العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الأخ، الرعية، المواطن: دينامية المكانة السياسية للفرد في تونس

الأخ، الرعية، المواطن: دينامية المكانة السياسية للفرد في تونس

«The Brother, the Parish and the Citizen:

أحمد خواجه *

Ahmed Khouaja **

الملخّص

الكتاب: الأخ، الرعية، المواطن: دينامية المكانة السياسية للفرد في تونس العنوان الأصلي: Le frère, le sujet et le citoyen : Dynamique du statut politique de l’individu en Tunisie الكاتب: عبد الحميد هنية الناشر: تبر الزمان مكان النشر: تونس تاريخ النشر: 2015 عدد الصفحات: 201

Abstract

Book Title: Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l’individu en Tunisie Author: Abdelhamid Hénia Place of publication: Tunis Publisher: l’Or du temps Date of publication: 2015 Number of pages: 201

الكلمات المفتاحية:
  • الفرد التونسي
  • الرعية
  • المواطن
  • المكانة السياسية
Keywords:
  • Tunisian Individual
  • Subject
  • Citizen
  • Political Status

قراءة نقدية

الكاتب: عبد الحميد هنية الناشر: تبر الزمان - temps du Or ’ l مكان النشر: تونس تاريخ النشر 2015: عدد الصفحات 201:

في نهاية سنة 0152، نشر المؤرخ عبد الحميد هنية، أستاذ التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا والأستاذ في الجامعة التونسية، كتابًا جديدًا تولد عن سلسلة كتب سابقة خصصها لتاريخ تونس، اهتمت خاصة بالفترة العثمانية، مركزة على التاريخ الاجتماعي للمجموعات والفئات المجتمعية

دينامية المكانة السياسية للفرد في تونس

The Dynamics of Individual Political Status in Tunisia»

A Critical Reading of the Book

الكتاب: الأخ، الرعية، المواطن: دينامية المكانة السياسية للفرد في تونس

التونسية (في الواحات في جنوب الباد وفي تونس العاصمة)، متفحصًا ديناميات تحولاتها التاريخية، تارة ضمن مقاربة ميكروتاريخية، وتارة أخرى وفق نظرة شمولية، وذلك منذ حلول العثمانيين في تونس، وهي الفترة التي تُحقب لها المدرسة التونسية تحت يافطة «العصر الحديث».

يمكن القول في البداية إن الكتاب يبدأ بتناول موضوعه وفق حركة تحليلية تقهقرية، إن صح التعبير، لأن المؤرخ لم يبدأ بحثه بوضعنا في سياق تاريخي مضى بل ينطلق بنا من الحاضر، وتحديدًا من ثورة 14 كانون الثاني/يناير 0112، التي يصرح بأنها كانت الدافع الوجداني ثم الفكري الذي جعله ينتبه إلى أن أحد المحاور الأساسية في جميع أبحاثه التاريخية كان معالجة قضية تشكُّل الدولة الحديثة في تونس، التي تمثّل ديناميتها المركّبة تطورًا مطردًا في المكانة السياسية للفرد– وهذا على الأقل من وجهة نظر الدولة - الذي تحول في عيون الجباية وقوانينها ووثائقها من أخ «لأخوة: باللهجة العامية البدوية في تونس»، إلى رعية خاضعة بشكل مباشر لأجهزة الدولة الجبائية والأمنية، إلى مواطن يطالب بعقد اجتماعي ينظم العاقة بينه وبين الدولة. حاول الكاتب، منذ المقدمة، أن يعطي نفسًا جديدًا للدراسات المهتمة بالمجتمع التونسي في عاقته بالحداثة والتحديث والعصرنة والأوربة المتنامية منذ الفترة الاستعمارية (1881 - 9561)، نائيًا بنفسه عن القراءات الاستشراقية والانقسامية الموغلة في أنوية الغرب المركزية والمقلِّلة من دور الفرد ومكانته في المجتمعات «التقليدية»، ليفترض منذ البدء أن الفرد مثّل مسارًا معقدًا ومركبًا، مر بتحولات عديدة حاول هو رصدها من خال الحفر في الوثائق الأرشيفية ومساءلة جديدة لمصادر الفترة وكتاباتها. وقد أوضح أن حقبة الدراسة قدمت لنا تمظهرات وتجليات وتشكيات متنوعة لمكانة الفرد في المجتمع التونسي، تحاول طمسها جميعها القراءةُ المألوفة في الأدبيات المهتمة بنشأة الحداثة في المجتمعات الغربية الإسامية أو «المشرقية»، تلك التي ترى أنه لم تكن للفرد مكانة في هذه المجتمعات قبل أن تعرف الصدمة الاستعمارية خال القرن التاسع عشر؛ إذ ظل الفرد سجين القبيلة والعشيرة والعائلة، كما تقول لوسات فالنسي في كتابها «الفاحون التونسيون» خال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأسير المجتمع القرابي والسالي والانقسامي، مقيَّدًا بروابط الأرض والدم والمحلة. يعتبر هنية أنه يجب ألّ ينسينا تفوّق الغرب الاقتصادي بدءًا من القرن السابع عشر دور المؤسسات «الداخلية» للمجتمعات «المشرقية في صنعها «حداثة» تختلف عن النمط الغربي الذي بدأ يتعمم منذ الثورة الفرنسية ليصبح في ما بعد نمطًا كونيًا؛ حداثة مسايرة للنمط الاجتماعي المهيمن في هذه المجتمعات التي عانت كثيرًا، كما يقول جاك بيرك، تجاهُلَ دينامياتها الداخلية ونقصًا وقصورًا في التحليل؛ حداثة هي ثمرة تاقح وتثاقف بين الغرب والشرق، وعصارة حركة ثقافية تنويرية تحديثية عرفت بدايتها منذ عصر «النهضة العربية»، وإن كانت نهضة الغرب المفترضة هذه قد نوقشت بشكل حاسم من خال مساهمات نقدية شككت في أنوية الغرب المركزية وتنبهت لخصوصيات التاريخ المحلي الذي له فرادته وسياقه الخاص، كما يذهب إلى ذلك جاك غودي عند القول إن المجتمعات المشرقية سُرقت في تاريخها المحلي وفُرض عليها الانخراط في التاريخ الغربي بسرديته، وكما يذهب ديفيد غرابير (Graeber. D) وجون فيليب برا (Bras. P. J) وآخرون… يحتوي الكتاب على مقدمة وخاتمة وقسمين كبيرين:

• يهتم القسم الأول بالبروز المحتشم للفرد في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، نظرًا إلى سيطرة أطر اجتماعية، مثل القبيلة والجماعة و«الميعاد»، ويصل بنا هنية إلى حد انتفاضة 8641 المعروفة بانتفاضة «العربان» أو «انتفاضة علي بن غذاهم»، التي انتشرت في غالبية مناطق الباد بعد إعان مضاعفة ضريبة «المجبى» - وهي ضريبة شخصية موظفة على الأفراد الراشدين وعلى ثراوتهم وممتلكاتهم، ولم يُستثن منها، كما كانت الحال في السابق، حتى الأعيان المحليين والعائات المتنفذة في القرى والبوادي - وهو حدث ساهم في بروز نقلة نوعية في المجتمع التونسي الذي بدأ يتهيأ منذ تلك الانتفاضة لاحتضان قيمة الفرد وضعيةً اجتماعية وذهنية ثقافية جديدة. هذه الانتفاضة أو حركة العصيان والتمرد التي قمعتها السلطة المركزية قمعًا شديدًا في ما عُرف ب«محلة زروق»، وعاقبت كأشد ما يكون الأقاليمَ المنتفضة، وخاصة في جهة الساحل المنتجة للزيت وجهة الجريد المنتجة للتمور وجهة «وطن أفريقية» في الشمال الغربي للباد التونسي المنتجة للحبوب، كانت عنوانًا على بروز قيمة الفرد المنتفض على استنزاف الدولة المركزية وجورها، وكانت أيضًا بواعث دينامية داخلية ساهمت مع حلول الاستعمار الفرنسي في بروز الوعي بضرورة التنظم في أطر اجتماعية جديدة من نوع الأحزاب والنقابات والجمعيات والهياكل المختلفة لما يُعرف بالمجتمع المدني المكرس للفردانية والمساعدة على التحرر من قيد الهياكل الأهلية والقرابية والعشائرية والدينية القديمة. يتفرع القسم الأولبدوره إلى خمسة فصول، تطرق هنية في الفصل الأولمنها إلى مسألة الترابط بين منطق الدولة ومنطق الجماعة، واهتم في الفصل الثانيبمفهوم الرعية والوضع السياسي المميز لسكان المدن مقارنة بسكان الأرياف، وعُني في الفصل الثالثبالعالم القبلي من خال مفهوم الأخ ومنظومة القرابة الحقيقية أو الوهمية التي تشرّع لعاقة الفرد بالمجتمع. أما الفصل الرابع، فتحدث فيه المؤلف عن تبعات الإصاحات الجبائية للسنوات 8011 و 8021 و 8561 ومؤثراتها في إعادة التراتب الاجتماعي في عالم المدن والأرياف التونسية، وفي إحداث تحولات جديدة في عاقة الأفراد والجماعات والقبائل بالدولة المركزية، التي مهدت لإصاحات القرن التاسع عشر (إعان دستور 861.)1 وقد ساهمت تلك الإصاحات، من ضمن عوامل أخرى سياسية واقتصادية وثقافية ونفسية اجتماعية، في إعادة صوغ رابطة الانتماء السياسي وعاقات التمفصل بين المجال الخاص والمجال العام، وهو موضوع الفصل الخامس الذي اهتم فيه هنية بمدار الفضاء العام في أواخر القرن التاسع عشر. في القسم الثانيمن الكتاب، تحدث المؤلف عن أحد إفرازات القرن العشرين وفترة الاستيطان الفرنسي في تونس، وهو الصعود الصعب لوضعية الفرد «المواطن» من خال التعبئة على سبيل الذكر في الحركة الوطنية المناهضة لاستعمار والمقاومة له، وكذلك الحركة النقابية ومرور المجتمع التونسي تدريجيًا من مجتمع فئوي كان التراتب فيه أفقيًا إلى مجتمع طبقي أصبح التناضد الاجتماعي فيه عموديًا، على أساس المكانة الاجتماعية والوعي بها وبإمكانات الفعل وتغيير المجتمع. وقد خلص هنية من خال هذا التحليل إلى الحديث عن

الطبقات الوسطى في تونس، التي يتحدث الجميع اليوم عن ترهلها وتدحرجها على السلّم الاجتماعي، والتي قد تكون، من جملة عوامل أخرى، أحد العوامل المفسرة لتعثّر المسار الانتقالي الديمقراطي، لما للطبقات الوسطى من دور في صوغ التوافقات الاجتماعية وضمان مناخ سلّم اجتماعي ونماء اقتصادي. كما أطنب المؤلف في الحديث، في هذا الفصل، عن عاقة النخب التونسية بالمسار الانتقالي والطريقة التي تتمثّل بها هذه الأخيرة دور «الطبقات» الشعبية والشغيلة والفئات المقصاة في إنجاح المسار الانتقالي والديمقراطية أو إفشالهما. أما في الفصل الأخير، فقد تحدث المؤلف- في سياق برهنته على تأكد قيمة الفرد ومسار الفردية في فترة البناء الوطني وفي المرحلة التي تلت الثورة التونسية - عن مسألة تحرر المرأة التونسية منذ الفترة الاستعمارية من قيود المجتمع التقليدي، والتي تُعتبر من التجارب الرائدة في العالم العربي مع سن دولة البناء الوطني سنة 9561 لمجلة الأحوال الشخصية، التي يمكن اعتبارها - رغم بعض التحفظات التي يبديها بعض المفكرين الإساميين المحافظين - مسارًا تاريخيًا لا يمكن الرجوع فيه إلى الوراء أو إلغاؤه. ومن خال التركيز على مكانة المرأة ودورها في المشاركة الاجتماعية والسياسية، يتضح التوجه في الفترة المعاصرة إلى تأكيد قيمة الفرد، وهي مشاركة ما زالت محتشمة وتواجه عوائق عديدة، منها رواسب ذهنية المجتمع الأبوي والذكوري، وصعوبة توفيق المرأة بين الأعباء الأسرية والأعباء العائلية من جهة، والمهمات المهنية من جهة أخرى، وضعف حضورها في المجتمع السياسي، وضعف تمثيليتها في دوائر القرار في الحياة الاقتصادية والسياسية. وموضوع المرأة من خال المثال التونسي، يؤكد افتراض هنية الذي يرجّح أن تكون النهضة العربية الفكرية، التي كان من أبرز مطالبها تعليم البنت (وهو من تجند في الدفاع عنه رجال الإصاح من أمثال الطهطاوي والكواكبي وقاسم أمين ومحمد عبده والأميرة نازلي ومي زيادة والطاهر الحداد والطاهر بن عاشور، ومجموعة حركة «الشباب التونسي» من أمثال الشاذلي خير الله ومصطفى خزندار وعلي باش حامبه والبشير صفر الذين كانوا يلتقون في صالون الأميرة نازلي في المرسى خال سنوات العقد الثاني من القرن العشرين بالحاضرة تونس، للدفاع عن مبدأ تحرر المرأة التونسية والمرأة العربية) هي التي أوجدت شرارة تحول «داخلية» فرضتها إرادة النخب الفكرية العربية آنذاك لتغيير الأوضاع ومقاومة التخلف والتحجر والاستبداد الثقافي والسياسي. هذه التحولات الاجتماعية لم تكن نتيجة عملية تثاقف مع الغرب، بل نتيجة دينامية داخلية، ولم تنشأ بفعل الصدمة الحضارية التي وقعت نتيجة الحضور الاستيطاني الاستعماري، الذي لم تكن تهمه وضعية تحرير المرأة في شيء، بل إنه سعى إلى استدامة وضعها في الجهل والإقصاء والتهميش. يتموقع الكتاب في الفترة العثمانية الحسينية (1705 - 8811) والاستعمارية (1881 - 9561) وفترة البناء الوطني ودولة الاستقال والتحديث (1956 - 0112)، ويطمح إلى ممارسة ما يسمى التاريخ الحيني أو المباشر، حين يهتم بما جاء بعد مخاض الثورة التونسية (كانون الأول/ ديسمبر 2010 - كانون الثاني/يناير 0112) من تعثّر للمسار الانتقالي، وإعادة طرح مسألة كتابة التاريخ والذاكرة، وهيجان الكلمة العفوية والمنظمة التي يسعى الجميع إلى تملكها،

ورجوع صاخب للتيارات الجهادية السلفية، وإعادة طرح قضايا تتصل بالهويات الجماعية والفردية والمواطنة، مثل مسألة الأوقاف ومبدأ التناصف أو التكامل للمرأة التونسية وعاقة المجال المحلي بالمجال المركزي، وهي مسائل بيّن عبد الحميد هنية في هذا الكتاب وكتابات أخرى أهمية الحفر التاريخي فيها، وأشار إلى أنها، وإن تكن قضايا راهنة ويبدو الطلب الاجتماعي عليها ملحًّا، لا يمكن فهمها إلا بقراءة تاريخية متأنية ومدعمة بشواهد يمكن المؤرخ أن يقدم بناء عليها رؤية موضوعية متروية علمية، من شأنها أن تنير النقاش العام حول قضايا كثر حولها الصخب الإعامي والجدل السياسي في مدار الشأن العام. كما يطرح الكتاب إشكالية مرور المجتمع التونسي خال الفترة الحديثة، بدءًا من القرن السابع عشر ووصولً إلى الفترة المعاصرة، وإلى حد الفترة الانتقالية التي تمر بها تونس بعد « ثورة 011»2، من نظام حكم الحزب الواحد إلى التعددية السياسية، والانتقال الديمقراطي من مجتمع عشائري جمعوي انقسامي تُعَ دّ فيه القرابة وصات الجوار والدم والانتماء ل رأأض والمحلة محور التراتب الاجتماعي، إلى مجتمع فئوي «طبقي» عضوي يعطي الفرد مكانة متميزة، ويسمح لقيم الفردانية ولمسار الفردية بتكريس قيم الحداثة والحرية والليبرالية، ومؤخرًا المواطنة. وعلى الدولة تأكيد مسار التحديث، مع كل ما يعنيه هذا من نسف للنظام القديم وإعادة بنائه في عاقة الدولة المركزية بالمجال المحلي والترابي، من دون منع استمرارية بعض مظاهر المجتمع القديم أو «التقليدي» أو القطع معها بصفة حاسمة ونهائية. وهذا يعني مرور المجتمع من منظومة يقع فيها توارث الوضعيات والمكانات الاجتماعية ويُسلب فيها الفرد كل استحقاق وجدارة وقدرة على التدخل وتغيير الإكراهات والإلزامات وضغوط المنشأ الاجتماعي، إلى مجتمع يُمنح فيه الفرد جميع طاقات الفعل والتغيير والمبادرة والتنقل والحراك والتعبير، التي هي من سمات المواطنة القائمة على مجتمع الأفراد المتحررين من ضغوط المجتمع «الطائفي» الأهلي العشائري القبلي، وهو ما يسمح للدولة باستخدام «العنف الشرعي» واحتكاره كما يقول ماكس فيبر، ومأسسة الثقة كما يفترض براتند دي جوفنال، ويُلزم فيه الأفراد بدفع الضرائب على اعتبار قاعدة الشفافية والمصداقية والعدالة الاجتماعية، التي يضمنها قانون مجرد وشبه كوني متعال يُلزم الجميع بالحقوق والواجبات نفسها. والكتاب يقطع منذ البدء مع الفكرة القائلة إن بروز الفرد والفرادنية في المجتمعات المشرقية، أو لنقُل غير الغربية، هو وليد الفترة الاستعمارية التي عرفتها بلدان المشرق العربي (مصر، سورية، العراق...) والمغرب العربي (تونس، الجزائر المغرب...)، وأن المجتمع التونسي، مثلً، كان فيه الفرد ذو ملمح الفاعل أو الذات أو الأنا شبه غائب، وأن مسار الفردية بدأ مع حلول الاستعمار ومع تأكّل المجتمع التقليدي القروي في المدن والقرى والأرياف التونسية، على الأقل ماديًا، واندماجه في منظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي وتراجع القدرة الإدماجية التعبوية لهياكل القبيلة والعشيرة والجماعة، وظهور العمل المأجور وتوافد العمال والمزارعين المفقرين على المدن الكبرى بحثًا عن العمل والسكن، وظهور مفاهيم مثل «الشعب» والمواطن والعمال والنقابة والحزب والشأن

العام والفضاء العام والحركات الاجتماعية. وقد حاول الكتاب، من خال الحفر في المصادر الأرشيفية والوثائق التاريخية وسندات الذاكرة الشفوية الجماعية، استقصاء الأحداث التاريخية السياسية الكبرى التي عرفتها الباد التونسية، منذ نجاح الدولة الحسينية فيها بدءًا من سنة 7051 في « تحييز» مجالها الترابي وبسط نفوذها السياسي والاقتصادي على نواح عديدة منها، وخاصة في الأقاليم البعيدة عن مركز السلطة الحاضرة تونس. تتمثّل خاصة الكتاب واستنتاجاته في أن الكاتب قدَّم، بعيدًا عن القراءة الثقافوية أو القراءة الأنوية المركزية للغرب، قراءة «جديدة» لمسألة حضور الفرد في المجتمعات العربية خال الفترة الحديثة والراهنة، ومرور المجتمع التونسي تدريجيًا من وضعية مجتمع الرعايا والمبايعة والولاء والسالة والوراثة إلى مجتمع المواطنين الأحرار المنخرطين طوعًا في تعبئة «طوعية ومواطنية»، وتحقق هذه النقلة عبر مخاض عسير تشابكت فيه العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية، ومرّ بخمسة منعطفات زمنية مهمة تشكلت بوادرها الأولى مع سلطة «البايات» الحسينيين الذين قاموا، منذ أن نجحوا في الهيمنة على الباد التونسية سنة 5741، بتكوين نظام جبائي وسياسي يفرّق بين عالمين، عالم مديني وقروي خاضع للنفوذ الجبائي والسياسي، وعالم قبلي بدوي واقع خارج سيطرة النفوذ الترابي للدولة الحسينية، ثم نجحوا في ضمه تدريجيًا؛ وهذا نمط من التطور التاريخي تفردت به تونس خال هذه الفترة مقارنة بجيرانها، مثل الجزائر والمغرب وليبيا. ووقعت نقطة التحول الثانية مع منتصف القرن التاسع عشر، عندما عمدت الدولة إلى سن إصاحات جبائية وإدارية ساعدت على مزيد من تشكيل قيمة الأفراد الذين أصبحوا متساوين أمام سلطة الدولة والجباية، عكس الفترات السابقة التي كان يتمتع فيها الأعيان المحليون وبعض المقاطعات بامتيازات جبائية واجتماعية؛ وفي هذه الفترة صار الجميع، وبصورة نظرية على الأقل، أفرادًا معزولين عن انتماءاتهم الجهوية والعائلية أو المذهبية. في مرحلة ثالثة، وهي مرحلة الاحتال الفرنسي، تحول «الرعايا» إلى ذوات داخل منطق الدولة الاستعمارية، يعيشون انفصامًا بين مصالحهم العشائرية والمحلية التي ما عادت تنفع ولا تضر، ومنطق الهيمنة الاستعمارية التي أحدثت تباينًا «عنصريًا» واجتماعيًا بين الأهالي والجوالي الأجنبية، وبالخصوص العنصر الفرنسي الذي ساهم في تأجيج الروح الوطنية وفي إقامة وعي بضرورة الانخراط في العمل السياسي والنقابي والثقافي. نقطة التحول الرابعة جرت بعد حصول الباد التونسية على الاستقال سنة 9561؛ إذ عمقت المدرسة مفهوم النخبة الوطنية، وتعززت ذهنية الاستحقاق الفردي والحراك الاجتماعي والجغرافي وذهنية الطموح الاجتماعي. أخيرًا، يعود المؤلف إلى ثورة جانفي [كانون الثاني] 0112 وما رافقها من تحوّل تونس إلى صنف بلدان الانتقال الديمقراطي التي تسعى إلى بناء مؤسسات المواطنة وتداول السلطة السياسية سلمًا، وهو مسار لم يمنع، رغم انتكاساته وتعثراته، الرجال والنساء والأفراد من الوثوق بضرورة التحرر من منظومة الاستبداد

ومن بناء مؤسسات مواطنية تؤكد قيمة الفرد والانخراط الطوعي والتلقائي في قضايا «الشأن العام» والعيش المشترك. ينتهي الكتاب بتأكيد مسار تعثّر قيمة الفرد في تونس، وما تحيل إليه من سعي دؤوب - خاصة الفئات المهمَّشة كالنساء والشباب وأفواج المعطَّلين من العمل والجهات المحرومة من التنمية - للتحرر من الغبن الاجتماعي، وتشبث بما تحفزه قيمة الفردانية من توق إلى الحرية والحراك، والتحرر من قيود المجتمع العشائري والقبلي والمحلي؛ فدرجة حضور الفرد أو غيابه في الرابطة الاجتماعية أو السياسية ليست على قدر أهمية الوعي بحتمية وجوده وقدرته على الفعل، وهو ما يمكن أن يكرس فعلً قيمة الحداثة، والتحرر أيضًا من نتائج تذبذب قيمة الفرد وضبابية مسار الفردية، وانتشار الانتهازية والأنانية والمحسوبية التي هي الوجه القاتم لقيمة الفردانية. وكما نعرف، فقد اختلفت المدرسة التطورية مع رواد الانتشارية والمدرسة الألمانية (زيمل، تونيز، فيبر، فرانس بواز...) في تقدير مداها وآثارها شرقًا وغربًا؛ إذ اعتبر بعضها (وأساسًا التطوريون من أمثال تايلور ودوركهايم وغيلنر وافينس برتشارد وداروِن ومرغن...) أن الحداثة، كما وقعت معايشتها في الغرب، تُعتبر حلقة مثلى أو عنوان تطور، بينما اشترك آخرون، ونعني رواد الفلسفة الألمانية، في اعتبار الحداثة الغربية انحدارًا وتقهقرًا واغترابًا للذات الإنسانية. يمكن أن نقول في الختام إن تردد المجتمعات العربية بين قيمة الفرد وإلزامات الجماعة، وتضارب المصلحة الفردية مع المصلحة العامة، يفسران إلى حد ما صعوبات إنجاز الديمقراطية والمواطنة، وتواصل الولاءات القديمة، وتذبذب الوعي بين دوائر الانتماء الأولى والانتظام الطوعي في حركات عمل ونضال سياسي ومدني.

الهامش