي حين أنه ربما لا يبدو لمستثمر منفرد أن لاستثمار في هذه الصناعة جدوى ربحية، فإن تمكينه من اقتحام هذا المجال من مج لات لاستثمار سيقود في غالب لاحتمال إلى عدد كبير من فرص لاستثمار في أنشطة مرتبطة بهذا النشاط الرائد، وهي فرص لم تكن مؤشرات آلية السعر لتفصح عنها قبل اجتياز النشاط المبادر مرحلة التأسيس للتغيير المعرفي والتكنولوجي التي تتطلبها الفرص المذكورة. بعبارات أخرى، إن من شأن استهداف مج لات رائدة ولاستثمار فيها أن يحصد كمية كبيرة من لاقتصاديات المعرفية التي تتحقق نتيجة لانخراط في هذه المج لات، وتحويل هذا لاستثمار من نشاط مكلف وعالي المخاطرة إلى نشاط مربح ومؤسس لبيئة تكنولوجية محفزة لأنشطة مكملة له. ثالثًا، دعم المبادرات الجديدة المنطوية على إبداع بضمانات ضد ارتفاع التكاليف وغير ذلك من المخاطر غير المتوقعة التي قد تازم نجاح المشروع المبدع، إذ من المشاهد أنه ما إن ينجح المشروع المبدع حتى تصبح فكرته معروفة ومجربة وجاذبة لمستثمرين آخرين يحاكونها من دون تكبد تكاليف التأسيس واكتساب الخبرة، كما كانت الحال في المشروع المبادر الأول. وهذا يستدعي أن تعمل الحكومة على حماية المشروع المبادر ودعمه بما يعوضه عن تكلفة استكشاف فرص لاستثمار المجدية، أو عن تدنّي أرباحه نتيجة المنافسة القائمة على محاكاة ميزات المشروع المبادر. رابعًا، تعويض التكاليف السلبية الناشئة عن الأنشطة الإنتاجية التي تستتبع ممارستها آثارًا سلبية على البيئة، من قبيل تلويث الهواء والمياه وإتاف الغابات الحرجية والإضرار بالتنوع النباتي. في مثل هذه الح لات، تعمل السياسة الصناعية على دمج التكاليف البيئية غير المباشرة ضمن تكاليف المشروع المباشرة، من خال وضع أنظمة لحماية البيئة توقع الغرامات على مخالفة هذه الأنظمة أو تكافئ السلوك الإيجابي تجاهها. وفي حين أن ليس ثمة خاف بشأن التشوهات المختلفة التي يتعرض لها نشاط السوق من قبيل ما تقدم ذكره، مع ذلك يحتدم الخاف حين يتعلق الأمر بمدى كفاءة الحكومة وقدرتها على معالجة

هذه التشوهات وبالمدى الذي يمكن أن تذهب إليه الحكومة في تدخّلها بعمل السوق. فهناك من لاقتصاديين من ينادي بمستويات محدودة من التدخّل لا تتجاوز تقديم مقادير من الدعم للمشاريع الريادية والإبداعية بالدرجة التي تتطلبها تكاليف استكشاف الفرص لاستثمارية المتاحة ودراسة جدواها. لكن الذهاب في التدخّل الحكومي إلى أبعد من ذلك يزيد في حدة الخاف بين لاقتصاديين؛ إذ تعارض كثرتهم التدخّل العميق من قبيل وضع أنظمة حماية لمنشآت إنتاجية معيّنة على مدى مديد

من الزمن، بحجة الوصول بها إلى مرحلة النضوج، إذ ربما ينطوي هذا على المخاطرة بدعم أنشطة غير قادرة على لاستمرار بإمكانياتها الذاتية، أو المساهمة في تحقيق أرباح ريعية لمالكي هذه الأنشطة على حساب جمهور المستهلكين. بعبارة أخرى، هناك توافق بين لاقتصاديين على أن ح لات فشل السوق، مثل التي تقدم بيانها، هي ح لات واقعية كثيرًا ما يعانيها لاقتصاد وتنطوي على مبرر قوي

للتدخل الحكومي لمعالجة هذا الفشل أو التعويض عن تبعاته. لكن السؤال هو: هل أن الحكومة، وفي جميع الأحوال، تملك الإرادة والقدرة على القيام بتلك المعالجة بأساليب ناجعة؟ وإذا كان الجواب سلبيًا، فإن تدخّلها سيكون مآله الفشل، أو قد يزيد من التشويه الذي تعانيها السوق. وهناك

تنويعات على هذا السؤال تتعلق بكثافة التدخّل الحكومي ومداه وأمده الزمني؛ فربما يكون المطلوب والكافي لعاج تشوّه معيّن هو مقدار من التدخّل خفيف ومحدود الأجل. في المقابل، هناك ح لات

يتعيّن فيها أن يكون التدخّل عميقًا وطويل الأمد لكي يكون ناجحًا. ومن الأمثلة الواقعية على ذلك

حالة صناعة الطائرات في البرازيل، وحالة صناعة السيارات في كوريا الجنوبية؛ ففي كلتا الحالتين لم يكن من المتصور نجاح تأسيس الصناعتين المذكورتين من دون التزام حكومي داعم لاستثمار في طيف عريض من الأنشطة الإنتاجية الضرورية والمكملة للصناعتين. ومن الأمثلة التي تعطى على السياسة الناجحة لدعم الصناعة، سياسة حكومة تايوان في وضع العقبات في وجه قيام بعض المنشآت الصناعية باستيراد مدخاتها من الخارج لحفزها على استخدام المدخات المنتجة محليًا، وسياسة

حكومة كوريا الجنوبية بتشجيع «الهندسة العكسية للمنتوجات التكنولوجية» للحصول على أسرارها وتقليدها، متجاهلة بذلك حقوق الملْكية الفكرية الخاصة بتلك المنتوجات. لكن شرط استمرار هذا النجاح هو انسحاب الدعم الحكومي بعد اجتياز الصناعة المدعومة مرحلة الطفولة، حتى لا تتعرض سياسة الدعم لمخاطر لاستدامة نحو مرحلة يصبح فيها مبلغ الدعم دخا ريعيًا غير مبرر

للمصالح الخاصة التي تسيطر على الصناعة المدعومة. إن على سياسات الدعم الصناعي أن تتوخى الحرص والدقة حتى لا تنتهي إلى هدر المال العام في دعم أنشطة إنتاجية لا تملك مزايا الكفاءة وفرص النجاح وقابلية لاستمرار إلى مرحلة النضوج.

(18) Robert H. Wade, «Rethinking Industrial Policy for Low: Income Countries,» Paper presented at: African Economic Conference (Organized by African Development Bank and UNECA, Addis, 15-17 November 2007), Cited in: Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries. (19) Linsu Kim, Imitation to Innovation: The Dynamics of Korea›s Technological Learning , Management of Innovation and Change Series (Boston: Harvard Business School Press, 1997), Cited in: Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries.

بالإضافة إلى ذلك، فإن من شأن افتراض توفر الدعم في الأحوال كلها أن يثبط حوافز المستثمرين على التحري الجدي للفرص الواعدة بالنجاح، ويشجعهم على السلوك الساعي إلى الربح الريعي بدلً من الربح المبرر بالإنتاج الناجح في المنافسة. من هنا، يمكن استنتاج أن سياسات الدعم الحكومي لانتقائية لا تخلو من مخاطر تُفشل مقاصدها. إن السياسات الصناعية التدخّلية مطلوبة، ولكن بدرجات متفاوتة طبقًا لمقتضى الحال؛ فهناك ح لات تحتّم العزوف عن التدخّل وتوجب لاعتماد على قوى السوق، مصحوبة بسياسات «وظيفية» من مثل استخدام سعر صرف العملة المحلية تجاه العمات الأجنبية بهدف دعم الأنشطة التصديرية مثا. وهناك ح لات توجب التدخّل العميق بالدعم لانتقائي لأنشطة أو صناعات معيّنة. ولا شك

في أن نجاح السياسات الوظيفية أو سياسات لانتقاء ولاستهداف أو أي مزيج بينها، إنما يعتمد على كفاءة نسق الحكم السائد (الحكمانية) وما إذا كان يوفر للحكومة الإرادة والكفاءة لاجتراح قرارات حكيمة وصائبة. ليس من المسلَّم به أن نسق الحكم السائد والمؤسسات الحكومية المعبّرة عنه مؤهلة دائمًا لتشخيص

عناصر الفشل أو نقص الكفاءة في عمل السوق، ومن ثم وضع السياسات والإجراءات الصائبة للتعويض عن هذا الفشل؛ فكثيرًا ما يؤدي نقصان كفاءة نسق الحكم (اختال الحكمانية) السائد

في هذا الشأن إلى خلق حوافز مصطنعة لدى المستثمرين تدفعهم إلى لاستثمار في أنشطة مدرة للأرباح الريعية، وبالتالي إلى هدر الموارد بعيدًا عن لاستثمارات الرافعة للرفاه لاجتماعي. وليس ثمة ضمانات تجعل قرارات الموظفين الحكوميين مؤدية إلى تخصيص الموارد بطريقة تتفوق في الكفاءة على تخصيصها عن طريق السوق، حتى لو كانت قوى السوق تعاني نقصًا في الكفاءة. وفي حين أن سجل تجارب الدول يشتمل على ح لات نجاح في السياسات لانتقائية للمشاريع الواعدة، فإن هذا السجل يحتوي أيضًا على ح لات فشل غير قليلة. لذلك، فإن لاتجاه الحديث العصري في السياسة الصناعية يركز على البيئة لاستثمارية الحاثة على التعلّم من التجارب، وعلى التعاون والشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص على التعرف إلى الأنشطة الإنتاجية العالية الجدوى والقائمة على الإبداع والتكامل العابر للمعارف. لكن حتى التدخات المخففة التي تقوم بها الحكومة تحتاج هي أيضًا إلى إدارة كفوءة لكي تكون فعالة ومؤدية لغرضها. وحتى حين يبدو الموظفون الحكوميون أو أصحاب القرار السياسي راغبين في التدخّل بحجة تعظيم حصيلة الرفاه لاجتماعي، فإن علينا سبر الحوافز التي تحرك هؤلاء السياسيين وقراراتهم. من هذه الحوافز رغبتهم في الظهور بمظهر أصحاب النشاط والفاعلية، فيدفعهم هذا إلى المبالغة في تقدير منافع المشاريع التي يتبنونها والبخس في تقدير تكلفتها، فينتهي الأمر إلى قرارات خاطئة بسبب لاستناد إلى معلومات غير واقعية.

من منطلق الوعي ب لاعتبارات السالفة الذكر، يمكن تعميم القول بضرورة الحد من تعقيدات الإجراءات الوظيفية، وخاصة حين يتعلق الأمر بإجراءات الحماية الجمركية التي يتعيّن أن تبقى عند مستويات دنيا

وألّ تكون هذه الإجراءات عرضة للتغير الكبير المتكرر. بالإضافة إلى ذلك، يتعيّن تبنّي الإجراءات

التي تشجع التنافس، وتجنّب الإجراءات التي تعادي التصدير من قبيل وضع رسوم على الصادرات (على سبيل المثال، عمل بعض البلدان في ظروف معيّنة على رفع المستوى العلمي والمؤهات

الإدارية لرواد لاستثمار، وعلى تسهيل حصول الصناعات التصديرية المستهدفة بالتشجيع على المدخات المناسبة، سواء بإعفاء هذه المدخات من الرسوم الجمركية أو بتشجيع صناعتها محليًا.) تدل أبحاث قام بها فاغربرغ وسرهولك، بتكليف من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، على أن الأداء لاستثماري الجيد لا يرتبط بدرجة لانفتاح التجاري أو بحجم لاستثمار لاجنبي المباشر بقدر ما يعتمد على سياسات تجعل نتائج هذا لانفتاح التجاري ولاستثمار الأجنبي ذات مردود اقتصادي إيجابي في صورة اكتساب المعارف العلمية وتوطين المبتكرات التكنولوجية. هذه السياسات، التي تفي بتلك المتطلبات وأمثالها، يتطلب تصميمها ونجاحها أنماط ا فعالة من الحكمانية (نسق الحكم) تقوم على مفهوم أن معالجة ح لات «فشل السوق» والتوصّ ل إلى التخصيص الأمثل للموارد، وهذا هو المبرر الأساسي ل«السياسة الصناعية»، يتطلب المعرفة بطبيعة اقتصاديات التكنولوجيا وغيرها من لاقتصاديات الخارجية التي تفرزها الأنشطة الإنتاجية؛ ذلك لأن حُسن استغال هذه لاقتصاديات هو من أفضل الوسائل لعاج ح لات لاختال والفشل في السوق. لكن منظومة المعارف باقتصاديات التكنولوجيا وغيرها من لاقتصاديات الخارجية ليست في متناول الجهات الحكومية إلا بصورة جزئية وغير شاملة جميع الأحوال، حتى حين تمتاز هذه الجهات بالكفاءة العالية، بل إن كثيرًا ما يكون القطاع الخاص هو الأكثر تمكنًا من جوانب مهمة في منظومة

المعارف المذكورة، الأمر الذي يوحي بأن التعاون وتبادل المعارف بين الحكومة والقطاع الخاص يتعين أن يكونا مكوّنًا رئيسيًا من مكوّنات النجاح للسياسة الصناعية. على تلك الخلفية، لا يتردد عال م لاقتصاد رودريك في تزكية «نموذج للسياسات الصناعية» قائم على التعاون لاستراتيجي بين الحكومة والقطاع الخاص، بهدف تحري طبيعة العقبات التي تعرقل الإصاح والتجديد البنيوي في لاقتصاد، ومن ثم حشد القوى المؤثرة لحلّ مختلف المشكات التي تعترض حُسن سير النشاط الإنتاجي، وبحيث يتعلم كلٌّ من طرفي ذلك التعاون، الحكومة والخواصّ، من الفرص التي يتيحها والتحديات التي يواجهها الطرف الآخر. وعلى ذلك يكون المنهج السليم في تصميم السياسة الصناعية هو منهج « لاستكشاف»، وبموجب هذا المنهج تقوم كلٌّ من الجهات الحكومية المسؤولة في القطاع العام وإدارات المنشآت في القطاع الخاص، ببذل الجهد الحثيث

(20) Jan Fagerberg and Martin Srholec, «Catching up: What are the Critical Factors for Success?,» Paper presented at: UNIDO, Vienna, Wednesday, 23 November 2005, Cited in: Altenburg, Industrial Policy in Developing Countries.

للتعلّم واستجاء الحقائق عن طبيعة التكاليف والفرص التي تستتبعها بدائل السياسات المختلفة، وعن طبيعة التنسيق الازم لنجاح السياسات التي يجري اعتمادها. ويرى رودريك أن المفاهيم التي يعبّر عنها ذلك النموذج تساعد في دحض بعض لاعتراضات المهمة على السياسة الصناعية؛

فهناك مثلً لاعتراض بأن الحكومات غير مؤهلة لمعرفة وانتقاء الأنشطة الواعدة فعلً بالنجاح لأنها (الحكومات) تفتقر إلى المعلومات الضرورية لهذا الغرض. يُرد على هذا لاعتراض بأن من المرجّح أن القطاع الخاص لا يقل افتقارًا إلى المعلومات المطلوبة، ولذلك لا بد من التعاون بين القطاعين لتعويض النقص في المعلومات بالتكامل بين الموارد المعرفية لدى الطرفين. لكن للتعاون المقترح بين الحكومات والخواص محاذيره؛ إذ من الضروري أن يحافظ القطاع العام على مستوى رفيع من لاستقالية عن المصالح الخاصة. لكن هذه لاستقالية الضرورية يجب ألّ تعني العزلة عن التواصل المنضبط مع القطاع الخاص للحصول على المعلومات المتاحة له دون غيره. لذلك، تقتضي الحنكة السياساتية أن يكون ثمة «مجرى مستمرّ» من المعلومات من القطاع

الخاص إلى المسؤولين الحكوميين، وأن تحتوي هذه المعلومات على المحددات والتحديات التي تعانيها السوق، كما تحتوي أيضًا على الفرص الإنتاجية المتاحة فيها. وحتى يحافظ مجرى المعلومات هذا على استمراريته، لا يليق بالمسؤولين الحكوميين ممارسة لاستعاء والإصرار على إصدار الأوامر والتوجيهات في اتجاه واحد. ولا بد من عاقات وصات شفافة ومتوازنة مصوغة بصورة تمنع استغال القطاع الخاص لهذه الصات لأغراض كسب الريع، وغير ذلك من ضروب الفساد. ولا بد من صيغة «وسطية» بين استقالية القرار الحكومي الكاملة من جهة وضرورة التواصل المنتج مع القطاع الخاص من جهة أخرى. إن التطرف في مراعاة لاستقالية الحكومية يشكل ضمانًا وحصانة ضد الفساد، لكن ربما يقود إلى الفشل في منح القطاع الخاص الحوافز الضرورية للمبادرة بأنشطة إنتاجية ناجحة. بيد أن التشجيع غير المنضبط للموظفين الحكوميين للتقارب والتواصل مع رجال الأعمال الخواصّ ربما يقود في الوقت ذاته إلى أن يصبح هؤلاء الموظفون في جيوب المصالح الخاصة. والآلية المؤسسية التي تساعد في الحيلولة دون هذه الظاهرة هي ترسيخ تقاليد المساءلة الديمقراطية والشفافية وحكم القانون. References

المصادر والمراجع

1. Altenburg, Tilman. Industrial Policy in Developing Countries: Overview and Lessons from Seven Country Cases. Bonn: Deutsches Institut für Entwicklungspolitik (DIE), 2011. (Discussion Paper; 4/2011) 2. Arrow, Kenneth J. and Gerard Debreu. «Existence of an Equilibrium for a Competitive Economy.» Econometrica: vol. 22, no. 3, July 1954.

(21) Rodrik, pp. 110-112.

3. Athreye, Suma and Mike Hobday. «Overcoming Development Adversity: How Entrepreneurs Led Software Development in India.» International Journal of Technological Learning, Innovation and Development: vol. 3, no. 1, 2010. Cited in: Altenburg, Tilman. Industrial Policy in Developing Countries: Overview and Lessons from Seven Country Cases. Bonn: Deutsches Institut für Entwicklungspolitik (DIE), 2011. (Discussion Paper; 4/2011) 4. Fishlow, Albert, et al. Miracle or Design?: Lessons from the East Asian Experience. Washington, DC: Overseas Development Council, 1994. 5. Freeman, Christopher. Systems of Innovation: Selected Essays in Evolutionary Economics. Cheltenham, UK; Northampton, MA: Edward Elgar, 2008. Cited in: Altenburg, Tilman. Industrial Policy in Developing Countries: Overview and Lessons from Seven Country Cases. Bonn: Deutsches Institut für Entwicklungspolitik (DIE), 2011. (Discussion Paper; 4/2011) 6. Krugman, Paul R. «The Myth of Asia’s Miracle.» Foreign Affairs: vol. 73, no. 6, November-December 1994. 7. ______ and Maurice Obstfeld. International Economics: Theory and Policy. 2 nd ed. New York: Harper Collins, 1991. Cited in: Altenburg, Tilman. Industrial Policy in Developing Countries: Overview and Lessons from Seven Country Cases. Bonn: Deutsches Institut für Entwicklungspolitik (DIE), 2011. (Discussion Paper;

8. Pack, Howard and Kamal Saggi. The Case for Industrial Policy: A Critical Survey. Washington, DC: World Bank, 2006. (Policy Research Working Paper; 3839). Cited in: Altenburg, Tilman. Industrial Policy in Developing Countries: Overview and Lessons from Seven Country Cases. Bonn: Deutsches Institut für Entwicklungspolitik (DIE), 2011. (Discussion Paper; 4/2011) 9. Porter, Michael E. The Competitive Advantage of Nations. New York: Free Press,

10. Price, Victoria Curzon. Industrial Policies in the European Community. New York: St. Martin’s Press, 1981. Cited in: Altenburg, Tilman. Industrial Policy in Developing Countries: Overview and Lessons from Seven Country Cases. Bonn: Deutsches Institut für Entwicklungspolitik (DIE), 2011. (Discussion Paper;

11. Serra, Narcís and Joseph E. Stiglitz (eds.). The Washington Consensus Reconsidered: Towards a New Global Governance. Oxford; New York: Oxford University Press, 2008. (Initiative for Policy Dialogue Series).

12. Singh, Ajit. «The Past, Present and Future of Industrial Policy in India: Adapting to the Changing Domestic and International Environment,» in: Cimoli, Mario, Giovanni Dosi and Joseph E. Stiglitz (eds.). Industrial Policy and Development: The Political Economy of Capabilities Accumulation. Oxford; Toronto: Oxford University Press, 2009. (Initiative for Policy Dialogue Series). Cited in: Altenburg, Tilman. Industrial Policy in Developing Countries: Overview and Lessons from Seven Country Cases. Bonn: Deutsches Institut für Entwicklungspolitik (DIE), 2011. (Discussion Paper; 4/2011) 13. Stiglitz, Joseph E. «Some Lessons from the East Asian Miracle.» World Bank Research Observer: vol. 11, no. 2, August 1996. 14. Williamson, John. «Did the Washington Consensus Fail?.» (Outline of a Speech at the Center for Strategic and International Studies, Washington, DC, 2002). 15. ______. «A Short History of the Washington Consensus,» in: Serra, Narcís and Joseph E. Stiglitz (eds.). The Washington Consensus Reconsidered: Towards a New Global Governance. Oxford; New York: Oxford University Press, 2008. (Initiative for Policy Dialogue Series) 16. Young, Alwyn. «Lessons from the East Asian NICs: A Contrarian View.» (NBER Working Paper; no. 4482, National Bureau of Economic Research, Cambridge, MA, October 1993).