العودة إلى تفاصيل المؤلَّف دور الجيش في إجهاض قيمة الفراغ العام في مدن الربيع العربي حالة ميدان التحرير: من المقدَّس الوطني إلى المدنَّس المشوَّه

دور الجيش في إجهاض قيمة الفراغ العام في مدن الربيع العربي حالة ميدان التحرير: من المقدَّس الوطني إلى المدنَّس المشوَّه

From the Sacred to the Profane: How the Army Shattered the Public Space in Arab Spring Cities (the Case of Tahrir Square)

Ali A. Alraouf **

علي عبد الرءوف *

الملخّص

تقدم الدراسة سردًا تحليليًا ناقدًا للمسار الذي اعتمده المجلس العسكري في مصر لتشكيل وعي المجتمع بشأن قيمة الفراغ العام وأهميته في إدارة الحركات الثورية التحررية والمتمردة التي رسّخت الفعل الثوري في 25 كانون الثاني/يناير 2011. لذا، تقوم بنية الدراسة على مجموعة من المشاهد التي وُثِّقت في ميدان التحرير خلال السنوات الخمس التي تلت اللحظة التاريخية لتنحّي مبارك عن حكم مصر وتفويضه المجلس العسكري لإدارة شؤون البلاد. هذه المشاهد أثّرت في تشكيل الصوغ المادي لفراغ الميدان، كما أنها أثّرت في الصورة الذهنية التي تكونت في ذهن المصريين ووعيهم، وتغيرت في اتجاهات شديدة التناقض وفي وقت زمني محدود.

Abstract

Abstract: The study provides a critical narrative of the role of the Supreme Council of Armed Forces in Egypt in distorting the symbolism of Tahrir square post January 25, 2011. It sheds light on the societal understanding of the value of public spaces and their importance in facilitating the revolutionary movements that consolidated the Egyptian 2011 revolution. The study relies on a collection of scenes documented in the square throughout the five years that followed the historic moment of Mubarak’s demise and the transfer of authority to the Supreme Council of the Armed Forces. These scenes, embodying the contradictory movements witnessed in Egypt within a short time frame, have impacted the physical formation of the square as a public space, and distorted its image in the minds and consciousness of Egyptians.

الكلمات المفتاحية:
  • الفضاء العام
  • ميدان التحرير
  • ثورة 25 يناير
  • الربيع العربي
  • المجتمع
Keywords:
  • Public Space
  • Tahrir Square
  • January 25 Revolution
  • Arab Spring

ملخص: تقدم الدراسة سردًا تحليليًا ناقدًا للمسار الذي اعتمده المجلس العسكري في مصر

لتشكيل وعي المجتمع بشأن قيمة الفراغ العام وأهميته في إدارة الحركات الثورية التحررية والمتمردة التي رسّخت الفعل الثوري في 25 كانون الثاني/يناير 011.2 لذا، تقوم بنية الدراسة على مجموعة

من المشاهد التي وُثِّقت في ميدان التحرير خلال السنوات الخمس التي تلت اللحظة التاريخية

لتنحّي مبارك عن حكم مصر وتفويضه المجلس العسكري لإدارة شؤون البلاد. هذه المشاهد أثّرت

في تشكيل الصوغ المادي لفراغ الميدان، كما أنها أثّرت في الصورة الذهنية التي تكونت في ذهن المصريين ووعيهم، وتغيرت في اتجاهات شديدة التناقض وفي وقت زمني محدود.

Abstract: The study provides a critical narrative of the role of the Supreme Council of Armed Forces in Egypt in distorting the symbolism of Tahrir square post January 25, 2011. It sheds light on the societal understanding of the value of public spaces and their importance in facilitating the revolutionary movements that consolidated the Egyptian 2011 revolution. The study relies on a collection of scenes documented in the square throughout the five years that followed the historic moment of Mubarak’s demise and the transfer of authority to the Supreme Council of the Armed Forces. These scenes, embodying the contradictory movements witnessed in Egypt within a short time frame, have impacted the physical formation of the square as a public space, and distorted its image in the minds and consciousness of Egyptians.

بن خليفة. الدوحة، قطر.

Planning Sector and Professor at HBKU, Doha - Qatar.

مقدمة

في أوائل عام 0112، كان اهتمام العالم كله منصبًا على القاهرة؛ فبعد ثلاثة عقود من القوة

المطلقة، دُفع حسني مبارك إلى خارج السلطة. كانت ثورة متدفقة ومتفجرة مدة ثمانية عشر يومًا، ساد فيها الغضب والتحدي، واستعيدت الكبرياء الوطنية في شوارع المدينة وفضاءاتها العامة، وفي طليعتها ميدان التحرير. وكان للفضاء العام دور جوهري أدّاه في الربيع العربي، حيث إنه استوعب ملايين الطامحين إلى حقبة جديدة تبشّر بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ونشير، بصورة خاصة، إلى أن ميدان التحرير هو الفضاء العام الذي احتشد فيه مئات الآلاف من الجماهير الثائرة التي انضمت إلى الموجات الثورية التي اندلعت شرارتها الأولى على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي. وتدفق الجميع إلى الميدان في 25 كانون الثاني/ يناير 0112، فتحول هذا اليوم التاريخي إلى رمز لميلاد الثورة، وتحول الميدان إلى أيقونة وطنية. لا يمكن ان تكتمل القصة الإنسانية والمكانية والعمرانية لميدان التحرير من دون إجراء التحليل العميق لمَشاهد في حياة الميدان على مدار السنوات الخمس الأخيرة، وبالتحديد من 25 كانون الثاني/يناير 0112 حتى اللحظة المعاصرة. والبحث هذا يناقش بالقول إن النظام الحاكم والمجلس العسكري في مصر تعلما الدرس الأكبر من ثورة 25 يناير، وأدركا خطورة نموذج ميدان التحرير في التحول من فراغ مشتت خاضع للسلطة إلى فراغ يعبّر عن قوة الشعب وضعف النظام. بناء على هذا الفهم، انطلقت أفكار

تفتيت الميدان وتشويهه على نحو مستمر لتحوّله تدريجيًا إلى هدف جُندت له الجهود كلها في مرحلة

ما بعد حوادث 03 حزيران/يونيو و 3 تموز/يوليو 013.2 إذًا، يتعامل البحث مع فرضية جوهرية قوامها أن التحول التدريجي، على مدار السنوات الخمس الماضية، في الصورة الذهنية والبصرية والوجدانية لميدان التحرير من فراغ مقدَّس إلى فراغ مدنَّس، هو مشروع متعمَّد صاغه المجلس العسكري عن سابق إصرار وترصد بهدف إهدار الطاقة الثورية وتشتيتها، وإجهاض دور الفضاء العام في مصر.

الإطار البحثي للدراسة: قيمة الفراغ العمراني في تجسيد العمل الثوري

عندما بدأت التظاهرات تتدفق إلى ميدان التحرير يوم 25 كانون الثاني/يناير 0112، لم يكن أحد يملك قدرة التوقع أو التنبؤ بأنها ستتحول إلى ثورة تضاعفت فيها كل يوم مشاركة الشعب المصري بمئات الألوف. ولم يكن الخديوي إسماعيل الذي حكم مصر في الفترة 1863 - 8791، ليتخيل أن يتحول هذا الميدان الذي أسس في عهدهُ، إلى ساحة انطلقت منها واحدة من أكبر وأهم صيحات التغيير التي عرفتها مصر على مر التاريخ، ويصبح بمثابة قِبلة الغاضبين والمتظاهرين ضد النظام المصري. لقد كان فضاءً رحبًا اتسع لجميع المصريين (الشكل ()1)، وكان في بنية العاصمة المصرية القاهرة القلب

النابض لهذه الثورة ومحل ميلادها ومركزها وقوتها الدافقة وروحها السامية، والمحور الرئيس للسردية

(((محمد عمارة، علي مبارك: مؤرخ ومهندس العمران، ط 2 (القاهرة: دار الشروق،.)1988

النقدية التي يطرحها هذا البحث: قصة ميدان التحرير مكانًا استضاف حدثًا سياسيًا استثنائيًا في تاريخ

مصر الحديث. الشكل (1) ميدان التحرير في أثناء ثورة 25 يناير يستوعب جموع الشعب المصري ويتحول إلى رمز لنضال المصريين من أجل الحرية

المصدر: أرشيفنيويورك تايمز. على الرغم من تعدد الدراسات التي تناولت ميدان التحرير، تعامل معظمها مع الأيام الثمانية عشر الأكثر أهمية في تاريخ مصر المعاصر. وركزت الأدبيات المنشورة على تاريخ الميدان، أو على تحليل دور الفراغ خلال أيام الثورة فحسب من هنا تأتي أهمية الدراسة المقدمة لأنها توثّق وتحلل رحلة النظام الحاكم والمجلس العسكري مع ميدان التحرير على مدار خمس سنوات فارقة من كانون الثاني/

(((نزار الصياد، «ثورة القاهرة المستمرة»، الشروق، 011/4/172؛ Mohamed Elshahed: «Tahrir Square, a Collection of Fragments,» Architect's Newspaper , 9/3/2011, Accessed on 17/3/2015, at: http://archpaper.com/news/articles.asp?id=5201, and «Tahrir Square: Social Media, Public Space: It Wasn’t the Facebook Revolution. Public Space Was Vital to the Arab Spring,» Places Journal , 27/2/2011, Accessed on 23/5/2016, at: http://www.livingprinciples.org; Mona Abaza, «Revolutionary Moments in Tahrir Square,» Global Dialogue , vol. 1, no. 4 (April 2011), pp. 3 - 5, and Nasser Rabbat: «Circling the Square: Architecture and Revolution in Cairo,» Artforum , vol. 49, no. 4 (April 2011), pp. 182 - 191, and «The Arab Revolution Takes Back the Public Space,» Critical Inquiry , vol. 39, no. 1 (September 2012), pp. 198 - 208.

يناير 0112 إلى ما بعد الذكرى الخامسة للثورة. وستوضح الدراسة أن تدمير قيمة الميدان المعنوية والرمزية، بل والمادية، تم بأعلى درجات الإدراك من المجلس العسكري. هذه الحالة الإدراكية التي استوعبت تمامًا أن إسقاط قيمة ميدان التحرير من الوعي الجمعي للشعب المصري والتشويه الكامل

لصورته الذهنية واليوتوبية هما الفعلان الأكثر قدرة على سحق المد الثوري. تحلل الدراسة أيضًا جهد المجلس العسكري في تجنيد مجموعة من الكتّاب والمفكرين لتغيير وعي المصريين الثائرين. وقد تطور جهد هذه المجموعة من المناداة بعدم جدوى الاستمرار في التظاهر والاعتصام في ميدان التحرير، بدعوى أن المجلس العسكري تولى زمام القيادة ويجدر بالشباب الثوري العودة إلى بيوته ومدارسه وجامعاته لأن الثورة أصبحت في أيد أمينة، إلى اتهام من كانوا في ميدان التحرير بأنهم مأجورون أو مضلَّلون. وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على انطلاق ثورة 25 يناير، نتوقف أمام مشهدين فارقين: أولهما أن جانبًا كبيرًا من الشعب المصري وافق على استبدال كلمة ثورة بكلمة نكسة،

وثانيهما استخدام قادة المجلس العسكري الوجود المكثف لقوات الأمن لضمان إبقاء الميدان مهجورًا

وخاليًا، ثم اتباع الانتقائية في السماح فقط لمناصري النظام، أو من لُقبوا بالمواطنين الشرفاء، بدخول

الميدان في المناسبات المختلفة. تعتمد بنية البحث على مكونين أساسيين: الأولهو المفاهيم النظرية التأسيسية التي تتناول علاقة الفضاء العمراني بمفاهيم الثورة والديمقراطية والعنف والثورة الرقمية والمجتمع. والثانيهو جهد توثيقي تحليلي للمشاهد الرئيسة التي تميز تحولات الصورة الإدراكية للميدان منذ اندلاع الصورة وحتى الآن. كما تختبر الدراسة أيضًا قيمة ثقافة الصورة في تشكيل الوعي، وهي الحالة التي استخدمها الثوار بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، واستُخدمت بحرفية بالغة على قنوات البث الفضائي بإشراف قادة الشؤون المعنوية في المجلس العسكري المصري. هذا، وقد ساعدت الشبكة العنكبوتية التي تجعل التواصل الاجتماعي لحظيًا، في انتقال متسارع ومذهل

لكثير من الصور الفارقة الدالة التي كوّنت وعيًا مغايرا لكل ما حاولت الدولة وأجهزتها، وخصوصًا

الإعلامية منها، تسويقه ونشره على الرأي العام، وخصوصًا من خلال القنوات الرسمية والحكومية.

كما أن الدراسة ستوضح كيف تبارت القنوات الفضائية في تقديم صورة متغايرة ومتمايزة، بل متناقضة في بعض الأحيان، تبعًا لمقتضيات البناء الذهني الذي يراد ترسيخه في إدراك المواطن المصري تجاه الميدان في إطار زمني معيَّن.

التساؤلات والإشكاليات البحثية: ثلاثية الثورات والفضاء العمراني والمجتمع

إن قضية استعادة الفراغ العام دوره في استيعاب الحياة الجماعية والاحتفالية للمجتمع، وإثراء روح الانتماء والارتباط بالمكان، واحتضان حرية الشعب في التعبير عن آرائه وتقاليده وشعائره وطقوسه

(((شاكر عبد الحميد، عصر الصورة: السلبيات والإيجابيات، عالم المعرفة؛ 311 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2005

وأفراحه، هي قضية عمرانية يجب أن تعطى لها أولوية تعامل المعماريين والعمرانيين والمخططين الإبداعي لها. الثورات هي التحولات العميقة والعنيفة الناتجة من الإطلاق المفاجئ للطاقات البشرية التي تُحْدث موجات المد الزلزالي المطالِب بالتغيير. هذه الموجات التي تغمر القوى السياسية السائدة والهياكل التنظيمية، وتستبدلها في فترة قصيرة نسبيًا من الزمن، فتسبب الاصطدام الناتج من

المقاومة الشديدة للتغيير. وعلى الرغم من وجود دلائل وعلامات تمزق وشيك منذ فترة طويلة، فإن التعجيل بالتغيير في مختلف جوانب المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا يحدث إلا في إطار ثوري مفاجئ. لذلك، يكون من المستحيل التنبؤ بهذه التحولات العميقة الجذرية المفاجئة، لكن هذا لا يتناقض مع حتمية حدوثها مهما تأخر الوقت، بسبب الظواهر التي تتراكم وتتفاقم، وأهمها فقدان الأمل وسيطرة الظلم الاجتماعي وانعدام الحرية. وفي أثناء الثورات، تقدم الفراغات العامة أطرًا جديدة للوجود في المكان، خصوصًا من الناحيتين السياسية والاجتماعية، حيث تتحول إلى فراغات تستوعب أنماطًا جديدة من التفاعل الاجتماعي والنضال السياسي يمكن أن تتحقق، بل أن تتجاوز الاستعمالات الروتينية للفراغ. إن الفراغ العام هو، في جوهره، ساحة تتفجر فيها إبداعات الجماعة الإنسانية وعبقرياتها. وهو فراغ يستقبل التعددية الثقافية والشرائح الاجتماعية المكونة لبنية المجتمع ويرحّب بها. وقد رُصد في فضاء

ميدان التحرير ظهور نسق جديد من التعاضد والتماسك يتجاوز تباينات الطبقة الاجتماعية والسن والجنس والتوجه الديني أو الموطن الجغرافي. كما حقق فضاء التحرير مفهوم الوجود الجماعي والكتلة البشرية الضاغطة، وهو أسلوب أثبت كفاءته في سياق الثورة. وفي إطار الفهم الجديد لدور الجماعة الإنسانية، يناقش كارني روس في كتاب Leaderless Revolution (ثورة بلا قائد)، مفاهيم جديدة لدور الشعوب.

(4) David Harvey, Social Justice and the City , Geographies of Justice and Social Transformation; 1 (Athens: University of Georgia Press, 2009). (5) Saskia Sassen, «The Global Street Comes to Wall Street,» Possible Futures Website, 22/11/2011, Accessed on 4/8/2016, at: http://www.possible-futures.org/2011/11/22/the-global-street-comes-to-wall-street/. (6) Clare Cooper Marcus and Carolyn Francis (eds.), People Places: Design Guidelines for Urban Open Space , 2 nd ed. (New York: John Wiley and Sons Inc., 1997), pp. 18 - 23. (7) Stephen Carr [et al.], Public Space , Cambridge Series in Environment and Behavior (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1992); Robert F. Gatje, Great Public Squares: An Architect's Selection (New York: W. W. Norton and Co., 2010), and Jan Gehl, Cities for People (Washington, DC: Island Press, 2010). (8) Abaza, «Revolutionary Moments,» and Ashraf Khalil, Liberation Square: Inside the Egyptian Revolution and the Rebirth of a Nation (New York: St. Martin's Press, 2012). (9) Judith Miller, «Revolution in the Square,» City Journal , vol. 21, no. 2 (Spring 2011). (10) Jeffrey S. Juris, «Reflections on #Occupy Everywhere: Social Media, Public Space, and Emerging Logics of Aggregation,» American Ethnologist , vol. 39, no. 2 (May 2012), p. 268, Accessed on 9/7/2015, at: http://dx.doi. org/10.1111/j.1548 - 1425.2012.01362.x. (11) Carne Ross, The Leaderless Revolution: How Ordinary People Will Take Power and Change Politics in the 21 st Century (London: Simon and Schuster, 2012).

المجتمع والفراغ العام في الحقبة الرقمية

من تحليل الأدبيات المنشورة، نرصد من أوائل المؤلفات التي اختبرت فكرة تأثير التقنيات الرقمية الجديدة في علاقة المجتمع بالفراغ العام كتاب مارسيل هيناف المعنون Democracy Public Space and (الفضاء العام والديمقراطية) الذي يلقي الضوء على الكيفية التي تؤثر بها التكنولوجيات الجديدة في الحياة العامة وعلاقات السلطة. وقيمة هذا الكتاب وما تضمنه من مقالات تتجلى في أنه يقدم حجة قوية لإعادة التفكير في أن التطورات التكنولوجية الحديثة لا تمثّل نهاية للفضاء العام، لكنها فرصة لإعادة صوغ مفهوم المجتمع العام والفضاء العام كمحورين ومركزين للسلطة. هذا الطرح شديد الأهمية لأنه

يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما حدث في ميدان التحرير في مدينة القاهرة؛ ففي الواقع، وكما تنبأ الكتاب، عملت التقنيات الحديثة وشبكات التواصل على إحياء دور الميدان والفراغ العام، وساعدت على التدفق الإنساني المذهل إلى المكان؛ إذ من المهم أن يُدرَك الفراغ العام ويستوعَب كبوتقة للمشاركة السياسية،

ووسيلة رئيسة في تشكيل هياكل الخطاب السياسي Discourse) Political). وبينما سوَّق بعض

الأدبيات أن المواقع التقليدية للديمقراطية، مثل الميادين والساحات والجمعيات، أصبحت أقل أهمية مع سيطرة جميع وسائل التكنولوجيا الجديدة. لكن باركنسون، في كتابه Democracy and Public Space (الديمقراطية والفراغ/الفضاء العام)، يناقش بأن هذا الطرح والآراء النابعة منه يقودانا إلى الخلط بين الوسط Medium) (والرسالة Message) (، ويقدمان رؤية بديلة للفضاء العام الديمقراطي. والمواطنون في الواقع يمارسون الديمقراطية على مسارح مادية في الأقل، بالقدر نفسه للتشارك في الأفكار الديمقراطية خلال الفضاء الافتراضي. وتكمن قوة الكتاب في تأكيد باركنسون أن الفضاء والمكان المادي عنصر أساسي في الأداء الديمقراطي.

حالة الدراسة التفصيلية: ميدان التحرير

السياق التاريخي لفضاء ميدان التحرير

نتج فضاء ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًا) من خلال المنظومة التخطيطية التي بدأت في القاهرة

تجسيدًا للمشروع التغريبي الذي انبهر به الخديوي إسماعيل بعد زيارته المعرض العالمي في باريس. هذه المشروع العمراني هدف إلى صوغ «باريس على النيل»، وتبلورت قيمته في الخروج من أسوار القاهرة الإسلامية. وعُهد بمسؤولية التخطيط الجديد إلى أهم تلاميذ البارون هاوسمان،

(12) Marcel Hénaff and Tracy B. Strong (eds.), Public Space and Democracy (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2001). (13) Linda Herrera, Revolution in the Age of Social Media: The Egyptian Popular Insurrection and the Internet (London; New York: Verso, 2014). (14) John R. Parkinson, Democracy and Public Space: The Physical Sites of Democratic Performance (Oxford: Oxford University Press, 2012).

(((1 الصياد، «ثورة القاهرة»؛ عمارة، علي مبارك، و Early Twentieth - Century Islamic Tarek Mohamed Refaat Sakr,

Architecture in Cairo (Cairo: American University in Cairo Press, 1993).

1(((سهير حواس، القاهرة الخديوية: رصد وتوثيق عمارة وعمران القاهرة منطقة وسط المدينة (القاهرة: أفاق للنشر والتوزيع،

مخطط باريس، وهو المخطط الفرنسي باريل دي شامب. وفي مضمون هذه الخطة، صيغت مجموعة من محاور الحركة والميادين الجديدة لتؤهل القاهرة كي تكون باريس الشرق المطلة على ضفاف النيل. على مدار عقود طويلة، شهد ميدان التحرير تحولات متباينة من فراغ عام يكمل الصورة العمرانية الجديدة لقاهرة الخديوي إسماعيل إلى فراغ مروري بامتياز، فإلى فراغ عشوائي غير منضبط. وقبل ثورة 25 يناير، تحوّل الميدان إلى كيان عمراني مهمَل، من ملامحه مشروع موقف

انتظار السيارات الذي استغرق تنفيذه عقودًا، لكنه كان سببًا في عزل جزء لا يستهان به من فراغ الميدان

بالأسوار الحديدية، وتحويل الميدان إلى فراغ غير مريح للمواطن.

خمس سنوات من الثورة: تحولات في الصورة الذهنية والبصرية لميدان التحرير

ميدان التحرير هو الفضاء العام الذي احتشد فيه مئات الآلاف من الجماهير الثائرة منذ الشرارة الأولى للثورة التي انطلقت على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي. هذه الشرارة نبعت من حادث وحشي راح ضحيته ناشط مصري من مدينة الإسكندرية، لاحقته أجهزة أمن الدولة واغتالته أمام مقهى الإنترنت الذي يرتاده بانتظام. تدفق الجميع إلى الميدان في 25 كانون الثاني/يناير 0112، فتحول ذلك اليوم التاريخي إلى رمز لميلاد الثورة، مضيئًا ظلام الواقع المصري الذي ظل يعاني التهميشَ وامتهان الكرامة والاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي ثلاثة عقود كاملة. في إطار هذا الجزء من الدراسة، نركز على تفسير تحوّل الميدان في وعي كثير من المصريين من فراغ مقدَّس إلى فراغ مدنَّس على مدار السنوات

الخمس التي تلت 11 شباط/فبراير.2011

البداية وإشارات فارقة: صورة الثائر والثائرة والغطاء الصوفي

يبدأ الطرح التحليلي للمَشاهد المتعاقبة في سردية ميدان التحرير خلال السنوات الخمس الأخيرة بالتوقف مليًا أمام تفسيرين شديدَي التناقض للصورة الفوتوغرافية ذاتها؛ الصورة التي تتضمن مجموعة

من الشبان والشابات يجلسون معًا على رصيف أحد الأبنية المحيطة بميدان التحرير، وقد أسندوا ظهورهم إلى جدران المبنى، وتغلبت ابتسامات نشوة النضال وفرحة المقاومة على إجهاد الأجساد واستنزاف الطاقات. سُوّقت الصورة خلال أيام ثورة 25 يناير، ولا سيما في أسبوعها الأخير، ثم في

الأسابيع التي تلت تنحّي مبارك، على أنها دليل دامغ على رقي الشعب المصري وسلوكه الإنساني

المثالي حتى في وقت الأزمات. وفُسّرت الصورة أيضًا بأنها دليل على إنسانية الثوار، ووجود الجنسين

معًا في لحظة ثورية وطنية فارقة، وفي فضاء مقدَّس يستردون معًا حرية فقدوها منذ عقود طويلة؛

(17) Howard Saalman, Haussmann: Paris Transformed , Planning and Cities (New York: G. Braziller, 1971).

1(((من توثيق عبد الرحمن الرافعي منشورًا في: أيام مصرية، العدد 40 (عدد تذكاري بمناسبة ثورة 25 يناير): ميدان التحرير في

ذاكرة التاريخ (0112)، ص 8، شوهد في 014/8/18:2، في

http://www.ayammasria.com.

(1((يشير المؤرخ عبد الرحمن الرافعي إلى أن العناية بعمران مدينة القاهرة ساعد في تحولها لمدينة جاذبة حيث وصل عدد سكانها في عهد الخديوي إسماعيل إلى 035 الف نسمة. انظر: المرجع نفسه، ص.8 (2((علي عبد الرءوف، «النقد المعماري ودوره في تطوير العمارة المصرية المعاصرة»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة،.1991

لحظات سقطت فيها وتوارت، بل اختفت المناقشات الشهيرة كلها عن التحرش والهوس الجنسي وثلاثية الرجل والمرأة والشيطان. في الأسابيع التالية، وضمن فاعليات احتفاليات التنحي، ولمزيد من تأكيد أبعاد ميدان التحرير اليوتوبية، تبارى كبار الكتّاب والصحافيين في مدح هؤلاء الشبان والشابات وروحهم المثالية وسلوكهم الحضاري، وبصرف النظر عن الغطاء الصوفي الذي امتد ليغطيهم جميعًا، كاشفًا فقط عن وجوه سعيدة وأكتاف مرهقة؛ صورة يندر، بل يستحيل ربما، قبولها في سياق آخر غير سياق ميدان التحرير في أثناء ثورة 25 يناير. وتناول المراقبون ما اصطُلح على تسميته ظاهرة قيم وسلوكيات التحرير. هذه الصورة نفسها، استُخدمت لاحقًا لبيان انحراف الثوار، وتصويرهم مجموعاتٍ من بلطجية المخدرات والجنس، حيث عادت مجموعة من الكتّاب والفنانين والإعلاميين في فاعليات مقاومتهم المستميتة لوقف التدفق الثوري، إلى الميدان لاتهام هؤلاء الشباب بالانحراف. هذا التناقض جعلني معنيًا بآليات

التحول في التصورات الذهنية والبصرية والوجدانية في ميدان التحرير من ميدان الثورة المقدَّس إلى ملجأ البلطجية الملوَّث والمدنَّس. الشكل (2) ثوار منهَكون يحاصرهم أفراد من قوات الجيش في ميدان التحرير، كانون الثاني/يناير 2011

المصدر: الباحث.

(((2 من منطلق مسؤوليتي الوطنية والأكاديمية والبحثية، تابعت تطور الحوادث في ميدان التحرير منذ بدء الثورة في 25 كانون الثاني/يناير 011.2 ومنذ آب/أغسطس 0112، وعلى مدى ثاث سنوات، قمت بزيارات متتالية للميدان وسياقه العمراني، وكان ذلك في أيام عادية، وفي مناسبات فارقة أيضًا واحتفاليات ذكرى ثورة 25 يناير الثانية والثالثة. في هذه الزيارات، قابلت مجموعات

متباينة من المصريين من خلفيات اجتماعية وتعليمية متباينة، ومن فئات عمرية مختلفة، رجالً وسيدات وشبابًا. تبعًا لكثيرين منهم،

وخصوصًا من قابلتهم في عامي 0110122 و 2، كان إدراكهم للتحرير أنه تحوّل من مجرد ميدان إلى ما يمكن أن يوصف بحالة ميدان

التحرير Mind of State. أصبح ميدان التحرير وسلوك من فيه يمثلّان نموذجًا للإطار الذي يحلم المصريون بأن ينتموا اليه ويعايشوه

بالقيم التي طرحها. كان الاتفاق الأكبر بين الجميع معقود في هذه الفترة على ظواهر جديدة بالنسبة إلى المجتمع المصري في عقوده الأخيرة، وهي التوحد والتعاضد والحس الجماعي والإقبال على التطوع وحب المشاركة المجتمعية والوطنية. (((2 وثّقت البرامج الإعلامية تصريحات مجموعة مجندة من فنانين السينما ولاعبي الكرة تؤكد فيها وجود ممارسات جنسية تحدث

في خيام ثوار ميدان التحرير. كما وصِف الميدان بأنه ملاذ للمدمنين ومتعاطي الممنوعات والمخدرات. أشهر هذه اللقاءات مع ممثّل

يحذر من أن تهين قلة مندسّة مبارك، وناشد شباب الثورة الموجودين في ميدان التحرير بالقول: «كفاكم بقى وسيبو ميدان التحرير».

التحول الأول: التحرير مركز الخطيئة والفضاء المدنَّس

نجحت ثورة 25 يناير في تحويل ميدان التحرير من ميدان كانت السيارات تسيطر عليه إلى ميدان تمتلكه هي، وتتفاعل معه الجماعات الإنسانية المصرية الشعبية الثائرة. وتصل ذروة العلاقة بين الإنسان والمكان إلى أبعاد روحانية عندما يتحول الميدان كله إلى فراغ مقدَّس، جامع للمسلم والمسيحي لتأدية الشعائر، خصوصًا في ظُهر كل يوم جمعة من الجُمع التاريخية التي شهدها الميدان في أثناء الثورة.

وتفوّق الثوار في إطلاق أسماء تُلهب المشاعر وتحفز المتظاهرين على الجُمع المتتالية حتى رحيل

مبارك، ثم بعد استكمالهم التظاهرات بعد التنحي، لإعلان رفضهم تسويفات المجلس العسكري،

ومن أهم تلك الجُمع جمعة الغضب والتنحي. واستمر الميدان في احتضان هذه الجُمع إلى أن أغلق

تمامًا في وجه كل معارض أو رافض، كما سنفصّل لاحقًا. انساب المجلس العسكري، الكيان الأعلى والأقوى في الجيش المصري، مستغلً تفتت الثوار وتردد النخبة وسذاجة العامة المنتشين برحيل مبارك، إلى السلطة، وأحكم قبضته الفولاذية عليها وعلى عنق البلاد عمومًا، وعلى ميدان التحرير بصورة

خاصة، وبإصرار مدروس ومتعمد، بعد أن جمَّل تلك القبضة وزيّنها وغلّفها بأعلام مصر وبشعار: «الجيش والشعب إيد واحدة». الشكل (3) التسويق البصري والذهني للجيش كحامٍ للثوار وكيان متاحم مع الشعب

المصدر: أرشيف جريدة الأهرام.

مشاهد القبضة الفولاذية

المشهد الأول: كسر إرادة استعمال الفراغ

في أول صلاة عيد تقام في الميدان بعد تولّي المجلس العسكري السلطة، رصدنا أول ملمح لنية كسر إرادة استعمال فراغ الميدان حتى في أكثر التصرفات قداسة للمصريين، وهو فعل الصلاة. بدأ المشهد المهيب مع أضواء الفجر، عندما أحاطت قوات الجيش بالفراغ الأوسط للميدان، ومنعت المصلين من الصلاة في هذه الدائرة فقط دون باقي دوائر الميدان. وكانت رسالة لم يتوقف أمامها أحد؛ فالمجلس العسكري يقول أنا وأنا فقط أكيف لكم إمكانات استعمال فراغ ميدان التحرير، بمعنى آخر: مهما كانت

قوة الميدان وشرعيته، فإنهما تتوقفان أمام قبضة المجلس العسكري ودائرة جنوده المتراصة كتفًا لكتف حول مركز الميدان، لإعلان كسر الإرادة.

المشهد الثاني: مشهدية العنف ومعاقبة الأحياء والجماد

بعد تهيئة الرأي العام بالحديث عن الثوار المدمنين والمنحلّين، بل والمثليين، سلك المجلس العسكري منهجًا مغايرًا تجاوز فيه شعاره «الجيش والشعب إيد واحدة»، ويُعرف أهم تداعيات هذا

التوجه للتعامل مع الميدان ومحيطه بحوادث محمد محمود 19 - 25 تشرين الثاني/نوفمبر 0112، وهي الحوادث التي اعتبرها المحللون الموجة الثانية الأكثر تنظيمًا وإصرارًا من موجات ثورة 25 يناير. أدت

الحوادث إلى مقتل مئات من الأشخاص، إضافة إلى سقوط آلاف المصابين. وكان كثير من الإصابات في العيون والوجه والصدر. كان نداء المتظاهرين ينصب على ضرورة سرعة نقل السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى رئيس وحكومة مدنية منتخبة. وكان مستوى القسوة في التعامل من قوات الجيش وقوات الشرطة مثار انتقادات محلية وعالمية. وفسر عنف قوات الجيش بأنها ردة فعل على موجة متصاعدة ضد حكم المجلس العسكري، وخصوصًا مع بدء تسويق المشير طنطاوي

كرئيس وتصويره يتجول في شوارع القاهرة ببدلة مدنية، حيث سبق الحوادث دعوات لإقامة مليونية يوم الجمعة 25 تشرين الثاني/نوفمبر 0112 في التحرير وميادين مصر تحت مسمى (جمعة تنحي العسكري)، وإقامة صلاه الغائب على أرواح شهداء حوادث نوفمبر. هجمت قوات الجيش المصري هجومًا مروعًا على ميدان التحرير، وتم ضرب وقتل الثوار والمعتصمين وسحلت فتاة العباءة السوداء

الشهيرة وجرجرت الجثث من فروات الشعر وقذفت بجانب صناديق القمامة. لم يكتف الجنود بمعاقبة الثوار بل حرقوا الخيام ثم انقضوا على أي كيان مادي في الميدان بما في ذلك الأشجار ومناضد الطعام وأكشاك الشاي وحتى الدراجات البخارية، ثم قامت هذه القوات بترك الميدان لاحقًا. وهناك مقطع وثائقي بالفيديو يسجل لحظة التفاف مجموعة من الجنود على دراجة بخارية لا يوجد حولها إي إنسان ويضربونها بقسوة بالعصي وكعوب البنادق. ثم وصل المشهد السريالي إلى ذروته عندما أشعلوا النار في الدراجة وعلى وجوه الجنود ابتسامات بها مزيج من الحيرة والفرحة.

(((2 كانت الاستراتيجية نفسها قد اتُّبعت أيام ثورة 25 يناير وقبل سقوط مبارك. وتبرز هنا القصة الأكثر تداول لممثل سينمائي

مصري متوسط الشهرة وهو يتحدث عن عمليات جنسية تمارَس في خيام الثوار المعتصمين. (2((انتشرت أيضًا في هذه الفترة (ما بعد الثورة وفي أثناء حكم المجلس العسكري) فكرة الطرف الثالث والقاتل المجهول التي تبلورت عندما تفاقمت حوادث مذبحة ماسبيرو يوم 9 تشرين الأول/أكتوبر 0112، وبدأت بتظاهرة انطلقت من حي شبرا باتجاه مبنى الإذاعة والتلفزيون المعروف باسم «ماسبيرو»، ضمن فاعليات يوم الغضب القبطي، ردًا على قيام سكان من قرية المريناب في

محافظة أسوان بهدم كنيسة قالوا إنها غير مرخصة، وتحولت إلى مواجهات بين المتظاهرين وقوات من الشرطة العسكرية والأمن المركزي، وأفضت إلى مقتل أكثر من 25 شخصًا أغلبهم من الأقباط. وعلى الرغم من وجود أدلة مصورة، لم يُتّهم أحد، بل جاء

على لسان المتحدث الإعلامي باسم القوات المسلحة أن المدرعة التي دهست المتظاهرين للقوات المسلحة استولى عليها أحد المتظاهرين وقادها وقتل متظاهرين دهسًا.

(((2 يوثّق فيلم «الميدان»، من إنتاج كانون الثاني/ يناير 0132، وهو إنتاج مصري - أميركي، ومن إخراج جيهان نجيم، حالة الميدان في أيام الثورة الثمانية عشر، ثم تداعيات تفتيت القوى الثورية وعلاقتها بالعبث بصورة الميدان في أذهان المصريين من خلال تصريحات المسؤولين وتزييف كثير من الإعلاميين حقيقة ما كان يجري على الأرض.

(26) Accessed on 5/4/2016, at: http://www.youtube.com/watch?v=fF8SwqlWlqk.

المصدر: أرشيف جريدتيالأهرام والمصري اليوم.

المصدر: أرشيف جريدتيالأهرام والمصري اليوم.

الشكل (4) المشاهد المروعة التي تبارى إعاميون ونخب وقادة في الجيش إزاءها على لوم الفتاة الضحية على سلوكها، وشكر الجيش على سرعته في ستر الفتاة بعد تعريتها

الشكل (5) عناصر من قوات الجيش المصري يشرفون على إخاء ميدان التحرير بصورة كاملة في 17 كانون الأول/ديسمبر 2011

المحاصرة الأمنية والمادية لفضاء الميدان ومنع الوصول

انتهت حوادث محمد محمود بخطوة غير مسبوقة في تاريخ ميدان التحرير، وفي تاريخ الفراغات العامة في مصر والعالم؛ ففي يوم الخميس 42 تشرين الثاني/نوفمبر 0112، بدأ الجيش المصري يقيم جدارًا عازلً من الكتل الخرسانية في الشارع المؤدي إلى وزارة الداخلية. وبُني مزيد من الجدران لاحقًا لتشديد الحصار على الميدان، فتعامل الثوار والمتظاهرون بمنطق إبداعي مع الجدران الحجرية التي رُفعت لمنع تدفق الثوار من الشوارع المحيطة وإليها. وقد حاول الثوار في البداية إزالة هذه الجدران، لكنهم فشلوا بسبب ضخامة حجارتها وثقلها، وبسبب عنف تعامل الشرطة والجيش معهم، ومعاقبة كل من حاول إزالتها بالإصابة المباشرة أو بالقتل. لذا، لجأ الثوار إلى حل إبداعي من خلال تحويلها إلى جداريات رافضة ومتمردة وثورية. وقد انكبت السلطات في مصر على إزالة هذه اللوحات الإبداعية، كما فعلت محافظة القاهرة في 21 أيار/مايو و 81 أيلول/ سبتمبر 0122، على سبيل المثال. غير أن الفنانين الثوريين كانوا يعيدون رسمها ويطْلون جميع الجدران باللون الأبيض أو الرمادي. كما أنهم حرصوا على توثيق ما رسموه فوتوغرافيًا. جدير بالذكر

أن بعض المصورين الفوتوغرافيين المصريين والأجانب اهتم بتوثيق الجداريات التي ظهرت منذ اندلاع الثورة، ونُشرت النتائج الموثقة في مؤلفات عدة، من أهمها كتاب الجدران تهتف: جرافيتي الثورة المصرية، 012 2، وأرض أرض: حكاية ثورة الجرافيتي، 0122، للمصور الفوتوغرافي شريف عبد المجيد. الشكل (6) إبداع فناني الثورة في التعامل مع الحوائط الحجرية التي أقامها الجيش لمنع تدفق المتظاهرين إلى الميدان

المصدر: المصورة الفوتوغرافية أيمين سيفيم.

(((2 كانت مبادرة بعنوان «مفيش جدران» قد أُطلقت في منتصف آذار/مارس 0122، رسم خلالها الفنانون لوحات جدارية على الكتل الخرسانة التي سدّت بها السلطات أهم الشوارع المؤدية إلى الميدان.

حصار التحرير بين الجدار الحجري والبوابة المعدنية المغلقة

كان الهدف من الحصار المكثف للميدان أن تُمنَع الاحتجاجات كليًا إلا في الأيام والمناسبات التي تخدم

رؤية النظام وأهدافه. ووصلت دراما حصار ميدان التحرير إلى قمتها بعد قرابة سنتين، وبالتحديد في شباط/فبراير 0142، عندما قامت محافظة القاهرة، وبإشراف الجيش، بنصب بوابات حديدية عملاقة تُفتح وتُقفل تبعًا للرغبة الرسمية في استخدام الميدان، والسماح لفئات معينة بالوجود فيه لتحقيق هدف معيّن

أو لإيصال رسالة دعائية مطلوبة في توقيت ما. وأثار وجود تلك البوابات انتقادات واسعة وإحباطات باعتبارها شكلً جديدًا من أشكال القمع البوليسي؛ إذ كان يتعذر استيعاب أن الفراغ العام الذي ولدت داخله ثورة 25 يناير أصبح الفراغ الأكثر عرضة للحصار لمنع وصول الشعب إليه. اللافت أن المتحدث باسم وزارة الداخلية هاني عبد اللطيف صرح بأن البوابات إجراء موقت، كما أنها سوف تُستخدم في اغلاق مدخل شارع قصر العيني إلى التحرير حال وقوع أي حوادث أمنية. وقد تعددت ردات فعل الثوار والمتحدثين باسم الأحزاب المستقلة على تشديد الحصار على ميدان التحرير، حيث عقد بعض الناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي مقارنة بين البوابات العازلة للتحرير عن مدخله المهم من شارع قطر النيل ومعبر رفح الحدودي بحراسته المشددة، وسخر بعضهم الآخر من احتمال البدء في حفر أنفاق للوصول إلى الميدان، بينما استنكر المتحدث باسم حزب الدستور الليبرالي بالقول إن هناك مسؤولين يتحدثون عن تحويل التحرير إلى متحف ومكان احتفالي شعبي للمصريين، في حين أنهم يقيمون هذه البوابات الحديدية القبيحة في محاولة لمنع التظاهرات وحظرها في ميدان التحرير نفسه. الشكل (7) حصار التحرير بالمدرعات والدبابات والبوابات الحديدية

(2((قامت شركة المقاولون العرب المصرية ببناء البوابات تحت إشراف الجيش في شباط/فبراير 014.2 ووصفت وزارة الداخلية البوابات التي يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار وتعلوها قضبان حديدية مدببة، بأنها محاولة من جانبها لإعادة الأمور إلى طبيعتها في وسط القاهرة. (2((تقرير وكالة رويترز المؤرخ 01 شباط/فبراير 014.2 انظر: «بوابات عملاقة في ميدان التحرير بالقاهرة تثير انتقادات»، رويترز عربي، 014/2/102، شوهد في 015/4/9:2، في

http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAEA190HJ20140210.

(3((منذ تموز/يوليو 0132، استعادت وزارة الداخلية التي كانت، بحسب شبه إجماع بين سياسيين ومراقبين، أداة للقمع في عهد حسني مبارك، دورها القديم. وأصبحت هي الأداة الرئيسة في حملة تشنها الدولة على جماعة الإخوان المسلمين وناشطين علمانيين وليبراليين ووسطيين ومستقلين وطلاب جامعات، كان من شأنها دخول آلاف من الناشطين إلى السجن. (((3 المرجع نفسه، شوهد في 015/4/92، في:

http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAEA190HJ20140210.

المشهد الثالث: بدايات مشروع تدنيس الميدان على المستويات الفراغي والمكاني والذهني

ساهم الربيع العربي عمومًا وثورة 25 يناير بصورة خاصة في تغيير الذهنية العالمية نحو الشعوب

العربية الشرق الأوسطية؛ فما قبل ثورة 25 يناير وكيفية إدراك الشرق الأوسط عالميًا هما أمران لافتان

ومفتاحان لتفسير تغيير الصورة الذهنية. قبل عام 0112، كانت الذهنية العالمية تدرك «الشرق الأوسط المسلم» كيانًا لا يتغير وغير قابل للتغيير، ومجمد في التقاليد والتاريخ. وتبعًا لطرح أصف بيات في

كتابه Life as Politics (الحياة كسياسة)، فإن هذه الافتراضات لا تعترف بقدرة الناس العاديين على إجراء تغييرات ذات مغزى مهم، من خلال التصرفات الاعتيادية البسيطة. لكن الموثَّق هو أن من خلال الاحتجاجات المستمرة، كان ملايين الناس في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط هم الذين أحدثوا التحول من خلال اكتشاف مساحات الاحتجاج الاجتماعي الجديد وإنشائها لجعل الإنصات إلى مطالبهم حتميًا. ولهذ، يُعَدّ طرح بيات بمثابة مساهمة متفردة وكاشفة في المناقشات العالمية

حول معنى الحركات الاجتماعية وديناميات التغيير الاجتماعي. وفي كانون الثاني/يناير 0112، ألهم المصريون قوى التحرر في العالم، كما وضح في تصريحات كبار زعماء العالم، مثل أوباما وساركوزي وبيرلسكوني... وغيرهم، ويكفي تأمل مقولات هؤلاء القادة والمفكرين بشأن ثورة 25 يناير، لإنعاش الذاكرة الجمعية للشعب المصري الذي فضَّل جزء منه أن يُسقط هذا الفصل من ذاكرة الأمة، حيث

تعرض بعض المصريين لهجمة إعلامية منظَّمة دعمتها كتابات بعض النخبة من الصحافيين والمثقفين جعلتهم يقبلون بأن يعاد تسمية ثورة 25 يناير لتصبح مؤامرة أو نكسة 25 يناير. وبصورة منسقة وبإيقاع جماعي يثير العجب، تغاضى الجميع، حكومة وشعبًا، عن الغزو المنظم للميدان الذي قام به مشردون

وقطاع طرق ولصوص وقوادون وتجار ومخدرات بالتجزئة والبلطجية، فهؤلاء جميعًا مطلوبون وجنود

مجهولون في رسم الصورة الذهنية التي تأمر الجميع بترسيخها في وعي المصريين.

صورة الميدان الجديدة: الميدان المدنَّس المشهد الخامس: قيمة الثورة وقيمة الميدان

من أهم الآليات التي فُعّلت لتفكيك الصورة الذهنية اليوتوبية واستبدالها بصورة مدنَّسة، كتابات ومراجعات مفكرين بارزين. بدأت الكتابات تستجوب تساؤلات من مثل: هل كانت ثورة 25 يناير خطأ؟ وهل كان تقديس الميدان وكل ما حدث فيه مبالغة يجب التراجع عنها؟ هل يجب الحرص على

(32) Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East , 2 nd ed. (Stanford, CA: Stanford University Press, 2013).

(((3 في إطار فاعليات المنتدى الحضاري الأميركي، أُجري استطلاع رأي تبين من نتائجه المنشورة على موقع المنتدى أن 07 في المئة ممن اشتركوا يحترمون الشعب المصري، وهي سابقة، خصوصًا إن تلك النسبة هي نفسها التي نالها الإسرائيليون في استطلاع

مماثل بمعرفة الجهة نفسها. وهذا تحول نوعي، ولا سيما في إطار ثقافة الإرهاب والخوف من الإسام التي سادت الولايات الأميركية منذ حوادث انهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 أيلول/سبتمبر 001.2 لكن تبين أن ذهنية الأميركيين الجماعية تقدر ربيع الثورات حتى وإن أتى بحكومات لا تتفق مع توجهات الحكومة الأميركية ومتطلباتها.

استمرار الوجود في ميدان التحرير واستمرار إعلانه مكانًا للمراجعة النقدية الشعبية لأي نظام حاكم مهما كان توجهه؟ نعرض هنا بالتحليل والنقد كتابات بعض هؤلاء المفكرين البارزين في المشهد الثقافي والإعلامي المصري وتحولاتهم. فالكاتب والمفكر المصري سيد ياسين أصر، في مقالات نشرها في أثناء حكم المجلس العسكري، على عدم جدوى الاستمرار في التظاهر والاعتصام في ميدان التحرير، بدعوى أن المجلس العسكري تولى زمام القيادة، ويجدر بالشباب الثوري أن يعود إلى بيوته ومدارسه وجامعاته لأن الثورة أصبحت في أيد أمينة. نوثّق أيضًا مساهمة ياسين حين يستنكر التحول الذي حدث لميدان التحرير الذي كان أيقونة عالمية أيام ثورة 25 يناير المجيدة، ونموذجًا رفيعًا لأرقى القيم الإنسانية في الوطنية والمحبة والتسامح، وأصبح الآن مباءة تُعَدّ سبّة في جبين القاهرة، تبعًا لتعبيره، ويستمر

ياسين مستنتجًا أن يوتوبيا الثورة ضاعت - كما يبدو - في أدغال غابة كوكب العشوائيات، حيث أصبح العنف هو لغة الحياة اليومية. وفي المقالة المعنونة «من يوتوبيا الثورة إلي كوكب للعشوائيات‏!‏»، كتب ياسين انطباعاته بعد مرور سنتين على ثورة 25 يناير؛ هذا الحدث الفذ الذي جعل الشعب يقف على منصة التاريخ، تبعًا لصياغته المنشورة‏. ثم عاد إلى كتابة مقالة جديدة يتناول فيه حالة ميدان التحرير المعاصرة، واصفًا إياها بالعشوائية، ومشيرًا إلى الحالة الشديدة الضبابية التي جعلت التمييز

بين القاتل والمقتول، أو بين الثائر والبلطجي، غاية في الصعوبة. وصف ياسين حالة التحرير التي صاغت حلمًا قوميًا بتأسيس يوتوبيا (مدينة فاضلة) تسودها أرفع القيم الإنسانية التي سينهض عليها

المجتمع بعد الثورة لتحقيق أهدافها السامية، في العيش الكريم والحرية الكاملة والعدالة الاجتماعية، ثم أشار إلى الوضع الراهن حيث انتهت الموجة الطويلة للثورة بجميع آمالها ووعودها وإحباطاتها وخيبة أمل الشعب في تحقيق أهدافها. شارك ياسينَ الرؤية عينها الكاتبُ سعد الدين إبراهيم الذي دعا إلى إخلاء الميدان فورًا. وقد تأرجح

موقف الكاتب حين أعلن تخوفه من صدقية الجيش في مقالته المنشورة 62 تشرين الثاني/نوفمبر 011 2 في جريدة الراية ومن تناقص تلم الصدقية من ماسبيرو إلى التحرير، حيث قارن بين تأكّل صدقية الجيش بعد حوادث ماسبيرو وحوادث الميدان في تشرين الثاني/نوفمبر 0112، وبين حالة ما بعد هزيمة 967.1 ويستنكر استخدام القوة في إخلاء الميدان، ثم يحذّر بالقول إن من مصلحة الجميع - حكومة وشعبًا وأمة - أن يستعيد الجيش هيبته وصدقيته، وأقصر الطُرق لاستعادة هذه الهيبة

وهذه الصدقية هي أن تُسلّم السلطة إلى حكومة مدنية مُنتخبة انتخابًا حُرًا ونزيهًا. ثم أكد في شباط/

فبراير 0122 أن ميدان التحرير أصبح سلطة رابعة وجماعة ضغط هائلة على أي حاكم يحيد عن أهداف

3(((السيد يسين، «من يوتوبيا الثورة إلى كوكب للعشوائيات‏!»، الأهرام، 013/3/72، شوهد في 013/4/15:2، في

http://www.ahram.org.eg/News/751/4/135202.

(((3 المرجع نفسه. 3(((سعد الدين إبراهيم، «مصداقية الجيش: تناقص المصداقية من ماسبيرو إلى التحرير»، الراية (القطرية)، 011/11/262، شوهد

http://www.raya.com/mob/getpage/f6451603-4dff-4ca1-9c10.

في 012/9/23:2، في

الثورة. وفي حزيران/يونيو 0122، أضاف أن الثوار يقع عليهم جزء كبير من مسؤولية الأخطاء التي وقعت فيها الثورة، لأنهم تركوا الميدان في وقت مبكر، قبل أن يحققوا مطالبهم ويستكملوا ثورتهم، ولا يمكن استعادة التاريخ بأثر رجعي. نرصد أيضًا إعادة تشكيل وعي المصريين تجاه الميدان ورواده في مقالة الكاتب فاروق جويدة المنشور في جريدة الشروق بعد أشهر من تنحّي مبارك، حيث يعلن إدراكه متأخرًا أن من في التحرير

حاليًا ليسوا من الثوار بل هُم أطفال شوارع وبلطجية يروّعون المنطقة بالمولوتوف. وفسّر جويدة

التحول في صورة ميدان التحرير بتغير الفئة التي تستوطنه، وأشار إلى بُعد المسافة بين الثوار في ميدان التحرير، حين قدَّموا لمصر أرواحهم وماتوا في سبيلها، وجموع البلطجية واللصوص الذين اقتحموا الميدان في موقعة الجمل، وما زالت آثارهم حتى الآن تهدد جميع جوانب الروعة والجلال في ثورة الشباب المصري يوم 25 يناير. نتوقف هنا أمام مساهمة سمير غريب، رئيس جهاز التنسيق الحضاري في وزارة الثقافة المصرية، في ترسيخ ملامح الصورة السلبية عن الميدان: «وقد أبلغت محافظ القاهرة بأن ميدان التحرير تحوّل إلى تواليت كبير»، فكان تصريحه هذا الأقسى في ما

يتعلق بالميدان؛ تأمل معي قسوة اللفظ والصورة، خصوصًا أن المراحيض العامة في مصر ترتبط ذهنيًا عند الناس بأقصى درجات القذارة، وتلوث إنسانية المكان أحيانًا كثيرة. تأمل قسوة اللفظ وهو

يصدر من كاتب وناقد شعر بأنه بالقطع أمام ميدان تحرير آخر. هذا الكاتب والناقد يتحول بصورة جذرية من مناصر للميدان بوصفه قلب الثورة المقدَّس الذي يستحق الرعاية وإعادة الصياغة، إلى ناقد له بعنف وقسوة شديدين. الشكل (8) توثيق الحالة الجديدة لميدان التحرير

المصدر: من تصوير الكاتب.

(((3 فاروق جويدة، «ميدان التحرير بين ثوار الأمس.. وبلطجية اليوم»، الشروق، 011/6/122، شوهد في 012/7/12:2، في

http://www.alarabiya.net/views/2011/06/12/152973.html.

(3((المرجع نفسه. 3(((منى ياسين، « التنسيق الحضاري: تعلية سور «الاتحادية» تشويه.. و«الآثار»: ليست مخالفة »، المصري اليوم، 013/2/112، ص

1، شوهد في 014/3/15:2، في

http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=370720.

حتى الصحف القومية قامت بدورها الخاص في تأكيد هذه الصورة الذهنية السلبية؛ فعلى سبيل المثال، نحلل مقالة الرأي في جريدة الأهرام والمعنونة ب «ميدان التحرير الأسير ». في هذه المقالة، يتحدث ممثّل الأهرام عن الفرحة التي عمت مصر بعد قيام الشرطة بفك أسر ميدان التحرير، أيقونة الثورة المصرية، وفق تعبيره. ويُثني الكاتب على دور الشرطة في تحرير الميدان من قبضة البلطجية

والعناصر الخارجة على القانون. ونرصد أيضًا في السياق بدء عملية تمييز بين من أطلق عليهم وصف المعتصمين السلميين الذين لا يعطلون المرور ولا يوقفون حركته ويلتزمون بأماكن اعتصامهم، ومن سمّاهم «أناسًا» استوطنوا الميدان واعتبروه ملاذًا لهم ولشرورهم، يفعلون فيه ما يشتهون من دون

حسيب أو رقيب. كما نرصد موقفًا استنكاريًا فحواه: «إذا كانت وزارة الداخلية، بإمكاناتها وقدراتها،

غير قادرة على انتزاع أمتار عدة من الأرض من بلطجية، فكيف ستحافظ على أمن بلد شاسع مترامي الاطراف؟». ثم يقترح كاتب المقالة أن تكون أداة المقاومة والتغيير الثانية هي المواطن، حيث يدعو المواطنين إلى الذهاب إلى ميدان التحرير لمقاومة البلطجية وإخراجهم بالقوة. وتنتهي المقالة بتخبط كاتبه بين دعوته الداخلية إلى تفعيل دورها ودعوته المواطنين إلى التحول إلى ميليشيات مقاتلة. ويتبلور تخبط الكاتب في الفقرة النهائية من المقالة، وهو يحذّر من خطورة أخذ المواطنين حقهم بأيديهم، كما يحذّر من ضعف الدعم الشعبي للشرطة؛ هذا الدعم الذي يصر الكاتب على أنه الوسيلة المطلوبة كي تبدأ الشرطة ممارسة دورها في حماية الشعب.

المشهد الرابع: التحرير بين حقيقة الهجر ووهم الامتلاء

نتوقف هنا أمام طرح هنر لوفيفر في كتابه The Production of Space (إنتاج المكان)، حيث يشير إلى علاقة الفعل الثوري بالفراغ العام، ويجادل بأن الثورة التي لا تنتج فراغات عامة تكون قد عجزت عن تغيير الحياة العامة، ولم تُحْدث تغييرًا إلا في في التركيبة الأيديولوجية السياسية أو البنية المؤسسية. تعمدت جميع القوى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إفراغ ميدان التحرير من الطاقة الثورية، ليصبح خاليًا، يعاني حقيقة هجره حتى في أحلك الأزمات والمواجهات. وقد نجحت الصورة الذهنية الجديدة

تدريجيًا في إلهاء المصريين عن التزامهم المقدس بالتحرير. كما نجحت النخبة في تصفية التحرير،

وتفتيت الجهود، وتوجيه طاقات الاعتراض إلى فضاءات جديدة لا يمكن أن تستمر التدفقات الثورية بها أو إليها. فاندفع بعضهم إلى قصر الاتحادية، المقر الرسمي للرئيس المصري، وتوافد بعضهم الآخر على مديريات الأمن، أو صعد إلى أعالي جبل المقطم، حيث المقر الرئيس لجمعية الإخوان المسلمين، وترك الجميع التحرير خاليًا مهجورًا، بينما القنوات الفضائية تروج لوهْم الامتلاء. ثم

انتقلت المواجهات مرة أخرى إلى الفضاء الافتراضي، وخصوصًا ال « فيسبوك» بدلً من الفراغ المادي

الحقيقي. أما الإعلام، فترك المصريين مخدرين بوهم امتلاء الميدان واستمرار الاعتصام وتزايد عدد

(4((انظر: «ميدان التحرير الأسير»، الأهرام، 013/3/292، ص 2، شوهد في 014/4/18:2، في

http://www.ahram.org.eg/News/773/4/201411. (41) Henri Lefebvre, The Production of Space , Translated by Donald Nicholson - Smith (Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Blackwell, 1991), p. 54.

الخيام وتدفق الثوار. لم يدرك كثير من المثقفين والنخبة، والثوار أيضًا، الدرس الأكبر في ثورة 25 يناير. نعم، أطلق ال « فيسبوك» الشرارة ووحد الجهود ونشر الدعوات وأحدث التواصل، لكن الثورة، والثورة فقط، هي الوجود المادي المكثف البطولي في ميدان التحرير. نسي الجميع أن هذا الوجود النضالي الاستثنائي لمدة ثمانية عشر يومًا كاملة هو ما أرسل رسالة النهاية إلى مبارك ونظامه اللذين ترنحا أمام ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ مصر في العصر الحديث: الاتحاد، ووحدة الهدف والنضال السلمي من أجل تحقيقه، واستخدام المكان أو الفراغ العام لتجسيد هذه الظاهرة المتفردة. حتى محاولة إعطاء الميدان البُعد الثوري الاحتفالي بصورة مصطنعة لم يُكتب لها النجاح؛ فمثلً كان

استعداد النظام المصري للاحتفال في عام 0132 بذكرى الانتصار في حرب 9731، خصوصًا بعد إزاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي، بالسماح لفئات معيّنة بدخول الميدان، للتدليل على رسالة

نيات العنف والتخريب التي سوّق لها الإعلام المصري، بينما قُتل العشرات وهم يحاولون الاقتراب من الميدان، ولا سيما من جهة كوبري الجلاء. والأكثر مدعاة للتساؤل هو أن رجال النظام أنفسهم، وعلى رأسهم الرئيس الموقت، احتفلوا بذكرى حرب 9731 في قاعة مغلقة كانت عليها حراسة مشددة، وشاهدوا فيها لوحات غنائية، بينما كانت جثث الشباب الذين قتلوا على مشارف الميدان ما زالت متناثرة في شوارع القاهرة. وعلى سبيل المثال، في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير (في عام 0142)، سُمح لأنصار قائد الجيش آنذاك المشير عبد الفتاح السيسي بالتوافد والدخول والتظاهر في ميدان التحرير، وكان الهدف توضيح قوة المطالبة الشعبية للسيسي بالترشح للرئاسة. الشكل (9) مشهد البوابات الأمنية على مداخل ميدان التحرير وقد استُخدمت للتقنين النوعي لا الأمني للمسموح لهم بدخول الميدان

المصدر: أرشيف الأهرام.

((4(في يوم 5 تشرين الأول/ أكتوبر 0132، قامت القوات المسلحة أول مرة بنصب بوابات إلكترونية في ميدان التحرير، خُصص

إحداها للرجال وأُخرى للسيدات. وقام عناصرها بتفتيش المتعلقات الشخصية وإجراء التفتيش الذاتي وطلب البطاقات الشخصية.

الشكل (10) مشهد من التظاهرات المقننة التي تمت تحت رعاية النظام واستُخدمت فيها أول مرة ملصقاتٌ نمطية وُزِّعت على قلة من الأشخاص استُدعيت إلى ميدان التحرير كتب

على الملصقات باللغة الإنكليزية «نحن نثق بالسيسي».

المصدر: أرشيف الأهرام.

النصب التذكاري: إفلاس الرمز والحياة القصيرة جدًا

في محاولة بائسة لإعادة الحياة إلى ميدان التحرير، ولو على المستوى الرمزي، وبرعاية القوات المسلحة ومحافظة القاهرة، تبلورت فكرة أن يقام فيه النصب التذكاري الذي أزيح الستار عنه فيُ1 8 تشرين الثاني/نوفمبر 0132، وهو التاريخ المرتبط في وجدان المصريين والقوى الثورية بمذبحة شارع محمد محمود. كان من المنطقي أن يُخلَّد شهداء ثورة 25 يناير، لكن فكرة إقحام حوادث 03 يونيو كانت شديدة الافتعال، وأثارت شباب الثوار من توجهات مختلفة. ومن خلال تسارع غير مبرر على صعيدي التصميم والتنفيذ، بُني تكوين من الطوب الأحمر الذي كُسي بالأحجار، في تشكيل شديد الضعف وسيئ التنفيذ وعديم المغزى، وتوسطت النصب التذكاري جدارية من الرخام تحمل أسماء الشهداء. وقبل موعد افتتاح النصب، أحكمت قوات الجيش سيطرتها على ميدان التحرير، ونشرت المدرعات والبوابات المصنوعة من الأسلاك الشائكة على مداخل الميدان، تحسبًا لأي حوادث عنف

يشهدها الميدان. وفي صباح يوم الاثنين 81 تشرين الثاني/نوفمبر 0132، بدأت في ميدان التحرير مراسم افتتاح النصب التذكاري بحضور رئيس الوزراء حازم الببلاوي، ومحافظ القاهرة، ولفيف من وزراء الحكومة والشخصيات العامة والسياسية، محاطين بحراسة مشددة، بينما عزفت الجماهير عن التفاعل، أو بالأحرى مُنعت حتى من الاقتراب من الفراغ الأوسط للميدان. كان المصريون يدركون أن شهداء 25 يناير لم يكرَّموا بل خُوِّنوا وعوقبوا. كما أن ما بني لم يكن ليليق بالميدان الذي احتل القيمة الأكبر في وجدان الشعب المصري.

في ليلة الافتتاح نفسها، راحت جموع الشباب تهاجم النصب وتحطمه، وتكتب عبارات الاعتراض والسخرية على جداره المتهدم، وكذلك على واجهة قاعدة النصب («النظام ما تغيرش.. يسقط كل من خان»). لم ينتبه المسؤولين، ولا سيما محافظ القاهرة، إلى عمق الرسالة التي بعث بها الشباب بتحطيمه النصب يوم افتتاحه، فقرر المحافظ إعادة البناء، واتُّخذت إجراءات أمنية مشددة لحراسة أنقاضه على مدار الساعة، وحُذِّر الشباب من قسوة العقوبات في ما لو جرت محاولة هدم أخرى، لكن

هذا لم يمنع الشباب المحبَط من تحويل ما أعيد بناؤه إلى أنقاض تعبيرًا عن سذاجة فكرة تكريم أرواح

شهداء غيرت دماؤهم الزكية تاريخ مصر. المجلس العسكري واغتيال الفراغ العام أصبح النظام، وبصورة معلنة، يخشى «الساحات العامة». وفي نهايات عام 0142، تحوَّل ميدان التحرير

تدريجًا إلى «حامية عسكرية» استعدادًا لتدابير الاحتفال بذكرى حرب 9731 ومواجهة تجمعات صلاة

عيد الأضحى. ونُشرت قوات عسكرية وأفراد من الشرطة خلال الاحتفالات بالعيد، في محاولة لمنع الاحتجاجات حول المساجد والساحات العامة. كما مُنعت إقامة الصلاة في كثير من الساحات

الملحقة بالمساجد، وأخرج ميدان التحرير من معادلة الاحتفال سواء بذكرى النصر أم بعيد الأضحى حيث أعلنت وزارة الأوقاف أن الميدان ليس من الساحات المسموح بإقامة صلاة العيد فيها. وحظرت الحكومة شعبية فكرة الإمام وخطبة الجمعة، وهددت بمعاقبة أي استخدام لشعارات سياسية في المناطق، كما قننت من يصرَّح له بإمامة الصلاة والخطبة أيام الجُمع. وطرد رجال الشرطة الباعة

الجائلين وتجار الشوارع قبل إتمام الحصار الكامل للميدان. وبررت المصادر الرسمية والقيادة الأمنية غلق الميدان بإجراء أعمال الصيانة الدورية، وهو ما لا يصدقه رجل الشارع الذي يرى يوميًا علامات

التداعي في بنية القاهرة التي تعبّر بصدق عن الغياب الكامل لمفهوم الصيانة الدورية الذي ادعته

المصادر الرسمية، وخصوصًا محافظ القاهرة. أما في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 0142، فقد نشرت الصحف المصرية خبر فتح جزء من ميدان التحرير كان مغلقًا لإنشاء مرأب تحت الأرض، وذلك بعد سنوات طويلة من بدء أعمال الإنشاء. وعلى الرغم من أن عناوين الخبر في الصحف المصرية كانت تدور حول فكرة أن ميدان التحرير يستعيد جماله ورونقه، إلا أن ما نُفّذ في هذا الجزء من الميدان جاء محبطًا للجميع؛ فمن جهة الثوار والناشطين، كُررت أخطاء النصب التذكاري الساذج وغير المعبّر عن

قصة نضال فريدة شهدها الميدان. ومن جهة الخبراء والمتخصصين بمجال العمارة والتصميم العمراني وتخطيط المدن، كان الإحباط مضاعفًا وهم يرون نتيجة قبيحة فجة لم يتم استشارتهم فيها. وتبارت الجهات المعنية، ومنها جهاز التنسيق الحضاري وجمعية المعماريين المصريين وجمعية المخططين

((4(قام عمال محافظة القاهرة في صباح يوم 4 كانون الأول/ديسمبر 0132 بإعادة بناء النصب التذكاري لشهداء 25 يناير و 03 يونيو في ميدان التحرير، تبعًا لما نُشر في الجرائد اليومية وتصريحات المسؤولين في المحافظة. ((4(بهدف التحكم بخطب الصلاة، ألغت وزارة الأوقاف تراخيص أكثر من خمسين ألف إمام ليسوا من خريجي جامعة الأزهر ولا

يعتمدون خطابها المعتدل. كما حُظر إلقاء خطب في مساجد تقل مساحة كلٍّ منها عن 80 م 2. (4((دايان سينجرمان وبول عمار (تحرير)، القاهرة مدينة عالمية: عن السياسة والثقافة والمجال العمراني، شرق أوسط جديد في

ظل العولمة، ترجمة وتقديم يعقوب عبد الرحمن (القاهرة: المركز القومي للترجمة،.)2015

المصريين ولجنة العمارة في المجلس الأعلى للثقافة، في التخلص من أي صلات تربطها بما اعتُبر جريمة جديدة في حق عمران الفراغ العام الأهم في العالم العربي، ميدان التحرير.

استبدال النجاح الشعبي بالنجاح المكاني

اعتمد جزء من استراتيجية تفتيت الكتلة الثورية على تقسيم المجتمع إلى فريقين، رضي كل فريق منهما بنجاحه المكاني في السيطرة على فراغ ما، فظهر ما سمّي فريق ميدان رابعة (أو «بتوع رابعة») وفريق ميدان التحرير («بتوع التحرير»). هذا الانقسام جعل الشعب يكتفي بالنجاح المكاني في السيطرة على فضاء ما، من دون أن يدرك أن المكسب المكاني لا يمكن أن يعوض خسارة العمل الثوري الشعبي وتفتيته وتشرذمه. كانت هذه الاستراتيجيا أيضًا من العلامات الفارقة في نجاح المجلس العسكري في إجهاض الفراغ العام. وبعد مرور قرابة عامين على ثورة 25 يناير، أربك مشهد الانقسام الحاد بين فئات الشعب المصري الشاعرَ والكاتب فاروق جويدة الذي أشار إلى ظاهرة التشتت بين ثلاثة أماكن

مهمة في نسيج القاهرة الكبرى: ميدان التحرير وميدان مصطفى محمود وقصر الاتحادية، مقر رئاسة الجمهورية في مصر الجديدة. ولم يكن جويدة يدرك آنئذ أن هذا التشتت متعمد ومطلوب، وكان يرعاه إعلاميًا منسقو الدولة العميقة التي لم تستسلم قط؛ فتنظيمات أجهزة نظام مبارك استطاعت تضليل

وإرباك الشعب الذي امتلك الإرادة والطاقة، واستطاع في أيام قليلة أن يسقط دولة الاستبداد، وها هو يتردد الآن في تمييز الثائر من المذنب؟ واستمر الجهد الرسمي لتغيير صورة ميدان التحرير البطولية التي كرستها أصداء هتافات ثورة يناير المعمَّقة بضمائر الملايين من شباب مصر في يوم تاريخي خالد. لكن الصورة تتغير، وبمعدلات متسارعة، نحو تشويه الميدان وتزييف الوعي المرتبط بالعملية النضالية الباهرة التي حدثت في فراغاته وساحاته والشوارع المؤدية اليه.

منهجية تفريغ فضاء ميدان التحرير ماديًا ومعنويًا

لم يعد خافيًا على أحد أن هناك جهدًا منظمًا لإعادة تشكيل الوعي المصري حتى يُسقط تمامًا أي قيمة

معنوية أو إنسانية أو نضالية لثورة 25 يناير. هذا الطرح يمكن أن يختبره بمزيد من الحرفية والعلمية خبراء علم الاجتماع والعلوم السياسية. وفي هذا الجزء، أقدّم دلائل على أن هذا الجهد يتناول أيضًا إعادة تشكيل الوعي العمراني والمعماري والإدراك المكاني لقلب ثورة يناير: ميدان التحرير، وذلك من خلال التغيير المادي والتفتيت المكاني للبنية العمرانية للميدان. تأملوا المشاهد التالية وهي ترصد ماذا حدث وماذا يحدث لميدان التحرير منذ الثلاث سنوات الأخيرة. وتأملوا الجهد الهادف إلى محو معنوي ومادي لجميع الفصول التي يوثقها الميدان، التي تتعلق بقيم النضال والثورة والمطالبة بأسمى قيم الإنسانية: الحرية. وتأسيسًا على ذلك، يمكن توثيق الملامح والمقومات الأساسية لعملية تفريغ التحرير في النقاط التالية:

(4((فاروق جويدة، «هوامش حرة: ثورة لم تكتمل»، الأهرام، 012/11/262، شوهد في 015/5/18:2، في

http://www.ahram.org.eg/archive/Columns/News/185320.aspx.

• إخلاء مبنى مجمّع التحرير، أحد أهم المباني التي تشكّل الجدار العمراني لفضاء ميدان التحرير،

بقرار أصدره محافظ القاهرة قبل 03 حزيران/يونيو 0162، وذلك بهدف تخفيف الضغط عن المجمع وعن الميدان ومنطقة وسط البلد، على أن يتم نقل المصالح الحكومية القائمة فيه إلى المدن الجديدة، وإعادة أفرع المصالح التابعة للوزارات إلى مقر كل وزارة. • نقل المتحف المصري إلى مبنى جديد على طريق القاهرة - الإسكندرية الصحراوية، وتحويل المقر الحالي للمتحف وسياقه المحيط إلى ثكنة عسكرية أمنية طاردة لأهل المدينة. • تهميش مسجد عمر مكرم وإنهاء دوره الاجتماعي، بعد أن كان أحد أهم أماكن التواصل للدوائر الرسمية خارج نطاق العمل، وذلك باستخدامه مقرًا لسرادقات عزاء علية القوم وأصحاب المناصب. • هدم مبنى مقر الحزب الوطني: إن قرار القضاء هذا المبنى يمكن تفسيره بأنه امتداد واضح لسياسة تفريغ ميدان التحرير وسياقه، حيث إن المبنى يمثّل فصلً من تاريخ مصر النضالي والثوري يجب محوه، تبعًا لأطروحة النظام الحاكم، لأن المبنى فصل ثوري، والثورة ضد مبادئ الاستقرار الزائف الذي سوّقوا له بامتياز ولعقود طويلة. ولا يدرك هذا الفريق، بأطماعه السياسية المحدودة، أن الذاكرة

الجمعية للشعوب تجسدها المباني العامة حتى لو شيدت في حقب تغيرت أو تبدلت، أو حتى لو ثار الناس عليها، وأن السعادة بالهدم هي سعادة الهزيمة وتزييف التاريخ. • هدم مبنى العلوم في الجامعة الأمريكية في القاهرة وإزالة حائط الثوار، وذلك بقرار من الجامعة نفسها بعد أن انتقلت فعلً إلى القاهرة الجديدة، لتحويل مكان المبنى في ميدان التحرير إلى حديقة خضراء، في إطار الخطة العامة للدولة لتجميل الميدان (تصريح الجامعة المنشور يوم 02 أيلول/سبتمبر 015.)2 أما الحائط الذي وثّق عليه فنانو الثورة وجوه شهداء ثورة 25 يناير، فقد اتسمت تبريرات هدمه بالسطحية والسذاجة، بدليل تصريح إدارة الجامعة بأن إزالته استوجبته ضرورة تسهيل إدخال المعدات اللازمة لإتمام عملية هدم مبنى العلوم.

اغتيال تصورات ورؤى مستقبل التحرير

كانت فكرة إعادة صوغ فضاء الميدان قد بلورها قرار رئيس الوزراء الأسبق هشام قنديل، بطرح مسابقة عالمية لتصوِّر معماري من أجل تطوير ميدان التحرير والمنطقة المحيطة به، على أن يصاحب عملية

التطوير تصويت شعبي في كل مرحلة، بما يضمن مشاركة مجتمعية حقيقية. وبانتظار نتيجة المسابقة، ستقوم الحكومة بتطوير مبدئي لساحة ميدان التحرير لتهيئتها كي تستوعب الحوارات والنقاشات والتظاهرات السلمية. وبشأن إحياء ذكرى ثورة 25 يناير، قال قنديل إنه سيُتَّفق مبدئيًا على تخصيص أماكن

داخل الميدان لرسوم الغرافيتي، وتوفير شاشة كبيرة لعرض لقطات من حوادث الثورة وبعض أغاني الثورة، ونصب تذكاري للشهداء، وسيُستكمَل باقي الأفكار من خلال النقاشات مع القوى السياسية

والثورية، وتلقّي المقترحات على قنوات التواصل الاجتماعي (تصريح مجلس الوزراء الرسمي في 01 تشرين الأول/أكتوبر 012.)2 انتهت هذه المبادرات كلها مع تحول ثورة 25 يناير إلى نكسة 25 يناير؛

إذ لم يعد للتحرير قيمة، وحتى أساتذة العمارة والعمران وجهاز التنسيق الحضاري ونقابة المهندسين (شعبة العمارة) وجمعية المعماريين، هؤلاء كلهم نسوا التحرير أو تناسوه، وسكتوا، على نحو مخجل، عن جميع الأطروحات الخاصة بمستقبل الميدان كفضاء عام للشعب وأرض لتمجيد شهداء يناير.

مشهد جمعة الأرض

سيناريو التعامل مع أي محاولة للاحتجاج الشعبي، تبلور هو نفسه بوضوح بعد إشكالية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة السعودية؛ إذ اتّبع النظام أولًاستراتيجية المنع الكامل لوصول المتظاهرين، مهما يكن عددهم، إلى مداخل الميدان البعيدة. وكان الإجراء الأمني الأكثر انضباطًا وحسمًا هو منع الوصول إلى ميدان التحرير، والإغلاق الكامل لمحطة مترو السادات المؤدية إلى الميدان. وخلافًا لمشهد اندفاع الثوار في 25 كانون الثاني/يناير 0112، فإن فاعليات التظاهرات

التي أطلق عليها جمعة الغضب تقدِّم فهمًا إضافيًا لاستراتيجية النظام والمجلس العسكري، ليس فقط

في تشويه التحرير، بل في إخراجه كليًا أيضًا من منظومة الفراغات العامة وفضاءات التعبير الجماعي

في مدينة القاهرة. بعد تظاهرات جمعة الأرض أمام نقابة الصحافيين، اعتراضًا على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، نشرت جريدة المصري اليوممقالات، مدافعة عن نظام الحكم العسكري في مصر، ومحذّرة، من إسقاطه والتخلص منه، بل وموجهة الاتهام إلى الشباب الذين خرجوا للتظاهر ضده قبل أسبوع واصفة إياهم بال «قلة المخرِّبة». إن الكراهية المحمومة للحركات الإسلامية أفقدت الليبراليين

والعلمانيين واليساريين الذين انتفضوا وتمرّدوا على حكم الإسلاميين، بوصلة التوجه الصادق نحو

خيارات العدل والحرية والكرامة، ودفعتهم إلى الارتماء في أحضان العسكر الذين ركلوهم بعدها، وتركوهم تبعًا لتعبيرات الأكاديمي خليل عناني.

أطروحات وتأملات ختامية

الثورات لا تتم في العدم، بل تتفجر بسبب مزيج من العوامل الداخلية والخارجية التي يتفاوت تأثيرها تبعًا لكل سياق. لكن الثورات جميعًا تتفق على أنها تنمو وتزدهر من خلال علاقتها الوثيقة بالمكان. إن الثورات تثبت دائمًا أن العلاقة بين السياسة والمكان علاقة حتمية، أيًا يكن هذا المكان، أهو حارة صغيرة أم مسجد أم كنيسة أم شارع أم فراغ عام. إن قضية الفراغ العام في مصر قضية ثرية واعدة بالنسبة إلى الناقد المعماري والعمراني، لحيويتها

((4(كان آلاف الأشخاص قد تجمعوا في محيط نقابة الصحافيين وسط القاهرة يوم الجمعة 15 نيسان/أبريل في ما سمّي جمعة

الأرض، وطالبوا باسترداد ثورة يناير ورحيل السيسي والإفراج عن المعتقلين. ونفذّت أجهزة الأمن المصرية حملة اعتقالات في محيط النقابة. كما فرّقت قوات الأمن تظاهرة خرجت من مسجد الاستقامة في الجيزة، وواجهت عشرات المتظاهرين المحتجين في

ميدان مصطفى محمود في الجيزة، ومنعت الوصول إلى ميدان التحرير. ((4(مقابلة وحوار أجريته مع الأكاديمي خليل العناني تمت في الدوحة، بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 016.2

وأهميتها وعمق تأثيرها في حاضر المجتمع ومستقبله، وفي نمو مفاهيمه وازدهار أساليب حياته وتقنيات معيشته. والطرح المتضمن سابقًا بلور حقيقة أن الدراسة التحليلية للفراغ العام في مصر توضح تقلص دوره الذي اعتاد أن يقوم به تاريخيًا في سياق المجتمع. ومن ثم، يمكن رصد انعكاس

سلبيات تقلّص ذلك الدور على الحياة الاجتماعية، والعلاقة بين قطاعات الشعب وروح الانتماء والارتباط بالمكان، وإجهاض حرية الشعب في التعبير عن عاداته وتقاليده وشعائره وطقوسه وآرائه في جوانب مختلفة من الحياة. وتبيّن من التحليل الموثَّق في الدراسة أيضًا أن الأنظمة الحاكمة

هدفت، وما زالت تهدف، إلى إبعاد الشعب عن ميدان التحرير حتى ينسى تمامًا اللحظة الثورية، أو

إمكانية أن يتعلم منها، أو احتمالية أن يستدعيها. لذلك، كان من الضروري، كما أوضحت الدراسات التحليلية، إلقاء الضوء على جهود تشوية الميدان ثم غلقه، ثم بدء سياسة تفريغه من جميع مقوماته وفصول حكاية نضاله، خصوصًا تلك المرتبطة بنضال الشعب المصري بصفة عامة، أو في أثناء ثورة 25 يناير بصورة خاصة. نجح المجلس العسكري في ما بعد 03 يونيو في سياسة الفصل والتشرذم المقصودة والمتعمدة وغير المسبوق بهذه الحدة في النسيج الاجتماعي والثقافي للشعب المصري؛ فهذه السياسة أنتجت تناقضات بيّنة حتى في علاقة الشعب وإدراكه للقيمة المكانية والثورية لفضاء ميدان التحرير، إيقونة

ثورة 25 يناير. وتعرض وعي المواطنين المصريين وإدراكهم قيمة ميدان التحرير ودوره لأعلى درجات المناورة التي لم تجعل الناس يقبلون الفهم المشوَّه فحسب، بل جعلتهم يتولون بأنفسهم أيضًا الدفاع

عن الادعاءات التي سيقت ضده مهما كان خصوبة خيال من يروّج لها. إن تحليل تعددية المشاهد ودينامية التحولات في ميدان التحرير يدفعنا إلى التنبيه إلى أهمية أن تدرك القوى الثورية والنخب المثقفة والكتّاب أن ميدان التحرير، وميدان التحرير فقط، هو الفراغ الرسمي والشعبي والوطني والسلمي الذي يجب أن تُرسَل منه رسائل الثورة والرفض والتغيير، وتوصل إلى

أنهم جميعًا يسيئون إلى الثورة، بل يجهضون الثورة التي يتشدق الجميع بأنها مستمرة بينما ميدان التحرير، ميدان الثورة، خال إلا ممن أعادوا تعريف البلطجة والإجرام العام. إذا كان هناك رغبة حقيقية في استمرار الثورة وفي الضغط الدائم على نظام الحكم كي ينتبه للشعب ومطالبه، وإذا كان هناك رغبة حقيقية لإظهار إرادة الشعب في صورتها الجمعية، فلا بديل من الانتماء الكامل إلى ميدان التحرير؛ فالعودة إلى ميدان التحرير وتطهيره من المدنس واستعادة جوهره المقدس، كل ذلك يمثّل التحدي الحقيقي للجيل الحالي ولجميع الأجيال المقبلة من الثوار المصريين الوطنيين المخلصين. ناضل الشعب المصري في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 0112، واستمر في نضاله بعد ذلك أشهرًا

وسنوات، وما زال يناضل من أجل إعادة استحقاق مصر للمصريين، ومن أجل أن تصبح عاصمته القاهرة مدينته التي يفخر بها، ومن أجل أن يكون ميدان التحرير ميدان الشعب وفضائه العام؛ فهو حقق في الأيام المجيدة الثمانية عشر انتصارًا مدويًا في هذا النضال، وينبغي له ألا يتوقف مهما تكن

المتغيرات. ففضاء ميدان التحرير كان الحل، وسيظل دائمًا هو الحل، لثورة مقدسة سلمية ومستمرة.

لثورة 25 كانون الثاني/يناير.2011

المراجع

العربية

كتب

أفاق للنشر والتوزيع،.2002

والتوزيع،.1994

للترجمة،.2015

الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2005 عدلي، رشا. القاهرة: المدينة والذكريات. القاهرة: دار نهضة مصر،.2012 عمارة، محمد. علي مبارك: مؤرخ ومهندس العمران. ط.2 القاهرة: دار الشروق،.1988

دورية

شوهد في 014/8/18:2، في

رسالة جامعية

منشورة، جامعة القاهرة،.1991

نحن لا نريد ميدانًا باردًا وموحشًا ورسميًا وقمعيًا، ولا نريده مشوَّهًا بالمساحيق ولا مجمَّلً بالعناصر المستهلَكة في قاموس التجميل المحدود للفراغات، ومنها البلاط المصقول والسلالم الرخامية والأشجار البلاستيكية وأعمدة الإنارة المظلمة دائمًا. ميدان التحرير هو فراغ مثالي داخل مدينة القاهرة، يمكن أن يصنع جسرًا ورباطًا وثيقًا بين الإنسان ومدينته، بينه وبين الآخرين، وهذه هي الروح الحقيقية

References

حواس، سهير. القاهرة الخديوية: رصد وتوثيق عمارة وعمران القاهرة منطقة وسط المدينة. القاهرة:

ريمون، أندريه. القاهرة: تأريخ حاضرة. ترجمة لطيف فرج. القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر

سينجرمان، دايان وبول عمار (تحرير). القاهرة مدينة عالمية: عن السياسة والثقافة والمجال العمراني، شرق أوسط جديد في ظل العولمة. ترجمة وتقديم يعقوب عبد الرحمن. القاهرة: المركز القومي

عبد الحميد، شاكر. عصر الصورة: السلبيات والإيجابيات. عالم المعرفة؛.311 الكويت: المجلس

أيام مصرية. العدد 40 (عدد تذكاري بمناسبة ثورة 25 يناير): ميدان التحرير في ذاكرة التاريخ 2). 011(

http://www.ayammasria.com.

عبد الرءوف، علي. «النقد المعماري ودوره في تطوير العمارة المصرية المعاصرة». رسالة ماجستير غير

الأجنبية Books

Bayat, Asef. Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East. 2 nd ed. Stanford, CA: Stanford University Press, 2013. Carr, Stephen [et al.]. Public Space. Cambridge Series in Environment and Behavior. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1992. Gatje, Robert F. Great Public Squares: An Architect’s Selection. New York: W. W. Norton and Co., 2010. Gehl, Jan. Cities for People. Washington, DC: Island Press, 2010. Harvey, David. Social Justice and the City. Geographies of Justice and Social Transformation; 1. Athens: University of Georgia Press, 2009. Hénaff, Marcel and Tracy B. Strong (eds.). Public Space and Democracy. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2001. Herrera, Linda. Revolution in the Age of Social Media: The Egyptian Popular Insurrection and the Internet. London; New York: Verso, 2014. Khalil, Ashraf. Liberation Square: Inside the Egyptian Revolution and the Rebirth of a Nation. New York: St. Martin’s Press, 2012. Lefebvre, Henri. The Production of Space. Translated by Donald Nicholson - Smith. Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Blackwell, 1991. Marcus, Clare Cooper and Carolyn Francis (eds.). People Places: Design Guidelines for Urban Open Space. 2 nd ed. New York: John Wiley and Sons Inc., 1997. Parkinson, John R. Democracy and Public Space: The Physical Sites of Democratic Performance. Oxford: Oxford University Press, 2012. Ross, Carne. The Leaderless Revolution: How Ordinary People Will Take Power and Change Politics in the 21 st Century. London: Simon and Schuster, 2012. Saalman, Howard. Haussmann: Paris Transformed. Planning and Cities. New York: G. Braziller, 1971. Sakr, Tarek Mohamed Refaat. Early Twentieth - Century Islamic Architecture in Cairo. Cairo: American University in Cairo Press, 1993. AlSayyad, Nezar. Cairo: Histories of a City. Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard Universitry Press, 2011.

Periodicals

Abaza, Mona. «Revolutionary Moments in Tahrir Square.» Global Dialogue. Vol. 1, no. 4 (April 2011), pp. 3 - 5.

Juris, Jeffrey S. «Reflections on #Occupy Everywhere: Social Media, Public Space, and Emerging Logics of Aggregation.» American Ethnologist. Vol. 39, no. 2 (May 2012), pp. 259 - 279. Accessed on 22/3/2013, at: http://dx.doi.org/10.1111/j.1548- 1425.2012.01362.x. Miller, Judith. «Revolution in the Square.» City Journal. Vol. 21, no. 2 (Spring 2011). Rabbat, Nasser. «The Arab Revolution Takes Back the Public Space.» Critical Inquiry. Vol. 39, no. 1 (September 2012), pp. 198 - 208. ______. «Circling the Square: Architecture and Revolution in Cairo.» Artforum. Vol. 49, no. 4 (April 2011), pp. 182 - 191.

Documents

Sassen, Saskia. «The Global Street Comes to Wall Street.» Possible Futures Website, 22/11/2011. Accessed on 15/3/2013, at: http://www.possible - futures.org/2011/11/22/ the-global-street-comes-to-wall-street/. AlSayyad, Nezar. «A History of Tahrir Square.» Harvard University Press Blog, 1/4/2011. Accessed on 15/7/2014, at: http://harvardpress.typepad.com/hup_publicity/2011/04/a- history-of-tahrir-square.html.