العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ’نحن ننطق بالحق!‘: المعرفة والسياسة في خطب صلاة الجمعة في لبنان

’نحن ننطق بالحق!‘: المعرفة والسياسة في خطب صلاة الجمعة في لبنان

«We Speak the Truth!»: Knowledge and Politics in Friday Sermons in Lebanon

ساري حنفي | Sari Hanafi *

الملخّص

يهدف البحث إلى دراسة خصائص الخطباء الدينيين في لبنان: ملامحهم السوسيو - ثقافية وخطبهم يوم الجمعة. وركّز الباحث المشاهدة على الفاعل ومعارفه، وذلك بهدف سبر العلاقة والتفاعل بين المعرفة الدينية والعلوم الاجتماعية. وللقيام بذلك، طرح بعض الأسئلة: ما الملامح العامة للخطباء في لبنان ومؤهلاتهم الأكاديمية؟ ما الموضوعات التي يثيرونها في خطبهم؟ هل يستخدمون أدوات العلوم الاجتماعية عندما يقومون بتشخيص الشأنين السياسي والاجتماعي ويحلّلونهما؟ ما الحجج التي يستخدمون في إقناع جمهورهم؟ تعتمد هذه الدراسة على تحليل محتوى 42 مقابلة شبه منظَّمة مع خطباء سنة وشيعة، وكذلك على تحليل محتوى 210 من خطب الجمعة، جرت كلها بين عامي 2012 و2015. واستخدم الباحث المقاربة الفيبيرية لفهم التشكيلات الخطابية لخطب الجمعة وعلاقتها الوثيقة ببنيات السلطة.

Abstract

Abstract: This study investigates the relationship between religious knowledge and the social sciences. To achieve this, the author conducts interviews and a discourse analysis of the Friday sermons of religious preachers in Lebanon and their sociocultural features - with a focus on the actors and their knowledge. Several research questions are posed: What are the general features of preachers in Lebanon and their academic qualifications? What subjects do they raise in their sermons? When they comment on and analyze political and social affairs, do they use the tools of the social sciences? What kinds of argument do they use to persuade their audience? Based on analysis of 42 semi-structured interviews with Sunni and Shiite preachers, and the contents of 210 Friday sermons from the period 2012-2015, this study adopts a Weberian approach to understand the discourse structures of Friday sermons in Lebanon and their close relationship with power structures.

الكلمات المفتاحية:
  • خطب الجمعة
  • لبنان
  • سنة
  • شيعة
  • علم اجتماع ديني
  • ماكس فيبر

ملخص: يهدف البحث إلى دراسة خصائص الخطباء الدينيين في لبنان: ملامحهم السوسيو - ثقافية وخطبهم يوم الجمعة. وركّز الباحث المشاهدة على الفاعل ومعارفه، وذلك بهدف سبر العلاقة والتفاعل بين المعرفة الدينية والعلوم الاجتماعية. وللقيام بذلك، طرح بعض الأسئلة: ما الملامح العامة للخطباء في لبنان ومؤهلاتهم الأكاديمية؟ ما الموضوعات التي يثيرونها في خطبهم؟ هل يستخدمون أدوات العلوم الاجتماعية عندما يقومون بتشخيص الشأنين السياسي

والاجتماعي ويحلّلونهما؟ ما الحجج التي يستخدمون في إقناع جمهورهم؟ تعتمد هذه الدراسة

على تحليل محتوى 42 مقابلة شبه منظَّمة مع خطباء سنة وشيعة، وكذلك على تحليل محتوى 210 من خطب الجمعة، جرت كلها بين عامي 2012 و 2015. واستخدم الباحث المقاربة الفيبيرية لفهم التشكيلات الخطابية لخطب الجمعة وعلاقتها الوثيقة ببنيات السلطة.

Abstract: This study investigates the relationship between religious knowledge and the social sciences. To achieve this, the author conducts interviews and a discourse analysis of the Friday sermons of religious preachers in Lebanon and their sociocultural features - with a focus on the actors and their knowledge. Several research questions are posed: What are the general features of preachers in Lebanon and their academic qualifications? What subjects do they raise in their sermons? When they comment on and analyze political and social affairs, do they use the tools of the social sciences? What kinds of argument do they use to persuade their audience? Based on analysis of 42 semi-structured interviews with Sunni and Shiite preachers, and the contents of 210 Friday sermons from the period 2012-2015, this study adopts a Weberian approach to understand the discourse structures of Friday sermons in Lebanon and their close relationship with power structures.

Professor of Sociology at the American University of Beirut and editor-in-chief of the Arab sociology journal Idafat.

مقدمة

في عام 2013، قدم البابا فرانسيس إرشاده الرسولي الأول الذي احتوى على أشكال مختلفة من التحديات؛ من الثقافات الحضرية وصولً إلى القضايا الاقتصادية والسياسية المختلفة التي شملت الطروحات التالية في شأن عدم المساواة: «لا لاقتصاد الإقصاء، لا لاقتصاد التنقيط (trickle-down)، لا لوثنية المال الجديدة، لا لطغيان الربح، لا لعدم المساواة التي تولّد العنف... لا لنظام مالي يحكم بدلً من أن يخدم.» لا يمكن أحد أن يعتقد اليوم أن الوعظ الديني يمكن أن يكون دقيقًا إلى هذا الحد في تشخيص الاقتصاد السياسي لعدم المساواة الاجتماعية من دون مساعدة طاقم من الاقتصاديين وعلماء الاجتماع الذين يعملون عن كثب مع البابا. تاريخيًا، استندت مبادرات الإصلاح الإسلامية إلى الحوار الفلسفي والمنطقي واللغوي مع الشريعة، لكن ليس مع العلوم الاجتماعية. وربما هذا هو سبب أساس لهامشية فقه الواقع (الاجتهادات الاجتماعية والسياسية التي تتبدل وفقًا للواقع الخارجي) في مجتمعاتنا العربية. وفي هذا السياق، أود التطرق إلى العلاقة بين العلوم الاجتماعية من جهة، والمعرفة الدينية التي تنتجها السلطات المرجعية الدينية وتوجهها، من جهة أخرى. هناك أدبيّات جمة تناولت الجماعات والحركات الإسلامية: أفعالها الاجتماعية وعنفها السياسي (تُختزل غالبًا في المعارك بين الفاعلين السياسيين لجهة علاقتهم بالسلطة)، لكن نادرًا ما نرى أدبيات تخوض في المعرفة التي يستخدمها أفراد هذه الجماعات وينتجونها، ليس فقط من داخل الجماعات التي تدعمهم لكن في سياق الجمهور الأكبر عبر خطب صلاة الجمعة والدروس الدينية والفتاوى والتفاعل مع وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. أمّا الأدبيات الأخرى، التي غالبًا ما يضعها كتّاب إسلاميون تخرجوا في الدراسات الشرعية، فهي تنزع إنتاجَ المعرفة الدينية عن السياق حيث ترى فيها علامات رمزية ذات صيغة ثابتة «تنطق بالحق في كل زمان ومكان». تهدف هذه الدراسة إلى دراسة الخطباء والزعماء الدينيين في لبنان: «بروفيلهم» وخطبهم التي يلقونها يوم الجمعة، مركزين على الفاعل ومعرفته لسبر العلاقة والتفاعل بين المعرفة الدينية والعلوم الاجتماعية. ولأجل القيام بذلك، نطرح بعض الأسئلة الاستكشافية: ما الملامح العامة للخطباء في لبنان ومؤهلاتهم الأكاديمية؟ ما الموضوعات التي يثيرونها في خطبهم؟ هل يستخدمون أدوات العلوم الاجتماعية عندما يقومون بتشخيص الشأنين السياسي والاجتماعي وتحليلهما؟ ما الحجج التي يستخدمونها لإقناع جمهورهم؟

(1) Pope Francis, The Joy of the Gospel: Apostolic Exhortation Evangelii Gaudium of the Holy Father Francis to the Bishops, Clergy, Consecrated Persons and the Lay Faithful on the Proclamation of the Gospel in Today's World (Rome: Vatican Press, 2013), pp. 52-75.

(((مقابلة مع خطيب في بيروت،.2014

وفقًا لإحصاءات عن الطوائف/الجماعات الدينية في لبنان، يقدر عدد المسلمين الشيعة في لبنان بين 27 في المئة من مجموع السكان، ومثلهم من السنة. وخلافًا للإسلام الشيعي ذي التسلسل الهرمي الرسمي في السلطة والمعرفة، تتكون السلطة الدينية للإسلام السني من مؤسسات مختلفة ودعاة مستقلين يسمّون «مشايخ». والمشايخ هم أفراد غالبًا ما تابعوا دراسات عليا (ما يكافئ البكالوريوس)

في الدراسات الدينية. أما في الجانب الشيعي، فإن كثيرًا من الدعاة من خريجي الحوزات، أي المدارس

الدينية الشيعية (تكافئ المدارس القرآنية عند السنة)، حيث يُمضون هناك ما لا يقل عن 7 أعوام في التعليم الديني. تُحصَّل الدراسات الدينية في لبنان بشكل أساسي في مؤسسات تعليم عالٍ تكافئ الجامعات، مع مستويات التحاق وتخرج عالية (الماجستير والدكتوراه). لكنّ هذه الجامعات تكون في معظمها منفصلة عن مؤسسات التعليم العالي الأخرى، في حين يشكّل بعضها جزءًا من شبكات الجامعات

الدعوية الإسلامية في العالم العربي والإسلامي (الأزهر أو جامعة المصطفى العالمية). وتعتمد هذه الجامعات اللغة العربية في التدريس، وتعترف بها وزارة التربية اللبنانية.

المنهجية

تستند هذه الدراسة إلى اثنتين من طرائق البحث: 42 مقابلة شبه منظَّمة مع الخطباء، وتحليل المحتوى ل 210 من خطب صلااة الجمعة، أجريت كلها بين عامي 2012 و 2015. وتناولت المقابلات مع نحو 35 من الخطباء السنة وسبعة من الخطباء الشيعة وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، والخلفية التعليمية وسيرورة اكتسابهم المعرفة الدينية والاجتماعية. وباستخدام تقنية كرة الثلج (snowballing)، اعتمدت اختيار العينة الطبقية sampling) (stratified، مع الأخذ في الاعتبار ثلاثة معايير: الانتماء الأيديولوجي - السياسي، الموقع الجغرافي، التأثير العام. ويعكس البحث تنوع الخطباء من حيث المعايير المذكورة أعلاه. لكن لأن حجم العينة صغير، لم أتجه إلى إنتاج أي استدلالات إحصائية، ولا أدعي أنها عينة ممثلة إحصائيًا؛ لذا لن أستخدم النسب المئوية، إنما تغير أعداد الخطباء بالنسبة إلى بعض المتغيرات، حيث

تبين هذه الأرقام وزن كل فئة مقارنة بالفئات الأخرى ضمن متغير ما. ونظرًا إلى قلة عدد المستجوبين

من الأئمة الشيعة، بسبب صعوبة البحث الميداني، فإنني لن أجري مقارنات بين «بروفيلات» الأئمة السنة والشيعة.

(((تختلف التقديرات. يُنظر على سبيل المثال الدليل العالمي للأقليات والتقرير العالمي عن الحريات الدينية: goo.gl/WvNx47 المنشور في أيار/مايو 2012 يتضمن أحدث التقديرات المتاحة، وهي 27 في المئة. (((هذه الجامعات هي: جامعة طرابلس، جامعة بيروت الإس مااية، الجامعة الإس مااية في لبنان، جامعة الأزهر (لبنان وعكار)، جامعة الإمام الأوزاعي، وجامعة المعارف. (((إضافة إلى ما أجريتُه من عمل ميداني بنفسي، قام كل من مريم عيتاني، نور التنير، علي قاسم، نور صفي الدين، بإجراء مقابلات

أخرى وأنا ممتن لهم ولعملهم الميداني. (((في ما يتعلق بالمقابلات وخطب الجمعة في هذه المقالة، حافظنا على سرية المستجوبين وخطابهم. وقمنا بإعطاء معلومات كافية للتعامل مع المادة في سياق التحليل، إن كان المكان الجغرافي أو سن الخطيب، الخ.

الخطب السنيّة

في ما يخص خطب صلاة الجمعة، جرى تحليل 91 خطبة، اختيرت لتغطي ثلاث مجموعات رئيسة من الاتجاهات السنة في الفترة من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو 2013. الخطبة غالبًا ما تكون شفهية،

ولذلك حصلنا عليها من المحطات الإذاعية الثلاث الرئيسة السنية في لبنان التي تبثها. بالتالي، يمكن القول إن هذه الخطب هي الخطب ذات التأثير الأعلى بين الخطب في لبنان لأنها تصل إلى أوسع جمهور. واستُقيت الخطب مما هو متاح في الفترة من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو 2013، من محطات الإذاعة التالية: إذاعة القرآن الكريم، وهي محطةٌ تابعة للسلطة الدينية السنية المركزية في لبنان [دار الفتوى] ومستمعوها هم المسلمون السنة عمومًا، وفي بيروت خصوصًا؛ وإذاعة الفجر،

وهي محطةٌ تابعة للجماعة الإسلامية القريبة من الاتجاه الإخواني في لبنان؛ وإذاعة القرآن الكريم البقاعية، وهي محطةٌ تابعة للسلطة الدينية السنية المستقلة نسبيًا في منطقة البقاع، وهي منطقة ريفية

واسعة يسكنها عدد كبير من المواطنين السنة. بالتالي، تغطي الخطب ثلاثة أنماط أيديولوجية كبيرة من الجمهور والنطاقات الدينية: الجمهور السني العام في المناطق الحضرية، والجمهور السني العام في المناطق الريفية، وجمهور حركي. إضافة إلى ذلك، حلَّلتُ بطريقةٍ أقلّ انتظامًا 8 خطب إضافية لجماعات سلفية في طرابلس في عام.2015

الخطب الشيعية

إجمالً، هناك 111 خطبة، جُمع نصفها من شبكة الإنترنت، و 41 في المئة خطب مكتوبة، و 6 من الكتب، وواحدة من أحد التسجيلات. وتتوزع جغرافيًا كما يلي: 60 في المئة من بيروت، 25 في المئة

من الجنوب، و 15 في المئة من البقاع. صلاة الجمعة، في الفقه الجعفري، ركعتان هما بديلً من صلاة الظهر، وتُقام مع خطبة مكوّنة من جزءين: سياسي و«ديني». وقيامها في جامع واحد في كل منطقة (على الرغم من أنها قضية خلافية بين المراجع)، وهذا يفسر إقامة صلاة جمعة واحدة في كامل منطقة بيروت (الضاحية الجنوبية) مع السيد علي فضل الله. أمّا المساجد الأخرى، فتُقام فيها صلاة الظهر المعتادة مع «خطبة» (لا تعتبر شرعًا خطبة جمعة، بل درس ديني). وذلك هو معظم ما قمنا بتحليله. وفي البقاع يقيم صلاة الجمعة الشيخان علي طه ومحمد يزبك، وفي الجنوب يقيمها الشيخ عبد الكريم عبيد. أما في ما يتعلق بالانتماءات السياسية للخطباء الشيعة، فبحسب معرفتنا ومقابلاتنا يقدر أن نصفهم مقربون من حزب الله، في حين أن نحو ربعهم من الخطباء المستقلين، والباقون مقربون إما من المرجع فضل الله وإما من حركة أمل. اللافت ملاحظة أن الخطب الشيعية مُراقبة أكثر من الخطب السنية. وثمة تطبيق على الهاتف الخلوي اسمه «المحراب » أنشأه المركز الإسلامي للدعوة (المقرّب من حزب الله)

وجمعية المعارف الثقافية. ويصنّف هذا التطبيق في باب المساعي المبذولة حاليًا لتنظيم الخطاب

(((دخل في التحليل الإحصائي 88 خطبة فقط.

الديني للمساجد الشيعية في لبنان وإدارتها وتوجيهها. وقبل أن يصبح تطبيقًا في أوائل عام 2014، كان دورية مطبوعة تصدر وتوزع على أئمة المساجد. تاريخيًا، كان للمساجد (والجوامع) والمؤسسات المماثلة، مثل الحسينية (عند الشيعة)، دور مهم في

المجتمع المسلم؛ ففضلً عن كونه المكان الذي يصلي فيه المسلمون ويحضرون خطبة الجمعة، فإنه مركز مهم للمجتمع الإسلامي تقام فيه أنشطة اجتماعية وسياسية. ومع ذلك، يشهد بعض المساجد حضورًا أكثر من غيره لأسباب، منها موقع المسجد وحجمه وسهولة الوصول إليه، إضافة إلى شعبية الخطيب.

ملامح الخطباء

خلفية عامة

العينة موزّعة جيدًا بين الفئات العمرية المختلفة، وتميل نحو المجموعات العمرية الأكبر سنًا. وأتوقع أن هذه الخاصية تمثل الى حد ما الوضع الذي نشاهده في الجوامع اللبنانية (الجدول (1)). وكما أسلفنا استُمدت العينة من مناطق متنوعة في لبنان، لكنّ بيروت - المدينة الأكثر كثافة سكانية في لبنان - استأثرت بالحصة الأكبر (الجدول.))2(يعيش معظم الخطباء السنة الذين أجريت معهم مقابلات في المناطق الحضرية، وهذا متوقع نظرًا

إلى أن لبنان بلد حضري (الجدول (3)). وبكل تأكيد هناك علاقة بين موقع المسجد ومحتوى خطبة الجمعة. فقبل ربع قرن، حلّل ريتشارد أنطون خطب صلاة الجمعة في قرية أردنية، وأجرى مقارنة بالنتائج التي حصل عليها بورثويك (Borthwick) من تحليله خطب صلاة الجمعة في مساجد حضرية. استنتج أنطون مبدئيًا أن الخطب في مسجد القرية تتسم بمحتوى سياسي ضعيف، ما يتناقض بشكل

صارخ مع الخطب الحضرية التي حللها بورثويك. وعلى الرغم من أن أنطون ركّز على خطيب واحد، لذا ربما لا يصلح استنتاجه لمساجد قرى أخرى أو للوقت الحالي الذي يتميز بزيادة التعبئة السياسية في المشرق العربي، وتجدر الإشارة إلى أن محتوى خطبة صلاة الجمعة، الذي ربما لا يقتصر على المضمون السياسي، لافت وجدير بالدراسة. الجدول (1) توزّع العينة السنّية بحسب العمر العمر 35<

50>49-3535<العمر
13139العدد
35المجموع

(8) Richard T. Antoun, Muslim Preacher in the Modern World: A Jordanian Case Study in Comparative Perspective (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1989).

الجدول (2) توزع العينة السنّية بحسب المنطقة المنطقة

بيروت

الجنوب

المنطقةبيروتالجنوبالشمالالبقاع
العدد151073
المجموع35

الجدول (3) توزع العينة السنّية بحسب الوسط الحضري أو الريفي الوسط الجغرافي

الوسط الجغرافيحضريريفي
العدد296
المجموع35

الخلفية التعليمية

لا شك في أن للخلفية التعليمية للخطيب تأثيرًا مباشرًا في خطبته ووعظه. ويتوج التعليم مهارات

معينة، وله دور في تحديد مصادر المعرفة التي تؤثر بدورها في محتوى خطبة صلاة الجمعة ومناشدة الجمهور. يأتي معظم الخطباء الذين قابلناهم (20 من مجموع 35) من المدارس الدينية الإسلامية (الجدول.))4(ويحمل معظم الخطباء/الدعاة المشاركين في هذه الدراسة في الأقل شهادة البكالوريوس (الجدول (8))، تترافق غالبًا مع تدريب ديني (ثلاثة أرباع) (الجدول (5)). وحصّل ثلثا العينة السنّية تدريبهم

الديني العالي في لبنان، يليهم 7 في السعودية (وهؤلاء هم من سيصبحون سلفيين بين الخطباء) (الجدول.))6(بالنسبة إلى أولئك الذين لديهم شهادة تعليمية غير دينية إلى جانب شهاداتهم الدينية، نلاحظ أن نصفهم يحمل شهادة في الأدب العربي (الأمر الذي يدل على أهمية البلاغة في الوعظ)، في حين أن اثنين منهم حاصلان على درجة ما في العلوم الاجتماعية، وتسعة يحملون درجات مختلفة في تخصصات أخرى (الجدول (7)). وإذا أخذنا في الاعتبار التعليم الديني غير الجامعي، إضافة الى الجامعي (في الأقل إلى بكالوريوس الشريعة)، فهؤلاء هم أكثر عددًا من أولئك الذين حصلوا على شهادة في علوم أخرى. وكان مائير هاتينا قد لاحظ أن عددًا من المهندسين أو الأطباء أصبح من الخطباء. إضافة إلى ذلك، تشمل معارف الخطباء اللغات الأخرى غير العربية، حيث ذكر أكثر من نصف الخطباء الذين أجرينا معهم مقابلات أنهم يجيدون لغة ثانية (الجدول.))9(

(9) Meir Hatina, «Ulama», Politics, and the Public Sphere: An Egyptian Perspective (Salt Lake City: University of Utah

الشمال البقاع

حضري

ريفي

Press, 2010), pp. 2-3.

دينية خاصة (إسلامية)

دينية خاصة (إسلامية)عامةغير دينية خاصةدينية خاصة (مسيحية)
العدد19841
المجموع32
غير متاح3
العدد
ناعم25
لا10
المجموع35

البلد

البلدالعدد
لبنان23
السعودية7
مصر3
بلد آخر2
المجموع35

المجال

الجدول (4) نوع المدرسة التي يذهب إليها الخطباء السنّة عامة

غير دينية خاصةدينية خاصة (مسيحية)

الجدول (5) هل حصل الخطباء على تدريب ديني؟ العدد

الجدول (6) البلد الذي حصل منه الخطباء السنة على آخر درجة تعليمية العدد

الجدول (7) توزع الدرجة الدراسية غير الدينية التي حصل عليها الخطباء السنة (إن وجدت) العدد

األمجالالعدد
االأدب العربي8
العلوم الاجتماعية2
مجال آخر9
المجموع19

الجدول (8) الدرجة التعليمية العليا التي حصل عليها الخطباء السنّة الدرجة التعليمية

الدرجة التعليميةالعدد
بكالوريوس14
ماجستير9
دكتوراه9
دبلوم2
بكالوريوس هندسة1
المجموع35

الجدول (9) معرفة الخطباء السنة لغات مع اللغة العربية اللغة

االلغةالعدد
لاإ يوجد14
بعض الإلمام4
لغة واحدة8
أكثر من لغة7
مجموع جزئي33
غير معروف2
المجموع العام35

أما بالنسبة إلى الخطباء الشيعة، فلا تتوافر لدينا معلومات مهمة إحصائيًا، لكن بعضهم تخرج في العراق أو مدينة قم في إيران، وآخرون في لبنان في الدراسات الدينية (وأحيانًا دراسات القانون أو العلوم الأساسية). ويتدرب الخطباء الشيعة في الحوزات الدينية، ولدى أغلبيتهم العظمى شهادة البكالوريوس، وذلك يعود إلى الاتفاقات المبرمة بين الحوزات في لبنان والجامعات، مثل الجامعة الإسلامية؛ بالتالي يحصل طلاب الحوزة على شهادة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية. وكما أشرنا، فإن الحوزات مؤسسات مهمة جدًا في تخريج الخطباء.

العلاقة بالدولة: الإشراف والتمويل

إن للعلاقة بين الخطباء والدولة تأثيرًا كبيرًا في الاستقلال النسبي للحقل الديني، وفي الرسائل التي تبثّ عبر خطب صلاة الجمعة. فعلى الرغم من أن عددًا من الدول العربية (عُمان والإمارات والكويت

العدد

العدد

والجزائر والمغرب) يفرض خطبة صلاة جمعة موحدة على جميع الخطباء، فعلاقة هؤلاء بالدولة لا تزال معقدة. ففي بعض البلدان العربية، كما يقول هاتينا، تربط معظم الخطباء صلات وثيقة بالدولة من حيث المشاركات والرواتب والمؤسسات؛ فهم يعملون مدرسين، أو موظفين في المساجد، أو قضاة أو إداريين في إطار المنظومة الدينية للدولة. ففي الجزائر، لاحظ عبد الرحمن موسوي في دراسته عن المساجد أن الدولة من خلال تقديم الرواتب للخطباء، استطاعت التحكم فيهم وفي خطبهم. ويذكر في هذا الصدد أن حكومات الدول في الشرق الأوسط أخفقت في إنشاء مجالس دينية عليا مستقلة يمكنها مراقبة المساجد وتوجيهها. لكن هناك عدد من علماء الدين من غير المنتسبين إلى هذه المؤسسات، يتبنى عادة موقفًا أكثر نقدًا ونشاطًا، ويصطدم غالبًا مع التيار السائد في المجالات الدينية التقليدية

للدولة والسلطات السياسية المعنية بالقضايا الدينية والاجتماعية -السياسية؛ ففي مصر، بعد انقلاب السيسي في تموز/يوليو 2013، عملت وزارة الأوقاف (التي كثيرًا ما كانت إما مناوئة لسلطة الأزهر

وإما منافسة لها) مع الأزهر لتنفيذ اللوائح التنظيمية بخصوص توظيف الخطباء، وإخضاع المساجد لسلطة الوزارة، وتنظيم مضامين خطب صلاة الجمعة وإصدار الفتاوى. وأعلن وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، أنه لن يسمح بإقامة الصلوات إلا في المساجد التي تشرف عليها الوزارة، وأن الأئمة هم المسموح لهم بإلقاء الخطب في المساجد. مع ذلك، ينبغي للمرء ألّ يتوصل إلى استنتاج بسيط بشأن توظيف الأئمة في الدولة وفقدانهم استقلاليتهم؛ فمنذ ربع قرن أكّد ريمون أنطون أنه إبّان الثمانينيات كان هناك استقلال نسبي للخطيب في كتابة خطبة صلاة الجمعة، على الرغم من تقاضيه راتبه من الدولة (كانت وزارة الأوقاف الأردنية ترسل إلى الخطباء نشرات تتضمن توصيات بشأن موضوعات الخطب وتطلب منهم الاحتفاظ بنسخة من الخطب التي يلقونها). ومع ذلك، أفاد الخطباء الذين أجرى معهم أنطون مقابلات بأنهم كانوا لا يلتزمون أحيانًا بهذه الموضوعات الموصى بها. أما في لبنان، فاللافت أن نحو نصف الخطباء السنّة في عيّنتي لا يتقاضى أموالً في مقابل خطبه (16

خطيبًا) (الجدول (10)). أمّا الذين يتقاضون مقابلً ماديًا، فمن دار الفتوى أو من الجمعيات الدينية.

في الواقع لا يتعلق الراتب المالي بالوعظ وإلقاء الخطب، بل بمهمات أخرى مثل التعليم والواجبات التربوية (19 من الخطباء). علاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن بعض المساجد التي تُنشئُها عائلات لبنانية تواظب على دفع أجور الخطباء (الجدول.))11(أما بالنسبة إلى الخطباء الشيعة، فالأمور المالية المتعلقة بهم مستقلة عن الدولة، فنظام الخُمس يوفر

(10) Ibid., p. 3. (11) Abderrahmane Moussaoui, De La Violence en Algérie: Les Lois du chaos (Alger: Barzakh, 2006). (12) Hatina, p. 3. (13) Ahmed Morsy and Nathan Brown, «Egypt’s al-Azhar Steps Forward,» Carnegie Endowment for International Peace, 7 November 2013, at: goo.gl/7zo5DA. (14) Antoun.

لهم دخلً مباشرًا، كما أن الحوزات الدينية مستقلة أيضًا، على الرغم من علاقتها القوية بالمراجع الدينية في إيران (مباشرة أو من خلال حزب الله) في المقام الأول، ومن ثم العراق. يُضاف إلى ذلك أن المشايخ الشيعة يحصلون على تمويل من التعليم الخاص والكتابة والظهور الإعلامي. الجدول (10) مصدر الراتب لدى الخطباء السنّة

مصدر الراتبالعدد
من غير دار الفتوى أو سلطة دينية أخرى16
سلطة دينية خاصة (تشمل لجان المساجد)7
دار الفتوى6
سلطة دينية خاصة لكن لمنصب «ديني» مختلف6
المجموع35

الجدول (11) المهن الأخرى التي يمتهنها خطباء السنّة المهن الأخرى

االمهن الأخرىالعدد
لا يوجد9
مدير/ معلم مدرسة19
قاضٍ3
محاسب1
عمل إداري1
طبيب1
تجارة خاصة1
المجموع35

يمكن افتراض أن التراجع النسبي في نفوذ الدولة على الخطباء يرتبط بعدم كفاية الأجور التي تقدمها، كما أنه يرتبط باضطرار الخطباء إلى العمل في مهن أخرى لكسب عيشهم، مقارنة بأوقات سابقة عندما كانت الوظيفة في القطاع الديني للدولة مضمونة ذات راتب جيد نسبيًا، إضافة إلى كثير من المنافع الاجتماعية، وذلك وفق الإفادات التي حصلنا عليها من المقابلات.

العدد

مصادر المعرفة

وتيرة استخدام الإنترنت

وتيرة استخدام الإنترنتالعدد
يوميًا17
أحيانًا13
مرطلقًا3
غمير متاح2
المجموع33
الاستخدامنعملا
العددالعدد
مأشاهدة التلفزيونقنوات دينية2015
قأنوات سياسية278
لأغراض أخرى1322

و«الاتجاه المعاكس» لتلفزيون الجزيرة. (((1 «الشريعة والحياة» لتلفزيون الجزيرة؛ برامج تلفزيون «اقرأ» و«الناس» و«المجد.» (((1 «اقرأ» و«الناس» و«المجد.» (((1 إذاعة الفجر وإذاعة القرآن الكريم.

في مسعى لتتبع مصادر المعرفة لدى الخطباء الذين قابلناهم، لاحظتُ أن لمعظم الخطباء السنّة إلمامًا بالإنترنت، وأفاد أكثر بقليل من نصفهم بأنهم يستخدمون الإنترنت يوميًا (الجدول (12)). وذكر المقابَلون أغراضًا متعددة لاستخدامهم الإنترنت، لكن الغرض الرئيسي هو لتصفح المواقع الدينية، بينما يقوم بذلك أقل من نصفهم لقراءة الأخبار (الجدول (13)). أما بالنسبة إلى التلفزيون، فذكر ثلاثة أرباعهم أنهم يشاهدون البرامج السياسية، بينما ذكر أكثر من نصفهم أنهم يشاهدون البرامج الدينية. إضافة إلى ذلك، ذكر نحو ثلاثة أرباع الخطباء أنهم يستمعون إلى القنوات الدينية أو البرامج الدينية في المذياع، وذكر ثلثاهم أنهم يستمعون إلى قنوات أو برامج أخرى غير دينية. وفي ما يتعلق بالقراءات، فذكرت أغلبية كبيرة منهم أنها تقرأ الدوريات العلمية والمجلاات والصحف (الجدول.))13(الجدول (12) استخدام الخطباء للإنترنت العدد

الجدول (13) استخدام الخطباء السنّة التلفزيون والإنترنت والمذياع والوسائط الأخرى نعم

لا

((1(«الأسبوع في ساعة» و«الحدث» لتلفزيون الجديد؛ «ب طول سيرة» لتلفزيون المستقبل؛ «ما وراء الخبر»، «ب حدود »

035الكتب
1520االدوريات العلمية
1024المجلات
1025الصحف
926مواقع دينيةالإنترنت
2114أخبار
2213بحث
2015أغراض أخرى
926برامج دينيةالمذياع
1421برامج غير دينية

ذكر جميع الخطباء السنة المقابَلون أنهم يقرأون الكتب. وأشار عدد كبير منهم إلى أن الأدبيات السياسية واحدة من الموضوعات المفضلة لديهم، يليها الأدب والكتابات الشعرية، ومن ثمّ الموضوعات العلمية. لكنّ عددًا قليلً فقط ممن ذكر الأدبيات الاجتماعية باعتبارها مفضلة (الجدول (14)). ويبدو أن الاهتمام بقراءة الأدب العربي والكتابات الشعرية (في كثير من الأحيان) يتوافق مع حقيقة أن نصف الخطباء ممن يحملون درجة تعليمية غير دينية متخصص في الأدب العربي. الجدول (14) القراءة المفضلة لدى الخطباء السنّة النوع

العدد

ايلنوعالعدد
سيياسي/أخبار25
أدبي/شعر18
علمي/وثائقي15
تاريخي12
دايني8
اجتمعي6

عندما سألنا عن المصادر التي يستخدمها الخطباء في إعداد خطب صلاة الجمعة، ذكر نصفهم أنه يُقحم دائمًا التطورات السياسية في خطبه، بينما ذكر الآخرون تقريبًا أنهم يُقحمون ذلك عادة أو أحيانًا.

وتؤكد هذه الأرقام مرة أخرى ما وجدته في القسم السابق. ففي ما يتعلق باستخدام الحوادث الاجتماعية كمصدر لمحتوى خطبة صلاة الجمعة، ذكر نحو نصف الخطباء أنه يوظفها في خطبه دائمًا، وأعلن خمسة خطباء فقط أنهم نادرًا ما يستخدمونها، أو أنهم لا يستخدمونها مطلقًا كمصدر. وهذا يعني أن الخطباء يتعاطون القضايا الراهنة الناشئة في مجتمعهم. في السياق نفسه، ذكر أقل من نصف الخطباء أنه يستخدم التاريخ الإسلامي كمصدر للخطب في حين ذكر اثنان فقط أنهما نادرًا ما يستخدمانه أو لا يستخدمانه مطلقًا. وأخيرًا، ذكر معظم الخطباء أنهم عادة، أو أحيانًا، يدمجون في خطبهم التاريخ العام والشعر العربي (الجدول.))15(الجدول (15) المصادر المعلنة المستخدمة في إعداد خطب صلاة الجمعة (السنّة) عادةً أو أحيانًا

نادرًا أو مطلقًاعادةً أو أحيانًادائمًاالمصادر المستخدمة في
إعداد خطب صلاة الجمعة
العددالعددالعدد
21713التاريخ الإسلامي
4253التاريخ العام
51215الحوادث الاجتماعية
8195الشعر العربي
21416التطورات السياسية

أما بالنسبة إلى الاقتباسات في خطب صلاة الجمعة، فذكر ثلاثة فقط من الخطباء في العينة أنهم يقتبسون دائمًا من الفلاسفة (ابن سينا، الكندي، الفارابي) وعلماء الاجتماع (ابن خلدون)، في حين ذكر 15 منهم أنهم يستخدمون هذه الاقتباسات عادة أو أحيانًا (الجدول (16)). لكنّ ما ذكره هؤلاء لا يدعمه تحليل محتوى الخطب، وهذا ما نعرضه أدناه. وفي أي حال، في حين يبدو أن الخطباء يتناولون بشكل جيد الحوادث الاجتماعية، ويرون فيها مصدرًا مهمًا لخطب صلاة الجمعة، فإن هذا التناول للحوادث الاجتماعية لا يعني أنهم يتعاطون العلوم الاجتماعية. في الواقع، سجل التخصص الاجتماعي أدنى مستوى عند المقارنة بالقراءات للتخصصات المفضلة الأخرى ومصادر الاقتباسات المستمدة من العلوم الاجتماعية. ومع ذلك، فإن السياسة سجلت أعلى مستوى في القراءات المفضلة لدى الخطباء، ويبدو أنها أكثر أهمية وأكثر تناولً. إن تحليل المحتوى لخطب صلاة الجمعة الذي أجريناه لا يدعم تصريحات الخطباء بشأن استخدامهم العلوم الاجتماعية.

الجدول (16) الاقتباسات المعلنة المستخدمة في إعداد خطب صلاة الجمعة (السنّة) عادةً أو أحيانًا

نادرًا أو مطلقًا

دائمًا

نادرًا أو مطلقًاعادةً أو أحيانًادائمًاالاقتباسات المستخدمة في إعداد خطب
صنملاة الجمعة
العددالعددالعدد
6189ارقتباسات من العرب والمسلمين
13181ااقتباسات من غير العرب
17132اقتباسات من العلمء
9185اناااقتباسات من شخصيات دينية
14153اقتباسات من فلاسفة وعلمء اجتمعيين
11202اقتباسات من شخصيات أدبية وشعراء

إجمالً، يمكن استنتاج أن الخطباء السنّة في لبنان مهتمون جدًا بالسياسة، ولا سيما الأخبار والمستجدات السياسية. ويبدو أن هذا النوع مصدر مهم جدًا من مصادر المعرفة لديهم، فضلً عن أنهم منفتحون على مختلف مصادر المعرفة، بما في ذلك وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك وواتس أب). لكنّ أنماط المعرفة هذه لا تشي بنمط معين له بُعد ديني أو علمي بالمعنى البحثي للكلمة، وبالتالي، فإن مصادر معرفتهم شبيهة بمعرفة عامة الناس في لبنان أو حتى في المنطقة العربية. وربما ينبغي أن تكون هذه النتيجة محل دراسات أكثر عمقًا في المستقبل، خصوصًا في ما يتعلق بالمؤهلات غير الملائمة أو غير الكافية للخطباء الدينيين وعلماء الدين؛ ففي حين أن امتلاك سيرة علمية أو ذاتية في المجال الديني يوفر مجالً ملحوظًا للتأثير الاجتماعي والثقافي والمعرفي في عامة الناس، لكن كثيرًا من المسلمين - ولا سيما في قطاعات الشباب وذوي التخصصات والتعليم

العالي - يشتكون من الخطاب الديني المتكلّف غير ذي الصلة بالحاضر أو الخطاب البالي الذي فات أوانه، الأمر الذي يجعله غير جذاب بصورة متزايدة. ويتجلى هذا الأمر بصورة كبيرة في محتوى خطب صلاة الجمعة، ما يجعل كثيرين يؤمون المساجد في كثير من الأحيان مدفوعين بمجرد الرغبة في تأدية التزامهم الديني، لا لاهتمامهم بالخطبة بذاتها.

تحليل المحتوى لخطب صلاة الجمعة

خطب صلاة الجمعة هي أهم مصدر من مصادر التنشئة الاجتماعية للمسلمين الملتزمين. ويمكن أن يتنوع محتواها «من الشروح والتعليقات على آيات القرآن إلى النصح بشأن مسائل أو قضايا شائعة». وسأركز هنا على الموضوع الذي تعالجه الخطبة وعلى المصادر التي تؤثر في محتواها.

(19) Gary R. Bunt, Virtually Islamic: Computer-mediated Communications and Cyber Islamic Environments (Llandybie: Dinefwr Press, 2000).

طلب ريتشارد أنطون من الخطباء الذين أجرى مقابلات معهم أن يضعوا قائمة بالكتب التي يستخدمونها لإعداد خطب صلاة الجمعة، فاشتملت على القرآن وكتب الحديث النبوية وكتب الوعظ وشروح القرآن. ومع ذلك، ومع علمي يقينًا أن خطب صلاة الجمعة تشمل المحتوى الديني، فإنني كنتُ أكثر اهتمامًا

بتحديد المصادر الأخرى غير الدينية؛ على وجه التحديد، اهتممتُ بمعرفة إلى أي مدى يتخطى الخطيب النص لينظر في السياق، ويعتمد على طرائق التفكير العلمي الاجتماعي، ومدى تأثيرها في محتوى الخطبة. من طرائق التفكير العلمي الاجتماعي القدرة على التنبؤ بالمشكلات والبحث الفاعل عنها، والقدرة على الصوغ والحل بدلً من التسليم من دون حجج؛ فالطابع النسبي للحقيقة هو المبدأ الموجِّه في العلم. يتطرق الأنثروبولوجي روبن هورتون إلى طبيعة الظروف التي أحاطت بالكتابة بشأن التغيير في أوروبا الغربية والانتقال من طريقة التفكير التقليدية والسلطوية المستندة إلى الإجماع، إلى الأسلوب التنافسي الذي يعلق أهمية قصوى على الجدة وتنوع طرائق البحث. واستنادًا إلى «الأنماط الستة للتفكير العلمي في التقاليد الأوروبية» التي ذكرتها ميريلي سالمون، سأطوِّر أربع أعمدة لما يمكن

تسميته التفكير النقدي: - الاستكشاف التجريبي والقياس لمزيد من العلاقات المعقدة الملُاحظة. استخدام طرائق بحثية

لا للتنبؤ أو تقديم إفادات ناموسية [أي اقتراح قوانين] فحسب، بل أيضًا لفهم الظاهرة الاجتماعية وتشخيصها. - البناء الفرضي لنماذج مقايَسة models) (analogical. تتطلب البيانات التأويل: تطوير نماذج تقدم

تفسيرات مُقنِعة فكريًا للتغيير الاجتماعي - الثقافي الإنساني، ومن ثم فحصها لمعرفة ما إذا كانت

هذه النماذج تتفق تمامًا مع الدلائل التجريبية التي تقدمها إعادة بناء التسلسلات الطويلة الأجل للتغير

الاجتماعي - الثقافي. ولذلك ترتبط الملاحظات بالاختيار بين النماذج الفرضية المختلفة. ولا يوجد نماذج خاطئة أو جيدة، بل نماذج أكثر واقعية أو معقولية. - ترتيب التنوع من خلال المقارنة والتصنيف؛ المستويات المختلفة للمقارنة عبر الزمان والمكان والمناقشات للتعريفات الإجرائية للمصطلحات ومبادئ التصنيف. - التحليل الإحصائي للانتظامات (Regularities) ضمن مجتمع العينة وحساب الاحتمالات. عمومًا، لم نجد ممارسة لهذ الأعمدة في التفكير النقدي في خطب صلاة الجمعة، أو حتى تشجيع

الجمهور على القيام بذلك. ويمكن عزو ذلك إلى أن اطلاع الخطباء على منتوجات العلوم الاجتماعية محصور بالأخبار الاجتماعية والسياسية. وكما سنرى تاليًا، فإن معظم الخطب يقدم منظورًا دينيًا في

(20) Robin Horton, «Tradition and Modernity Revisited,» in: Martin Hollis and Steven Lukes (eds.), Rationality and Relativism (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1982). (21) Merrilee H. Salmon, «Reasoning in the Social Sciences,» Synthese , vol. 97. no. 2: Empiricism in the Philosophy of Social Science (November 1993), pp. 249-267.

المسائل الاجتماعية والسياسية في لبنان. وفي هذا الصدد، يشير عبد الحكيم مراد إلى أن إخفاق الحركات الإسلامية، وربما الجمود النسبي في العالم الإسلامي، يرجع إلى حقيقة أن المسلمين[...]« غارقون في اهتمامهم بالقضايا السياسية قصيرة الأمد، في حين يجهلون إلى حد كبير الاتجاهات الأشمل التي تشكل هذه القضايا مجرد تجليات عابرة في سياقها». لذلك كي يطلع الخطباء بوصفهم قادة إسلاميين على هذه «الاتجاهات الأشمل» ينبغي لهم أن يكونوا «على دراية بالأفكار التي تقوم عليها الحداثة». ويخلص مراد إلى أن إحدى طرائق حل هذه المشكلة تكمن في إنشاء مؤسسات قادرة على تدريب الشبان المسلمين بشكل ملائم، لا في علوم الشريعة فحسب، بل أيضًا في التخصصات الحديثة الفكرية والثقافية. ويعطي مثالً عن ذلك المدرسة النظامية في بغداد التي لمع فيها نجم الإمام الغزالي وكانت تعلِّم الفلسفة فضلً عن الفقه. إن بعض السلطات الدينية على بيّنة من مشكلة الوعظ؛ ففي كتابه ثقافة الداعية، يقدم القرضاوي

إرشادات إلى الخطباء بشأن كيفية التعامل مع المعارف الإسلامية والعامة. تستند الفقرات التالية من البحث إلى تحليل محتوى 88 خطبة من الإذاعات اللبنانية قرأتها وحللتها، كما ذكرتُ أعلاها في فقرة المنهجية.

الإشارة إلى القضايا الاجتماعية والسياسية

ليس من السهل فصل القضايا الاجتماعية و/أو السياسية عن القضايا الدينية، لأن كثيرًا من الخطباء

يَعْزون كوارث العالم الإسلامي كلها إلى سلوك المسلمين الخاطئ.

الخطب السنّية

القضايا السياسية والاجتماعية ممثَّلة للغاية في الخطب (على التوالي، في نصف الخطب وثلثها) (الجدول (17))؛ وهذا أمر طبيعي نظرًا إلى أن الدين يسعى إلى تهذيب أخلاق الأفراد والمجتمع. ومع

ذلك، فإنّ تناول هذه القضايا يبدأ بتشخيص المشكلات من دون استخدام أدوات أو طرائق التفكير النقدي الذي يستخدم عادة في العلوم الاجتماعية كما ذُكر ذلك سلفًا. ركّز أكثر من ثلثي الخطب على البلدان العربية في مقابل عدد قليل منها ركز على البلدان الإسلامية و/ أو البلدان الأخرى (الجدول (18)). وكانت هذه الإشارة تحدث في أكثر الأحيان لجهة السياسة، مثل التطرق إلى ما يحدث في سورية أو فلسطين. وهذا يؤكد أيضًا مدى تعاطي الخطباء الأخبار السياسية. ومن اللافت أن الخطبة، لدى السنّة والشيعة، لا يقتصر الدعاء فيها على البلدان العربية والإسلامية والبلدان، بل يتناول أيضًا البلدان غير الإسلامية وغير العربية، ويشمل بلدانًا إسلامية أخرى (إيران في الخطب الشيعية) (الجدول.))19(

(22) Abdal-Hakim Murad, «Islam and the New Millennium,» 2013, at: http://masud.co.uk/ISLAM/ahm/millen.htm.

(((2 يوسف القرضاوي، ثقافة الداعية (بيروت: مؤسسة الرسالة،.)1978

الخطب الشيعيةالخطب السنيةاإلقضايا المطروحة
النسبة المئويةالعددالنسبة المئويةالعدد
74.26755.749اإلإشارة إلى قضايا سياسية
40.33636.432اآإلإشارة إلى قضايا اجتماعية
31.5283329الإشارة إلى الآداب العامة
الخطب الشيعيةالخطب السنيةإ
النسبة المئويةالعددالنسبة المئويةالعدد
71.37373.965ااإلإشارة إلى بلدان عربية
41.24218.216اإلإشارة إلى بلدان إسلامية أخرى
6.471715الإشارة إلى بلدان أخرى
الخطب الشيعيةالخطب السنيةإ
النسبة المئويةالعددالنسبة المئويةالعدد
47.53843.238ااإلإشارة إلى بلدان عربية
322627.324اإلإشارة إلى بلدان إسلامية أخرى
4.6487الإشارة إلى بلدان أخرى

الديني لتسجيل نقاط سياسية.

البقاع.)2012(

الجدول (17) موضوعات الخطب الخطب السنية

الخطب الشيعية

الجدول (18) إشارة الخطب إلى بلدان محددة الخطب الشيعية

الخطب السنية النسبة المئوية

الجدول (19) الإشارة بالدعاء إلى بلدان محددة الخطب الشيعية

الخطب السنية النسبة المئوية

عانى الحقل الديني في المجتمعات الإسلامية، تاريخيًا وحاليًا، من استقلالية ضعيفة: هناك تبعية

للسلطات الزمنية، ولا سيما السياسية منها. ولا تختلف الحال في لبنان، حيث غالبًا ما يُستخدم الوعظ

أما في القضايا السياسية، فمن الواضح أن موضوعًا مثل القمع حاضرٌ جدًا، وذلك بسبب عدد من

السجناء السنة المعتقلين من دون صدور أحكام قضائية ضدهم، ما ينجم عنه إدانة النظام القانوني

(((2 «في هذا البلد تتحدث الحكومة عن العدل. ولكن العدل لمن؟.. يقبع المفسدون والمرتشون خارج السجن بينما يبقى إخوتنا النشطاء السياسيون من أهل السنة في السجون بدون محاكمة. بالله عليكم هل هذا عدل؟» من خطبة لأحد الخطباء الشباب في

اللبناني في خطب صلاة الجمعة. ومع ذلك، يبقى مفهوم الديمقراطية شبه غائب في 91 في المئة من الخطب: ذُكِرت ثلاث مرات: مرة واحدة بطريقة إيجابية ومرتين بمعنى سلبي أو بمعنى أنه يتعارض مع النظام الإسلامي. لكنّ القضية التي حظيت بالشطر الأكبر من التعليق كانت الانتفاضات العربية (ما عدا البحرين) وموجات اللاجئين الناجمة عنها. فعادة ما يبدأ بعض الخطباء بمقارنة الربيع العربي بالسيرة النبوية (التي تهدف إلى تعميم السعادة على الشعب وجعل العالم مكانًا أفضل)، أو القول إن النبي والانتفاضات العربية كان لهما في البداية معارضون كثر، وإن «الإعلام» تحدث عنهما بشكل سيئ حين زعم أن كليهما يسببان الضرر للعالم. وغالبًا ما أعرب الخطباء عن دعمهم الحرية والكرامة وخيار الشعب،

ونددوا في كثير من الحالات بالأنظمة العربية الحاكمة واصفين إياها بأنها «باغية» و«منافقة» و«ظالمة» و«فاسدة» و«مستبدة»، ولا سيما حين الإشارة إلى الانتفاضة السورية أو الانقلاب ضد الرئيس المصري السابق محمد مرسي (منتصف عام 2013). ثمة حجتان شائعتان: الأولىهي أن العالم بأسره (أحيانًا اليهود و/أو الأميركيون) يتآمر ضد المسلمين، والثانية هي أن بعض المسلمين (في إشارة ضمنية أو صريحة إلى حزب الله أو إيران أو الشيعة) يساهم في دعم «الظالم». بينما في بعض الأحيان يُستخدم خطاب سياسي قوامُه «حزب الله ونظام الأسد» في مقابل الشعب السوري، ويجري التركيز في أحيان أخرى على الطوائف؛ إذ يُستنكر تورط الشيعة ودعم الظالم (النظام السوري)، وغالبًا ما يُدعى إلى

الجهاد ضد الشياطين، حيث يتجلى الانزلاق نحو الخطاب الطائفي. وخلافًا للخطب الشيعية التي تدعو المؤمنين للقتال في سورية ضد من يُسمّون «التكفيريين»، فلا نجد في عيّنة الخطب السنية مثل

هذه الدعوة، إلا في خطبة واحدة، ذكرت وجود مقاتلين من الطائفة السنّية. وتتوافق هذه النتيجة ودراسة لسعود المولى عن السلفية في لبنان.

(((2 «لهم رسالة ديمقراطية... نحن عندنا الإسلام»، خطبة من إمام مستقل من صيدا. «الأمة التي ضيعت طريقها، وبحثت طويلً عن الطريق الذي لربما ترجو من خلاله رفعتها وسؤددها وعزتها من أكثر من سبعين عامًا والأمة تبحث من قرن والأمة تبحث...

دخلت القومية ودخلت الشيوعية ودخلت العلمانية ودخلت الاشتراكية، دخلت كل العناوين المطروحة ودخلت الديمقراطية، دخلت كل العناوين لتجد من خلال هذه العناوين سعادتها! بربكم، هل وجدنا سعادتنا؟! هل وجدت الأمة حياتها؟! لماذا ضيعت الأمة طريقها وفيها آيات الله تتلى وفيها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الناطق بالحق عليه الصلاة والسلام الذي قال لنا «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه»... ما قال اجتنبوا بعضه، ولربما تقعوا في البعض.. قال «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه»... اجتنبوه كله! «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» خطبة لإمام تابع للأوقاف في جامع في بيروت.)2013((((2 «في ربيعنا العربي آلة إعلاميّة ضخمة مموّلة من دول ومن شركات ومن غير ذلك، هدفها الوحيد أن تقول هذا الربيع العربي

الذي يحمل الخير للبشرية، يحمل الخير لشعوبنا العربية، يريد أن يستخلص هذه الشعوب من الظلم والاستبداد والتسلط والفساد والفوضى وكل هذه المعاني يقولون عنها مؤامرة، يقولون عنها يريدون احتكار السلطة، يقولون عن هذه الآلة الإعلامية دائمًا تصور

هذه القضايا، يريدون أن يوقعوا بين ثورة الشعوب العربية وبين هذه الشعوب، حتى يبقى التسلط والاستبداد والفوضى والفساد وكل هذه المعاني متحكمة برقاب شعوبنا». خطبة لإمام من الجماعة الإسلامية في جامع في بيروت.)2012((((2 على سبيل المثال خطبة من البقاع: «ما أقول نعم نتمنى على إخواننا الشيعة.. أن يقولوا الحقيقة على مستوى ما يحدث. مش كلام... يجب أن تضعوا حدًا لاتهامكم بالمشاركة فيما يحدث في سورية هذا الأمر عم يولع الناس.» (((2 «نحن سنغير مجرى التاريخ وبوصلة التاريخ.. أقول لكم (...) من يريد أن يرجع فطيسة إلى أهله فلينزل إلى القصير، فإنّ أسود الله من جبهة النصرة ومن المقاتلين الذي نزلوا من هذا البلد الشريف الكريم ومن كل بلد مسلم ينتظرونكم (...)» خطبة من طرابلس.)2013((((2 سعود المولى، السلفية والسلفيون الجدد: من أفغانستان إلى لبنان (جديدة المتن، لبنان: سائر المشرق،.)2016

على الرغم من أن الأغلبية الساحقة من الحجج الطائفية الواردة في الخطب التي حللناها تتعلق بالشيعة، ولا تتطرق إلى المسيحيين، فإن بعض الخطباء كثيرًا ما يحرص على عدم البتّ في ذلك. وفي

هذا الصدد، يقول أحد الخطباء: «إن المشكلة ليست مع الشيعة، بل مع أولئك الذين يتبعون الظالمين ويؤذون الناس الأبرياء». ويؤكد أحد الخطباء على أن الإسلام دين سلمي، وأن الناس أحرار في الإيمان أو عدم الإيمان بأي دين. لكن خطيبًا آخر يصر على وجوب أن يكون الجهاد دعوة مؤسسية، لا مسألة

يباشرها الفرد من تلقاء نفسه. ويدعو الخطيب نفسه المسيحيين والمسلمين إلى الوقوف معًا في لبنان من أجل تجنب الخلاف والفوضى والانقسام (الفتنة). ومصطلح الفتنة هذا له دلالة سياقية كبيرة جدًا في الإسلام، خصوصًا في الانقسام السني - الشيعي، وفي الأزمات التاريخية بين الطائفتين، حيث يشار إليه بكثرة في الخطب لحثّ الناس على توخي الحذر من خطر «العداء للطوائف الأخرى» الذي تحرض عليه «المؤامرة العالمية ضد الإسلام». إضافة إلى ذلك، أجريتُ المزيد من العمل الميداني للنظر في شأن الخطباء السلفيين في طرابلس. فهذه الخطب عندما تتناول النزاع السوري تؤيد علانية جبهة النصرة، وتستخدم المفردات العدائية جدًا حيال النظام السوري وحلفائه، في حين أن بعضها يستخدم التصنيفات الثنائية الإشكالية عند ابن تيمية، مثل دار الإسلام ودار الحرب، كمبدأ للتعامل في العلاقات الدولية. وهذا من شأنه تأطير أسلوب النظر إلى الآخر الديني. لكنني التقطت ثلاث خطب سلفية في طرابلس لمقربين من جبهة النصرة السورية بعد التفجير الانتحاري المزدوج في جبل محسن (وهي منطقة علوية) الذي ارتكبته هذه المنظمة؛ المفاجئ إيجابيًا كان حقيقة أن الخطب الثلاث أدانت

هذا الهجوم، ما يعني أن على الرغم من دعم السلفيين جبهة النصرة، فإنهم كانوا غير مستعدين لقبول مثل هذا النمط من الأفعال ضد الطوائف الأخرى في لبنان. واللافت أن نلاحظ أن بعض الشباب يدرك أن ثمة خطباء مسيَّسون، لذا فهم يتجنبون الصلاة في المساجد التي يخطبون فيها، لأن «كل مسجد

يملكه فصيل، ويُعدّ الأشخاص الذي يصلّون في مسجد ما تلقائيًا أعضاء في هذا الفصيل». يرتبط الحضور الكبير للسياسة في الخطب مع ما وجدناه سابقًا عند تحليل مصادر المعرفة لدى الخطباء الذين ذكروا استخدامهم وسائل الإعلام من أجل مواكبة أحدث التطورات في الأخبار والسياسة. كما أنه يتوافق مع الميل المعلن للخطباء إلى إقحام التطورات السياسية الراهنة في خطبهم. يظل تداول الخطباء في الشأن السياسي ثابتًا بمرور الزمن؛ ففي عام 1965، درس بورثويك خطب صلاة الجمعة وتوصل إلى استنتاج مفاده أن الخطباء يروّجون لفكرة «القومية»، لكنهم لا يشجعون على «التحديث السياسي». ويكمن السبب، بحسب بورثويك، في أن الخطب توفر البلاغة والعواطف اللازمة للترويج للقومية، لكنها لا تُقدَّم إلى الجمهور بمهارات مكتسبة من خلال «التعليم العلماني، والقراءة المستقلة، والخبرة».

(30) The Samir Kassir Foundation, «Reception and Perception of Radical Messages,» Pilot Study, With the Support of Ministry of Foreign Affairs of the Netherlands, Beirut, June 2016. (31) Borthwick, in: Antoun. (32) Antoun.

علاوة على ذلك، تحضر القضية الفلسطينية بقوة في خطب صلاة يوم الجمعة، باعتبار أرض فلسطين أرضًا «مقدسة»، فضلً عن منع الإسرائيليين للفلسطينيين من الصلاة في المسجد الأقصى. كما نجد تواتر الدعوة إلى الجهاد ضد الإسرائيليين. وكان مما لاحظناه تحية أحد الخطباء امرأة فلسطينية معروفة (مريم فرحات «أم نضال»)، وتهنئتها باستشهاد ثلاثة من أبنائها في أثناء قتالهم ضد الاحتلال الإسرائيلي. أما في ما يتعلق بالقضايا الاجتماعية، فشمل بعض الخطب إشارات تثني على أعمال لها قيمة اجتماعية، مثل تنظيف الأحياء، والعمل الجاد واحترام العمال (لمناسبة عيد العمال)، وقيادة السيارات بأمان، وما إلى ذلك. هناك تركيز أيضًا على عدد من المشكلات الاجتماعية المتعلقة بالشباب، ولا سيما المسائل الجنسية وأنماط اللباس. وغالبًا ما يذكِّر الخطباء الجمهور بأن الالتزام الضعيف بالقيم

الإسلامية كانت له عواقب سلبية مباشرة على الحياة اليومية للناس، ويستشهدون بتصرفات مثل العلاقات خارج نطاق الزوجية (الزنا) أو المثلية الجنسية، ويربطون هذه الأفعال بزيادة انتشار بعض الأمراض. ومن الواضح أن كثيرًا من الخطباء يرى أن الشباب الفئة الأكثر عرضة للمخاطر. على سبيل

المثال، يقول أحد الخطباء التابعين لدار الفتوى في بيروت في خطبة صلاة يوم الجمعة: «في هذه الأيام، شبابنا ضائعون، منغمسون في الخطيئة، يبحثون فقط عن متعة، يقضون الليل في الرقص، ناسين شعائرهم الدينية». وغالبًا ما يسعى الخطباء إلى دفع جمهورهم إلى الشعور بالذنب؛ فمن أحد مساجد

البقاع يقول خطيب آخر: «ابتلينا في هذه الأيام بفجور الشذوذ الجنسي. تتزايد أعداد الشاذين جنسيًا

وينتشرون في لبنان كما النار في الهشيم». ولا تكتفي هذه العبارات بنصح المجتمع أخلاقيًا، بل تصف

ظاهرة اجتماعية أيضًا. لكنّ عددًا من البحوث أظهر أن المثلية في لبنان لا تزال هامشية جدًا، ولا مبرر لاستخدام مثل هذا التشبيه. ثمة موضوع آخر لافت في بعض الخطب التي حللناها هو مسألة الزواج المدني؛ إذ يرتبط هذا الشأن بحقيقة أن فترة إلقاء هذه الخطب تزامنت مع حملة لناشطين علمانيين في لبنان تدعو إلى الزواج المدني. ومن اللافت في الوقت نفسه النظر بمزيد من التفصيل إلى الخطاب الديني بشأن القضايا الاجتماعية، مثل هذه القضية. على سبيل المثال، انتقد خطيبان اثنان تصرف أحد الوزراء اللبنانيين الذي وقع على عريضة تؤيد الزواج المدني، واعتبرا ذلك مؤامرة من السياسيين المسيحيين والشيعة ضد الطائفة السنّية. وقال أحد الخطباء أن الزواج المدني لا يتطرق إلى جوانب مهمة في مسألة الزواج، مثل الميراث والطلاق من منظور ديني، وأعلن أمام المصلين أن الزواج في تركيا (العلمانية) مخالف لتعاليم «العقيدة الإسلامية». لكن، عمومًا، لم تقدم أي من الخطب الثماني التي أدانت الزواج المدني

حججًا تدعم بها رأيها، بل طرحت المسألة على أنها مؤامرة علمانية ضد الدين.

الخطب الشيعية

تتنوع الموضوعات في حالة الخطب الشيعة بشكلٍ كبير، حيث تجري تغطية الموضوعات السياسية والاجتماعية الراهنة، والموضوعات الدينية بالمعنى الدقيق للكلمة، والتاريخية (حياة النبي والإمامين

(((3 يقول أحد الخطباء من بيروت: «الإسلام دين العمل. يدفعنا ويحثنا على العمل الجاد.»

علي والحسين). ووجدنا أن 40 في المئة من الخطب تشير إلى القضايا الاجتماعية (اختيار الزوج والإحسان وتربية الأطفال ومكافحة العنصرية). وتحيل خطبتان فقط إلى غير الحديث والقرآن عند التحدث في القضايا الاجتماعية. كما تحتوي الإشارة إلى القضايا السياسية على كثير من الإحالات إلى غير الحديث والقرآن. تتناول ثلاثة أرباع الخطب قضايا ذات طبيعة سياسية (أي أكثر بكثير من الخطب السنّية). ويشمل ذلك قضايا مثل القانون والديمقراطية (في خطبة واحدة مقاربة إيجابية تدعو إلى حماية الديمقراطية، بينما تعتبر الخطب الأخرى أن الديمقراطية هي المسؤولة عن الإرهاب) والإصرار على الحرية والتحرر (معظمها بشأن البحرين والقطيف)، فضلً عن أن كثيرًا من الكلام دار حول الحوار السياسي بين

اللبنانيين وحقوق الإنسان (عبارات بشأن أن للبشر حقوقًا لأنهم بشر فحسب، بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى) والإلحاح في معاملة الآخرين (مثلً: اللاجئين السوريين) بوصفهم إخوة وأخوات وقضايا الفساد وتجنب الانهيار الحكومي وإدانة تسييس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والمواطنة والوطنية وحماية الجيش...إلخ. ثمة تركيز على المقاومة اللبنانية، ولا سيما بمعناها العسكري: «المقاومة هي الطريقة الوحيدة الفعالة للأمم لنيل حقوقها». وهذا يشمل الإشادة بالجيش اللبناني: «تحية للجيش الوطني في يوم عيده - فالزعماء السياسيون لا يهدفون إلى تطوير بلدانهم، ولكن لتولي الحكومة خدمة لأغراضهم الخاصة - ومطالبة الزعماء بالتوقف عن الكذب على أبناء أمتهم والعمل على خدمتهم.» هذه المقاومة هي ضد «الآخرين» (المقصود الولايات المتحدة، «الشيطان الأكبر»): «إن ما يجري في سورية من فظاعات وقتل وتدمير وتفجير تجاوز حدود العقل والمنطق والدين ومما لا شك فيه ولا ريب أنه عمل مخابراتي غربي دولي بامتياز لتدمير سوريا وإنهاء دورها الممانع والمتصدي لكل المشاريع الأطلسية والغربية والصهيونية ونحن لا نقف عند حدود الاستنكار الشديد والإدانة، إنها مؤامرة فعلية وحقيقية على سوريا الاستراتيجية، سوريا الوطن والشعب، سوريا الجغرافيا والتاريخ». ويقول خطيب آخر: «المقاومة مهمة لمواجهة المخطط الغربي لاحتلال البلدان العربية... أميركا هي شرّ يختبئ تحت

ستار الديمقراطية لتحقيق مصالحها الرئيسية». ويُشدَّد أيضًا على المقاومة بحسب الرؤية الإيرانية. وكثيرًا

ما يُذكر آية الله علي خامنئي باعتباره المنظر الرئيسي لها. وهناك كثير من الانتقادات للأنظمة العربية، لأسباب متنوعة مثل التدهور الديني والاضطهاد. ومن الأمثلة على ذلك مهاجمة السياسات الخارجية لهذه الدول حيال إيران: «يحتج العرب والخليج ضد الطاقة النووية الإيرانية، إلا أنهم يصمتون على الإجراءات الإسرائيلية الخطرة». ولعل هذا السبب الذي جعل نسبة الإشارة إلى بلدان إسلامية أخرى (أي إيران) عالية (41 في المئة مقارنة ب 18 في المئة في الخطب السنّية) (الجدول.))18(

(((3 على سبيل المثال هذه الخطبة من الضاحية: «نستنكر وندين ما أقدمت عليه سلطة البحرين من اعتقال أمين عام جمعية الوفاق في البحرين سماحة العلامة الشيخ علي سلمان (حفظه المولى) ونطالب بإطلاق سراحه فورًا، وهل يعقل ونحن في القرن الحادي

والعشرين أن تصادر الحريات والكلمة؟ وهل ممنوع على الإنسان أن يبدي رأيه وسنوات تناهز الأربع على حراك سلمي في البحرين يطالب بالحقوق الوطنيّة والعالم غائب عن كل ما يجري لحسابات سياسيّة على حساب الشعب البحراني، فإن ما يجري خطير وهل

اعتقال سماحة الشيخ هو المقدمّة لما تضمره مملكة البحرين وما ستقدّم عليه؟ وإلى أين تصير الأمور؟، فعلى العالم أن يتوحّد

بالمطالبة بإطلاق سراح سماحة الشيخ وإنصاف الشعب البحريني.»

الخلاصة هي أن الخطب السنّية والشيعية مسيَّسة للغاية، ولو بدرجات متفاوتة (الخطب الشيعية أكثر)،

حيث تُتناول فيها مفردات أساسية (الإرهاب، المقاومة، الشر، الخير، وما إلى ذلك) في ظلّ غياب طرائق تفكير نقدية متبعة في العلوم الاجتماعية؛ فغالبًا ما تتكرر كلمة «المؤامرة» ضد الإسلام والعالم

الإسلامي في كل من الخطب السنية والشيعية، لكن في الواقع أصبحت هذه الكلمة أشبه بالهواية الوطنية في العالم العربي بما في ذلك بين الجماعات اليسارية. فالزعماء السياسيون يتصارعون حول مقترح القانون الانتخابي وتطييفه، ولكن يعزون عدم التوصل إلى اتفاق إلى مؤامرات خارجية على المسلمين في المنطقة العربية، ويرون في الجهاديين في سورية جزءًا من المؤامرة، لأنهم لا يلتزمون

خلفيات الإسلام الحقيقي. عمومًا، الفرق بين الشيعة والسنة هو اختلاف الموضوعات المختارة، أما لجهة العلاقة بالطرائق الأربع

للتفكير النقدي الاجتماعي، فالفرق واهٍ: النوع الأولمن التفكير والقياس (الاستكشاف التجريبي والقياس لمزيد من العلاقات المعقدة الملُاحظة) يندر وجوده. على سبيل المثال، يندر الوصف

العلمي للظواهر الاجتماعية أو السياسية قبل أن تسبقها إفادات وأحكام معيارية بشأنها. والنوع الثاني (البناء الفرضي لنماذج مقايسة) قليل جدًا أيضًا، فنادرةٌ هي الخطب التي تشجع على التفكير النقدي عبر إظهار أن الواقع الاجتماعي يتطلب التفسير، وأن هناك آراء مختلفة في ما يخص أي قضية اجتماعية أو سياسية. وبدلً من إدخال التريّث (hesitation) كطريقة في التجريب يصرّ الخطباء على حقيقة واحدة

وجانب واحد. أما في ما يتعلق بالنوع الثالث (ترتيب التنوع من خلال المقارنة والتصنيف)، فنادرة هي الخطب التي تعقد مقارنة بين السياقات الاجتماعية والسياسية المختلفة أو البلدان أو النظم الاجتماعية المختلفة. لكن غالبًا ما تستخدم المقارنة بعهد النبي محمد وعهد صحابته كطريقة لتحفيز الشعور

بالذنب لدى الجمهور. وفي ما يتعلق بالطريقة الرابعة الأخيرة من التفكير العلمي الاجتماعي (التحليل الإحصائي للانتظامات ضمن مجتمع العينة وحساب الاحتمالات)، فثمة ندرة في استخدام مثل هذه البيانات في الخطب. علاوة على ذلك، طرحت في أحيان كثيرة إحصاءات غير موثّقة.

الإشارة إلى الآداب العامة

من اللافت عدم وجود فرق أساسي بين الخطب السنية والشيعية في ما يتعلق بالإشارة إلى الآداب العامة؛ ففضلً عن تشجيع الناس على اتباع الحقوق الإسلامية والفقه، يؤكد ثلث الخطب على الآداب العامة (يُنظر الجدول (17)). وتشمل الآداب العامة التعامل الرحيم مع الشباب، واحترام الجيران وذوي

القربى، والولاء للوطن (الوطنية)، والعمل الجاد، والحفاظ على النظافة، وتجنب تعاطي المخدرات والكحول، وتعظيم قيمة الحرية والكرامة والإنسانية، وما إلى ذلك. يذكِّر أحد الخطباء الناس أنه حتى في الحرب ثمة قواعد أخلاقية، فيقارن بين غزوة تبوك في الماضي ووقتنا الحاضر، ويأسف لانعدام الأخلاق في عصرنا. وكان أحد الموضوعات المتكررة مساعدة اللاجئين السوريين، حيث يحث أحد الخطباء اللبنانيين على التعامل مع السوريين كما فعل الأنصار (أهل المدينة المنورة) الذين ساعدوا المهاجرين (أهل مكة) في أوائل التاريخ الإسلامي، بينما يناقش خطيب آخر المساعدة التي قدمها لبنان في الماضي إلى اللاجئين الأرمن، ويتساءل عن انعدام الإرادة في مساعدة اللاجئين السوريين حاليًا.

في بعض الأحيان، تستخدم أساليب قاسية في التبليغ عن السلوك الحسن والسيئ، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأصول لباس النساء، أو حتى بشأن ممارسة الفتيات لعبة كرة القدم في مخيم البرج الشمالي للاجئين (بالقرب من مدينة صور). كما يمكن ملاحظة قسوة مماثلة عند مناقشة عدم الالتزام ببعض العبادات، مثل الصلاة. يدعو نحو نصف الخطب السنّية إلى العودة إلى الحياة الدينية الأولى (حياة الرسول والصحابة)، في حين ذكر أكثر من نصفها، بطريقة أو بأخرى، أن الدين هو السبيل الوحيد للفلاح في الحياة (70 في المئة). وغالبا ما يُستدعى التاريخ الإسلامي لإظهار كيف أن المسلمين على الرغم من مواجهتهم دائمًا مشكلات خارجية (الصليبيين والمغول...إلخ)، نجحوا في إحراز النصر بفضل الله لأنهم تمسكوا بالقيم والممارسات الإسلامية. وغالبًا ما يجري إيصال هذه الرسالة من خلال شجب السلوك الحالي

«المنحرف» للمسلمين، وبعث الأمل باتباع كلام الله. واستنكر بعض الخطب التي تزامنت مع مناسبة المولد النبوي [عطلة رسمية في كثير من الدول الإسلامية] اعتبار هذا التاريخ عطلة والاحتفال به «احتفالً زائفًا»، في حين ينبغي بدلً من ذلك الاحتفال بها عبر «متابعة تعاليم النبي وممارستها في حياتنا وقراراتنا اليومية.» أما أحد أشكال المطالبة بالعودة إلى الحياة الدينية الأولى فكان المطالبة بتطبيق نظام العقوبات الإسلامي (الحدود). ويبدو أن كثيرًا من الخطباء متزمتٌ بشأن تنفيذ «الحدود»

كلها، ويعتقد أن من شأن ذلك «أن يمنع الناس من ارتكاب المزيد من هذه المعاصي، وأن يطهر الناس والمجتمع». كما شدد كثيرون على وجوب أن ترتدي النساء المسلمات الحجاب وأن يغطين أجسادهن.

الآخرون غير المسلمين

الخطب السنية

لا تميل الخطب السنّية إلى الحديث عن تصورات المسيحيين (أغلبيتها لا تشير إلى المسيحيين أو المسيحية). ومع ذلك، عندما ذُكر ذلك، كانت الإشارة إيجابية في بعض الأحيان، ومحايدة أحيانًا أخرى. ونادرًا ما ذُكرت المسيحية في سياق سلبي أو ببساطة في ظل المنافسة (الجدول.))20(لكن وجدنا استنكارًا واسعًا للغرب الذي يُنظر إليه أحيانًا أنه تجسيد للمسيحية، وأحيانًا أخرى على أنه تجسيد للإمبريالية والهيمنة. على سبيل المثال، ذكّر أحد الخطباء «جمهوره» أن مفكري عصر التنوير الأوروبي هاجموا الإسلام (فولتير ورينان وغيرهما). ويضيف ذها الخطيب: «هناك قانون في العالم

(((3 يُنظر:

goo.gl/Gc2c9W.

(((3 على سبيل المثال: «الأيام العصيبة التي تحزب (...) علينا النصارى واليهود والإيرانيون والروس والصينيون، من كل حدب وصوب ودخلوا إلى بلاد الله إلى أشرف البلاد بعد مكة والمدينة، إلى بلاد الشام». خطبة لخطيب سني من البقاع.)2012((((3 على سبيل المثال، استنكر أحد الخطباء الشباب حقيقة أن عطلة نهاية الأسبوع تشمل الأحد وليس يوم الجمعة في دعوته إلى تمكين المؤسسات الدينية السنية. وبالتالي، يمكن الافتراض أن الإشارة إلى الطوائف أو الديانات الأخرى ترتبط وسياق التطورات والحوادث.

يمنع معاداة السامية. نحن شعوب سامية. أفلا نستحق الحماية من الهجوم؟ أدعو القانون الدولي إلى حماية الدين ومنع مهاجمته». لكن نادرًا ما تُستدعى الصورة الإيجابية للشعوب الغربية باعتبار أن ليس كل المفكرين متحيزين أو أن الأفكار الغربية سيئة، أو حتى الإشارة إلى حقيقة أن بعض الغربيين يبحث في الإسلام ويستفسر عنه ويعتنقه بعضهم؛ إذ ذكر أحدهم غوستاف لوبون الذي يقول إن التاريخ لم يشهد فاتحًا أرحم من العرب. ويبيّن خطباء آخرون كيف مدح بعض المفكرين الغربيين الإسلام، لكننا لم نرَ الاقتباس أو مصدره. وتبدو بعض الأفكار غير صحيحة، مثل إفادة أحد الخطباء بأن الفاتيكان أشاد بالاقتصاد الإسلامي. الجدول (20) إشارة الخطب إلى المسيحية وسياق الإشارة العدد

النسبة المئويةالعدد
9.18سياق التسامح
2.32سياق سلبي
8.07سياق آخر
80.771لا توجد إشارة
10088المجموع

علاوة على ذلك، لاحظنا أن أغلبية الخطب التي حللناها لا تشير إلى اليهود. لكنْ عندما تكون هناك إشارة، يكون ذلك في معظم الأحيان في سياق سلبي. ويبدو هذا انزلاقًا، فبدلً من استخدام مصطلح الصهيونيين أو الإسرائيليين، استخدم الخطباء كلمة «اليهود» (يُنظر الجدول (21)). وفي بعض الأحيان ثمة إشارة إلى «اليهود في فلسطين»، كناية عن الإإسرائيليين. الجدول (21) إشارة الخطب إلى اليهود وسياق الإشارة العدد

النسبة المئوية

النسبة المئوية

النسبة المئويةالعدد
2.32سياق إيجابي
22.720سياق سلبي
4.54حيادي
70.562لا توجد إشارة
10088المجموع

الخطب الشيعية

تشير 17 في المئة من الخطب إلى المسيحية، ثلاثة أرباع منها في سياق ايجابي (5 فقط بطريقة سلبية ولو بشكل مبطن)، بينما تشير 15 في المئة إلى الطوائف الإسلامية الأخرى، ومعظم هذه الإشارة يأتي في سياق التسامح. وشدّد بعض الخطب على الحوار السنّي الشيعي والحوار الإسلامي المسيحي. وتشير 12 في المئة إلى اليهود (ثلاثة أرباعها في سياق سلبي). وتشير هذه الخطب إلى البلدان العربية، بشكل رئيس إلى البحرين، فلسطين، العراق، فضلً عن غيرها. وهناك أيضًا إشارة إيجابية متكررة إلى إيران، وإشارة سلبية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يشير معظم الخطب إلى أي تفاعل للخطيب مع حزب غير ديني أو جماعة غير دينية، كما لا يشير إلى الحضارة الغربية في إطار سلبي.

خلاصة

لا يوجد «أنموذج» معين أو مفهوم واحد ل «خطيب صلاة الجمعة»، بل توجد اختلافات كبيرة بين المجموعات الإسلامية المختلفة، حيث لا يوافق الخطباء بالضرورة على بعض المفاهيم الدينية الرئيسة، فضلً عن أنهم يصبحون مسيَّسين على نحو متزايد. ومع أن أغلبية من قابَلناهم كانوا قد

تخرجوا في المدارس الدينية والجامعات، لكنهم نادرًا ما يستخدمون المعرفة أو الأدوات العلمية النقدية الاجتماعية من أجل تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية وتشخيصها. وهذا يؤكد أهمية البحث في تأهيل الخطباء وتدريبهم في المؤسسات الدينية من منظور العلوم الاجتماعية، ولا سيما في ضوء تأثيرهم الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية. إن حضور القضايا السياسية، وإلى حد أقل، القضايا الاجتماعية طاغٍ في خطب صلاة يوم الجمعة، هذا في حين أن التفاعل الرئيس للخطباء مع البحث الاجتماعي يقتصر على ما تردده وسائط الإعلام من صحف وراديو وتلفزيون. هناك وعي كبير بمشكلة محتوى الخطب وأسلوب الدعوة. على نحوٍ بليغ، يسمّي عثمان محمد هذا

الأمر «الأسلوب الدعوي المُكتئب» - [العلاج بالدواء المر»] (Depressive Da`wah Style - [The Bitter-

Pill Treatment])؛ فهو يرى أن هذا الأسلوب يتميز بخمس خصائص: أول، تقريع المستمعين وتدمير كبريائهم؛ ثانيًا، مقارنة الحالة الراهنة بحالة الصحابة، أو السلف الصالح، من دون توضيح اختلاف

السياق؛ ثالثًا، التشديد على أن أعمالنا ومساعينا تتناقض مع نِعَم الله علينا؛ رابعًا، التركيز على عذاب القبر وعقاب الآخرة من دون ذكر الثواب الجميل الذي أعده الله لأتباعه؛ وأخيرًا، عزو الكوارث في أمتنا (المجتمع) إلى السلوك الخاطئ للمسلمين، والتحدث عن الذنب المستمر والدائم!.

(((3 على سبيل المثال خطبة من جامع في الجنوب (2015): «على أبواب الميلاد المبارك سائلين الله تعالى أن يعافينا والوطن من أسقامنا بنظرة من السيّد المسيح عيسى بن مريم ولمسات يده، فقد شفى وأحيا. كلنا بانتظار شآبيب الرحمة الإلهيّة لخلاص البشريّة

بولاية إلهيّة قائمة بإمامة المهدي ونبوة عيسى في بيت المقدس تشرق بهما شمس الهداية وتحيي القيم ويقام العدل فلا احتلال ولا

قهر ولا طغيان أخوة إنسانيّة يجمعها الحب والرحمة يا ربّ استجل دعاءنا وحقق آمال عبادك بوعدك الصادق.مفتاح الحوار ومد اليد

وفتح القلوب والانطلاق من الذات بقبول الآخر والتفاهم على أسس وقواعد تضمن حياة عزيزة ومواطنة صادقة بعيدًا عن الأنانيّات

والحسابات الضيّقة وبناء دولة قويّة ومؤسسات بعيدًا عن المحاصصات والإملاءات والتبعيّات ورهانات الأماني المزيّفة.»

(39) Othman Mohammad, «Depressive Da`wah Style - [The Bitter-Pill Treatment],» 2013,Accessed on: 12/8/2014, at: goo.gl/AJPZiZ.

في هذه الدراسة، أثبتُ أن التشكيلات الخطابية لخطب صلاة الجمعة لها علاقة وثيقة ببنيات السلطة. يعتبر ماكس فيبر أن سوسيولوجيا الدين هي بُعد من أبعاد سوسيولوجيا السلطة. وسعى المنظرون مطوّلً إلى تصنيف السيرورات المجردة الملُازمة لشرعنة السلطة وفهمها، أو بصورة أدق، «المنطق

المحدَّد لإسناد شرعية الأمر والطاعة». يحدد ماكس فيبر ثلاثة «أنماط صافية» للشرعية (التقليدية والكاريزمية والقانونية)، ويؤكد أنها يجب أن تظهر متعالقة في ما بينها مع التراكب في داخل مجتمع معين من أجل ضمان أدائها السليم لوظائفها. وهذا ينطبق على الخطباء والمفتين. ويتعلق الأمر بكيفية بسطهم سلطتهم، وتوظيفهم واحدة (أو أكثر) من استراتيجيات الشرعنة. يعدل باتريك جافني تنميطات فيبر فيصنف الوعظ المصري في ثلاثة أنماط: القديس، والباحث،

والمحارب. وأنا هنا أغيِّر تصنيف جافني وأعطيه معنى مختلفًا: التقليدي والباحث والقديسُ.

التقليديهو الذي يستخدم أساسًا الحجج بالإحالة إلى الماضي: أساسًا إلى الأزمنة الأولى

للإسلام. وهذا أيضا ما يشير إليه محمد عابد الجابري ويصفه بالتفكير في النصوص المقدسة (العقل البياني) الذي يستخدم دائمًا القياس المفرط مع الماضي. والباحثلا يعتمد على التراث

والتقاليد فحسب، بل على الطرائق العلمية في التحقيق من أجل قراءة الواقع وإيجاد الحلول باستخدام مجموعة معقدة من التأويلات للنص المقدس والحديث النبوي. وأخيرًا، القديس (ما

يعادل الشخصية الكاريزمية عند فيبر) يعتمد في كثير من الأحيان على مستوى غير عادي من الجاذبية الشخصية والمهارات البلاغية الخطابية والعواطف، من دون حجج سواء أكانت من التراث أم من العلوم الاجتماعية. إلى هنا، لا يعالج تحليل خطب صلاة الجمعة كما ينبغي طريقة الخطباء في تأسيس سلطتهم واستخدام استراتيجيات الشرعنة. ومع ذلك، أستطيع أن أقول إن معظمهم يمثل نمطَي القديس والتقليدي، ونادرًا ما يمثل نمط الباحث. وهذا له عاقبة على الكيفية التي يسهل بها انقياد الناس

المتدينين للخطباء، من نمطَي القديس والتقليدي. على الرغم من أنني أعتقد حقًا أن الأفراد يُنشئون «التوليفات (Bricolage) » الخاصة بهم للمعتقدات، وهي تتجاوز ما يريد الخطباء إملاءه عليهم، وهذا نهج يمكن أن يؤدي إلى عواقب فادحة. وحتى عمار بن حمودة يتساءل بتهكم إن كان لطقوس الصلاة أي تأثير في السلوك الأخلاقي للمسلم. ففي سياق القمع وانغلاق الفضاء السياسي، أعتقدُ حقًا أن هذه الاستراتيجيات الخطابية في الوعظ والدعوة تتيح، مباشرة أو بشكل غير مباشر، تحول بعض الشباب بسهولة من كونهم، على سبيل المثال، داعمين قيمًا مثل العدالة الإنسانية

العالمية والحرية ومكافحة الظلم والمساواة والديمقراطية، إلى كونهم داعمين تنظيمات وجماعات

(40) Craig Matheson, «Weber and the Classification of Forms of Legitimacy,» The British Journal of Sociology , vol. 38, no. 2 (June 1987), p. 199. (41) Max Weber, «Politics as a Vocation,» in: Max Weber’s Complete Writings on Academic and Political Vocations , John Dreijmanis (ed. with intro.), Gordon C. Wells (trans.) (New York: Algora Pub., 2008).

(((4 محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، نقد العقل العربي (1)، ط 7 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1998 (((4 عمار بنحمودة، «المسجد والحداثة»، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، آب/أغسطس.2016

goo.gl/PQbjBQ.

تسيء إلى القيم الإسلامية (مثل تنظيم «داعش»، أو بعض الجماعات الجهادية الطائفية، سنة أكانت أم شيعة)، وكذلك جماعات متطرفة تستبعد الآخرين بوصفهم «كفارًا» وتدعو إلى فرض قوانين كان لها معنى في أيام الحكم الإسلامي الأول، لكن ربما عفّى عليها الزمن الآن. وأعتقد حقًا أن الدافع الكامن وراء التطرف والتشدد هو سيرورة مديدة من التنشئة الاجتماعية التي أحد مصادرها هو الوعظ والدعوة. لكن عندما لا توجد أي وسيلة لمعالجة المطالبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والهوياتية، سينشأ هناك مُتَّصل يربط بين تصورات الآخر في الدعوة والوعظ (الذي يتكرر خصوصًا لدى بعض الدعاة السلفيين الوهابيين) وأساليب التفكير التكفيرية الداعشية. وكما نرى في تحليل خطب صلاة الجمعة هناك أحيانًا ميول واضحة وانزلاق نحو هذه القضايا، مثل تعزيز الطائفية أو الدعوة إلى استعادة كامل أسلوب الحياة والسياسة الشرعية من حكم المسلمين التاريخي السابق، من دون التفكير في التمييز بين الزمني والديني. ويشير علي حرب بشكل واضح إلى أن هذا الأمر لا يعني بعض الاتجاهات ضمن الإسلام السني فحسب، لكن ضمن الإسلام الشيعي أيضًا. ويمكنني أن أضيف أن تصور الخطباء للآخر يعكس أحيانًا كيفية تصور عوالم الغرب للآخر. إن ردة فعل أوروبا على طرد تنظيم «داعش» 8000 مسيحي مقارنة بعدم وجود أي ردة فعل على إجراءات طرد «داعش» 423.000 شخص من الموصل في العراق يكشف كيف أن الآخر المسلم «غير مرئي» في تصور الإنسانية لدى كثير من السياسيين الغربيين. ذلك ما عبّر عنه فرانسوا بورغا

بقوله إن ردة فعل الغرب على «الأزمة السورية معاكسة لمفهوم العالمية.» References

المراجع

العربية

كتب

الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. نقد العقل العربي (1). ط 7. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1998 عماد، عبد الغني. الإسلاميون بين الثورة والدولة: إشكالية إنتاج النموذج وبناء الخطاب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 القرضاوي، يوسف. ثقافة الداعية. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1978 المولى، سعود. السلفية والسلفيون الجدد: من أفغانستان إلى لبنان. جديدة المتن، لبنان: سائر المشرق،

(((4 علي حرب، «التنّين التكفيري صنعته المؤسسة الدينية»، النهار،.2014/9/20

goo.gl/7KTVSb.

(((4 عبد الغني عماد، الإسلاميون بين الثورة والدولة: إشكالية إنتاج النموذج وبناء الخطاب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.278

(46) François Burgat, «La Crise syrienne au prisme de la variable religieuse (2011-2014) (1/4),» Tunivers , 18/9/2014, at: goo.gl/Um7zvE.

دراسة

بنحمودة، عمار. «المسجد والحداثة». مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. آب/أغسطس.2016

goo.gl/PQbjBQ.

الأجنبية Books

Antoun, Richard T. Muslim Preacher in the Modern World: A Jordanian Case Study in Comparative Perspective. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1989. Bunt, Gary R. Virtually Islamic: Computer-mediated Communications and Cyber Islamic Environments. Llandybie: Dinefwr Press, 2000. Francis, Pope. The Joy of the Gospel: Apostolic Exhortation Evangelii Gaudium of the Holy Father Francis to the Bishops, Clergy, Consecrated Persons and the Lay Faithful on the Proclamation of the Gospel in Today's World. Rome: Vatican Press, 2013. Hatina, Meir. «Ulama», Politics, and the Public Sphere: An Egyptian Perspective. Salt Lake City: University of Utah Press, 2010. Hollis, Martin and Steven Lukes (eds.). Rationality and Relativism. Cambridge, Mass.: MIT Press. 1982. Moussaoui, Abderrahmane. De La Violence en Algérie: Les Lois du chaos. Alger: Barzakh, 2006.

Periodicals

Matheson, Craig. «Weber and the Classification of Forms of Legitimacy.» The British Journal of Sociology. Vol. 38. no. 2. (June 1987), pp. 199-215. Salmon, Merrilee H. «Reasoning in the Social Sciences.» Synthese. Vol. 97. no. 2: Empiricism in the Philosophy of Social Science (November 1993), pp. 249-267. Weber, Max. Max Weber’s Complete Writings on Academic and Political Vocations. John Dreijmanis (ed. with intro.). Gordon C. Wells (trans.). New York: Algora Pub.,

Documents

Burgat, François. «La Crise syrienne au prisme de la variable religieuse (2011-2014) (1/4).» Tunivers. 18/9/2014. goo.gl/Um7zvE. Mohammad, Othman. «Depressive Da`wah Style - [The Bitter-Pill Treatment].» 2013. Accessed on: 12/8/2014. at: goo.gl/AJPZiZ. Morsy, Ahmed and Nathan Brown. «Egypt’s al-Azhar Steps Forward.» Carnegie Endowment for International Peace. 7 November 2013. goo.gl/7zo5DA. Murad, Abdal-Hakim. «Islam and the New Millennium.» 2013. http://masud.co.uk/ ISLAM/ahm/millen.htm. The Samir Kassir Foundation. «Reception and Perception of Radical Messages.» Pilot Study. With the Support of Ministry of Foreign Affairs of the Netherlands. Beirut. June