العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مفاهيم أساسية في علم الاجتماع

مفاهيم أساسية في علم الاجتماع

Essential Concepts in Sociology

محمود الذوادي | Mahmoud Dhaouadi *

الملخّص

الكاتب: Anthony Giddens & Philip W. Sutton العنوان الأصلي: ESSENTIAL CONCEPTS IN SOCIOLOGY الناشر : Polity Press مكان النشر: UK & USA تاريخ النشر: 2014 عدد الصفحات: 240

الكلمات المفتاحية:
  • مفاهيم علم الاجتماع
  • نظريات سوسيولوجية
  • تقاطع
  • مخاطرة

الكاتب Anthony Giddens & Philip W. Sutton: ESSENTIAL CONCEPTS IN SOCIOLOGY: العنوان الأصلي الناشر Polity Press: مكان النشر UK & USA: تاريخ النشر 2014: عدد الصفحات 240:

يحتوي هذا الكتاب على 240 صفحة تتضمن 67 مفهومًا، يعتبرها صاحبا الكتاب مفاهيم أساسية في علم الاجتماع المعاصر. استعمل المؤلفان منهجًا مبتكرًا في تطرقهما وتحليلهما ومناقشتهما تلك المفاهيم في علم الاجتماع. وتتكون خطتهما التحليلية من خمس نقاط: التعريف بالمفهوم؛ الحديث عن أصوله؛ الإشارة إلى معناه وتأويله؛ معالم نقدية للمفهوم؛ مدى استمرار صلاحيته اليوم.

محاور الكتاب وعلاقة المفاهيم بميلاد النظريات

قسّم غيدنز وسوتن كتابهما إلى عشرة محاور فكرية في صلب علم الاجتماع، فجاء المحور الأول بعنوان «التفكير برؤية علم الاجتماع »، والمحور الأخير عن علم الاجتماع السياسي. وتنوعت عناوين باقي المحاور، فشملت بُنى المجتمع والجريمة والضبط الاجتماعي والتفاعل والتواصل والصحة والمرض والجسم. واختار المؤلفان الترتيب الألفبائي في تقديمهما أو تأخيرهما الحديث عن مفاهيم كل محور في الكتاب وتحليلها ومناقشتها. وتسمح هذه الخطة بالقول إن الكتاب هو معجم فكري ثريّ وواف لمفاهيم علم الاجتماع المعاصر، فضلً عن أنه مرجع فكري ثاقب في صلب جوهر الرصيد الفكري الضخم لعلم الاجتماع يساهم بقوة في التعرّف إلى لبنات تأسيسه؛ إذ تُولد العلوم وتكسب مشروعيتها متى تُنشئ مفاهيم ونظريات. ويسبق في العادة ظهورُ المفاهيم ميلادَ النظريات. فتعرّف مراجع علم الاجتماع هذه العلاقة كالآتي: تمد المفاهيمُ الباحثَ بزاد لغوي صالح لإنشاء نظرية ما وتحديد موضوعها. وعندما توجد علاقات مترابطة بين بعض المفاهيم في خطة أو مشروع معيّن، فإن ذلك يساعد على بداية ظهور نظرية ما قد تسمح بالرسوخ وحتى بالشهرة في ميدانها وخارجه.

الكتاب معجم فكري وفهرس ثقافي

في ضوء ذلك، فنحن هنا في صحبة معجم فكري أو فهرس ثقافي تحليلي لعدد مهم من المفاهيم الأساسية لعلم الاجتماع المعاصر، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية من العالم الغربي. وبالتالي، فترجمته إلى العربية تضع اليوم وفي المستقبل كنزًا معرفيًا هائلً بين يدي عالم وطالب علم الاجتماع العربي، وعلى رفوف المكتبة العربية بصفة عامة. أما عن مؤلفي هذا المعجم الفكري السوسيولوجي القيم، فيُعتبر غيدنز اليوم من أبرز علماء الاجتماع البريطانيين والأوروبيين، لذا سيكون كتابه هذا إضافة إلى كتابهعلم الاجتماعالمترجم إلى العربية (2005)، مساهمة إضافية لمصلحة تواصل علم الاجتماع العربي مع أحدث ما ألّفه صحبة زميله فيليب سوتن في الفكر السوسيولوجي. وهو في نظرنا، كسب لعلم الاجتماع العربي على مستويين: الأولنفاذ علماء الاجتماع والطلاب العرب في علم الاجتماع إلى أطروحات هذا الرصيد الفكري السوسيولوجي الضخم الذي تحمله صفحات محاور هذا المعجم الفكري الرائد، ما يوسع في الآفاق المعرفية في علم الاجتماع العربي.، لعل ثانيًا محتوى هذا المعجم الفكري القيم المهتم بمسألة المفاهيم في علم الاجتماع يلفت علماء الاجتماع العرب لكي يسألوا أنفسهم هذا السؤال المعرفي والفكري: لماذا لا يكاد يوجد بيننا من توصل إلى استنباط مفاهيم سوسيولوجية ذات صدقية مستلة من المحيط الاجتماعي في المجتمعات العربية

المعاصرة أو من تفكيرهم الشخصي في شؤون الناس والمجتمعات؟

الكتاب سهل اللسان والطرح الفكري

هذا الكتاب خالٍ من الكلمات المبهمة وحافل بالألفاظ اليسيرة. يقدّم المؤلفان مجموعة مختارة باعتناء كبير من المفاهيم الأساسية لعلم الاجتماع التي ساعدت في تشكيل مسيرة علم الاجتماع وتخصصات أخرى. فبتجاوز التعريفات المختصرة لمعاجم علم الاجتماع، يطرح صاحبا الكتاب نقاشًا وافيًا وضافيًا لكل مفهوم يتضمن مسيرته التاريخية والنظرية ويستكشف دلالاته المستعملة ويبرز بعض معالم الانتقاد الموجهة إليه. وأخيرًا، يَذكر جدنس وصتن للقراء تطور المفهوم في البحث المعاصر وفي مجال التنظير. ويسمح هذا التنظيم الخماسي في طرح تحليل ومناقشة المفاهيم بالقول إن الكتاب مرجع سوسيولوجي مثير للتفكير وحاضن للتواصل مع الجديد والقديم من فكر علم الاجتماع كتخصص يتشوق إلى كسب رهان العلمية؛ إذ إن العلوم، كما ذكرنا، تصبح لها المشروعية العلمية الصلبة لما تنشئ مفاهيم ونظريات بنجاح.

المؤلفان يطرحان جدالًا فكريًا

يجوز الادعاء أن هذا الكتاب هو جدال فكري يسعى إلى اختبار وضع علم الاجتماع اليوم؛ فبتركيزه على 67 مفهومًا بواسطة المنهجية الخماسية المذكورة للتحليل والنقاش، يمد الكتابُ القراء برصيد معرفي/علمي كافٍ عن وضع مفاهيم علم الاجتماع القديمة والحديثة، ومن ثَمّ اختبار حال وضع علم الاجتماع الراهن نفسه. ونظرًا إلى أن مفاهيم أي تخصص معرفي/ علمي تمثل الأسس الرئيسة لكل التخصصات العلمية، فإنها بالتالي انعكاس لأوضاعها ومسيرتها. إن إبراز الإيجابيات والسلبيات لكل مفهوم، خصوصًا في القسمين الرابع والخامس لمنهجية المؤلفيْن، مكّن جدنس وصتن من أن يضعا ويقدّما ضمنيًا تقويمًا لحال علم الاجتماع ذاته في مطلع القرن العشرين. وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهها صاحبا الكتاب لعدد من المفاهيم، فإنهما لم يلغيا أو يبطلا أيًا منها باعتباره ما عاد صالحًا للاستعمال في علم الاجتماع الحالي. ويتفق هذا ضمنيًا مع مدلول عنوان الكتاب نفسه مفاهيم أساسية في علم الاجتماعحيث يُفيد تأويل النعت «أساسية» بمعنى ضرورة حضور تلك المفاهيم في علم الاجتماع؛ أي إن المفاهيم المطروحة في محاور الكتاب العشرة هي مفاهيم ضرورية وصالحة للاستعمال المتواصل في علم الاجتماع الحديث.

شرح عيّنة من المفاهيم ونقدها

نظرًا إلى العدد الهائل (67) من المفاهيم، رأينا أن من الأفضل الاقتصار على اختيار عينة محدودة من تلك المفاهيم لتعريف القراء بالطريقة التي ناقش بها صاحبا الكتاب في القسمين الرابع (النقدي) والخامس (مدى استمرار صلاحية المفهوم.) ونتيجة ذلك اخترنا تقديم ملخصات مختصرة لوجهة نظر المؤلفيْن بالنسبة إلى المفاهيم التالية: الأنموذج المثالي، المخاطرة والبنية/الفاعل والتقاطع ونماذج الإعاقة والمواطنة والعلم. يلخص غيدنز وسوتن الانتقادات الموجهة إلى مفهوم النماذج المثالية لماكس فيبر قائلين إن عالم الاجتماع نوربرت يعتقد أنه ينبغي على علماء

الاجتماع أن يدرسوا «النماذج الحقيقية» أو حالات ميدانية/إمبريقية بدلً من تمضية كثير من الوقت في إنشاء نماذج مثالية. وعلى الرغم من ذلك، فالمؤلفان يبيّنان أن مشكلة النماذج المثالية تتعلق أكثر بطريقة استعمالها لا بالمفهوم في ذاته؛ إذ في نهاية الأمر، تُعتبر النماذج المثالية وسائل جيدة للاستكشاف والحفز على البحث والمساعدة في كسب رهان فهم أفضل للظواهر الاجتماعية. يأتي النقد الرئيس لنظرية المخاطرة (Risk) لعالم الاجتماع الألماني أولريخ باكُBeck) (Ulrich من أطروحته المبالغ فيها. ولا يؤيد البحث الميداني ولا الأحزاب السياسية للخضر في أوروبا ادعاءات باك. وإضافة إلى ذلك، يرى بعض النقاد أن نظرية المخاطرة هي بالأحرى ساذجة بالنسبة إلى مفهوم المخاطرة نفسها لأن المخاطرة يتغير مضمونها عبر الثقافات البشرية المختلفة. أما بخصوص صلاحية المفهوم، فإن التغيرات الاجتماعية العالمية الأخيرة قادت أكثر إلى حضور قوي لحالات الالتباس والغموض لدى الناس وإلى اعتماد أقل على طرائق الحياة المألوفة. ونتيجة ذلك، تبدو الحساسية للمخاطرة ومعايشتها في ازدياد وعلى اتفاق مع ملاحظات الأكاديمية جودث غرين التي ترى أن مفهوم المخاطرة مفيد جدًا لتخصصها في علم اجتماع الطب. يثير المفهوم الجديد للتقاطع(Intersectionalty انتقادات بين علماء الاجتماع على النحو الآتي: كم هناك في الخارج من أصناف عدم المساواة والهوية التي ينبغي أن يتضمنها التحليل السوسيولوجي الذي يستعمل مفهوم التقاطع؟ وهذا ما يسمى «مشكلة...إلخ»، بعبارة أخرى، يضيف بعضهم مختصر «إلخ» إلى الطبقة والنوع الجنسي و«العرق» مشيرًا بذلك إلى وجود عوامل أخرى مؤثرة في عملية التقاطع. ويتفرع النقد الثاني لهذا المفهوم من سؤال: هل العوامل المختلفة متساوية في تأثيرها في تشكيل حياة الناس؟ لا تعود الأهمية الكبرى لتواصل صلاحية مفهوم التقاطع إلى المساعدة في فهم التجارب المختلفة للفقر فحسب، بل إلى فهم الحياة الاجتماعية كلها. ومن ثمّ، اقتُرح أخيرًا أنه يجب على السياسة الاجتماعية أن تأخذ في الاعتبار عامل التقاطع حتى تنجح المساواة في التشريع. يرى صاحبا الكتاب أن مفهوم المواطنة يواجه انتقادات عدة، وفي طليعتها كون أن تصوره في ذاته تصور بريطاني جاء به العالم مارشال. H. (T Marshal). إن المواطنة ببساطة هي وصف يشوبه الغلط عوضًا عن أن يكون بالأحرى تفسيرًا جيدًا. إضافة إلى ذلك، فإن هذا التصور لا يجعل الأمر واضحًا لماذا قادت الحقوق المدنية إلى الحقوق السياسية التي أدت يومئذ بدورها إلى الحقوق الاجتماعية. تبيّن مؤشرات عدة أن المواطنة ليست أبدًا أمرًا ثابتًا وراسخًا. فبعد الأزمة المالية لعام 2008، خفّض كثير من الحكومات من الإنفاقات العامة، ما أدى إلى تغيير في محتوى مفهوم المواطنة الاجتماعية. وعلى الرغم من ذلك، فإن غيدنز وصوتن يعتقدان أن مفهوم المواطنة يبقى ذا مصداقية. فالجدل السياسي هو بصدد تجديد التفكير في كيفية تمكين المواطنين كي يصبحوا أكثر نشاطًا كوسيلة لإنعاش الحياة السياسية وحياة المجتمع. يواجه المنادون بمفهوم الأنموذج الاجتماعي كحل للإعاقات الجسدية والذهنية كثيرًا من الانتقادات. يرى بعضهم أن هذا الأنموذج لا يولي اهتمامًا إلى تجربة الألم التي غالبًا ما تصاحب الإعاقة نفسها. ومنه يحاجج آخرون أن واقع

الإعاقة الجسدية أو الذهنية يحرم الناس المعوّقين من المشاركة الكاملة في المجتمع حيث لا يمكن إزالة تلك الإعاقات بتغييرات اجتماعية. من جهة أخرى، يدعو مساندو الأنموذج الاجتماعي إلى الوقوف بقوة معه، لأنه يبدو أنه ليس هناك في الأفق بديل يتحداه. فقد غيّر استعمال هذا الأنموذج مفهوم الإعاقة نفسها في المجتمعات. وهكذا، فظهور علم اجتماع الإعاقة أصبح ممكنًا بعد استعمال مفهوم الأنموذج الاجتماعي فحسب. أما في ما يخص تحليل محور ازدواجية البنية/ الفاعل البشري، فقد بيّن المؤلفان أن عالم الاجتماع بيير بورديو يعطي أهمية أكبر إلى البنية بواسطة مفهومه ‘الهابيتوس’ (Habitus)، بينما ترى نظرية الابتنائيةStructuration(يُشكّل العالم الاجتماعي الذي نعيش فيه من الفرد والمجتمع معًا) لغيدنز أن الفاعل البشري يملك تأثيرات كبرى. يصر صاحبا الكتاب أن التفاعل بين الاثنين أمر لا بد منه. ومع ذلك، يبقى غيدنز صامتًا على العوامل التي تجعل الإنسان قادرًا على التأثير في البنية الاجتماعية وحتى في تغييرها. نعتقد أن هذا الصمت يعود في الأغلب إلى فقدان علماء الاجتماع رؤية إبيستمولجية/معرفية تنظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا ثقافيًا في الصميم (يملك اللغة والفكر والمعرفة/العلم والدين والقيم والأعراف الثقافية).... تسمح تلك الرموز الثقافية للبشر بتأسيس البنيات الاجتماعية في المجتمعات الإنسانية وبالقدرة على تغييرها.

الهوامش

نختم بتقديم رؤية المؤلفين النقدية والتحليلية مفهوم العلم في علم الاجتماع المعاصر، وهو المفهوم الذي تعرض منذ عقود إلى نقد فلاسفة العلوم وتساؤلاتهم؛ فالثورات العلمية ما عاد يُنظر إليها على أنها حصيلة لتجميع الحقائق العلمية عبر الأجيال فحسب، بل رأى توماس كون أن مسيرة العلم تتقدم من خلال استنباط 'أطر فكرية جديدة' (بردايم). تحدث الثورات العلمية عندما يتجاوز عالم ما إطارًا فكريًا معينًا ويبدله بإطار فكري جديد. يجوز في هذا الصدد اعتبار اكتشاف ابن خلدون لعلم العمران البشري مثال لذلك؛ أي إن ابن خلدون أنقذ علم التاريخ العربي من أزمته بطرح منهجية علم العمران البشري المستعمل لقانون المطابقة للتحقق من صحة روايات الأحداث التاريخية. ويرى بول فيرابند Feyerabend) (Paul أن الثورات العلمية قد تحدث من خلال الأخطاء أو عملية الصواب والخطأ، أو حتى مجرد الصدفة لا من خلال المنهج العلمي المتداول. هكذا ينصح هذا الفيلسوف بتشجيع الانحراف عن المنهج العلمي التقليدي لكسب الابتكار والثورة في الميادين العلمية. على الرغم من ذلك، فالمنهج العلمي ينصح به علماء الاجتماع مثلً في اعتماد السياسات المتعلقة بكثير من المسائل الاجتماعية كالصحة والرفاهة الاجتماعية وقضايا حكومية أخرى؛ الأمر الذي يعطي مشروعية للاستمرار في تزكية حضور العلم في مجتمعات اليوم والمستقبل.