الممارسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول
Protest in Morocco
الملخّص
بقدر ما عبّرت الممارسة الاحتجاجية في المغرب عن درجة من التعايش بلغها الفاعلون السياسيون والاجتماعيون زمن التسعينيات، واستبعاد العنف من العمل السياسي، وقبول منطق الاختلاف، والتداول على السلطة، ودافعت عن الحق في الوجود في الفضاء العام للتعبير عن فشل السياسات الاجتماعية الحكومية في تحقيق التنمية المنشودة، تزامنًا مع حكومة التناوب سنة 1998، وأثبتت قدرتها على إحداث نوع من التغيير الدستوري والسياسي بعد موجة الحَراك العربي، وبفضل دينامية حركة 20 فبراير المغربية سنة 2011، أظهر النظام السياسي، في المقابل، ذكاءً استراتيجيًا ملحوظًا تجلّى في قدرته الدائمة على الانفتاح المتدرِّج، وتنظيم التنفيس الدوري المستمر، وإعطاء إشارات في اتجاه المراجعة والتقويم وتغيير ما يحتاج إلى تغيير.
Abstract
Abstract: The 1990s protest movement in Morocco expresses the degree of coexistence achieved by political and social activists, their renouncement to violence and acceptance of divergence in political action, and their demand for alternation of power. In 1998, with the government change, Moroccans defended their right to participate in the public sphere and protested the failure of government social policy to achieve the desired development. In 2011, thanks to the dynamism of the Moroccan February 20 movement, they were able to achieve a certain level of constitutional and political change, after the wider Arab Spring Movement. Equally, the political regime demonstrated a notable strategic intelligence, through its constant ability for gradual opening, the organization of periodic appeasement gestures and signaling its intent for revision, reform, and change where needed.
- الاحتجاج
- التراكم
- التحول
- الاستمرارية
- الإصلاح
- Protest
- Accumulation
- Transformation
- Reform
- Continuity
دينامية الصراع والتحول
Dynamic of Struggle and Transformation
ملخص: بقدر ما عبّرت الممارسة الاحتجاجية في المغرب عن درجة من التعايش بلغها
الفاعلون السياسيون والاجتماعيون زمن التسعينيات، واستبعاد العنف من العمل السياسي، وقبول منطق الاخت ف، والتداول على السلطة، ودافعت عن الحق في الوجود في الفضاء العام للتعبير عن فشل السياسات الاجتماعية الحكومية في تحقيق التنمية المنشودة، تزامنًا مع
حكومة التناوب سنة 1998، وأثبتت قدرتها على إحداث نوع من التغيير الدستوري والسياسي بعد موجة الحَراك العربي، وبفضل دينامية حركة 02 فبراير المغربية سنة 0112، أظهر النظام
السياسي، في المقابل، ذكاءًاستراتيجيًا ملحوظًا تجلّى في قدرته الدائمة على الانفتاح
المتدرِّج، وتنظيم التنفيس الدوري المستمر، وإعطاء إشارات في اتجاه المراجعة والتقويم
وتغيير ما يحتاج إلى تغيير.
Abstract: The 1990s protest movement in Morocco expresses the degree of coexistence achieved by political and social activists, their renouncement to violence and acceptance of divergence in political action, and their demand for alternation of power. In 1998, with the government change, Moroccans defended their right to participate in the public sphere and protested the failure of government social policy to achieve the desired development. In 2011, thanks to the dynamism of the Moroccan February 20 movement, they were able to achieve a certain level of constitutional and political change, after the wider Arab Spring Movement. Equally, the political regime demonstrated a notable strategic intelligence, through its constant ability for gradual opening, the organization of periodic appeasement gestures and signaling its intent for revision, reform, and change where needed.
Marrakesh, Morocco.
مقدمة
إن تنامي الحركات الاحتجاجية وتنوّعها خ لاا السنوات الأخيرة، ولا سيما في المنطقة
العربية، يعكس نوعًا من التطور والنضج في اعتماد الناس طرقًا مؤثرة في مواجهة ما
يعترضهم من مشك ت، وأيضًا السعي الدائم إلى إيجاد الحلول الكفيلة بتجاوزها جزئيًا أو كليًا.
يجد هذا الاعتماد حجته في ما حققته الاحتجاجات الاجتماعية، في تجارب خارجية، من خلخلة للبنى التقليدية، في أفق دمقرطة الحياة السياسية والتحرر الاجتماعي والاقتصادي، وفي ما مارسته تحركات شعبية داخلية من ضغوط على السلطات العمومية من أجل تلبية مطالبها المختلفة. إن الوقائع التي تشهد على هذه التحركات كثيرة، ويكفي أن نذْكر أن تاريخ الكون، كما تكشف الكتابات التاريخية والسياسية، يشكل، في مجمله، سلسلة طويلة وشاقة من تمرد الأبناء على الآباء، والمظلومين على الظالمين، والفقراء على الأغنياء، والصغار على الكبار، والمسودين على السادة؛ ففي المجتمعات كلها، وفي الأزمنة كافة، ثمة حركة احتجاجية مستمرة في الزمان والمكان، تجمع بين الثابت والمتغير في آن، عبر أجيال وأوضاع دائمة وغير منتهية، نكاد نعاينها في الأنماط والاتجاهات المختلفة، إذ هي من مكونات المبنى المحتمل للفاعلية الاجتماعية، ومن محددات معناها العميق. لم يكن المغرب، بحكم جغرافيته الاستراتيجية وسوسيولوجيته البشرية المتنوعة، بمنأى عن هذه الفاعلية الاحتجاجية؛ فقد لاحظ بول باسكون، مثلً، منذ أكثر من ربع قرن، أن المرء إذا تساءل عن «ماهية المجتمع المغربي»، أو إذا قرأ صحفًا في المغرب أو خارجه، أو رجع إلى كتب متخصصة تتناول هذا الموضوع، يُدهشه العدد الهائل من الأجوبة المتناقضة. تبرز هذه الطبيعة التناقضية على
الصعيد الاجتماعي، وبشكل صارخ، وفق محمد نور الدين أفاية. أما الخطيبي، فيقارب المفارقة من زاوية مغايرة، حيث يمّحي المغربي أمام السلطة تارة ويتآلف معها تارة أخرى. ومن حيث كونه
مسالمًا ومحبًا للمظاهر، يغدو جافًا وصامتًا حين تفاجئه عاصفة الأحداث. وحين يثور، فإنه يكنس
كل ما يعترض طريقه. حينما يكون المغربي ثريًا، يشكّل لنفسه زبائنه، أما في فقره، فإنه يتوصّل
إلى أن يكون من بين أولئك الزبائن. وينظر عبد الله حمودي إلى هذه المفارقة من زاوية الصبر فيميز الطبقات المحرومة التي تأمل دائمًا في تحسّنٍ خارق لمصيرها، رغم خيبة الأمل التي تتكرر
(((ربيع وهبة، « الحركات الاجتماعية تجارب ورؤى »، في: ربيع وهبة [وآخرون]، الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي: مصر،
المغرب، لبنان، البحرين، تحرير عمرو الشوبكي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0112)، ص 73 (بتصرف.) (((فاروق القاضي، آفاق التمرد: قراءة نقدية في التاريخ الأوروبي والعربي الإسلامي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 0042)، ص.4 (((عبد الرحيم العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب: مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي، تقديم إدريس بنسعيد، دفاتر وجهة نظر؛ 14 (الرباط: دفاتر وجهة نظر، 0082)، ص 77 وما بعدها. (((محمد نور الدين أفاية، السلطة والفكر: نحو ثقافة الاعتراف في المغرب، شرفات؛ 3 (الرباط: منشورات الزمن، 0012)، ص.81 (((المرجع نفسه، ص.82 (((عبد الكبير الخطيبي، المغرب العربي وقضايا الحداثة، ترجمة أدونيس [وآخرون] (الرباط: منشورات عكاظ، 1993)، ص.88
باستمرار. أما نور الدين الزاهي، فلا يعتبر هذه المفارقة، التي تسكن في أعماق المغاربة، فطرية، بل تاريخية بالأساس. وكل ما يتشكل عبر التاريخ يتفكك عبر التاريخ. ويمكن اعتبار إحدى علامات بدايات التحول والتفكك ومؤشراتها تلك اللحظة التي يدخل فيها التاريخ بكل ثقله، واستمراريته واسترساله في توترات ظاهرة وخفية، مع راهن المجتمع، وحاضره ومتغيره. وإذا كانت الأحداث تتسارع، وإذا كانت المفاهيم تتوالى الواحد بعد الآخر، من الخضوع والصمت إلى الاحتجاج، ومن السكينة إلى الحركة، ومن التقبل إلى الجفاء، فذلك لأن المغرب والمجتمع المغربي لا يطمئنان إلى الركود أو الحصر (Blocage) الذي وصُف به في بعض المراحل من تطوره، وإنما على عكس
ذلك، يعرف كثيرًا من التحولات؛ تحولات وليس فقط تغيرات، بحسب محمد جسوس، أي تحوُّل في
قواعد اللعب وفي الغايات والوظائف، والبنى التي يعتمد عليها هذا المجتمع. يبدو أنه ينبغي لنا تمديد التفكير، بحسب دعوة باسكون، إلى ما هو أبعد قليلً، وتجاوز المونوغرافيات، وهي دراسات سكونية وغير تفسيرية، وتجاوز المشك ت المبنية كلها على الفوارق، والتي تنسى الجوهري، خصوصًا أن كثيرين من الناس أخذوا يطرحون تساؤلات كبيرة جدًا حول طبيعة المجتمع الذي
يعيشون فيه. الأكيد هو أن الحركات الاحتجاجية توجد في صلب هذا التحول، الذي يسم طبيعة المجتمع المغربي، بالنظر إلى كون الاتساع الكمي والكيفي للاحتجاجات الجماعية صار لازمة للفضاءات العامة في المجالات المختلفة، حضرية أكانت أم قروية أم شبه حضرية. لذلك، يجد الباحث نفسه ملزمًا بالبحث
عن إجابات دقيقة عن التغييرات التي خضع لها السلوك الاحتجاجي في السياق المغربي منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، بهدف استجلاء مسبباتها ونتائجها وامتداداتها.
(((يرى عبد الله حمودي أن صمود هذا الأمل رغم جميع الإخفاقات ليس قدريًا ولا خوفًا من القمع. والانتفاضات التي تهز
المدن بين الفينة والأخرى وتُقمع بعنف، دليل على هذا التأرجح بين الغضب الذي تغذيه الإحباطات وعدم الوفاء بالوعود من جهة، والانتظار الذي يؤيده الاعتقاد في قدرات المركز الموزع الخارقة على إغاثة المحرومين، من جهة أخرى. انظر: عبد الله حمودي،
الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، المعرفة الاجتماعية (الدار البيضاء: دار توبقال، 0002)، ص.36 (((نور الدين الزاهي، «المغاربة والاحتجاج»، وجهة نظر، العددان 19 - 02 (ربيع وصيف 0032)، ص.12 (((السبب الذي حدا ببعض المؤرخين المغرضين إلى زعم أن تاريخ المغرب راكد لا يتجدد وأن ركوده يدل على بنية اجتماعية قارة ونفسانية جماعية ثابتة، هو الصورة التي كان عليها المغرب خلال القرن التاسع عشر وإلى غاية أوائل القرن العشرين. والواقع
الذي يجب التذكير به دائمًا، هو أن تلك الصورة القاتمة من التمزق والتفكك والتقهقر، وإن ظهرت من حين إلى آخر، ليست معطى
أزليًا، مستقلً عن مؤثرات الزمان، بل هي دائمًا، وكلما تجسدت، وليدة أحداث معيّنة وأسباب طارئة. انظر: عبد الله العروي، مجمل
تاريخ المغرب، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0092)، ص.423 (1((محمد جسوس، طروحات حول المسألة الاجتماعية، كتاب الشهر؛ 6 (الدار البيضاء: الأحداث المغربية، 0032)، ص.74 ((1(التفكير البعيد الأمد يُلزمنا بالوقوف عند هذا الجوهر الذي يميز المجتمع المغربي. وأولى الخطوات التي ينبغي القيام بها هي
الكشف عن المغالطات التاريخية التي حجبت هذا الجوهر. «عندما تتعايش بعض الملامح المغلوطة تاريخيًا، في كل مجتمع، وعلى أي
صعيد، يمكن لنا القول إن هناك استلابًا، بل يمكن لنا، من ثم، استخلاص نظرية للاستلاب المعمّم، وهو مرض حقيقي أصاب مجتمعنا».
انظر: بول باسكون، « طبيعة المجتمع المغربي المزيجة »، نشر النص بمجلة لاماليف (كانون الأول/ ديسمبر 1967)، وأعاد نشره منتدى ابن
تاشفين: «المجتمع والمجال»، في: بول باسكون أو علم الاجتماع القروي (الدار البيضاء: مطبعة دار القرويين، 0142)، ص.54 ((1(المرجع نفسه، ص.54
إذا كان المحرك الرئيسي لفعل الاحتجاج الشعبي في فترة الاستعمار يتمثّل في تعبئة القوى المدنية والسياسية للدفاع عن الوطن ضد سلطات الحماية، فإن هذا الفعل اتخذ بين الستينيات والسبعينيات
من القرن الماضي شَكْل حركات احتجاجية سياسية، بخلفيات اجتماعية، عملت من خلالها أحزاب المعارضة على استثمار الإضراب العام، الذي كان الشكل الاحتجاجي المهيمن آنذاك، قصد تصريف صراعها مع النظام السياسي حول السلطة، وفق ثنائية «العنف والعنف المضاد». ومنذ التسعينيات، بدأ الاحتجاج يتجه إلى الطابع السلمي غير العنيف، وارتبط، أساسًا، بمطالب ذات طبيعة اجتماعية صرفة،
لاعتبارات متعددة، يمكن إجمالها في تحوُّل بنية السلطة الحاكمة من نظام مغلق إلى نظام مفتوح نسبيًا،
وإدراك التنظيمات النقابية والحزبية أنها تقوى على الدعوة إلى الاحتجاج، لكنها تعجز عن السيطرة على أعمال التخريب والعنف الدموي التي تصاحبه، وذلك تزامنًا مع التغيرات التي وقعت على المستوى الدولي، في مقدمتها انهيار الاتحاد السوفياتي، وارتفاع الطلب على احترام حقوق الإنسان، وما رافقه من دعوات لتحرير الفضاءات العامة أمام مكونات الشعب المختلفة للتعبير عن انشغالاتها وتطلعاتها، وهو ما أفرز على الصعيد الداخلي ظهور مجموعة من جمعيات المجتمع المدني التي ساهمت، في حدود مواردها وإمكاناتها، في تكريس الثقافة الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وهو ما سمح بانتقال دينامية فعل التغيير من المعارضة السياسية إلى الفئات الشعبية، فجعل هذا
الانتقالُ فعل الاحتجاج تمرينًا يوميًا مألوفًا، تتعدد تعبيراته ومميزاته داخل الفضاء العام المغربي.
فكيف يعبّر هذا الفعل عن نفسه؟ وعلى ماذا يدّل؟ وما هي أبرز العوامل المتحكمة فيه؟ وهل يحمل
مضمونًا اجتماعيًا أم مضمونًا سياسيا؟ وما أوجه ثباته وتحوّله؟ ثم قبل هذا وذاك، أيّ معنى يحيلنا إليه
مصطلح الحركات الاحتجاجية؟ لإجابة عن هذه التساؤلات، ستعمل هذه الورقة، في القسم الأول، على تبيان المقصود بمصطلح الحركات الاحتجاجية، وإلقاء نظرة عامة، في القسم الثاني، على أهم التطورات التي شهدها الفعل الاحتجاجي في المغرب. أما القسم الثالث، فسيحدّد أشكال الممارسة الاحتجاجية المختلفة، فيما يرصد القسم الأخير الخصائص التي تتميز بها هذه الممارسة في ظل ثنائية الثابت والمتغير.
في مصطلح الحركات الاحتجاجية
إن كثافة حضور الحركة الاحتجاجية في الاجتماع الإنساني تجعل هذه الحركةَ ظاهرة مجتمعية حاضنة لكل فعل وسلوك تمردي وانتفاضي أو ثوري؛ فهي تنطلق في الغالب برفع مطالب دنيا وبسيطة، وبجموع صغيرة ومتناثرة، ثم سرعان ما تتسع مكانًا وزمانًا إذا سمحت الظروف والسياقات والفرص
السياسية بذلك، فتتخذ أشكالً جديدة تسير بالحركة الاحتجاجية في اتجاه تصاعدي، وصولً إلى انتفاضات عارمة أو تمردات دامية أو ثورات تستهدف رأس النظام. والنماذج على ذلك متشعبة، كما
(1((إدريس جنداري، المسألة السياسية في المغرب: من سؤال الإص حاا إلى سؤال الديمقراطية، دفاتر وجهة نظر؛ 62 (الرباط: دفاتر وجهة نظر، 0132)، ص.108 ((1(توفيق عبد الصادق، «حركة 0 2 فبراير الاحتجاجية في المغرب: مكامن الاختلال وإمكان النهوض»، المستقبل العربي، السنة 73، العدد 426 (آب/ أغسطس 0142)، ص.86
في حالة الثورة الفرنسية مثلً، حيث تطوّرت حركات الاحتجاج من دون أن يكون ذلك مقصودًا في
البداية، إلى ثورة اكتسحت الحكم، وهو ما حدث في حالة الولايات المتحدة الأميركية أيضًا. وفي مصر وتونس، لم يكن هدف الدعوة إلى الثورة في الأصل أن يُطاح نظام حسني مبارك أو نظام زين
العابدين بن علي، بل تسيير حركات احتجاج سلمية، حوّلها سوء تقدير فاعليتها بشكل متدرج إلى
ثورة قلبت موازين القوى داخل البلدين. إذًا، ليست الحركات الاحتجاجية كذلك بسبب التسمية طبعًا، بل بالنظر إلى خصائصها وتعبيراتها
اللغوية والجسدية التي يوجهها المحتجون نحو جهة ما، يفترض توتر العلاقة بينهم بخصوص سوء توزيع منافع ومصالح الحقل الذي ينتمون إليه جميعًا. ربما يكون هذا التوتر حاضرًا في الأشكال
الاحتجاجية الأخرى، مثل الانتفاضة أو التمرد أو الثورة، لكن التسمية تظل رهينة بالمسار والمآل الذي يمكن أن تسلكه؛ فهي متوترة وﺁنية بطبيعتها، باعتبارها ردود فعل على ضغوط أو إكراهات لا تطاق، وتحضر بدرجة عالية التوتر والعنف، خاصة العنف المضاد. وهي عبارة عن مجموعة من الأفعال الجماعية التي تتمايز عن الأنشطة التنظيمية والمؤسسية. إنها عملية استعمال الجماهير الفضاء العام واحتلاله، بغية التعبير سياسيًا عن الآراء والمطالب التي لا تعبّر عنها داخل المؤسسات
والتنظيمات التقليدية. ويعتبرها عمرو الشوبكي أشكالً متنوعة من الاعتراض، تستخدم أدوات يبتكرها المحتجون للتعبير عن الرفض، أو لمقاومة الضغوط الواقعة عليهم أو الالتفاف حولها.
إنها أشكال منتشرة في الفئات الاجتماعية والسياسية كافة، ويمكن أن تتخذ أشكالً هادئة أو هبات غير منظمة، تحاول في إطارها إرادات جماعية مختلفة إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي بشكل كلي أو جزئي في نمط القيم السائدة والممارسات السياسية، وذلك بين أفراد يجدون في الحركة تجسيدًا لمعتقداتهم ونظرتهم إلى الوضع الاجتماعي المنشود. ينتمي هؤلاء الأفراد، في الغالب، إلى الفئات المهمشة التي تقع على مسافة بعيدة من المركز، سواء أكان سلطة أم ثروة أم ثقافة أم رمزًا. وينقل لنا التاريخ الاجتماعي والسياسي أنه كلما أدركت جماعة معيّنة أنها أصبحت غير مرئية
ومكشوفة ومطالبها مهمشة، سارعت إلى التعبير عن مطالبها في الشارع العام. إن هذه الجماعة التي يحسبها مالكو الثروة والسلطة بمثابة حجر مطروح في الشارع، سرعان ما تصبح، بحسب إريك هوفر، حجر الزاوية في بناء عالم جديد؛ فالمهمَّشون هم خميرة التغيير. لم تكن سخرية من السخريات أن
هؤلاء كانوا في وقت من الأوقات في أوروبا هم الذين عبروا المحيط لبناء مجتمع جديد في القارة
(1((عزمي بشارة، « في الثورة والقابلية للثورة »، سلسلة دراسات وأوراق بحثية، المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 0112، ص.42 (1((إدريس بنسعيد في تقديمه لكتاب: العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، ص.7 (1((إيمان محمد حسني عبد الله، الشباب والحركات الاجتماعية والسياسية: دراسة في الإعلام والرأي العام ترصد إرهاصات ثورة
25 من يناير 2011 م (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 0122)، ص.59
(18) Nonna Mayer, «Le Temps des manifestations,» Revue européenne des sciences sociales , vol. 42, no. 129: La Sociologie durkheimienne: Tradition et actualité (2004), p. 219.
((1(عمرو الشوبكي، مقدمة، في: وهبة [وآخرون]، ص.31 (2((المرجع نفسه، ص.31
الأميركية، بل كان هذا هو الشيء الطبيعي، ثم ما فتئ أن صار هؤلاء في الأوقات كلها، وفي جميع بقاع العالم، القوة الأساسية لكسر شوكة التسلط وللدعوة إلى الإصلاح والتغيير. رغم أن التاريخ المغربي الرسمي ظل ينظر إلى عامة الناس نظرة توجس وحذر، وأحيانًا نظرة عدم مبالاة إزاء التضامن الذي يبديه المغاربة عندما يتعلق الأمر بمعيشهم وكرامتهم، بعيدًا عن إرادة المخزن، وضد هذه الإرادة في بعض الأوقات، نسجل ظهور كتابات موازية في علم الاجتماع والسياسة في المغرب تعنى بحركاتهم الجماعية ودورها في بناء الدولة والمجتمع. سمحت هذه الكتابات نسبيًا في إخراج
الحركة الاحتجاجية ومكانة المهمَّشين فيها من إطار «المسكوت عنه» أو «ال مفكر» فيه، بحسب
صياغة محمد أركون، إلى إطار النظر إلى المجتمع بأكمله، وتجاوز اختزاله في الخطاب الإجماعي للماسكين بالسلطة، لأن الفهم ينبع من الاختلاف لكشف جوانب أحداث معيّنة من هوامشها. في
هذا السياق، دعونا نلقِ نظرة على مسار الممارسة الاحتجاجية في الزمن المغربي، في محاولة لفهم صيرورتها وأهم التحولات التي رافقتها.
نظرة عامة إلى مسار الاحتجاج في المغرب
بالنظر إلى موقع المغرب الجغرافي، فإن هذا البلد كان مثار أطماع عدة ومنازعات من أجل بسط النفوذ عليه جغرافيًا وبشريًا واقتصاديًا. ولا جدال في أن طبيعة المغرب الجبلية انعكست على
طبيعة السكان الذين عُرفوا منذ القدم بصلابتهم ومهارتهم القتالية، مستفيدين من الظروف الجغرافية
الملائمة. ويعد رد الفعل المغربي على الاستعمار تلقائيًا وعميقًا وسريعًا ومستمرًا، يغذّيه في الأفراد
حب البقاء، وتذكّيه في الجماهير مشروعية الدفاع عن النفس، والذب عن الكيان والميل إلى الحرية الفردية والاجتماعية باعتبارها من الصفات التي امتاز بها المغاربة في جميع مراحل حياتهم وتجاربهم التاريخية. ولم يرتبط دفاعه واحتجاجه عن حقه في العيش حرًّا وكريمًا بالمستعمر فحسب، بل
امتد داخليًا إلى الدولة ذاتها أيضًا، تعبيرًا عن تقصيرها في جانب من الواجبات التي ينبغي أن تقوم
بها لمصلحته.
2(((إيريك هوفر، المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية، ترجمة غازي بن عبد الرحمن القصيبي (أبو ظبي: كلمة، 0102)، ص.54 (2((محمود إسماعيل عبد الرزاق، «المهمشون في التاريخ الإسلامي»، في: عبادة كحيلة (إشرف)، الثورة والتغيير في الوطن العربي عبر
العصور: أعمال ندوة عقدت بالقاهرة في الفترة، 22 - 24 أبريل 2003 (القاهرة: مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، 0052)، ص.101 (((2 جان كلود شميت، «تاريخ الهامشيين»، في: جاك لوغوف (إشراف)، التاريخ الجديد، ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري؛ مراجعة عبد الحميد هنية (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0072)، ص.440 (2((فادية عبد العزيز القطعاني، «الحركة الوطنية المغربية 1912 - 1937 م»، المجلة الجامعة (جامعة بنغازي)، السنة 1، العدد 16 (شباط/ فبراير 0142)، ص.35 2(((عبد الفتاح مقلد الغنيمي، موسوعة المغرب العربي، مج 1 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1994)، ص.21 2(((مقدمة عبد الله إبراهيم لكتاب: أمحمد مالكي، الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 02، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص (ب.) 2(((علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ط 5 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1993)، ص (و.)
بالرجوع إلى حالة السيبة، فإلى جانب ما اتسمت به من فوضى عارمة وعنف دموي بين القبائل، وبينها وبين المخزن، نجدها في الأساس ترمز إلى تصادم مشروعين سياسيين يسعيان كلاهما للطعن في مشروعية الآخر، وفي اختياراته السياسية أو العقدية أو الاقتصادية. لذلك، فباستثناء حركة الدباغين في فاس وحركة الإسكافيين في مراكش التي غذتها الحمولات الاجتماعية والاقتصادية رغم تداخلها شيئًا ما مع الجانب السياسي، يدخل باقي الأحداث التي احتضنها مجال السيبة في إطار الصراعات والتمردات السياسية لا في إطار الحركات الاحتجاجية.
(2((يثير مجموعة من الباحثين انتباهنا إلى أن السيبة باللسان العربي الدارج في المغرب هي حالة ناس خرجوا من وضع الرعية
المنقادين لأمير، هو صاحب السلطة المخزنية المركزية. يعبّر هذا الوضع، عمومًا، عن وقوف بعض القبائل في وجه عمليات
الاحتواء التي يتوجه بها المخزن، وذلك في شكل وساطات زواياتية أو «حَرْكات» (بسكون الراء) عسكرية أو غيرها من الأساليب؛
فالقبائل المنتمية إلى بلاد السيبة، كما يقول ميشو بلير، لم تكن تعترف بسلطة المخزن السياسية وبجهاز السلطة الإداري، وإن كانت
تعترف بسلطة الأخير الدينية وسيادته الروحية. لكن الجدير بالذكر أن هذه العقيدة الانقسامية الراسخة للقوى الأجنبية، التي تبدو
جلية في كتابات بلير وكارلتون كون، غابت عنها خصوصية العلاقة القائمة بين الشعب والسلطان؛ فالتجربة التاريخية تؤكد أن هذا
الأخير لا يملك سلطة روحية فقط على ساكنة بلاد السيبة (فهذا الادعاء تبسيطي لهذه العلاقة)، بل في الواقع كان هناك أيضًا أنماط
متنوعة من العلاقات التي يمكن القبائل من خلالها ربط صلاتها بالمخزن. للاستزادة، راجع، على سبيل المثال لا الحصر: محمد
حجي (إشراف)، معلمة المغرب: موسوعة علمية رائدة (الرباط: مطابع س، 0022)، ج 15، ص 5206؛ عبد الرحيم العطري،
«الحركات الاحتجاجية في المغرب: من زمن الانتفاضات الكبرى إلى حركات 02 شباط / فبراير،» في: توفيق المديني [وآخرون]،
الربيع العربي.. إلى أين؟: أفق جديد للتغيير الديمقراطي، تحرير عبد الإله بلقزيز، سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 63 (بيروت: مركز
دراسات الوحدة العربية، 0112)، ص 80 2 وما بعدها، وإدموند بورك، الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الاستعمار، 1860 - 1912،
ترجمة محمد أعفيف، نصوص وأعمال مترجمة؛ 17 (الرباط: جامعة محمد الخامس أكدال، 0132)، ص 83 وما بعدها. (2((يشير المخزن، بداية، إلى المكان الذي كانت تُجمع فيه الضرائب الشرعية والموجَّهة إلى بيت مال المسلمين. وبعيدًا عن دائرة
اللغة، تتبدى التغايرات والاختلافات على صعيد زمن ولادة المخزن والمعنى الذي اتخذه مغربيًا؛ فمن نظرية «المخزن- القبيلة» لكوتيي
وهنري تيراس التي استقياها من ابن خلدون الذي يربط السلطة السياسية وممارستها للسلطة بالمجتمع القبلي (المخزن بهذا المفهوم هو
مخزن القبيلة أو الاتحاد القبلي المهيمن في حقبة تاريخية معينة)، إلى مفهوم «المخزن- الزاوية» الذي استخلصه الأميركي كليفورد كيرتز
بعدما هاله تعدد الزوايا في مغرب القرن السابع عشر، فقال بالمخزن المرابطي أو الموحدي. يدحض عبد الله العروي في كتابه مجمل
تاريخ المغربمقولة أن المخزن قبيلة في الحكم أو أنه إقطاعية أو نموذج للاستبداد الشرقي بالنظر على الخصوصيات المغربية، ويشير
إلى تغير دلالته من عصر إلى آخر. وارتبط ظهور المخزن ببذور فكرة الدولة بمفهومها العصري، والمخزن كمصطلح شائع في مغرب
القرن التاسع عشر، يتخذ عند العروي شكلين: الأول ضيق يحيل إلى البيروقراطية والجيش وكل من يتقاضى أجرًا من الخزينة السلطانية،
وليس من الأحباس كأعضاء الإدارة الحضرية، والهيئة المكلفة بالأمن في المدن وإلى حد ما في القرى. والشكل الثاني واسع ينكب
على مجموع الجماعات المشكِّلة لأعضاء المخزن الضيق، الخاصة، قبائل الجيش- الشرفاء - الصلحاء. ويرى عبد اللطيف أكنوش
أن الملك المغربي سلطان ورئيس لما يسمى «المخزن». والمخزن بالنسبة إليه تنظيم سياسي - اجتماعي تميز به المغرب خلال تاريخه
الطويل؛ فرغم أن البنى الشكلية المخزنية أسقطت من النظام السياسي المغربي مع حصولنا على الاستقلال، وحلّت محلها بنى إدارية
عصرية موروثة من عهد الحماية، فإن هذه البنى ليست في الواقع سوى مجموعة من الوسائل المادية التي تمكن السلطان المغربي -
بوصفه السلطة التراثية الوحيدة من تقوية التنظيمية للنظام السياسي ككل. بهذا المعنى، يباشر السلطان المغربي «حكم البشر»، تاركًا
إدارة الأشياء ل«التقنوقراطية اللائكية» (بالمعنى الذي قدمه ماكس فيبر). وهو في حكمه هذا يعتمد على «الخاصة»، أي مجموعة من
الأفراد المنتمين إلى العائلات المخزنية التي ارتبطت تاريخيًا بالعائلة الملكية وبالمؤسسة السلطانية التراثية.وفي المنحى نفسه، يقول
عبد الرحيم المنار السليمي إن مصطلح «المخزن» يُستخدم في المغرب للتعبير عن رجال القصر المحيطين بالملك، الذين لهم نفوذ
كبير وتدخّل في الحياة السياسية. ويفضل محمد الطوزي استعمال لفظ «دار المخزن»، ولا يؤيد التعريفات التي تخلط بين أجهزة الدولة
ونظام المخزن وبينه وبين دار السلطان؛ فالمخزن، موضع الإسقاطات السلبية والإيجابية على السواء، همه الوحيد هو الحفاظ على
الأمن والاستقرار، وجعل «مصلحة الدولة» قيمة فوق كل اعتبار. هذه مهمات تستوجب استعمال القوة بشكل مستمر، وترك الأخ قاا
جانبًا؛ فهو أداة لممارسة السلطة، لكن شرعيته لا تتداخل أو تتلاقى مع شرعية الملك؛ فهذا الأخير - وإن كان رئيسًا للمخزن - غير
متورط في أنشطته. للمزيد، انظر مثلً: هند عروب، المخزن في الثقافة السياسية المغربية، دفاتر وجهة نظر؛ 4 (الرباط: دفاتر وجهة نظر،
0042)، ص 9 2 وما بعدها؛ عبد اللطيف أكنوش، السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الأمس واليوم (الدار البيضاء: مطبعة بروفانس،
1988)، ص 4 وما بعدها؛ عبد الرحيم منار السليمي، «الحركات الاحتجاجية في المغرب: المسار والمآل»، في: وهبة [وآخرون]، ص
120، ومحمد المنصور، المغرب قبل الاستعمار: المجتمع والدولة والدين، 1792 - 1822، ترجمة عن الإنجليزية محمد حبيدة (الدار
البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0062)، ص.14 3(((إدريس بنسعيد في تقديمه لكتاب: العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، ص.10
في فترة الاستعمار، زاوج المغاربة بين الكفاح المسلح والاحتجاج السلمي، فواجهوا سلطات الحماية الفرنسية والإسبانية بالسلاح، ثم سرعان ما احتجوا سلمًا بالتضرع إلى الله ألا يفرّق العرب عن إخوانهم
البربر بعد صدور ما سميّ «الظهير البربري» الذي استثمرته الحركة الوطنية بذكاء لدفع الناس إلى
مواجهة الاحت لاا الأجنبي. بعد الاستق لاا، أصبحت الحركات الاحتجاجية في المغرب وسيلة لتصريف الصراع الأيديولوجي- السياسي بين الأحزاب السياسية المعارضة والسلطة الحاكمة، داخل الساحات والقاعات العمومية ومؤسسات التعليم الثانوية والكليات، وعلى صفحات جرائدها، وغيرها
من الفضاءات التي شهدت صراعًا عنيفًا وانتفاضات مدوية بين السلطة والمحتجين. وقد خفّت حدة
هذا التصادم في التسعينيات، حين اتخذت الحركات الاحتجاجية أشكالً أقل عنفًا وأكثر تنظيمًا، تزامنًا
مع موجة حقوق الإنسان، وارتفاع سقف المطالب الاجتماعية في مقابل التراجع النسبي للمطالب ذات الرمزية السياسية، سمحت بانتقال دينامية فعل التغيير من المعارضة السياسية إلى الفئات الشعبية،
وهو ما جعل الاحتجاج تمرينًا يوميًا مألوفًا، تتعدد تعبيراته ومميزاته، داخل الفضاء العام المغربي. تأتي سنة 0112 لتُبرز التطور الحقيقي الذي حدث على مستويات شكل الحركات الاحتجاجية ومضمونها
ومجالها، بالنظر إلى الدلالات التي أضْفتها حركة 02 فبراير على قوة الشارع «الناعمة»، بعيدًا عن المعارضة التقليدية، في إحداث التغيير، وبسبب أيضًا قدرة النظام السياسي على التقاط إشارات «الإرادة
الشعبية» المطالبة بضرورة القيام بالإصلاحات الدستورية والمؤسساتية اللازمة لبناء «دولة الإنسان».ِ تعرّف حركة 02 فبراير نفسها حركةً احتجاجية سياسية، تفاعلت مع موجة التحولات الإقليمية التي
أحدثها الحراك العربي مطلع سنة 0112، وتأثرت بخصوصية الدولة والمجتمع، وأثّرت فيهما في الوقت ذاته، للتنديد بثنائية الفساد والاستبداد بالشارع العام. ورغم أن الحركة لم تفلح في التحول
إلى حركة جماهيرية لها امتداد شعبي، فإن احتجاجاتها شكّلت، مقارنة بالتحركات الحزبية، المحك الحقيقي لمدى جدية الإصلاحات التي باشرها المغرب في السنوات الأخيرة. كما أنها أثبتت، على خلاف ما هو رائج، درجة الوعي السياسي لدى فئة الشباب، ومدى استعداده لممارسة دور مؤثر في صناعة المستقبل وصوغ خطوطه ومساراته، وإن كان الفارق كبيرًا بين الاستعداد لإحداث التغيير
وتوجيه مساره في الاتجاه الذي يخدم المصالح المتضاربة للقائمين عليه، في ظل نظام سياسي
يُجِيد إعادة إنتاج نفسه، بفضل قدرته على تدبير الأزمات والتكيّف مع مختلف التقلبات الاجتماعية
والسياسية، لتجذّره وفاعليته ومكانته في الثقافة السياسية. لكن ما يستحق الذكر هو أن على الرغم من تراجع الحركة بنسبة كبيرة منذ سنة 0122، أو حتى ربما لم يعد لها تأثير واضح منذ التصويت على الدستور، يمكن التأكيد أن ديناميتها، بعد أزيد من خمس
(3((جنداري، ص.108
(((3 لذلك، فإن تفسير تراجع الحركة وفهمه رهينا استحضار مجموعة من العوامل، جزء منها خارجي مرتبط بتطور الحراك الإقليمي على
المستوى العربي والمغاربي، وجزء آخر محلي صرف، يتوزع هو الآخر على قسمين، أحدهما داخلي يتعلّق بطبيعة تركيبة الحركة نفسها، والآخر
خارجي يتصل بخصوصية النظام السياسي المغربي. ففي مقابل خبرة هذا الأخير وذكائه وحُسن تدبيره، وما نجم عن ذلك من قدرة على الأخذ
بزمام المبادرة، كانت الحركة أسيرة هشاشتها التنظيمية والسياسية، التي تجلّت في عدم قدرتها على تدبير الخلافات الأيديولوجية بين مكوناتها.
(((3 في الحوار الذي أجراه منير عبد المعالي مع عبد الرحمان رشيق، الباحث في السوسيولوجيا الحضرية، حول الأخطاء الأساسية التي حدّت من تأثيرات 02 فبراير: «رشيق: هذه أسباب فشل الحراك المغربي»، اليوم 24، 015/2/212، شوهد في 015/2/222، في:
http://www.alyaoum24.com/267031.html.
سنوات على نشأتها، ما زالت حاضرة في الفضاء العام، بصيغ جديدة، تستثمر التراكمات والتجارب الحاصلة في مجال الممارسة الاحتجاجية بالمغرب. ويلاحظ في هذا الإطار أن أربع مناسبات، على سبيل المثال (احتجاج سكان طنجة ضد شركة التدبير المفوَّض أمانديس، وتشبث الطلاب الأطباء بعدم العودة إلى مُدرَّجات ومختبرات الدراسة والتكوين
إلى حين تراجع وزارة الصحة عن مسودة مشروع قانون «الخدمة الصحية الوطنية»، بالإضافة إلى
مسيرة الأساتذة المتدربين الضخمة التي تجاوز عدد المحتجين فيها عشرات الآلاف، وهو ما لم تَقْدِر النقابات ولا الأحزاب على جمعه في مسيرات مماثلة، رفضًا لمرسومي وزارة التربية الوطنية، وأخيرًا
مجموع المسيرات التضامنية مع أسرة محسن فكري، وما رافقها من تعبير عن رفض صريح لثنائية الفساد و«الحُكْرَة)»، على اختلاف مضامينها والفاعلين فيها، تكشف وجود مجموعة من القواسم
المشتركة بينها: أولً، تغيب عن هذه الحركات زعامة الفاعل السياسي أو النقابي، وهذا الأمر أفسح المجال للشباب المتعلّم للتخلص من الخوف والتمرس على التفاوض والحوار مع ممثلي الحكومة من دون وسطاء. ثانيًا، شكّلت الإنترنت الحاضن الرئيسي لهذه الاحتجاجات، لأن التعبئة جرت
على «فيسبوك» و«تويتر» و«واتساب» و«يوتيوب»؛ فداخل هذه العوالم الافتراضية ناقش المحتجون مطالبهم، وتداولوا في مشروعيتها، وهيّأوا المشاركين فيها على المستوى النفسي لتعزيز حماستهم،
بمعنى أنه تم إرجاء قرار النزول إلى أرض الواقع إلى أن نضجت فكرة الاحتجاج وعدالة هذه المطالب. ثالثًا، استعارت هذه الاحتجاجات من الحركة شعارها المركزي المتمثل في المطالبة ب«إسقاط» كل ما هو مرفوض وغير مرغوب فيه.
أشكال الحركات الاحتجاجية
إن المتتبع للمسار التطوري للحركات الاحتجاجية في ب داانا إلى حدود مطلع سنة 0112، يمكنه أن يسجل أن الزمن الاحتجاجي في المغرب ينقسم إلى ث ثااة أجيال، يتميز كل جيل منها بأشكال تخصه. وإذا كان من السهل عزل الجيل الأول عن الجيلين الثاني والثالث من حيث طبيعة الاحتجاج
(3((شاب مغربي لم يكن يتجاوز عمره 32 سنة عندما علق مساء يوم الجمعة 82 تشرين الأول/أكتوبر 0162 في مطحنة شاحنة لنقل النفايات، بينما كان يحاول منع قوات الأمن من مصادرة بضاعته من سمك «أبو سيف» غير المرخص بيعه في هذه الفترة من السنة
في ميناء مدينة الحسيمة. وقد خلّف هذا الحادث المأساوي احتجاجات عارمة في المدينة، سرعان ما انتقلت عدواها إلى مجموعة
من المدن المغربية، للتعبير عن الطريقة المهينة التي توفي بها، ورفْض كل أشكال الحكرة وتجبّر السلطة.
3(((لا توجد في اللغة العربية كلمة مرادفة لكلمة «الحُكْرَة» لها حمولة الكلمة ذاتها، كما تستخدمها وتفهمها شعوب المغرب
العربي في تعام تااها اليومية، لذا احتفظتُ بها كما هي. في المقابل، ترمز الكلمة في المعجم العربي، عمومًا، إلى الاحتقار
والاستع ءاا، وأصبحت تتخذ في الوقت الحاضر معنى «ال مااساواة الاجتماعية» و«الظلم والإقصاء والتهميش الاجتماعي». في المغرب، استُعمل المفهوم سنة 0042 للتعبير عن حالة المنع التي تعرضت لها بعض الجرائد الجهوية، مثل et maintenant Ici في
مدينة ورززات، أو منبر بني ملالفي جهة تادلا أزيلال. وفي 22 كانون الثاني/يناير 0072 دعت الحركة الأمازيغية إلى وقفة احتجاجية
ضد «الحُكْرَة» أمام مبنى البرلمان في الرباط تضامنًا مع الضحايا الثلاثين لأنفكو وأنمزي وتونفيت. وفي سنة 011 ل مفهوم 2، شكّ
«الحُكْرَة» الكلمة المفتاح لحركة شباب 02 فبراير في الفضاءين الافتراضي والواقعي. 3(((ل سااتزادة بشأن هذه الدينامية، يمكن الرجوع إلى الحوار الذي أجريته مع جريدة الوطن الآنالمغربية، بتاريخ الخميس 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 0162، ص.10
داخله، فالأمر ليس باليسير بين الجيل الثاني والثالث في الحالة المغربية لوجود نوع من التداخل والاندماج بينهما على مستوى الواقع، وهو ما سنحاول تجاوزه من خ لاا البحث عن المؤشرات المنهجية والنظرية التي تصلح لرسم خطوط فاصلة بين المرحلتين.
جيل الاحتجاج السياسي
في ظل سياق سياسي سلطوي، كان سجل الفعل الجماعي في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، يتكون غالبًا من الإضراب القطاعي للموظفين والمستخدمين، وإضراب طلاب
الثانويات. كانت المعاملة السياسية لأجهزة الدولة مع جميع الصراعات الاجتماعية – تقريبًا - ترتكز
على القمع والتهديد، فكانت وزارة الداخلية لا تسمح بأي استقلالية أو بناء للحركات الاحتجاجية، وتمنع في الوقت نفسه تنظيم احتجاجات للحركات السياسية والاجتماعية المعترف بها رسميًا.
وبالتالي، في ظل غياب الظروف السياسية الملائمة، لم تكن التظاهرة في الشارع العام تشكل مطلبًا
بالنسبة إلى الحركات الاحتجاجية والسياسية، بل مثّل الإضراب الشكل الوحيد للاحتجاج ووسيلته المثلى للضغط على الدولة في الانتفاضات الحضرية الكبرى التي شهدها المغرب في سنوات 1981 و 1984 و 1990، فكان ظاهره يستنكر التهميش الاجتماعي، وباطنه يضمر الإقصاء السياسي.
جيل الاحتجاج الحقوقي
كثيرة هي المؤشرات التي تدل على أن العقد الأخير من تسعينيات القرن الماضي تميز بظهور تنظيم اجتماعي أكثر عقلانية بحث عن قنوات وأشكال جديدة للاحتجاج لم تكن مألوفة من قبل، بالنظر إلى المناخ السياسي الذي ساد في الماضي. وما عاد الفاعل التقليدي السياسي والنقابي هو المتحكم في الفعل الاحتجاجي من حيث الإعداد واتخاذ الإجراءات، وإنما اكتسح الفاعل الإسلامي والأمازيغي والحقوقي والمعطلين الفضاء العمومي، مستعملين أساليب مختلفة تتمثّل في التظاهرات والمسيرات والوقفات، علاوة على الإضراب.
جيل الاحتجاج على السياسات التنموية
أمام ضعف التجاوب الحكومي مع مطالب الحركات الاحتجاجية، حافظ الضرر المشترك بين مجموعة من الأفراد من السياسات العمومية، على تواتره واستمراريته، لكن الم حَظ هو ظهور
3(((عبد الرحمان رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب: من التمرد إلى التظاهر، ترجمت إلى العربية من طرف الحسين سحبان؛ تقديم كمال لحبيب (الرباط: منتدى بدائل المغرب، 0142)، ص.33 3(((عبد الرحمان رشيق، «استراتيجية الشارع في مدن المغرب: من الدولة ضد المجتمع إلى المجتمع ضد الدولة»، مجلة الشعلة، العدد 6 (0012)، ص.40 (3((المرجع نفسه، ص.40 ((4(في حوار أجري مع عبد الرحمان رشيق في: «رغم تبنيها سلوك الحوار، لا زال الهاجس الأمني حاضرا في تعامل الدولة مع
الاحتجاجات»، حاورته لطيفة بوسعدن، وجهة نظر، العددان 19 - 20 (ربيع وصيف 0032)، ص.33 (4((محمد كولفرني، «الحركات الاحتجاجية بالمغرب: من الانتفاضة الحضرية إلى المظاهرة السلمية»، نوافذ، السنة 11، العددان 41 - 42 (أيلول/ سبتمبر 0092)، ص.90
سواء تعلق الأمر بالسكن أو بالصحة أو التعليم أو الشغل أو البنى التحتية… إلخ.
و 0090102 و 20112 و. والشكل الآتي يبين ذلك:
أﺷﻜﺎل أﺧﺮى
اﻟﺘﺠﻤﻊ اﻻﻋﺘﺼﺎم، اﻟﻮﻗﻔﺔ
اﳌﺴﻴﺮة
| 1 | |
|---|---|
| اﳌﺴﻴﺮة | 6670 |
| اﺮﻻﻋﺘﺼﺎم، اﻟﻮﻗﻔﺔ | 16548 |
| اﻟﺘﺠﻤﻊ | 12418 |
| أﺷﻜﺎل أﺧﺮى | 4646 |
بدائل المغرب، 0142)، ص.69
(4((العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، ص.235 ((4(المرجع نفسه، ص.236 (4((رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب، ص.69
أشكال أخرى فيها إبداع لم ينحصر في وقفات الشموع، بل تعدى ذلك إلى تنظيم الرح ت والمؤتمرات والحملات الإعلامية، ومسيرات المشي باتجاه العاصمة، ووضع الكمامات على الأفواه والخروج إلى الشارع بلا ملابس، وتأسيس تنسيقيات محلية لمناهضة ارتفاع الأسعار، وحمل بعض المحتجين بعض أواني الطبخ فوق رؤوسهم احتجاجًا على تدنّي القدرة الشرائية، وارتفاع حالات
محاولات التهديد بالانتحار حرقًا، وهي محاولات نُفذت فع بعد سنة 2011. وهذه أشكال تعبّر
عن وعي الساكنة المغربية بفشل السياسات العمومية التي تتكفل بها الدولة عبر قطاعاتها الحكومية المركزية، أو السياسات المحلية التي تضطلع بها وحداتها غير المتمركزة عبر الجهات والأقاليم، أو تلك التي عُهد بها إلى الجماعات المحلية الحضرية أو القروية، بالتأثير في الواقع المعيشي اليومي،
تنوعت، إذًا، الأشكال الاحتجاجية التي عبّر من خلالها الشعب المغربي عن الخصاص والهشاشة
التي تمس كثيرًا من فئاته. ومن خلال أرقام وزارة الداخلية، يقدم عبد الرحمان رشيق معطيات إحصائية
مهمة بشأن الأشكال التي اتخذتها الحركات الجماعية المطلبية للتعبير عن نفسها في سنوات 0082
المصدر: الشكل من إعداد الباحث اعتمادًا على: عبد الرحمان رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب: من التمرد إلى التظاهر، ترجمت إلى العربية من طرف الحسين سحبان؛ تقديم كمال لحبيب (الرباط: منتدى
انتقل مجموع المسيرات من 496 مسيرة في سنة 0082 إلى 1354 مسيرة في سنة 0092، ثم قفز المجموع إلى 1485 مسيرة في سنة 010.2 الأمر نفسه بالنسبة إلى الاعتصامات والوقفات التي وصل مجموعها إلى 5453 اعتصامًا ووقفة في سنة 0102، فيما بلغ 4592 في سنة 0092، ولم يتجاوز 7022
في سنة 0082. كما أن التجمعات ارتفعت من 1679 تجمعًا في سنة 0082 إلى 5032 في سنة 0102،
بينما بلغ مجموعها 0272 في سنة 0092، في حين تضاعفت الأشكال الاحتجاجية الأخرى بين سنتي 0080102 و 2، إذ انتقلت من 646 احتجاجًا في سنة 0085982 و في سنة 0092 إلى 1079 في سنة
0102؛ فخلال أربع سنوات، لم يتجاوز مجموع الأشكال الأخرى 4646، واستقر عند 6670 مسيرة فقط، بينما وصل إلى 12418 تجمعًا، وبمجموع 16548 تتصدر الوقفة هذه الأشكال كافة، أي بنسبة
تجاوزت 41 في المئة من مجموع 40282 شكلًاحتجاجيًا.
اﻟﺘﺠﻤﻊ اﻻﻋﺘﺼﺎم، اﻟﻮﻗﻔﺔ
اﳌﺴﻴﺮة
أﺷﻜﺎل أﺧﺮى
| 2503 | ||||||||||||||
| 1679 1354 | 1485 | 1079 | ||||||||||||
| 646 | 598 | |||||||||||||
المصدر: الشكل من إعداد الباحث اعتمادًا على: المرجع نفسه، ص 69.
ثمة حاجة إلى البحث في الأسباب التي تجعل المغاربة يُقبلون على اعتماد الوقفة، مفضّلينها على
الأشكال الباقية. غير أن هذه المهمة، بالتأكيد، تتجاوز كثيرًا إمكانات هذه المساهمة وحدودها،
وتحتاج إلى مشاريع بحث أكثر عمقًا وأكثر إمبريقية. لذلك، فإن الهدف هنا يقتصر على طرح بعض التساؤلات والإشارة إلى بعض العوامل الكامنة وراء صدارة هذا الشكل الاحتجاجي، منها كيفية تعبئة الموارد البشرية وطريقة تنظيمها والتخطيط لها فكرًا وتصرفًا، لكن يظهر على مستوى الواقع أن
مهمة التمييز بينها غير يسير لسببين رئيسيين: الأولهو التداخل الكبير بين هذه الأشكال، وهذا يشير إلى مسألة لم تتوفق كتابات كثيرة في استجلائها، بالنظر إلى كونها تذهب إلى أن الوقفة والاعتصام والمسيرة والتظاهرة والتجمهر، هي كلها تحركات جماعية تعلن نفسها بالطرق العمومية. ومن البدهي أن نستخلص أن بهذا التفسير الذي يخلط بين هذه الأشكال، نكون قد أغفلنا جوانب ظلت بلا جواب: هل تنشأ بالطريقة نفسها؟ من أين تبدأ؟ أين تنتهي؟
والسبب الثانيهو الغموض الكبير الذي يحيط بالوضع القانوني للوقفات الاحتجاجية في علاقتها بباقي الأشكال، خصوصًا أن القضاء المغربي كانت له تأوي ت عدة لهذا الوضع، الأمر الذي يطرح التساؤل
حول طبيعتها القانونية، في ما إذا كانت فعً تكتسي صبغة تظاهرة أو تجمع عمومي، وبالتالي تخضع لنظام التصريح القبْلي، وهو ما يعني في الوقت نفسه سلامة الموقف التأويلي للسلطة المحلية للفصل 11
من ظهير التجمعات العمومية كما وقع تتميمه وتعديله، أم أنها تخرج عن دائرة الخضوع لمقتضيات قانون 00 - 76 الخاص بالتجمعات العمومية، ويجعلها مجرد نشاط غير مقنن، ولا يكتسي، في أساسه، أي صبغة قانونية لغياب السند القانوني الذي يقوم عليه، من خلال التعرض للوضع القانوني لهذه الأشكال، والتحقق مما إذا كان يستوعب مفهوم الوقفة الاحتجاجية، ومن ثمة اكتسابها لصبغته القانونية من عدمه.
ملامح الاحتجاج المغربي
تفاعلت الممارسة الاحتجاجية مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاشت المملكة على وقعها، على امتداد قرون. ولم يكن هذا الامتداد خطيًا وثابتًا، بل تخللته منعرجات تتنوع من
حيث الحدة والتأثير، ترجمها تغيُّر فعل الاحتجاج من حيث التفكير في آليات تصريفه وتبليغ مضامينه،
وانتشار ثقافته في صفوف كثير من الفاعلين، بالإضافة إلى توسع نطاقه من حيث الزمان والمكان. في المقابل، لا تغيب عن ذهن المتتبع لمظاهر تغير هذا الفعل، استمرار تسجيل بعض تجليات الثبات التي ظلت ملازمة له.
طابع الاحتجاج المنظم والمفكر فيه
يتحدد السلوك العقلاني من خلال الممارسة الموجودة في الواقع، وفي طريقة تدبير قضايا المجتمع العقلانية وحاجاته، وليس فقط من خ لاا مطابقته للمنطق والعلوم والنظريات. سنستعير من إدغار موران تعريفه لإنسان بأنه كائن بيو- ثقافي، لنقول إن الاحتجاج كسلوك إنساني هو في الوقت نفسه: فعل بيولوجيلا ينفصل بحكم الفطرة عن طبيعة الإنسان الغريزية، ولا غرابة أن يكون مشتركًا بين الشعوب والمجتمعات كافة، في الماضي والحاضر، وسيظل كذلك في المستقبل، وهو أيضًا فعل ثقافيينفلت بفضل ملكة العقل من حيوانيته الخاصة، ويت ءاام مع الوسط الذي يعيش فيه وينتمي إليه، وطبيعي أن يختلف من مجتمع لآخر، من حيث مدخلاته ومخرجاته. وهذا ما يفسر كونه عملية بناء منظمة تفرض على المحتجين اختيار الشكل التعبيري الذي يسمح بالتأثير في الجهات المعنية، وتحديد المطالب والشعارات المرفوعة التي تظل في حدود الممكن والمعقول، واستثمار التطور الحاصل في مجال الإعلام والاتصال. يصعب أحيانًا أن ننكر أن الحركة الاحتجاجية تبقى في الأصل ممارسة مشاغبة وعفوية تنفلت من التنظيم
والضبط والتوجيه. وفي موازاة ذلك، لا يعد الاعتراف بحجم الانزلاقات والتداعيات الخطِرة، التي ذاق
((4(ظهير شريف رقم 1.02.200 صادر في 12 من جمادى الأولى 1423 (23 تموز/ يوليو 0022)، بتنفيذ القانون رقم 76,00 المغير والمتمم بموجبه الظهير الشريف رقم 1.58.377، الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 (15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1958) بشأن التجمعات العمومية.وينص الفصل الحادي عشر على ما يلي: «تخضع لوجوب تصريح سابق جميع المواكب والاستعراضات وبصفة عامة جميع المظاهرات بالطرق العمومية».
مآسيها المحتجون في الماضي بسبب سوء التنظيم، أمرًا مستعصيًا: ألم تكن الانتفاضات والتمردات
التي عرفها المغرب المعاصر مفتقرة إلى التنظيم المسبق؟ وكيف كانت يمكن أن تكون الحصيلة لو أنها كانت ناتجة من عمل تنظيمي مؤطر يخفف من قوة الصدام بين الجماهير المحتجة وأجهزة الدولة؟ في الحقيقة، على الرغم من وجود بعض التفاوتات البسيطة، فإن حالة الصراع العنيف التي تميزت بها الاحتجاجات الجماهيرية، في هذه الحقبة، تكاد تكون عامة في بلدان العالم العربي. لقد ظلت تحركات متباعدة تتسم بالتشتت وطابع رد الفعل الوقتي والعفوي، وهو ما يحرمها فرص التطور إلى
فعل مقوم قوي. لم يشكل الوضع في المغرب استثناء؛ إذ وصِفت الانتفاضات الحضرية الكبرى التي عرفها المغرب بكونها عفوية وعمياء ومن دون تنظيم، بسبب انفجار الأوضاع التي صار من الصعب التحكم في الفوضى التي أحدثتها. غير أن ما يستحق الذكر هو أن خاصية العفوية هذه بدأت في التراجع مع الوقت، بعد أن هذه الحركات الجماهيرية الواسعة تحولت إلى حركات صغرى
ومحدودة بدت أقل تلقائية وأكثر انضباطًا وقصدية وتنظيمًا. وما عادت ممارسة الاحتجاج اليوم عفوية
في فضاء عمومي، كتجمع الناس في الشوارع احتفالً بمناسبة دينية، أو في أسواق أو أمام وسائل
النقل، بل صارت فعلً مطلبيًا مدبَّرًا. في السابق، لم يكن يخلّف الاحتجاج أثرًا، إذ تنوب الحناجر عن
الكلمات، وهي صعوبة كانت تزيد من عسر فهم هذه الحركات الجماعية بالنسبة إلى الباحث فيها. أما في اللحظة الراهنة، فإن الشوارع تزخر بهذا النوع من الحركات التي تعرّف بنفسها وتفصح عن مطالبها
من خلال شعارات مكتوبة وبلاغات وبيانات وتسجيلات.
خاصية استعمال الفضاء العام
أصبح الاحتجاج يتخذ الفضاء العام مقرًا رئيسيًا له، يحق للمحتجين إع ن مظالمهم ومطالبهم
وانتقاداتهم ورفضهم عبر مكوناته المختلفة: ساحات عمومية، أو رصيف أمام الجهة التي يعتبرها المحتجون معنية بطلبهم أو مطالبهم، وأحيانًا يتدرجون في اختيار المكان وفق منطق تصعيدهم درجة الاحتجاج. لقد تحرر المغاربة نسبيًا من الخوف الذي كان يتملكهم عند التفكير في النزول على
الشارع العام المفتوح على كل الاحتمالات، مع ما يعنيه ذلك من تشكيك في الشرعية السياسية للحكم، وبالتالي إع ن المواجهة مع أجهزته الأمنية والعسكرية. فالذي حدث منذ سنة 1956 إلى حدود حقبة السبعينيات هو أن المواجهة التي سادت بين المعارضة والملكية اتسمت بالعنف المتبادل؛ فالمعالجة السياسية لجميع الانفلاتات الاجتماعية التي حضرت كانت عنيفة، وكلها انتهت بالاعتقال والاغتيال وقمع الصحافة. وتكررت الاحتجاجات العفوية بشكل دوري في سنوات الثمانينيات؛
(4((عزة خليل، «الحركات الاجتماعية في الوطن العربي: نظرة عامة»، في: أكرم عبد القيوم [وآخرون]، الحركات الاجتماعية في
العالم العربي: دراسات عن الحركات الاجتماعية في مصر، السودان، الجزائر، تونس، سوريا، لبنان، الأردن، تحرير عزة خليل؛ تقديم سمير أمين (القاهرة: مكتبة مدبولي، 0062)، ص.80 ((4(حوار عزيز خمليش لعبد الصمد الديالمي حول الانتفاضات بالمغرب، بتاريخ 18 شباط / فبراير 1998، في: عزيز خمليش،
الانتفاضات الحضرية بالمغرب: دراسة ميدانية لحركتي مارس 1965 ويونيو 1981 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 0052)، ص.242 (4((المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، التقرير السنوي: حالة حقوق الإنسان وحصيلة عمل المجلس لسنة 2008 (الرباط:
المجلس، 010 2)،.18 ص ((4(حوار لطيفة بوسعدن مع الباحث عبد الرحمان رشيق: «رغم تبنيها سلوك الحوار»، ص.32
فحتى عهد قريب، لم يكن بمقدور الشباب المعطلين، ولا غيرهم، رفع عقيرتهم بالصراخ في وجه «النظام»، وبالضبط قبالة مقر البرلمان، وبالتالي، فإن مشهد الخيام البلاستيكية المنصوبة في قلب شارع محمد الخامس بالرباط، والتي لبث فيها الدكاترة المعطلون شهورًا عدة، كان يدخل في خانة
المستحيل في السنوات الفائتة. لكن بعد ذلك، وعبر تدبير سياسي وإداري حديث للمجتمع الحضري، خف استعمال العنف وسيلةً للضغط على المجتمع، وظهر متغير جديد هو مطالبة القوى الديمقراطية بحقها في الوجود في الشارع العام، ثم سرعان ما طالب بذلك الإسلاميون وباقي الفاعلين الاجتماعيين؛ ففي هذه الفترة بدأ الحديث عن استراتيجية استثمار الشارع العام يبرز في خطابات الأحزاب، وهذا ما تُرجم عمليًا من خلال التظاهرات المساندة للعراق وفلسطين، وهذا لم يكن مألوفًا
من قبل. هذا المعطى سيتأكد أكثر نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حيث أخذ فاعلون
اجتماعيون جدد يمارسون ضغطًا على الدولة من أجل اكتساح الفضاء العمومي: الإسلاميون، النساء، المعطلون، الحقوقيون، الأمازيغ…إلخ. بفعل المتغيرات السياسية التي شهدها المغرب، على مستوى العلاقات بين مختلف الفاعلين، تشكلت الملامح الأولى لاستراتيجية احتلال المجال العام، سمحت لهؤلاء الفاعلين بالبحث عن أساليب احتجاجية متنوعة لاقتحام الفضاء العام عبر تظاهرات سلمية، أو من خلال تنظيم وقفات واعتصامات.
ميزة السلمية
مع السنوات الأخيرة لمغرب القرن العشرين، بدأت خطورة الثقافة الصدامية المؤطرة للاحتجاج تخفت وتأفل، وبدأت الوقفات تكتفي بالاحتجاج وترديد الشعارات المطلبية من دون الانتقال إلى ممارسة العنف. وقد تأكدت سلمية الاحتجاج بفعل نوعية الفئات التي انخرطت أكثر في انطلاق هذا الشكل من الممارسة الاحتجاجية، إذ ضمت خريجي معاهد وجامعات جمعهم مطلب التشغيل؛ فبالنظر إلى مستواهم التعليمي، ترسخ لديهم شعور بعدالة مطلبهم، وبشرعية الممارسة الاحتجاجية ذات الطابع السلمي من أجل الاستجابة إليه، فأدوا بذلك، إلى حد ما، دورًا بيداغوجيًا في نشر ثقافة الاحتجاج
السلمي وتوسيع نطاقه. ويربط محمد كولفرني هذا الانتقال بتحول سوسيولوجية الاحتجاج من
((5(لم يكن الاحتجاج مسموحًا به في الشارع إلا في مناسبات فاتح أيار/مايو من كل سنة، فالدولة تتهيب كلَّ تجمّع بشري،
ولو كان مؤيدًا لها وبإيعاز منها؛ فذكريات سنة 1965 وما تلاها من انتفاضات كبرى، جعلتها دومًا تنظر بعين الريبة إلى كل خروج
جماهيري، ولو كان من أجل الاحتفاء بانتصار المنتخب الوطني لكرة القدم، كما حدث سنة 1986. وهكذا، وبدل أن يتم تصريف الاحتجاج في الشارع، خلال الزمن الفائت، كان الرافضون للأوضاع يعمدون إلى أكثر من وسيلة لإعلان التذمر والحنق على القائم
من أوضاعٍ موجبة للتغيير. انظر: العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، ص.139 (5((عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا الشباب المغربي: جدل الإدماج والتهميش (الرباط: مطبعة طوب بريس، 0042)، ص.49 ((5(المرجع نفسه، ص.49 ((5(كولفرني، ص.90 ((5(حوار لطيفة بوسعدن مع الباحث عبد الرحمان رشيق: «رغم تبنيها سلوك الحوار»، ص.33 ((5(الزاهي، ص.12 (5((العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، ص.138 ((5(المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ص.20
الذكورية والشبابية التي تطبع انتفاضة المهمَّشين والفقراء إلى التظاهرة التي تعرف حضورًا مهمًّا للنساء
والأطفال كإشارات ديموغرافية على طابعها السلمي الذي يُعضَد بإصرار كثير من المحتجين على
حمل الأع ماا الوطنية وصور الملك محمد السادس، في ممارسة لنوع من المراقبة الذاتية لاتقاء عنف الأجهزة الأمنية، خصوصًا أن هذه الأخيرة ما زالت تتسرع في استعمال العنف لتفريق المحتجين؛
فالمتغير هنا، بحسب العطري، مرتبط بالمحتجين لا بالمحتج عليهم الذين لا يترددون في اللجوء إلى العنف متى توارت ضرورات التلميع والضغط الخارجي.
اتساع مجال الاحتجاج ومضمونه
تغير مجال الاحتجاج من حقبة زمنية إلى أخرى، وهو التغير الذي يحيلنا إلى الحركية التي يمتاز بها الاحتجاج المغربي. كان المجال قرويًا بامتياز، ويرسم بأمانة العلاقة التي كانت قائمة بين المخزن
والقبيلة في زمن السيبة. وسرعان ما تحول هذا الفضاء إلى المدينة في أوج تصدي الحركة الوطنية للتغلغل الأجنبي، وتعزز لأسباب متعددة في زمن الاستقلال. غير أن التحولات الاجتماعية والتوافقات السياسية بين القصر والمعارضة التي شهدها المغرب بعد التسعينيات، جعلت الاحتجاج يمتد شيئًا فشيئًا إلى المدن الصغرى، ثم إلى البوادي التي وصل إليها السخط والتذمر الاحتجاجي، وهو الامتداد
الذي صار ملحوظًا بقوة في مختلف تفصي ت المشهد المجتمعي، وحتى في تلك المجالات التي كانت ممنوعة من تصريف فعلها الرافض للوضع القائم، إذ اعتاد السكان في المغرب العميق ممارسة هذا الطقس اليومي للتعبير عن حالة التهميش الترابي، كما دخلت فئات جديدة إلى النسق الاحتجاجي، كضباط البحرية والقضاة وأئمة المساجد والجنود… إلخ. وعلى الرغم من اختلافها الظاهر، فإن أحداث الاحتجاج في مختلف مناطق المغرب الحضرية والقروية، القريبة من المركز أو البعيدة عنها بعشرات أو مئات الكيلومترات، تعكس الواقع نفسه. ولربما القاسم المشترك بينها هو،
بحسب بوعزيز، استبطان المحتجين خوفًا كبيرًا أمام التحولات غير المتحكَّم فيها والتي تعمل في
عمق المجتمع، جراء السياسات العمومية والاختيارات الكبرى للدولة في ظل تحولات دولية تفرض على المغرب سياقاتها وإكراهاتها. العودة إلى التطور التاريخي للاحتجاج في المغرب منذ الاستقلال إلى ما قبل ميلاد حركة 02 فبراير، نجد أن موضوعات الاحتجاجات الاجتماعية تتوزع عمومًا بين المحاور الآتية: الشغل والسكن
والتهميش (الطرق، الصحة، التعليم، الماء الصالح للشرب، الكهرباء) والتضامن وانعدام الأمن. والأكيد أن سنة 0112، وهي السنة المضطربة على نحو خاص، عرفت رفع شعارات تطالب بالقيام
((5(كولفرني، ص.90 (5((عبد الرحيم منار السليمي، «السلوك الاحتجاجي والموت التواصلي في الفضاء السياسي المغربي»، وجهة نظر، العددان 19 - 02 (ربيع وصيف 0032)، ص.13 (6((العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، ص.138 (6((المصطفى بوعزيز، «الحركات الاجتماعية ومعيقات الدمقرطة في المغرب»، رباط الكتب (6 آذار/ مارس 0112)، شوهد في 011/4/18:2، في
http://ribatalkoutoub.com/?p=586.
(6((رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب، ص.64
بإصلاحات سياسية كمطلب أساسي لاستكمال مسار البناء الديمقراطي، وإعلان الرغبة الحقيقية في التغيير بأبعاده المختلفة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. على الرغم من مظاهر التحول، فإن المغرب هو من الدول التي لم تُحدث قطيعة مع الماضي، وما زال يتمازج فيها الماضي بالحاضر. ويُعَدّ الاحتجاج ممارسة تعيد إنتاج نفسها باستمرار، رغم مظاهر
التحديث التي طاولت أشكاله وموضوعاته، كخطاب وكفعل يتكرر في الزمان والمكان بسبب وجود خلل وعائق أو اخت لااات وأعطاب ينبغي تجاوزها، والبحث عن السبل الكفيلة بحلها وإص حها والحد منها أو التخفيف من آثارها. هذا وينفي كثير من الباحثين وجود تقليد في المغرب للاحتجاجات المنظمة، لكنهم يُجمعون على استمرار بعض تجليات الثبات التي طبعت هذه الممارسة على المدى
الطويل. إن الانتقال من مجتمع كانت فيه للدولة سلطة شبه مطلقة على جميع المستويات، إلى سلطة سياسية تعلن اعتمادها للديمقراطية والحوار واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير وحرية السوق، ليس بالأمر السهل. فالتدبير السياسي لمجتمع متغير بسرعة فائقة، ومتعطش إلى الحرية والتعبير عن آرائه
ومصالحه، جعل السلوك الحالي للدولة خاضعًا للتحول ومحتفظًا بعناصر الثبات في الوقت ذاته. ارتبط ما هو ثابت بتحول حالة الأزمة إلى حالة قصوى جعلت المجلس الوطني لحقوق الإنسان ي حظ، في أحد تقاريره، أن الحركات الاحتجاجية التي تشهدها مدن المغرب وقراه، تعود في الأساس إلى المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وأحيانًا الإدارية، التي تعكس هشاشة وضع الساكنة والتحديات التي تحول دون العيش الكريم، بحكم عوامل عدة: منها ما هو خارجي يتعلق بتبعية سياسة الدولة ذات البُعد الاجتماعي والاقتصادي إلى تقلبات السوق العالمية للطاقة، وتوصيات المؤسسات
المالية، وما هو داخلي، وخاصة ما سبق أن عرفه المغرب من جفاف، وما تبعه من ارتفاع في أسعار عدد من المواد الاسته كااية في إطار تحرير السوق، وإعمال قانون حرية الأسعار والمنافسة. وبالرجوع أيضًا إلى خطب الملك محمد السادس، نجد أن خطاب الإصلاح الذي ينشده يلتمس الواقعية مع المعضلات الاجتماعية التي تعترض المشروع التنموي في ب داانا، ويعترف بأن الحرب التي يشنها هي حرب على الفقر. إن الفشل في تدبير الأزمة الاجتماعية يبقي الخط مفتوحًا على التوتر بين الساكنة والدولة، كمؤشر
سلبي على استمرار تعارض مصالح الفاعلين فيه داخل النسق، وفي الوقت نفسه كع مااة إيجابية
(6((انظر، مثل، ما كتبه أحد الباحثين عن مدى انعكاس الوضع الدستوري للدولة المغربية لتاريخ طويل، يجمع بين الأخذ من النموذج الغربي الحديث، وتشبث النظام المغربي بما كرسته الممارسة السياسية في ب داانا طوال حقب متفاوتة في التاريخ من أعراف وتقاليد ومسالك اكتسبت قيمة دستورية عبر الزمن، وأيضًا بنماذج سياسية عملية أقرّتها أنظمة الحكم في التاريخ الإسلامي:
عبد العلي حامي الدين، الدستور المغربي ورهان موازين القوى: الملكية، الأحزاب، الإسلاميون، دفاتر وجهة نظر؛ 7 (الرباط: دفاتر وجهة نظر، 0052)، ص 10 وما بعدها. ((6(حوار لطيفة بوسعدن مع الباحث عبد الرحمان رشيق حول تعامل الدولة مع الاحتجاج: «رغم تبنيها سلوك الحوار»، ص.32 ((6(بوعزيز، «الحركات الاجتماعية.» ((6(المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ص.23 ((6(المرجع نفسه، ص.23 (6((خير الله خير الله، المغرب في عهد محمد السادس: ماذا تغير؟ (بيروت: دار الساقي، 0072)، ص.7
تعمل على تطوير عناصره وإعادة إنتاج آليات التأقلم الدائم مع ديناميته. وبالتالي، يبقى الاحتجاج بما هو نزاع أو صراع اجتماعي سلوكًا ثابتًا يسعى من خلالها المحتجون على الدوام إلى فرض تنازلات على السلطة القائمة، خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي أضحى المحرك الأساسي لهذا الصراع. والعنصر الآخر الذي يشهد على طابع الثبات، يتجلى في فشل الحركات الاحتجاجية في تجاوز حالة التشتت التي ترافقها، سواء تحقق المطلوب أو ظل معلّقًا بلا إجابات، الأمر الذي جعل مهمة الانتقال إلى حركات اجتماعية مستمرة في الزمان والمكان أمرًا يصعب تحقيقه، إما بسبب قمعها من
طرف رجال الأمن أو الدرك أو قوات التدخل السريع، وإما بسبب احتوائها بشكل تكتيكي من خلال اعتماد مسلك التفاوض والحوار والاستجابة الجزئية لبعض المطالب، وترك الباب مفتوحًا أمام جميع
الاحتمالات لامتصاص الغضب وزرع الأمل في نفوس المحتجين.
خاتمة
تأسيسًا على ما تقدم، يمكن القول إن هذه العناصر مجتمعة تبقى مجرد إشارات أساسية إلى أهم
أشكال الحركات الاحتجاجية وخصائصها ومطالبها في المغرب، في ظل سياق محلي وإقليمي شديد التحول، سمح بانفراد كل جيل احتجاجي بم مااح وتعبيرات تميزه، من دون إغفال مراعاة التداخل والت قااح بين الأجيال. ولهذه الورقة أن تسائل نفسها، في نهاية المطاف: هل نجحتْ في إبراز هذه التمايزات، في ضوء استمرار أزمة اجتماعية، تظل منفتحة على جميع الاحتمالات في الحاضر والمستقبل؟ لقد أصبح الاحتجاج يشكّل سلطة لها القدرة على الضغط والمساءلة؛ إنها مساءلة متعددة في مظاهرها، ولكنها موحَّدة من حيث موضوعها، وهو الاحتجاج على جميع أشكال الإقصاء الاجتماعي التي لم
تفلح السياسات التي تتّبعها الحكومة والجماعات المحلية في القضاء عليها رغم الجهود المبذولة؛ فالمحتج، غالبًا، يمثّل من يفتقر إلى وسائل الإكراه والإنتاج، ويحس بأنه يعيش على الهامش. في المغرب، وبعد مضي أكثر من نصف قرن على استق لااه، عجزت نماذج التنمية المتَّبعة عن الاستجابة الجيدة والدائمة لحاجات السكان المعيشية؛ فنحن لم نصادف خروج حركة جماعية غاضبة تطالب الدولة أو جهة أو جهات معيّنة بالتقليص من امتيازاتها، وأنها تتنازل أو ستتنازل عنها
لمصلحة فئة أو فئات معيّنة، وإنما ارتبط اتخاذ قرار الاحتجاج دومًا بالمطالبة بقسط من الامتياز، بل
فقط ضمان الحد الأدنى من الحقوق الأساسية التي لا ترتبط أساسًا بما هو مادي فقط، بل بما هو
حقوقي قيمي أيضًا، فضلً عن أن المشاركة في الاحتجاجات لم يحركها دائمًا التطلع إلى شيء جديد،
(69) Yves Michaud, Violence et politique , les essais; 203 (Paris: Gallimard, 1978), p. 80.
(7((العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب، ص.136 ((7(السليمي، «السلوك الاحتجاجي»، ص.17
إنما ارتبطت، في حالات كثيرة، بالتشبث بما هو مستحق قديم. ولربما لا يشفع المسار الإصلاحي المتميز الذي اتخذه المغرب منذ سنوات في الحيلولة دون تنامي ممارسة احتجاجية تتميز بتعدد فاعليها ومضامينها ومجالاتها، على الرغم من الحديث بصيغة الماضي عن الحزب والنقابة واليسار، كما أن ربما لا يجدي الاكتفاء بالتنفيس دائمًا في نزع شوكة الحراك الاحتجاجي في المغرب، بل لعله
المضاد الحيوي الذي ينجح في التخفيف من الآلام موقتًا، لكنه لا يزيد الجسم إلا ضعفًا ومسببات الداء مناعة. ولا غرابة في أن تتدرج ال«لا» المغربية التي يعبّر عنها الاحتجاج، في التعبير عن الخصاص الاجتماعي
إلى الإص ح السياسي والدستوري الذي جعلته حركة 02 فبراير على رأس مطالبها، ليتبين لنا عمق دلالات ما عناه إبراهيم بوطالب بشخصية الشعب الذي يطلق عليه أيضًا اسم الجماهير، حيث اعتبرها
شخصية خفيفة في اللسان ثقيلة في الميزان، مبهمة الحد، خطِرة الشأن، يستحيل أن تجتمع صفوفها في لحظة واحدة وفي مكان واحد، لكن يكفي أن يندفع من سيلها بعض الجداول أو تتفق على كلمة
سواء ليقضي الله أمرًا كان مفعول. ولعل المستفاد من تطور المسار التشخيصي للحركات الاحتجاجية وتنوع تعبيراتها، أنه سيتعين علينا أن نتذكر جيدًا أن التأخير في إص ح أعطاب المجتمع الاقتصادية والاجتماعية قد يهدّد، في أي وقت، السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي في ب داانا، بالنظر، أساسًا، إلى وجود خلل بنيوي في
وساطة اجتماعية وسياسية، تُعتبر، في الظاهر، أحد مظاهر ضعف الرابط الاجتماعي، وتكشف، في العمق، عن هشاشة مستوى الثقة، الذي يتجلى من الناحية السياسية في أزمة العلاقات القديمة التي محورها الأعيان، وأطر الوساطة التقليديين، بالإضافة إلى تشتت الحقل السياسي، فضلً عن تنامي معدلات البطالة في صفوف شباب حضري متعلم، مشحون بحمولات سيكولوجية وقيمية وثقافية تنظر إلى السياسة نظرة سلبية، وإن ثَبُت في سنة 011 2 أن هؤلاء الشباب، بخ ف الرأي الشائع،
يصعب أن يدرجهم علم السياسة في خانة العازفين عن المشاركة السياسية، وإنما من يمارسها عمليًا
بطريقته الخاصة. فما حدث في ذلك اليوم، من سنة الحراك العربي، يُبرز أن الشباب المغربي يمكن
أن يمارس السياسة، ويبتكر طرقًا وأشكالً جديدة في التواصل، تنهل من تسارع التطور التكنولوجي، للتعبير عن رؤيته للكرامة والعدالة الاجتماعية كما ينبغي أن تكون، دون المرور بالضرورة عبر القنوات السياسية التقليدية التي ينظرون بعين غير راضية إلى مصداقيتها وفاعليتها، على أمل تجاوز الصعوبات والعوائق التي تواجه البناء الديمقراطي لمغرب الغد، و«استثمار التطورات الإيجابية التي راكمها عبر تاريخه».
(7((إبراهيم بو طالب، معالم التغيير في تاريخ المغرب في القرن العشرين، سلسلة الدروس الافتتاحية؛ 16 (أغادير، المغرب: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 0002)، ص.12 ((7(من خلاصات الدراسة التي أعدها المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في مجال قياس مستوى التماسك الاجتماعي في
المغرب: أخبار اليوم، 015/6/22، ص.5 ((7(مقتطف من نص خطاب الملك لمحمد السادس بمناسبة الذكرى الواحدة والستين لثورة الملك والشعب، بتاريخ 02 غشت
References
المراجع
العربية
كتب
أفاية، محمد نور الدين. السلطة والفكر: نحو ثقافة الاعتراف في المغرب. شرفات؛.3 الرباط: منشورات الزمن،.2001 أكنوش، عبد اللطيف. السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الأمس واليوم. الدار البيضاء: مطبعة بروفانس،.1988 بو طالب، إبراهيم. معالم التغيير في تاريخ المغرب في القرن العشرين. سلسلة الدروس الافتتاحية؛ 16. أغادير، المغرب: كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2000 بورك، إدموند. الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الاستعمار، 1912-1860. ترجمة محمد أعفيف. نصوص وأعمال مترجمة؛ 17. الرباط: جامعة محمد الخامس أكدال،.2013 بول باسكون أو علم الاجتماع القروي. الدار البيضاء: مطبعة دار القرويين،.2014 جسوس، محمد. طروحات حول المسألة الاجتماعية. كتاب الشهر؛ 6. الدار البيضاء: الأحداث المغربية،.2003 جنداري، إدريس. المسألة السياسية في المغرب: من سؤال الإص ح إلى سؤال الديمقراطية. دفاتر وجهة نظر؛ 6.2 الرباط: دفاتر وجهة نظر،.2013 حامي الدين، عبد العلي. الدستور المغربي ورهان موازين القوى: الملكية، الأحزاب، الإسلاميون. دفاتر وجهة نظر؛ 7. الرباط: دفاتر وجهة نظر،.2005 حجي، محمد (إشراف). معلمة المغرب: موسوعة علمية رائدة. الرباط: مطابع سلا،.2002 حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد المجيد جحفة. المعرفة الاجتماعية. الدار البيضاء: دار توبقال،.2000 الخطيبي، عبد الكبير. المغرب العربي وقضايا الحداثة. ترجمة أدونيس [وآخرون]. الرباط: منشورات عكاظ،.1993 خمليش، عزيز. الانتفاضات الحضرية بالمغرب: دراسة ميدانية لحركتي مارس 1965 ويونيو 1981. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2005 خير الله، خير الله. المغرب في عهد محمد السادس: ماذا تغير؟. بيروت: دار الساقي،.2007 رشيق، عبد الرحمان. الحركات الاحتجاجية في المغرب: من التمرد إلى التظاهر. ترجمت إلى العربية من طرف الحسين سحبان؛ تقديم كمال لحبيب. الرباط: منتدى بدائل المغرب،.2014
عبد القيوم، أكرم [وآخرون]. الحركات الاجتماعية في العالم العربي: دراسات عن الحركات الاجتماعية في مصر، السودان، الجزائر، تونس، سوريا، لبنان، الأردن. تحرير عزة خليل؛ تقديم سمير أمين. القاهرة: مكتبة مدبولي،.2006 عبد الله، إيمان محمد حسني. الشباب والحركات الاجتماعية والسياسية: دراسة في الإع ماا والرأي العام ترصد إرهاصات ثورة 25 من يناير 2011 م. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2012 عروب، هند. المخزن في الثقافة السياسية المغربية. دفاتر وجهة نظر؛ 4. الرباط: دفاتر وجهة نظر،.2004 العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب. ط.2 الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2009 العطري، عبد الرحيم. الحركات الاحتجاجية بالمغرب: مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي. تقديم إدريس بنسعيد. دفاتر وجهة نظر؛ 14. الرباط: دفاتر وجهة نظر،.2008 ______. سوسيولوجيا الشباب المغربي: جدل الإدماج والتهميش. الرباط: مطبعة طوب بريس،.2004 الغنيمي، عبد الفتاح مقلد. موسوعة المغرب العربي. مج 1. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1994
الفاسي، علال. الحركات الاستقلالية في المغرب العربي. ط 5. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.1993
القاضي، فاروق. آفاق التمرد: قراءة نقدية في التاريخ الأوروبي والعربي الإسلامي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2004 كحيلة، عبادة (إشرف). الثورة والتغيير في الوطن العربي عبر العصور: أعمال ندوة عقدت بالقاهرة في الفترة، 24-22 أبريل 2003. القاهرة: مركز البحوث والدراسات الاجتماعية،.2005 لوغوف، جاك (إشراف). التاريخ الجديد. ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري؛ مراجعة عبد الحميد هنية. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2007 مالكي، أمحمد. الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي. سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 2. 0 ط.2 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994 المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. التقرير السنوي: حالة حقوق الإنسان وحصيلة عمل المجلس لسنة 2008. الرباط: المجلس،.2010 المديني، توفيق [وآخرون]. الربيع العربي.. إلى أين؟: أفق جديد للتغيير الديمقراطي. تحرير عبد الإله بلقزيز. سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 63. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 المنصور، محمد. المغرب قبل الاستعمار: المجتمع والدولة والدين، 1822-1792. ترجمة عن الإنجليزية محمد حبيدة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006 هوفر، إيريك. المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية. ترجمة غازي بن عبد الرحمن القصيبي. أبو ظبي: كلمة،.2010
وهبة، ربيع [وآخرون]. الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي: مصر، المغرب، لبنان، البحرين. تحرير عمرو الشوبكي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011
دوريات
رشيق، عبد الرحمان. «استراتيجية الشارع في مدن المغرب: من الدولة ضد المجتمع إلى المجتمع ضد الدولة». مجلة الشعلة. العدد 2).001(6 «رغم تبنيها سلوك الحوار، لا زال الهاجس الأمني حاضرا في تعامل الدولة مع الاحتجاجات». حاورته لطيفة بوسعدن. وجهة نظر. العددان 19 - 02 (ربيع وصيف.)2003 الزاهي، نور الدين. «المغاربة والاحتجاج». وجهة نظر. العددان 19 - 02 (ربيع وصيف.)2003 السليمي، عبد الرحيم منار. «السلوك الاحتجاجي والموت التواصلي في الفضاء السياسي المغربي». وجهة نظر. العددان 19 - 02 (ربيع وصيف.)2003 عبد الصادق، توفيق. «حركة 02 فبراير الاحتجاجية في المغرب: مكامن الاختلال وإمكان النهوض». المستقبل العربي. السنة 73، العدد 426 (آب/ أغسطس.)2014 القطعاني، فادية عبد العزيز. «الحركة الوطنية المغربية 1912 - 1937 م». المجلة الجامعة (جامعة بنغازي). السنة 1، العدد 16 (شباط/ فبراير.)2014 كولفرني، محمد. «الحركات الاحتجاجية بالمغرب: من الانتفاضة الحضرية إلى المظاهرة السلمية». نوافذ. السنة 11، العددان 42-41 (أيلول/ سبتمبر.)2009
وثيقة
بشارة، عزمي. « في الثورة والقابلية للثورة ». سلسلة دراسات وأوراق بحثية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،.2011
الأجنبية
Michaud, Yves. Violence et politique. Les Essais; 203. Paris: Gallimard, 1978.
Mayer, Nonna. «Le Temps des manifestations.» Revue Européenne des sciences sociales. Vol. 42, no. 129: La Sociologie durkheimienne: Tradition et actualité (2004),
Book
Periodical
pp. 219-224.