العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفوضى العمرانية الخلاقة في فضاءات مدينة القاهرة بعد ثورة يناير 2011: جسور النيل وميدان التحرير

الفوضى العمرانية الخلاقة في فضاءات مدينة القاهرة بعد ثورة يناير 2011: جسور النيل وميدان التحرير

Creative Urban Chaos in Cairo’s Spaces after the January 2011 Revolution: The Nile Bridges and Maidan Tahrir

Ali A. Alraouf **

علي عبد الرءوف *

الملخّص

يطرح البحث مفهومًا مغايرًا يرى في "الحرية البديلة اللارسمية"، التي تنتجها الثورات الشعبية الصادقة في المدينة العربية، نوعًا جديدًا من الفوضى يُوصف بـ"الفوضى الشعبية الخلّاقة". هذه الحرية البديلة والفوضى الخلّاقة التي تتجاوز الإطار الإبستيمولوجي المدرك عن الفوضى، تبلورت تجلياتهما أثناء ثورة الشعب المصري في 25 كانون الثاني/يناير 2011 وبعدها. يقدم هذا البحث طرحًا يناقش كيف تبلورت ظاهرة الفوضى في المدينة العربية والمصرية من خلال ميادين عامة وفضاءات مهمة في نسيج المدينة، ولا سيما في ميدان التحرير. كما يقدم البحث قراءة مغايرة لفكرة الفوضى تقترح أنه يمكن بالفعل أن تكون لها أبعادها الإيجابية في السياق العمراني والإنساني، وليس في السياق السياسي فحسب.

Abstract

Abstract: This study examines Cairo’s Nile Bridges and Maidan Tahrir as examples of key urban public arenas and critical spaces where chaos crystalized in the context of Arab and Egyptian Revolution of January 2011. It adopts the concept of «creative urban chaos» rather than the conflicting political ideas associated with «urban chaos». The author suggests that this concept reflects a battle waged between hegemonic classes wielding control over the city’s spaces, and marginalized classes excluded from public space, in their struggle to regain access to these spaces, as well as fighting to improve their deteriorating economic and social situation.

الكلمات المفتاحية:
  • الفوضى العمرانية الخلاقة
  • عمران ميدان التحرير
  • فضاءات مدينة القاهرة
  • ثورة 25 يناير
Keywords:
  • January 25 Revolution
  • Creative Urban Chaos
  • Tahrir Square Urbanization
  • Cairo CitySpaces

جسور النيل وميدان التحرير

Creative Urban Chaos in Cairo’s Spaces after the January 2011 Revolution

The Nile Bridges and Maidan Tahrir

ملخص: يطرح البحث مفهومًا مغايرًا يرى في «الحرية البديلة الارسمية»، التي تنتجها الثورات

الشعبية الصادقة في المدينة العربية، نوعًا جديدًا من الفوضى يُوصف ب«الفوضى الشعبية

الخلّقة». هذه الحرية البديلة والفوضى الخلّقة التي تتجاوز الإطار الإبستيمولوجي المدرك عن الفوضى، تبلورت تجلياتهما في أثناء ثورة الشعب المصري في 52 كانون الثاني/يناير 0112 وبعدها. يقدم هذا البحث طرحًا يناقش كيف تبلورت ظاهرة الفوضى في المدينة العربية

والمصرية من خال ميادين عامة وفضاءات مهمة في نسيج المدينة، ولا سيما في ميدان التحرير. كما يقدم البحث قراءة مغايرة لفكرة الفوضى تقترح أنه يمكن بالفعل أن تكون لها أبعادها الإيجابية في السياق العمراني والإنساني، وليس في السياق السياسي فحسب.

Abstract: This study examines Cairo’s Nile Bridges and Maidan Tahrir as examples of key urban public arenas and critical spaces where chaos crystalized in the context of Arab and Egyptian Revolution of January 2011. It adopts the concept of «creative urban chaos» rather than the conflicting political ideas associated with «urban chaos». The author suggests that this concept reflects a battle waged between hegemonic classes wielding control over the city’s spaces, and marginalized classes excluded from public space, in their struggle to regain access to these spaces, as well as fighting to improve their deteriorating economic and social situation.

مقدمة

نقدم في هذا البحث طرحًا نقديًا تحليليًا يؤكد أن ما حدث على جسور القاهرة وفي ميدان

التحرير على هامش الثورة وما بعدها، يقدم توثيقًا لفكرة الفوضى الشعبية الخاّقة التي تستجيب لمطالب أكثر صدقية من عموم المجتمع، وتتجاوز فرضيات وافتراضات النخبة والمهنيين

المحترفين في مجالات العمارة والعمران وتخطيط المدن والمنظّرين لمستقبل المدينة العربية. إن التحول التاريخي الذي يشهده العالم في العقد الأخير ترافقه مظاهر دينامية تتمثّل في النمو السكاني والتحضر المتنامي وتأثيرات العولمة والتحدي البيئي وانتشار التكنولوجيا الرقمية. وتفاعل هذه الظواهر يؤثر في أكثر من سبعة مليارات من البشر هم سكان عالمنا الحالي. وتشكل المدينة مسرحًا لهذا  الصراع والمكان الأكثر تحديًا للأمن الإنساني، حيث تمثّل المدن أفضل أمل لتحقيق أعلى

مستوى من جودة الحياة لأكبر عدد من الناس. ومن منظور المدينة الاقتصادي والسياسي والثقافي، باعتبارها بيئة دينامية، وكذلك نتيجة لاختافات الاجتماعية المنتجة لإشكاليات الوجود في المدينة، يستحق جميع مكونات المدينة مزيدًا من الفحص والتأمل والتدقيق. وفي السياق الشرق الأوسطي، لم يمثّل أي من مكونات المدينة المختلفة قيمة فارقة كما فعلت الفضاءات أو الفراغات العامة، من شوارع وساحات وميادين؛ فقد كانت تلك الميادين الوعاء الذي احتضن جموع الشباب، ثم باقي أفراد وقطاعات المجتمع، في تعبيرهم الجماعي عن الرفض؛ هذا الرفض الذي كُثِّف في جنبات الفراغات والفضاءات العامة حتى تحوّل إلى ثورات كاسحة أسقطت أنظمة تجاوز تمسكها بمقاليد الحكم

عقودًا. وقد قاومت هذه الأنظمة، وما زالت تقاوم جميع الأطروحات الثورية مقاومة شرسة، وكان

العنف في الميدان شعارًا لحقبة سوداء في تاريخ المجتمعات العربية وفي سردية المدينة العربية. في سياق متصل، تناضل الشعوب بصورة دائمة من أجل الحرية التي هي القيمة الأسمى في المجتمعات الإنسانية، ولكنها تدرك أيضًا أن الحرية المطلقة والعديمة القيود والضوابط تؤدي غالبًا إلى الفوضى

المطلقة؛ فالحرية، في أكثر تعريفاتها رحابة ومرونة، لا تعني الانفات والتسيب والانقضاض على عوالم الآخرين، ولذلك يُعتبر أمرًا جوهريًا وجود قيود قانونية ومرجعيات أخاقية تضمن ممارسة

الحرية على نحو منضبط؛ فالحرية هي من أجل الإنسان لا من أجل الإساءة إليه، وهي من أجل الاستقرار الاجتماعي لا من أجل تهديد الاستقرار؛ إنها مبدأ مقدس يجب احترامه، إلا أن على كل مجتمع أن يختار لحريته الإطار الخاص الذي يرتبط بالسياق الاجتماعي والثقافي والعقيدي. من هنا تأتي أهمية إعادة تقييم أنماط معينة من الفوضى التي قد لا تُقبل في سياق معين، ولكنها تضيف وتساهم وتستجيب في سياق آخر. يركز البحث في ما يلي على النضال العفوي الفوضوي الهادف إلى السيطرة على الحيز أو الفضاء العام

في المدينة، وعلى السعي إلى فهم أهمية هذا النضال في ضوء ظهور جماهير ثائرة ومطالبة بحقوق

(((تبعًا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن نصف سكان العالم يقطن في مدن، وربما يقترب عددهم خال عقدين من 70 في المئة

من إجمالي سكان الأرض. كما أن ظاهرة المدن المليونية العماقة أصبحت ملمح كثير من قارات العالم ودوله. انظر: Habitat III

Report: New Urban Agenda ([s. l.]: UN Housing and Sustainable Urban Development, 2016).

حُرمت منها على مدى عقود مديدة. كما أنه سينظر، باستخدامه أمثلة من الأحداث السياسية الأخيرة

في مصر، وبالتحديد في حالة مدينة القاهرة، في طبيعة التحدي الذي يواجه تكوين سلطة مؤثرة تمثّلها الجهود الشعبية لتعريف وشغل الحيز العام من خال تقديم نماذج إيجابية وخلّقة لظاهرة الفوضى.

الإشكاليات البحثية

يتخذ البحث حالة مدينة القاهرة موضوعًا للدراسة، وخاصة ميادينها، وتحديدًا ميدان التحرير، وبعض الجسور المهمة، ومنها جسر الجاء وجسر الجامعة وجسر قصر النيل. وبالإضافة إلى تحليل مجموعة من الأدبيات والأطروحات المنشورة عن دور الفراغ العام وقيمته، يعتمد البحث على تقديم وتحليل مشاهدات تؤكد أن الفوضى ربما تكون قيمة إيجابية في بعض الأحيان، وخاصة في المشهد العمراني والإنساني في قمة ساحات تفاعلهما وتداخلهما، وهو الفراغ العام. وقد رُصد هذان

المشهدان، بتنويعاتهما المتباينة والمتمايزة، في الدراسات الميدانية والتجوال المستمر على جسور القاهرة وميادينها وشوارعها على مدار السنوات الأربع الماضية. يرصد المشهد الأولتحوّل أرصفة جسور القاهرة المطلة على نهر النيل، وخاصة تلك الأكثر

أهمية في تيسير حركتها المرورية (مثل جسر 6 أكتوبر وجسر قصر النيل وجسر الجاء) إلى ساحات وفراغات عامة للمجتمع، مفعمة بالأنشطة التي تمتد أحيانًا لتصل إلى مسارات الحركة المخصصة للسيارات على الجسر نفسه. وقد كُتب عن هذا المشهد كثيرًا وقيل إنه يجسد فوضوية

الثورة وعشوائية ما بعد 5 2 يناير. ويرصد المشهد الثانيتجليات استخدام الفراغات والميادين العامة في ما بعد ثورة 52 يناير، وخاصة حالة ميدان التحرير، وتحويل هذه الميادين من تقاطعات مرورية تدعي المساهمة في انسياب حركة السيارات إلى فراغات وساحات عامة مجتمعية شعبية وفوضوية بامتياز.

الأطروحات النظرية والمفاهيمية «الشجاعة تُنتج السلم والسلم يُنتج الراحة

والراحة تتبعها فوضى والفوضى تؤدي إلى الخراب ومن الفوضى ينشأ النظام والنظام يقود إلى الشجاعة». ميكافيلي، من كتاب الأمير

(((كانت هذه الدراسات الميدانية جزءًا جوهريًا من الدراسات البحثية التي قمت بها في أثناء الإعداد لكتاب عن ميدان التحرير

والمعنون: شعب وثورة وميدان - القصة المعمارية والعمرانية للتحرير (في قيد الإعداد النهائي). وقد تضمنت الدراسات توثيقًا من خال مقابات شخصية وتدوين ماحظات ومشاهدات اجتماعية عمرانية، بالإضافة إلى توثيق فوتوغرافي شمل أنساق تعامل

المجتمع مع المكان العام، فضلً عن بعض الأحداث الثورية، وخاصة تلك التي شهدها ميدان التحرير.

«لقد ضربت نسبيّة آينشتاين وهْم نيوتن عن مكان وزمان مطلقين، وأطاحت فيزياء الكم حلم

نيوتن في التوصل إلى القياسات الدقيقة الحاسمة، وبددت نظرية الفوضى خيال نيوتن عن إمكان التوقّع المُحكم والحتمي».

كتاب نظرية الفوضى- علم اللامتوقع

في تأسيس القاعدة النظرية لهذه الدراسة، نتوقف أمام طرح مؤلف كتاب In Defense of Chaos (في الدفاع عن الفوضى)، حين يقرر أن الفوضى سيئة السمعة دائمًا، لكن عددًا قليلً من الناس يدرك

أن النظام لا يوجد من دون ديناميات الفوضى، وهذا ما يقرره المؤلف بقوله إن من غير الفوضى لن يكون هناك خلق أو بنية أو حتى وجود؛ فالنظام هو، بعد كل شيء، مجرد تكرار لأنماط وأنساق، والفوضى هي العملية التي تؤسس تلك الأنماط والأنساق وتوجدها. إن نظرية الفوضى) Chaos Theory) هي من أهم النظريات  الفيزيائية التي تتعامل مع موضوع  التحركات والأنساق الدينامية الاخطية التي تبدي نوعًا من السلوك العشوائي عند إدراكها المباشر. وينتج هذا السلوك العشوائي إمّا من طريق عدم

القدرة على تحديد الشروط المولّدة الدافعة وإمّا من طريق الطبيعة الفيزيائية الاحتمالية التي تتجاوز

المتوقع أو المفترض. وتحاول هذه النظرية أن تستشف النظام الخفي الضمني في هذه العشوائية الظاهرة، ومحاولة وضع قواعد لدراسة مثل هذه النظم والأنساق التي تفسَّر خطأ بأنها عديمة النظام

وفاقدة التوافق. والشائع دائمًا هو أن الفوضى قيمة سلبية، وباستثناء التعبير الذي استُهلك بشدة في

العقد الأول من القرن الحالي، أي «الفوضى الخلّ» (قة Creative Chaos) كما صاغته وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق كوندوليزا رايس، يصعب ربط الفوضى بأي قيم إيجابية. كانت رايس قد استخدمت التعبير لوصف إيجابيات غير مرئية لما يحدث في الشرق الأوسط، وخاصة تداعيات أزمة حرب الخليج. وفي سياق هذه الدراسة، ربما يكون من المثير محاولة إسقاط مقولة رايس على العمارة والعمران في السياق المصري المعاصر، وبصورة خاصة في ما بعد ثورة 52 كانون الثاني/يناير 011.2 هذا الإسقاط يهدف إلى تقرير ما إذا ما كان هناك بالفعل فوضى يمكن وصفها بالخاّقة، وكذلك تحديد الفارق بين الفوضى الخلّقة التي يطرحها القطب الأكبر في العالم، مفسِّرًا الهيمنة والتدخل في

مصائر الشعوب، والفوضى التي يطرحها شعب يناضل من أجل حريته واستقاله. بناء على التفسيرات السابقة، نركز على خصوصية التحليل المطروح في الدراسة لتفسير الصراع الدائر في عمران مدينة القاهرة؛ هذا الصراع الذي يبلور تباينًا بين النماذج العمرانية «المنظَّمة الرسمية» التي

(3) L. K. Samuels, In Defense of Chaos: The Chaology of Politics, Economics and Human Action (New York: Cobden Press, 2013), pp. 24 - 28. (4) Ibid., p. 37.

(((انظر نظرة شاملة إلى علم الفوضى في كتاب: جايمس غليك، نظرية الفوضى - علم اللامتوقّع، ترجمة: أحمد مغربي (بيروت: دار الساقي.)2008 (((في 9 نيسان/ أبريل 005 2، أدلت رايس بحديث صحافي إلى جريدة واشنطن بوستالأميركية، أذاعت فيه حينذاك نية الولايات

المتحدة نشر الديمقراطية في العالم العربي، وبدء تشكيل ما سُمّي «الشرق الأوسط الجديد»، كل ذلك عبر نشر «الفوضى الخلّ» قة

في الشرق الأوسط من خال جهود الإدارة الأميركية ورعايتها.

تعكس قوة وهيمنة الطبقات الاجتماعية المصرية المتنفذة، والنماذج العمرانية «الفوضوية الشعبية» التي تحاول الطبقات الاجتماعية المصرية المهمشة والمسحوقة فرضها بعد ثورة يناير، كي تستعيد من خالها الفضاء الذي حُرمت منه، وما يصاحب ذلك من دينامية اندماجية لا يقبلها النموذج العمراني

«الرسمي المنظَّم». من هذا المنطلق أيضًا، ومن الناحية المفاهمية، نتجاوز المعنى السياسي للفوضى الخلّقة  الذي روَّجت له رايس وآخرون، واستمد مدلوله الإبستيمولوجي من المقترح العام نفسه الذي نجده في العلوم الصحيحة، إلا أنه في هذا النص يعبّر عن الأشكال الجديدة، غير المقبولة رسميًا، من

استعمال الفضاء بما يناسب الطبقات الشعبية اجتماعيًا وثقافيًا، وهو ما لم تقدر الدولة على القيام به

اعتمادًا على النموذج النظامي الذي تتّبعه. الواقع أن ظهور نظرية الفوضى وبلورتها كان نقلة نوعية في مسار تقدم الفكر الإنساني؛ فمضمون هذه النظرية هو أن تصورنا بعض ظواهر الطبيعة أنها فوضوية وعشوائية تصور محدود وغير صحيح، وأن اليقيني هو أن هذه الظواهر كلها مرتكزة على قوانين حاكمة، لكنها، وكما تنص النظرية، تتحرك من حالة النظام إلى حالة الانظام فا تصل أبدًا إلى الفوضوية السلبية العشوائية والعديمة القوانين المنظمة. وكما يطرح العتيق، فإن النظرية يمكن بلورتها في عبارة «أن كل فوضى هي لا نظام، ولكن ليس كل لا نظام فوضى». إن الجانب غير المنتظم من الطبيعة، والمفاجئ والمتوتر والانقابي وغير المنسجم ولا المتناسق، أعجز العلم عن تقديم تفسير له. بيد أن هذا العجز انقشع تدريجيًا في

سبعينيات القرن العشرين، بعد أن تكونت فرق بحثية في مراكز العالم الأكاديمية والتقنية اجتمعت على هدف واحد هو الاهتمام بفكرة الاضطراب والفوضى وتفسيرها. وبرز بين الفرق تلك عالم الفيزياء ميتشل فايينبوم الذي قدم تفسيرًا متماسكًا أسس لنظرية الفوضى التي أعادت صوغ المؤسسة العلمية

على مستوى العالم كله. لقد سدت هذه النظرية (الفوضى) الفجوة بين ما يعرفه العلم عن عمل فرد شيئًا ما وما يعرفه عن عمل المايين الشيء نفسه. ولعل من الأمثلة الدالة على ذلك معرفة كيف تعمل خلية واحدة من خايا الجسم الإنساني في الجهاز العصبي، ومعرفة كيف تعمل مايين الخايا العصبية معًا في دماغ الإنسان وجهازه العصبي. وبالمنطق نفسه، ثمة مثال آخر مرتبط بموضوع البحث، هو سلوك الإنسان في إطاره الفردي وسلوك آلاف أو مايين البشر في إطارهم الجماعي. إذن حاولت نظرية الفوضى إيجاد تفسير نظامي للظواهر التي كنا نعتقد أنها خارجة عن النظام.

(((أحمد العتيق، «نظرية الفوضى: علم الامتوقع»، الدوحة (دولة قطر)، العدد 69 (تموز/ يوليو 0132)، ص 154 -.155 (((ميتشل فايينبوم عالم فيزيائي رياضي ولد في 91 كانون الأول/ديسمبر 944.1 له دراسات رائدة في نظرية الفوضى. بدأ الدراسات العليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) سنة 9641. سُجل في الدراسات العليا في الهندسة الكهربائية ثم

تحول إلى الفيزياء، وأكمل في سنة 9701 أطروحة الدكتوراه في عاقات الفوضى والتشتت. (((العتيق، ص.155

ظاهرة الفوضى: دلالة المفاهيم المتباينة «هناك نظام وحتى جمال رائع في ما يبدو مثل الفوضى. إذا ألقينا نظرة عن كثب على العشوائية حولنا، سوف تبدأ الأنساق المنتظمة في الظهور».

إذن هناك مفهومان متعاكسان استُخدم في كل منهما مصطلح «الفوضى»: الأول سلبي

المعنى، وهو «الإنتروبي» (Entropy) أو مقياس الفوضى أو التشتت با فائدة، ويُستدل منه

أيضًا التدهور في أي منظومة (فيزيقية أو بيولوجية أو اجتماعية) بحيث يجعلها في حاجة دائمًا

إلى طاقة خارجية لارتقاء ومقاومة التدهور. والثاني هو «نظرية الفوضى» التي تفسر ترابط العناصر التي تبدو عشوائية، بينما تجمعها عاقات رياضية غير خطية، مثل دينامية السلوك المناخي وتحركات البورصة، ويمتد المفهوم هذا من خال رياضيات البلورات أو المتكسرات (Fractal Mathematics) إلى العاقات الهندسية التشكيلية في عناصر الطبيعة، من السُّحب

إلى الأنهار فالأشجار. وما نراه هنا هو أن اختيار كلمة «فوضى» لهذه النظرية غير موفق لأن الكلمة تعني في الحقيقة البحث عن النظام في ما يبدو فوضويًا أو عشوائيًا. وكان معناها في

سياق اللغة العربية بصورة خاصة، سببًا لاستغراق الكامل في تفسيرات المصطلح السلبية.

الفوضى مدخلا فلسفيًا لتفكيكية العمارة والعمران وبيئة المدينة «الفوضى هي قانون الطبيعة، بينما النظام هو حلم الرجل». هنري آدمز

يهدف هذا الجزء إلى ربط مفاهيم الفوضى، ولا سيما بشقها الإيجابي، بالأطروحات الفلسفية التي وجدت في تجاوز القواعد قيمة إبداعية ملهمة، وخاصة في مجالات العمران وتشكيل المدينة وصوغ العمارة؛ فمن التتبّع التاريخي للتحولات في الفلسفة المعاصرة، نرصد توجهات عدة، أهمها حركة

الحداثة ثم ما بعد الحداثة، تليهما الظاهرية ثم البنيوية ثم ما بعد البنيوية التي نبعت منها الفلسفة التفكيكية. وكان لجهود جاك دريدا (1930 - 0042) ومعاصره رولاند بارثيس (1915 - 9801) الأثر الأكبر في صوغ فلسفة ما بعد البنيوية، وكان الأخير هو المسؤول عن فكرة موت المؤلف التي أطلقها سنة 9641، وعنى بها إطاق الحدود لفهم المتلقّي النص الأدبي وتفسيره. ثم أعلن لاحقًا أن موت المؤلف يعني أيضًا مياد القارئ الذي له الحق الكامل في تعددية المعاني والتفسيرات التي يتلقى بها العمل الإبداعي. إن المجال الرئيسي الذي تتعامل معه أطروحة الفيلسوف الفرنسي هو المجال الفلسفي والنقد الأدبي، ولكن الأطروحة سرعان ما امتدت في تأثيرها لتشمل مجالات إبداعية أخرى، مثل الفنون

(10) Chris Jones, «Top Ten Quotes from Aaron Sorkin for Screenwriters,» London Screen Writers Festival, 17 August 2014, Accessed on 3/3/2016, at: http://www.londonscreenwritersfestival.com/top-ten-quotes-from-aaron-sorkin

(((1 عبد المحسن فرحات، «جسر للأمل عبر محيط فوضوي عمرانيًا وإنسانيًا»، جريدة مركز طارق والي العمارة والتراث (آذار /

مارس 0152)، ص.18

التشكيلية والعمارة وتخطيط المدينة. وقد استخدم دريدا لفظ التفكيكية من صياغات سابقة للفيلسوف مارتن هايدغر وطرح فيها أن البناء يتداخل مع الهدم والفوضى المقننة التي فُسرت بأنها التفكيك. وأثرت التفكيكية في جميع جوانب الحياة، وغيّرت مفاهيم كثير من المفكرين

والمنظّرين والأكاديميين. ورأى دريدا العمران والعمارة نوعًا من الكتابة الإبداعية، وهي بالتالي طريقة

لممارسة الحياة. وجّه معاصرو دريدا إليه نقدًا عنيفًا اعتمدوا فيه على وصف التفكيكية بأنها نوع من العدمية التي

تقوض المعايير الأخاقية والفكرية الحيوية للأكاديمية وتُضعفها؛ بل إن بعض هؤلاء ذهب إلى أن نظريات دريدا نظريات انتحارية، أي أنها تضع حدًّا لحياتها بنفسها. أمّا دريدا، فكرر في أعماله

المبكرة أن التفكيكية هي هزٌّ للصرح التقليدي المنتظم والمستقر أو تهديم له ككيان كلي، وهو ما ينتج

ما أسماه ارتعاد الخلود وارتعاشه. كما يطرح وِيغلي أن التفكيكية إطار أو نوع من الاستجوابات الفكرية التي تهز البناء بصورة تكشف ضعفه؛ إذ إنها تضعه تحت وطأة الضغط. من وجهة نظر

دريدا، ليس التفكيك هو التدميرَ أو الفوضى، بل هو القدرة على كشف الطبقات المكونة للبناء وفكّها،

ودريدا هنا يتبنّى فكرة هايدغر القائلة إن التدمير التفكيكي أو الابنائية أو الفوضى السلبية تشوش على التقاليد وتبعثرها وتزعجها. إذن، تتساءل التفكيكية عن الأطروحة والفرضية والفكرة الرئيسية وعن الوضعية الخاصة تقريبًا بكل شيء با استثناء.

التفكيكية والعمارة وصوغ المدينة: على هامش موت المؤلف

إن تطور المفاهيم الجديدة ونضجها في أي ثقافة ينعكسان بصور متباينة على جميع مناحي الحياة،

ولكن العمران والعمارة يَبرزان مجالً من أهم المجالات الإبداعية التي يمكنها أن تعكس مفاهيم

ورؤى فلسفية وفكرية جديدة وأن تجسدها. من أهم الفاسفة والمفكرين الذين كان لأفكارهم تأثير جارف وحاسم في العمران والعمارة، كما تبيّن لنا في الجزء السابق، هايدغر ودريدا. ولكن الأكثر أهمية عند هؤلاء هو حرصهم

(12) Jonathan D. Culler, On Deconstruction: Theory and Criticism after Structuralism (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1982), pp. 12 - 19. (13) Neil Leach, Rethinking Architecture: A Reader in Cultural Theory (New York: Routledge, 1997), p. 23. (14) Ibid., p. 48.

(1((في سنة 9921، وقّع 02 فيلسوفًا من جامعات مختلفة عريضةً ترفض منح دريدا درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة كيمبردج، واصفين أعماله بعدم الوضوح. 1(((راجع البنكي، حيث يطرح وجهة نظر ستانلي فيش وهارولد بلوم: محمد أحمد البنكي، «التفكيك»، آوان، العدد 2 (0032)، ص.139

(17) Mark Wigley, The Architecture of Deconstruction: Derrida’s Haunt (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1993), p. 62. (18) Ibid., p. 73.

(1((كان دريدا عضوًا مؤسِّسًا لمجموعة الباحثين في شأن تعليم الفلسفة، وهي المجموعة التي اشتهرت بمواقفها المعارضة

لاستراتيجية تطوير التعليم في فرنسا. كما أنه عمل على تأسيس المعهد العالمي للفلسفة ليكون مساهمة في إصاح تدريس الفلسفة وحيزًا لاحتضان الأبحاث التي ترفضها المؤسسات الجامعية التقليدية وتهمّشها.

على الكيفية والأسلوب والعمليات التصميمية التي ستعكس بها المدينة وعمرانها وعماراتها أفكارهم الفلسفية. الفلسفة تستعين بالبيئة المبنية لتجسيد أفكارها، وتنفي فكرة أن البناء هو ممارسة مادية فقط. كما أن العمارة تلجأ إلى الفلسفة، كما يطرح وِيغلي، لتصوغ كيانًا يحمل المضامين والأبعاد العميقة التي تؤهله لتجاوز حتميته المادية. أمّا نيلسون، فناقش أن العمران

والعمارة هما استعارة بنائية في الفكر الفلسفي، وهما في الوقت ذاته تعبير عن طرق متعددة في التفكير. إن ما اقترحه دريدا إطار نقدي منفتح ومرن أسماه «استراتيجية التفكيك» التي عرّفها بأنها إعادة بناء

وتركيب وتشريح لجميع المعاني والمفاهيم وليست هدمًا أو فوضى، وهذا هو المطلوب إدراكه

في أي محاولة لاختبار أو تقييم، أو حتى مجرد محاولة فهم العاقة بين الفوضوية والتفكيكية والعمران. تبلور مصطلح «العمارة التفكيكية» في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، كتعبير رمزي ونظري في آن عن مجموعة من التوجهات والتجارب التصميمية التي ظهرت في الممارسة المعمارية العالمية، وارتكزت جميعها على طرح دريدا الفلسفي. وكما يؤكد دريدا، فإن التفكيكية ليست «طرازًا» معماريًا، وإنما هي «وسيلة او استراتيجيا أو رؤية» يتبنّاها العمراني والمعماري، بغرض

خلق «تضارب وتصادم أو فوضى إيجابية» بين ما بات أمرًا عاديًا ومألوفًا لدى المرء في إدراك اللغة

والمعنى، وما يراه أو يشاهده لوزبرغ. والتفكيكية العمرانية المعمارية، في هذا المعنى ووفقًا

لدريدا، هي بمثابة سؤال المعماريين لأنفسهم: هل في مقدور البيئة المبنية أن تتخلى عن هيمنة علم الجمال الكاسيكي؟ وهل في إمكانها أن تتنصل من النفعية ومن الوظيفية؟ وهل ثمة مفاهيم راسخة تحدد النظام، وتشير أيضًا إلى عدم النظام وإلى التشويش مثا؟ وهل يمكن تشييد مبنى بالتخلي عن تلك المبادئ الأساسية المتعارَف عليها والمألوفة لإنشاء عمارة، ضمنها مبادئ الايقاع والتوازن

والخطوط الأفقية والعمودية، أم أن ثمة عمارة أُخرى تنشد بالضرورة تهشيم القيم القديمة من أجل إبداع شيء ما جديد؟.

(20) Wigley, p. 86. (21) Fredrik Nilsson, «Philosophy and the Development of Architectural Thinking,» Paper Presented at CongressCATH 2004: The Architecture of Philosophy/The Philosophy of Architecture, Third Conferences Promoted by CentreCATH, at the National Museum of Photography, Film and Television, Bradford, UK, 9 - 11 July 2004, Accessed on 8/5/2016, at: http://www.leeds.ac.uk/cath/congress/2004/programme/abs/114.shtml

(((2 من اللحظات الفارقة في تاريخ العمارة التفكيكية تأتي حادثة تنظيم معرض «العمارة التفكيكية» سنة 9881، وذلك في متحف الفن الحديث الذي شارك في تنظيمه في مدينة نيويورك الكاتب والناقد المعماري مارك ويغلي والمعماري فيليب جونسون، حيث أكد ويغلي في كتالوغ المعرض أن أسطورة التشكيات والكتل النقية انتهت، وأن تقاليد التكوين الهندسي الكاسيكية، كالتوازن والتدرج والتناسق، جرى التمرد عليها بالفعل لمصلحة إنتاج بنى هندسية دينامية وغير مستقرة، بل ربما تكون، تبعًا لتعبيرات، غير

مريحة ومقلقة بصريًا لأنها تطرح لغة جديدة وحقبة معمارية مغايرة للسائد.

(23) Jonathan Loesberg, Aestheticism and Deconstruction: Pater, Derrida, and De Man (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1991), p. 43.

(((2  خالد السلطاني، «تيارات عمارة ما بعد الحداثة: التفكيكية»، الحوار المتمدن، 007/1/192، شوهد في تاريخ 015/7/12:2، في

http://bit.y/1YY8jcv.

ثنائية المدينة والفوضى: إفلاس الرسمي ونهضة العشوائي

«الحكومة في حد ذاتها هي العامل المؤثر، قبل أي شيء، لتدمير النظام وفرض الفوضى». ل. ك. صامويلز، في الدفاع عن الفوضى

من المهم بدايةً تذكّر كم من مؤتمرات وأبحاث ودراسات وتقارير لهيئة التخطيط العمراني في مصر تعاملت مع نمو الأحياء العشوائية على أنها ظاهرة سلبية يجب وقفها ومعاقبة المشاركين في وجودها وتكرارها. فبعد عقود من العجز وإفاس الحكومات في تقديم الحلول لمايين الراغبين في الحصول على مسكن مائم، تراجع هذا الفهم لظاهرة العشوائيات، وبدأت الحكومة تقدم لهم المرافق كالماء والكهرباء، إدراكًا لواقع أن تلك الأحياء الفوضوية العشوائية قدمت إجابة عن تساؤلات عجزت الحكومة وأجهزتها البحثية والتنفيذية عن إيجاد عاج لها. وفي الوقت نفسه بدأ ظهور تيار بحثي في الأكاديميات المصرية يتبنى ضرورة فهم أن في ظاهرة العشوائيات الكثير من الجوانب الإيجابية وأمثلة لتنمية المجتمع ذاتيًا. المدن هي أكبر المراكز الحضرية، وتُعتبر المدينة بجميع أبعادها تجسيدًا لثقافة المجتمعات. ولكل عصر فكره وتأثيره في شكل المدينة، وهو ما يجعل المدينة عبارة عن طبقات من أزمان مختلفة. وإذا حدث خلل في هذا التعامل، تظهر المشكلة وتعم الفوضى. تتعدد أشكال فوضى العمارة في سياق المدن العربية والمصرية وتتداخل أسبابها. وما نرصده الآن من فوضى عمرانية ومعمارية يقدم صورة غير واضحة للمجتمع ووضوح وجود مشكلة حقيقية في تحديد ثقافة معينة سائدة، وغياب الرؤية المجتمعية لعمران المدينة. وفي سياق تخطيط المدينة العربية والمصرية، فإن المفهوم السائد لفوضى العمران والتخطيط هو عدم الانصياع للقوانين والقواعد الرسمية الحاكمة التي مصدرها سلطة رسمية. كما أن نتيجة التمرد على هذه القوانين توصف دائمًا بأنها صورة

غير حضارية للمدينة. من هذا المنطلق، فإن أي ظاهرة مجتمعية أو إنسانية أو عمرانية تتمرد تُستخدم لتفسير أنساق جديدة في المدينة، وتصفها بأنها مخالفة فوضوية. يمكن رصد هذا التوجه بدايةً من كيفية التعامل الرسمي مع ظهور مناطق كاملة غير رسمية، ووصفها في أدبيات الحكومات والأكاديميين بأنها مناطق عشوائية فيها فوضى معمارية وتخطيطية. كما هوجمت التدخات التي يضيفها المجتمع عندما يتعامل مع المباني السكنية الرسمية (مشاريع الإسكان العام) أو الفراغات العامة ليجعلها أكثر ماءمة لحاجاته، حيث وصفت تصرفات السكان بأنها عشوائية وفوضوية وغير قانونية. والواقع أن تفسير هذه المامح

ينبع من فهم أن هذه التصرفات ليست فوضوية أو عشوائية وإنما في الواقع تقدم أحيانًا حلولً عملية، بل مبدعة، لمشكات عجزت الحكومات عن تقديم أي حلول لها، ووصمت المجتمعات المحلية بأنها عشوائية. ولم تدرك السلطات الرسمية القيمة الكبرى في الفوضى الخلّقة التي جعلت المجتمع المحلي يصوغ بيئات عمرانية تراعى حاجات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والبيئية.

(25) Samuels, p. 5.

يمكن من خال فحص العمران الظاهر حولنا أن نرصد تصنيفين رئيسيين، أولهما هو العمران الرسمي القانوني الذي نرى فيه الانتظام والنظام بالمعنى السطحي، هذا النظام الذي يرصد في شبكة الطرقات الفسيحة المتعامدة، وتقسيمات الأراضي الميكانيكية الايقاع، ونمطية تصميم المباني وشكلها. والواقع أن هذا الإصرار على فرض «النظام» بصورته الشكلية السطحية، وعدم الاستجابة لحاجات المجتمع الحقيقية، وخاصة حاجات القطاعات الفقيرة والمهمشة، ربما يولّدان مستوى لا يستهان به من الفوضى السلبية، أو ربما يؤديان في النهاية إلى الانفجار، سواء كان ذلك في التركيبة البيئية العمرانية أو في التركيبة الإنسانية الاجتماعية، مجسدة في غياب العدالة الاجتماعية وفرض القهر سياسيًا واقتصاديًا

وثقافيًا. أمّا التصنيف الثاني، فهو العشوائي الفوضوي غير الرسمي، والذي لا ينتج من رغبة في مخالفة

النظام بقدر ما ينتج من محاولات لطرح حلول لاستمرارية حياة المهمشين والمرفوضين من أبناء المجتمع. إن الأنظمة الرسمية تعاقب المجتمعات المهمَّشة على فوضويتهم (السلبية أو الإيجابية)، من

دون أن تدرك توصيف الفعل الفوضوي كانعكاس لنظام القيم للفرد والمجتمع وأولوياتها، بما يمكن اعتباره العمران الداخلي للفرد والمجتمع، ودور القيم الإنسانية الأساسية (الحق والخير والجمال) فيها في مقابل غيابها، أو حتى حضور نقائضها من ظلم وأنانية وقبح وعدم كفاءة. الشكل (1) إخفاق الحكومات المتعاقبة في الاستجابة لحاجات المجتمع (حالة حي إمبابة - شمال القاهرة)

المصدر: المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء.

2(((علي عبد الرءوف، النقد المعماري ودوره في تطوير العمران المعاصر: الحالة المصرية والعربية (القاهرة: [رخصة المشاع الإبداعي]، 0142)، ص 23 -.26 (2((فرحات، ص.6

يتضح الفارق بين المفهومين عمرانيًا عند المقارنة بين التجمعات العشوائية غير الرسمية في بعض

أحياء القاهرة، مثل إمبابة ومنشأة ناصر، والنسيج العمراني التاريخي (في القاهرة الفاطمية مثلً)، حيث تعطي النظرة السطحية السريعة إحساسًا متشابهًا بغياب الشبكة الهندسية المتعامدة المتوقعة نمطيًا، في

حين أن الأولى هي في حقيقة الأمر نتاج تدهور حضاري مجتمعي، بينما الثانية نتاج تراكم حضاري مجتمعي وعمراني. إذن، يرتكز التفسير الشائع للفوضى في العمران على أن الفوضى في المدينة

هي التمرد على النظام، وبالتالي فإن السبيل إلى منع الفوضى هو الالتزام بالقوانين المنظِّمة للبناء، والاشتراطات المعمارية، واشتراطات التنسيق الحضاري التي تنظم الطابع العام لكل منطقة في أي مدينة، والتسيب في معاقبة من يخالف هذه القوانين والاشتراطات إن وُجِدَتْ. ولكننا نتجاهل أن

المشكلة تكمن أحيانًا في القانون ذاته، حيث تُستغل الثغرات التي يمكن التحايل بها على القانون، أو أن يكون القانون مجحفًا تجاه مجموعات من المجتمع، أو قد تكون المشكلة في الفساد الذي يؤدي إلى التاعب بالقوانين وعدم الالتزام بها. وفي السياق المصري خصوصًا، ازداد في السنوات

الأخيرة اختراق القانون وعدم إنزال عقوبات، لما حدث من غياب أمني خال فترة ثورة 52 يناير وما بعدها. والنتيجة أن مباني مهمة تسجِل قيمة حضارية لزمن معين في مناطق مميزة تم هدمها، وبناء مبان مكانها لا تراعي لا النسيج العمراني ولا الطابع العام للمنطقة.

إشكالية السياق الإقليمي المحلي وتكثيف الطرح السلبي للفوضى

يصيب متأمل المشهد الشرق الأوسطي المعاصر كثير من الإحباط وخيبة الأمل؛ فإضافة إلى ما هو واضح في محيط الشرق الأوسط من صراعات دموية وحروب أهلية وتفكك دول وهجرات قسرية تصرح بفوضى إنسانية واضحة ومظالم كبيرة، يهمنا أن نشير هنا إلى الدراسات المنشورة التي أظهرت بوضوح أن في مقياس العالم ككل يزداد الأغنياء في أضيق شريحة غنى، ويزداد الفقراء في أوسع شريحة فقرًا، وهو ما يخيّب الآمال التي كانت معقودة على العلم والتقنية وسهولة تبادل المعلومات

في إمكانية تضييق هذه الفجوة. كما أن عددًا كبيرًا من المنظمات الدولية السياسية والاقتصادية

والاجتماعية أعلنت تردّي حال المدينة العربية المعاصرة، ولا سيما في دول الربيع العربي. لقد شرّدت الفوضى السلبية، التي تعمّدت دكتاتوريات العالم العربي إنتاجها، مايين البشر. كما

أنها دمرت رصيدًا تراثيًا عمرانيًا ومعماريًا يستحيل استرجاعه في مدن وعواصم عربية عدة، من

عدن ودمشق وحلب وتدمر، إلى صنعاء وطرابلس وبغداد. أمّا في السياق المصري، فتظهر الفجوة

الاقتصادية الاجتماعية بجاء وتزداد بمعدلات متسارعة؛ إذ تؤكد إحصاءات الأمم المتحدة وتقارير البنك الدولي أن حوالى 54 في المئة من إجمالي السكان هُم تحت خط الفقر (المحدَّد عالميًا بقيمة

(2((المرجع نفسه، ص.8

United Nations Development Programme, Human Development Report, 2014: Sustaining Human Progress- 2(انظر:((Reducing Vulnerability and Building Resilience (New York: The Programme, 2014), and United Nations Human Settlements Programme (UN-Habitat): The State of Arab Cities Report, 2012: Challenges of Urban Transition (Kenya: UN-Habitat, 2012), and 53 UN-Habitat Model Projects, 2013/2014: Time to Think Urban (Nairobi: UN-Habitat, 2013).

دولارين في اليوم) وأكثر من 02 في المئة هُم تحت خط الفقر المدقع (دولار واحد في اليوم).

كما أن شعارات ثورة 52 يناير «عيش – حرية – عدالة اجتماعية – كرامة إنسانية»، ومع تأمل المشهد التنموي الحالي، تبدو صعبة التحقيق. إن التعامل مع المجتمع كشريك فعال لم يعد ترفًا أو منحة، وإنما هو حق يرتكز على التفسير العادل للعاقة بين الإنسان والمدينة. والإخفاق في تفعيل هذه العاقة يُعَدّ سببًا جوهريًا لتداعي المدينة، بل

وموتها، على حد تعبير المنظّرة والعالمة الاجتماعية جين جاكوبس. لذلك، لا بد من أجل تنفيذ أي خطة تنمية أو تطوير من إشراك المجتمع وتوعيته بواجباته في المدينة، وبحقوقه التي من أهمها حقه في الوصول إلى المعلومات الخاصة بخطط التنمية العمرانية، والاشتراك في اتخاذ القرارات الخاصة بعمرانه، والعلم بسياسات الدولة العمرانية وأولويات البناء والتعمير، وآليات تخصيص الأراضي والميزانيات المخصصة للمشاريع العمرانية. هذا المدخل لم يجرِ تبنيّه في الإدارة العمرانية لمدينة القاهرة، بل إن الشواهد تشير إلى أن العكس

كان يمثل ممارسة منظَّمة؛ هذه الممارسة يمكن رصد نتائجها في تحديد مواقع يُنقل إليها من

أُزيلت منازلهم ومجتمعاتهم، حيث يُصدم المنقولون بعدم مراعاة ماءمة هذه المساكن لحاجات

المواطنين، لا من حيث الخدمات ولا من حيث توفير وسائل المواصات وقربها من الطرق التي تُمكن هذه المجتمعات من مواصلة حياتها والوصول إلى أماكن عملها وإلى المدراس والخدمات الأخرى. على صعيد آخر، تُخصَّص أراض متميزة، وبمساحات غير مسبوقة، وفي أماكن حيوية لشركات استثمار

عقاري عماقة، لإقامة التجمعات العمرانية المغلقة (Gated Communities) الفاخرة لفئة محددة من المجتمع. تتسبب هذه السياسات غير الواضحة في انعدام الثقة بين الدولة وفئات المجتمع المهمشة، والشعور بعدم الانتماء إلى المكان، وهي مداخل فاعلة للفوضى السلبية. لذلك، فإن فكرة العدالة الاجتماعية وضرورة تعديل التشريعات والقوانين حتى لا يصبح القانوني غير أخاقي والأخاقي غير قانوني، أصبحتا ضروريتين وملحّتين لنمو مجتمع عادل ومنصف، وتنمية مدينة عادلة. كما أن

وضوح القرارات الخاصة بالتنمية العمرانية وإشراك المجتمع في وضع التشريعات الجديدة واتخاذ القرارات هي من الأمور الملحّة لحل هذه المشكلة، وعودة إحساس المجتمع بالانتماء إلى المكان،

وبالتالي إلزام كل فرد من أفراد المجتمع بالمسؤولية المشتركة في المحافظة على البيئة العمرانية واتباع القوانين.

الثورات والفضاء العمراني العام

الثورات هي التحولات العميقة والعنيفة الناتجة من الإطاق المفاجئ للطاقات البشرية التي تنشئ موجات المد للتغيير. تصطدم هذه الموجات بالقوى السياسية السائدة والهياكل التنظيمية،

(30) United Nations Human Settlements Programme (UN-Habitat), 53 UN-Habitat Model Projects, 2013/2014. (31) Jane Jacobs, The Death and Life of Great American Cities ([New York: Random House], 1961).

وتقوم باستبدالها في فترة زمنية قصيرة نسبيًا. ويولّد هذا الاصطدام طاقة حركية فوضوية في

تجلياتها الأولية، لكنها شعبية تضامنية وإنسانية في أعماقها المركّبة والمعقدة. وعلى الرغم من وجود دلائل وعامات تمزق وشيك منذ فترة طويلة، فإن التعجيل بالتغيير في مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا يحدث إلا في إطار ثوري مفاجئ، ولذلك يستحيل التنبؤ بهذه التحولات العميقة الجذرية المفاجئة. ولكن هذا لا يتناقض مع حتمية حدوثها مهما تأخر الوقت، بسبب العوامل التي تتراكم وتتفاقم، وأهمها فقدان الأمل وسيطرة الظلم الاجتماعي وانعدام الحرية. شهدتْ مدن عربية كثيرة، مثل القاهرة ودمشق وطرابلس والمنامة وتونس وصنعاء، حدة الصراع من أجل فراغ عام للتعبير والثورة، وبالتدريج تحولت الميادين من مسارح الثورة إلى مسارح العنف في مدن الربيع العربي. الشكل (2) إعادة علاقة المجتمع المصري بالفراغ العام: ميدان التحرير، شباط/فبراير 2011

«18 Days at the Center of Egypt’s Revolution: Tahrir Square, in Downtown Cairo,: المصدر Was the Epicenter of Antigovernment Protests that Led to the Ouster of President Hosni Mubarak,» New York Times , 12/2/2012, Accessed on 28/10/2016 at: http://www.nytimes.com/ interactive/2011/02/12/world/middleeast/0212-egypt-tahrir-18-days-graphic.html.

ستتناول الورقة البحثية النضال من أجل السيطرة على الحيز/الفراغ العام في المدينة، والسعي إلى فهم أهميتها بالنسبة إلى ظهور جمهور جامح. وباستخدام أمثلة من الأحداث السياسية الأخيرة في الشرق الأوسط، ننظر في طبيعة التحدي للسلطة القائمة التي تمثّلها الجهود الشعبية لتعريف الفضاء العام واحتاله. كان الميدان إبان الربيع العربي مساهمًا في صوغ مشهدية العنف لأن ما حدث

في ميادين مدن الربيع العربي من عنف جسدي مارسته سلطات الأنظمة المهددة لقي انتشارًا غير

مسبوق. فالشبكة العنكبوتية، التي تجعل التواصل الاجتماعي لحظيًا في انتقال متسارع ومذهل لكثير

من الصور الفارقة الدالة التي خلقت وعيًا مغايرًا لكل ما حاولت الدولة وأجهزتها، وخاصة الإعامية،

ساعدت في تسويقه ونشره للرأي العام، وخاصة من خال القنوات الرسمية والحكومية. في مصر، على سبيل المثال، تتعدد حالات الصور الدالة التي أحدثت دفقًا ثوريًا، ومنها صورة رش الثوار بالمياه

في أثناء تأديتهم الصاة على مدخل ميدان التحرير (جسر قصر النيل)؛ صورة قيام جنود بضرب فتاة محجبة متظاهرة وتجريدها من بعض ثيابها؛ سحب جثامين شهداء وإلقاؤها في جوار أكوام القمامة، بمعرفة من عناصر في الجيش المصري. بتسليط الضوء على البُعد المكاني العمراني في المنظومة الثورية، وخاصة الحالة المصرية، نكتشف

أن الثورة لم تتبلور فقط في فراغات في المدينة معيّنة محددة، مثل الميادين، بل يمكن الواقع، ولأسباب

عدة، رصدها في فراغية، أو بالأحرى في التجسيد الفراغي للظلم الاجتماعي والامبالاة العمرانية التي كانت ملمحًا أساسيًا من مامح إدراك نظام حسني مبارك. لذلك، من المهم إظهار كيف ترتبط الثورة

ارتباطًا مباشرًا، وليس مجرد ظاهرة ثانوية عارضة، بالسياسات المكانية والممارسات العمرانية التي

كانت في بعض الأحيان ظالمة وعنيفة تجاه المجتمعات المحلية المسحوقة.

مشهدان رئيسيان في سردية القاهرة الفوضوية الخلاّقة

- المشهد الأول: جسر قصر النيل وجسر الجامعة • شرفات عامة على النيل كان النيل، الذي يشكّل المكون الترفيهي الأكبر في مدينة القاهرة، قد مُنع على أهل مجتمع القاهرة

مع سابق الإصرار والترصد؛ إذ كانت حواف النهر تضج بنشاط العائات والشباب والأطفال، وبعد ثورة يوليو 9521، ظهرت أنماط جديدة للتعامل مع هذه الحواف، وتحولت ضفاف النهر من حيّز

عام يملكه الشعب إلى مجموعة من الأحياز الخاصة على شكل أندية تملكها فئات خاصة بدءًا

بالجيش والشرطة، ثم تطورت لتشمل باقي السلطات النافذة، كالقضاء والإعام. شكلت هذه الأندية، كما أظهر عدد كبير من الدراسات التوثيقية، حائطًا ماديًا حجب النيل عن سكان القاهرة لعشرات

الكيلومترات. وتفاقمت المشكلة عندما تحولت فكرة أندية النهر إلى «موضة» ومنافسة شملت باقي القطاعات المهنية، مثل المهندسين والصيادلة والتجاريين، وجميع افرع القوات المسلحة، بل وحتى بعض الأندية الرياضية.

((3(أثّر نهر النيل في تطور القاهرة العمراني، كما يتضح من تطور العواصم - الفسطاط - العسكر – القطائع، والتي انحصر امتدادها في الاتجاه الجنوبي الشمالي، حيث منعها النيل من الامتداد غربًا. أمّا في حقبة الخديوي إسماعيل، فقد تأثر عمران

القاهرة تأثرًا جذريًا بنهر النيل الذي تغير مجراه ليفتح آفاقًا جديدة لنمو المدينة. كان الخديوي إسماعيل متأثرًا بالفترة التي أمضاها

في إيطاليا ودراسته في فرنسا، إذ وجد حلمه العمراني مجسدًا في النموذج الأوروبي للمدينة. وفي أثناء زيارته باريس، خال

مشاركة مصر في معرض باريس الدولي سنة 8671، تأكدت رغبته في أن يرى القاهرة باريس الشرق. وبعد عودته إلى مصر، اتخذ قرارًا بأن يعهد إلى المخطط الفرنسي جورج هوسمان تخطيط القاهرة كما سبق أن خطط العاصمة الفرنسية. وقام علي مبارك بإعداد

مشروع قانون يضع إطارًا لمشاريع إسماعيل العمرانية لإعادة تخطيط القاهرة ساير فيه مخطط هوسمان، ومن أهم مامحه مشروع

تحويل مجرى النيل إلى الشرق من موقعه الأصلي، وإقامة أحياء الجيزة والدقي السكنية وحدائق الأورمان وحدائق الحيوانات مكان المجرى القديم.

الشكل (3) الأندية الخاصة، ومنها المخصص للجيش والشرطة التي سيطرت على امتداد الواجهة النهرية

المصدر: الباحث.

الشكل (4) حالة نادي القضاة على طرف جسر الجلاء، وجريمة بناء حائط خرساني لحجب النيل تمامًا

عن سكان المدينة كيلومترات عدة

المصدر: الباحث.

هذا الطرح يناقش مفهوم الديمقراطية العمرانية في حقبة ما بعد ثورة 52 يناير ويربطه بقيمة الفراغ العام؛ فعلى الرغم من أن القاهرة هي من أكثر عواصم العالم ازدحامًا وكثافة سكانية وبنائية، فإنها

الأقل من حيث توافر الفراغات المفتوحة والمسطحات الخضراء. ويستدعي الطرح واحدًا من أهم أهداف الثورة، وهو العدالة الاجتماعية، ويربطها بتحقيق العدالة العمرانية، وأهمية الاستجابة لحاجات قطاعات عاشت عقودًا في حالات من التهميش البيّن. وبصورة فاحصة، فإن الطرح يستهدف حالة

شاطئ النيل، وخاصة في حدود مدينة القاهرة الكبرى، ويبحث في أسباب الإخراج المتعمد لنهر النيل من منظومة الحياة العامة في القاهرة، وفي الوقت الذي يجري فيه اتهام القطاعات الشعبية من المجتمع بالفوضوية والعشوائية عند محاولة تكوين أحياز لهم تطل على النهر العظيم.

«مرحى أيها النيل المتجسد في الأرض القادم بسام كي يحيي مصر إنك تخفي عبورك في ثوب الظام وتمد أمواجك إلى الحدائق وتعطي الحياة لكل شيء ظامئ»

دعاء كهنة مصر الفرعونية للنيل

• إعادة استحقاق القاهريين لضفاف النهر من منظور كثير من الباحثين في مجال العمران العادل، تأتي عاقة سكان المدينة بفراغاتها العامة،

ومنها الواجهات البحرية والنهرية، دليلً أساسيًا على عدالة المدينة، وترحيبها بقاطنيها على اختاف

انتماءاتهم وطبقاتهم وعقائدهم. الأكثر أهمية هو أن تحقيق هذه العدالة العمرانية الاجتماعية أصبح أحد الأسباب الرئيسية لخلق إحساس حقيقي بالانتماء والتواصل مع الأرض والمكان، بل والوطن ككل. وحق الوصول إلى المكان العام والوجود فيه هو محور رئيسي في منظومة الانتماء المادي والعاطفي التي يحتاج الإنسان إليها. من هذا التصور تتبلور أسئلة جوهرية، أهمها: هل يمكن أن يكون نهر النيل أداة لتفعيل ديمقراطية العمران، بل وترسيخ فكرة الديمقراطية كلها في حقبة ما بعد ثورة 52 يناير؟ كيف يعود نهر النيل قلبًا دافقًا ودافعًا للحياة العامة العادلة في أوصال مدينة القاهرة

وباقي المدن المصرية؟ في السنوات الأخيرة، أصبح استكشاف العاقة بين المجتمع والمدينة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والفراغية محورًا مهمًّا من محاور البحث العمراني. وقد ناقش ديفيد هارفي في كتابه

Social Justice and the City (العدالة الاجتماعية والمدينة) مفاهيم المدينة والعدالة والفراغ وعاقتها بالتعددية العمرانية. وناقش إدوارد سوجا في كتابه Seeking Special Justice (تحقيق العدالة الفراغية)، بالقول إن للعدالة جغرافيتها الخاصة التي يحدث من خالها التوزيع المتوازن والعادل للمصادر والموارد والخدمات، وهو ما يمثّل حقًا إنسانيًا أساسيًا. أما سوزان فينشتين، فتطرح في كتابها

The Just City (المدينة العادلة) أنه ينبغي أن تمتد معايير التقييم لنجاح مشاريع التنمية العمرانية لتشمل العدالة الاجتماعية.

(3((نيكوس كازانتزاكيس، رحلة إلى مصر: الوادي وسيناء، ترجمة محمد الظاهر ومنية سمارة، كتاب أدب ونقد؛ 1 (القاهرة: مجلة أدب ونقد، 9911)، ص.27

(34) David Harvey, Social Justice and the City , Geographies of Justice and Social Transformation; 1, Rev. Ed. (Athens: University of Georgia Press, 2009). (35) Edward W. Soja, Seeking Spatial Justice , Globalization and Community Series (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2010). (36) Susan S. Fainstein, The Just City (Ithaca: Cornell University Press, 2010).

المصدر: الباحث.

المصدر: الموقع الرسمي لهيئة التخطيط العمراني في مصر.

الشكل (5)

الفراغ العمراني الوحيد، الذي أُنشئ بغرض أن يكون فراغًا عامًا للشعب،

جرى إغلاقه أشهرًا طويلة بعد شكوى أصحاب المراكب السياحية من ضوضاء المترددين عليه

ومستوياتهم، ثم أعيد فتحه كحديقة خاصة لها رسم دخول.

الشكل (6) مشروع القاهرة 2050 الذي يستدعي تنفيذه تهجير الملايين من أحيائهم وعزلهم عن النيل

(3((في السياق المعرفي لدراسات العمارة والعمران وتخطيط المدن، يُستخدم مصطلح الفراغ (Space) للتعبير عن الفضاء المادي الذي يختبره

الناس، سواء على مستوى الفراغات الداخلية، مثل المساكن والمدارس، أو على مستوى الفراغات الخارجية، مثل الشوارع والميادين والحدائق.

إن تكثيف ظاهرة «لا ديمقراطية العمران» المرصودة في عمران القاهرة الكبرى ومصر كلها يأتي في المقام الأول من العجز عن الفصل بين ما هو قانوني وما هو غير أخاقي في الوقت ذاته. هل يمكن أن يكون الفعل القانوني فعلً غير أخاقي؟ هذا التساؤل المهم يكشف جانبًا من إشكاليات الدراسة

الرئيسية. مثلً: فكرة حجب النهر عن الشعب بأندية خاصة لفئات محددة من المجتمع؛ هذا الفعل الذي يبدو قانونيًا، أو بالأحرى هو قانوني من حيث خضوع تلك الأندية لقوانين البناء واستخراج

التراخيص وتعليمات الدفاع المدني، يمثّل بالقطع ممارسات غير أخاقية تتنافى مع مبادئ المدينة العادلة عندما تشكل في مجملها سورًا عمرانيًا حاجبًا وحاجزًا عاقة الشعب بالنهر. ديمقراطية العمران

ومبادئ المدينة العادلة تعني أن الرصيد الطبيعي لأي أمة، من أنهار وبحار وجبال وغابات، هو ملك للشعب بجميع طبقاته ومستوياته، ولا يمكن حرمان الشعب من هذا الرصيد بدعوى التنمية أو الترفيه أو حتى تنشيط السياحة. المدينة العادلة تعطي الأولوية دائمًا للشعب، ومن خال احترام حق الشعب

تزدهر السياحة وتنمو المشاريع وتتطور المدينة. الشكل (7) مشهد لإحدى ضفاف النيل التي يحاول المُقصَون والمُهمَّشون استعادتها

بعد أن أصبحت في أغلبها حكرًا على أندية الشرطة والجيش والإعلام والقضاء

المصدر: الباحث.

• جسور على النيل حُرم الشعب المصري عامة والقاهري خاصة من الإطال على النيل، وأصبحت خصخصة النهر

وضفتيه عائقًا يحرم المصريين التواصل مع النهر. من هنا تأتي أهمية الرصد العادل لما سمّي فوضى

الجسور في مدينة القاهرة. لقد تقدم العشرات من الشباب لاستغال جسور القاهرة المطلة على النيل، وفي غياب السلطة ونشوة الحرية ونجاح الثورة، وقدموا بدائل لعاقة المصري بالنهر. ولكن البشر، وسكان القاهرة منهم، لا يتوقفون أبدًا عن إيجاد الحلول. وهكذا بدأ نسق جديد من التعامل مع نيل القاهرة يظهر من بداية الألفية الثالثة. هذا النسق بدأ مع تحويل الأجزاء المطلة على النهر، من جسر السادس من أكتوبر، إلى وقفة احتفالية هي الأهم على مسار موكب حفات زفاف أبناء الطبقة المتوسطة. ويبدأ المشهد بتوقف موكب السيارات و«الميكروباصات»، ويخرج العروسان محاطَين بالأهل والأصدقاء فيما مصور الفيديو المحترف يتراقص بكاميرته، مسجا وقائع احتفالية الزواج على جزء من الجسر مطل على النيل. في بعض الأحيان، تتدخل شرطة المرور لتعطيل الاحتفال وحث المجموعة على الإسراع بمغادرة المكان لتحقيق الانسياب المروري المتعثر لعشرات الأسباب الأخرى. من الأنشطة التي بدأت على جسور القاهرة في وقت باكر أيضًا تجمعات هواة صيد الأسماك الذين يمكن رصدهم بصورة يومية على جسور الجاء وقصر النيل وأكتوبر. ومع وجود الجماعات الإنسانية، ومهما يكن عددها محدودًا، تنشط الاستخدامات المساعدة، فتأخذ الجسور باستقطاب الباعة الجوالين لتقديم المشروبات الباردة والساخنة ومأكولات التسلية للمتنزهين. أدت بساطة الفكرة أيضًا إلى انتشارها السريع؛ فكل ما تحتاج إليه هو مجموعة من الكراسي الباستيكية، وموقد لتسخين المياه، ووصلة كهربائية مقترضة ب«نية حسنة» من عمود إنارة على الجسر. بدأت الجسور تستضيف المصريين الراغبين في الجلوس أمام النهر، وازداد إبداع الشباب الفوضويين المستغلين للنهر، فتجاوزت الاستعمالات تقديم الشاي وتطورت إلى عربات الكشري والذرة بل وقدور الفول الشهيرة التي تقدم عشاء رخيصًا وشهيًا لعائلة تتناول الطعام وتتأمل صفحة النيل. هذا

الفعل الذي لم يكن يدور حتى في فلك أحام المصريين القاهريين بعد أن احتُلت ضفاف النيل كلها

بمعرفة الشرطة والجيش والقضاء وغيرهم. وبالتدريج، تحوّل الجسر، الذي اعتاد أن يكون مدخلً إلى

جزيرة الزمالك (حالة جسر الجاء)، أو إلى ميدان التحرير (حالة جسر قصر النيل)، أو شريانًا عابرًا

للمدينة (حالة جسر 6 أكتوبر) إلى شرفة عامة نشطة حيوية، بكل ما تعنيه الكلمة. وبصورة لا يمكن رصدها إلا في الوثائق الفوتوغرافية القديمة لكورنيش القاهرة، عندما كانت ضفاف نهر النيل متاحة للشعب وفئاته المختلفة مرحًا ولهوًا وتنزهًا وتأملً وعشقًا وإلهامًا، بل وتعبدًا. ومع تطور بعض مقاهي

وجلسات هذه الشرفات العامة (الجسور) وتقديمها جرعة من الموسيقى والغناء عبر مكبرات الصوت،

((3(مثل هذه الفعاليات كانت وما زالت توصف بأنها أفعال وتصرفات فوضوية عشوائية أو «بلدي». تعبير «بلدي»، والذي يعني حرفيًا «بادي» باللغة العربية المصرية الدارجة، يُستخدم لوصف السلوك البدائي الفوضوي غير المحبب من طبقة الصفوة

والنخبة، أو التهكم من عقلية القرية وسلوك من ينتمي إليها. وكثيرًا ما يُستخدم لتحقير وصف سلوكيات الطبقة العاملة القاهرية ذات

الأصول الريفية.

تحوّل عبور الجسر مشيًا إلى حالة من الاختراق لاحتفالية اجتماعية غنائية وموسيقية نرصد فيها مامح

فرح وسعادة على وجوه أطفال ونساء ورجال ومسنات وشيوخ كانوا يعتقدون أن نصيبهم من السعادة على ضفاف نيل القاهرة انتهى، وإلى الأبد. الشكل (8) جسر قصر النيل: فوضوية الاحتياج التي دفعت القطاعات المهمشة من المجتمع المصري إلى محاولة استحقاق النهر مكانًا ومتنفسًا عامًا

المصدر: الباحث.

- المشهد الثاني: ميدان التحرير، شباط/فبراير 2011

«غياب الأمن يصنع الفوضى وغياب العدل يصنع الثورة.» الكاتب المصري جال عامر

• دراسات مُجددة كانت الثورة المصرية في 52 كانون الثاني/يناير 0112، ومنذ لحظتها الأولى، ثورة متعقلة، وعلى درجة عالية من الوعي والحكمة وتحديد الأهداف. لم تكن ثورة جياع ولا رعاع، ولا ثورة فوضويين سلبيين يشعلون كل ما تطاوله أيديهم با مبرر، ولذلك كانت تلقى التأييد مع كل خطوة تخطوها، وأعجزت أعداءها في أن يجدوا مبررًا أو حجة منطقية لتشويهها. وفي أعقاب الثورة، تعددت تفسيرات

ومعاني الحرية التي نالها الشعب المصري، أو بالأحرى ناضل من أجلها مدة 81 يومًا خالدة في

تاريخه المعاصر. كما تباينت انعكاسات هذه التفسيرات على الاستعمال المادي للفراغات العامة. ومع التنفس التدريجي لنسائم الحرية الجماعية المجتمعية الشعبية، بدأت تدفقات المصريين

((3(«أكثر من 702 مقولة من أجمل ما قال الساخر الكبير جال عامر»، موقع عالم مشكله الساخر، شوهد في 016/11/2:2، في http://moshkla1.blogspot.com/2012/07/270.html#ixzz3RQjIvvvW. (4((باستثناء المقر الرئيسي للحزب الوطني الحاكم على ضفة النيل، وقد حُرق بالكامل لأنه كان يرمز إلى حقبة الاستبداد، فإن عدد

المباني التي حُرقت في أثناء ثورة 5 2 يناير لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وكلها كانت أقسام شرطة أُطلق منها النار على المتظاهرين،

وقُتل كثيرون منهم على أعتابها.

إلى ميدان التحرير تتحول إلى مشهد ثابت في الصورة العمرانية والاجتماعية والثقافية للمدينة. ومع هذا التدفق تبلورت أنساق جديدة من الاستعمال الفوضوي الخاّق لبعض فراغات الميدان، كان معظمها يلتف حول نشاط كان يُعتبر دائمًا، ولا سيما في الحقبة المباركية، خارجًا عن القانون. من أولى المؤلفات التي اختبرت فكرة تأثير التقنيات الرقمية الجديدة في عاقة المجتمع بالفراغ العام كتاب هيناف المعنون ب Public Space and Democracy (الفضاء العام والديمقراطية). هذا الكتاب ألقى الضوء على الكيفية التي تؤثر بها التكنولوجيات الجديدة في الحياة العامة وعاقات السلطة، وأتاح مراجعات تاريخية مهمة للمفاهيم، مقدمًا إطارًا تحليليًا مقارنًا لفهم الفضاء العام كمكان،

وكذلك كمُنتج لإعام يتسم بالفضول ويتضمن خطابًا سياسيًا مباشرًا يُنشر على شبكة الإنترنت. لكن

أهم ما في هذا الكتاب يكمن في أنه قدّم حجة قوية لإعادة التفكير في الأطروحة القائلة إن التطورات التكنولوجية الحديثة لا تمثّل نهاية للفضاء العام، بل هي فرصة لإعادة صوغ مفهوم المجتمع العام

والفضاء العام بصفتهما محورًا ومركزًا للسلطة. هذا الطرح شديد الأهمية لأنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا

بما حدث في ميدان التحرير في القاهرة؛ ففي الواقع، وكما تنبأ الكتاب، عملت التقنيات الحديثة وشبكات التواصل على إحياء دور الميدان، وساعدت على التدفق البشري المذهل إلى المكان، حيث توضح متابعة تدفق الثوار إلى الميدان ثم قطاعات إضافية من المجتمع المصري أن البذرة الرئيسية نمت من خال أوساط التواصل الاجتماعي، ثم تطورت العاقة بالميدان بسبب ما تناقلته القنوات الفضائية عن قسوة قوات الأمن، الأمر الذي حفز مزيدًا من قطاعات المجتمع المصري على الذهاب إلى ميدان التحرير، وتجاوز التعاطف عبر التواصل الاجتماعي إلى الإصرار على الوجود المادي في فضاء الميدان. في عالم الإنترنت والترابط الرقمي، أصبحت الديمقراطية مبلورة في آفاق جديدة، مثل المدونات وشبكات التواصل الاجتماعي. كما تنامت ظاهرة المواطنين الصحافيين بفضل الأجهزة المحمولة الخاصة بهم وقدرتهم على توثيق الإحداث وبثّها عبر العالم. وحتى السياسيون أدركوا أن تفاعلهم مع المجتمع يتم الآن من خال العمل على الإنترنت، بينما سوّقت للجميع أن المواقع التقليدية

للديمقراطية، مثل الميادين والساحات والجمعيات، أصبحت أقل أهمية مع سيطرة التكنولوجيا الجديدة. ويناقش باركينسون، في كتابه Democracy and Public Space (الديمقراطية والفضاء العام) هذه الفكرة، مبيّنًا أن هذا الطرح والآراء النابعة منه يقوداننا إلى الخلط بين الوسط) Medium)

والرسالة) Message)، ويقدم رؤية بديلة من الفضاء العام الديمقراطي، مقيمًا إحدى عشرة مدينة، من

لندن إلى طوكيو، لاختبار هذا المثال الأفضل. وهو يدلل على أن كل ما يتم بثه عبر شبكة الإنترنت هو الصور والسرد للعمل الديمقراطي الحقيقي في الفضاء المادي. وتكمن قوة الكتاب في تأكيد باركنسون أن الفضاء والمكان المادي عنصران أساسيان في الأداء الديمقراطي.

(41) Marcel Hénaff and Tracy B. Strong (eds.), Public Space and Democracy (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2001), p. 63. (42) John R. Parkinson, Democracy and Public Space: The Physical Sites of Democratic Performance (Oxford: Oxford University Press, 2012).

• مركز الفوضى الخلّقة شهد التاريخ كثيرًا من الأمثلة التي تحوّل فيها الميدان أو الشارع من مجرد فراغ عام إلى مكان احتضان

الحركات الثورية، بل إنه تحوّل إلى مكان سُفكت فيه الدماء، وسقط فيه الشهداء المدافعون عن حق

الحرية، وبالمنطق نفسه، واستكمالً لمشهد تاريخي متصل، تحوّل إلى فراغ عام مثل ميدان التحرير

إلى ساحة الشعب، حيث تجمع الناس للتعبير عن آرائهم السياسية والمطالبة بحقوقهم. استندت الحركات السياسية إلى المناطق العمرانية، وخاصة الفراغات العامة، كساحات للتعبير. وكما يطرح هارفي، فليس كل جزء من المدينة مكانًا يمكن استخدامه للتعبير عن تيارات أعمق للنضال السياسي والتحرري. ولكن من الواضح أيضًا أن بعض الخصائص العمرانية أكثر من بعضها الآخر ماءمة لاحتجاجات المتمردة، مثل مركزية الفراغات العامة وقيمتها في المدينة، كميدان التحرير في مدينة القاهرة، وميدان باب السام السماوي [تيانانمن] في مدينة بيجين، وسينتاغما في مدينة أثينا؛ فكل الأمثلة السابقة كانت الحاضنة المهمة للنشاط الثوري والاحتجاجي برمّته. حتى الولايات الأميركية ومدنها تأثرت بفوضوية ميدان التحرير البناءة، فانتشرت، من مدينة إلى مدينة، المبادرات الثورية التي بدأت مع حركة «احتلوا وول ستريت»، من حيث الوجود المادي في فراغ مركزي عام، كأن يكون حديقة أو ميدانًا. هذه الفراغات يجب أن تتميز كلها بأنها قريبة من تمركز مقاليد السلطة. وعن طريق تدفق الجموع البشرية إلى الفراغ، يتم تحويل الفراغ العام إلى ساحة نضال سياسي لفتح الحوار والنقاش على ما تقوم به تلك السلطة واتّباع أفضل السبل لمعارضتها ومقاومتها. وقد انتشر هذا التكتيك، الذي نبع من النضال النبيل في ميدان التحرير في القاهرة، إلى العالم كله. وهذا يؤكد لنا أن قوة البشر الجماعية في الفراغ العام لا تزال الأداة الأكثر فعالية للمعارضة عندما تُحظر الأدوات الأخرى كافة وسيلة للوصول. وكما يصر هارفي، فإن ما أظهره ميدان التحرير للعالم كان حقيقة واضحة: البشر في الشوارع وفي الساحات، وليس الثرثرة العاطفية على صفحات «تويتر» أو «فيسبوك»، هم الذين يرتدون أهمية ويُحْدثون التغيير. إن فهم ميدان التحرير يتجاوز استاتية الفراغ العام، ولكنه يتطلب فهم تعقيدات جغرافية الثورة والتظاهر في الميدان وفي المدينة كلها. من هنا تأتي أهمية الميدان لتفرده بظاهرتين جديدتين في مشهد المدينة

4(((خال عملي الميداني، الذي سبق أن أشرت إليه، لكي أ عدّ لكتابي عن ميدان التحرير، تمكنت من توثيق مختلف أشكال

الاستعمالات الممنوعة أو الفوضوية أو العشوائية تبعًا للتعبيرات الرسمية أو الأكاديمية في الفراغات والشوارع، وحتى في ما اعتادت

أن تكون مناطق خط أحمر حول وسط المدينة، بما في ذلك ميدان التحرير، والمناطق المجاورة لوزارة الداخلية. وكما أوضحت

سابقًا، فإن منهجية هذا العمل الميداني اعتمدت على مجموعة آليات أساسية، أهمها التوثيق الفوتوغرافي، والماحظات البصرية

والمكتوبة، والحوارات والمقابات. وتم ذلك من خال إطار زمني ممتد تطلّب الحضور إلى ميدان التحرير في فترات وأحداث

مختلفة، وصولً إلى قراءة أكثر دقة عن تطورات عاقة الإنسان والمكان وتفاعاتها في فضاء الميدان.

(44) David Harvey, Rebel Cities: From the Right to the City to the Urban Revolution (New York: Verso, 2012), p. 78.

(4((من الأمثلة التي عكست تأثير ميدان التحرير الثوري والنضالي، إلى جانب حركة «احتلوا وول ستريت»، نجد: بويرتا دل سول في مدريد، وسينتا سكوير في أثينا، وسان بولز كاثيدرال في لندن.

(46) Harvey, Rebel Cities , p. 161.

المصرية: الأولىهي أن الميدان في أيام الثورة وما بعدها لم يكن فراغًا جامدًا سلبيًا، بل كان تجسيدًا

لعملية دينامية متجددة ونتيجةً لتفاعل باقي المدينة ككل بأطرها العمرانية الرسمية والشعبية، ومدى تدفق الناس منها إلى الميدان تبعًا لتطورات ما يحدث فيه وحوله. الظاهرة الثانية هي أن المزيج

الاجتماعي في الميدان، أيام الثورة، كان عاكسًا لخليط من الهويات التي تؤكد التعددية التاريخية

لكيان الشعب المصري؛ فقد شهد الميدان، إضافة إلى شباب الثورة وجماعات الناشطين الجدد، كيانات أكثر تنظيمًا مثل الإخوان المسلمين والسلفيين، كما كان هناك الأقباط والعمال والفاحون

الذين حضر بعضهم من القرى سيرًا على الأقدام. وشهد الميدان أيضًا حضور مشجعي فرق كرة القدم

الكبرى، أو من يسمَّون الإلتراس. وقد تداخل هذا المزيج ربما أول مرة في تاريخ مصر الحديث

واشتركت مكوّناته معًا لتحويل الميدان من فراغ رسمي مروري إلى فراغ شعبي أهلي إنساني متعدد

الهويات، ولكنها متناغمة في مسعاها، ولأول مرة منذ عقود، نحو تحقيق هدف مشترك. هذه اللحظات الفريدة هي التي حوّلت الميدان إلى فراغ لم يسبق للشعب المصري إدراكه أو معايشته

أو التفاعل معه أو من خاله؛ فراغ شديد قيّم للغاية على الرغم من وصفه بالفوضوي، وبصورة خاصة

من جانب ماكينات الإعام التابعة لنظام يتداعى. حتى التعامل مع جدُر المباني المحيطة بالميدان

أوجد فنًّا فطريًا، رغم وصف الأنظمة الحاكمة له بأنه تشويه وفوضى؛ إذ استُخدمت الجدُر في أوقات

الثورات الشعبية والانتفاضات والاحتجاجات للتعبير عن نبض الشعوب ونشر رسائل علنية حرة لا تخضع لرقابة وسائل الإعام العادية. وفي حالة الثورة المصرية، تحولت جدُر المباني المحيطة

بميدان التحرير على نحو خاص إلى أداة لنشر الوعي السياسي والاجتماعي والثوري، تمهيدًا لحقبة جديدة في تاريخ مصر المعاصرة، لتخرج لنا في النهاية ما أنتجته الثورة من قوالب تصويرية شديدة الخصوصية جعلتنا أمام صورة درامية حية تُجسد لنا حالة فريدة لفنانين فطريين وطنيين ولعوا بأنغام الحرية وروائحها وأصواتها التي صدحت عاليًا في الميدان، واستمروا في إبداعهم حتى بعد وصفهم

بالفوضويين ومشوِّهي تناسق المدينة. الشكل (9) الفوضوية الرسمية، وحالة هدم الحائط الغرافيتي، ومحو ذاكرة المكان في ميدان التحرير

المصدر: الباحث.

(4((بصورة ممنهجة، وبعد خلع الرئيس المنتخب في حزيران/ يونيو 0132، تولت محافظة القاهرة حملة لمحو الفن الفطري الغرافيتي من جدُر الميدان. وفسر محافظ القاهرة هذه الحملة بأنها إعادة الوجه الحضاري للعاصمة.

الشكل (10) مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير: الحكومة تسمح بالفوضى السلبية، وتعاقب الفوضى الإيجابية، حالة الباعة في الشوارع الرئيسية في وسط مدينة القاهرة

المصدر: الباحث.

في أعقاب ثورة 52 يناير، تعددت تفسيرات ومعاني الحرية التي ناضل الشعب المصري من أجلها 81 يومًا خالدة في تاريخه المعاصر، كما تباينت انعكاسات هذه التفسيرات على الاستعمال المادي

للفراغات العامة. مع التنفس التدريجي لنسائم الحرية الجماعية والمجتمعية والشعبية، بدأ عشرات الألوف من المصريين يتدفقون إلى ميدان التحرير، فتحولت حشودهم إلى مشهد ثابت في صورة المدينة العمرانية والاجتماعية والثقافية. ومع هذا التدفق تبلورت أنساق جديدة من الاستعمال الفوضوي الخاّق لبعض فراغات الميدان، والتف معظمها حول نشاط كان يُعتبر دائمًا، وخاصة

في الحقبة المباركية، خارجًا عن القانون. من أهم تلك الانعكاسات مشاهد إعادة استخدام الشوارع

المؤدية إلى التحرير والأرصفة وأركان الميدان وساحته الوسطى؛ فمن ناحية، أعاد الباعة المتجولون تنظيم دورهم في المدينة، ونجحوا في تجاوز دور الماحَق والمطارَد من الشرطة وأمن المحافظة،

وتحولوا إلى حالة مالك الفراغ ومقنن وظيفته، بل وأوقات استعماله. على سبيل المثال، خال ثورة 52 يناير وجميع الأحداث التي تلتها، فُتح ميدان التحرير ليس فقط لزواره ومتظاهريه وشبابه وكل جماعات الشعب التي امتلكته، وإنما لمراكز نشاط متباينة أيضًا؛ فالرصد الموثق يُبرز وجود أنشطة

جديدة وتحرك أنشطة قديمة من الأزقة الخلفية إلى قلب الميدان وشوارعه الرئيسية المحيطة. والأمر الذي يدعو إلى التساؤل هو موقف النخبة التي تراجعت بشكل مفاجئ على الرغم من حماستها الأولى للثورة ووصفها بأنها أفضل ما حدث لمصر، وأن ثوار ميدان التحرير هم أطهر شباب مصر وفخرها

(4 ((يقدِّر بعض الاقتصاديين أن عدد الباعة المتجولين في مصر، الذين يبيعون ما قيمته 5 مليارات دولار من البضائع سنويًا،

يبلغ 5 مايين شخص، أي أقل بمليون شخص فقط من عدد العاملين رسميًا في الحكومة المصرية، علمًا بأن معدل البطالة في

مصر هو في أعلى مستوى له خال عقد من الزمان (وفقًا لإحصاءات الحكومية الرسمية: 3,4 مايين شخص)، وبالتالي يُبقي الباعة

المتجولون على بعض الحيوية في الاقتصاد المصري. انظر: Scott Sayare, «A Dictator Is Gone, but Egypt’s Traffic and

Congestion Seem Immovable,» The New York Times , 10/9/2012.

الإنساني. ونرصد من هذه الأنشطة حالة بائعي المأكولات، وخاصة المأكولات الشعبية، وحالة حلقات الشاي والقهوة التي يلتف حولها روّاد الميدان، وباعة الكتب والمجات والصحف،

والامتداد الأفقي للمقاهي والكافيتريات لتستوعب رغبة الشعب في الوجود المكاني المادي في جنبات الميدان. ثم وصلنا إلى بائعي الأعام والشعارات الثورية التي تمجد ثورة 52 يناير. وعندما استمرت الحكومة، ممثَّلة في وزارة الداخلية ومحافظة القاهرة، في تماديها بتجاهل الزحف على ميادين القاهرة وشوارعها، تحول المحدود إلى ظاهرة والمقبول إلى غزو كامل. كما تجاوزت الدائرة الاقتصادية صغار الباعة المتجولين، واحتلت شوارعَ القاهرة الأكثر أهمية في عمرانها عصاباتُ

منظَّمة يديرها كبار تجار ومستوردي المابس المقلّدة والمزيفة. تحول الميدان إلى ملتقى تفاعلي بين تقاليد محلية وطنية وتدفقات عالمية دولية لأفكار ومبادئ شغلت كل من سكن الميدان وسكنته روح الميدان. هذه التفاعات هي التي صاغت الكثير من الممارسات الاجتماعية والسياسية والعمرانية في الميدان طوال أيام الثورة. والطبقات المتعددة من التفاعل، بشقيه المحلي والعالمي، هي التي أفرزت تبادلات في الأفكار والمعلومات والتقنية والأكثر أهمية في صوغ المكان. كما أن الميدان تحوّل الى ساحة للتفاوض بين الأفراد والجماعات، يقودهم جميعًا الإحساس

بقيمة الفرد والجماعة، وأهمية التواصل لاتفاق ثم لتحقيق ما صيغ في مطالب الثورة أو مطالب الميدان، أو غيرها من المصطلحات المعبّرة عن حالة الحوار والتفاوض الشعبي غير المسبوقة في تاريخ مصر

الحديث. حالة ميدان التحرير الفراغية ينطبق عليها التصنيف الشهير لعالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر، وهو «الفراغات المعيشة » Lived Spaces)) «التي تتجاوز الفراغات المتخيَّلة أو المدرَكة

Perceived Spaces))، وتتحول إلى فراغات حقيقية عميقة في حياة الناس وذاكرتهم. ويوضح لوفيفر أن «امتاك المكان المتخيّل يكون عبر الغرق في التاريخ ورموزه، كالمشاهد الشعبية القديمة». وهنا

نستطيع فهم محاولات الهجوم الحاد على كل ما هو شعبي وتراثي وعفوي، واتهامه بأنه فوضوي

(4((نشر الكاتب المصري سيد ياسين في أثناء حكم المجلس العسكري مقالة شدد فيها على عدم جدوى الاستمرار في التظاهر والاعتصام في ميدان التحرير، بدعوى أن المجلس العسكري تولى زمام القيادة، ويجدر بالشباب الثوري أن يعود إلى بيوته ومدارسه

وجامعاته لأن الثورة أصبحت في أيد أمينة. وقد شاركه في الرؤية نفسها الكاتب سعد الدين إبراهيم في مقال في المصري اليوم،

دعا فيه إلى إخاء الميدان على الفور. انظر: سعد الدين إبراهيم، «إياكم وإدمان ميدان التحرير»، المصري اليوم، 011/8/27.2

ثم عاد سيد ياسين إلى كتابة مقالة أُخرى تناول فيها حالة ميدان التحرير المعاصرة، واصفًا إياها بعشوائية المولوتوف (السيد يسين،

«من يوتوبيا الثورة إلى كوكب للعشوائيات‏!»، الأهرام، 013/3/7.‏)2 وبالمثل، حذر الشاعر المصري فاروق جويدة في مقال أخير في

الأهراممن أنه أدرك متأخرًا أن من في التحرير حاليًا ليسوا من الثوار، بل هُم أطفال شوارع وبلطجية يروّعون المنطقة. ((5(من أبرز التجارب المتعلقة باحتواء عربات المأكولات واستخدامها في أحياء الفراغات تجربة مدينة بورتاند في ولاية أوريغون

الأميركية، حيث تحولت الفراغات الأكثر عداء لوجود الإنسان، وهي مواقف السيارات، إلى أكثر الفراغات نشاط ا اجتماعيًا؛ إذ

حولتها المدينة إلى أماكن لوقوف العربات الصغيرة لبيع المأكولات المتنوعة المرجعيات والثقافات، فأحدثت من خال هذا القرار

حوافًا اجتماعية نشطة لأكثر الفراغات غير الاجتماعية. وتحوّل هذا المثال إلى حالة دراسة في العالم كله، وأُضيفت إليه طبقات

أُخرى من خال فهم دور هذه العربات في دعم الاقتصاد المحلي وإيجاد فرص عمل جديدة. (5((عندما طُلب من محافظ القاهرة تفسير التناقض بين موقف المحافظة من فض اعتصام رابعة بحجة أنه يعيق المرور ويسيء إلى البيئة، وموقفها من استمرار احتال عصابات شوارع القاهرة وشرايين المرور بها، تمحورت إجابته حول أن هؤلاء الباعة مواطنون شرفاء ساعدونا في مطاردة أعداء الدولة، ولا يوجد لهم بديل يرتزقون منه، فوجب تركهم!!.

(52) Henri Lefebvre, The Production of Space , Translated by Donald Nicholson-Smith (Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Blackwell, 1991).

وهدّام ومخرِّب. كما يوضح لوفيفر أن «السيطرة على البُعد المتخيَّل للمكان وضبطه تتم من خال

خلق حالة من الخوف والحيازة وعدم الألفة، بجعل الحدود والأطراف أمكنة للقمع والرقابة، في مقابل الرأسمال الرمزي المركزي»، ومن هنا تنطلق دعاية «الجماعات التخريبية الفوضوية في التحرير». الشكل (11) رصد الطاقة الإبداعية في فراغات الربيع العربي، وتحوُّل جدُر الفضاءات إلى سياق لعرض الإبداع الفني الشعبي

المصدر: الباحث.

بيد أن عبقرية الميدان تتجلّى أيضًا في أنه احتوى التصنيفين الآخرين؛ فهو مثّل رؤية وحلمًا لكثيرين

ممن لم يسبق لهم أن رأوا الميدان. وهناك بُعد آخر مهم لفهم الميدان وتركيبته، وهو التمكن من

السيطرة الرقمية والمادية على صورته، فكان البُعد الرقمي من خال شبكات التواصل الاجتماعي التي

همشت آلة الدولة الإعامية الفجة وفضحتها. أمّا البُعد الثاني، فهو مادي، جرت فيه السيطرة الكاملة

على أهم ميادين مصر لتأكيد رفض سيطرة الدولة، ولإسقاط قيمتها وتحدي آلتها الأمنية الشرسة. وعلى الرغم من إمكان الجزم بأن فكرة الثورة كانت نتاج حوارات الفراغ الرقمي العام على شبكات التواصل الاجتماعي العنكبوتية، فإنها لم تتحول إلى حقيقة هادرة وجاذبة مايين من الشعب المصري إلا عندما احتل الآلاف ثم المايين ميدان التحرير وقدموا ماحم يومية من الصمود والمقاومة والتضحية. هذه التحولات مستجدة بشدة على شعب يتعامل مع كل ما هو عام من منطلق «ملك

(53) Ibid., and Henri Lefebvre, The Urban Revolution , Translated by Robert Bononno; Foreword by Neil Smith (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2003), p. 134.

الحكومة»، وبمعنى آخر الرضوخ والاستسام، ونشوء حالة عدائية بين الإنسان والمكان. لقد حُرم

الشعب المصري لسنوات، بل لعقود، من ممارسة أي أنشطة اجتماعية أو سياسية جماعية في الفراغ العام، فكسر ميدان التحرير هذا الحاجز النفسي والمادي الجبار.

خاتمة

إن ما تبيّن جليًا من حالتي الدراسة الأساسيتين في هذا البحث، هو أن الشعوب العطشى إلى عاقة

متميزة مع الفراغ العام تنطلق بفوضوية لإعادة امتاك هذا الفراغ حين تتاح لها الفرصة. وفي هذه الانطاقة التي تبدو عشوائية وفوضوية، تتبلور أنساق متميزة من استعمال الفراغ ودفق الحياة والحيوية فيه من خال عاقات أكثر صدقية في التعبير عن متطلبات شاغليه وتطلعاتهم ومحاور إسعادهم. كما ألقى البحث الضوء على دور الفراغات العامة في تأجيج الثورة واستمراريتها، وبلور أهمية وجود مكان لفضاءات ديمقراطية، وهي فراغات لا تنتقي بل تسمح للجميع بالتفاعل والتداخل والتعبير عن النفس وعن الجماعة؛ فراغات لا تعاقب على فقر بعض قطاعات المجتمع أو معظمها كما هي الحال في مصر، ولا تحتفي بثراء النخبة المستثناة. هذا هو الفراغ الديمقراطي العام (Democratic Public Space)، وهذه هي المدينة العادلة. هذه الفراغات ترفض الجدُر والأسوار والحواجز التي تحد حركة الإنسان

داخلها؛ ومن الحيوي أيضًا أن ندرك، كما بينت الدراسة، أن المعماري والعمراني والمخطط العربي والمصري (المهني الممارس أو الأكاديمي الباحث)، كل هؤلاء يحتاجون إلى كثير من التروي والتمهل قبل إصدار أحكام على فوضوية المكان وعشوائية الاستعمال. لقد أوضح البحث أن حيوية جسور القاهرة حين تُستخدم شرفات عامة مفتوحة للشعب ليسعد بإطالته على النيل، واحتواءها على ميدان التحرير، بما فيه من عقدة مرورية وفراغ تم هأأ مراكز نشطة تسمح بالتفاعل الإنساني والاجتماعي والثقافي، بل وحتى الإبداعي، هي في الواقع أمثلة بيّنة على أن الفوضى العمرانية يمكن وصفها بأنها

خاّقة أحيانًا. إن قيمة العمل الثوري الحقيقية هي أن هذا العمل يحقق تطلعات المجتمعات إلى العدالة، ولكن ليس فقط العدالة بمفهومها المعنوي الأخاقي، بل أيضًا بمفهومها المادي المحسوس. إن ثورة تحقيق عدالة وديمقراطية العمران وإعادة النيل إلى المجتمع المصري هي جزء لا يتجزأ من استمرارية ثورة 52 كانون الثاني/يناير 011.2 لذا، فإن ضرورة وقف الجريمة التي تُرتكب يوميًا بحق

نيل مصر، وإعادة الحياة إلى ضفافه تعبيرًا عن استقال الفراغ العام واحترام المصريين، هما عمل

ثوري بامتياز. References

المراجع

العربية

كتب

حمودة، عبد العزيز. المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك. عالم المعرفة؛ 32.2 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1998

دريدا، جاك. الكتابة والاخت ف. ترجمة كاظم جهاد؛ تقديم محمد عال سيناصر. الدار البيضاء: دار توبقال،.1988 رافيندران، س. البنيوية والتفكيك: تطورات النقد الأدبي. ترجمة خالدة حامد. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة،.2002 سعيد، رشدي. نهر النيل: نشأته واستخدام مياهه في الماضي والمستقبل. ط.2 القاهرة: دار الهال للطباعة،.1993 عبد الرءوف، علي. النقد المعماري ودوره في تطوير العمران المعاصر: الحالة المصرية والعربية. القاهرة: [رخصة المشاع الإبداعي]،.2014 غليك، جايمس. نظرية الفوضى - علم اللامتوقع. بيروت: دار الساقي 2.008. فياض، ناصر. اغتيال نهر النيل. القاهرة: دار نهضة مصر،.2005 كازانتزاكيس، نيكوس. رحلة إلى مصر: الوادي وسيناء. ترجمة محمد الظاهر ومنية سمارة. كتاب أدب ونقد؛.1 القاهرة: مجلة أدب ونقد،.1991

دوريات

البنكي، محمد أحمد. «التفكيك». آوان. العدد 2). 003(2 العتيق، أحمد. «نظرية الفوضى: علم الامتوقع». الدوحة (دولة قطر). العدد 69 (تموز/ يوليو.)2013 فرحات، عبد المحسن. «جسر للأمل عبر محيط فوضوي عمرانيًا وإنسانيًا». جريدة مركز طارق والي

العمارة والتراث. آذار/ مارس 2.015

الأجنبية

Bruno, Marco, Simone Carena and Minji Kim. Borrowed City: Private Use of Public

Carr, Stephen [et al.]. Public Space. Cambridge Series in Environment and Behavior.

Culler, Jonathan D. On Deconstruction: Theory and Criticism after Structuralism.

Freitag, Ulrike [et al.] (eds.). Urban Violence in the Middle East: Changing Cityscapes in the Transformation from Empire to Nation State. Space and Place; 14. New York:

Books

Space in Seoul. Seoul, Korea: Damdi Pub., 2013.

Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1992.

Ithaca, NY: Cornell University Press, 1982. Fainstein, Susan S. The Just City. Ithaca: Cornell University Press, 2010.

Berghahn Books, 2015.

Graham, Stephen. Cities under Siege: The New Military Urbanism. London; New York: Verso, 2011. Gunning, Jeroen and Ilan Zvi Baron. Why Occupy a Square?: People, Protests and Movements in the Egyptian Revolution. London: Hurst and Company, 2013. Habitat III Report: New Urban Agenda. [s. l.]: UN Housing and Sustainable Urban Development, 2016. Harvey, David. Rebel Cities: From the Right to the City to the Urban Revolution. New York: Verso, 2012. ______. Social Justice and the City. Geographies of Justice and Social Transformation; 1. Rev. ed. Athens: University of Georgia Press, 2009. Hénaff, Marcel and Tracy B. Strong (eds.). Public Space and Democracy. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2001. Jacobs, Jane. The Death and Life of Great American Cities. [New York: Random House], 1961. Leach, Neil. Rethinking Architecture: A Reader in Cultural Theory. New York: Routledge, 1997. Lefebvre, Henri. The Production of Space. Translated by Donald Nicholson-Smith. Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Blackwell, 1991. ______. The Urban Revolution. Translated by Robert Bononno; Foreword by Neil Smith. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2003. Loesberg, Jonathan. Aestheticism and Deconstruction: Pater, Derrida, and De Man. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1991. Noever, Peter. Architecture in Transition: Between Deconstruction and New Modernism. Assisted by Regina Haslinger; Introduction by Alois Martin Müller; Contributions by Coop Himmelblau [et al.]; Epilogue by Philip Johnson. Munich: Prestel, 1991. Parkinson, John R. Democracy and Public Space: The Physical Sites of Democratic Performance. Oxford: Oxford University Press, 2012. Pulselli, Riccardo M. and Enzo Tiezzi. City Out of Chaos: Urban Self-Organization and Sustainability. Sustainable World; 19. Southampton, UK; Billerica, MA: WIT Press, 2009. Samuels, L. K. In Defense of Chaos: The Chaology of Politics, Economics and Human Action. New York: Cobden Press, 2013. Seikaly, May and Khawla Mattar (eds.). The Silent Revolution: The Arab Spring and the Gulf States. Berlin: Gerlach Press, 2014.

Shaftoe, Henry. Convivial Urban Spaces: Creating Effective Public Places. London; Sterling, VA: Earthscan; International Institute for Environment and Development,

Soja, Edward W. Seeking Spatial Justice. Globalization and Community Series. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2010. United Nations Development Programme. Human Development Report, 2014: Sustaining Human Progress- Reducing Vulnerability and Building Resilience. New York: The Programme, 2014. United Nations Human Settlements Programme (UN-Habitat). 53 UN-Habitat Model Projects, 2013/2014: Time to Think Urban. Nairobi: UN-Habitat, 2013. ________. The State of Arab Cities Report, 2012: Challenges of Urban Transition. Kenya: UN-Habitat, 2012. Whyte, William Hollingsworth. The Social Life of Small Urban Spaces. Washington, DC: Conservation Foundation, 1980. Wigley, Mark. The Architecture of Deconstruction: Derrida’s Haunt. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1993. Woolley, Helen. Urban Open Spaces. London; New York: Spon Press, 2003.

Periodical

Mehta, Vikas. «Lively Streets: Determining Environmental Characteristics to Support Social Behavior.» Journal of Planning Education and Research. vol. 27, no. 2 (December 2007).

Paper Presented at Conference

Nilsson, Fredrik. «Philosophy and the Development of Architectural Thinking.» Paper Presented at CongressCATH 2004: The Architecture of Philosophy/The Philosophy of Architecture, Third Conferences Promoted by CentreCATH, at the National Museum of Photography, Film and Television, Bradford, UK, 9 - 11 July 2004. Accessed on 8/5/2016, at: http://www.leeds.ac.uk/cath/congress/2004/programme/abs/114.shtml.

Document

Jones, Chris. «Top Ten Quotes from Aaron Sorkin for Screenwriters.» London Screen Writers Festival, 17 August 2014. Accessed on 3/3/2016, at: http://www. londonscreenwritersfestival.com/top-ten-quotes-from-aaron-sorkin.