العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الافتراضي والثورة

الافتراضي والثورة

The Virtual and the Revolution

نديم منصوري *

Nadim Mansouri **

الملخّص

الكتاب: الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي الكاتب: جوهر الجموسي الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: بيروت، لبنان سنة النشر: 2016 عدد الصفحات: 224

Abstract

Book Title: The Virtual and the Revolution: The Place of the Internet in the Creation of Arab Civil Society Author: Jaouhar Jamoussi Publisher: ACRPS Place of publication: Beirut, Lebanon Date of publication: 2016 Number of pages: 224

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع المدني العربي
  • الإنترنت
  • وسائل التواصل الاجتماعي
  • الافتراضي
Keywords:
  • Arab Civil Society
  • Internet
  • Social Media
  • Virtual

الكاتب: جوهر الجموسي الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: بيروت، لبنان سنة النشر 2016: عدد الصفحات: 224

تفاعل مؤخرًا في العالم العربي مصطلح «المجتمع المدني»، الذي يؤدي دورًا رياديًا في الثورات العربية منذ عام 0112، ولا يزال يحاول إثبات وجوده وتأثيره في الرأي العام العربي. إلا أن الفضل الأساسي في تحقيق هذا التأثير كان للوسائط الإلكترونية الحديثة، التي أظهرت فاعلية مفاجئة في إنجاح هذه الثورات وقدرة في تعبئة الجماهير بطرائق مختلفة. يندرج كتاب جوهر الجموسي، الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع عربي مدني، ضمن السياق الذي أشرنا إليه، ساعيًا لفهم الصراع القائم بين السلطة السياسية والسلطة المدنية في المجتمعات العربية الراهنة، وتحديدًا

الكتاب: الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي

إشكالية العلاقة بين مساحة ما هو مدني وما هو سياسي في الفترات الانتقالية. إذًا يأتي كتاب الجموسي في اللحظة المناسبة، أو في اللحظة السوسيولوجية المناسبة التي حملت كثيرًا من التساؤلات وعلامات الاستفهام والتعجب التي يحاول الكتاب الإجابة عنها. فإلى أي حد ساهمت القوى المدنية العربية في إنجاز الثورات العربية باعتماد آليات حراك اجتماعي وسياسي جديد، أساسها الافتراضي الرقمي ووسائط الاتصال؟ كيف تستمر هذه التقنيات المستحدثة في التأثير في باقي التحولات الثورية التي تتداعى حتى الآن؟ هل أوجدت تكنولوجيات الاتصال الثوري مؤسسة سياسية جديدة لم تكن قائمة قبل

هذا؟ هل نحن بصدد الانتقال من الديمقراطية السياسية إلى الديمقراطية الاجتماعية/ التشاركية؟ هل تحول الفرد الافتراضي إلى مركز قيادة سياسية ومركز إنتاج ل « الحقيقة»؟ ما هي حدود أدوار الإنترنت في نشأة المجتمع المدني العربي؟ يحتوي الكتاب على مقدمة وثلاثة فصول، وقائمة للجداول والأشكال، وأخرى للمصادر والمراجع والأعلام. يلفت الكاتب في المقدمة إلى نقاط منهجية عدة، هي: - ترتكز الدراسة بشكل أساسي على النموذج التونسي دون سواه من الدول العربية. - الاعتماد في الدراسة على «المعطى الجمعياتي والمجتمع المدني، وتحليله انطلاقًا من العام 0032، ثم عام 0102، موعد انطلاق الحراك الثوري العربي.» - تمحور الإشكالية حول «مسألة مركزية ترى أن السياسة في أثناء الثورات العربية وبعدها، أصبحت مشاعة للجميع، ومن فعل الجميع، من خلال القوى المدنية التي تستعمل وسائط الاتصال، في تحركاتها الميدانية داخليًا وخارجيًا، وفي فعل الانتفاض على السائد، والثورة على الأنظمة القائمة». - تعمد الدراسة على توضيح الإطار النظري والمفاهيمي المرتبط بها، ولا سيما في تفسير كل ما يتصل بمجتمع المعلومات والجماعات الافتراضية والمجتمع الرقمي والسيبراني والثورة، وغيرها. وفي شرح الممارسات الافتراضية التي أحدثت تحولات كبرى في ثلاث مساحات هي: أولً، البُعد الاجتماعي للممارسة، أي التغيرات الاجتماعية التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية؛ ثانيًا، التغيرات الفردية، أي الفرد والمجتمع في الواقع الافتراضي، بمعنى «الفردانية السيبرانية»؛ ثالثًا، الصورة المستقبلية للمجتمع الافتراضي. من خلال هذه المقدمة المطولة (ص 9 - 43)، نوافق الكاتب على أهمية وفاعلية الوسائط الإلكترونية الحديثة التي أحدثت التأثيرات الواقعية في الساحة السياسية والمجتمعية والاقتصادية، وغيرها، إلا أننا نتساءل عن سبب حصر الدراسة ضمن المشهد التونسي من دون ولوج ميادين افتراضية مهمة وذات دلالات معبّرة بشأن مقاصد الكاتب في مؤلَّفه، خصوصًا في النموذجين المصري والسوري.

يحمل الفصل الأولعنوان «التطبيقات في مجال الثورات العربية ورهان الافتراضي»، ويتضمن أربعة عناصر: أولها، «الافتراضي/ مثال الثورة التونسية». يوافق الجموسي، كغيره من الخبراء والمحللين والسوسيولوجين والسياسيين، على أن الثورة التونسية ما كانت لتتحقق لولا الدور المهم الذي قام به الإعلام البديل، مبرزًا دور المدونات التي شكلت «وسيلة الشعوب في التعبير»، من خلال التمرد والاحتجاج على أنظمة الحكم السائدة، «لينجزوا ثورات بقيت تراوح بين الافتراضي والمجتمع المدني، بين الواقع والخيال، ويفرزوا ساحة جديدة من الديمقراطية تؤسس لساعة الديمقراطية التشاركية والجماهرية الحق» (ص 9 3)، حيث ساهمت الوسائط الإلكترونية - كما يعرض الكاتب - في هدم الاحتكار الإعلامي الرسمي، وفي إبراز تحوّل ثقافي في المجتمع التونسي، وفي إنشاء قوة فاعلة في مجال الافتراضي الرقمي، وفي انخراط

الشباب في الفعل السياسي الهادف إلى التغيير. في العنصر الثاني («الجمعيات المدنية وسياقات التحولات الاتصالية والحراك الاجتماعي»)، يُبرز الجموسي في هذا السياق دور الجمعيات المدنية في الممارسة السياسية، وهو الدور الذي أدى إلى انكماش دور الأحزاب السياسية التقليدية لحساب فاعلين سياسيين جدد، يعتمدون وسائط الاتصال الحديثة في تحركاتهم وفي تحقيق أهدافهم. ويرى أن المجتمع المدني دخل طرفًا فاعلً في الحياة العامة وفي النضال الأممي والوطني للمساهمة في عملية التنمية بأبعادها المختلفة؛ «فالثورة التي فجّرتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال، أدخلتنا في ما يسمّى الحياة الجمعياتية الجديدة، وأسست بالتالي نسيجًا جمعياتيًا فاعلً» (ص. 49). كما أنها ساهمت في تأمين التواصل بين الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني في أي مكان في العالم، من دون اعتبار لمكانها الجغرافي، ومن دون الحاجة إلى المقار الرسمية التي تستلزم إمكانات مادية، ومن دون حاجة إلى الطرائق التقليدية في التواصل التي تفتقد المباشراتية والتفاعلية، ليخلص إلى أن هذا الواقع الجديد سيؤدي إلى تعقيد العلاقة بين مساحة ما هو مدني ومساحة ما هو سياسي في الفترات الانتقالية، حيث يعاد اليوم توزيع علاقات القوة بين المجتمع والدولة، وبين الفرد والدولة، بتأثير من الوسائط الافتراضية ومصادرها المفتوحة. يلفت الجموسي في العنصر الثالث («ضعف الأحزاب السياسية أمام تنامي نفوذ القوى المدنية») الانتباه إلى تراجع دور الأحزاب السياسية التي فقدت صدقيتها، وباتت عاجزة عن ضبط صيرورة التغيير السياسي والاجتماعي داخل مجتمعاتها، في مقابل نجاح القوى المدنية والجماعات الافتراضية في توظيف الوسائط الرقمية في التفاعل الإيجابي مع سياقات الحراك العربي المختلفة. من جهة أخرى، يعرض الكاتب بروز المجتمع المدني في مقاربات جديدة تتعلق بمجال الدبلوماسية العصرية، وتعتمد على نشاط الجمعيات والشبكات الجمعياتية الوطنية والإقليمية والعالمية، بما ساهم في تطوير العمل السياسي بنشأة وتطور دبلوماسية موازية تساند عمل الدبلوماسية الحكومية التقليدية. كان المفيد في هذا المضمار أن يتناول الكاتب مفهوم «الدبلوماسية الرقمية»الذي يتمثّل في تحقيق الاتساق والاندماج بين الدبلوماسية والتنمية، من خلال الاستفادة القصوى من خدمات الإنترنت، والتواصل بين الدبلوماسيين من جهة والناشطين على شبكة الإنترنت من جهة أخرى. أما في العنصر الرابع («استقلالية المجتمع المدني أمام التشبيك الجمعياتي الكوني»)، فيُبرز الجموسي عدم استقلالية الجمعيات عن العمل السياسي أو الخلفيات السياسية، وهي التي كانت تقوم بالدور المقنع للأحزاب السياسية الكبرى، ثم باتت تندمج ضمن منظومة أممية في إطار فضاء عالمي واسع، تنهض بمهمات متعددة منحتها مشروعية متجددة أسست بمقتضاها تحالفًا كونيًا جديدًا. وتحول هذا التحالف إلى علاقة قوة أو علاقة سلطة أو علاقة تفاوض، وهو يرتكز على ثلاثة محاور رئيسة: المشروع والعلاقة والعقد. ويعرض الجموسي أبرز المبادرات الناتجة من هذا التحالف الكوني في المجتمع التونسي منها: «المجلس الوطني للجمعيات» الذي سعى لترشيح قوائم مستقلة للانتخابات التشريعية في

تونس في عام 014.2 وتجمع عدد من الجمعيات لمراقبة سير الانتخابات التشريعية والرئاسية.

يحتوي الفصل الثاني، وهو بعنوان «تطور الافتراضي الرقمي والفرضيات الممكنة لثقافة المطلبية والاحتجاج»، على أربعة عناصر أيضًا، فيعالج الكاتب في العنصر الأول«آليات الاحتجاج المستقبلية والفعل الافتراضي للمجتمع المدني»، ويعتبر أن المجتمع المدني يحتاج إلى آليتين أساسيتين ليتطور في المستقبل، هما: مواصلة العمل وطنيًا وإقليميًا ودوليًا لتأمين ديمومة حضور القضايا المهمة، ومتابعة مقررات القمة العالمية عن مجتمع المعلومات. وقد سمحت الأخيرة للجمعيات بالمشاركة أول مرة في قمة أممية طرفًا رسميًا يضاهي دور الحكومات والمنظمات الدولية، الأمر الذي سمح له باستنتاج أن المجتمع المدني سيكون أكثر حضورًا وفاعلية في المستقبل، من دون أن يستبعد ازدياد فرص هيمنة الدول الكبرى عليه وأن يتوجس خيفة من هذا الازدياد، ولا سيما في المجتمعات العربية. في العنصر الثاني («الفضاءات الافتراضية الجديدة للقوى المدنية»)، يتناول الجموسي قدرة الشباب في استخدام الوسائط الإلكترونية الحديثة وتحويلها إلى منصات تشن من خلالها حروب إلكترونية أدت إلى إسقاط أنظمة حاكمة خلال الثورات العربية، وإلى الكشف عن ثغرات السلطة الحاكمة الجديدة. ويقدم أمثلة عديدة، منها: مجموعة «أنونيموس» Anonymous)، أي المجهولين) التي أطلقت «عملية تونس» الهادفة إلى لفت الإعلام العالمي إلى ما يحدث داخل تونس. وتضمنت العملية مهاجمة مواقع حكومية تونسية، نشر الصور ومقاطع الفيديو المسربة من داخل تونس... أو «مجموعة SBZ NEWS » التي اعتُبرت أقوى مصدر للأخبار في تونس، مستخدمة «البروكسيات المشفرة » Proxis) (، «والشبكة الافتراضية الخاصة» VPN)) لتصل بالإنترنت مهما أُغلقت المنافذ المؤدية إليها. ويعرض الإحصاءات والأرقام المتعلقة بنشاط القادة الإلكترونيين في بث شعاراتهم وأفكارهم وإعادة نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما موقع «تويتر» الذي أدى دورًا فاعلً في الثورة التونسية. أما في العنصر الثالث («تساؤلات الراهن والآتي في حراك المجتمع المدني»)، فيطرح المؤلف تساؤلات محقة حول الجمعيات والمنظمات الافتراضية، ويسأل عن قانونية هذه الجمعيات التي نشأ بعضها افتراضيًا من دون وجود حقيقي لها، وعن أدوارها المبهمة وحجم تأثيرها في الصعُد كلها، في ظل احتمال عدم استقلالية بعضها. ويسأل أيضًا عن دور النخب السياسية والثقافية والمجتمع المدني في حفظ أمانة المنجز الإعلامي الرقمي للثورة. هذه التساؤلات كلها وغيرها تقوده إلى التماس واقع فشل الحالة التونسية في تحقيق أهداف الثورة والديمقراطية ومقاومة الفساد والطغيان، وامتداد حالة الفشل هذه إلى المجتمعات العربية التي لم تستطع أن تحقق حتى الآن التحول الديمقراطي المنشود. من هنا حاول الجموسي في العنصر الرابع («حجم التحولات الاتصالية الرقمية ذات البُعد السياسي عبر صيرورة الثورات العربية») فهم ثورة المعلومات وتوظيفها في تسيير الزمن الانتقالي على المستوى الميداني، وذلك من خلال الاعتماد على استبيانٍ لعيّنةٍ قصدية متكونة من مئة فرد من المدونين والناشطين في

الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والباحثين والإعلاميين، وعلى مقابلات أجريت مع ثماني شخصيات، من ناشطين إلكترونيين وباحثين وإعلاميين... للتثبت من الفرضيات التي انطلق منها في مقدمة الكتاب. وبغضّ النظر عن التمثيل الحقيقي لهذه العيّنة التي يوضح الكاتب نفسه عدم تمثيلها العلمي للواقع العربي، فإنه استطاع بشكل عام أن يؤكد فرضيته الأساسية، وهي أن قوة اقتحام الجمعيات لما هو مجتمعي وسياسي أدت إلى ضرب جديد من العمل السياسي، ينزع نحو خلق منظومة سياسية جديدة، قوامها المجتمع المدني الذي يوظف تكنولوجيا المعلومات والاتصال بلا حدود (ص. 128)

في الفصل الثالث والأخير (المستحدث الافتراضي والسياسة)، يقدم الجموسي نظرته من خلال أربعة عناصر كذلك. في العنصر الأول («مكانة الافتراضي في تحولات المجتمع السياسي»)، يعرض التقاطع الحاصل بين السياسي والرقمي، مستنتجًا أن ممارسة الحياة السياسية تتأثر اليوم إلى حد كبير بتطور تكنولوجيات المعلومات والاتصال، مقدمًا أمثلة لذلك من خلال الانتخابات الأميركية التي أوصلت أوباما إلى البيت الأبيض، وفاعلية الصورة في الفعل السياسي، ولا سيما خلال الثورات العربية. في العنصر الثاني («تقنيات الاتصال وتطور الفعل السياسي»)، يستهل الكاتب شرح التغيرات الراهنة التي طرأت على الممارسة السياسية وعلى طرائق المحافظة على موقعها في السلطة، في زمن انتشار الافتراضي الذي أثّر في مقولات «كاريزما القائد» أو «قائد الجماهير» أو «المجاهد الأكبر»... ليستبدل القائد بمجرد أيقونة تصنعها التقانة وتتلاعب بوعي الناس وبلاوعيهم. وبات نشاط الحزب السياسي يرتكز على قدرته على تسويق خطابه السياسي تقانيًا. ولتأكيد هذه الفكرة، يقدم المؤلف تسعة شواهد مدعومة بالأرقام الإحصائية الدالة والمعبِّرة عن تفوّق التقانة وحضورها الكبير في الفعل السياسي. يكفي أن نذكر أحدها، وهو أن شبكة الإنترنت تضم 1.6 مليون موقع «وِب» ومدونة، تحتوي على مضامين سياسية، وقرابة 3.4 ملايين موقع توفر فضاءات افتراضية للنقاشات وتبادل المواقف السياسية (ص. 46)1 أما في العنصر الثالث («عوامل تجديد الفعل السياسي»)، فيحدد المؤلف هذه العوامل في ثلاثة أبعاد، هي: البُعد الجغرافي والبُعد الزمني والبُعد الميداني. هذه الابعاد الثلاثة منوعة ومختلفة، لكنها - في الآن ذاته - متداخلة ومترابطة ومتكاملة، بما تتضمنه من معطيات ومؤشرات فعلية ورمزية، تُبرز - بحسب تعبيره - «عولمة السياسة بفعل الافتراضي الرقمي» الذي تصاعد في العالم، وفي العالم العربي، خصوصًا في ما بعد الثورات العربية. إلا أن هذا التصاعد الذي نقل «تكنولوجيا السلطة» إلى: سلطة التكنولوجيا ينبئ بمخاطر كبرى، ولا سيما على صعيد تنامي خطر الإرهاب السيبراني الذي يشتمل على «حرب عصابات على الإنترنت» أو على «حرب رقمية» تهدد أمن المجتمع الافتراضي، وبالتالي تهدد استقرار المجتمع الواقعي. في العنصر الرابع والأخير («الرقمي والضوابط السياسية»)، يؤكد الجموسي تراجع الضوابط السياسية التي تحررت من الروابط النمطية والعلاقات السياسية التقليدية، لمصلحة عالم مفتوح يتجاوز القيود والمحددات كلها، ويحّول

الناس العاديين إلى مصادر فاعلة ومؤثرة في إنتاج الحقائق السياسية والإعلامية. ويعرض الكاتب مجموعة من المقومات التي جعلت من الوسيط الإلكتروني فاعلً سياسيًا، هي: التشاركية والانقطاع (أي الانقطاع عن الواقع لمصلحة الافتراضي) وتجاوز الزمان والمكان والهوية الخفية والتفكك (تفكيك العلاقات الفيزيائية بين الأفراد) والتمرد والفردية.

في خاتمة الكتاب، يوجز المؤلف ما توصل إليه في دراسته من خلال النتائج الآتية: - اتضح من خلال الدراسة أن ما هو سائد على الساحة السياسية يكرس دائمًا فكرة الصراع بين السياسي والمدني، ويتخذ أشكالً جديدة من الصراع المعتمد على المجال الافتراضي الرقمي. - أصبحت السياسة مشاعة للجميع، ومن فعل الجميع، وهو ما أدى إلى تشكّل منظومة سياسية جديدة قوامها المجتمع المدني، الفاعل في المجال الافتراضي. - ما كان للثورات العربية أن تحقِّق الدور الذي أنجزته من دون فاعلية الإعلام الجديد الذي شكّل رافعة جديدة للمجتمع، وشكّل ما يسميه «النضالَ المدني» أو «النضالَ المدني الإلكتروني». - تحوّل المجتمع المدني العربي إلى شريك أساسي في صناعة سياسات التنمية الدولية، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في إطار ما بات يُعرف بالمشاركة في إدارة شؤون العالم

- لم يستطع الافتراضي في العالم العربي أن يتحول إلى سلطة في تشكيل الرأي العام ومجموعات الضغط (اللوبيات)، كما هي الحال في البلدان المتقدمة، إنما اقتصر دوره على المجال الاحتجاجي، ليؤسس ثقافة المطلبية والاحتجاج، وذلك بحسب اتجاهاته واختياراته، وبحسب أغراضه السياسية والاجتماعية وربما الإرهابية. كما أنه لم يستطع أن يجد مكانًا في سطور الدستور التونسي الجديد، على الرغم من دوره المحوري في إنجاز ثورتها!

أخيرًا، يمكننا أن نلفت إلى بعض الملاحظات: - يسجَّل للكاتب طرحه موضوعًا مهمًّا وسجاليًا، خصوصًا أن موضوع المجتمع الافتراضي وانعكاساته بات من أبرز الموضوعات التي تحتاج إلى من يفسرها ويدرسها، ولا سيما من منظار سوسيولوجي. - ساهم الافتراضي بشكل كبير في الانتفاضات العربية لكسر حاجز الخوف من السلطة، لكنه لم يؤدِ إلى التحول الديمقراطي، بل إلى بلوغ «موجة ثالثة مضادة»، بحسب تعبير صامويل هنتنغتون، الذي اعتبر في كتابه صدام الحضارات «أن الثقافة الإسلامية تفسر إلى حد بعيد فشل بزوغ الديمقراطية في أماكن كثيرة من العالم الاسلامي». وكان من المفيد لو أن الكاتب قادنا إلى قراءة في المشهد التونسي بعد وصول حركة النهضة إلى الحكم التي أوصلت البلاد إلى وضع اقتصادي أسوأ مما كان عليه في زمن النظام الدكتاتوري، وكيف تعامل المجتمع المدني النابت مع فشل التحول الديمقراطي. - عندما تحدث الكاتب عن «التحالف الكوني الجديد»، لم يلتفت بشكل بارز إلى مخاطر هذا التحالف الذي قد يحوي في طياته أشكالً

جديدة من الاستعمار بعد أن خضع العرب لحكام أجانب مدة تزيد على ألف سنة. ومما يعزز هذه المخاطر الجمعيات المؤسسات العالمية التي تحرص على تدريب الشباب في العالم على آليات التحول الديمقراطي من خلال الوسائط الإلكترونية، نذكر أبرزها «معهد أينشتاين» لمؤسسه جين شاربSharp). G (الذي قام بإعداد مجموعة القادة في أساليب التأثير غير العنيف أو تكتيكات اللاعنف action) violent - non (، إضافة إلى «المعهد الجمهوري الدولي» IRI) (و « الصندوق القومي للديمقراطية» (NED (و«المعهد الديمقراطي الوطني» NDI) (و « فريدوم هاوس » Freedom (House) و « مبادرة الشراكة الشرق الأوسطية» MEPI) (و « إدارة الأعمال للعمل الديبلوماسي »

- لم يذكر المؤلف في كتابه تنبّه العدو الإسرائيلي للمجال السيبراني من خلال ما بات يُطلق عليه في إسرائيل منذ عام 0122 «اتجاه الرؤية الجديدة لفحص الواقع». ويرى هؤلاء أن المجال السيبراني بات يشكل عالمًا سياسيًا جديدًا يتعين على الاستخبارات ومراكز البحوث الإسرائيلية التنبه إليه، وبالتالي كان من المفيد فهم الافتراضي من خلال ما تشاهده عين العدو.

الهوامش