الهبة الديموغرافية في العالم العربي: نعمة أم قنبلة موقوتة؟ المغرب أنموذجًا
The Demographic Gift in the Arab World: a Blessing or a Time Bomb for Morocco?
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مسار النمو السكاني في المغرب وعلاقته بظهور ما يُصطلح عليه بالهبَة الديموغرافية، كما تهدف إلى فهم تأثيرات هذه الظاهرة الاستثنائية في بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الحركية المجالية للسكان. بالاعتماد على المقاربة التي أقرتها الأمم المتحدة، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن المغرب دخل نظريًا في مرحلة "الهَبَة الديموغرافية" في عام 2003. تشتغل الدراسة على تزامن انفتاح النافدة الديموغرافية في المغرب مع تنامي ظاهرة هجرة قوى الشباب واليد العاملة خارج البلاد. تزامنت هذه الظاهرة أيضًا مع التمدن العشوائي وارتفاع مستوى بطالة الشباب المتعلم وزعزعة منظومة القيم داخل المجتمع. وكان هذا الواقع الجديد أحد أبرز محركات الاحتجاجات الشعبية المتكررة التي شهدها المغرب في الأعوام الأخيرة.
Abstract
Abstract: This study investigates population growth in Morocco and its relationship with what is termed the demographic gift. It aims to understand the effects of this exceptional phenomenon on some economic and social indicators including the spatial mobility of the population. Adopting the approach used by the UN, the study concludes that Morocco - in theory - entered the phase of the demographic gift in 2003. The paper discusses the co-occurrence of the opening of the demographic window in Morocco and the growth of youth and labor emigration, accompanied by unplanned urbanization, increasing unemployment rates for educated youth, and a weakened societal value system. This new reality has been a main motivation for the repeated popular protests seen in Morocco over recent years.
- الهبة الديموغرافية
- الانتقال الديموغرافي
- معدل الإعالة
- النمو الاقتصادي
- الهجرة
- Demographic Gift
- Democratic Transition
- Dependency Rate
The Demographic Gift in the Arab World:
a Blessing or a Time Bomb for Morocco?
ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مسار النمو السكاني في المغرب وعلاقته بظهور ما يُصطلح عليه بالهبَة الديموغرافية، كما تهدف إلى فهم تأثيرات هذه الظاهرة الستثنائية في
بعض المؤشرات القتصادية والجتماعية، بما فيها الحركية المجالية للسكان. بالعتماد على المقاربة التي أقرتها الأمم المتحدة، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن المغرب دخل نظريًا في مرحلة
«الهبَة الديموغرافية» في عام 2003. تشتغل الدراسة على تزامن انفتاح النافدة الديموغرافية في
المغرب مع تنامي ظاهرة هجرة قوى الشباب واليد العاملة خارج البلاد. تزامنت هذه الظاهرة أيضًا مع التمدن العشوائي وارتفاع مستوى بطالة الشباب المتعلم وزعزعة منظومة القيم داخل المجتمع. وكان هذا الواقع الجديد أحد أبرز محركات الحتجاجات الشعبية المتكررة التي شهدها المغرب في الأعوام الأخيرة.
Abstract: This study investigates population growth in Morocco and its relationship with what is termed the demographic gift. It aims to understand the effects of this exceptional phenomenon on some economic and social indicators including the spatial mobility of the population. Adopting the approach used by the UN, the study concludes that Morocco - in theory - entered the phase of the demographic gift in 2003. The paper discusses the co-occurrence of the opening of the demographic window in Morocco and the growth of youth and labor emigration, accompanied by unplanned urbanization, increasing unemployment rates for educated youth, and a weakened societal value system. This new reality has been a main motivation for the repeated popular protests seen in Morocco over recent years.
Professor of Economics at Cadi Ayyad University, Marrakesh, Morocco.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
تُعتبر ظاهرة التحول الديموغرافي من أهم الظواهر التي شغلت، وما زالت تشغل، اهتمام كثير من المفكرين في العلوم الإنسانية. وعلى الرغم من أن النقاش كان محتدمًا في الأوساط البحثية، فإنه لم يؤدِّ إلى نوع من الإجماع بشأن مدى تأثير هذه الظاهرة في التنمية القتصادية والجتماعية. فللمفكر روبرت مالتوس مثلا نظرة تشاؤمية حيال النمو الديموغرافي باعتباره مسؤولً عن الزيادة في الستهلاك وعن ظهور متطلبات جديدة يصعب على الدولة تلبيتها بسبب محدودية الموارد. أما المفكر جون بودان فله نظرة تفاؤلية، حيث يعتبر أن النمو الديموغرافي يشكل المحرك الأساسي للتنمية من خلال إيجاد زيادة في القوى العاملة وما يترتب عن ذلك من فرص الإبداع والمهارات والكفاءات، وهو صاحب العبارة ﺍلمعروفة: «ل ثروة ول قوة من دون الرجال». إذا أخذنا في العتبار حالة المغرب كدولة نامية، فإننا نلاحظ أن السنوات الأخيرة تميزت بتحول ديموغرافي عميق يتمثل أساسًا في تراجع مكوّنات تجديد الساكنة، وبالتالي طي المراحل الأولى من التحول الديموغرافي في زمن قياسي مقارنة ببعض الدول الأوروبية. فنتيجة انخفاض معدلت المواليد والوفيات، شهد التركيب العمري للسكان تغيرًا جذريًا تمثل في تراجع نسبة السكان المُعالين (أقل من
15 عامًا وأكثر من 64 عامًا) وارتفاع نسبة السكان الناشطين (15 عامًا إلى 64 عامًا)، هكذا أصبح وسط الهرم السكاني أكثر اتساعًا على حساب كل من القاعدة والقمة. يشكل هذا النتقال الديموغرافي فرصة حقيقية للدفع بعجلة النمو وتحسين الأداء القتصادي، وهو ما يصطلح عليه ب «الهبة الديموغرافية». فمع تراجع معدل المواليد وارتفاع نسبة متوسطي العمر، زادت نسبة السكان في سن العمل بشكل سريع، الأمر الذي يساعد على إيجاد أوضاع مواتية للإقلاع القتصادي. فمن جهة، تُؤدي الزيادة في عرض القوة العاملة إلى رفع مقدار الإنتاج، ومن جهة أخرى يساهم تراجع نسبة الإعالة في تخفيف الضغط على الإنفاق الأسري والحكومي، وبالتالي رفع مستوى الدخار الداخلي الضروري لتراكم رأس المال. ترمي هذه الدراسة إلى تحليل الدينامية السكانية في المغرب وأثرها في ظهور » الهبة الديموغرافية» في بداية الألفية الثالثة. كما ترمي إلى فهم مدى تجاوب مختلف المؤشرات القتصادية والجتماعية مع هذه الظاهرة الستثنائية. وعلى هذا الأساس سنحاول الإجابة عن السؤال المحوري التالي: هل يمكن اعتبار ظهور «الهبة الديموغرافية» في المغرب نعمة أم نقمة؟ بغرض الجواب عن هذا السؤال، قمنا بتنظيم هذه الدراسة على النحو الآتي: يتناول المبحث الأول تعريف وفهم خصائص بُزوغ «الهبة الديموغرافية» ومراحلها. أما المبحث الثانيفيعرض لأهم الأدبيات المتعلقة بالآثار المحتملة للهبة الديموغرافية في داخل المجتمعات. ويقدم المبحث الثالثلمحة عن أهم التحولت الديموغرافية التي عرفها المغرب منذ الستقلال. وأخيرًا، اعتمادًا على المنهج الوصفي
التحليلي، يعرض المبحث الرابعأهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة.
» الهبة الديموغرافية»: عمّ نتحدث؟
ﻣﻔﻬﻮم »اﻟﻬﺒﺔ اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ«
تُعرف «الهبة الديموغرافية»، أو الفرصة الديموغرافية»، أو «العائد الديموغرافي»، على أنها مجموعة من التغيرات الإيجابية التي تنتج التحولت الديموغرافية في بلد مُعين وتصاحبها. وتعتبر الزيادة المطردة في وتيرة النمو القتصادي وتحسين المستوى المعيشي للأفراد بأبعاده المختلفة من أهم هذه التغيرات. وتحدث هذه الظاهرة بصفة استثنائية عندما يبدأ نمو الشريحة العمرية القادرة على العمل (الأفراد البالغين ما بين 15 و 65 عامًا) بالتفوق بشكل واضح على نمو فئة الأفراد المعالين، أي الأطفال وكبار السن. وطبقًا للتعريف الذي تبنته الأمم المتحدة، يُشترط لولوج «الهبة الديموغرافية» أن تقل نسبة السكان دون سن 15 عامًا عن 30 في المئة، وأل تزيد نسبة كبار السن (65 عامًا فأكثر) على 15 في المئة من إجمالي عدد السكان. يمكن أن تتخذ «الهبة الديموغرافية» شكلين رئيسين: الهبة البسيطة والهبة المضاعفة، تُعرّف الأولى على أنها الفرق بين معدل نمو السكان المعالين ومعدل نمو السكان في سن العمل. فكلما اتسع الفرق أدى ذلك نظريًا إلى ارتفاع مساهمة «الهبة الديموغرافية» في إجمالي الناتج المحلي. أما «الهبة الديموغرافية» المضاعفة فتُحتسب على أساس الفرق بين معدل نمو السكان ومعدل نمو التشغيل، وسُميت بالمضاعفة كونها تستوعب نمو السكان في سن العمل مضافًا إليه معدل خفض عدد السكان العاطلين من العمل إلى النصف. لبلوغ مرحلة «الهبة الديموغرافية»، يُشترط ظهور دينامية سكانية متواصلة تُؤدي إلى انخفاض ملموس في معدلت الإنجاب، حيث ينتقل المجتمع من مجتمع أغلبيته من الأطفال والمعالين الآخرين من كبار السن، إلى مجتمع يشكل فيه السكان الناشطون اقتصاديًا المجموعة المهيمنة. ومن شأن هذا التحول في الهيكل العمري للسكان أن يُفضي إلى انفتاح نافذة ديموغرافية ينتج منها ظهور ما يُصطلح عليه ب «الهبة الديموغرافية الأولى». فبما أن الظروف القتصادية والجتماعية تساعد على الزيادة في متوسط العمر المتوقع، أو أمل الحياة لدى شريحة واسعة من المسنين، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى تراكم الدخار ورفع إيرادات الأصول طوال دورة الحياة، وذلك بهدف تمويل الستهلاك في فترة ما بعد التقاعد (سنوات الشيخوخة). وإذا ما استطاعت الحكومة إنشاء إطار مؤسسي ملائم لتراكم الثروة، فإن القدرة الستثمارية ستتحسن بشكل ملحوظ، وهذا الوضع يُشار إليه ب «الهبة الديموغرافية الثانية».
1)) حسين أحمد سعد الشديدي، «التوظيف الأمثل لفرصة التحول الديموغرافي (الهبة الديموغرافية)»، مجلة المخطط والتنمية، العدد 30 2014))، ص.146-139 2)) عرّف الباحثان لي وماسون النافذة الديموغرافية على أنها الفترة التي تُمكن بلدًا ما من تحقيق أقصى قدر ممكن من الفوائد
الجتماعية والقتصادية اعتمادًا على التطور الإيجابي في الهيكل العمري لسكانه. يُنظر: Ronald Lee et Andrew Mason, «Les
Dividendes de l’évolution démographique,» Finances et développement , vol. 43, no. 3 (Septembre 2006), pp. 16-17.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
بحسب بلوم وآخرون، تتجلى مؤشرات «الهبة الديموغرافية» الأولى من خلال تسخير ثلاثة قنوات أساسية: سوق العمل والدخار ورأس المال البشري. فمن جهة أولى، يبدأ التحول الديموغرافي المُفضي إلى مرحلة «الهبة الديموغرافية» بانخفاض معدلت الخصوبة والوفيات، ما يساهم في رفع
عرض قوة العمل بشكل تلقائي ومباشر، أكان عن طريق الزيادة الطبيعية في مقدار العمالة أو عن طريق رفع مشاركة المرأة في سوق العمل. ومن جهة ثانية، يؤدي توسيع قاعدة الفئة العمرية الناشطة إلى خفض نسبة الإعالة والإنفاق الأسري، ما يشجع على الدخار ويضمن فرصًا لتمويل الستثمار المنتج. ومن جهة ثالثة، يُؤدي ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى تحول كبير في أنماط الأفراد وسلوكهم تجاه
أطفالهم في ما يتعلق بالتربية والتعليم وتنظيم الأسرة.
ﻣﺮاﺣﻞ ﺑُﺰوغ »اﻟﻬﺒﺔ اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ«
تعتبر «الهبة الديموغرافية» نتيجة طبيعية وحتمية للتطور السكاني للمجتمع والمتكوّن من عدد من
المراحل. ففي خلال المرحلة الأولىيصل معدل الخصوبة إلى مستويات قياسية وغير مُتحكم بها،
بينما يرتفع معدل الوفيات عند جميع الفئات العمرية، وتكون الفجوة بين هذين المعدلين محدودة للغاية، ومعدل النمو السكاني متدنيًا جدًا. وتتوافق هاتان الخاصيتان مع طبيعة المجتمعات الزراعية
ذات البناء الجتماعي القبلي أو التقليدي غير المنظم، التي تتميز، من بين أمور أخرى، بغياب التخطيط العائلي وانخفاض مستوى الدخل الأسري وضعف المستوى المعيشي للسكان وانتشار الأمراض وانعدام الخدمات الصحية الملائمة، وكذا ضعف البنية التحتية الأساسية. أما المرحلة الثانية فتتميز بنشوء نوع من التعارض أو عدم التوازن بين معدل الوفيات ومعدل المواليد. فبينما يستمر معدل المواليد في الرتفاع بشكل تدريجي، يعرف معدل الوفيات نوعًا من الستقرار، ما يترتب عنه ارتفاع معدل النمو الطبيعي للسكان أو ما يُصطلح عليه ب «النفجار الديموغرافي». وغالبًا ما
يُعزى هذا التعارض إلى التغير الإيجابي الذي يطرأ على أوضاع عيش السكان، خصوصًا تحسن الوضع
الصحي والغذائي، وكذا مستوى الخدمات الأساسية الأخرى، مثل الصرف الصحي والتعليم والكهرباء والماء الصالح للشرب. تتميز المرحلة الثالثة بانخفاض ملموس في معدلت الخصوبة والوفيات عما كانت عليه في المرحلة السابقة. ونتيجة ذلك، يبدأ النمو الديموغرافي في النخفاض بالتدريج، ما يجعل عدد السكان يميل نحو نوع من التوازن. وعادة ما تُسمى هذه المرحلة المرحلة النتقالية، نظرًا إلى التغير الذي يطرأ
على سلوك الأفراد، ول سيما في داخل المجتمعات الريفية ووعيهم بضرورة التحكم بمستويات المواليد. فإضافة إلى تحسن الوضع الجتماعي للأفراد، ول سيما المرأة والنتشار الواسع لوسائل منع الحمل وارتفاع مستوى التمدن، ساهم التطور الصناعي وتعميم استعمال الآلت الزراعية في
(3) David E. Bloom [et al.], «Realizing the Demographic Dividend: Is Africa any Different?,» Program on the Global Demography of Aging Harvard University, May 2007. (4) Ian Pool, Laura R. Wong and Éric Vilquin (eds.), Age-Structural Transitions: Challenges for Development (Paris: CICRED, Committee for International Cooperation in National Research in Demography, 2006), p. 8.
خفض معدل الإنجاب مع ما ترتب عن ذلك من تلاشٍ تدريجي للقيم التقليدية وتفكك الأسرة الممتدة. في المرحلة الرابعة والأخيرة، تبدأ بوادر «الهبة الديموغرافية» في الظهور، حيث يرتفع معدل نمو السكان الناشطين بالتدريج ليتجاوز معدل نمو الفئات المعالة المكوّنة من الأطفال (أقل من 15 عامًا) والشيوخ
(أكثر من 65 عامًا). وتتميز المجتمعات التي تدخل هذه المرحلة بالنتشار السريع لنمط الأسرة النووية
وبانفتاح «النافذة الديموغرافية»، أي الأوضاع السانحة للاستفادة من «الهبة الديموغرافية». وتجدر الإشارة إلى أن هذه النافذة ل تُفتح إل مرة واحدة على مدى عقود من الزمن لمدة معروفة ومحدودة (نحو 25 عامًا)؛ إذ سرعان ما تنغلق مع عودة ارتفاع نسبة الإعالة الناتج من النمو السريع لكبار السن
في المجتمع. تُعدّ هذه المراحل الأربع بمنزلة سيرورة تاريخية تمر بها المجتمعات البشرية على اختلاف مستوياتها القتصادية والجتماعية والحضرية، حيث أظهرت دراسات تطبيقية عدة أن معظم الدول الصناعية المتقدمة استهلكت هبتها الديموغرافية، وهي الآن في مرحلة الشيخوخة. أما الدول الصاعدة فتجاوزت المرحلة الثالثة، وهي بصدد استغلال، بدرجات مختلفة، الفرص التي تتيحها المرحلة الرابعة. وأخيرًا
ل يزال عدد من الدول النامية، ول سيما الواقعة في أفريقيا جنوب الصحراء تتموقع في المرحلة الثانية نظرًا إلى ارتفاع معدل النمو الطبيعي الناتج من انخفاض معدل الوفيات وبقاء معدل الخصوبة في
مستوى عال.
اﻟﺘﺄﺛﻴﺮات اﻟﻤﺤﺘﻤﻠﺔ ﻟﻠﻬﺒﺔ اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ
اتفق معظم الباحثين على أن «الهبة الديموغرافية» محدودة زمنيًا، وتمثل بالتالي فرصة استثنائية
للإقلاع القتصادي. فهي ل تُتاح إل مرة واحدة على مدى الزمن البعيد. وإذا ما استُشعرت بشكل مسبق والتخطيط لها بشكل عقلاني، فقد تُساهم في إيجاد الثروة وتسريع النمو القتصادي. أما إذا وقع تقصير وإهمال في فترة الستعدادات، فربما تتحول هذه النعمة إلى نقمة يصعب التخلص من سلبياتها.
دور »اﻟﻬﺒﺔ اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ« ﻓﻲ دﻋﻢ اﻟﻨﻤﻮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي
من المعروف أن النخفاض المستمر في مستوى الخصوبة في مجتمع ما، أو في بلد ما، يُساهم في
تقليص نسبة الإعالة، أي نسبة السكان البالغين أقل من 15 عامًا وأكثر من 65 عامًا لكل 100 نسمة
(عدد الأفراد غير الناشطين الذين يقوم بإعالتهم فرد واحد من الأفراد الناشطين). ومن شأن هذا التقليص أن يرفع مستوى الدخار الداخلي ومقدار العمالة الضروريين للنهوض بمستوى الستثمار، مع العلم أن هذا الأخير يشكل قاطرة النمو القتصادي، بل شرطًا من الشروط الأساسية لتحقيق التنمية. لقد أجمع كثير من الباحثين أمثال بوسيروب (1965) وسيمون (1981) وبلوم وويليامسون (1998)،
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
وماسون (2001 و 2005)، وبلوم وآخرون (2000 و 2003)، ونافانيتام (2002)، وساكس (2002)، وبريدسال وآخرون (2002) على أن «الهبة الديموغرافية» هي فرصة تاريخية لرفع مستوى النمو القتصادي الجاري أصلا وتحفيزه عندما تتباطأ وتيرته. ففي دراسة قياسية شملت دول شرق وجنوب شرق آسيا، توصل بلوم وويليامسون (1998) إلى نتيجة مفادها أن للنمو الديموغرافي تأثيرًا عابرًا، لكن
مُؤكد، في النمو القتصادي. فكلما ارتفعت نسبة السكان الناشطين بمقدار واحد في المئة، كلما ازداد
متوسط دخل الفرد في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار.1 64 في المئة، مع العلم أن هذا التأثير رهين بمدى التباين أو التفاوت بين معدل نمو السكان المعالين ومعدل نمو السكان البالغين سن العمل. أما بلوم وآخرون (2000) وماسون (2001)، فيعتبرون أن «المعجزة القتصادية» التي حققتها دول شرق آسيا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتغير الهيكل العمري للسكان الناجم عن النخفاض السريع في معدلت الخصوبة، حيث شهدت هذه المنطقة واحدة من أسرع التحولت الديموغرافية في القرن العشرين والأكثر إثارة على الإطلاق. في السياق نفسه، يرى بلوم وآخرون (2003) أن «الهبة الديموغرافية» في مجتمعات جنوب شرق آسيا أدت إلى حصول تغيرات اقتصادية واجتماعية أثرت بشكل إيجابي وملموس في مستوى النمو القتصادي. ومن أهم هذه التغيرات نذكر: تعاظم مقدار قوة العمل وكفاءتها بسبب زيادة عدد السكان الناشطين، وارتفاع مستوى الدخار لدى الأسر نتيجة انخفاض معدلت الإنجاب وعدد أفراد الأسرة، وتحسن صحة الأطفال نتيجة ارتفاع مستوى التعليم والتغذية والسكن، وتعزيز مكانة المرأة في المجتمع نتيجة زيادة فرصها في التعليم وتأخر سن الزواج وتراجع معدل الإنجاب، وارتفاع مستويات التمدن نتيجة توافد العمالة من الأرياف بحثًا عن فرص الشغل في قطاعين صاعدين: الصناعة والخدمات. من جانبه، أجرى نافانيتام (2002) دراسة قياسية لسلاسل زمنية مُمتدة بين عامي 1950 و 1992 بهدف
تقدير العلاقة بين «الهبة الديموغرافية» (زيادة نسبة السكان الناشطين وتقلص نسبة الإعالة) والنمو القتصادي في دول جنوب شرق آسيا. وجاءت النتيجة عمومًا مُتطابقة مع نتائج الدارسات السابقة،
حيث جرى تأكيد أن للهبة الديموغرافية تأثيرًا إيجابيًا في الأداء القتصادي للدول المكوّنة عينة الدراسة
باستثناء الفلبين. أما شكوري (2004)، فذهبت أبعد من ذلك حين أكدت أن «الهبة الديموغرافية» في شرق آسيا، خصوصًا في اليابان والصين وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، مسؤولة وحدها عن إيجاد نحو نصف الثروة الوطنية بين عامي 1970 و 1990، فكلما زاد نمو السكان الناشطين في هذه البلدان بمقدار واحد في المئة، ارتفع معدل نمو دخل الفرد الواحد بمقدار.1 46 في المئة. من جهتهما أكد وونغ وماسون أن الصين استفادت بشكل كامل من «الهبة الديموغرافية» في العقدين الأخيرين
(5) David E. Bloom and Jeffrey G. Williamson, «Demographic Transitions and Economic Miracles in Emerging Asia,» World Bank Economic Review , vol. 12, no. 3 (September 1998), pp. 419-455.
6)) شكوري بتول، «الترابط بين السكان والتنمية على صعيد القتصاد الكلي - فرصة الألفية للتنمية»، اللجنة القتصادية القتصادية والجتماعية والجتماعية لغربي آسيا، المنتدى العربي للسكان، بيروت، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، ص 30، شوهد في 2016/9/10، في:
http://www. escwa. un.org/popin/publications/new/SDD-2004-11.pdf.
من القرن العشرين معززة بسياسة تحديد النسل؛ إذ قدرا مساهمة هذه الظاهرة في نُمو الناتج القومي الإجمالي الصيني ب 15 في المئة سنويًا. باستعمال طريقة حسابات النمو Growth Accounting Method) (، توصل ماسون (2005) إلى نتائج مهمة عدة، أبرزها أن «الهبة الديموغرافية» ساهمت ب.0 67 نقطة مئوية في النمو القتصادي للوليات المتحدة بين عامي 1985 و 1990، في حين قُدرت هذه المساهمة في المكسيك ب.1 25 نقطة مئوية بين عامي 1995 و 2000. أما بالنسبة إلى أفريقيا، فلم تبدأ الآثار الإيجابية للهبة الديموغرافية في الظهور، بشكل متفاوت، إل في وقت متأخر (بداية الألفية الثالثة)، لكنها ستستمر عقودًا. في أي حال، يعتقد هذا الباحث أن «الهبة الديموغرافية» يمكن أن تساهم في الرفع من مستوى النمو القتصادي بنسبة تراوح ما بين نقطة ونقطتين مئويتين في بلدان شرق وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجزر المحيط الهادئ. في معرض دراسته التحديات الديموغرافية في أفريقيا جنوب الصحراء، شدد ندولو وآخرون على دور العوامل الديموغرافية في تفسير الفرق بين معدلت النمو في هذا الجزء من القارة وتلك المسجلة في بعض بلدان شرق وجنوب آسيا والمحيط الهادئ. هكذا، باستخدام بيانات السلاسل الزمنية للفترة بين عامي 1960 و 2004، قدّر هؤلء الباحثون أنموذج النحدار المتعدد لمعرفة العلاقة بين معدل النمو ومجموعة من المتغيرات جُمعت في خمس فئات: الظروف الأولية، العوامل الديموغرافية، العوامل
الجغرافية، العوامل السياسية، وأخيرًا الصدمات. وأظهرت النتائج أن ضعف معدلت النمو في أفريقيا
جنوب الصحراء يعود أساسًا إلى عاملين ديموغرافيين اثنين: ارتفاع مستوى الإعالة وانخفاض متوسط
العمر المتوقع أو أمل الحياة. تجدر الإشارة إلى أن «الهبة الديموغرافية» ل تضمن مكاسب اقتصادية بشكل تلقائي، حيث يعتبر اعتماد سياسات اقتصادية هيكلية ناجعة شرطًا ضروريًا للاستفادة من هذه الفرصة التاريخية الموقتة،
ول أدل على ذلك من حالتي بلدان شرق آسيا وبلدان أميركا اللاتينية. ففي الفترة بين عامي 1975 و 1995، عرفت هاتان المنطقتان من العالم الأوضاع الديموغرافية نفسها (انخفاض متواصل لمعدلت الخصوبة)، إل أن النتائج القتصادية كانت متباينة جدًا، حيث ارتفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في بلدان شرق آسيا بمقدار 8.6 في المئة سنويًا في مقابل 7.0 في المئة فقط بالنسبة
إلى بلدان أميركا اللاتينية. في أي حال، جاءت خلاصات هذه الدراسات وغيرها لإثبات الفرضية التي دافع عنها كثير من المنظرين الكلاسيكيين المتفائلين، ومفادها أن النتائج القتصادية تتأثر بشكل إيجابي بالهيكل العمري للسكان
(7) Wang Feng and Andrew Mason, «The Demographic Factor in China’s Transitions,» in: Loren Brandt, Thomas G. Rawski (eds.), China’s Great Economic Transformation (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2008). (8) Benno Ndulu [et al.], Challenges of African Growth: Opportunities, Constraints and Strategic Directions (Washington, DC: World Bank, 2007).
9)) تقرير البنك الدولي لعام.2008
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
من دون إغفال باقي المحددات، خصوصًا الحكم الرشيد. وكما أكدت شكوري (2004)، فإن «طبيعة العلاقة بين التغيرات الديموغرافية والنمو القتصادي هي علاقة سببية لها أثر استرجاعي، وتندرج تحت مفهوم النظم من حيث أن هناك مدخلات ومخرجات وتتغير الأدوار بين المدخلات والمخرجات مع الزمن».
ﻣﺨﺎﻃﺮ ﻋﺪم ا³ ﻋﺪاد اﻟﻤﺴﺒﻖ ﻟﻤﺮﺣﻠﺔ »اﻟﻬﺒﺔ اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ«
من المعروف أن «الهبة الديموغرافية» ل تُحدث النمو، بل فرصه. وبناء عليه، فإن استغلال مرحلة «الهبة الديموغرافية» يتطلب استعدادات قبلية مهمة وترتيبات خاصة تنخرط فيها مكوّنات المجتمع
كلها. وتتمثل هذه الترتيبات في تعزيز اللتزام السياسي لمصلحة تثمين رأس المال البشري، وذلك من خلال رفع جودة الخدمات التعليمية ورفع عرض الخدمات الصحية وجودتها، بما فيها الصحة الإنجابية. كما من شأن صوغ سياسات عمومية مواتية لإيجاد الثروة وتنفيذها التخفيف من حدة البطالة وإيجاد مناخ محفّز على الإبداع والتجديد لإنشاء مشروعات جديد وتنمية روح المقاولة. وحتى تكتمل ظروف النجاح للهبة الديموغرافية، ل بد من تحسين الآليات المؤسسية في مجال التنسيق والتحسيس وجمع المعلومات المرتبطة بموضوع «الهبة الديموغرافية»، وكذا رفع قدرات الموظفين الساهرين على البرامج المختلفة المتعلقة بإدماج البعد السكاني في التنمية على المستويين الوطني والمحلي. ل يمكن، من دون هذه الشروط وشروط أخرى، أن تساهم الزيادة المطردة في عدد السكان البالغين في تعزيز النمو وتحقيق التنمية، بل على العكس من ذلك، من المحتمل جدًا أن تنتج منها تأثيرات عكسية، ول سيما في مجتمع تنعدم فيه العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات. وتتجلى أهم هذه التأثيرات في تنامي الشعور بالإحباط واليأس لدى الفئات المحرومة من الخدمات الأساسية وفرص الإدماج المهني. ومن شأن هذا الشعور أن يوجِد أرضية خصبة لستفحال ظاهرة الهجرة السلبية بشقيها الداخلي (الهجرة القروية) والخارجي (الهجرة غير الشرعية إلى الخارج) وتفشي أشكال العنف والتطرف، وكذا التحريض على مناهضة مؤسسات الدولة. تعود جذور هذه الرؤية الديموغرافية التشاؤمية إلى نهاية القرن الثامن عشر مع ظهور أطروحة توماس مالتوس (1834-1766) التي تحمل المسؤولية عن التخلف إلى الزيادة المطردة في عدد السكان مقارنة بالزيادة في موارد العيش؛ إذ أكد هذا المفكر القتصادي أن قدرة السكان على التكاثر تجري وفق متوالية هندسية، في الوقت الذي تجري فيه قدرة زيادة موارد العيش وفق متوالية حسابية. وبناء عليه، فإن عدد السكان قد يتضاعف كل 25 عامًا، وستستمر بالزيادة إلى ما ل نهاية ما لم يقف عائق أمام هذا
النمو، قد يكون من صنع الإنسان نفسه، كنشر الأمراض وإشعال الحروب بين الشعوب. ساهمت المدرسة المالتوسية الجديدة في تقوية النظرة التشاؤمية حيال الضغط السكاني. ففي عام 1968 ألّف بول إهرليش كتابًا بعنوان القنبلة السكانية، تنبّأ فيه بحدوث انفجار ديموغرافي هائل يؤدي
إلى مجاعة على نطاق واسع في أفق ل يتعدى عشر سنوات، أي في النصف الأخير من سبعينيات
10)) بتول، ص.12
القرن العشرين. وعلى الرغم من أن هذا التنبؤ لم يتحقق، فإن أطروحة الفكر الديموغرافي التشاؤمي لم تندثر، إنما اتخذت أشكالً جديدة. ففي عام 2010 نشر الكاتب الأميركي جاك غولدستون مقالة جريئة في مجلة فورين أفيرز بعنوان «القنبلة السكانية الجديدة: التحولت الأربعة الرئيسة التي ستغير وجه العالم»، عرض فيها آفاق التغيرات في التركيبة السكانية للعالم على مدى العقود الأربعة المقبلة، أي في أفق عام 2050. ومن التغيرات التي شدّد عليها الكاتب نجد الزيادة في نسبة الساكنة الحضرية، إذ من المنتظر انتقال معظم سكان العالم (نحو سبعين في المئة) للعيش في المدن المنتشرة في المناطق الأكثر فقرًا والمتميزة بضعف الخدمات وانتشار التلوث، ما قد يتسبب في انتشار الفوضى ومختلف
مظاهر العنف والتطرف. ويضيف الكاتب أن المتداد الحضري في الدول النامية في الأعوام المقبلة قد يتسبب في مأساة تشبه تلك التي عاشها الأوروبيون في القرن التاسع عشر، والناجمة أساسًا عن
التوسع العمراني غير المدروس. وتتجلى هذه المأساة في زيادة حدة الضطرابات وارتفاعها، ما قد يوجِد أرضية خصبة لنشوب ثورات اجتماعية. توصلت دراسة أجراها المجلس القومي للبحوث في الوليات المتحدة في عام 1986 إلى نتيجة مفادها أن النمو السكاني ليس له أي تأثير معنوي في الأداء القتصادي الكلي، على الرغم من تأثيره الإيجابي على صعيد القتصاد الجزئي، أي من خلال السلوك الأسري. وفي دراسة أخرى تناولت بلدان أفريقيا الغربية، لحظ غنغان (2011) وجود علاقة عكسية بين النمو الديموغرافي والنمو القتصادي. فإذا افترضنا زيادة في النمو القتصادي وفي النمو الديموغرافي على التوالي ب 5 و 2 في المئة سنويًا، فإن مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد سيتطلب 24 عامًا. أما إذا ارتفع النمو الديموغرافي بنسبة عالية (ثلاثة في المئة سنويًا) وبقي معدل النمو القتصادي في مستوى معقول (4 في المئة سنويًا)، فإن مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد ستستغرق 50 عامًا. في دراسة حديثة، ربط لوران شالر (2015) بين معدل الولدات والحوادث الجيوسياسية، خصوصًا النتفاضات الشعبية. وفي هذا الإطار، بيّن الباحث أن سبب اندلع الثورات في بعض البلدان العربية
في عام 2011، ول سيما في مصر وتونس يعود أساسًا إلى النمو الديموغرافي غير المُتحكم به والمقترن
بأوضاع سياسية واقتصادية متردية. فحين تنفتح النافذة الديموغرافية (بداية انخفاض معدل الإعالة واتساع قاعدة السكان البالغين سن العمل) في بلد يطغى فيه الفقر والتخلف والحكم الفاسد، فإن ذلك سيشكل بيئة خصبة لظهور حركات رافضة مثل هذا الوضع. وينتج من ذلك في الأغلب دخول الفئات المهمشة في مسلسل البحث عن الهجرة بأي وسيلة ممكنة. وبعد انسداد الأفق، تتجه هذه الفئات إلى النخراط في أشكال مختلفة من الحتجاج، بما فيها العتصام والإضراب عن الطعام والتظاهر اليومي. ويشكل هذا الوضع عاملا مساعدًا لقيام الثورة.
(11) Jack A. Goldstone, «The New Population Bomb: The Four Megatrends that Will Change the World,» Foreign Affairs (January-February 2010). (12) Jean-Pierre Guengant, Comment bénéficier du dividende démographique?: La Démographie au centre des trajectoires de développement: Comment bénéficier du dividende démographique , À savoir; no. 9 (Paris: Agence française de développement (AFD); [Marseille]: Institut de recherche pour le développement (IRD), 2011).
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
من جهته، يرى يوسف كرباج (2013، 2015) أنّ ثمّة ترابطًا وثيقًا بين الثورة الديموغرافية في العالم
العربي والثورة الديمقراطية، وأنّ التحولت الديموغرافية في بعض البلدان العربية هي التي جعلت من الثورات «قدرًا محتومًا». فمن جهة، انخرطت دول، مثل تونس والمغرب، في مسلسل من
التحديث من خلال رفع نسبة تمدرس الأطفال، خصوصًا الفتيات، وكذا تنظيم الأسرة من خلال اتباع سياسة تحديد النسل واستخدام وسائل منع الحمل. وكان من نتائج هذه السياسات انخفاض معدل الخصوبة، وبالتالي المرور التدريجي من العائلة الموسّعة إلى العائلة النووية، مع ما ترتب عن ذلك من
زعزعة أركان القيم التقليدية الأبوية ونضج الأفكار الحداثية في داخل المجتمع. من جهة ثانية، ساهم تراجع ظاهرة الزواج بين الأقارب في انفتاح المجتمعات، وجعل الأفراد أكثر قابلية للتمرد ضد أشكال الظلم والستبداد. أخيرًا، في دراسة أعدها معهد ويلسون الأميركي بشأن المسألة السكانية في باكستان في عام 2011،
جرى التأكيد أن النتشار الواسع للتطرف الديني في هذا البلد يعود أساسًا إلى إخفاق الطبقة السياسية
في استغلال مرحلة «الهبة الديموغرافية». ويتجلى ذلك في غياب السياسات والستراتيجيات الملائمة في قطاع التعليم وزيادة الفوارق القتصادية والجتماعية.
ﻟﻤﺤﺔ ﻋﻦ اﻟﺘﺤﻮﻻت اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب
على غرار بلدان عربية أخرى، كمصر وتونس والأردن، دخل المغرب منذ بداية ستينيات القرن الماضي في تحولت ديموغرافية غير مسبوقة. وهمّت هذه التحولت أساسًا عدد السكان وبنيتهم، وكذا
حركيتهم على الصعيد المجالي.
زﻳﺎدة ﻋﺪد اﻟﺴﻜﺎن ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب وﺑﻨﻴﺘﻬﻢ
شهد المجتمع المغربي في العقود الستة الماضية، أي منذ الستقلال، تحولت ديموغرافية سريعة ومنتظمة نتجت منها زيادة كبيرة في عدد السكان وتغيرات مهمة في خصائصهم وبنيتهم الهيكلية. واعتمادًا على البيانات الإحصائية، يتضح أن عدد سكان المغرب تضاعف ثلاث مرات منذ بداية العقد السادس من القرن الماضي، حيث بلغ إجمالي عدد السكان 33.8 مليون نسمة في عام 2014 في مقابل 11.6 مليون نسمة في عام 1960. وكما يُبين الشكل (1)، فإن الزيادة السكانية تنمو بمعدل أربعة ملايين
نسمة في كل عشرة أعوام، وهي المدة الزمنية الفاصلة بين إحصاءين مختلفين. على الرغم من هذه الزيادة العامة في عدد السكان، إل أن معدل الزيادة عرف انخفاضًا مستمرًا،
خصوصًا بدءًا من عام 1982، حيث انتقل من 2.59 في المئة بين عامي 1960 و 1971 إلى 1.25 في
المئة بين عامي 2004 و 2014.
13)) يوسف كرباج، «هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟ نموذجا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، عمران، السنة 1، العدد 3 (شتاء.)2013 14)) يوسف كرباج، «التغيرات الديموغرافية: هل كانت الثورات في البلدان العربية قدرًا محتومًا؟»، مركز التكامل المتوسطي،
2015/1/16، في:
https://goo.gl/PMyjc5.
الشكل (1) زيادة عدد سكان المغرب (مليون نسمة)
المصدر: من إعداد الباحث بناء على الإحصاءات الرسمية للسكان.
مثلما هو معروف، يساهم عاملان رئيسان في تشكيل معدل النمو السكاني وتحديد مستواه: معدل الخصوبة ومعدل الوفيات، مع تأثيرات محدودة لعوامل الهجرة الخارجية. ففي ما يخص معدل الخصوبة، أفادت نتائج آخر إحصاء للسكان والسكنى بالمغرب (إحصاء عام 2014) أن متوسط عدد الأطفال لكل امرأة (المعدل التركيبي للخصوبة) استقر في حدود 2.21 طفل، في مقابل 2.5 طفل في عام 2004 و 5.2 طفل في عام 1982. يتوضح من هذه المعطيات أن متوسط ما أنجبته المرأة المغربية الواحدة انخفض بمقدار ثلاثة مواليد في الأعوام الثلاثين الماضية. ومن المنتظر أن يستمر هذا التراجع في الأعوام المقبلة ليصل إلى أقل من طفلين للمرأة الواحدة في مدة ل تتجاوز عشرين عامًا. وكان من نتائج هذا النخفاض تقلص متوسط عدد أفراد الأسرة الذي انتقل من 5.87 في عام 1994 إلى 5.24 في عام 2004 ليصل إلى 4.6 بحسب نتائج إحصاء عام 2014. يُعزى انخفاض معدل الخصوبة في المغرب، كما في باقي الدول العربية، إلى مجموعة من العوامل ذات الطابع الجتماعي والثقافي والقتصادي التي أدت إلى تحديث المجتمع المغربي بشكل تدريجي، ومن هذه العوامل: ارتفاع مستوى التعليم، إدماج المرأة في مناحي الحياة القتصادية كلها، ارتفاع نسبة استخدام وسائل تنظيم الأسرة، انخفاض متوسط العمر عند الزواج الأول، خصوصًا بين عامي 1960 و 2004. أما معدل الوفيات الخام في أوساط السكان، فعرف بدوره انخفاضًا منتظمًا، حيث انتقل من 19 حالة
لكل ألف مولود في عام 1962 إلى 6.7 حالة لكل مولود ألف في عام 1994، ليستقر عند مستوى 4.79 حالة لكل ألف مولود في عام 2004. وعند النظر في مصدر هذا التراجع نجد أنه مرتبط بانخفاض معدل وفيات الرضع الذي انتقل من 87.3 في الألف في عام 1982 إلى 24.6 في الألف في عام 2014، وذلك نتيجة تحسن ظروف الوقاية الصحية، خصوصًا الولوج إلى خدمات الصحة الإنجابية. وبموازاة ذلك، سجل معدل أمل الحياة عند الولدة تحسنًا مطردًا، حيث تُشير تقديرات المندوبية السامية للتخطيط أن قيمة هذا المؤشر بلغت 76.5 في عام 2014، بعدما لم تكن تتجاوز 47 عامًا في أوائل ستينيات القرن الماضي. على الرغم من الفتوة التي ل يزال يتمتع بها المجتمع المغربي، عرفت البنية العمرية للسكان تطورات غير مسبوقة (الشكل (2))؛ إذ تراجعت نسبة الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا من 31.2 في المئة في عام 2004 إلى 28 في المئة في عام 2014، ما أدى إلى تأكّل قاعدة الهرم السكاني واتساع وسطه. هكذا انتقلت نسبة السكان البالغين سن العمل (من 15 إلى 64 عامًا) من 63.2 في المئة إلى 65.8 في المئة في عام 2014. أما نسبة كبار السن (65 عامًا فأكثر)، فارتفعت من 5.6 في المئة إلى 6.1 في المئة في الفترة نفسها. الشكل (2) تطور الهرم السكاني في المغرب
إحصاء عام 2004 إحصاء عام 2014 المصدر: من إعداد الباحث.
15)) مركز الدراسات والأبحاث الديمغرافية، الرباط،.1986 16)) مركز الدراسات والأبحاث الديمغرافية، الرباط،.1997 17)) إحصاءات البنك الدولي لعام.2015
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
اﻟﺤﺮﻛﻴﺔ اﻟﻤﺠﺎﻟﻴﺔ ﻟﻠﺴﻜﺎن: اﻟﻬﺠﺮة اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ
مع موازاة انخفاض معدل النمو السكاني وتطور البنية العمرية للسكان، سجلت الحركية الجغرافية الداخلية للأفراد دينامية غير مسبوقة ساهمت في إعادة رسم الخريطة السكانية في المغرب. واتخذت هذه الحركة شكلين رئيسين: الهجرة من الجهات الأقل نموًا نحو الجهات الغنية (الشمال والوسط) والهجرة من الأرياف إلى المناطق الحضرية. هكذا، بحسب نتائج آخر إحصاء للسكان والسكنى (إحصاء عام 2014)، يتمركز أكثر من 70 في المئة من الساكنة في خمس جهات من أصل اثنتي عشرة جهة، وهي بحسب الأهمية: جهة الدار البيضاء الكبرى سطات، وجهة الرباط سلا القنيطرة، وجهة مراكش آسفي، وجهة فاس مكناس، وجهة طنجة تطوان الحسيمة. أما بشأن الهجرة القروية، فعرفت تطورًا ملحوظًا ابتداء من سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، حيث انتقل عدد المهاجرين القرويين نحو المدن المغربية من نحو 40 ألف شخص سنويًا في خمسينيات القرن الماضي إلى 150 ألف شخص سنويًا في الثمانينيات، ليصل العدد إلى أكثر من 200 ألف شخص سنويًا في العقد الأول من هذا القرن. ويرتبط هذا النوع من الهجرة أساسًا بالعوامل البيئية وعدم التوازن في توزيع الموارد الطبيعية والمالية بين المناطق، ول سيما في ظل توالي أعوام الجفاف، وتفتت الحيازات الزراعية، وعجز السلطات العمومية عن إيجاد البدائل وتقديم حلول هيكلية لتنمية المناطق الريفية. على صعيد آخر، عرف مستوى الهجرة النسائية نحو المدن تطورًا مهمًا؛ إذ أضحت النساء يشكلن نحو 50 في المئة من مجموع المهاجرين القرويين. ويكشف هذا التأنيث المتصاعد للهجرة القروية عن مدى التحولت العميقة التي عرفها المجتمع المغربي، خصوصًا ولوج المرأة سوق الشغل واستقلاليتها المادية وقدرتها على تحمل ضغط الحياة. فالمرأة القروية ما عادت تعاني قيود السيطرة والتنقل التي كانت مفروضة عليها في السابق؛ إذ أصبح في إمكانها الخروج من البيت والسفر كفرد مستقل يبحث عن مقومات العيش الكريم. بعد أن كان السكان القرويون يشكلون 70.9 في المئة من مجموع سكان المغرب في عام 1960، انتقلت هذه النسبة إلى 48.6 في المئة في عام 1994، قبل أن تنخفض إلى 39.7 في المئة وفقًا لآخر إحصاء للسكان والسكنى (إحصاء عام 1994). في المقابل، عرفت نسبة التمدن في المغرب نموًا سريعًا (الشكل (3)). فالساكنة الحضرية التي كانت تشكل 29.1 في المئة في عام 1960 انتقلت إلى 42.7 في المئة في عام 1982، قبل أن تسجل 60.3 في المئة في عام 2014. ومن خلال هذا التطور، يتوضح أن نسبة التمدن تضاعفت في مدة زمنية قياسية ل تتجاوز خمسة عقود.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
الشكل (3) تطور نسبة التمدن في المغرب (بالنسبة المئوية)
المصدر: من إعداد الباحث.
كان للسياسات العمومية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ الستقلال أثر واضح في تحديد ملامح تطور التوزيع الجغرافي للسكان، وبالتالي انتشار التمدن وتطور المراكز الحضرية. فمن جهة، كما أشرنا إلى ذلك سلفًا، ساهم إخفاق السياسات الإنمائية في العالم القروي في تفاقم ظاهرة الهجرة القروية مع ما ترتب عن ذلك من مشكلات عمرانية واجتماعية وبيئية. ومن جهة أخرى، تحوّل بعض المراكز القروية
بشكل عشوائي إلى مدن قائمة بذاتها، وهي تعاني اليوم غياب أبسط الخدمات الضرورية للحياة الحضرية.
ﺗﺤﺪﻳﺎت »اﻟﻬﺒﺔ اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ« ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب
ساهمت التحولت السريعة في البنية العمرية لسكان المغرب في ظهور بوادر مرحلة «الهبة الديموغرافية الأولى»، غير أن المعطيات المتوافرة حتى الآن ل تنطوي على ما يبعث على التفاؤل بتحسين الأوضاع القتصادية والجتماعية نتيجة هذه التحولت.
أﻋﺮاض اﻧﻔﺘﺎح اﻟﻨﺎﻓﺬة اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب
من خلال قراءة متأنية لتطور المؤشرات الديموغرافية المُقدمة أعلاه، يمكن التأكيد أن ملامح انفتاح
النافذة الديموغرافية في المغرب بدأت في الظهور منذ بداية القرن الحالي، وهي الفترة التي بدأ فيها معدل الزيادة السكانية العامة في النخفاض مقارنة بمعدل نمو السكان في سن العمل أو السكان الناشطين. وفي الوقت نفسه، عرفت نسبة الإعالة، أي الثقل القتصادي الذي تتحمله الفئات السكانية الناشطة، تراجعًا ملحوظًا.
18)) تقاس نسبة الإعالة بقسمة عدد السكان المعالين (عدد السكان الذين لم يبلغوا سن العمل مضافًا إليهم عدد السكان الذين بلغوا سن المعاش) على عدد المعيلين (عدد السكان في سن العمل، أي الفئات العمرية بين 15 و 64 عامًا.)
على الرغم من عدم وجود عتبة محددة تمكن من تحديد بداية انفتاح النافذة الديموغرافية بشكل دقيق، فإن جل الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع ركّزت على مقاربتين مختلفتين. أما الأولىفحبّذها كل
من نافانيتام (2004) وساكسينا (2011)، وتقوم على أساس أن بوادر انفتاح النافذة الديموغرافية تظهر مجرد ما يبدأ معدل الزيادة في عدد السكان القادرين على العمل في تجاوز معدل نمو إجمالي عدد السكان. أما المقاربة الثانية فأقرتها الأمم المتحدة في عام 2004، وتربط انفتاح النافذة الديموغرافية بتأرجح نسبة الإعالة بين 40 و 60 في المئة. سجلت نسبة الإعالة في المغرب ارتفاعًا محسوسًا في ستينيات القرن الماضي، حيث انتقلت من 91.15 في المئة في عام 1960 إلى 106 في المئة في عام 1968، قبل أن تنخفض إلى 104.1 في المئة في عام 1970. وتراجعت هذه النسبة بشكل سريع بين عامي 1970 و 2015، حيث انتقلت من 104.74 في المئة إلى 50.13 في المئة. وبالعتماد على المقاربة التي أقرتها الأمم المتحدة، يمكن اعتبار عام 2003 عامًا محوريًا؛ إذ عرفت تسجيل نسبة إعالة تقدر بنحو 59.06 في المئة، وهي النسبة التي تتطابق مع بداية انفتاح النافذة الديموغرافية. بناء على الإسقاطات الديموغرافية، من المنتظر أن تصل نسبة الإعالة إلى نحو 46 في المئة في أفق عام 2020، وهي النسبة نفسها التي سُجلت في كوريا الجنوبية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. الشكل (4) تطور نسبة الإعالة في المغرب
المصدر: من إعداد الباحث.
19)) اعتمدنا على فرضية انخفاض نسبة الإعالة بمعدل سنوي قدره 1.34 في المئة.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
اﻧﻔﺘﺎح اﻟﻨﺎﻓﺬة اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ: ﺗﺄﺛﻴﺮات اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ ﻣﺘﻨﺎﻗﻀﺔ
في ضوء ما سبق، يمكن أن نستنتج أن المغرب دخل فعليًا في مرحلة الستفادة المحتملة من «الهبة
الديموغرافية»، ما يدفعنا إلى التساؤل بشأن مدى تأثيرات هذه الفرصة الستثنائية في المؤشرات القتصادية المختلفة. فإذا أخدنا في العتبار مستوى الدخار الداخلي، فسنلاحظ أنه لم يسجل أي تحسن، بل بالعكس، كما يوضح الشكل (5)، عرف تراجعًا حادًا منذ انفتاح النافذة الديموغرافية في عام 2003. انتقل معدل الدخار الداخلي من 25.72 في المئة في عام 2003 إلى 19.11 في المئة في عام 2015 وهي نتيجة متناقضة، ذلك أنه بخلاف ما هو مُتعارف عليه، كلما انخفضت نسبة الإعالة في المغرب، تدنى مستوى الدخار، ما يعني أن ما توفره الأسر يوجه أساسًا نحو الستهلاك بغرض مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ساهم تراجع الدخار الداخلي في تراجع مصادر تمويل القتصاد المغربي، بالنظر إلى أنه يمثل أهم مصدر للسيولة المصرفية، ما دفع المصرف المركزي إلى التدخل بشكل منتظم من أجل مساعدة القطاع المصرفي، وذلك بضخّ مزيد من السيولة في السوق النقدية. ويمكن اعتبار هذا التراجع مؤشرًا على
تأكّل قدرة الأسر على الدخار بفعل ارتفاع كلفة المعيشة، وكذا ضعف الأجور والمعاشات. الشكل (5) تطور إجمالي الادخار الداخلي في المغرب (بالنسبة المئوية من إجمالي الناتج المحلي)
المصدر: من إعداد الباحث.
20)) بيانات الحسابات القومية للبنك الدولي،.2016
بخلاف معدل الدخار الداخلي، سجل معدل الستثمار تحسنًا طفيفًا منذ انفتاح النافذة الديموغرافية قُدر بنحو خمس نقاط. وكما يوضح الشكل (6)، انتقل هذا المؤشر (نسبة تكوين رأس المال الثابت من إجمالي الناتج المحلي) من 25.9 في المئة في عام 2003 إلى 29.4 في المئة في عام 2014. غير أن هذا التحسن غير مرتبط في أي حال من الأحوال ب «الهبة الديموغرافية». فمن جهة، نلاحظ أن التجاه التصاعدي لمنحنى معدل الستثمار بدأ في عام 1996، أي سبعة أعوام قبل انفتاح النافذة الديموغرافية، ويُعزى أساسًا إلى السياسات الماكرو - اقتصادية المتبعة. بل أكثر من ذلك، سجل هذا المعدل نوعًا من التراجع بدءًا من عام 2009، أي في مرحلة متقدمة من انفتاح النافذة الديموغرافية. ومن جهة أخرى، فإن ضعف الدخار المحلي ل يسمح بتغطية سوى جزء يسير من الحاجات التمويلية للاقتصاد الوطني، أما الباقي فيُمول بالعتماد على الدخول المقبوضة من باقي العالم، بما فيها تحويلات المغتربين المغاربة بالخارج والمساعدات الخارجية، ول سيما الخليجية. الشكل (6) تطور إجمالي تكوين رأس المال الثابت في المغرب (بالنسبة المئوية من إجمالي الناتج المحلي)
المصدر: من إعداد الباحث.
أما في ما يخص تأثير انفتاح النافذة الديموغرافية في النمو القتصادي، فيبدو أنه ضعيف للغاية. فمن خلال قراءة الشكل (7)، يتوضح أن معدل نمو الدخل القومي يتسم بنوع من التأرجح من عام إلى آخر.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
الشكل (7) تطور معدل النمو الاقتصادي ومعدل نمو السكان البالغين سن العمل في المغرب
المصدر: من إعداد الباحث.
يُعد تأرجح معدل النمو القتصادي دليلا على ارتباطه بعوامل خارجية غير مُتحكم بها، مثل التساقطات المطرية وأداء القطاع السياحي. أما معدل نمو القوة العاملة فسجل انخفاضًا تدريجيًا ومتوازنًا منذ
عام 1974، وهذا ناتج من الزيادة المطردة التي عرفتها نسبة السكان الناشطين من عام إلى آخر، حيث انتقلت من 50 في المئة في عام 1974 إلى 66.6 في المئة في عام 2014. وفي ضوء ذلك، يبدو أن هذين المتغيرين غير مرتبطين بشكل مقبول، الأمر الذي أكده تقدير معامل ارتباط بيرسون الذي لم يتجاوز 5 في المئة.
اﻧﻔﺘﺎح اﻟﻨﺎﻓﺬة اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ: ﺗﻔﺎﻗﻢ ﺑﻄﺎﻟﺔ اﻟﺸﺒﺎب اﻟﻤﺘﻌﻠﻢ
على العكس مما وقع في معظم بلدان جنوب شرق آسيا، تزامن انفتاح النافذة الديموغرافية في المغرب مع ضغط شديد على سوق العمل. صحيح أن معدل البطالة عرف نوعًا من الستقرار في الأعوام العشرة الأخيرة (نحو 10 في المئة)، إل أن هذه الظاهرة أصبحت مزمنة وتتخذ أشكالً جديدة ذات طابع شائك ومقلق. بقراءة التقارير الصادرة عن المؤسسة الرسمية للإحصاء (المندوبية السامية للتخطيط)، يتوضح أن فرص العمل التي يوجدها القتصاد المغربي ل تكفي لستيعاب الأعداد الهائلة من الشباب التي تصل سنويًا إلى سوق العمل. وبالأرقام، يستحدث القتصاد الوطني بين 100 ألف و 120 ألف وظيفة جديدة سنويًا، وهو رقم أقل بكثير من الطلب الإضافي على مناصب الشغل المقدر بنحو 180 ألف منصب. على هذا الأساس، بالعتماد على البيانات الرسمية، يفوق عدد العاطلين من العمل في
المغرب مليون شخص، غير أن هذا الرقم ل يعكس الحقيقة كلها. فإضافة إلى الطابع الموسمي للتشغيل في بعض القطاعات الحيوية كالفلاحة والخدمات السياحية، فإن جل فرص العمل ل تضمن عيشًا كريمًا ونشأة متوازنة، فهي إما غير مدفوعة الأجر (المساعدون العائليون مثلا) أو ذات
طبيعية توظيفية هشة. وهذا ما أكدته تقارير البنك الدولي، حيث تبين أن نسبة العمالة غير مدفوعة الأجر تجاوزت 20 في المئة، وأن نسبة العمالة المعرضة للخطر أو الهشة تبلغ نحو 50 في المئة من إجمالي العاملين. تختلف طبيعة البطالة في المغرب عما هي عليه في البلدان الغنية، حيث تتسم بأربع خاصيات أساسية: الفتوة والعمق الزمني والتمدن وارتفاع المستوى الدراسي للعاطلين من العمل. فمن جهة أولى، تتفشى البطالة بشكل أساسي في أوساط الشباب؛ إذ إن نحو عاطلَين اثنين من العمل من كل ثلاثة يراوح عمر كل منهما بين 15 و 29 عامًا. ومن جهة ثانية، تتسم ظاهرة البطالة في المغرب بطول
المدى؛ إذ يُستنتج من دراسة قامت بها الوزارة الوصية في عام 2014 أن أكثر من ثلثي الأشخاص
غير المشتغلين يعانون بطالة طويلة الأمد (12 شهرًا على الأقل من دون عمل). من جهة ثالثة،
تقطن الأغلبية العظمى من العاطلين من العمل في المراكز الحضرية (أربعة عاطلين من العمل من بين خمسة). هكذا، بحسب الإحصاءات الرسمية، بلغ معدل البطالة في الوسط الحضري 14.3 في المئة في مقابل 4.3 في المئة في الوسط القروي. من جهة رابعة، تبقى البطالة أكثر انتشارًا في صفوف المتعلمين، ول سيما أولئك الحاصلين على شاهدات عليا. فإذا كان معدل البطالة ل يتجاوز 3.8 في المئة لدى الأشخاص غير الحاصلين على شهادة، فإن هذه النسبة تصل إلى 22.7 في المئة في صفوف حاملي شهادات التأهيل المهني و 27.3 في المئة في صفوف خريجي الجامعات. إن ما ل شك فيه أن انفتاح النافذة الديموغرافية في المغرب منذ عام 2003 لم يساهم كما كان مأمولً في تحسين المؤشرات القتصادية والجتماعية المختلفة. ويعود ذلك أساسًا إلى عدم
تثمين رأس المال البشري من خلال سياسات ناجعة في قطاعي التعليم والتشغيل. فعلى الرغم من ارتفاع الإنفاق الحكومي الموجّه إلى التعليم (نحو 6 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي
و 20 في المئة من مجموع الإنفاق الحكومي سنويًا على مدى العشرين عامًا الأخيرة) وضخامة
البرامج الإصلاحية، فإن هذا القطاع يعاني أعطابًا كبرى واختلالت بنيوية تجعله عاجزًا عن تلبية متطلبات القتصاد الوطني من خلال إيجاد قوة عمل ماهرة وأكثر إنتاجية، خصوصًا في أنواع النشاط المرتفعة العائد. ول أدل على ذلك من نسبة الهدر المدرسي التي تبقي مرتفعة جدًا مقارنة بباقي الدول النامية. فمن بين كل 100 طفل يدخل المدرسة 10 أطفال فقط يحصلون على الثانوية العامة أو البكالوريا. كما أن مساهمة معظم الفاعلين في القطاع تراجعت بشكل مهول، ما يعني انعدام المسؤولية وضعف الحكامة.
21)) المندوبية السامية للتخطيط، «تقرير حول سوق الشغل»، الرباط،.2016 22)) المرجع نفسه.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
أما بخصوص قطاع التشغيل، فيبدو أن السياسات العمومية التي انتهجها المغرب منذ الستقلال أبانت عن محدوديتها. فمن جهة، نسجل غياب تصور واضح ودقيق لدى الحكومات المتعاقبة منذ الستقلال لإشكالية التشغيل بالمغرب في علاقته بقطاع التربية والتعليم؛ إذ غالبًا ما يُلجأ إلى مقاربات ظرفية في
شكل إجراءات تحفيزية محدودة زمنيًا وذات طابع تقني (برنامج مقاولتي، برنامج إدماج، برنامج
تأهيل، برنامج المقاول الذاتي... إلخ) من أجل معالجة ظاهرة بنيوية. وفي أي حال، على الرغم من تكلفتها الباهظة، أبانت هذه الإجراءات عن محدوديتها، ول سيما أنها مُعدة مسبقًا للاستهلاك الإعلامي ولشراء السلم الجتماعي. من جهة أخرى، يجب الإقرار أن السياسات العمومية للتشغيل تعاني ضعف الحكامة وضعف التنسيق مع باقي السياسات القطاعية (التعليم، الصناعة، الخدمات، الفلاحة... إلخ)، ما يؤدي إلى تبذير الموارد المالية الموجهة للتنمية. إن تفشي البطالة بصورة أساسية بين شريحة الشباب المغربي المثقف القاطن في المراكز الحضرية، جعل هذه الظاهرة أكثر تعقيدًا، ما ساهم في ظهور جيل جديد من المواطنين أكثر إحباطًا وأقل طموحًا وحماسة؛ فالشباب الذي ضاق به الأفق أعوامًا عدة أصبح عرضة للاكتئاب واليأس والكراهية في مجتمع ل يُكن له دائمًا التقدير الذي يستحق. كما تراجعت الثقة في الطبقة السياسية التي يحملها الشباب المسؤولية المباشرة عما آلت إليه أوضاعهم. وكان هذا الواقع أحد أبرز محرّكات الحتجاجات
السلمية والعتصامات الفئوية المتكررة التي شهدها المغرب في الأعوام القليلة الماضية، بل أكثر من ذلك لوحظ أنه كلما استفحلت بطالة الشباب المثقف وتهميشه، زاد تقويض السلم الجتماعي في ظل انفتاح ديمقراطي تدريجي وسلس.
اﻧﻔﺘﺎح اﻟﻨﺎﻓﺬة اﻟﺪﻳﻤﻮﻏﺮاﻓﻴﺔ: اﺳﺘﻔﺤﺎل ﻇﺎﻫﺮة اﻟﻬﺠﺮة اﻟﺴﻠﺒﻴﺔ
إضافة إلى تفشي ظاهرة البطالة في أوساط الشباب المتعلم، تميزت مرحلة انفتاح النافذة الديموغرافية في المغرب باستفحال ما يُمكن تسميته «ظاهرة الهجرة السلبية» بشكليها الداخلي (الهجرة القروية) والخارجي (الهجرة السرية)، أي الهجرة ذات العواقب الوخيمة على القتصاد والمجتمع. أما في ما يتعلق بالهجرة القروية، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، فنلاحظ أن هذه الظاهرة تطورت بشكل لفت منذ بداية الألفية الثالثة. وكما يوضح الشكل (8)، سجل نمو ساكنة الأرياف انخفاضًا سريعًا بدءًا
من عام 2005، أي في خلال العامين الأوليين لنفتاح النافذة الديموغرافية. وشكل عامُ 2011 عامًا فاصلا في تاريخ النمو الديموغرافي للمناطق الريفية في المغرب، حيث سجل النمو السنوي لساكنة هذا المجال الجغرافي معدلً سالبًا أول مرة في تاريخ المملكة. على أساس هذه المعطيات، يمكن القول إن انفتاح النافذة الديموغرافية في المغرب تسبب في إفراغ الأرياف بالتدريج وطواعية من ساكنتها، ول سيما الناشطة منها لمصلحة المراكز الحضرية. وكان من نتائج هذا الإفراغ حرمان الأرياف من الستفادة الكاملة من قوتها العاملة، خصوصًا أن معظم المغادرين من الشباب.
الشكل (8) تطور معدل نمو الساكنة القروية في المغرب
المصدر: من إعداد الباحث. بموازاة إفراغ الأرياف من جزء مهم من ساكنتها، تسارعت وتيرة نمو المدن نتيجة استقطابها الهجرة القروية وتزايد نموها الطبيعي. في المقابل لم تتمكن السياسات التعميرية من مواكبة هذا النمو في ظل غياب رؤية واضحة لتدبير المدن من خلال مراعاة الجوانب الجتماعية والثقافية والهندسية والأمنية والقتصادية. اتخذ نمو المدن المغربية في أغلب الأحيان شكلا عشوائيًا استعصى على الجهات المختصة التحكم
به. فمن جهة أولى، تحولت هوامش معظم المراكز الحضرية الكبرى إلى أحزمة من البناء العشوائي ودور الصفيح التي تنعدم فيها أبسط شروط الحياة الكريمة. وبهدف القضاء على هذه الأحزمة لجأت الحكومات المتعاقبة إلى تشجيع ما سُمي «السكن القتصادي»، وهو عرض ل يستجيب في الأغلب
للمواصفات التعميرية المحددة، ول يتماشى إطلاقًا مع متطلبات معظم الأسر القاطنة في دور الصفيح التي تتميز بطابعها المركب. هكذا انتُقل من السكن غير اللائق ذي الطابع الأفقي إلى السكن غير اللائق ذي الطابع العمودي. من جهة ثانية، تحوّل معظم المراكز الحضرية الصغرى إلى شبه أرياف يتعايش فيها الإنسان مع الحيوان والنضباط مع الفوضى، كما شُوّه النمط المعماري المحلي وانتشر البناء
العشوائي بشكل مخيف. من جهة ثالثة، ساهمت الهجرة القروية في ارتفاع الكثافة السكانية في المدن العتيقة، ما أدى إلى اختناقها وهشاشة بنياتها التحتية وتدهور أوضاعها القتصادية مع تلاشي الحرف التقليدية واندثار جزء من معالمها وتراثها الحضاري. على صعيد آخر، ساهمت الهجرة القروية في الضغط على الإنفاق الحكومي الموجّه إلى التنمية
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
الحضرية في ظل زيادة الطلب على المرافق والخدمات الجتماعية في المدن (البنية التحتية والسكن والماء الصالح للشرب والنقل والتعليم... إلخ)، مع العلم أن العائد القتصادي لهذا الإنفاق يبقى ضعيفًا جدًا، وذلك نظرًا إلى هزالة الأداء الضريبي المحلي، فمعظم النشاط القتصادي الذي يمارسه النازحون
إلى المدن غير مهيكلٍ (تجارة الرصيف، البيع بالتجوال، حراسة السيارات، مسح الأحذية... إلخ)، وبالتالي ل تخضع للضرائب علمًا أن هؤلء يستفيدون، ولو جزئيًا، من الخدمات العمومية التي توفرها
الجماعات الحضرية. إضافة إلى ذلك، ساهمت ظاهرة ترييف المدن في زعزعة منظومة القيم والسلوك في المجتمع المغربي؛ فإضافة إلى بداية تلاشي التعاون والتآزر بين الأجيال وارتفاع معدل العنف الأسري وتوتر العلاقات بين أفراد الأسرة، أصبح الشباب أكثر هشاشة، ما جعله أكثر انخراطًا في أشكال مختلفة من الشغب والعنف في المجتمع، ول أدل على ذلك من تنامي ظاهرة السلوك العدواني في الأماكن العمومية، مثل الأسواق والمدارس والمستشفيات. إضافة إلى ذلك، أضحت فئة قليلة من هؤلء الشباب عرضة للتأثيرات المختلفة المدمرة، مثل النحراف الخلقي والتطرف الفكري. أما بخصوص ظاهرة الهجرة السرية أو غير الشرعية فقد تفاقمت هي الأخرى ولو جزئيًا منذ ظهور
البوادر الأولى لنفتاح النافذة الديموغرافية، وذلك على الرغم من كلفتها المرتفعة في ظل تشديد القيود الحدودية في المغرب وفي أوروبا. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن العامل الديموغرافي هو المحرك الرئيس لهذا النوع من الهجرة في ظل عجز الحكومات السابقة على إيجاد ظروف مواتية للاستفادة من «الهبة الديموغرافية»، ول سيما الستثمار في رأس المال البشري. فمع تواضع النمو القتصادي مقارنة بنمو القوة العاملة وصعوبة إدماج الشباب في سوق الشغل، وجد بعض هؤلء ضالته في الهجرة السرية والغتراب هربًا من الضغط الجتماعي، وبحتًا عن أوضاع معيشية أفضل. كما ساهمت عوامل إضافية في تنامي هذه الظاهرة، أهمها القرب الجغرافي من أوروبا وانبهار الشباب بالثقافة الغربية وانتشار شبكات الهجرة السرية. نتج من هذه الظاهرة المشينة ظهور مآسٍ وسلبيات عدة. أما المآسي فتتمثل في غرق بعض المهاجرين في أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط في أوضاع قاسية جدًا. أضف إلى ذلك ما يتعرض له هؤلء من نصب وسرقات وأشكال مختلفة من الضطهاد وحجز مافيا الإتجار بالبشر جوازات سفرهم. أما السلبيات فتتجلى في تصاعد الممارسات العنصرية بحق المهاجرين غير الشرعيين واضطرارهم أحيانًا إلى الشتغال في أوضاع تنعدم فيها أدنى شروط الحق في العمل المكفولة في القوانين الوطنية والدولية، فضلا عن الحالة النفسية التي يعيشها المعنيون جراء المطاردات الأمنية والترحيل القسري.
يشهد المغرب منذ بداية الألفية الثالثة تغيرات ديموغرافية عميقة جعلته يُطل أول مرة في تاريخه من النافذة الديموغرافية، حيث ارتفعت نسبة السكان في سن العمل بشكل سريع منتقلة من 48 في المئة في بداية سبعينيات القرن الماضي إلى نحو 67 في المئة في عام 2015، كما أن نسبة الإعالة تراجعت
بشكل سريع حيث انتقلت في الفترة نفسها من 104.74 في المئة إلى 50.13 في المئة. وبالعتماد على المقاربة التي أقرتها الأمم المتحدة، يمكن الإقرار أن المغرب دخل نظريًا في مرحلة «الهبة الديموغرافية» في عام 2003، وهو العام الذي سجل فيه معدل الإعالة أقل من 60 في المئة. من خلال دراسات نظرية حديثة وتجربة بعض الدول الصاعدة، بيّنا أن هذه الظاهرة الستثنائية هي
فرصة سانحة للإقلاع القتصادي والجتماعي، فهي تمثل مشروعًا تنمويًا طموحًا يؤدي في حالة
استغلاله على الوجه الأمثل إلى تعظيم الدخار، وبالتالي تسريع وتيرة الستثمار والدفع بعجلة النمو مع ما يمكن أن يترتب عن ذلك من استحداث مناصب شغل جديدة وانخفاض معدل البطالة والحد من ظاهرة الهجرة السلبية. أما في ما يخص حالة المغرب، فبيّنا أن هذه الفرصة التنموية لم تأتِ بأي مكاسب حقيقية، بل تحولت
إلى نقمة؛ فإضافة إلى عدم تحسن المؤشرات الماكرو-اقتصادية، سجل بعض المؤشرات الجتماعية الحساسة نتائج سلبية، ونخص بالذكر هنا أساسًا معدل البطالة في أوساط الشباب المتعلم الذي واصل
الرتفاع بشكل يدعو إلى القلق ومستوى الهجرة السلبية بشقيها الداخلي والخارجي الذي سجل أرقامًا مخيفة. بناء على ما سبق، يمكن القول إن المغرب فوّت عليه فرصة الستفادة من «الهبة الديموغرافية» الأولى
لأنه لم يُحسن تدبير المرحلة التي سبقت انفتاح النافذة الديموغرافية (في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته)، وذلك بالستثمار النافع في رأس المال البشري، الأمر الذي جعل هذه الفرصة تتحول إلى عبء اقتصادي ومجتمعي ثقيل يصعب التعامل معه في ظل أنموذج تنموي يطغى عليه طابع التناقض. وأكثر من ذلك، ساهمت هذه الوضعية في تكوين بيئة حاضنة لأشكال مختلفة من الحتجاجات الشعبية. إن التحدي الأكبر الذي يواجهه المغرب يتمثل في ربح معركة إدماج الشباب في الحياة العملية باعتباره موردًا بشريًا مهمًا وتحصينه ضد أشكال شتى من النحراف. ومن أجل تحقيق هذا الهدف ينبغي بلورة
برامج تنموية فاعلة ومتناسقة يمكنها تدارك التأخر المسجل في مواكبة عملية التحول الديموغرافي، وفي الوقت نفسه إحياء الأمل في نفوس الشباب بعيدًا عن هاجس التوازنات القتصادية الكبرى. وفي أي حال، فإن المجتمع بما فيه الطبقة السياسية مُطالب بالتكفل بالشباب، وإل وقع العكس. اﻟﻤﺮاﺟﻊ References
اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ
كتاب
اللجنة القتصادية والجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا). تقرير السكان والتنمية، العدد الثاني: النافذة الديمغرافية فرصة للتنمية في البلدان العربية. نيويورك: الأمم المتحدة،.2005
دوريات
الشديدي، حسين أحمد سعد. «التوظيف الأمثل لفرصة التحول الديموغرافي (الهبة الديموغرافية)». مجلة المخطط والتنمية. العدد 30 2014))، ص.146-139 كرباج، يوسف. «هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟ نموذجا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». عمران. السنة 1، العدد 3 (شتاء 2013)، ص.44-7
وثائق
بتول، شكوري. «الترابط بين السكان والتنمية على صعيد القتصاد الكلي - فرصة الألفية للتنمية». اللجنة القتصادية القتصادية والجتماعية والجتماعية لغربي آسيا، المنتدى العربي للسكان، بيروت، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2004. شوهد في 2016/9/10، في: http: //www. escwa. un. org/popin/
كرباج، يوسف. «التغيرات الديموغرافية: هل كانت الثورات في البلدان العربية قدرًا محتومًا؟». مركز التكامل المتوسطي، 2015/1/16:. في المندوبية السامية للتخطيط. «تقرير حول سوق الشغل». الرباط،.2016
ا ﺟﻨﺒﻴﺔ
Brandt, Loren, Thomas G. Rawski (eds.). China's Great Economic Transformation. Cambridge;
Guengant, Jean-Pierre. Comment bénéficier du dividende démographique?: La Démographie au centre des trajectoires de développement: Comment bénéficier du dividende démographique. À savoir; no. 9. Paris: Agence française de développement (AFD); [Marseille]: Institut de recherche
Ndulu, Benno [et al.]. Challenges of African Growth: Opportunities, Constraints and Strategic
Pool, Ian, Laura R. Wong and Éric Vilquin (eds.). Age-Structural Transitions: Challenges for Development. Paris: CICRED, Committee for International Cooperation in National Research
Bloom, David E. and Jeffrey G. Williamson. «Demographic Transitions and Economic Miracles in Emerging Asia.» World Bank Economic Review. Vol. 12, no. 3 (September 1998), pp. 419-455.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
publications/new/SDD-2004-11. pdf.
https://goo.gl/PMyjc5.
Books
New York: Cambridge University Press, 2008.
pour le développement (IRD), 2011.
Directions. Washington, DC: World Bank, 2007.
in Demography, 2006.
Periodicals
Goldstone, Jack A. «The New Population Bomb: The Four Megatrends that Will Change the World.» Foreign Affairs (January-February 2010). Kateb, Kamel. «A qui profitera la «fenêtre démographique» des pays du Maghreb?.» African Population Studies. Vol. 23, no. 1 (2008), pp. 119-131. Lee, Ronald et Andrew Mason. «Les Dividendes de l’évolution démographique.» Finances et développement. Vol. 43, no. 3 (Septembre 2006), pp. 16-17. Lee, Sang-Hyop and Andrew Mason. «Who Gains from the Demographic Dividend? Forecasting Income by Age.» International Journal of Forecasting. Vol. 23, no. 4 (2007), pp. 603-619. Mason, Andrew. «Population Ageing and Demographic Dividends: The Time to Act Is Now.» Asia-Pacific Population Journal. Vol. 21, no. 3 (December 2006), pp. 7-16.
Documents
Bloom, David E., David Canning and Jocelyn E. Finlay. «Population Aging and Economic Growth in Asia.» PGDA Working Paper; no. 40, Program on the Global Demography of Aging, September 2008. Bloom, David E., David Canning and Pia N. Malaney. «Demographic Change and Economic Growth in Asia.» CID Working Paper; no. 15, Center for International Development at Harvard University, May 1999. Bloom, David E. [et al.]. «Realizing the Demographic Dividend: Is Africa any Different?.» Program on the Global Demography of Aging Harvard University, May 2007. Khachani, Mohamed. «Maroc: Migration, marché du travail et développement.» Document de travail, Organisation internationale du travail (Institut international d'études sociales), Genève,
Nations Unies, Conseil économique et social. «Suivi de la situation démographique mondiale centré sur l’évolution des pyramides des âges et sur ses implications pour le développement.» (Rapport du secrétaire général), E/CN. 9/2007/3, New York, 2007. Royaume du Maroc, Haut commissariat au plan. «Les Sources de la croissance économique au Maroc.» Septembre 2005.