العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي مناقشة كتاب

مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي مناقشة كتاب

The Role of the Internet in Light of the Emergence of an Arab Civil Society: Discussion of the Book «The Virtual and the Revolution»

شوكت اشتي *

Shawkat Chtay **

الملخّص

الكتاب: الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي الكاتب: جوهر الجموسي الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: بيروت، لبنان سنة النشر: 2016 عدد الصفحات: 224

Abstract

Book Title: The Virtual and the Revolution: The Place of the Internet in the Creation of Arab Civil Society Author: Jaouhar Jamoussi Publisher: ACRPS Place of publication: Beirut, Lebanon Date of publication: 2016 Number of pages: 224

الكلمات المفتاحية:
  • الافتراضي
  • المجتمع المدني العربي
  • وسائل التواصل الاجتماعي
Keywords:
  • Arab Civil Society
  • Internet
  • Social Media
  • Virtual

مناقشة كتاب «الافتراضي والثورة»

الكاتب: جوهر الجموسي الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: بيروت، لبنان سنة النشر 2016: عدد الصفحات: 224

إذا كان هناك تسليم بأهمية الإنترنت وضرورتها في الحياة اليومية، فالخلاف في شأن تداعياتها يزداد حضورًا وعمقًا، الأمر يجعل متابعة الإنترنت في المجال الذي تطرق إليه جوهر الجموسي في كتابه الافتراضي والثورة على قدر كبير من الأهمية، ويحتاج إلى كثير من الجهد والجرأة العلمية. يوزّع المؤلف موضوعه على مقدمة نظرية –

الكتاب: الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي

منهجية، وثلاثة فصول، إضافة إلى خاتمة عامة تضع القارئ في ما يمكن أن نعتبره أهم النتائج التي توصل إليها. من هنا يبدو الكتاب غنيًا في المادة التي يقدمها، ومتمكّنًا من القضايا التي يعالجها، بدءًا من الإطار المنهجي الذي يعتمده، مرورًا بالمعطيات التي يتضمنها لجهة وسائط التواصل الاجتماعي وآثارها والآفاق التي تطلقها والتحديات التي

تواجهها، إلى متابعة المجتمع المدني وتشبيكاته ودوره وما يثار في شأنه، وصولً إلى ولوجه بعض التفصيلات عن «الثورة التونسية» إلى التساؤلات التي يطرحها الفعل السياسي والتحديات التي تواجهه إلى «الافتراضي» وإعادة توزيع القوة والتمكين وضرب أشكال الفعل السياسي التقليدية، الأمر الذي يجعل الكتاب إضافة مهمة إلى المكتبة العربية. لذلك، تحتاج قراءة الكتاب إلى كثير من التركيز، لربط القضايا المطروحة وتفنيدها. وبناء عليه، تنطلق قراءتي هذه من الإقرار بأهمية ما قدّمه المؤلف، وتهدف إلى إثارة النقاش في شأن بعض المسائل المطروحة، في محاولة لفتح آفاق مستقبلية.

الثورة بين النظري والإجرائي

في توصيف الحراك الشعبي العربي، يتحرر الكتاب، في رأيي، من الأحكام النمطية التي تُعيد أي حركة احتجاج ضد هذا النظام العربي أو ذاك إلى عوامل خارجية. لذلك تفلّت النص من فكرة «المؤامرة» والاستعمار كمدخل للتحليل والفهم. إن حركة الاحتجاج الشعبي التي عصفت في كثير من الأقطار العربية ناتجة أولً من طبيعة الأنظمة الاستبدادية التي استباحت كرامات الناس، وانتهكت حقوقهم، وأطبقت على نفوسهم وقيدت حركتهم... وهدرت إمكانات البلد وصادرتها، إلى درجة أن الوطن غدا أقرب إلى أن يكون ملْكية خاصة للرئيس وعائلته وحاشيته... استنادًا إلى هذا التوصيف، نجح المؤلف في إبراز دور «الإعلام البديل» في متابعة حوادث «الثورة» من خلال ما قدّمه عن التجربة التونسية من معطيات. وبناء عليه، حدد النص أن «الثورات العربية مصطلح إجرائي، نقصد به جملة الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية ذات الأهداف المطلبية، التي اندلعت مع حادثة إحراق محمد البوعزيزي نفسه في 17 كانون الأول/ ديسمبر 0102، في مدينة سيدي بوزيد التونسية» (ص. 37) لكن السؤال الذي يمكن إثارته هنا هو: الى أي حد يتطابق هذا المفهوم الإجرائي ل «الثورات العربية» مع ما ورد في المقدمة (ص. 32) حول تحديد المفهوم «النظري» للثورة؟ وما العلاقة بين المفهومين؟ وبالتالي هل قدَّم النص بالقدر المطلوب إجابة موضوعية عن التساؤل الذي أثاره (ص. 33) حول «نصيب الثورات العربية» من «دلالات المفهوم» النظري؟ لذلك، كان من الأفضل الاكتفاء بالتعبير الإجرائي: الانتفاضات الشعبية، الحراك الشعبي، الاحتجاجات الشعبية... من دون الولوج في مفهوم الثورة.

تفاؤل مُفرط

أعتقد أن الكتاب يتسم بنظرة مفرطة في التفاؤل تجاه الافتراضي وما سيُحدثه في الواقع العربي؛ هذه النظرة المتفائلة حكمت الموقف من القضايا التي أثارها الكتاب، على الأقل لجهة «الثورة» و « المجتمع المدني» كمتغيرين أساسيين يتابعهما النص ويحاول تحديد مدى تأثرهما بالافتراضي ووسائطه من جهة، وبالتطورات أو التحولات التي أحدثها الافتراضي في هذين المتغيرين من جهة أخرى. إذا كان للتفاؤل هنا مبرره التقني الناتج من التطور التكنولوجي، فهل يمكن القول إن

الافتراضي أحدث أو سيُحدث هذه التحولات كلها في بنية المجتمع وتركيبته، في هذا البلد أو ذاك؟ القول إن الأجيال المقبلة من وسائط التواصل الاجتماعي ستتطور بشكل تصاعدي وغير مسبوق بسبب التطورات التكنولوجية، هو قول صحيح ودقيق. غير أن تداعيات هذا التطور في البنية المجتمعية العربية تحتاج الى المزيد من التدقيق، لا لأننا مجتمعات «لا تُنتج علمًا»، وهي خارج العلم وقضاياه فحسب، بل لأن عملية استخدام الافتراضي، على الرغم من أهمية ما أنجزه، قد تبقى في حدود الشكلي والسطحي، وبالتالي ربما لا يؤدي هذا الاستخدام بالضرورة الى إحداث نقلة نوعية في المجتمعات العربية. لكن، هل حدثت هذه النقلة أساسًا؟ صحيح ما ذهب إليه النص (مثلً ص 106 - 071 وفي صفحات أخرى) من استنتاجات لجهة ما أحدثته «الثورات العربية». لكن ربما من السابق لوقته الإقرار بالاستنتاج الأخير (ص 071) الذي يشير إلى أنه «يبقى لتكنولوجيا المعلومات والاتصال وللإعلام الإلكتروني، بكل تلويناتها، الدور الرئيس في تحقيق أهداف الثورات العربية التي رسمها أبناؤها بدمائهم وأرواحهم». لذلك، أعتقد أن التفاؤل جاء على حساب تحليل الواقع المجتمعي وعلاقاته، أو لنقُل أنه قفز فوق هذا الواقع وتعقيداته، إلى درجة أن الافتراضي بدا على مدار صفحات الكتاب وكأنه «الحل» لأزمات الواقع وقضاياه السياسية. فهل يمكن تجريد الواقع المادي إلى هذا المستوى؟ انطلاقًا من هذا التصور، يمكن أن نطرح للنقاش الفكرة التي انطلق منها الكتاب في بداية المقدمة (ص 9) المتعلقة ب «مقولة» إميل دوركهايم: «إذا تكلم ضميرنا كانت الشبكة هي التي المتكلمة فينا» (ص 01)؟ فإلى أي مدى يمكن التسليم بتجاوز فكرة دوركهايم؟ وكيف؟ الجواب في رأيي يكمن في التفاؤل المفرط الذي قدّم فيه الكتاب تداعيات الافتراضي على الواقع المجتمعي الملموس، الأمر الذي جعله يستسهل «تجاوز» مقولة دوركهايم. صحيح أن «الشبكة» أحدثت تحولات مهمة في مجالات الحياة اليومية كافة، غير أن تجاوز البنية المجتمعية بهذا القدر الذي ذهب إليه النص يتضمن بعض المغالاة؛ فالناشط عبر وسائط التواصل الاجتماعي هو ابن بيئة مجتمعية معيّنة. ويبدو أن سمات هذه البنية وخصائصها لم تزل، وستبقى، حاضرة بشكل أو بآخر عند الانتقال من الافتراضي إلى الملموس. إن الافتراضي يوفر مجالات غير محددة لإبداء الرأي، وحرية التعبير والنقد والمناقشة والمشاركة... غير أن السؤال الأساسي هنا يكاد يتلخص في الآتي: هل النجاح في الواقع الافتراضي يوفر بالقدر ذاته النجاح في الواقع الملموس؟ هل الحوار في الافتراضي هو ذاته في الواقع المعيش (التجربة اللبنانية كمثال)؟ وهل العلاقات التي يمكن نسجها في الافتراضي تتجسد في المجتمعي – الواقعي؟

المدني والسياسة

ينساق هذا التصور النظري للكتاب، مبدئيًا، على المجتمع المدني ومتابعته؛ فعلى الرغم من التفصيلات المهمة والغنية التي يقدمها في هذا المجال، فإن النص يثير نوعًا من الصراع القسري أو المفتعل وغير المبرر بين السياسة والمجتمع

المدني، وبين المجتمع المدني والأحزاب، وبين الأحزاب والسياسة. من هنا السؤال: لماذا هذه «النظرة المجردة» لمفهوم السياسة إلى درجة بدت كأنها «شيء خارجي»؛ شيء خارج المجتمع يمكن إضافته إلى المجتمع ومؤسساته. إن السياسة لم تكن، ولن تكون للحظة، «مستقلة عن تأثيرات الظواهر السوسيو – ثقافية» (ص 130 - 6.)13 كما أنه لا يمكن اختزال السياسي أو السياسة في «برامج الأحزاب» (ص 131 مثلً). لذلك، فإن السياسة غير مستقلة عن المدني بكل تلويناته، وغير مضافة إليه، لأنها أحد أهم مظاهره. من هنا كان من الأفضل الانطلاق في مقاربة مفهوم السياسة من «مقولة» موريس دوفرجيه من أن «كل شيء، أو كل شيء تقريبًا، هو سياسي جزئيًا، ولا شيء، أو لا شيء تقريبًا، هو سياسي بالكامل»، الأمر الذي يُلغي التنافر – التعارض غير المبرر الذي انطلق منه النص. ضمن هذا الفضاء المفاهيمي، يمكن القول إن ضعف الأحزاب وتراجع دورها وتقصيرها الفاضح وعجزها الواضح... كل ذلك لا يُخرجها من مكونات المجتمع المدني. لذلك، ربما يكون ما جاء (ص 57) هو الأدق في اعتبار «الشبكات الاجتماعية لها نفوذها الذي يصارع الأحزاب في معركة افتكاك المواقع والقوة والسلطة»، لأن «التكنولوجيا» سوف لن تُلغي في المدى المنظور، على ما أعتقد، الأحزاب السياسية على الرغم من كل ما يعتريها من اهتراء وتأكّل وموات سريري... لذا، فإن ما ورد في الكتاب بشأن المجتمع المدني، باعتباره من الأطراف الفاعلة في الحياة العامة والنضال الأممي والوطني وعملية التنمية بأبعادها المختلفة... (ص 49 وفي صفحات أخرى)، وحول دور الإنترنت باعتبار أنه كان مساهمًا أساسيًا في تفعيل حركية المجتمع المدني العربي وتوسيع نطاق عمله وتسهيل قنوات تواصله... يبدو توصيفًا دقيقًا وموضوعيًا. غير أن النص غالى، بطريقة ما، في تضخيم هذا الدور. والأزمة هنا أن متابعة النص للمجتمع المدني كاد ينحصر في آخر الكتاب في الأشخاص وأصحاب المدونات ونشاطاتهم عبر الإنترنت، وغابت الجمعيات بوصفها تجسيدًا للمفهوم.

الجانب الحقلي

يتضمن الكتاب جانبًا حقليًا – تطبيقيًا (ص.111..) يعرض فيه آراء ومعطيات مهمة. غير أن هذا الجانب يحتاج الى مزيد من التدقيق. لماذا؟ لأن بنود الاستبيان تبدو عامة، وهذا لا يسمح بقياس ما تريد قياسه. لذلك، لا يمكن تأكيد أن الفرضيات تحققت، وهو ما يعيدنا إلى ضرورة مناقشة الإشكالية والتساؤلات المنبثقة عنها في مقدمة الكتاب.

بمثابة خاتمة

إن هذه الملاحظات المحددة لا تُحيط بجوانب الموضوع المتعددة والمهمة التي أثارها الكتاب، غير أنها تدفع في المقابل إلى إعادة طرح تساؤل أساسي أثاره الكتاب: هل حقًا نجح الافتراضي في إعادة إنتاج القوة وعلاقاتها في المجتمع؟ أعتقد أن من الصعوبة التسليم بهذه المسألة، ومن المبكر جدًا الإقرار بها كبديهة أو كأمر معطى.