العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مفهوم الشعب بين التوجهات المحافظة والمسارات التحررية

مفهوم الشعب بين التوجهات المحافظة والمسارات التحررية

The Concept of People: Conservative Views and Emancipatory Trends

ﺣﺴﻴﻦ ﺑﻮﻛﺒﺮ | Hussain Bokubar *

الملخّص

* باحث مهتم بالنظرية النقدية، حاصل على الماجستير في الفلسفة السياسية المعاصرة من جامعة الكويت. ** الكتاب المترجَم صادر بالفرنسية: ترجمته عن الفرنسية الشاعرة والكاتبة الأميركية جودي غلادينغ (Judy Gladding).

Abstract

Book Title: What is a People Author: Several Original Title: Qu’est-ce qu’un people? Translator: Judy Gladding Publisher: Columbia University Press Place of publication: New York Date of publication: 2016 No. of pages: 164

الكلمات المفتاحية:
  • مفهوم الشعب
  • التوجهات المحافظة
  • المسارات التحريرية
Keywords:
  • Concept of a People
  • Conservative Trends
  • Emancipatory Views

الكاتب: مجموعة مؤلفين الكتاب: ما الشعب؟ العنوان الأصلي: What is a People? ** المترجمة: جودي غلادينغ الناشر: Columbia University Press مكان النشر: New York تاريخ النشر 2016: عدد الصفحات: 164

ببرنامج انتخابي شعبوي حافل بشعارات من قبيل «صوت الشعب»، «أميركا أولً»، وشعارات أخرى تؤطر الخطاب العنصري ضد الأقليات والمهاجرين في الوليات المتحدة الأميركية، حقق الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب انتصارًا كبيرًا على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون. يأتي ذلك في سياق تاريخي يشهد صعودًا للتيارات اليمينية المتطرفة في

القارة العجوز، وهو الصعود الذي تُوِّج بالخروج البريطاني من منظومة التحاد الأوروبي في ما بات يُعرف ب «بريكسِت» (Brexit)، الأمر الذي رأى فيه كثيرون أزمة حادة أصابت النظام الديمقراطي الليبرالي الذي يتشابك ويتداخل بالنظام القتصادي الرأسمالي المتسيد. ذلك الأنموذج الليبرالي للممارسة الديمقراطية، الذي ما برح يقدّم على أنه الأنموذج الأعلى قيمة، بل

والأفضل، من جهة الممارسة السياسية الواقعية، بين الخيارات المتاحة، إلى أن وصل الأمر عند بعض المتابعين إلى اعتبارها «نهاية التاريخ». يحضر مفهوم الشعب باعتباره أحد المفاهيم الأساسية التي يتكئ عليها الخطاب الشعبوي، ولكن، ما الفرق بين الشعب السمي والشعبي والشعبوي الصفة؟ وإذا أردنا أن نذهب أبعد من ذلك، فإننا نسأل: ما الدللة المحورية لمفهوم الشعب؟ وقبل ذلك، هل ثمة دللة مركزية لهذا المفهوم، أم أنه ينفتح على تأويلات متباينة إلى حد التناقض؟ إن الإجابة عن مثل هذه التساؤلت في الجانبين المفاهيمي والفلسفي، بالتأكيد، تساعدنا على فهم ما حدث؛ فالعالم يغير وجهته إلى محطات كان يعتقد، أو على الأقل يؤمل، أنه تجاوزها. هل ثمة نكوص بالفعل، أم أن تلك المحطات التي خلناها مهجورة، كانت ل تزال عامرة إل أنها كانت غائبة عن وعينا، ولم يتطلب الأمر سوى أن نفرك أعيننا قليلا حتى يستبين الأمر، وينكشف المخفي الثاوي في العمق، والمحجوب بمظاهر التحضر والحداثة؟ فثمة بضعة شعارات عنصرية كانت كافية ليحصد مروجوها أغلبية الأصوات النتخابية من خلال تغذيتهم النوازع العرقية والإثنية، وكان معظم هذه الشعارات يستند، بشكل أو بآخر، إلى مفهوم الشعب. في هذا السياق، تبرز أهمية الكتاب الذي بين أيدينا، بل ويزداد زخمه، باعتباره إضافة مهمة ضمن النقاش الدائر حول النظرية النقدية، من حيث كونه يسائل، بل ويعيد قراءة أحد المفاهيم المركزية في الفلسفة السياسية، في ضوء التجارب والممارسات النظرية والعملية؛ فمفهوم الشعب له امتدادات تجعله يدخل ضمن مقولت مفاهيمية، بدءًا من مفهوم السيادة الشعبية، ومرورًا بمفهوم الشعبوية، ووصولً إلى الغموض الذي يلف تعابير تصدر بها دساتير الدول من قبيل مقولة «نحن الشعب». يشتمل الكتاب، إضافة إلى المقدمة والخاتمة، على ست مساهمات لنخبة من كبار الفلاسفة وعلماء الجتماع المعاصرين، ويعني كلَّ مهتم بالنظرية النقدية وبالفلسفة السياسية المعاصرة، نظرًا إلى الزاوية التحليلية المختلفة التي يقدمها. على الرغم من أن الكتاب ينضوي في دائرة النظرية النقدية في نسختها الفرنسية التي نجدها في التقليد الفرنسي، فإنه يقدم إيضاحات منهجية ربما تكون لها فائدة في سياق جغرافي آخر، ول سيما أننا نجد لحوادث الربيع العربي، وعلى الأخص الثورة المصرية وميدان التحرير، حضورًا كبيرًا في تحليلات المساهمين في هذا الكتاب، خصوصًا في دراسة الفيلسوف الفرنسي الماركسي المعاصر ألن باديو Badiou). A)، وفي مساهمة الناشطة النسوية والفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر (Butler. J (. الخيط الناظم الذي يحدد مسار الكتاب، ويجمع أطروحات المشاركين فيه على اختلاف حقولهم واهتماماتهم العلمية في مشترك واحد، هو فرضية أساسية مفادها أن مفهوم الشعب، ضمن مفاهيم أخرى، كالعلمانية والجمهورية، استوعبته التوجهات المحافظة ليشرعن الواقع السائد. وبالتالي، هناك حاجة ملحة إلى تفكيكه ومراجعته نقديًا، بغرض استعادته في المسارات التحررية. ومن ثم، فإن غاية الكتاب إثبات أن المفهوم ل يزال يتمتع بفاعلية سياسية، وليس الغرض من تفكيكه إل تنقيته من الشوائب التي ألصقت به.

لعل أهم مساهمة لهذا الكتاب أنه يفتح باب النقاش على مصراعيه ليهز كيان النظام الديمقراطي الليبرالي الذي يغطي نفسه بهالة هشة من التصورات المثالية رسمت له نوعًا من القداسة. يبدأ الكتاب بمقدمة كتبها برونو بوستيل. (B Bosteels) وعمل من خلالها على رسم صورة شاملة لموضوعاته. والحق أن هذه المقدمة ترقى إلى أن تكون إحدى الدراسات الست، كونها ل تكتفي بالتقديم للكتاب، بل تدخل في تحقيبات عميقة لمعطيات نظرية وآراء فلسفية بشأن مفهوم الشعب، لتشكل بذلك تحليلايتسم بالجدة والأصالة. في سياق العودة إلى نشأة المفهوم، يرجع كاتب المقدمة إلى أطروحات الفيلسوف الفرنسي الشهير جان جاك روسو الذي ساهم في وضع تحديدات السيادة الشعبية، ويناقش أفكاره في هذا الصدد، ليعرض بعد ذلك لأهم التحليلات التي تعرضت لهذه التحديدات على يد أحد كبار الماركسيين المعاصرين، لوي ألتوسير، ثم ينتقل إلى استعراض آراء هايدغر، ليبين الجوانب المغفلة في تناول مفهوم الشعب.

ﻓﻲ اﻟﺪﻻﻟﺔ اﻟﻠﻐﻮﻳﺔ

تداخل مفهوم الشعب في كثير من الخطابات بمقولت خارجة عن مقاصده. من هنا، يشدد كاتب المقدمة على أمرين في التحديد السلبي للمفهوم، أي تحديد ما ل يدخل ضمن مفهوم الشعب: أولهما ضرورة عزل المفهوم عن المفاهيم الأخرى، كمفاهيم الأمة والدولة والمجتمع المدني والعِرق، وثانيهما فصله عن مقولت السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا كعلم نفس الجماهير، وما يرتبط به من اصطلاحات من قبيل: الحشد الجماهيري والقبيلة والعشيرة والجماعة، وما إلى ذلك. ل شك في أن ذلك الأمر ل يخلو من بعض الإشكاليات التي تعيق الفحص النظري الدقيق، نظرًا إلى المكانة التي بات المفهوم يحظى بها. وربما تكون أبرز هذه الإشكاليات مسألة تجد مصدرها في اللغة، لكن آثارها تتمدد اجتماعيًا وسياسيًا. إن مفردة «شعب» A People) (، على سبيل المثال، إذا كانت نكرة (من دون أداة التعريف) فإنها تفتح المجال لصيغة الجمع «شعوب»، بينما إذا أضيفت «أل» التعريف «The People»، فإنها تحصر الدللة في وجهة أحادية. ربما ل يكون ذلك دقيقًا في اللغة الإنكليزية، كما يذكر بوستيل، ول حتى في اللغة العربية أيضًا؛ إذ يمكن وضع صيغة الجمع في الكلمة المعرّفة من دون أن تفقد طابعها التعددي، فهناك إمكانية للحديث عن «الشعوب»، لكن في بعض اللغات، كالإسبانية - حيث تحدد الضرورة اللغوية بُعدًا كليًا يحمل افتراضات جوهرية - يمكّن من كشف شكل الهيمنة الغربية بنظامها الرأسمالي، ليفتح المجال للشعوب الأخرى كي تمارس حق الختلاف (ص. 2). أما الأمر الآخر، فهو وجوب الحذر المفاهيمي عند التعامل مع هذا المفهوم، لما ينطوي عليه من مخاطرة قد تسقطه في وحل الإقصاء، بل وفي غمار العنف عندما يندمج مع قومية أو عرقية ما. والتحدي، بالتالي، هو مواجهة التعميم القسري لتاريخ قومية بعينها تحاول أن تشكّل من الممارسات التاريخية التي انبثقت عنها هذه القومية مقولت كلية تزعم صلاحيتها وتجاوزها إطارها الجغرافي والزمني. والسؤال الرئيسي

هنا هو: هل يمكن تنقية المفهوم من الشوفينية القومية والتوسعات الإمبريالية ووضعه في خدمة الأهداف التحررية الحقة؟ تحت عنوان أربع وعشرون ماحظة على استخدام كلمة «شعب»، يقدم ألن باديو شذرات قصيرة يصل طول بعضها إلى سطر واحد فقط، وعددها 24 شذرة، ليجلي جوانب الغموض واللتباس التي اكتنفت مفهوم الشعب، ويعمد إلى عزل التوظيف الإيجابي للمفهوم عن الستخدام السلبي. المسألة هنا مسألة سياق يتموضع مفهوم الشعب فيه وعبره، وليس له مكانة ول امتياز إطلاقًا، حيث إنه ل يحمل في ذاته دللة تقدمية أو دللة رجعية؛ فعلى الرغم من توظيفه في بعض الخطابات العنصرية، كما في أسطورة النقاء العرقي عندما توحد مع مفهومvolk في الدعاية النازية، هناك، أيضًا، في تاريخ المفهوم، استخدام إيجابي، نجد مثاله الأبرز في حركات التحرر الوطني التي قادتها الشعوب المستعمرة ضد الإمبريالية. فما السبيل لإجلاء هذا الغموض؟ إنه فهم اللحظة التاريخية بأبعادها الحضارية؛ فهم السياق التوظيفي للمفهوم، كما ذكرنا. إن مفهوم الشعب غالبًا ما يلتصق بصفة هوياته قومية (الشعب + الصفة القومية). ومع خطورة هذه الصيغة وهذا الربط والتوحيد بين هذه الصفة وذلك السم، فإن باديو يجد له تبريرًا ومسوّغًا في بعض اللحظات التاريخية المفصلية؛ فحقبة الستعمار، على سبيل المثال، كانت تتطلب هذا النوع من المتخيل الهوياتي لتحقيق فعل التحرر. وكانت نضالت الشعوب المقهورة والمستعمرة، كنضال الشعب الجزائري والشعب الفيتنامي، تتوسل هذا المركّب المفاهيمي أداةً للتخلص من نير الستعمار ومظالمه، وهنا يتجلى المعنى الإيجابي لهذا المركّب. في المقابل، نجد أن المركّب نفسه (شعب + الصفة القومية) وظّفته القوى الستعمارية لمحو هويات الشعوب المستعمَرة بدعوى أنها مجرد تشكيلات ومجاميع عرقية ل ترقى إلى أن تكون «شعبًا»، ومن ثم موضعة هذه الشعوب في وحدة تزعم أنها تعبّر عن الشعب الحق، «الشعب الفرنسي»، «الشعب الإنكليزي»، وهنا يظهر المعنى السلبي لمفهوم الشعب. يذكّرنا كلام باديو بشأن الشعب الحقيقي هنا بالأصول الدينية للفكرة، فشعب الله المختار، على سبيل المثال، هو بشكل أو بآخر تعبير عن رفض الآخر وإدراجه ضمن الوهم والزيف في مقابل صفة الحقيقي لشعب معيّن. يقول باديو: «إن حقبة حروب التحرر الوطني بررت استخدام الصيغة (شعب + صفة قومية) بتأسيسها حق استخدام كلمة (شعب) - وغالبًا ما تم ذلك بالكفاح المسلح - لهؤلء الذين رفض المستعمرون استخدامهم لهذه العبارة، معتبرين أنهم وحدهم الذين يمثلون الشعوب الحقة» (ص. 23)، وما يقال عن المستعمر يقال عن المحتل، ويستحضر باديو القضية الفلسطينية، حيث إن الحكومة الإسرائيلية ل تزال ترفض حق الشعب الفلسطيني في تحقيق هويته. في حين يكشف التحليل السابق عن معنيين، سلبي وإيجابي، لمفهوم الشعب على نطاق الخارج أو في الشكل الستعماري، الأولبفرضه هوية قومية لقوى غاشمة على شعب آخر، والثاني بتشكيل هوية مضادة تتحدى الإرادة الستعمارية، فإن للمفهوم معنيين، سلبي وإيجابي، في سياق الداخل وضمن إطار الدولة. ويظهر المعنى السلبي للمفهوم في الدول الشمولية التي تزعم أنها الممثل الوحيد للشعب، لكنه يظهر كذلك

في الأنظمة الديمقراطية على الرغم من أن الخيار في هذه الأنظمة يرجع إلى مجموع أفراد الشعب ومن طريق صناديق القتراع. غير أن الواقع الفعلي للممارسة السياسية يفضح كيفية تشكيل المزاج العام للشعب وتوجيهه بطرائق مبتكرة وخفية، تجعل الشعوب الغربية تختار بحرّية الخيار المحدد لها سلفًا. في الدول ذات القبضة الأمنية، تشوَّه أي محاولة لأي فعل تقدمي بوصمها بأنها ل تستهدف النظام السياسي فحسب، بل تستهدف الدولة، الممثل الرئيسي لمصالح الشعب، أيضًا، وبالتالي، فإن الشعب هو المستهدف من وراء الحراك الذي غالبًا ما يُتهم بأن وراءه قوى خارجية. يمثّل لنا باديو ذلك بما حدث في ثورات الربيع العربي، وفي ميدان التحرير في القاهرة تحديدًا، حيث قام النظام المصري السابق بطرح فكرة أن الدولة القائمة الممثِّلة لإرادة الشعب المصري تتعرض لهجمة شرسة لهزّ كياتها وزعزعة الأمن. وهكذا، استخدم مفهوم الشعب في وجهة محافظة، ولكن مع ذلك، قوبل هذا التوظيف السلبي بشعارات تُرجع المفهوم إلى القوى الشعبية؛ من مثل شعار «الشعب يريد» وشعار «نحن الشعب المصري»، وكان لذلك ضرورة تاريخية لهدم مزاعم المشروعية التي يدّعيها النظام السابق. إذًا، ربما يستخدم مفهوم الشعب لأغراض إيجابية تحررية تقدمية، لكنه يوظف أيضًا في التيارات المحافظة والعنصرية والشعبوية وسيلة لبلوغ السلطة في الأنظمة الديمقراطية، من خلال تغذية النزعات العرقية وتضخيم المخاوف من الآخر. ول شك في أن ترامب أجاد اللعب على هذين الوترين، وحقق بذلك نصرًا انتخابيًا. على المنوال نفسه، أي بالبحث في الجانب اللغوي لمعاني المفهوم وانعكاساته على المستوى الجتماعي في ما يُعرف بعلم اللغة الجتماعي، فإن الدراسة التي قدمها الفيلسوف وعالِم الجتماع الفرنسي بيير بورديو قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وأعيد نشرها في هذا الكتاب تحت عنوان ذي صيغة سؤال استنكاري « هل قلتم حول الصفة «الشعبي» التي ترتبط بمجالت مختلفة، كاللغة الشعبية والفن الشعبي، ليبين أن مفهوم «الشعبي» تتراكم عليه ظلال من التصورات تخفي حقيقته كمنتج لغوي له سياقه التاريخي الجتماعي، بل والسلطوي. إن هذه التصورات الناشئة من عنف رمزي يمارسه المهيمن تحرم المفهوم من فضيلة المراجعة والفحص الدقيق. لعل مثال اللغة الشعبية مثال جيد لتوضيح المسألة؛ فعندما توصف لغة بأنها لغة شعبية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن لغة العامة التي تترفع عنها النخب المثقفة. ومن ذلك ل تُعرَّف اللغة الشعبية إل بشكل علائقي مع لغة رسمية مشروعة، لم تكتسب، بدورها، هذه المشروعية إل تحت ضغط الفرض والإكراه، وعبر تقنيات التلقين في النظام التعليمي ومؤسسة المدرسة. يرى بورديو أن مقولة «اللغة الشعبية» تعمل ويتم تشغيلها في قسمة ثنائية: الطبقة العليا والطبقة الدنيا. وهذه القسمة تعكس جوهر الرؤية المهيمنة، وتمكّن من التلاعب بالعقول ضمن عنف رمزي يحجب عن عيون من يمارس عليهم (ص. 37). والسؤال المطروح هنا هو: كيف السبيل إلى الخروج من هذه الدائرة المغلقة، وأعني دائرة الرؤية المهيمنة؟ جوابًا عن هذا التساؤل،

يشير بورديو إلى ضرورة العودة إلى أنموذج الإنتاج اللغوي لكشف التنوع الكبير في الكلام وفي العبارات الذي أقصي لمصلحة لغة بعينها، بفعل عوامل اجتماعية مختلفة، مثل «الجنس» و«الأصول العرقية»، والأهم بفعل العلاقات السلطوية التي تعم الفضاء الجتماعي، وبوسائل الرصد والرقابة الممنهجة عبر الجهاز التعليمي الذي يعمل على نشر، بل وترسيخ هذه اللغة، باعتبارها رأس مال اجتماعيًا يتموضع ضمن معايير اجتماعية تسيطر عليها علاقات السوق. يبقى مفهوم الشعب مفهومًا ضبابيًا فضفاضًا، وهذا ما يجعله أداة ممتازة للتوظيف المصلحي، خصوصًا في فترة النتخابات، ليخدم المصالح الشخصية لفرد ما، أو حتى ليسوغ به تعصبه أو أوهامه الجتماعية، كما يقول بورديو (ص. 34). ومع ذلك، فإن الرتباك في دللة المفهوم يساعد على فهم التصورات العامة المألوفة للمجتمع، وبالتالي كشف العنف الرمزي المحجوب. وتنتهي دراسة بورديو إلى نتيجة مفادها أن تنوع الإنتاج اللغوي - وربما انسداد هذا التنوع - له أثر مباشر في أولئك الذي يشعرون بأن لهم الحق، بل وعليهم تقع مسؤولية التحدث باسم الشعب، ولربما يجدون في مفهوم «الشعب» وسيطًا مجردًا ل » تحقيق المصالح» أو حتى «الأوهام»، بعبارات بورديو (ص. 48)

اﻟﺸﻌﻮب اﻟﻤﺘﺠﺴﺪة

ليس مفهوم الشعب مفهومًا مجردًا وخاليًا من أي تجسد فعلي. وإذا كانت الدراستان السابقتان تتمحوران حول العامل اللغوي وتشابكه مع العوامل الجتماعية في مجال اللسانيات، فإن ما تقدمه جوديث بتلر من تأملات بشأن حرية الجتماع يتحدى أولوية اللغة في تشكيل شعب معيّن؛ فهي تنطلق من بحث تشكُّل الذوات السياسية، وتولي اهتمامًا خاصًا للانتفاضات والثورات التي عمّت العالم في العقد الحالي وتميزت بكونها ثورات أعلنتها ونظمتها الحركات الشبابية، سواء في ميدان التحرير في الثورة المصرية أو في بويرتا دي سول في إسبانيا. إن العبارة التي تتصدر الدستور الأميركي) نحن، الشعب) - التي اختارتها بتلر عنوانًا

فحص دقيق وتحليل عميق، هذا ما تقوم به بتلر، مشددة على حضور الجسد في تأسيس هذه ال » نحن» وشرعنتها أكثر من فعل الكلام المنطوق. بالنسبة إلى بتلر، حرية التجمع هي الشرط المسبق للممارسة السياسية وتحقيق الإرادة الشعبية أكثر من النظام النتخابي التمثيلي. وترى أن مفهوم السيادة الشعبية، الذي هو شرط الحكم الديمقراطي، يحمل بعدًا تحرريًا ل سلطويًا، يعطيه حيوية متجددة تمنع احتواءه وتأطيره في شكل سياسي محدد؛ إذ إن السيادة الشعبية يمكن أن تكون وسيلة لتشكيل «الشعب» من خلال تشكيل «الذات»، ولكن من هي هذه «نحن»؟ وكيف تشكلت، في ظل الآلية الديمقراطية، لتأخذ مشروعية التعبير عن الشعب؟ في الواقع تثير هذه المسألة أهمية فعل المقاومة لهذا التشكيل «نحن» بإخضاعه باستمرار للنقد والمراجعة، ومن ثم، فإن السيادة الشعبية ل تتوحد في شكل ثابت، ذلك أن أجساد المتظاهرين قد تشكّل «نحن جديدة». تتساءل بتلر: «ما نوع هذه ال » نحن « لهؤلء الذين يتنادون في الشوارع ليؤكدوا وجودهم أحيانًا

بالكلام أو بالفعل أو حتى بالإشارة والإيماءة... أو باجتماعهم كمجموعة من الأجساد في فضاء عام ومرئي ومسموع...» (ص. 49)، إنه الجسد؛ حضور الجسد بحركاته وإيماءاته في الميادين هو تعبير عن الجماعة وعن السيادة الشعبية حتى قبل النطق ب «نحن الشعب». وحتى لو استحضرنا الصيحات المتعالية للمتظاهرين المطالبة بحقوق الشعب، يبقى الحضور الجسدي مؤسسًا لفعل الكلام ذاته، فما الكلام في النهاية إل فعل فيزيولوجي يتطلب خروج الصوت من مخارج الحروف، وتقطيعًا منتظمًا للصوت من أجل تحقيق المعنى. وإذا تأملنا مشهد الجماهير الثائرة، نجد أنها أجساد تقاربت وجمعها شعور واحد أفرز حركات وأصواتًا وصيحات عفوية ارتسمت كخلية من النحل، لتقول رسالتها، وتفعل فعلها. وفعل التظاهر هذا يتحقق بأمرين: حراك جسدي وتجمّع سياسي يؤطره. تستند عبارة «نحن الشعب» إذًا على ممارسة مجسدة للجماعة، تقول بتلر: «إن أي منطوق يفترض سلوكًا اجتماعيًا جمعيًا ومجسدًا» (ص. 56)، ول يمكن اختزال ال «نحن» في لحظة مفاهيمية معرفية، فالأبعاد الجسدية المادية للاجتماع تفتح إمكان المقاومة، بل وتسمح بالنظر من زاوية العتراف المشترك الذي تراه بتلر شرطًا لتحقق العدالة والمساواة. أما شرعية «نحن الشعب»، فإنها «تتحقق قبل النطق بتلك العبارة؛ إذ إنها تتجسد قبل أن تنطق، وحتى عندما تنطق تستمر بالتجسد» (ص. 58). ول يعني ذلك أن بتلر ترى في التجمع الجسدي قيمة إيجابية مطلقة، إذ يمكن أن يحمل مثل هذا التجمع «نحن» أبعادًا عنصرية عرقية إقصائية، وتظهر هنا أهمية مفهوم العتراف وضرورته. يتطلب العتراف وعيًا نقديًا يقوم على مقاومة منطق الهوية، بل وينظر إلى التعدد الممكن في تمثيل «الشعب». وفي هذا السياق تأتي دراسة فيلسوف الفن والتاريخ الفرنسي جورج ديدي هيبرمان Huberman) - Didi. G (في «جعله معقولا ») Sensible Render To (، التي تشدد على الدور الحيوي المنوط بالمؤرخين لكشف الغطاء عن معقولية تاريخية ما بدلً من البحث في النظرة التطابقية. والحال أن هيبرمان يرى أن ليس ثمة وجود ل «شعب» واحد ذي هوية محددة، وكل ما هنالك هو تنوّع من التصورات المتخيلة عن الشعب، سواء في حالت النزاع أو التوافق، المقاومة أو الئتلاف. وبالتالي، فإن «شعبًا ما» قد يقدم ب (أل) التعريف ليرسم دللة كلية تنطوي إما على هوية معينة وإما على تعميم معيّن، «فالأولى إنما هي خدعة مكرسة لتمجيد شعوبيات من كل نوع، بينما الآخر ل يمكن إيجاده لما يمثله من صعوبة في حقلي التاريخ والسياسة» (ص. 66) تظهر هنا أهمية المؤرخ الحقيقي في كشف الغطاء عن الطابع الحركي والتعددي الذي تغطيه أو تخفيه غالبًا التمثلات المهيمنة. ويستشهد هيبرمان بالفيلسوف والمؤرخ ميشيل فوكو، ويستدعي تحليلاته، خصوصًا تلك المتعلقة بمفهوم الهيتروتوبيا Heterotopia))، حيث قدم فوكو هذا المفهوم في مقابل مفهوم اليوتوبيا، ليصف به تلك الفضاءات التي تسمح بنوع من النعتاق والتحرر، على الرغم من أن هذه الفضاءات ل تحمل في ذاتها أولوية لتحقيق فعل التحرر، ببساطة لأن هذا الفعل ليس سوى ممارسة ل ترتبط جوهريًا بفضاء. ثم يتابع هيبرمان تطور هذا الخط من التحليل التاريخي عند مفكرين آخرين.

ﻣﺴﺄﻟﺔ ا– ﻗﻠﻴﺎت

في إطار إشكالية العتراف أيضًا، تحضر مساهمة المفكر التونسي صدري الخياري Khiari). S (، « الشعب والشعب الثالث » and People The) the Third People)، إذ تحاول أن تشق إمكانية لمفهوم الشعب ليخرج من براديغم الخطابات الرأسمالية والكولينيالية، وتسعى إلى تقديم رؤية سياسية تفتح المجال للتحرر، وتشكّل بديلا من السياسات اليسارية التي يرى خياري أنها تأطرت ضمن منطق العولمة الليبرالية. ترنو هذه الدراسة إلى بيان أن دللة «الشعب» الذي تعترف به الدولة، ليست في النهاية إل نتيجة لتصور سلطوي خاضع لعلاقات السلطة، كتصور الحداثة الستعمارية الرأسمالية (ص. 89). ويرى خياري أن مفهوم «الشعب» غالبًا ما يتحدد بدللت ترتبط بمفاهيم ثلاثة: الأمة والمواطنة/ السيادة والطبقات الخاضعة، ويضيف إلى هذه الثلاثية مفهوم العِرق، لكن خياري يسارع إلى تحديد مفهوم العِرق الذي يقصده حتى ل يُساء فهمه، فيقول: «إن العِرق ليس إل علاقة بين هيمنة ومقاومة لظلم واقع بين الجماعات البشرية العرقية» (ص. 90)، ومن ثم يقترح استخدام عبارة «التمييز» في معاملة بعض الفئات في مقابل الفئات ذات الحظوة. الحال أن مفهوم «الشعب» هو «مفهوم سياسي في المقام الأول، وبالتالي يحمل بعدًا استراتيجيًا بالضرورة، ودائمًا ما يتم توظيفه للظفر بالسلطة أو للحفاظ عليها من عدو حقيقي أو متخيل أو من منافس على استخدامه» (ص. 90) يسلط خياري الضوء على الأيديولوجيا القومية الفرنسية ليكشف عمّا يكمن خلف ظهورها الكلياني؛ أي التراتبية العرقية التي لم تكن تفصل المواطن الفرنسي عن سكان المستعمرات فحسب، بل تخلق أيضًا تمييزًا بين المواطن الفرنسي (الأصلي) ذي الأصول الأوروبية البيضاء والمعتقد المسيحي وغيره ممن يُطلِق عليهم الخياري وصف «الشعب الثالث» الذي ل هو أجنبي، كالشعوب المستعمرة، ول هو مواطنون يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، إنهم «مستعمرو الداخل». تحيلنا تحليلات خياري ضمنيًا إلى الأطروحة الشهيرة التي قدمها الفيلسوف الإيطالي المعاصر جورجيو أغامبن في مفهومه للإنسان المستباح ضمن إطار حالة الستثناء، حيث يتم اختزال وجود مثل هؤلء في الحياة العارية وحرمانهم من أي مشاركة في الحياة السياسية أو الجتماعية، بل وأكثر من ذلك، تعد أجسادهم أجسادًا مستباحة وخارج النطاق القانوني. يقول الخياري: «إن زعم أن لكل الطوائف في فرنسا الحقوق نفسها ليس سوى خدعة، وأصبح من الملح على اليسار شجب ذلك، لكن ليس بغرض تجذير radicalize)) العلمانية، وإنما للنظر إلى المعتقدات الدينية في النهاية على أنها حاجات اجتماعية مشروعة» (ص. 99). ويوجه الخياري نقدًا إلى متعصبي الجبهة اليسارية في فرنسا بسبب إنكارهم البُعد العرقي لمفهوم الشعب، واستبعادهم نضال الجماعات المهمَّشة من المهاجرين والأقليات، كالسود والعرب والمسلمين، من الدخول في المجال السياسي بحجة أن الإشكاليات الجتماعية كلها إنما تصب في النهاية - ويمكن معالجتهما وحلها - في المسألة القتصادية وحدها (ص. 96-97) في الواقع، ليس «المستعمرون في الداخل» سمة تتعلق بالمجتمع الفرنسي وحده، ويذكّرنا الخياري

هنا بالتمييز العنصري ضد السود في الوليات المتّحدة الأميركية، ويمثل ذلك بمثال شخصية الناشط الحقوقي مالكوم إكس الذي عمل على مناهضة الفصل العنصري.

اﻟﺸﻌﺒﻮﻳﺔ وﺷﺒﺢ اª رﻫﺎب

تُمارَس الممارسات العنصرية تجاه الأقليات والمهاجرين في فرنسا اليوم بأشكال مختلفة تتجاوز المضايقات المتعلقة بالعمل والمسكن، وتمتد إلى إجراءات الحكومة وتدابيرها المتشددة. يعدد لنا الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير Ranciere). J (في مقالته القصيرة، ولكن المهمة والكاشفة، وهي بعنوان «الشعبوية التي لا وجود لها » That Populism The () Found Be to Not Is، صورًا من هذه الإجراءات، مثل إعاقة دخول البلاد والخروج منها، وتعطيل الأوراق الثبوتية رغم كون هذه الفئات ملتزمة دفع الضرائب بانتظام ومساهِمة في تحريك عجلة القتصاد الفرنسي، ناهيك عن سن قوانين تحمل نفَسًا عنصريًا ضدهم. والحال أن وجود مثل هذه الفئات يقدم للدولة الفرنسية قوى عاملة مقلّمة الأظفار، بلا حقوق عمالية ول حقوق مواطنة، ويستبد بها الخوف دومًا من خطر النفي والطرد. الخوف هنا هو بمنزلة تقنية حكم؛ فإلى جانب خوف الأقليات من النفي، هناك الخوف من هذه الأقليات نفسها، ذلك الخوف الذي تبثه الحملات الأيديولوجية ذات النزعات الوطنية الشوفينية والمتزامنة مع التدابير الحكومية التي ذكرناها. إنه شبح الشعوبية التي باتت تأخذ معاني ودللت مختلفة يُجملها رانسيير بثلاث سمات أساسية: أولاهاُ التحدث باسم الشعب مباشرة من دون وسيط أو حتى تمثيل، وثانيتها فقدان الثقة بالنخب الحاكمة التي ل تحركها إل مصالحها الخاصة، وثالثتها ارتباط الشعبوية بالهوية كإطار خطابي تخاطب به مشاعر الجماهير وتعمل على زرع المخاوف فيها. غير أن رانسيير يؤكد أن مصطلح الشعبوية «ل يحمل دللة وصفية محددة لقوة سياسية بعينها، والشعبوية ليست أيديولوجيا أيضًا تُقدَّم لرسم صورة حول شعب ما» (ص. 102) من هنا، فإن رانسيير يرى في الشعبوية استراتيجيا سياسية نابعة من الدولة ل من الشعوب ذاتها، ول سيما إذا أخذنا في الحسبان أن الدولة الفرنسية والدول الغربية تؤسس مشروعيتها اليوم بدواعي الأمن ومسوغات ضمانه. وبالتالي، ثمة حاجة مستمرة إلى شبح الإرهاب وتهديدات الأمن لتعزيز مشروعية الدولة الحامية، وذلك بربط انعدام الأمن هذا بالخوف من «الٍرهاب الإسلامي» والمخاوف من مخاطر الأزمة المالية ومن البطالة. ولعل من المفيد، ونحن نعرض هذه المقالة، أن نستحضر تحليلات فوكو الذي قدَّم في دروسه المتأخرة فحصًا دقيقًا لتحولت السلطة في الغرب منذ السلطة الرعوية، مرورًا بداعي مصلحة الدولة، ووصولً إلى السلطة الحيوية التي تعتمل تقنيات الأمن آلية للحكم الديمقراطي من خلال ضبط هذه التقنيات مع لعبة بث المخاوف. إن جهاز الأمن هو شرط الحكم الليبرالي؛ إذ إن الحرية، بالتأكيد، ليست مطلقة، ول بد من وجود قيود تحد من الحريات بشكل أو بآخر. وهنا تظهر مسألة الأمن في تسويغ قيود الحرية؛ فأنظمة الحكم الليبرالية في أوروبا هي، بحسب فوكو، أنظمة تتخذ جاهزية الأمن إطارًا، وتعمل على موازنة المخاوف بالأمن لتحقيق الفعل السياسي. يقول فوكو: «ل وجود لليبرالية من دون ثقافة

المخاطر». وهذه المخاطر التي تتهدد الأمن الجتماعي تشتمل أيضًا على مخاوف البطالة والفقر، وغيرهما. غير أن فوكو كان قد طرح تحليلاته تلك في دروسه في كوليج دو فرانس لسنة 1979/1978 في سياق تاريخي معقد شهد موجات من العنف أحدثها في القارة الأوروبية بعض التيارات اليسارية المتطرفة، وكانت «ردة فعل الدول القومية المختلفة لما بات يسمّى الإرهاب تعطيل الحقوق المدنية، وتأسيس جهاز من السيطرة والرقابة، وهو ما يمكن اعتباره تأكيدًا عفويًا لأطروحته في الهيمنة السياسية لميكانيزمات الأمن»، ومن ثم، فإن غاية الفعل السياسي هي ضبط «لعبة المخاوف». بالعودة إلى مقالة رانسيير، نستشف أن الجدل الذي يحكم الساحة السياسية في فرنسا - وربما في كثير من الدول الغربية - ويدور حول قضايا الإرهاب والخوف من الأجنبي، يضمر تقنية من تقنيات الحكم، وهي تقنية الأمن التي تتلاءم مع شكل الحكم الديمقراطي. تحت عنوان « الجموع الهشة والسيادة المتخيلة »

Olson). K (خاتمة الكتاب، معلقًا على الدراسات الواردة فيه، سواء في الجوانب اللغوية التي طرحها باديو وبورديو، أو النواحي التجسيدية للمفهوم عند بتلر، أو غيرهما من التوجهات التي ميزت كل مساهمة من المساهمات. لكن أولسون يشدد في مراجعته الختامية على السمة المعيارية لمفهوم «الشعب»؛ إذ إن مفهوم الشعبي بالنسبة إليه ناتج من نوع من السيادة المتخيلة التي تجمع القوى المعيارية بالقوى الجمعية. وهو يرى أن تتبّع تطور الأفكار بشأن السيادة في المخيلة الجمعية يمكّننا من فهم الأسباب الكامنة وراء المكانة الخاصة التي يحتلها المفهوم في التقاليد السياسية الغربية. ل يمكن هنا إل أن نشير إلى الفرضية الأساسية للفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في كتابه المتخيات الاجتماعية الحديثة، وهي الفرضية التي بيّن فيها كيف تتحول الفكرة من كونها مجرد تصور في ذهن بعض المفكرين إلى تشكيل المخيلة الجتماعية لمجتمعات برمّتها، حيث «صار من الواضح بذاته لنا الآن أننا نجد صعوبة في النظر إليه باعتباره مجرد مفهوم محتمل من بين مفاهيم محتملة متعددة»، الأمر الذي يعني قيام بعض الأشكال الجتماعية لتمثّل سمة تسم الحداثة الغربية، ويحددها تايلور بثلاثة: اقتصاد السوق، والمجال العام، والشعب الذي يحكم نفسه بنفسه، وهو ما يهمنا هنا. وتوضح لنا تحليلات تايلور أسباب تلك المكانة التي يحتلها مفهوم الشعب في التقليد السياسي الغربي، والتي أشار إليها أولسون في خاتمة الكتاب.

مهما يكن من أمر، فإن كتاب ما الشعب؟ الذي ينتمي إلى أدبيات النظرية النقدية المعاصرة في السياق الغربي، له أهمية مضاعفة في نطاقنا العربي، ول سيما أن أطروحات كثيرة في هذا الكتاب تتخذ من حوادث الربيع العربي مثلا يوضح مقاصدها. وإذا كان لهذا الكتاب أهمية في مراجعة مفهوم «الشعب» في منشئه، فإننا أحوج إلى عمل مثل هذه المراجعات لهذا المفهوم ولمفاهيم أخرى وصلت إلينا جاهزة من الفكر الغربي الحداثي. ما يعزز ضرورة هذه المراجعة هو النظر في مآلت

هذا الربيع العربي؛ إذ إن جزءًا كبيرًا من المعوقات التي أعاقته يعود إلى انعدام التأسيس المعرفي ذي النزعة النقدية، والتعاطي بصنمية وطقوسية مع مفاهيم انتُهكت في كثير من الأحيان وأطرت ضمن إطار المحافظة، بل والرجعية، وبالتالي باتت مساءلتها واجبة لإعادتها إلى الطريق الذي انحرفت عنه، أو بالأحرى حُرفت عنه.

اﻟﻬﻮاﻣﺶ

1)) للمزيد، يُنظر: جورجو أغامبين: حالة الاستثناء: الإنسان الحرام 1.2، نقله إلى العربية ناصر إسماعيل؛ تقديم جوليا

اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

سكوتو؛ تصدير ساري حنفي. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015

منشورات الجمل،.2016

للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

اŠ ﺟﻨﺒﻴﺔ

سكوتو؛ تصدير ساري حنفي (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015)، والمنبوذ: السلطة السيادية والحياة العارية، ترجمة وتقديم وتعليق عبد العزيز العيادي (بيروت: منشورات الجمل،.)2016

4)) تشارلز تايلور، المتخيات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.12

اﻟﻤﺮاﺟﻊ References

أغامبين، جورجو. حالة الاستثناء: الإنسان الحرام 1.2. نقله إلى العربية ناصر إسماعيل؛ تقديم جوليا

______. المنبوذ: السلطة السيادية والحياة العارية. ترجمة وتقديم وتعليق عبد العزيز العيادي. بيروت:

تايلور، تشارلز. المتخيات الاجتماعية الحديثة. ترجمة الحارث النبهان. بيروت: المركز العربي