العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمِن

المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمِن

The Arab Intellectual and the Tiananmen Square Syndrome

عزّام أمين

الملخّص

الكتاب: المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمِن المؤلف: عمرو عثمان ومروة فكري الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: تشرين الأول/أكتوبر 2016 عدد الصفحات: 144 صفحة

الكلمات المفتاحية:
  • المثقف العربي
  • متلازمة تيانانمِن
  • ميدان تيانانمِن
  • الربيع العربي

: المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمِن الكتاب المؤلف: عمرو عثمان ومروة فكري الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: تشرين الأول/أكتوبر 2016 عدد الصفحات: 144 صفحة

مقدمة

تكمن أهمية كتاب عمرو عثمان ومروة فكري المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمِنفي كونه يقدم إجابة عن واحد من الأسئلة الأكثر جدلية في الشارع العربي، ولا سيما أنه أثار سجالً كبيرًا منذ بدء ثورات الربيع العربي: لماذا كان لبعض المثقفين العرب موقفٌ سلبي من ثورات الربيع العربي، وهي التي جسدت في الوَعْيَين العربي والعالمي سعي الشعوب إلى التغيير والحرية التي كثيرًا ما دافع عنها هؤلاء المثقفون أنفسهم؟ في الواقع، يتناول الكتاب إشكالية علاقة المثقف العربي بالحرية والديمقراطية، ويدور حول مجموعة من الأسئلة: كيف ينظر المثقفون العرب إلى أنفسهم وإلى باقي أفراد المجتمع؟ ما مكانة الديمقراطية في ترتيب أولوياتهم؟ لماذا تَعاون بعض المثقفين العرب المُدافعين عن الحرية مع الأنظمة الاستبدادية السلطوية؟، هل هنالك علاقة بين موقفهم من الديمقراطية وتوجهاتهم الأيديولوجية؟ في سياق محاولة تقديم إجاباتٍ عن هذه الأسئلة، يفترض الكاتبان أن المثقف العربي يعاني «متلازمة تيانانمِن »، أي نُخبوية المثقفين، وما يصاحبها من ازدراء لطبقات الشعب الأخرى، وللعملية الديمقراطية التي تساوي بين جميع الأفراد. وبحسب المؤلفين، ترتبط بهذه المتلازمة حُزمة من التصورات يُمكن تلخيصُها في النقاط الآتية: - ينظر المثقفون إلى أنفسهم على أنهم طبقة متميزة عن طبقات الشعب الأخرى بامتلاكها وحدها القدرة على تحديد شؤون الحياة العامة. - لا يمانع المثقفون، في حال الضرورة، فرض وصايتهم على الشعب من خلال ممارسة نوع من الاستبداد المستنير. وقد يكون ذلك عن طريق التحالف مع أنظمة استبدادية تحقق لهم بعض مطالبهم المتعلقة بالحريات العامة. - يمتلك المثقفون قدرًا من ازدراء الطبقات الأخرى، ولا سيما طبقة العمال والفقراء والاستعلاء عليها، لأنها بحسب هؤلاء المثقفين، غير مؤهلة للمشاركة في تحديد شؤون الحياة العامة. أو بطريقةٍ أخرىُ: غير قادرة على ممارسة الديمقراطية. - يعتقد معظم هؤلاء المثقفين أن على المجتمع أن يتحرر أولً، ومن ثم ينال حقه في الديمقراطية، أي أنهم يعتقدون أن الديمقراطية نتيجة تتحقق بعد تأسيس الحريات العامة. يعود مصطلح «متلازمة تيانانمِن» إلى حوادث «ميدان تيانانمِن» في العاصمة الصينية بيجين، حيث شهد هذا الميدان في عام 1989 أكبر اعتصام ثوري وتظاهرات طلابية من أجل الإصلاح والديمقراطية في الصين الشيوعية، بدأت في 15 نيسان/أبريل، وانتهت في 4 حزيران/يونيو، من خلال سحقها بطريقة دموية في إثر اقتحام جيش النظام الصيني الساحة بالدبابات. وانقسم المثقفون الصينيون إلى تيارين في ما يخص هذه الحركة: - الأولنخبوي، وهو الأكبر والأكثر انتشارًا، دعا إلى منع الفلاحين والعمال من الانضمام إلى الحركة الاحتجاجية، لاعتقاده أن تأسيس الحريات العامة (مثل حرية حق التعبير والاعتقاد والعمل والتملك...إلخ) وتدعيمها أولوية تسبق الانتقال إلى العملية الديمقراطية. بطريقة أخرى، إن الصراع من أجل الحصول على الحريات العامة وحقوق الانسان يجب أن يَسبقَ الصراع من

أجل الديمقراطية. وهذه الأخيرة، بحسب هؤلاء المُثقفين، تعني قَصْرَ المشاركة السياسية الكاملة على طبقة المثقفين، لأنها متميزة ومستقلة تعلو طبقات المجتمع الأخرى (طبقات غير مُتعلمة كالعمال والفلاحين والعاطلين من العمل)، وهي الوحيدة القادرة على تحديد شكل النظام السياسي وقيم المجتمع السياسية (ص. 12) باختصار، يعتقد هؤلاء المثقفين أن المثقف هو الأحق بالقيادة. - الثاني، وهو الأقل عددًا، يعتبر الديمقراطية من أولوياته، وأن لا قيمة لتلك الحريات من دون الديمقراطية الإجرائية (أو الديمقراطية الشعبية) التي تنتخب برلمانًا وحكومة، وتضمن استمرارها، والعملية الديمقراطية بشكلها الإجرائي، أي الانتخابي، هي جزءٌ أساسي من عملية تأسيس الحريات العامة والشخصية. في مقدمة كتابهما، يلاحظ الكاتبان وجود تشابه كبير وصارخ بين موقف المثقفين العرب من ثورات الربيع العربي، والموقف النخبوي لمثقفي الصين من الطبقات الأخرى؛ من هنا أتى عنوان بحثهما « المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمِن ». ويقع الكتاب في فصلين، يتمحور الأولحول المثقف وهُويته الفردية والمُجتمعية، وهو فصلٌ عام ونظري نوعًا ما، بينما يتناول الثانيالمثقف العربي على وجه الخصوص، وعلاقته بالديمقراطية من خلال دراسة ميدانية على عينة من أدبيات بعض المثقفين العرب المعاصرين في شأن الديمقراطية.

المثقف وهُويته الفردية والمجتمعية

يناقش الكاتبان في هذا الفصل مجموعة من تعريفات المُثقف بوصفه كيانًا مستقلً وعضوًا في المجتمع في آنٍ، وقبل الدخول في صلب هذه التعريفات يشيران إلى إشكالية لا مفر منها، وهي مسألة الفصل بين «الموضوع» و«الذات» في تعريف المثقف؛ فمن يقوم بتعريف المثقف هو نفسه مثقف، أي يفترض فيه الثقافة، وهو أمرٌ أدى ببعض الدارسين إلى النظر إلى إشكالية تعريف المثقف على أنها مشكلة «بعدُ حداثية بامتياز» (ص. 23). ولعله بسبب ذلك يمكن القول إن دراسة علاقة المُثقف بالمجتمع وبالسلطة السياسية وبالتمرد وبالثقافة هي معضلات بحثية أكثر منها مجرد أسئلة محسومة الإجابة.

من هو المثقف؟

هناك عدد من التعريفات والتصورات التي يختلف بعضها عن بعض بشكل جذري أحيانًا، فهناك من يعتبر أن المثقف هو من تلقى قدرًا معينًا من التعليم، وبالتالي حاصل على شهادةٍ تعليمية، وهناك من يربط بين المثقف والقدرة على التفكير كالفلاسفة والمؤرخين والمتخصصين بالعلوم الاجتماعية المُختلفة، ثم هناك من يربط الثقافة بمنهج التفكير، وأخيرًا هناك من يُعرف المثقف من خلال تفاعله مع الواقع وتأثيره فيه. ويعود هذا الاختلاف والتباين في التعريفات إلى الخلط بين النظرة القيمية المعيارية التي تتناول ما يجب أن يتوافر في شخص ما حتى يُمكن وصفه بالمثقف (كيف ينبغي أن يكون المثقف)، والنظرة التاريخانية، أي واقع المثقفين في سياق زماني معين ومكاني مُحدد. من أجل تخطي تلك التباينات في التعريفات، لابد من تعريفٍ يجمع بين المعيارية من جهة، والتاريخانية من جهةٍ أخرى، لذلك يتبنى الكاتبان تعريف عالم الاجتماع إدوار شيلز (ص. 30) فبحسب هذا العالم، المثقف هو من يملك القدرة

على التساؤل والتفكير المجرد العقلاني المُمنهج، وعلى التعالي على مواقف الحياة اليومية ليرى ما وراءها، ولا بد لهذا التفكير أن يخرج للعلن، عن طريق تفاعل المثقف مع قضايا المُجتمع والدولة، وممارسة دور في الشأن العام اعتمادًا على ثقافته العامة ومعرفته الشاملة.

ما هي علاقة المثقف بالسلطة وبالتمرد؟

يؤكد المؤلفان أن دور المثقف وقدرته على التفاعل والتأثير في بيئته تختلف من مجتمعٍ إلى آخر، وذلك بحسب درجة الاستقرار في المجتمع وهُويته وطبيعته ودرجة الحرية أو الاستبداد والتسلط فيه، فمثلً دور المثقف في بيئة ديمقراطية ليبرالية يختلف بالضرورة عن دوره في بيئة سلطوية أو شمولية (ص. 33). وبالطبع هناك عوامل أخرى يعتمد عليها دور المثقف ووضعه في أي مجتمع، أهمها، دائمًا بحسب الكاتبين، مقدار الطبقة المتعلمة المُستهلِكة للثقافة والمتفاعلة معها، فإذا كًانت هذه الطبقة مهمة فذلك سيكون حتمًا عامل مهمًا في اكتفاء المثقف الذاتي، وبالتالي استقلاله عن السلطة وعن قيود العمل ضمن مؤسساتها. تُشير الأدبيات التي تتناول المثقف ودروه في المجتمع إلى أن هناك إجماعًا على أن المثقف متمرد بطبيعته، وينزع إلى التغيير، لكن هذه مسلمة فيها كثير من الجدل، فكما أكدته الدراسة التاريخية وأيده بعض الوقائع، فإن بعض المثقفين وقف ضد التغيير كي لا يفقد المكانة التي حصل عليها (كمثقفين مُعارضين لهم ميزاتهم على سبيل المثال لا الحصر) في ظل وضع معين، التي ربما تتغير بتغير هذا الوضع. ويلخص عالم الاجتماع لويس كوزر مواقف المثقف الممكنة من السلطة في خمس حالات: أن يكون هو نفسه في السلطة، أو مستشارًا لها، أو مسوغًا، أو ناقدًا لها، أو ساعيًا إلى إسقاطها.

المثقف العربي والديمقراطية

في هذا الفصل الثاني من الكتاب يصل الباحثان إلى صلب موضوعهما، وهو محاولة الإجابة عن السؤال الرئيس: هل المثقف العربي مصاب بمتلازمة تيانانمِن؟ إن ما لا شك فيه، أن الإجابة عن هذا السؤال ستشرح للقارئ لماذا اتخذ بعض المثقفين موقفًا سلبيًا من ثورات الربيع العربي التي غالبًا ما نادى بها. في البداية، أشار عثمان وفكري إلى موقف بعض المثقفين العرب من الديمقراطية عبر عرضٍ تاريخي تناول بعض الأدبيات العائدة إلى القرنين التاسع عشر والعشرين (حقبة النهضة العربية)، والتي حظيت بنوعٍ من الانتشار، وساهمت في تشكيل الاتجاهات اللاحقة في ما يخص الديمقراطية (ص. 58) ضرب الكاتبان عددًا من الأمثلة التاريخية التي أشارت إلى أن أغلبية هؤلاء المثقفين تحدثت عن الحرية لا عن الديمقراطية، ويمكن أن يكون ذلك «محاولة من بعضهم للمراوغة والالتفاف حول دور الديمقراطية في تحقيق أهداف النهضة، ومنها الحرية، إما بسبب عدم الاقتناع الكامل بها بوصفها وسيلة إصلاح (في عصر النهضة مثلً)، وإما بسبب اليأس من إمكان تحققها في ظل بيئةٍ من الاستبداد السياسي الكامل، والقمع الأمني الشامل في أغلبية الدول العربية (في النصف الثاني من القرن العشرين وما بعده)» (ص. 73). ويخلص الكاتبان إلى أن الديمقراطية، بوصفها وسيلة للإصلاح، لا تبدو أولوية في الأدبيات المذكورة، وحتى حين تُذكرُ نجد دائمًا ما يناقض الدعوة إليها.

للإجابة عن سؤال العلاقة بين المثقف العربي المعاصر والديمقراطية، وهل هذا المثقف مصاب بمتلازمة تيانانمِن، تناول الباحثان بالدراسة 248 مقالة منشورة في دورية الديمقراطية المصرية بين عامي 2000 و 2014، أي أنها منشورات في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وعلى مدى ثلاثة أعوام بعد اندلاع ثورات الربيع العربي. وبرّر الكاتبان اختيارهما هذه الدورية بسبب تخصصها بقضية الديمقراطية، وأن ما تنشره من مقالات لمثقفين عرب يُعبّر بدقة عن موقف هؤلاء من الديمقراطية، وما يرتبط بها من قضايا.

نتائج الدراسة

بعد التحليل الكمي والكيفي لمضمون المقالات التي شملتها الدراسة، توصل الباحثان إلى النتائج الآتية: تركّز 28 في المئة من اهتمامات المثقفين العرب على مناقشة إشكالية الديمقراطية والتحول الديمقراطي، 14.8 و في المئة على الإدارة السياسية بعد الثورات العربية، و 10.4 في المئة على الإصلاح السياسي، و 9.6 في المئة على العلاقة بين الدين والسياسة. بيد أن الحديث بشكل مباشر عن العلمانية وضرورتها للديمقراطية احتل النسبة الأكبر (نحو 69 في المئة.) أما في ما يخص نتائج التحليل الكيفي، فأشارت نتائج الدراسة إلى أنه يمكن تصنيف المثقفين العرب المعاصرين ضمن ثلاثة تيارات أساسية مختلفة تُجاه قضايا الديمقراطية وماهيتها، وينطوي كل تيار منها على فرضيات صريحة أو كامنة في ما يتعلق بدور النخبة في مقابل المجتمع، وهي كالآتي:

تيار الديمقراطية الليبرالية

يمثل هذا التيار ما نسبته 67 في المئة من عينة الدراسة، ووفقًا لمثقفي هذا التيار، فإن تنامي الحقوق والحريات الفردية شرط ضروري لوجود الديمقراطية وتفعيل عناصرها الأخرى. لذلك نادى أنصار هذا التيار، صراحةً، بعدم التسرع في تطبيق الديمقراطية، لأن ذلك سيساعد عناصر معادية للحرية، في حال انتخابها، بالوصول إلى السلطة، وبالتالي إجهاض التجربة الديمقراطية. في الواقع، إن الديمقراطية لدى أنصار هذا التيار ليست وسيلة للوصول إلى الحريات والحقوق الفردية والثقافة السياسية، إنما نتيجة من نتائجها، إذًا يجب العمل أولً على إقرار مجموعة من المبادئ (مبادئ فوق دستورية) تتفق عليها القوى السياسية قبل إجراء أي انتخابات. وبناء عليه، فإن موقف هؤلاء المثقفين من جماهير الشعب هو موقف نخبوي يخشى الانتخابات، لأنهم يعتبرون هذه الجماهير غير جاهزة، ولا تمتلك مستوى كافيًا من الوعي لممارسة الديمقراطية. أما الافتراض الآخر الذي يعول عليه أنصار هذا التيار في نظرتهم إلى عدم أولوية الديمقراطية، فهو مرتبطٌ بالعلاقة بين الدين والسياسة؛ فالعلمانية، بالنسبة إليهم، شرط لا غنى عنه لتحقيق الحداثة والديمقراطية، وفي غيابها ستكون صناديق الاقتراع مجرد «صناديق موت»، كما ذهب المُفكر الليبرالي مراد وهبة في مقالته «حُزمة الديمقراطية» المنشورة في عام 2004 (ص 90، هامش رقم (56)). في الحقيقة، إن قدرًا كبيرًا من تخوف مثقفي هذا التيار من الديمقراطية يتعلق بالتخوف من اختيار الشعوب العربية، نتيجة عدم رشادها كما يفترضون، للتيارات الدينية.

قبل الانتقال إلى الحديث عن التيار الثاني، أشار الباحثان إلى عدد من الملاحظاتٍ النقدية المتعلقة بأدبيات هؤلاء المُثقفين: أول، تَجاهُل أصحاب هذا التيار الدولة العسكرية باعتبارها المقابل للدولة المدنية والمعوق لها، شأنها في ذلك شأن الدولة الدينية، وذلك على الرغم من أنها هي الحاضرة كثيرًا في الخبرة العربية المعاصرة. ثانيًا، إن حديث هؤلاء المُثقفين عن دور المثقف في رفع ثقافة الشعب، وامتلاك المقومات الثقافية المطلوبة للعملية الديمقراطية، يعكس نزعة نخبوية كبيرة يُمكن أن تُؤسس بسهولة لنوع من الاستبداد الليبرالي «المستنير»، وهذا يشبه إلى حد كبير نُخبوية قادة «حركة تيانانمِن». وأخيرًا، فإن معظم أصحاب هذا التيار يقول بالأنموذج الفرنسي في العلمانية، الذي أطلق عليه عزمي بشارة «العلمانية الصلبة» التي «لا تكتفي بفصل الدولة عن الدين، بل تتخذ موقفًا سلبيًا من التدين في المستوى الاجتماعي، وتنظر بإيجابية إلى انحسار الإيمان، أقله في المجال العام»، بينما «العلمانية الرخوة»، ودائمًا بحسب بشارة، هي «علمانية سالبة تعني في الأساس تحييد الدولة وآليات الإكراه عن الشأن الديني.»

تيار الديمقراطية الشعبية

ينطلق هذا التيار من تصورات مُناقضة لتصورات التيار الأول، حيث يرى مُثقفو هذا التيار أن الأولوية للديمقراطية وحق الاقتراع العام على الحُكام ومساءلتهم. ويرى هذا الطرح أن الثقافة المدنية والحريات والحقوق الفردية نتيجة للديمقراطية، لا سببًا لها. ويُصر هؤلاء المثقفين على أن تطور الديمقراطية في الدول الغربية ارتبط بتوسيع المشاركة السياسية لأغلبية المواطنين. بعد قيام ثورات الربيع العربي، شدد مُريدو هذا التيار على مبدأ الديمقراطية الإجرائية «الشعبية» كسبيلٍ وحيدٍ لضمان ألا تُختطف الدولة مرة أخرى لمصلحة فئة محددة من المجتمع. وبالتالي «فإن الثقافة السياسية الديمقراطية عند هذا التيار هي نتاج التجربة والممارسة الديمقراطية أكثر منها مُسبب لها، أي أن الديمقراطية بالمعنى الإجرائي المُشار إليه، هي الشرط اللازم لبدء تطوير البُنى السياسية والثقافية والاقتصادية في المجتمع؛ إذ أنها تفسح المجال لقيام تنافسٍ حقيقي يسمح بخلخلة الممارسات وتراجع الثقافات التقليدية» (ص. 97). وهذا يذكرنا بموقف التيار الراديكالي في «حركة تيانانمن»، وبإيمانه أن الديمقراطية ممارسة تصقلها التجربة العملية.

تيار المُشاركة

هو اتجاه يتجاوز ثنائية صناديق الاقتراع في مقابل الحريات والحقوق الفردية، ويؤكد ضرورة توفير الشروط اللازمة التي تمكن الفرد المواطن من ممارسة اختياراته على نحو يتفق مع رغباته الحقيقية. ويتفق مثقفو هذا التيار على أن الديمقراطية زائفة إن اقتصرت على حق الاقتراع العام (الديمقراطية الإجرائية)، ولم تقترن بتمكين الفرد بصورة إيجابية من ممارسة حقوقه السياسية العامة، أي إن الديمقراطية هي وسيلة لاختيار الحُكام، ولاشتراك الناس بصورة فاعلة أيضًا في الحياة السياسية، فهي ليست مجرد شكلٍ من التعددية الحزبية والانتخابات الحرة والبرلمان والدستور، بل أيضًا مجموعة الأهداف والغايات التي تعمل من أجلها الأحزاب الديمقراطية، ويشارك المواطنون في تحقيقها (ص. 100)، إنها آلية قائمة على الحوار والمُشاركة من قاعدة المجتمع إلى قمته.

اللافت عند أصحاب هذا التيار، هو أنهم يهتمون بالثقافة السياسية لأفراد الشعب عامة، وللنخب المُثقفة أيضًا، لا بل يذهب بعضهم إلى زعم أن الجماهير برهنت - خلافًا للمقولات الرائجة بشأن عدم استعداد الشعوب العربية وأهليتها للعملية الديمقراطية - على جهوزيتها للتجربة الديمقراطية على العكس من النخب التي أخفقت في ذلك.

كيف ينظر المُثقف العربي إلى وضعه، وإلى السلطة؟

أظهر التحليل الكيفي لمضمون المقالات المدروسة في هذا البحث أن المُثقفين العرب، بشكلٍ عام، يؤمنون بخصوصية وضعهم في المجتمع، وهذه الخصوصية تبرر لديهم وصايتهم الفكرية على الشعب. كما خلصت الدراسة إلى أن معظم مُثقفي عينة الدراسة يؤمن بدور المُثقف التنويري في المجتمع، فهو الوحيد القادر على مجابهة السلطة وإجراءاتها بشكلٍ عقلاني، في ما يخص المشكلات الكبرى التي تواجه المجتمع، وهو الذي تقع على عاتقه مهمة تطوير الثقافة الشعبية المشبعة بمفاهيم الخضوع للقوي وثقافة عبادة البطل، إلى ثقافة الالتزام بالقوانين والدفاع عن كرامة المواطن وترسيخ القيم والمعايير العقلانية والعلمية ومقاومة التعميم وإطلاق الأحكام الانفعالية. اللافت هو أن نتائج تحليل المضمون لآراء عينة الدراسة، كشفت عن أن المُثقف العربي يرفض السلطة ويعارضها، لا لاختلافه معها على مدى ديمقراطيتها واحترامها الحرية، إنما لإهمالها له بالتحديد (ص. 107) في هذا الصدد، يشير عثمان وفكري إلى أن هؤلاء المثقفين لا يهتمون كثيرًا بإثبات استحقاقاتهم النخبوية بناء على منجزات تاريخية (إن وجدت)، ولم يهتموا كثيرًا بمراجعة خطابهم النخبوي وموقفهم المتعالي على شعوبهم في ضوء ثورات الربيع العربي، بل على العكس، دائمًا في رأي الباحثَين، فبدلً من قيام المثقفين العرب بعملية نقدٍ للذات، ومراجعة مواقفهم لجأوا إلى صورة الضحية، ومن ثم إلقاء اللوم على الأنظمة القمعية، أو على الشعوب التي لا تتجاوب معهم بالقدر الكافي، أو على التيارات الاسلامية التكفيرية، وأشباه المُثقفين الانتهازيين. علاوة على ذلك، أكدت الدراسة أن علاقة المُثقفين بالسلطة بقيت غامضة نوعًا ما في أدبياتهم، وهذا مفهوم ومبرر في ظل الطبيعة الاستبدادية للأنظمة العربية. وبناء عليه، يتعذر في ضوء الدراسة الحالية الربطُ بين التيارات الثلاثة المذكورة أعلاه، وموقف المُثقفين من السلطة، إلا أن الكاتبين استنتجا من خلال تحليلهما المقالات المدروسةِ عددًا من النقاط المهمة التي يجب الإشارة إليها: أول، علاقة المُثقف العربي بالسلطة مرتبطة بتصوره لآلية إحداث التغيير، فأغلبية أعضاء العينة المدروسة تميل إلى التغيير الآتي من أعلى مركز السلطة ليعمم على المجتمع في ما بعد، بينما هناك مجموعة أخرى، أقل، تميل إلى أن يكون التغيير من الأسفل عبر المجتمع. لكن المُثير للاستغراب هو أن أغلبية المثقفين، على اختلاف مشاربهم، تنظر إلى الدولة أو السلطة بوصفها الأداة الأساس للتغيير والإصلاح، لأنها الوحيدة القادرة على سن قوانين تحمي الحريات التي تساعد في عملية الانتقال الديمقراطية، وتمنع قيام أحزاب دينية مُعادية للديمقراطية. ثانيًا، في السياق نفسه، يُشكك معظم هؤلاء المثقفين بقدرة الجماهير على المساعدة في عملية التحول الديمقراطي، ما يُفسر لنا الموقف العدائي لهؤلاء

المُثقفين من ثورات الربيع العربي التي تقوم بها الجماهير. ثالثًا، في ضوء النقطتين السابقتين، يحاول بعض المُثقفين تبرير الممارساتِ الاستبدادية لبعض الأنظمة العربية، أي بناء على عدم الثقة برشاد الجماهير وغياب الرغبة في سقوط السلطة «الدولة» القائمة (ص. 114) في السياق التبريري للاستبداد نفسه، يذهب قسم من المُثقفين إلى القول إنه لا توجد جهوزية لدى الشعوب العربية لمواجهة الاستعمار، وهذا الصراع مع الأعداء الخارجيين لا يسمح بنشوب صراع داخلي من أجل الديمقراطية، وبالتالي فإن مسألة الديمقراطية ليست أولوية ويُمكن تأجيلها. وفي هذا الصدد، يقول محمد إبراهيم منصور في مقالة نُشرت في عام 2013 في دورية الديمقراطية «كان الفكر القومي يتبنى خطابًا مُغرقًا في ديماغوجيته، ولا يرى التلازم العضوي القائم بين الأهداف على الرغم من الحقيقة القائلة إن الأوطان لا يحررها ولا يصون أمنها إلا مواطنون أحرار. كان لتحرير الأوطان أسبقية على تحرير المواطن، والأمن القومي مُقدمًا على حرية الفرد، فاستخدمت هذه الأهداف - حتى عشية ثورات الربيع العربي - ذريعة لتبرير العنف وقمع الحركات الديمقراطية المطالبة بحقوق المواطنة وكان شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» تعبيرًا بليغًا عن هذا التوجه» (ص. 115)

خاتمة

توصل عمرو وفكري إلى الإجابة عن الأسئلة المطروحة في بحثهما من خلال دراسة عينة من المقالات المنشورة في مجلة الديمقراطية المصرية. وما يميز الكتاب هو لغته السهلة ما يمكن القارئ العادي، لا المتخصص فحسب، استيعابه. أضف إلى ذلك أن المؤلفين نجحا في ترتيب أفكارهما وأسئلتهما بوضوح، ما جعل قراءته ممتعة وسلسة جدًا. مثل أي عمل، لا يخلو هذا البحث من ثغرات، ولعل أهمها يكمن في منهجية الدراسة، ولا سيما عينة المقالات التي اختيرت، وقدرتها على تمثيل المجتمع الأصلي للدراسة، وبالتالي تعميم النتائج. فعلى الرغم من أن الباحثين حاولا قدر الإمكان مراعاة توزع العينة بين دول عربية عدة، بقي أكثر من نصفها (135 مقالة) من مصر، وتركّزت على الحالة المصرية. وفي هذه الحالة يمكننا اعتبار أن تعميم النتائج على المثقفين العرب مجازفة، وربما يكشف عن تحيز أيديولوجي ومواقف مسبقة. في السياق نفسه، يحق لنا أن نتساءل عن موضوعية الكاتِبَين في عرضهما التاريخي لعلاقة المثقف العربي بالديمقرطية، واقتصارهما على ثلاثة كتب فقط، ومن ثم تعميم مواقف أصحابها من مسألة الديمقراطية على المثقفين العرب في عصر النهضة. كي نكون موضوعيين في ملاحظتنا النقدية بخصوص النقطتين المُشار إليهما أعلاه، لا بد من الإشارة إلى أن الكاتبين نبّها في أكثر من مكان (ص 58، 77، 119) إلى محدودية عينة الكتب والمقالات المدروسة، أكان في عصر النهضة، أم في خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والأعوام الأولى للثورات العربية، وبالتالي عدم كفايتها لتعميم النتائج. على الرغم مما أوردناه، وصغر حجم الكتاب نسبيًا، وعدم توسع الباح ثَين في كتابهما، فإنه يُعد من الكتب المهمة في المكتبة العربية، ويشكل

إضافة حقيقية لجهة فهم ظاهرة وقوف بعض المُثقفين العرب إلى جانب الاستبداد في وجه ثورات الربيع العربي التي كانوا ينادون بها قبل أن

الهوامش

تبدأ. وهو بذلك يفتح أفقًا جديدًا ما زال، بالتأكيد، يتسع لكثير من البحوث والدراسات والمؤلفات حتى يُؤتي ثماره.