العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الثورة وتاريخ الهامش في مصر: محاولة في علم الاجتماع التاريخي (مع الإشارة إلى الحالة التايلندية)

الثورة وتاريخ الهامش في مصر: محاولة في علم الاجتماع التاريخي (مع الإشارة إلى الحالة التايلندية)

Revolution and the History of the Margins in Egypt: An Attempt in Historical Sociology (Thailand as a Comparative Case Study)

هاني عوّاد *

Hani Awad *

* باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مرشح لنيل شهادة الدكتوراه بكليّة هارتفورد في جامعة أكسفورد في التنمية الدولية.

الملخّص

يحاول هذا المقال، متوسلًا أدوات علم الاجتماع التاريخي، فهم التشكل التاريخي للنخب السلطوية في مصر؛ وذلك من خلال دراسة العلاقة التاريخية بين الدولة الحديثة في مصر والهامش، مجادلًا بأن فقر التجربة السياسية للأطراف في مصر لم يؤدِّ إلى هامش واسع لتغول السلطة المركزية فحسب؛ بل أدى أيضًا إلى التأثير في مسار الثورة المصرية وفي مخرجاتها. ومقارنةً بالحالة التايلندية، تستنتج الورقة أن تاريخ الإقصاء في مصر أدى إلى خلق هوة بين شرائح اجتماعية واسعة والمجال السياسي العام. وكان البديل منها هو الانخراط في خيارات يومية تحت - سياسية تتفادى الدولة عوضًا عن مواجهتها، وتفاوض البيروقراطية وشبكاتها الزبائنية في حقوقها، وتبحث عن مساحات سوسيو-اقتصادية بعيدة عن رقابة الدولة.

Abstract

Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies, PhD candidate in International Development at Hertford College, University of Oxford.

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة المصرية
  • الريف المصري
  • الشمال التايلندي
  • السلطة المركزية
  • اللا-رسمية
Keywords:
  • Egyptian Revolution
  • Egyptian Countryside
  • Northern Thailand
  • Informality

استهلال: في البدء كانت الدولة

يشترك عدد كبير من الدراسات الكلاسيكية، التي تناولت اقتصاد مصر السياسي منذ النصف الثاني من القرن العشرين، في الإشارة إلى الدور التاريخي المهم الذي أدته الدولة المصرية في مراحل تطورها المختلفة في تشكيل البنى المجتمعية؛ بل حتى في المساهمة في "خلقها". وفي الواقع، حتى بداية السبعينيات من القرن المنصرم، كان نهر النيل يجري بكثافة في مختلف الدراسات السياسية السوسيولوجية التي عُنيت بدراسة تاريخ السياسة في مصر. وقيل إن ضرورة وجود سلطة مركزية قوية لتنظيم أعمال الري وتوزيعه وتقنينه جعلت ارتباط الناس بالدولة أمرًا حتميًا، كما أنها أضعفت إمكانية نجاح تمرّدات أو ثورات ذات طابع محلي أو عشائري أو طائفي1. وعلى الرغم من أن تاريخ مصر الاجتماعي في القرن التاسع عشر حافل بالتمرّدات الفلاحية في صعيد مصر والدلتا، فإنه نادرًا ما كُتب لهذه المحاولات النجاح. وإن نجحت (ثورة شيخ العرب همام مثالً)، لم يُقيَّض لها أن تستمر، فالسلطة المركزية كانت دائمًا قادرة إمّا على احتواء أيّ محاولة للتمرّد، وإمّا على قمعها بدموية مفرطة2. تكمن خصوصية الدولة في مصر، إذًا، في أنها ضاربة جذورها في التاريخ، وسابقة على التشكيلات الاجتماعية، بحيث أضحى المصريون منذ فجر التاريخ غير قادرين على تخيل أنفسهم بلا بيروقراطية متطوّرة نسبيًا. وعلى الرغم من أن عددًا من دراسات ما بعد الكولونيالية منذ منتصف ثمانينيات القرن المنصرم شككت مرارًا في الجذور ما قبل الحديثة للدولة في مصر، مشددةً على ضرورة التأريخ لسلوك السلطة المركزية وأساليب الإدارة والتنظيم واحتكار العنف بصفتها ميراثًا للإدارة الكولونيالية الإنكليزية منذ نهاية القرن التاسع عشر3، فإن جوهر هذا التيار، أصلً، يقدّم الدولة المركزية وخطاباتها وممارساتها في تشكيل الذوات الاجتماعية على ما سواها؛ أي إنه يقرّ بأسبقية السلطة بداهة. بدأت منذ نهاية ستينيات القرن المنصرم موجة من الدراسات تشدد على ضرورة تتبّع الطرق التي سلكتها الدول المركزية في دمج مجتمعاتها الريفية؛ لأن من شأن ذلك أن يساهم في منحنا فهمًا أعمق لطبيعة النظام السياسي الحديث. ففي منتصف الستينيات، أصدر بارينجتون مور أطروحته الشهيرة التي تجادل بأن الجذور الاجتماعية للديمقراطية والدكتاتورية تكمن في الأساليب التي واجه من خلالها مُلّك الأرض والفلاحون تحدّي الزراعة التجارية4. وعلى الرغم من أن نظرية مور اتُّهمت بالتبسيطية5، فإنها سُحبت في العقود القليلة الماضية إلى دول الجنوب، وطُوِّرت وأُغنيت بعناصر

تحليلية أخرى أفادت في دراسة الأنظمة السياسية في قارّات العالم المختلفة6. وفي أفريقيا، برزت مساهمة الأنثروبولوجي الأوغندي محمود ممداني الذي اقترح أنموذجًا يفسّر التعسّر السياسي للدول الأفريقية المعاصرة، بناءً على تقصّي العلاقة بين مراكز الحكم الحضرية الكولونيالية في أفريقيا وأريافها الشاسعة7. وحاولت بعض الدراسات الأنثروبولوجية الأفريقية الأخرى الإفادة من هذا التوجه لفهم الحركات السياسية الإسلامية المعاصرة، وجرى التمييز بين "الإسلام السنغالي" ذي الطبيعة الصوفية، والذي أنتج في الريف السنغالي حركات موجات صوفية مليونية متناغمة مع السلطة في الدولة الكولونيالية ودولة ما بعد الاستقلال8، و"الإسلام النيجيري" ذي الطابع السلفي، وليد الريف النيجيري المعادي تاريخيًا للسلطة، والذي أنتج ظاهرة بوكو حرام في الوقت الحاضر9. تشترك جميع الدراسات السالفة الذكر في إبرازها أهميةَ التشكل التاريخي للعلاقة بين المركز المديني والأطراف الريفية، وهو ما ستحاول هذه المقالة سحبه على الحالة المصرية. في القسم الأول، محاولة لقراءة العلاقة بين الحكومة المركزية والأطراف في الأرياف أو الهامش، قبيل ثورة الضباط الأحرار في تموز/ يوليو 952.1 أمّا القسم الثاني من هذه المقالة، فيمرّ على تطوّر هذه العلاقة في المرحلة الجمهورية، ليحاول القسم الثالث استنتاج خصوصية الحالة المصرية من خلال محاولة موضعة انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013، ومدى نجاح مقاومته أو فشلها نتيجةً لنوع هذه العلاقة. ولإبراز خصوصية التشكل التاريخي لآليات الإدماج والإقصاء التي اتبعتها السلطة المركزية في مصر، سيلجأ هذا البحث إلى مقارنتها بالحالة التايلندية، بسبب تشابه الأوضاع الموضوعية لكلا البلدين، كما سنبيّن لاحقًا.

أولاً: أنماط دمج الأطراف في مصر وتايلند في العهد الملكي: مشاركة أم مغالبة؟

1. العمدة والعِزبة: عن إدارة الريف المصري في العهد الملكي

يستطيع الباحث أن يلاحظ في الكتابات المبكرة الدائرة حول القرية المصرية بصفة عامة، والفلاح المصري بصفة خاصة، أنّ النخبة المصرية كانت تدرك، هي والمهتمين بالشأن المصري أهمية فهم طبيعة الريف السياسية؛ فحينما كتب توفيق الحكيم ذات مرة في روايته المشهورة يوميات نائب في الأرياف 1): 939(

"وهل القرية إلا مُصّغر الدولة؟"10، كان في الواقع يعبّر عن اتجاه أنثروبولوجي واستقصائي شغل بال كل من كان مهتمًا بالشأن المصري، من صحافيين ومستشرقين ورحّالة وأدباء ورجال دين وأحزاب سياسية، منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اندلاع ثورة الضباط الأحرار في منتصف القرن العشرين. لا شك في أن متابع نقاشات النخبة المصرية، خصوصًا في الفترة الزمنية التي فصلت بين الحربين العالميتين، سيلاحظ أن الصحافة والبرلمان المصري عجّا بنقاشات لانهائية عن وضعية الفلّح المصري، وضرورة رفع مستوى الوعي والتعليم والصحة والمعيشة في أرجاء الريف. بل إننا نجد كتابًا لمثقف مصري في عشرينيات القرن الماضي يحذّر السياسيين من قيام ثورة شيوعية، بسبب الأحوال التعيسة التي عاناها فلاحو الريف المصري الذين شكّلوا آنذاك الغالبية العظمى من سكان المملكة11. وحتى على المستوى الإداري، اهتمت أكثر من جهة بدراسة مراكز القوى وهيراركية التنظيم المحلي التي سيّرت مصدر الثروة الأول (الأرض)، منذ عهد خلفاء محمد علي. كان اللورد كرومر، الحاكم الإنكليزي الفعلي لمصر خلال الفترة 907-18831، من أوائل الذين أشاروا باقتضاب إلى نمط إدارة ريع الأرض في الفترة التي عاصرها، فقال في مذكراته: "القرية هي الوحدة الإدارية الأساسية في مصر، والعُمد والشيوخ هم حجر الزاوية الذي تقوم عليه الأقاليم"12. بالنسبة إلى كرومر، كان العمدة رأس القرية المسؤول عن متابعة جباية الضرائب والوسطاء بين الباشوات والفلاحين، فهم ممثلو السلطة المركزية في الريف وعيونها الساهرة13. وعلى الرغم من أن دراسات عدة بيّنت أن منصب العمدة وشيخ القرية إبان الاحتلال الإنكليزي لمصر بدأ ينحدر بسبب تغوّل السلطة المركزية، فإنه لا يمكن إنكار أن المنصب كان مطمعًا للعائلات الثرية، وطريقًا لا بد منها لضمان الامتيازات وتوثيق العلاقات مع بيروقراطية الدولة14. بمعنى آخر، كان منصب العمودية يعبّر، مهما علا شأنه أو قلّ، عن صورة من صور المشاركة السياسية بين الأطراف والمركز، وهو ما أدركه المؤرّخون السياسيون والاجتماعيون الذين لاحظوا أن طيفًا واسعًا من المشاركين في الحركة العرابية ومؤيديها عام 8821 إنما كانوا أبناء الوجهاء الريفيين، وتحديدًا من عائلات العُمد وشيوخ القرى الذين ساءتهم هيمنة تحالف الباشوات والأجانب على مناصب البيروقراطية15. كما أن العمل المرجعي

الذي يراجع من خلاله كينيث كونو تاريخ الريف المصري، قبل عهد محمد علي وخلاله، يعطي مؤشرات مهمّة مؤداها أن شريحة الوجهاء الريفيين كانت ذات ثقل مهمّ طوال القرن التاسع عشر، إن لم يكن قبل ذلك16. إذًا، فشل الحركة العرابية، وما تبعها من إصلاحات إدارية أجراها الإنكليز ببروز نمط مستجدّ من الإدارة المحلية، أدى إلى تهميش السلطات المحلية القديمة إلى حد كبير، وهو ما رصده أيضًا توفيق الحكيم في روايته السابقة الذكر؛ إذ بدا العمدة في أحد مشاهد "اليوميات" جاهلً، منكسر الحال، وخائفًا من بطش السلطة17. والحال أن منصب العمودية أصبح عشية الحرب العالمية الثانية بلا قيمة تقريبًا. كما عُبّر عن ذلك في قانونَي المجالس المحلية في عام 9341 ثمّ في عام 194418، وانتقلت الوجاهة الاجتماعية والسياسية إلى أصحاب العِزب الذين عُرفوا لاحقًا بكبار الملّك الذين كانوا أساسًا من موظفي الدولة أو على علاقات وثيقة بها، وتبوأ أغلبهم، وكذا أبناؤهم، مناصب مهمّة في البيروقراطية كما بيّن ليونارد بندر وآخرون في دراستهم الإمبريقية19. بل إن دراسات لاحقة بيّنت أن حجم التشابك بين شريحة كبار الملّك والرأسماليين الصناعيين والتجاريين في مصر الملَكية في النصف الأول من القرن العشرين كانت أوسع مما كان يُتصوّر سابقًا، وأنْ لا جدوى للتمييز بينها20. وفي الواقع، لا يمكن فهم تطوّر نظام إدارة ريع الأرض (مصدر الثروة الأساسي آنذاك) إلّ بتفحّص صيرورة التحديث التي ترسّخت أولً مع المشروعات الكبيرة لشق القنوات المائية التي أجبر محمد علي وخلفاؤه مئات الآلاف من الفلاحين على شقها من أجل سقاية ما سوف يصبح عزبًا كبيرة21، وثانيًا مع سياسات الخديوي

إسماعيل تحت الضغوط الأوروبية، واضطرار القصر إلى سياسة اقتصادية ذات شقين؛ يتعلق أولهما باستصلاح مساحات واسعة من الأرض وبيعها لتوفير السيولة المالية، ما أدى إلى حفْز نشوء سوق داخلية (وطنية)، فبات في إمكان القادرين على الدفع أن يتملكوا مساحات شاسعة بأسعار بخسة. أما ثانيهما، فكان بفرض مزيد من الضرائب والمكوس على الفلاحين الذين اضطر عدد كبير منهم في نهاية المطاف إلى البيع والعمل بالأجرة22. ومما لا شك فيه أن انتهاج مثل هذه السياسة سوف تكون نتيجته المنطقية نظامًا كنظام العِزبة. إذا أردنا وصف العزبة بلغتنا المعاصرة، يمكننا القول إنها كانت أشبه بشركة زراعية تستحوذ على مساحات شاسعة من الأرض التي يقطنها الفلاحون، بوصفهم عمالً وتربطهم بأربابهم علاقات اقتصادية خالصة تقريبًا. وأغلبية العزب، كما يوضح روجر أوين، كانت قد بدأت من خلال مجتمعات نشأت على الأراضي المستصلحة حديثًا23. وفي فترة مبكرة نسبيًا، كان الفلاحون يعملون أساسًا بأنظمة مختلفة أبرزها استيفاء أجورهم من المحاصيل Crop-sharing، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، انتقل أغلب العزب إلى العمل وفق نظام الأجور الحديث Money-rent الذي كان صاحب العزبة بمقتضاه يؤجر الأراضي إمّا مباشرة وإمّا عبر سماسرة، بينما يعيش هو في المدينة. وكما بيّن إيليا حريق، في حين كانت نسبة الأراضي التي تعمل وفق نظام الأجور الحديث لا تتعدى 71 في المئة عام 9391، أصبحت عشية ثورة الضباط الأحرار نحو 75 في المئة24، وفي الوقت الذي لم يزد عدد العِزب - كما ورد في إحصاء عام 1882 - على خمسة آلاف عزبة25، تضاعف عددها عشية عام 9521 إلى ما يزيد على خمسة عشر ألفًا26؛ ما يمثل أضعافًا مضاعفة من عدد القرى المصرية المسجلة رسميًا آنذاك. وفي الواقع، يمكن المجازفة والقول إن العزبة آنذاك لم تكن سوى الطور الأحدث للقرية المصرية؛ قرية بلا نظام ثقافي واجتماعي يربط بين أبنائها، وكانت من حيث المبدأ مجتمعًا يضم الفلاحين وعائلاتهم، ولكنها في الوقت نفسه ملكية خاصة، أو شركة، في لغتنا المعاصرة، تربط بين سكانها علاقات اقتصادية خالصة من دون التزامات اجتماعية. إن بروز نظام العزبة، بصفته حالة مهيمنة في نمط إدارة الريع27، كان يعبّر عن قدرة الدولة على اختراق الريف المصري بلا مقاومة تُذكر؛ أي إن الدولة كانت قادرة، على نحو يثير التعجّب، على التعامل مع المجتمعات الريفية، من دون الحاجة إلى وجود طبقة سياسية ريفية وسيطة. بهذا المنطق تحديدًا،

كانت العزبة هي المعادل المعكوس تمامًا لنظام العمودية الذي يعتمد أساسًا على ممثلين محليين ينوبون عن الدولة. وبذلك، فإن طغيان العزبة بوصفها أنموذج إدارة محلية لم يعنِ بتاتًا ضعف الدولة وبيروقراطيتها، بل عكس ذلك تمامًا؛ أي تغوّلً للسلطة المركزية لم يسبق له مثيل، إلى حدّ لم يجعلها قادرة عبر سياسات استصلاح الأراضي على بسط هيمنتها على الأطراف فحسب، بل على "خلقها" و"إنشائها" أيضًا.

2. تايلند: الأطراف "تصنع" دولتها

لإدراك خصوصية الحالة المصرية، من المهم أن نلقي الضوء على حالة أخرى مشابهة لها، إلى حد بعيد، من الناحيتين الاجتماعية والسياسية. ففي تايلند، كما في مصر، مثّل ريع الأرض، وخصوصًا زراعة الأرز، مصدر الثروة الأساسية الذي وجّه الحراك الاجتماعي والسياسي في البلاد. كما أن مملكة سيام اكتسبت مشروعيتها من مرونة أساليبها وقدرتها على مدّ نفوذها إلى الشمال الريفي وتنميته. بل يمكن القول إن بيروقراطية الدولة الوليدة كانت هي التي أنشأت ريفها، بعد أن استفادت من خبرات المهاجرين الصينيين الذين برعوا في التجارة والتسويق بعد أن توافدوا إلى تايلند منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر28، وهو الدور الذي يشابه إلى حدّ بعيد دور التجّار الأوروبيين بعد هزيمة محمد علي عام 8401 وانسحاب جيشه من الشام29. لم تتعرض مملكة سيام في تاريخها الحديث للاستعمار المباشر، لكن كان لقيامها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بالاندماج في "سوق إقليمية ذات طابع كولونيالي" تتنافس فيها القوى الأوروبية وإمبراطورية اليابان، الأثر الأهم في صيرورة تشكيل السوق الداخلية وعلاقات الدولة بالمجتمع30. وفي الواقع كانت البيروقراطية التايلندية، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، تجاهد للموازنة بين خضوعها لمحور اقتصادي ذي طابع استعماري وقدرتها على تعميق نفوذ أذرع الحكم في المركز والأطراف. وبسبب الضعف النسبي الذي واجهته الدولة آنذاك، لم تجد بدًّا من اعتماد نهج التشاركية مع الفلاحين الذين سُمح لهم منذ فترة مبكرة، نسبيًا، باستملاك الأراضي في حال استصلاحها، كما خُففت عنهم الضرائب والمكوس في فترات الكساد الاقتصادي أو الجفاف. وكان هذا هو السبب الرئيس الذي جعل مملكة سيام غير قادرة على استنساخ نظام إدارة مركزي لريع الأرض يجبر الفلاحين على زيادة إنتاجهم، على نمط أنظمة أخرى مثل نظام إدارة الأرض في مصر31. كان لطبيعة السياسة التشاركية بين الحكومة المركزية والأطراف في تايلند نتيجتان أساسيتان سوف تحكمان طبيعة علاقة الدولة بالمجتمع في القرن العشرين: الأولى ذات طابع اقتصادي؛ فعلى خلاف

الريف المصري، لم يشهد الريف التايلندي نشوء طبقة من ملّك الأرض الكبار، وبقي الملّك الصغار؛ أبناء الريف، هم الغالبية العظمى من الفلاحين الذين سيطروا على غالبية الأرض القابلة للزراعة32. أمّا النتيجة الثانية، فهي ذات طابع سياسي؛ إذ أدت القبضة المتراخية التي نعِم بها الفلاحون التايلنديون إلى تشكيل شريحة وسيطة تقوم بمهمات الإدارة المحلية وتمثيل الحكومة المركزية. ففي ريف العاصمة بانكوك، وفي الشمال التايلندي أيضًا، شكّلت علاقات ال "ناي - فراي" Nai-Phrai العماد الأساسي الذي قام عليه نظام الحكم المحلي في الأرياف، ذلك أنّ "الناي" يُعَد بمنزلة الرجل النبيل، بينما يمثّل "الفراي" التابع33. وإذا قارنّا هذا النظام بنظام العمودية المصري الذي كان سائدًا حتى عشرينيات القرن العشرين، يمكن القول إنه كان أكثر مرونة وموجّهًا إلى مصلحة الفلاح الذي كان بإمكانه أن يبدل "نايه" عندما يشاء، أو أن يرتبط بأكثر من "ناي" في آن واحد، ما ساهم في إضفاء مزيد من المرونة على النظام الاجتماعي الذي قلّما شهد تمركزًا للقوة34. وإذا أردنا اختبار أنموذج جيمس سكوت المسمّى "الفطيرة الثابتة" Pie Constant، والذي يفترض بموجبه أنّ جعْل المجتمعات الفلاحية رأسمالية يقود إلى نظام اجتماعي مولّد للتوتر، لأن الأرباح التي يجنيها فلاح تعني بداهة خسارةً يتكبدها فلاح آخر35، فإن هذا الأنموذج يبدو مثاليًا لفهم حالة الريف المصري، ولكنه يعجز عن استكشاف تعقيد الريف التايلندي. خلافًا لحالة الريف المصري الذي كانت وحدته المحلية الصغرى هي القرية، لم تكن روابط ال "ناي - فراي" مرتبطة بالضرورة بنطاق جغرافي محدد مع كونها معترفًا بها في القانون، بل كانت في الواقع أشبه بالأخويات. فالعلاقات بين التابع والمتبوع فيها مستمدة من القيم البوذية التي تقلل من شأن الزعامة؛ كما هي الحال في حالة الطائفة أو القبيلة، أو حتى بعض المجتمعات الحديثة في الشرق والغرب36. وفي الواقع، يصعب أن نردّ صمود هذا النظام ببدائيته حتى ثلاثينيات القرن العشرين إلى الأخلاق البوذية (على غرار الأخلاق البروتستانتية لدى ماكس فيبر). فانتشار البوذية يشمل إحدى عشرة دولة في آسيا، ولم يؤدّ في أغلب تلك الدول إلى خصوصية الحالة التايلندية. ونحن نميل أكثر إلى النظر إلى أحوال نشوء الدولة الحديثة بصفته عاملً حاسمًا. وفي حالة تايلند، كان السبب الأساسي هو "عدم تدخل" الدولة في الأطراف، ورغبتها في عدم ممارسة ضغوط شديدة على أطرافها تُحصّل من خلالها أقصى قدر ممكن من فائض الإنتاج. فضعف الدولة هو الذي أدى إلى بقاء هذا النوع من الإدارة المحلية إلى فترة متأخرة نسبيًا.

كانت النتيجة المنطقية لصمود نظام ال "ناي - فراي" في تايلند أن يكون الجيل الأول من موظفي البيروقراطية التايلندية الحديثة متمثلً بال "نايات" أنفسهم الذين "جلبوا" الدولة بدورهم إلى الأطراف. بكلمات أخرى، حين حلت البيروقراطية التايلندية بالريف التايلندي، فإنها لم تكن ضيفًا غريبًا، بل كانت من صلب المجتمعات الطرفية37. ولا ريب في أن ذلك أدى في تلك المرحلة إلى تسهيل قبول الدولة وتبيئتها والنظر إليها باعتبارها "فاعل خير" يريد خدمة الناس. غير أن ما بدا في ذلك الوقت "كرمًا" بيروقراطيًا سوف يصبح لاحقًا - في مرحلة ما بعد الملكية - حقًا تنتظره وتطالب به المجتمعات الطرفية باستمرار. لم يحظَ الفلاحون المصريون في المرحلة المَلكية بما حظي به نظراؤهم التايلنديون؛ فمنذ البطش بحركة أحمد عرابي باشا عام 8821، كانت مسيرة التنمية وبناء بيروقراطية الدولة المصرية تطحن الفلاحين، وتسلبهم أراضيهم، وتدفعهم إلى الهجرة إلى المدن هربًا من مذلة اقتصاد الكفاف في قراهم. وحتى نظام العمودية الذي تضمّن حدًّا أدنى من المشاركة السياسية، وقد كان أيضًا متجهًا نحو الأفول لمصلحة نظام شديد المركزة، لم يكن يرى مجتمعات الفلاحين إلّ وقودًا لمراكمة مزيد من فائض الإنتاج، بينما لم يرَ الفلاحون الدولة سوى "شرٍ" لا يمكن مقاومته، فضلً عن تفاديه، وفي أحسن الأحوال "الانتحار" أمامه38. هكذا، على الرغم من أن تاريخ الدولة الحديثة في كلٍ من مصر وتايلند بالِغ القِدم وضارب في جذور التاريخ، فإن كل دولة منهما جرى فيها إدماج المجتمعات الطرفية منذ النصف الثاني من القرن العشرين بطريقة مختلفة. ففي حالة مصر، كان الإدماج وبناء الدولة يسيران عبر العنف وإخضاع المجتمعات المحلية بالقوة، بل نحو تفتيت أي مؤسسة محلية ذات طابع اجتماعي39، يمكن أن تحول بين الناس والبيروقراطية40. أما في تايلند، وبسبب الظرف الإقليمي خصوصًا، كانت الطريقة التي فضلتها الدولة

هي التراضي والتشاركية، متفاديةً بذلك أي محاولة لاستثارة عداء الفلاحين. وكما سنحاجّ في القسم التالي من هذه الورقة، ستكون لكلتا السياستين نتائج تصوغ حدود المشاركة السياسية في المرحلة الجمهورية.

ثانيًا: ما بعد الملكية: أنماط إدماج الأطراف في مصر وتايلند

1. مصر: الأطراف ترحل إلى المركز

مثلت الإصلاحات الزراعية التي أقدم عليها النظام المصري الجديد، منذ أواسط الخمسينيات وفي الستينيات من القرن المنصرم، عهدًا جديدًا في صورة توازن القوى الاجتماعية في المدن والأرياف. وكما يوضح محمود عبد الفضيل، أدت هذه السياسة إلى تفتيت الملكيات الزراعية الكبيرة لمصلحة تكوين شريحة ضخمة من الملّك الصغار؛ إذ استفاد ما يزيد على 003 ألف عائلة من توزيع نحو 800 ألف فدّان41، إضافة إلى توسيع دور الدولة الرعائي في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية. وفي ستينيات القرن المنصرم، تفاءل عدد من الأكاديميين والبحّاثة بإمكانية نشوء نظام يساهم في توسيع حدود المشاركة السياسية التي من الممكن أن تؤدي إلى كيان مؤسساتي أكثر استقرارًا. فعلى سبيل المثال، بشّر إيليا حريق في كتابه التعبئة السياسية للفلاحين المصريينبأن السياسات المؤسساتية لنظام عبد الناصر هدفت إلى إشراك المجتمعات الريفية في عملية صناعة القرار، مستدلًّ على ذلك بالصيغ المؤسساتية التي تأسست على أنقاض النظام المحلي السابق في التعاونيات الزراعية، ومن خلال حزب الاتحاد العربي الاشتراكي42. كما أن ليونارد بندر كان قد أنجز دراسة إمبريقية تقرأ حالة التحالفات الاجتماعية داخل السلطة في العهد الناصري والنصف الأول من عهد السادات، وحاجّ فيها بأن الدولة المصرية استطاعت أن تكسب تمثيل الشرائح الاجتماعية الكبرى في الريف والمدينة، والتي "من دونها لا يمكن أن تحكم"43، وهي الحال التي لا تختلف كثيرًا عمّا نظّر له نزيه الأيوبي تحت عنوان "التشاركية" Corporatism44. في الواقع، تبين في ما بعد أن توسيع الرعائية الاجتماعية لا يعني بالضرورة توسيع المشاركة السياسية، وأن "الديمقراطية الاجتماعية" (وهي العبارة التي أحبّ من خلالها أنصار الأنظمة ذات النزعة الاشتراكية امتداح سياسات أنظمتهم) يمكن أن تعني سحب ذرائع الناس من المطالبة بنظام أكثر تمثيلً. وتبيّن أيضًا أنّ التشاركية في النظم التسلطية لا تلبث أن تتحوّل إلى ما أسماه أودونيل

"التشاركيةَ البيروقراطية" Corporatism Bureaucratic التي تتمترس من خلالها مراكز القوى في بيروقراطية الدولة، ممارِسةً الإقصاء السياسي والاجتماعي لمن هو خارجها45. لكن، حتى في الأعوام الذهبية التي تعرّض لها إيليا حريق في كتابه، بلغت الدولة من التوغّل حدّ التحكّم في ما يزرع الفلاحون أو في ما لا يزرعون. ويوثّق حريق، مثلً، حادثةً جاهد فيها الفلاحون لإقناع ممثلي الاتحاد العربي الاشتراكي في قرية شبرا الخيمة (في محافظة البحيرة) بالموافقة على السماح لهم بزراعة الفول، إضافة إلى القطن اللذين كانت الحكومة المركزية في حاجة إلى تصديرهما إلى الأسواق الخارجية46. فشبكات الدولة الجديدة، في الواقع، كانت تتجه نحو شمولية أكثر، وتحكّم في أبسط القرارات التي يمكن أن يشرف عليها ممثلون عن الناس في الأطراف، وهو ما يمكن أن نستشفه، أيضًا، من دستورَي 9569601 و 1 اللذين كانا قاطعين بتركيزهما أغلب السلطات المحلية في يد وزير الداخلية ولاحقًا المحافظ، وهما غالبًا ما كانا يُعيّنان بناءً على خلفية أمنية أو عسكرية47. وانعكس ذلك أيضًا من خلال الهجوم الشديد الذي شنته صحف النظام المصري في الستينيات ضدّ ما سمّي آنذاك "طبقة الوسطاء"48. وفي جميع الأحوال، نادرًا ما اختير أحد أعضاء الاتحاد العربي الاشتراكي لشغل منصب مهم، في الوزارة أو حتى في الحزب نفسه، الأمر الذي دلّ، كما يرى ديكمجيان، على بداية عصر جديد من تغوّل الطبقة البيروقراطية الجديدة49. على أي حال، كانت هزيمة حزيران/ يونيو 9671، ودخول مصر في حالة تحضير لحرب تحرير القناة، قد أدّيا إلى التراجع حتى عن الخطوات البسيطة تجاه توسيع المشاركة. وبدأت الدولة تدشين إستراتيجية اقتصادية تقلل من خلالها اعتمادها على المجتمع أو حاجتها إلى حفْز الشرائح الشعبية اجتماعيًا، وتزيد عوضًا عن ذلك اعتمادها على الحلفاء الدوليين والاقتصاد العالمي، كما

سبق وجادل ميشيل بارنت50؛ فبعد أن ألغي نظام العمودية في أواسط الستينيات، جُمّدت هيئاتُ الاتحاد الاشتراكي وأُلغيت فعلً قبل أن يُجهز عليها السادات دستوريًا في أواسط السبعينيات51. وعلى الرغم من أن السادات بدأ بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 9731 بإجراء إصلاحات دستورية تتضمن مواد من المفترض أنها تعزز اللامركزية52، فإن هذه الإصلاحات هدفت إلى استمالة البرجوازية الزراعية التي حاصرتها الناصرية بسياسات الإصلاح الزراعي، من أجل دعم مشروع الانفتاح، ولم تؤدّ قط إلى تخفيف قبضة السلطة المركزية53، بل على العكس، استُعملت لاحقًا لمدّ البيروقراطية المصرية، بصفة غير رسمية، إلى الأطراف من خلال تفريغ أعضاء الحزب الحاكم في المجالس الشعبية وهيئات الحكم المحلي54، ومن ثمّ مدّ الشبكات الزبائنية وفرضها فوقيًا بسبل شتّى؛ أهمّها، كما يشرح يحيى سادوسكي باستفاضة، مشروعات استصلاح الأراضي الزراعية التي أعادت التذكير بنمط العزبة التي لا يمكن فهمها إلا بصفتها انقلابًا على الإصلاح الزراعي55. في جميع الأحوال، لم تكن السياسة العامة في مصر تجاه الريف المصري تهدف إلى تطويره سياسيًا أو تنمويًا كما دلّ على ذلك مسار انحدار الزراعة. وكان واضحًا في عهدَي ناصر والسادات أن الاهتمام كان منصبًّا على المشروعات القومية العملاقة، مثل مشروعَي سدّ أسوان ومديرية التحرير. وخلافًا لكثير من دول الجنوب، لم تستفد مصر من منجزات ما عُرف ب "الثورة الخضراء"، التي استندت أساسًا إلى استثمار التكنولوجيا الحديثة في الزراعة لزيادة الإنتاج وتكثيف استخدام الأرض56، بل اقتصرت السياسة العامة على دعم الأرياف من ناحية البنية التحتية وإهمال الزراعة؛ الأمر الذي أدى أولً إلى تمدين الريف، وثانيًا إلى هجرة كثير من سكانه نحو المدن والمراكز الحضرية، وإلى دول النفط. ومع اعتلاء مبارك سدّة الحكم، كانت الأطراف في حد ذاتها قد هاجرت إلى المدينة، وبدأ التناقض التقليدي بين الريف والمدينة ينجلي ويتحول إلى صراعات كثيرة داخل المدينة وضواحيها، عبّر عنها انتشار

العشوائيات وانتعاش "اللارسمية" Informality57 وقد حفّزتها عوائد العمالة المهاجرة التي وجّهت مدخراتها إلى أوجه النشاط التجاري المختلفة في المدن وضواحيها58. يمكن، بذلك، أن يقال إن الريف المصري، الذي مثّل على مدار فترة تاريخية طويلة موطن الغالبية من المصريين، لم يشهد في العهد الملكي مؤسسات أو روابط تمثيلية تعبّر عنه أو تتيح له القدر المعقول من المشاركة التي تؤهله لامتلاك خبرة سياسية تاريخية. كما أن سياسات تحالف الحاكمين في العهد الجمهوري كانت أبعد من أن تتيح له هذه الفرصة أيضًا. ولعل رايموند هينبوش كان مصيبًا حينما اختصر صيرورة بناء الدولة في العهدين الناصري والساداتي على أنها مسيرة نحو تدعيم مؤسسة الرئاسة وتهميش ما سواها59. وعنى ذلك أن أجيالً كثيرة وُلدت وترعرعت من دون أن تعرف طريقةً ما لتنظيم نفسها والانخراط في السياسة. وليس البديل من غياب الأطر التعبوية والتمثيلية للمواطنين سوى انتشار ثقافة التزلف والتقرب الفردي من البيروقراطية لنيل رضاها، وربط الترقي الاجتماعي ب "الشللية" السياسية التي صارت في عهد مبارك السمة الأهم من سمات الخريطة السياسية والاقتصادية، كما كشف عن ذلك كثير من باحثي الاقتصاد السياسي60. وقبل أن ننتقل إلى معالجة آثار سياسات الإدماج المصرية في المرحلة السياسية المعاصرة، سنقارب الحالة المصرية من خلال التجربة التايلندية التي تطورت فيها العلاقات بين المركز والأطراف بطريقة مختلفة.

2. "التطور المتوازي" في مصر وتايلند

على الرغم من أن تايلند لم تشهد ما شهدته مصر من خلعٍ للنظام الملكي، يمكن القول إنه جرى منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، وبعد انقلابات عسكرية عدة، تحييد العائلة المالكة فعلً وتقليم أظفارها السياسية والاقتصادية. وفي الواقع، لم تكن الحركة الانقلابية الأولى عام 9321 (المعروفة باسم ثورة 9321) أكثر أو أقلّ عنفًا من حركة الضباط الأحرار عام 9521، غير أن منطلقاتها ودوافعها مختلفة كليًا؛ إذ انطلق الثوّار التايلنديون الذين نالوا تعليمًا عاليًا في أوروبا، وأسسوا حركة سرية في باريس أطلقوا عليها اسم حزب الشعب، من نظرة متأثرة بالثورة الفرنسية وقيم الليبرالية والتحرر المنبثقة منها. وكانوا يعتقدون، كما يبيّن عدد من المؤرخين، أن مهمتهم هي الارتقاء بالشعب وتحريره من "ثقافة الشرق" الاستبدادية والرجعية، وهو أمر ما كان له أن يحدث لولا بدء التايلنديين قبل عقود من ذلك بتخيل أنفسهم مرتبطين ببقعة جغرافية من الأرض هي تايلند، وأن تاريخهم لا يبدأ مع ملوك مملكة سيام التاريخية61. لذلك، لم يكن غريبًا أن يبرز في العقد الأول من الثورة التايلندية قائدان يعملان جنبًا إلى جنب في مشروع مملكة تايلند الدستورية: الأول هو الجنرال المعروف اختصارًا ب "فيبون" Phibun الذي قام ببناء الدولة الجديدة فعلً على مدار أكثر من ثلاثين عامًا (متقطعة)، وأرسى دعائم المؤسسة العسكرية الحديثة والتوجهات الاقتصادية التي ستحكم البلاد حتى يومنا هذا. والقائد الثاني هو وزير الثقافة والفنون على مدى أكثر من ثلاثة عقود، والمعروف اختصارًا ب "ويشيت" Wichit، والذي قاد حملات من إحياء الترجمة والفنون والآداب المكتوبة باللغة التايلندية، إضافة إلى تدشين منظومة تعليم وطنية حديثة، ليساهم من موقعه في إعادة تعريف هوية التايلندي ومعنى الوطنية والتاريخ المشترك، وهي العملية الضرورية لبناء الأمّة62. ولن تمرّ عملية بناء الدولة  - الأمّة في تايلند من دون بروز أيديولوجيا مشدِّدة على النقاء العرقي واللغوي المُتخيل، ومعادية للجيران الآسيويين ولأقلية الصينيين الذين وُصفوا حرفيًا بأنّهم "يهود الشرق"، ولن يوقف جماح هذه الأيديولوجيا إلا اندلاع الحرب العالمية الثانية63. ليس من أهداف هذه الورقة الاستغراق في دراسة مسيرة بناء تاريخ الدولة - الأمّة في تايلند، بل هي معنية فقط بأساليب التعامل وإدماج الأطراف تحت سلطة المركز. وقد شددنا في القسم السابق على أهمية علاقات التنظيم الاجتماعي التي سادت الأرياف في صيرورة عملية الاندماج العمودي وربط العاصمة بأطرافها في عهد مملكة سيام، وهو ما استمر أيضًا في العهد الجديد، وإن كان بطرق أخرى؛ فعلى

الرغم من أن ألقاب "الناي" كانت قد ألغيت بالتدريج، في موازاة تطور حكومة مركزية وبيروقراطية حديثة، فإن الباحثين في أغلبيتهم يقرّون بأنها بقيت تشكّل بنية تحتية سياسية - اجتماعية حتى أواسط القرن العشرين64. وفي الحقيقة، كان انتشار الدولة إلى الأطراف يجري عن طريق شريحة واسعة من الوجهاء المحليين الذين انحدر أغلبهم من شريحة "الناي"، وكانوا في الوقت نفسه ممثلين عن البيروقراطية. هؤلاء الوسطاء هم الذين أيضًا أشرفوا على رسملة المجتمعات المحلية التي كانت قائمة سابقًا على نمط الإنتاج الفلاحي65. وبما أنّ الشريحة الوسيطة وجدت نفسها تاريخيًا تقوم بمهمة مزدوجة، هي قيادة المجتمعات المحلية والإشراف على إدماج الأطراف بالسوق، فإنها حاولت قدر الإمكان امتصاص صدمة السوق عبر التنسيق مع الحكومة المركزية لدعم الفلاحين والعمل على إنشاء التعاونيات الزراعية ومؤسسات الإقراض، إضافة إلى إدارة المؤسسات الحكومية التي كانت تقوم بمهماتها التقليدية المتعلقة بتطوير البنية التحتية وإمداد الخدمات العامة. ثم تضاعفت وتيرة دعم البيروقراطية للأطراف في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، خصوصًا مع تحالف تايلند مع الولايات المتحدة الأميركية، ورغبة الحكومة في تجنب أي تمرد شيوعي يمكن أن ينفجر في الأطراف. ففي هذه الفترة، كانت البيروقراطية التايلندية قد انتقلت كليًا من جباية الضرائب من الريف التايلندي إلى دعمه وتطويره، كما حدث في سبعينيات القرن الماضي حين بدأت مظاهر "الثورة الخضراء" تجتاح أغلب قرى الريف التايلندي، ولاحظ كثيرون أن تقنيات الري الحديثة والحراثة، إضافة إلى استخدام السماد والمبيدات الحشرية، كانت قد حلّت محلّ تقنيات الزراعة التقليدية66. كان لهذه الصيرورة نتائج أساسية، تمثلت أولاها بأن الحراك الاجتماعي والاندماج العمودي تمّا عن طريق الانخراط في المؤسسات المحلية والروابط الاجتماعية التقليدية، ما أدى إلى تدعيم وضعية النخب المحلية واستقرارها بصفتها هيئات ممثلة للأطراف. أمّا النتيجة الثانية، فقد دلت على انقسام عمودي بين الريف والمدينة؛ إذ كان التطور البنيوي للأقاليم الريفية (تمثل غالبية التايلنديين) يجري بالتوازي وعلى نحو مختلف عن التطور في المراكز الحضرية التي مثّلت معقل البيروقراطية المدينية والنخب الوطنية الحاكمة والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني؛ الأمر الذي أدى إلى نشوء حالة متطرفة من الجهوية سوف تؤدي لاحقًا إلى أزمة سياسية لن تتخلص منها البلاد إلى وقتنا هذا. وأخيرًا، أدى وجود مسارين تنمويين (حضري وريفي) إلى انتعاش اقتصاد الظل في الأطراف، وإلى بروز حالة غير مسبوقة من تجاهل القوانين الرسمية، والعيش والعمل بمقتضى العرف. ومن أهم آثار ذلك شيوع ظاهرة وضع اليد على الأراضي غير الآهلة، ولا سيما في أقصى شمال البلاد، حيث يقطن من التايلنديين اليوم ما بين 01 ملايين و 21 مليون نسمة67.

لذلك، ليس من المستغرب، بعد هذا كله، أن تذهب بعض الدراسات الحديثة إلى افتراض أنّ ثمة "دستورًا ريفيًا" يحكم العمل السياسي في المحافظات الشمالية التايلندية، ويختلف ثقافيًا وقيميًا عن العمل السياسي الرسمي للبلاد68. كما أن طيفًا واسعًا من الدراسات كان قد شُغل منذ أواسط السبعينيات بظاهرة عزوف المواطنين التايلنديين عن التصويت في الانتخابات العامة أو شراء أصواتهم بعد انتقال تايلند إلى الديمقراطية. وفنّدت تلك الدراسات التُّهم الموجهة إلى الشماليين بالسلبية وعدم الاكتراث، وعزت ظاهرة العزوف ببساطة إلى مشاركة أبناء الأطراف في السياسة بطريقتهم الخاصة المتمثلة بالانخراط في مؤسساتهم المحلية الأكثر التصاقًا بهم والأكثر تعبيرًا عنهم69. نحن أمام أنموذج معاكس تمامًا للحالة المصرية التي جرى فيها دمج الأطراف من "الخارج"، ولم يُسمح بأي طريقة بتطور حالة حكم محلية، يوكَل إليها مهمة تطوير الأطراف، أو على الأقل النيابة عن الحكومة المركزية في القاهرة، لاتخاذ القرارات التي تخص الفلاحين أو للمشاركة في فائض الإنتاج؛ فسياسات الإصلاح والاستصلاح الزراعي التي استكملتها الحكومة منذ انقلاب الضباط الأحرار، وإن كانت قد قلّمت القوى السياسية التابعة للنظام القديم أظفارها، فإنها أقصت أيضًا شريحة واسعة من الوسطاء الذين كانوا مرشحين لتأدية دور أساسي في قيادة المجتمعات المحلية والنيابة عنها. وعوضًا عن ذلك، باشرت الحكومة، عبر شريحة من التكنوقراط العسكريين أو الأمنيين التابعين لها، الإشراف على هذه المهمات، الأمر الذي بدا تضييقًا للخناق على أي فرصة للإدارة الذاتية في الأطراف. مع ذلك، يجب عدم التسرع في القول إن جهد المركزة الشديدة في مصر لم يعنِ نشوء حالة جهوية، بل إن الأخيرة لم تكن قادرة يومًا على التعبير عن ذاتها بطريقة سياسية منظمة، إلا إذا كنا نعدّ حوادث العنف الجهادي الذي بدأت بوادره منذ نهاية السبعينيات في جنوب مصر ضربًا من ضروب السياسة70. كما أن اجتياح البيروقراطية المصرية للأطراف لم يعنِ نجاة مصر من ظاهرة "التطور الموازي" الذي شهدته تايلند، بل إن الأكيد هو أن تطورًا مثل هذا حصل، ولكن في داخل المدن وفي أطرافها، خصوصًا في القاهرة الكبرى. فكما سبق لهذه الورقة أن أوضحت، فإن الهجرة الريفية المصرية الكثيفة إلى المراكز المدينية، منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية وحتى بداية الثمانينيات، عنت أن الأطراف ذاتها هربت إلى المدن، مغذيةً ما صار يُعرف عالميًا ب "اللارسمية". هكذا، انتقلت الدراسات السوسيولوجية في مصر، منذ أواسط ثمانينيات القرن المنصرم، إلى متابعة البناء الاجتماعي-السياسي الذي كان يحصل في الأحياء الشعبية وفي العشوائيات التي قدّرت نسبة

ساكنيها في القاهرة الكبرى، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ب 63 في المئة من مجموع عدد السكان71. وكما سبق أن بيّن نزار الصياد، كانت عملية التطور الموازي للعشوائيات والقطاع غير الرسمي تحصل من دون غطاء سياسي يوجهها، لا من الدولة ولا من قوى تحت دولتية72، ما أدّى إلى ازدهار مجتمعات، على غرار الشمال التايلندي، عازفة عن السياسة الرسمية، ممارسة - بدلً من ذلك - إستراتيجيات "شبه سياسية" قائمة أساسًا على العائلة والشبكات الأهلية، تضمن لها الاستفادة من الموارد الاقتصادية المتاحة، إما عن طريق التفاوض غير القانوني مع البيروقراطية (مثل الرشوة)، وإما عن طريق التحايل على الدولة ووضع اليد على المجال العام في العشوائيات73. وبدءًا من التسعينيات، سوف تُترجم قوة اللارسمية إلى بروز حركات إسلامية متطرفة تسعى لتمثيل من لا ممثّل لهم، وسوف تقابل هذه المحاولات الإسلامية إمّا بالعنف الشديد، وإمّا بخطاب رسمي ونخبوي يحاول تجريم أهالي العشوائيات وتحقيرهم واتهامهم بالرجعية والتخلّف، وهم الذين يمثلون على الأقل، كما سبق أن ذكرنا، نصف سكان مصر وأقلّ قليلً من الثلثين من سكان القاهرة الكبرى74. في كلتا الحالتين إذًا، في مصر وتايلند، ساهمت سياسات الدولة التنموية في تضخيمٍ مهول لأعداد "اللارسميين"، بحيث وصلت نسبة العاملين في الاقتصاد غير الرسمي في تايلند حتى عام 2006 إلى 55 في المئة من مجمل عدد العاملين75. في حين وصلت هذه النسبة في الحالة المصرية في العام نفسه إلى ما يزيد على 50 في المئة76. وفي كلتا الحالتين أدت السياسات النيوليبرالية، التي انتهجت منذ مطلع الثمانينيات، إلى حالة من الاحتقان المستمر في أوساط هذه الشرائح التي تعمل أساسًا في

مشروعات صغيرة أو متناهية الصغر، وتعتمد بصفة كبيرة على سلاسل الدعم الحكومي الذي يمثل ملجأً أخيرًا يمنع ملايين الناس من السقوط إلى ما تحت خط الفقر77. في جميع الأحوال، سوف يكون لهذه الصيرورة أثر مهمّ أيضًا في أشكال الممارسة السياسية المختلفة في الفترة المعاصرة، غير أنها سوف تتضح جليًا في طبيعة الانقلابات العسكرية في تايلند عامَي 2006 و 2014، ومصر في تموز/ يوليو 2013، وفي طريقة مقاومتها ومجابهتها من قوى المعارضة، وهذا ما سيعالجه القسم الأخير من هذه الدراسة.

ثالثًا: الانقلاب العسكري ومقاومته في مصر وتايلند

1. من يمثّل الهامش في مصر؟

تُعَدّ ثورة 25 يناير 2011 المصرية لحظة مهمة في تاريخ مصر الحديث. ويمكن القول إن سقوط نظام مبارك بفعل ثورة شعبية تعبير صارخ عن تغير عميق في دينامية علاقات الدولة والمجتمع. وعلى الرغم من أن الثورة المصرية في أيامها الثمانية عشر شهدت مشاركة كثير من شرائح المجتمع المصري، ابتداءً من الفئات الشعبية، ومرورًا بالطبقة الوسطى وموظفي الدولة، وانتهاءً بشرائح مختلفة من الطبقة الوسطى العليا، فإن من غير الممكن إغفال أن التظاهرات الكبرى التي عمّت القاهرة والإسكندرية منذ مساء اليوم الأول حتى جمعة الغضب، في 28 كانون الثاني/ يناير، كانت في الواقع قد انطلقت من الأحياء الشعبية (إمبابة وشارع ناهيا وأرض اللواء والطالبية وشبرا، وغيرها). كما أن إجماعًا ساد بين المحلّلين على أن المعارك الحامية الوطيس التي تخللها التعارك بالحجارة والكرّ والفرّ بين صفوف المتظاهرين، في يومي 26 و 27 كانون الثاني/ يناير، كان وقودها شباب الأحياء الشعبية الذين وجدوا في دخول قوات الأمن إلى أحيائهم فرصةً لهم للانتقام من أحد أجهزة الدولة التي طالما بطشت بهم وضيقت عليهم. ربما من المفيد هنا تذكّر مساهمة سلوى إسماعيل التي وجدت، من خلال بحثها الاستقصائي في حي بولاق الدكرور، أن سكان الأحياء الشعبية يميلون إلى تشكيل "هويات مكانية" تعدّ المجال العام في أحيائهم امتدادًا ل "حُرمة البيت" (أو الحيز الخاص)، وذلك ردّة فعل على انسحاب الدولة الفعلي من المجال العام وانغماسها بدلً من ذلك في "أمننة" المجتمع78؛ فالمواجهة التي خاضها شباب الأحياء الشعبية ضد أجهزة الأمن كانت في أحد جوانبها ردًّا على ما كان يُعدّ حينها اقتحامًا للحيز الخاص الذي لا يشمل البيت فحسب، بل يضم أيضًا محيطه الثقافي والاجتماعي؛ أي الأحياء الشعبية ذاتها.

والواقع أنه يصعب علينا عدم ملاحظة وجود علاقة بين ازدهار اللارسمية في مدن مصر وتزايد حالة المقاومة المجتمعية للسلطة. فمنذ أن أطلق السادات مسيرة الانفتاح، وأتبعها مبارك تدريجيًا بانتهاج سياسات نيوليبرالية، كانت الفجوة بين الدولة المصرية وملايين المصريين الذين وُلدوا في أحياء المدن المهمشة تأخذ في الاتساع. وفي الحقيقة، ليس هنالك مبالغة في القول إن أجزاء واسعة من محافظات القاهرة الكبرى بُنيت وشُيدت أساسًا بجهد ذاتي، قاده المهمشون أنفسهم، وفرضوه بحكم الأمر الواقع على الدولة في ما بات يُعرف في حقل السوسيولوجيا المدينية بالمقاومة عبر إنتاج المكان وإعادة إنتاجه79. ونتيجة لمنع بروز أي مؤسسات أو تنظيمات رسمية تمثل أبناء المناطق الشعبية، برزت حالة من الشللية القائمة أساسًا على القيم الذكورية، لسدّ الفراغ الناجم80، وعلى سياسات المكان Politics Space of، حيث أنتج المهمشون هويات مكانية محدودة بحدود أحيائهم وضواحيهم. لم يفُت الباحثين أيضًا دراسة اقتصاد الظل الذي يشمل جميع أوجه النشاط الاقتصادي الخارج عن رقابة الدولة؛ فمنذ منتصف ثمانينيات القرن المنصرم، شُغل الأكاديميون بفهم ظاهرة شركات الاستثمار الإسلامية غير الرسمية، والتي أوشكت أن تنافس البنوك الوطنية، قبل أن تقضي عليها الحكومة المصرية بتقنينها81. كما أن عزوف شرائح واسعة من المصريين عن التعامل مع المؤسسات الرسمية، وتفضيلهم القطاعات غير الرسمية التي لا تبدأ مع السوق السوداء ولا تنتهي بسلسلة من مشروعات عائلية وشبه عائلية صغيرة ومتوسطّة الحجم82، لم يعكسا عدم ثقة هذه الشرائح بالدولة واقتصادها فحسب، بل عكسا أيضًا تزايد استقلالية شرائح مجتمعية واسعة عن الدولة وفجوةً واسعةً في تمثيلها السياسي. ويذهب إريك دينيس إلى القول إن حيوية القطاع الاقتصادي اللارسمي مكّنته من امتصاص ما يزيد على 75 في المئة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وأن دينامية هذا القطاع هي التي منعت من انزلاق الاقتصاد المصري إلى الهاوية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية في الفترة 2009-200883. وفي العقد الأول من الألفية الجديدة، جاءت أطاريح هرناندو دي سوتو بشأن الثروة اللارسمية "اللانهائية" التي يكتنزها المجتمع المصري لتنبّه المؤسسات الدولية والحكومية إلى الخلل البنيوي الذي يعيق تطور الاقتصاد المصري. وعلى الرغم من أن دي سوتو كان قد تعرض لنقد لاذع من طائفة من الباحثين الذين اتهموا مشروعه بأنه

واجهة علمية للنيوليبرالية المتوحشة84، فإن تحليلات نُشرت في الأعوام العشرة الأخيرة بيّنت أن تقديراته لا تخلو من الصحة85. ما يهمّنا هنا هو الإشارة إلى أن التمدد الكبير في اللارسمية لم يقابله خلال عهد مبارك تمثيل سياسي يوازيه. ومع أن في وسعنا أن نعدّ حركات الإسلام السياسي، بوصفها تنظيمات سياسية غير رسمية، تندرج كثير من استثماراتها الاقتصادية - الاجتماعية في هذا القطاع، من مظاهر هذه الظاهرة86، فإن ارتباط جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، بمنظومة أيديولوجية تشدد على الهوية مثّل عائقًا لانتزاع التمثيل السياسي لملايين المصريين المنخرطين كليًا أو جزئيًا في اللارسمية. والحال أن غياب التمثيل السياسي لهذه الشرائح الاجتماعية من جهة، وعدم وضوح وضعيتها القانونية (من ناحية العمل والمسكن) من جهة أخرى، جعلاها مساحة للزبونية المُحدثة التي وجدت في اللارسمية غنيمةً يمكن أن تغذّي من خلالها الشبكات الزبونية غير القانونية وشبكات الفساد87، وهو ما نشط فيه تحديدًا رجالات النظام المصري، من خلال أعضاء الحزب الوطني الحاكم والهيئات ووحدات الحكم المحلي التنفيذية الذين عمدوا، طوال العقود الماضية، إلى جباية القطاعات غير الرسمية من خلال الرشى أو الاستغلال المباشر للعمالة غير الرسمية88. تحاجّ هذه الدراسة بأن أحد العوامل التي قادت إلى ضعف التمثيل السياسي للمهمشين في أطراف المدن وعشوائياتها هو التمثل التاريخي للعلاقة بين السلطة المركزية والهامش الذي سبق أن أفردنا له القسمين السابقين؛ فالخبرة التاريخية للمشاركة السياسية، كما عرفتها الأطراف في العهد الملكي وما بعده، محدودة، وسكان الأحياء الشعبية والمحسوبون على اللارسمية هم أنفسهم أحفاد أولئك الفلاحين الذين سُحقت مؤسساتهم التمثيلية أثناء بناء الدولة الحديثة، وسُدت أمامهم أي فرصة لتنظيم أنفسهم سياسيًا في مؤسسات كان من الممكن أن تجعلهم حاضرين في خريطة القوى السياسية الرسمية. وكانت النتيجة المنطقية لهذه العملية غياب ثقافة سياسية قائمة على "التعبئة السياسية"

Mobilization Political، ونشوء هذه الشرائح الاجتماعية مفصولة فصلً شبه تام عن المجال السياسي العام وعن قوى المعارضة السياسية الوازنة. وكان البديل الوحيد هو الانخراط في خيارات يومية تحت - سياسية تتفادى الدولة بدلً من مواجهتها، وتفاوض البيروقراطية وشبكاتها الزبائنية في حقوقها المعيشية، وفي مصادر دخلها، وتبحث عن مساحات سوسيو اقتصادية بعيدة عن رقابة الدولة، أو لا تمس نفوذ النخب النافذة مسًّا مباشرًا. مع ذلك، ينبغي ألّ يُفهم هذا بأنه إسباغ صفة السلبية على تلك القطاعات الوازنة من المجتمع المصري. بل الأصحّ القول إن تلك الشرائح الاجتماعية تعرّف السياسة بطريقتها الخاصة. فهي إن احتجّت، فإنما تحتج على تهديد معيشتها المباشرة أو نمط حياتها؛ مثل رفع أسعار المواد التموينية، أو قرارات نقل السكان، أو حتى الاعتداء على حدود الحيز الخاص الذي يعيد الناس تعريفه باستمرار. وغالبًا ما يأخذ الاحتجاج صفة العشوائية أو العنف الانتقامي ضد أجهزة الأمن التي تُعد رمز الظلم والعدوان، وهو الأمر الذي اتضح جليًا يومي 26 و 27 كانون الثاني/ يناير 2011، حينما تفجرت طاقات الأحياء الشعبية ضد مقار الشرطة ومكاتب الحزب الوطني الحاكم، وأحالتها إلى رماد من دون أن تعي أنها تساهم في صنع ثورة. ومع أن الثورة المصرية ساهمت، إلى حدّ بعيد، في تسييس المجتمع المصري، وزادت أيضًا من إدراك الناس أهميةَ المجال السياسي، فإن السيولة التي عاشتها البلاد في المرحلة الانتقالية، وفي فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي، أعادت دفة الأمور إلى نصابها الأول. بل إن مؤشرات عدة بينت أن شبكات النظام القديم كانت، خلال المرحلة الانتقالية، قد استغَلت كثيرًا من أبناء المناطق الشعبية (كان يُطلق عليهم في وسائل الإعلام المصرية اسم "الأهالي")، وزجّت بهم في مواجهات متكررة مع أنصار جماعة الإخوان المسلمين، فضلً عن مهاجمة مقارهم السياسية؛ من أجل تصعيد الفوضى، وجرّ القوى السياسية إلى العنف. وفي الحقيقة، لم يكن كل هؤلاء ممن يُعرفون ب "البلطجية"، بل كان منهم من هو متضرر من أجواء عدم الاستقرار والتعطل المتكرر لأشغاله؛ بسبب الاشتباكات التي كانت تحصل بين الحين والآخر. ف "الخصم" يُعاد تعريفه بصفة دائمة بطريقة لا ينظمها منطق سياسي "رسمي"؛ ذلك أنّ الخصومة يمكن أن تكون بالأمس مع الدولة، وأن تكون اليوم مع الإخوان، وغدًا مع أي كيان آخر يلُاحظ تورطه في تعكير نمط حياة المهمشين. وفي هذه الحالة أيضًا، يفوق دور وسائل الإعلام والقنوات الفضائية دور أي حزب أو جهة منظمة أخرى، لقدرتها على الولوج في بيوت الناس وتوجيههم. لهذا السبب تحديدًا، كانت مواجهة الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013 مهمّة غير سهلة على الإطلاق؛ فلا الإخوان المسلمون ولا أي جهة معارضة أخرى تمتلك خبرة تواصلية مع هذه القاعدة الشعبية العريضة. وعلى الرغم من أن جماعة الإخوان استطاعت خلال الشهر الذي تلا الانقلاب أن تحشد عددًا كبيرًا من أنصارها والمتعاطفين معها في ميدان رابعة العدوية، فإن جميع محاولاتها لاستمالة سكان المناطق الشعبية باءت بالفشل، بل إن كثيرًا من التظاهرات التي حاولت السير في تلك المناطق تعرضت لاعتداءات "الأهالي"؛ إذ شعر الناس أنها محاولات لاستدراج الدولة وأجهزتها

الأمنية إلى تلك المناطق، ما يمكن أن ينجم عن ذلك من عقوبات جماعية وخيمة اعتاد النظام تنفيذها لقمع التمردات هناك. ولم تكن المشاركة الجمعية في السياسة خيارًا لدى الناس، لأنها لم تكن أصلً كذلك من قبل. ميّز المشهد المصري أيضًا، بعد الانقلاب، غياب أي دور سياسي للأطراف الإقليمية؛ أي المحافظات الريفية، ولا سيما الصعيد. وبدا حينها أن الدولة لا تعير أي أهمية لما يحدث في الريف المصري، وتدرك أن أولويتها هي ضبط المراكز المدينية بصفتها معقل السلطة والمصالح الحكومية89. ولكن الواقع أيضًا هو أن لا أحد من قادة الصف الأول في جماعة الإخوان المسلمين جرى القبض عليه في الريف، كما أنه لا أحد منهم حاول اللجوء إلى إحدى المحافظات الريفية أو إحدى القرى للهروب من بطش النظام، وهذا في رأينا مؤشّر مهم إلى ضعف ارتباط قوى المعارضة، أكانت إسلامية أم علمانية، بقواعد شعبية تتخطى المدن والمراكز الحضرية90، فضلً عن أن مؤشرات الاحتجاج السياسي كانت موسومة بالخجل والفوضوية في الريف، وسرعان ما تحولت إلى حوادث طائفية أحرقت خلالها 43 كنيسةً كليًا أو جزئيًا، وإلى أعمال اعتداء وقتل لمواطنين أقباط ونهب لبيوتهم ومحالهم ومصالحهم التجارية91.

2. مقاومة الانقلاب العسكري في مصر وتايلند: أين ذهب المهمشون؟

إن العزوف عن اللجوء إلى السياسة من أجل التغيير سمة أساسية من سمات القواعد الشعبية غير الرسمية في مصر، فيفضّل المواطنون، بدلً من ذلك، التعايش مع بطش البيروقراطية التي يعرفون على الأقل كيف يراوغونها، أو يفاوضونها يوميًا في حقوقهم المعيشية. ولكن الحال في الأنموذج التايلندي ليست على هذا النحو، كما سنلاحظ. فالتراكم التاريخي لخبرات الحوكمة المحلية والتمثيل الجمعي كانا العامل الأساسي الذي حدّ من فاعلية الخطوات التي تتخذها البيروقراطية التايلندية، من أجل الهيمنة على مفاصل الحكم، أو احتكار التمثيل السياسي. بدأت الأزمة السياسية التايلندية المعاصرة في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حينما اكتشف رئيس الوزراء ثاكسين شيناواترا (وهو ملياردير تايلندي جمع ثروته أساسًا عن طريق الاستثمار في قطاع الاتصالات، وتبوّأ منصب رئاسة الوزراء خلال الفترة 2006-2001) أن بإمكانه تحدّي النخب المدينية في بانكوك ومدن الجنوب التايلندي، عن طريق التعبئة السياسية والشعبوية لملايين التايلنديين

الذين يقطنون الشمال أو ينحدرون منه. ولكن ظاهرة ثاكسين؛ أي بروز قوة سياسية وازنة خارجة عن البيروقراطية التايلندية، ما كان لها أن تتطوّر لولا الآثار العميقة التي تركها انتهاء الحرب الباردة وتفكك الكتلة الشرقية، ومن ثمّ عزوف الولايات المتحدة الأميركية عن دعم حلفائها في آسيا، ودفعهم عوضًا عن ذلك إلى الاتجاه نحو النيوليبرالية بديلً من دولة الرعاية92. إن التحوّل إلى النيوليبرالية كان خيار دول كثيرة في العالم، فأدى في أغلب الحالات، كما يوضّح ديفيد هارفي، إلى بروز شرائح مستقلة إلى حدّ ما عن السوق المحلية، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بشبكات اقتصادية عابرة للحدود، تجد نفسها في أغلب الحالات مضطرة إلى التصادم مع رأسمالية الدولة93. لكنه في الحالة التايلندية سوف يزلزل أيضًا العقد الاجتماعي الضمني الذي كان قائمًا بين المركز والأطراف، والذي يمكن اختصاره بالتزام البيروقراطية دعم المجتمعات المحلية، واحترام خصوصيتها، في مقابل تفويض الطبقة الوسطى المدينية بالحكم94. بذلك أدّى اعتماد برنامج التكيف الهيكلي الذي قامت به الحكومات التايلندية المدعومة أساسًا من المؤسسة العسكرية إلى انكشاف ملايين التايلنديين في الشمال وفي ضواحي المدن؛ ما أفضى إلى دفع هؤلاء إلى الانخراط في السياسة عبر المشاركة في العملية الانتخابية، مطالبين بحقهم في المشاركة في الحكم95. وكان حزب "تاي راك تاي" (ت. ر. ت) بقيادة ثاكسين هو المبادر إلى دغدغة مشاعر هؤلاء الذين يمثلون الغالبية، عبر اتهام البيروقراطية والجيش التايلندي بالفساد، وبتهميش الملايين من الشماليين الذين يعيشون في الأطراف. ومع انتصاف العقد الأول من القرن الحادي العشرين، كانت البلاد قد دخلت في أزمة سياسية، اتَّهمت فيها الأحزاب السياسية القريبة من الجيش ثاكسين بالفساد وشراء أصوات الشماليين الذين وُصموا بالجهل والأمية والتخلّف. وبعد تظاهرات حاشدة عُرفت بحركة "القمصان الصُفر"، عمّت بانكوك ومدن الجنوب، أطاحت المؤسسة العسكرية ثاكسين، على الرغم من تظاهرات مضادة قادها أنصاره، عُرفت بحركة "القمصان الحُمر"96. في الواقع، يمكننا – تجاوزًا - ملاحظة التشابه المهمّ بين المشهد الاحتجاجي الذي عمّ بانكوك في صيف 2006 وذلك المشهد الذي طغى على القاهرة عشية الانقلاب العسكري المصري في تموز/ يوليو 2013. فالحركتان (حركة تمرّد وحركة القمصان الصفر) كانتا في الحقيقة من عناوين ثورة المؤسسات التي شعرت بالخطر الناجم عن تدفق شرائح اجتماعية جديدة من الممكن أن تهدد

نفوذها. وفي كلتا الحالتين أيضًا، اتُّهم المُنقلَب عليه بالتزوير وخداع الناس، وبارتباطه بجهات أجنبية (الخيانة)، وبنيّته إطاحة رموز الدولة وإشعال حرب أهلية. وفي كلتا الحالتين أيضًا، عمدت النخب المدينية إلى تصنيم مؤسسات الدولة. ففي مصر، رُفعت شعارات ديماغوجية، مثل "شموخ القضاء" و"رفض احتلال مصر" و"تدمير الدولة"، بينما تركّزت الشعارات في تايلند على وحدة البلاد وهوية الأمّة، إضافة إلى أهمية الملكية التي قام الجيش نفسه، وهنا المفارقة، بتقليم أظفارها في النصف الأول من القرن الماضي. ولكن الفرق الأهمّ كان، في رأينا، في توافر سبل مقاومة الانقلاب العسكري في تايلند الذي فتح الباب أمام سلسلة من المساومات السياسية، بينما اتجهت الحال في مصر إلى مسار دموي لم تتردد البيروقراطية من خلاله في قمع المعارضة والعمل على تصفيتها؛ على نحو يبدو أنه أغلق أي باب أمام مساومة سياسية تؤدي إلى الحد الأدنى من المشاركة السياسية. فعلى الرغم من أن حزب "ت. ر. ت" كان قد حُظر بعد انقلاب صيف عام 2006، فإنّ المعارضة التايلندية استطاعت خلال فترة قياسية الاستغاثة بملايين الشماليين من خلال الاحتجاج اليومي (الذي شمل حتى سائقي سيارات الأجرة)، ثمّ مقاطعة الانتخابات الأولى بعد الانقلاب97، وأخيرًا من خلال صناديق الاقتراع حين أعاد الناخبون يينجليك شيناواترا، شقيقة ثاكسين، إلى سدة رئاسة الوزراء عام 2011، قبل أن يطيحها انقلاب آخر عام 2014. ولم يكن غريبًا، كما أوضح أندريه ووكر، أن تصوّر حركة "القمصان الحمر" الصراع مع البيروقراطية بالصراع بين شريحة "الناي" وشريحة "الفراي"، محفّزة بذلك الذاكرة المحلية - الريفية بصفتها آليةً من آليات التعبئة السياسية98. لم تنته الأزمة السياسية بعدُ في تايلند. كما أن ضمور "الدولة العميقة" لا يبدو قريبًا99، ولكن على الرغم من الانقلابين العسكريين والمواجهات الدموية العديدة التي شهدتها شوارع العاصمة بانكوك، فإن أكثر المتشائمين لا يتوقّعون أن تُهزم المعارضة السياسية التي ترتبط عضويًا بأغلبية مريحة تتيح لها دائمًا العودة إلى تسلّم مقاليد الحكم. دفعت هذه الحال بعض القوى السياسية المحسوبة على البيروقراطية إلى ارتكاب أعمال عنف يوم الانتخابات لمنع المواطنين من التصويت، كما علت أصوات يائسة أخرى مطالِبة باحتساب صوت انتخابي واحد لكلّ صوتين من المحافظات الشمالية! هكذا، يتّضح أن قدرة المعارضة السياسية على تمثيل شرائح المهمّشين، والذين يمتلكون، بدورهم، الحدّ الأدنى من الخبرة التنظيمية لتحقيق مطالبهم الجمعية، جعلت أيّ تحرّك أمني أو عسكري أو حتى تعديل دستوري تقوم به "الدولة العميقة" يبدو محدودًا؛ لأن المعارضة ما زالت قادرةً على استنهاض شرائح اجتماعية لديها قابلية التفكير بنفسها جمعيًا، ولديها الاستعداد للاصطفاف خلف مؤسسات سياسية تمثّلها.

لم يكن المسار السياسي التايلندي ليأخذ هذا المنحى، لولا صيرورة تاريخية طويلة امتلكت بموجبها الأطراف خبرةً تاريخية، جعلتها قادرة على تخيل نفسها فاعلً سياسيًا جمعيًا، الأمر الذي افتقده مهمَّشو مصر في قراهم، ثمّ في عشوائياتهم، وهم الذين كانوا طوال القرن العشرين ضحايا حكومات شديدة المركزة، حرمتهم أيَّ صورة ممكنة من صور التنظيم الذاتي أو التمثيل السياسي. وكانت النتيجة المنطقية للصيرورة المصرية نشوء شرائح واسعة من المهمَّشين الذين أصبحوا، على خلاف الحالة التايلندية، غير قادرين على تخيل أنفسهم فاعلً سياسيًا جمعيًا؛ ومن ثمّ غير معنيين بصندوق الاقتراع، مفضّلين بدلً من ذلك سبل الخلاص الفردي عبر التفاوض مع البيروقراطية بصفة غير رسمية، وعبر الولوج في حقوقهم المعيشية من خلال الثُغر التي تتخلل القانون، أو من خلال "تسامح" الحكومة المركزية.

خاتمة

تكمن خصوصية البيروقراطية المصرية في أن تشكلّها التاريخي جعلها غير قادرة على استيعاب الشراكة مع الكيانات الجمعية Groups Pluralist الخارجة عنها. فالبيروقراطية المصرية شُكّلت تاريخيًا في هيئة "جماعة سياسية"، ترى في نفسها بديلً من الأحزاب السياسية، ولا تقبل احتواء كيانات جمعية أو إدماجها. ومن شأن هذه الكيانات، إن دُمجت، أن تؤدي إلى انهيار المنطق الذي تعمل أجهزة الدولة بموجبه. وفي حين كانت البيروقراطية التايلندية منذ العهد الملكي في مطلع القرن العشرين قادرةً على الانفتاح على الكيانات الجمعية في الريف التايلندي، صُمّمت البيروقراطية المصرية سياسيًا واجتماعيًا على هيئة الجماعة التي تعزل نفسها عن المجتمع، وتطالب الوافد إليها بولاء أشبه بولاء الأفراد لحزب سياسي. إن صيرورة العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر أفضت إلى نتيجة تعقّد من مسألة توسيع المشاركة السياسية في المشهد السياسي المعاصر. فوجود قطاعات شعبية واسعة من المهمَّشين تتأثّر يوميًا بسياسات الدولة، ولكنها معْرِضة في الآن نفسه عن الانخراط في أطر سياسية تمثّلها، يعطي ائتلاف الحاكمين في مصر هامشًا أوسع لتجنّب الانتقال نحو الديمقراطية، ويوفّر للدولة العميقة كذلك جميع الذرائع لمحاصرة المعارضة السياسية التي غالبًا ما تجد نفسها من دون ظهير سياسي أو حاضنة اجتماعية تحتمي بها. ولا شك في أن وجود قطاعات واسعة تتجنّب السياسة عبر مؤسسات تمثّلها ستقع في ما بعد فريسةً للتعبئة الشعبوية التي تمارسها وسائل الإعلام والشللية السياسية التي تشكّل العماد الأساسي للدولة العميقة. لذلك، فإن الطريقة الأساسية، في رأينا، لدفع تحالف السلطة السياسية في مصر نحو الديمقراطية، بصفتها الطريق نحو توسيع المشاركة السياسية، تكون عبر الرجوع إلى القواعد الشعبية المهمَّشة، سواء في الأطراف الإقليمية أو في أطراف المدن وعشوائياتها. ومن غير المحتمل أن يكون ذلك ممكنًا، إلّ إذا بادرت المعارضة السياسية الديمقراطية إلى بناء قنوات تواصل مع مهمَّشي مصر، وطرح نفسها ممثلً سياسيًا عنها، يهدف إلى رفع مطالبها المتمثّلة أساسًا بالعدالة والمساواة في الحقوق الاجتماعية والخدمات العامّة وتوزيع الثروة، إضافة إلى تسوية أوضاعها وأسلوب معيشتها في القانون.

الهوامش

  1. Nazih N. M. Ayubi, Bureaucracy & Politics in Contemporary Egypt (London: Middle East Centre, 1980), pp. 497-
  2. Gabriel Baer,  Fellah and Townsman in the Middle East: Studies in Social History (London: Frank Cass, 1982), pp. 101-105.
  3. Timothy Mitchell,  Colonising Egypt (Berkeley: University of California, 1991); Robert F. Hunter,  Egypt under the Khedives, 1805-1879: From Household Government to Modern Bureaucrac y (Cairo: The American University in Cairo,
  4. بارينجتون مور، الأصول الاجتماعية للديمقراطية والديكتاتورية، ترجمة أحمد محمود (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
  5. Jonathan M. Wiener, "The Barrington Moore Thesis and its Critics," Theory and Society , vol. 2, no. 1 (1975), pp. 301-330.
  6. Partha Chatterjee,  The Politics of the Governed: Reflections on Popular Politics in Most of the World (New York: Columbia University Press, 2004).
  7. Mahmood Mamdani,  Citizens and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism (Cape Town: David Philip, 1996).
  8. David Robinson, Paths of Accommodation: Muslim Societies and French Colonial Authorities in Senegal and Mauritania, 1880-1920 (Athens: Ohio University Press, 2000).
  9. Paul M. Lubeck, "Islamic Protest under Semi-Industrial Capitalism: ‘Yan Tatsine Explained’," Africa , vol. 55, no. 4 (1985), pp. 369-389; Abdul Raufu Mustapha, "Introduction: Interpreting Islam: Sufis, Salafists, Shi’ites & Islamists in Northern Nigeria," in: Abdul Raufu Mustapha (ed.), Sects & Social Disorder: Muslim Identities & Conflict in Northern Nigeria (Martlesham: James Currey, 2014), pp. 1-17.
  10. 1توفيق الحكيم، يوميات نائب من الأرياف (القاهرة: مكتبة مصر، د. ت.)، ص.91
  11. يوسف نحّاس، الفلاح: ظروفه الاقتصادية والاجتماعية (القاهرة: المقتطف والمقطم،.)1926
  12. The Earl of Cromer,  Modern Egypt , vol. 2 (London: MacMillan, 1908), p. 189.
  13. Ibid., p. 190.
  14. Gabriel Baer,  Population and Society in the Arab East, Hanna Szoke (Trans.), (New York: Routledge, 1964), pp. 165-166; Gabriel Baer,  Studies in the Social History of Modern Egypt (Chicago: Chicago University Press, 1969), pp. 40-41.
  15. Alexander Schölch,  Egypt for the Egyptians! The Socio-political Crisis in Egypt, 1878-1882 (London: Middle East Centre, 1981), pp. 306-315; Hunter, p. 230; Juan Ricardo Cole,  Colonialism and Revolution in the Middle East: Social and Cultural Origins of Egypt's 'Urabi Movement (New Jersey: Princeton University Press, 1993), p. 261.
    وانظر أيضًا: رؤوف عباس، الملكيات الزراعية المصرية ودورها في المجتمع المصري 1914-1837 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 9831)، الفصل السادس.
  16. انظر على سبيل التخصيص:
    Kenneth M. Cuno,  The Pasha's Peasants: Land, Society, and Economy in Lower Egypt, 1740-1858 (Cambridge: Cambridge University Press, 1992), pp.166-178.
  17. الحكيم، ص.118
  18. Ninette S. Fahmy, The Politics of Egypt: State-society Relationship (London/ New York: Routledge, 2010), pp. 180-184.
    وحتى تلك الشريحة من العُمد وشيوخ القرى الذين استفادوا من هجرة كبار الملّك إلى القاهرة، لم تستطع يومًا، كما يذهب موريس ديب، تشكيل شريحة وازنة ذات مصالح سياسية واجتماعية مشتركة. انظر:
    Marius Deeb,  Party Politics in Egypt: The Wafd & Its Rivals, 1919-1939 (Oxford: Middle East Centre, 1979), pp. 26-27.
  19. Leonard Binder, In a Moment of Enthusiasm: Political Power and the Second Stratum in Egypt (Chicago: Chicago University Press, 1978), p. 106; Ellen Kay Trimberger,  Revolution from Above: Military Bureaucrats and Development in Japan, Turkey, Egypt, and Peru (New Brunswick, NJ: Transaction, 1978), pp. 152-153.
  20. عاصم الدسوقي، كبار ملاك الأراضي الزراعية ودورهم في المجتمع المصري (952-19141)، (القاهرة: دار الشروق،.)2007 ويذهب كل من محمود عبد الفضيل وملَك زعلوك إلى أن فشل نظام عبد الناصر في إدراك الصلة العضوية بين شريحة كبار الملّك والرأسمالية الصناعية كان قد أدى إلى تعثّر الخطة التنموية الأولى (حتى عام 9601)، والتي كانت تستند أساسًا إلى حماية الرأسمالية المصرية. انظر: محمود عبد الفضيل، دراسات في التخطيط مع دراسة خاصة لتجربة جمال عبد الناصر (بيروت: دار القدس، د. ت.)، ص.11-9
    Malak Zaalouk, Power, Class and Foreign Capital in Egypt: The Rise of the New Bourgeoisie (London: Zed Books, 1989), p. 25.
  21. كينيث م. كونو، "تدهور اقتصاد الأسرة في مصر"، في: ألبرت حوراني وآخرون، الشرق الأوسط الحديث: التحولّات في المجتمع والاقتصاد 1918-1789، ترجمة أسعد أبو صقر، ج 2 (دمشق: دار طلاس، 9961)، ص.87
  22. Ilya Harik, "The Impact of the Domestic Market on Rural-Urban Relations in the Middle East," in: Ilya Harik & Richard Antoun (eds.), Rural Politics and Social Change in the Middle East (London: Indiana University Press, 1972), pp. 350; Schölch, pp. 306-315.
  23. Roger Owen, The Middle East in the World Economy, 1800-1914 (London: Methuen, 1981), pp. 147-148.
    انظر أيضًا: نحّاس، ص.108-107
  24. Harik.
  25. Owen, The Middle East , p. 146.
  26. Henry Habib Ayrout, The Egyptian Peasant, John Alden Williams (trans.), (Cairo: The American University in Cairo Press, 2005), p. 42
  27. Owen, The Middle East , p. 230.
  28. Pasuk Phongpaichit & Christopher John Baker,  A History of Thailand (New York: Cambridge University Press, 2005), p. 91.
  29. Roger Owen, Cotton and the Egyptian Economy, 1820-1914: A Study in Trade and Development (Oxford: Clarendon Press, 1969), pp. 3-27.
  30. Phongpaichit & Baker, pp. 89-90.
  31. Ibid., p. 87.
  32. Ibid., pp. 80-83.
  33. Shmuel Noah Eisenstadt & Luis Roniger,  Patrons, Clients, and Friends: Interpersonal Relations and the Structure of Trust in Society (Cambridge: Cambridge University Press, 1984), pp. 130-137.
  34. Ibid.; Clark D. Neher, "The Politics of Change in Rural Thailand," Comparative Politics , vol. 4, no. 2 (1972), pp. 201-216.
  35. James Scott,  Political Ideology in Malaysia: Reality and the Beliefs of an Elite (New Haven: Yale University Press, 1968), p. 94 and onwards.
  36. Lucien. M. Hanks Jr., "Merit and Power in the Thai Social Order," American Anthropologist , New Series, vol. 64, no. 6 (1962), pp. 1247-1261; Sombat Shantornvong, "Local Godfathers in Thai Politics," in: Ruth McVey, Money & Power in Provincial Thailand (Honolulu: University of Hawaii, 2000), pp. 53-73.
  37. Neher.
  38. 3أجرى ناثان براون مسحًا عدّد فيه الحوادث الفردية والجمعية التي بادر إليها الفلّ حون المصريون تعبيرًا عن احتجاجهم ضد النظام القائم، ويسهل للقارئ أن يلاحظ أن أغلبية الحوادث أخذت شكل الجريمة الفردية، مثل حرق المحاصيل أو محاولات القتل أو إطلاق النّار. وتشير طبيعة الحوادث إلى حجم كلٍّ من "اليأس" والحرمان الذي راكمه الفلّح المصري، ولكن نادرًا ما كان ذلك يُترجم إلى حركة سياسية منظّمة. انظر:
    Nathan J. Brown, Peasant Politics in Modern Egypt: The Struggle against the State (New Haven: Yale University Press, 1990), pp. 128-147.
  39. يدّعي جاك بيرك أن الطرق والمؤسسات الدينية الصوفية في مصر، منذ القرن التاسع عشر، أدّت دورًا مهمًّا في تنظيم الناس اجتماعيًا وسياسيًا، ولكن ليس هناك من أدل ة قوية ترجح اعتبار تلك المؤسسات ظاهرة عامة حتى منتصف القرن العشرين، وليس هنالك ما يشير إلى صمودها بعد حركة الضباط الأحرار عام 9521، انظر:
    Jacques Berque, Egypt: Imperialism & Revolution (New York: Praeger, 1972), p. 71, 129-130; Patrick D. Gaffney,  The Prophet’s Pulpit: Islamic Preaching in Contemporary Egypt (Berkeley: University of California, 1994), pp. 59-60.
  40. 4تُعدّ دراسة خالد فهمي سجلًّ حيًّا حول المسيرة الدموية التي انتهجتها الحكومة المركزية لإخضاع الفلّحين، انظر:
    Khaled Fahmy, All the Pasha's Men: Mehmed Ali, His Army, and the Making of Modern Egypt (Cambridge: Cambridge University Press, 1997).
  41. Mahmoud Abdel-Fadil, Development, Income, Distribution and Social Change in Rural Egypt (1952-1970): A Study in the Political Economy of Agrarian Transition (Cambridge: University of Cambridge Press, 1975), p. 23.
  42. Iliya Harik, The Political Mobilization of Peasants: A Study of an Egyptian Community (Bloomington: Indiana University Press, 1974).
  43. Binder, pp. 20, 26.
  44. نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص 753 وما بعدها.
  45. Guillermo O’Donnell, "Corporatism and the Question of the State," in: James M. Malloy (Ed.), Authoritarianism and Corporatism in Latin America (Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 1977), pp. 47-87.
    يرى روبرت بيانشي أن مصر حالة خاصة لا تنطبق عليها نظرية أودونيل، ويرى أن التشاركية الشعبوية Populist Corporatism بقيت سِمة أساسية ميزت النظام المصري، وساعدت في إدامة طبيعته التسلطية، ولكنها حدّت منها في الوقت نفسه، متخذًا من فترة مبارك الأولى دليلً على ذلك، خصوصًا انفتاحه النسبي على الإسلام السياسي، انظر:
    Robert Bianchi,  Unruly Corporatism: Associational Life in Twentieth-century Egypt (New York: Oxford University Press, 1989), pp. 26-32.
    وفي الواقع، فإن كتاب بيانشي الذي صدر عام 9891 لم يكن قد عاصر بعد التحولات العميقة في سياسات النظام المصري منذ بداية التسعينيات.
  46. Harik, The Political , p. 94.
  47. Ninette S. Fahmy, pp. 185-187.
  48. 4انظر على سبيل المثال: "انتهت طبقة الوسطاء: كيف استطاع المحافظون في أغلب المحافظات القضاء عليهم؟"، روز اليوسف، العدد 2005، 966/11/141، ص.33-32
  49. Richard Hrair Dekmejian, Egypt under Nasir: A Study in Political Dynamics (Albany: State University of New York, 1971), pp. 271-275.
  50. Michael N. Barnett, Confronting the Costs of War: Military Power, State, and Society in Egypt and Israel (Princeton: Princeton University Press, 1992), pp. 220-221.
  51. Hisham D. Aidi, Redeploying the State: Corporatism, Neo-Liberalism, and Coalition Politics (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2012), p. 69.
  52. Ninette S. Fahmy, pp. 185-187.
  53. Nazih N. M. Ayubi, "Local Government and Rural Development in Egypt in the 1970s," African Administrative Sciences , vol. 23 (1984), pp. 61-64.
  54. Nazih N. M. Ayubi, The State and Public Policies in Egypt since Sadat (UK: Ithaca Press, 1991), pp. 123-138.
  55. Yahya M. Sadowski, Political Vegetables? Businessman and Bureaucrat in the Development of Egyptian Agriculture (Washington: Brookings Institution, 1991), pp. 118-128.
  56. Harik,  The Political , pp. 239-240; Hamied Ansari, Egypt: The Stalled Society (Albany: State University of New York, 1986), pp. 231-239; Timothy Mitchell, "The Market’s Place," in: Nicholas Hopkins & K. Westergaard (eds.),  Directions of Change in Rural Egypt (Cairo: The American University in Cairo Press, 1998), pp. 31-54.
  57. بيّن هنري لوفيفر، مبكرًا، أن تراجع التناقض الريفي - المديني واضمحلاله سمة عالمية في النصف الثاني من القرن العشرين، انظر:
    David Harvey,  Rebel Cities: From the Right to the City to the Urban Revolution (New York: Verso, 2012), pp. 12-13.
    تترجم هذه الورقة Informality إلى "اللارسمية"؛ بدل  من القطاع غير الرسمي، والسبب أن ال Informality، كما أصبحت متداولة في حقل السوسيولوجيا المدينية Urban Sociology، لا تشير إلى نمط جارٍ من التعاملات بين المواطنين أو بين المواطنين والدولة فحسب، بل أصبحت تشير أيضًا إلى نمط حياة متكامل لا يمكن فيه الفصل بين الاجتماعي والاقتصادي. وفي الحالة المصرية، ذهب كلٌّ من تيموثي ميتشل وجوليا إلياشر إلى أن مصطلح "اللارسمية" "فبركة" من "فبركات" النيوليبرالية الحديثة التي تطلقه على كل ما لا تستطيع السوق تحويله إلى رأس مال؛ فكلّ من العشوائيات والقطاع غير الرسمي في رأيهما أصبح لارسميًا، لأنه ببساطة غير قابل للتحول إلى قيمة تفهمها السوق. انظر:
    Timothy Mitchell,  Rule of Experts: Egypt, Techno-politics, Modernity (Berkeley: University of California, 2002), p. 301; Timothy Mitchell, "The Properties of Markets," in: Donald A. MacKenzie, Fabian Muniesa & Lucia Siu (eds.), Do Economists Make Markets? On the Performativity of Economics (Princeton: Princeton University Press, 2007), pp. 225- 275; Julia Elyachar,  Markets of Dispossession: NGOs, Economic Development, and the State in Cairo (Durham: Duke University Press, 2005), Chapter 1.
  58. David Sims,  Understanding Cairo: The Logic of a City out of Control (Cairo: The American University in Cairo Press, 2010), p. 92.
  59. Raymond A.  Hinnebusch, Egyptian Politics under Sadat: The Post-populist Development of an Authoritarian- modernizing State (Cambridge: Cambridge University Press, 1985).
  60. Robert Springborg, "Patrimonialism and Policy Making in Egypt: Nasser and Sadat and the Tenure Policy for Reclaimed Lands," Middle Eastern Studies , vol. 15, no. 1 (January 1979), pp. 49-69; Clement Moore, "Clientelist Ideology and Political Change: Fictitious Networks in Egypt and Tunisia," in: Ernest Gellner & John Waterbury, Patrons and Clients in Mediterranean Societies (London: Duckworth, 1977), pp. 255-274; John Waterbury,  The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes (Princeton: Princeton University Press, 1983), pp. 346-347.
  61. Thongchai Winichakul, Siam Mapped: A History of the Geo-body of a Nation (Honolulu: University of Hawaii Press, 1994).
  62. بشأن أهمية دور ويشيت في إعادة كتابة تاريخ تايلند، انظر:
    Scot Barmé,  Luang Wichit Wathakan and the Creation of a Thai Identity (Singapore: Institute of Southeast Asian Studies,
    بشأن أهمية الفنون والآداب والطباعة في صيرورة بناء الأمّة، انظر: عزمي بشارة، "مقدّمة الترجمة العربية"، في: بندكت أندرسون، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها (دمشق: دار قدمس، 2009)، ص.48-23
  63. Phongpaichit & Baker, p. 113.
  64. Robert Anderson Hall, "Middlemen in the Politics of Rural Thailand: A Study of Articulation and Cleavage," Modern Asian Studies , vol. 14, no. 3 (1980), pp. 441-464.
  65. Ibid.
  66. Phongpaichit & Baker, pp. 158-159.
  67. Ibid., p. 158.
  68. Andrew Walker, "The rural constitution and the everyday politics of elections in Northern Thailand," Journal of Contemporary Asia , vol. 38, no. 1 (2008), pp. 84-105.
  69. انظر، على سبيل المثال:
    Katherine A. Bowie, "Vote Buying and Village Outrage in an Election in Northern Thailand: Recent Legal Reforms in Historical Context," The Journal of Asian Studies , vol. 67, no. 2 (2008), pp. 469-511.
  70. بشأن الجهوية الثقافية في حالة صعيد مصر، انظر:
    Peter Gran, "Upper Egypt in Modern History: A ‘Southern Question’?" in: Nicholas Hopkins & Reem Saad (eds.), Upper Egypt: Identity and Change (Cairo: The American University in Cairo press, 2004), pp. 79- 96.
  71. Sims, p. 92.
  72. Nezar Alsayyad, "Squatting and culture: A comparative analysis of informal developments in Latin America and the Middle East," Habitat International , vol. 17, no. 1 (1993), pp. 40; Nezar AlSayyad, "Urban Informality as a "New" Way of Life," in: Ananya Roy & Nezar AlSayyad,  Urban Informality: Transnational Perspectives from the Middle East, Latin America, and South Asia (Lanham: Lexington, 2004), pp. 7-30.
  73. من أهمّ الدراسات التي تناولت قبل غيرها التنظيمَ الأهلي في الأحياء الشعبية في القاهرة، دراسة سنغرمان التي ذهبت إلى أن المواطنين في الأحياء الشعبية يمارسون إستراتيجيات معيشية تضمن لهم حصةً ما من الموارد الاقتصادية التي تحجبها عنهم الدولة. انظر:
    Diane Singermans, Avenues of Participation: Family, Politics, and Networks in Urban Quarters of Cairo (Princeton: Princeton University Press, 1995).
    ويذهب آصف بيّات، أيضًا، إلى أن سكان المناطق الشعبية يردّون على سياسات الدولة الإقصائية (خصوصًا النيوليبرالية) عبر وضع اليد على المتاح من المجال العام.
    Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East (Palo Alto: Stanford University Press, 2009).
  74. انظر، على سبيل المثال:
    Diane Singermans, "The Siege of Imbaba: Egypt's Internal ‘Other,’ and the Criminalization of Politics," in: Diane Singermans (ed.),  Cairo Contested: Governance, Urban Space, and Global Modernity (Cairo: The American University in Cairo press, 2009), pp. 111-143.
  75. Pasuk Phongpaichit & Christopher Jean Baker, "Thaksin’s Populism," Journal of Contemporary Asia , vol. 38, no. 1 (2008), p. 72.
  76. محمود عبد الفضيل، رأسمالية المحاسيب (القاهرة: دار العين، 2011)، ص.19-18
  77. Jackline Wahba, "Informality in Egypt: A Stepping Stone or a dead End?" paper no. 456, Presented at the Economic Research Forum (ERF), Cairo, 2009.
  78. Salwa Ismail, "The Politics of the Urban Everyday in Cairo: Infrastructures of oppositional action," in: Susan Parnell & Sophie Oldfield (eds.), The Routledge Handbook on Cities of the Global South (London/ New York: Routledge, 2014), p. 273; Salwa Ismail,  Political Life in Cairo's New Quarters: Encountering the Everyday State (Minneapolis: University of Minnesota, 2006).
  79. Farha Ghannam,  Remaking the Modern: Space, Relocation, and the Politics of Identity in a Global Cairo (Berkeley: University of California, 2002).
  80. Salwa Ismail,  Rethinking Islamist Politics: Culture, the State and Islamism (London: I.B. Tauris, 2003), chapter 4.
  81. Robert Springborg, Mubarak's Egypt: Fragmentation of the Political Order (Boulder: Westview, 1989), pp. 47-50.
    انظر أيضًا: فرج فودة، الملعوب: قصة شركات توظيف الأموال (القاهرة: دار مصر الجديدة،.)1988
  82. Savvina A. Chowdhury, Everyday Economic Practices: The "hidden Transcripts" of Egyptian Voices (New York: Routledge, 2007), p. 131.
  83. Eric Denis, "Demographic Surprises Foreshadow Change in Neoliberal Egypt," in: Jeannie Lynn Sowers & Christopher J. Toensing,  The Journey to Tahrir: Revolution, Protest, and Social Change in Egypt (London: Verso, 2012), pp. 235-241.
  84. Mitchell, "The Properties of Markets."
  85. Eric Denis, "The Commodification of the Ashwa′iyyat: Urban Land, Housing Market Unification, and De Soto's Interventions in Egypt," in: Myriam Ababsa, Baudouin Dupret & Eric Denis,  Popular Housing and Urban Land Tenure in the Middle East: Case Studies from Egypt, Syria, Jordan, Lebanon, and Turkey (Cairo: The American University in Cairo Press, 2012), pp. 227-258; Ahmed M. Soliman, "Collective planning process: A driving seat for formalising urban informality in Egypt," International Journal of Urban Sustainable Development (2015), pp. 1-23.
  86. Denis Joseph Sullivan, "Extra-State Actors and Privatization in Egypt," in: Iliya Harik & Denis Joseph Sullivan (eds.), Privatization and Liberalization in the Middle East (Bloomington: Indiana University Press, 1992), pp. 33-42; Denis J. Sullivan, Private Voluntary Organizations in Egypt: Islamic Development, Private Initiative, and State Control (Gainesville: University of Florida, 1994), pp. 57-98.
  87. انظر، على سبيل المثال، دراسة جدسون دورمان الذي ذهب إلى أن البيروقراطية تتقصد دفع المجتمع إلى اللارسمية لتوفّر لأفرادها من قوّات الأمن والشبكات غير الرسمية مصادر اقتصادية لا تستطيع توفيرها قانونيًا.
    W. Judson Dorman, The Politics of Neglect the Egyptian State in Cairo, 1974-1998 (London: University of London,
  88. Lisa Blaydes,  Elections and Distributive Politics in Mubarak's Egypt (New York: Cambridge University Press, 2011), p. 238.
  89. هاني عوّاد، "مصر بعد 'رابعة العدوية': احتجاجات مستمرّة ومرحلة انتقالية إلى أجلٍ غير مُسمّى"، تحليل سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2013/11/28، شوهد في: 2017/12/12، في: https://goo.gl/uckKev
  90. يروي روبرت سبرينغبورغ أنه، في أزمة خ فااة المرشد الثالث ل خإإوان المسلمين عمر التلمساني، سُمّي محمد حامد أبو النصر مرشدًا "مؤقتًا" للجماعة، ولمّا فُهم من هذا اللقب أنه انتقاص من مكانة الرجل، قام أبو النصر بالاحتجاج عبر ما يشبه "النفي الذاتي" إلى بلده في منفلوط (في محافظة أسيوط). فالصعيد في عُرف جماعة الإخوان (وغيرها)، فُهم على أنه "معزل" أو "منفى"، لأن الحياة السياسية الحقيقية، بطبيعة الحال، هي في القاهرة لا في أي مكان آخر. انظر:
    Springborg, Mubarak's Egypt , p. 233.
  91. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أسابيع القتل: عنف الدولة والاقتتال الأهلي والاعتداءات الطائفية في صيف 2013 (القاهرة: حزيران/ يونيو 2014)، ص 74-70، شوهد في: 2017/12/12، في: https://goo.gl/QEcZJE
  92. Pasuk Phongpaichit & Christopher Jean Baker, "Thailand: Fighting over Democracy," Economic & Political Weekly , vol. 43. no. 50 (2008), pp. 18-21.
  93. David Harvey,  A Brief History of Neoliberalism (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 42.
  94. Kitti Prasirtsuk, "From Political Reform and Economic Crisis to Coup d'état in Thailand: The Twists and Turnsof the Political Economy, 1997–2006," Asian Survey , vol. 47, no. 6 (November-December 2007), p. 878; Giles Ji Ungpakorn,  A Coup for the Rich: Thailand's Political Crisis (Bangkok: Workers Democracy Pub., 2007).
  95. Mogens Buch-Hansen, "The territorialization of rural Thailand: Between localism, nationalism and globalism," Tijdschrift voor Economische en Sociale Geografie , vol. 94, no. 3 (2003), pp. 322-334.
  96. Phongpaichit & Baker, "Thaksin’s Populism."
  97. Satya Sagar, "Thai Coup in Hot Soup," Economic and Political Weekly , vol. 41, no. 43-44 (2006), pp. 4544-4546.
  98. Andrew Walker, Thailand's Political Peasants: Power in the Modern Rural Economy (Wisconsin: University of Wisconsin Press, 2012), p. 18.
  99. Paul Chambers, "Military ‘Shadows’ in Thailand since the 2006 Coup," Asian Affairs: An American Review , vol. 40, no. 2 (2013), pp. 67-82.

المراجع

العربية

أندرسون، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. دمشق: دار قدمس، الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010

الحكيم، توفيق. يوميات نائب من الأرياف. القاهرة: مكتبة مصر، د. ت.

حوراني، ألبرت وآخرون. الشرق الأوسط الحديث: التحولّات في المجتمع والاقتصاد 1918-1789. ترجمة أسعد أبو صقر. دمشق: دار طلاس،.1996

الدسوقي، عاصم.  كبار ملاك الأراضي الزراعية ودورهم في المجتمع المصري (1914-1952). القاهرة: دار الشروق،.2007

عبد الفضيل، محمود. دراسات في التخطيط مع دراسة خاصة لتجربة جمال عبد الناصر. بيروت: دار القدس، د. ت.

________. رأسمالية المحاسيب. القاهرة: دار العين، 2011.

فودة، فرج. الملعوب: قصة شركات توظيف الأموال. القاهرة: دار مصر الجديدة،.1988

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أسابيع القتل: عنف الدولة والاقتتال الأهلي والاعتداءات الطائفية في صيف 2013 (القاهرة: حزيران/ يونيو 2014)، شوهد في: 2017/12/12، في:

مور، بارينجتون. الأصول الاجتماعية للديمقراطية والديكتاتورية. ترجمة أحمد محمود. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008

عباس، رؤوف. الملكيات الزراعية المصرية ودورها في المجتمع المصري 1914-1837. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.1983

عوّاد، هاني. "مصر بعد ‘رابعة العدوية’: احتجاجات مستمرّة ومرحلة انتقالية إلى أجل غير مُسمّى ". تحليل سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،:2013/11/28، في

نحّاس، يوسف. الفلاح: ظروفه الاقتصادية والاجتماعية. القاهرة: المقتطف والمقطم،.1926

https://goo.gl/QEcZJE

http://bit.ly/2ylVSzL

الأجنبية

A. MacKenzie, Donald & Fabian Muniesa & Lucia Siu (eds.). Do Economists Make

Markets ? On the Performativity of Economics. Princeton: Princeton University Press,

Ababsa, Myriam & Baudouin Dupret & Eric Denis.  Popular Housing and Urban Land

Tenure in the Middle East: Case Studies from Egypt , Syria , Jordan , Lebanon , and

Turkey. Cairo: American University in Cairo Press, 2012.

Abdel-Fadil, Mahmoud. Development , Income , Distribution and Social Change in

Rural Egypt (1952-1970): A Study in the Political Economy of Agrarian Transition.

Cambridge: Cambridge University Press, 1975.

Aidi, Hisham D.  Redeploying the State: Corporatism , Neo - Liberalism , and Coalition

Politics. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2012.

Alsayyad, Nezar. "Squatting and culture: A comparative analysis of informal

developments in Latin America and the Middle East." Habitat International. vol. 17.

no. 1 (1993).

Ansari, Hamied. Egypt: The Stalled Society. Albany: State University of New York

Press, 1986.

Ayrout, Henry Habib. The Egyptian Peasant. John Alden Williams (trans.). Cairo: The

American University in Cairo Press, 2005.

Ayubi, Nazih N. M.  Bureaucracy & Politics in Contemporary Egypt. London: Middle

East Centre, 1980.

________. "Local Government and Rural Development in Egypt in the 1970s." African

Administrative Sciences. no. 23. (1984).

________.  The State and Public Policies in Egypt since Sadat , UK: Ithaca Press, 1991.

Baer, Gabriel.  Population and Society in the Arab East , Hanna Szoke (trans.). New

York: Routledge and Kegan Paul, 1964.

________.  Studies in the Social History of Modern Egypt. Chicago: Chicago University

Press, 1969.

________. Fellah and Townsman in the Middle East: Studies in Social History. London:

Frank Cass, 1982.

Barmé, Scot.  Luang Wichit Wathakan and the Creation of a Thai Identity. Singapore:

Institute of Southeast Asian Studies, 1993.

Barnett, Michael N.  Confronting the Costs of War: Military Power , State , and Society in

Egypt and Israel. Princeton: Princeton University Press, 1992.

Bayat, Asef. Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East. Palo Alto:

Stanford University Press, 2009.

Berque, Jacques.  Egypt: Imperialism and Revolution. New York: Praeger, 1972.

Bianchi, Robert.  Unruly Corporatism: Associational Life in Twentieth - century Egypt.

New York: Oxford University Press, 1989.

Binder, Leonard. In a Moment of Enthusiasm: Political Power and the Second Stratum

in Egypt. Chicago: Chicago University Press, 1978.

Blaydes, Lisa.  Elections and Distributive Politics in Mubarak ' s Egypt. New York:

Cambridge University Press, 2011.

Bowie, Katherine A. "Vote Buying and Village Outrage in an Election in Northern

Thailand: Recent Legal Reforms in Historical Context." The Journal of Asian Studies.

vol. 67. no. 2 (2008).

Brown, Nathan J.  Peasant Politics in Modern Egypt: The Struggle against the State.

New Haven: Yale University Press, 1990.

Buch-Hansen, Mogens. "The territorialization of rural Thailand: Between localism,

nationalism and globalism."  Tijdschrift voor Economische en Sociale Geografie.

vol. 94. no. 3 (2003).

Chambers, Paul. "Military ‘Shadows’ in Thailand since the 2006 Coup." Asian Affairs:

An American Review. vol. 40. no. 2 (2013).

Chatterjee, Partha.  The Politics of the Governed: Reflections on Popular Politics in

Most of the World. New York: Columbia University Press, 2004.

Chowdhury, Savvina A.  Everyday Economic Practices: The " hidden Transcripts " of

Egyptian Voices. New York: Routledge, 2007.

Cole, Juan Ricardo.  Colonialism and Revolution in the Middle East: Social and Cultural

Origins of Egypt ' s ' Urabi Movement. New Jersey: Princeton University Press, 1993.

Cromer, The Earl of.  Modern Egypt. London: MacMillan, 1908.

Cuno, Kenneth M.  The Pasha ' s Peasants: Land , Society , and Economy in Lower Egypt ,

1740-1858. Cambridge: Cambridge University Press, 1992.

Deeb, Marius.  Party Politics in Egypt: The Wafd and Its Rivals , 1919-1939. Oxford:

Middle East Centre, 1979.

Dekmejian, Richard Hrair.  Egypt under Nasir: A Study in Political Dynamics. Albany:

State University of New York, 1971.

Dorman, W. Judson.  The Politics of Neglect the Egyptian State in Cairo , 1974-1998.

London: University of London, 2007.

Eisenstadt, Shmuel Noah & Luis Roniger.  Patrons , Clients , and Friends: Interpersonal

Relations and the Structure of Trust in Society. Cambridge: Cambridge University

Press, 1984.

Elyachar, Julia.  Markets of Dispossession: NGOs , Economic Development , and the

State in Cairo. Durham: Duke University Press, 2005.

Fahmy, Khaled.  All the Pasha ' s Men: Mehmed Ali , His Army , and the Making of Modern

Egypt. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.

Fahmy, Ninette S. The Politics of Egypt: State - society Relationship. London/ New York:

Routledge, 2010.

Gaffney, Patrick D. The Prophet ’ s Pulpit: Islamic Preaching in Contemporary Egypt.

Berkeley: University of California, 1994.

Gellner, Ernest & John Waterbury. Patrons and Clients in Mediterranean Societies.

London: Duckworth, 1977.

Ghannam, Farha.  Remaking the Modern: Space , Relocation , and the Politics of Identity

in a Global Cairo. Berkeley: University of California, 2002.

Hall, Robert Anderson. "Middlemen in the Politics of Rural Thailand: A Study of

Articulation and Cleavage." Modern Asian Studies. no.14 (1980).

Hanks, Lucien M. Jr. "Merit and Power in the Thai Social Order." American

Anthropologist. New Series. vol. 64. no. 6 (1962).

Harik, Iliya & Denis Joseph Sullivan (eds.). Privatization and Liberalization in the

Middle East. Bloomington: Indiana University Press, 1992.

Harik, Iliya & Richard Antoun (eds.). Rural Politics and Social Change in the Middle

East. London: Indiana University Press, 1972.

Harik, Iliya.  The Political Mobilization of Peasants: A Study of an Egyptian Community.

Bloomington: Indiana University Press, 1974.

Harvey, David.  A Brief History of Neoliberalism. Oxford: Oxford University Press,

________.  Rebel Cities: From the Right to the City to the Urban Revolution. New York:

Verso, 2012.

Hinnebusch, Raymond A.  Egyptian Politics under Sadat: The Post - populist Development

of an Authoritarian - modernizing State. Cambridge: Cambridge University Press, 1985.

Hopkins, Nicholas & Reem Saad (eds.). Upper Egypt: Identity and Change. Cairo: The

American University in Cairo, 2004.

Hopkins, Nichols & K. Westergaard (eds.).  Directions of Change in Rural Egypt. Cairo:

The American University in Cairo Press, 1998.

Hunter, Robert F.  Egypt under the Khedives, 1805-1879: From Household Government

to Modern Bureaucracy. Cairo: The American University in Cairo, 1984.

Ismail, Salwa.  Rethinking Islamist Politics: Culture , the State and Islamism. London:

I.B. Tauris, 2003.

________.  Political Life in Cairo ' s New Quarters: Encountering the Everyday State.

Minneapolis: University of Minnesota, 2006.

Lubeck, Paul M. "Islamic Protest under Semi-Industrial Capitalism: ‘Yan Tatsine

Explained’." Africa. vol. 55. no. 4 (1985).

M. Malloy, James (ed.). Authoritarianism and Corporatism in Latin America. Pittsburgh:

University of Pittsburgh Press, 1977.

Mamdani, Mahmood.  Citizens and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of

Late Colonialism. Cape Town: David Philip, 1996.

McVey, Ruth. Money and Power in Provincial Thailand. Honolulu: University of

Hawaii, 2000.

Mitchell, Timothy.  Colonising Egypt , Berkeley: University of California, 1991.

________.  Rule of Experts: Egypt , Techno - politics , Modernity. Berkeley: University of

California, 2002.

Mustapha, Abdul Raufu (Ed.). Sects & Social Disorder: Muslim Identities & Conflict in

Northern Nigeria. Martlesham: James Currey, 2014.

Neher, Clark D. "The Politics of Change in Rural Thailand." Comparative Politics.

vol. 4. no. 2 (1972).

Owen, Roger. Cotton and the Egyptian Economy , 1820-1914: A Study in Trade and

Developmen t. Oxford: Clarendon Press, 1969.

.________ The Middle East in the World Economy , 1800-1914. London: Methuen, 1981.

Parnell, Susan & Sophie Oldfield (eds.). The Routledge Handbook on Cities of the

Global South. London/ New York: Routledge, 2014.

Phongpaichit, Pasuk & Christopher Jean Baker. "Thaksin’s Populism." Journal of

Contemporary Asia. vol. 38. no.1 (2008).

________. "Thailand: Fighting over Democracy." Economic & Political Weekly ,

vol. 43. no.50 (2008).

Phongpaichit, Pasuk & Christopher John Baker. A History of Thailand. New York:

Cambridge University Press, 2005.

Prasirtsuk, Kitti. "From Political Reform and Economic Crisis to Coup d'état in

Thailand: The Twists and Turnsof the Political Economy, 1997-2006." Asian Survey.

vol. 47. no. 6 (November/ December 2007).

Robinson, David. Paths of Accommodation: Muslim Societies and French Colonial

Authorities in Senegal and Mauritania , 1880-1920. Athens, OH: Ohio University Press,

Roy, Ananya & Nezar AlSayyad.  Urban Informality: Transnational Perspectives from

the Middle East , Latin America , and South Asia. Lanham, MD: Lexington, 2004.

Sadowski, Yahya M.  Political Vegetables ? Businessman and Bureaucrat in the

Development of Egyptian Agriculture. Washington, D.C.: Brookings Institution, 1991.

Sagar, Satya. "Thai Coup in Hot Soup." Economic and Political Weekly. vol. 41.

no. 43-44 (2006).

Schölch, Alexander. Egypt for the Egyptians! The Socio - political Crisis in Egypt , 1878-

1882. London: Middle East Centre, 1981.

Scott, James.  Political Ideology in Malaysia: Reality and the Beliefs of an Elite. New

Haven: Yale University Press, 1968.

Sims, David.  Understanding Cairo: The Logic of a City out of Control. Cairo: The

American University in Cairo, 2010.

Singermans, Diane.  Avenues of Participation: Family , Politics , and Networks in Urban

Quarters of Cairo. Princeton: Princeton University Press, 1995.

________ (ed.).  Cairo Contested: Governance , Urban Space , and Global Modernity.

Cairo: The American University in Cairo, 2009.

Soliman, Ahmed M. "Collective planning process: A driving seat for formalising urban

informality in Egypt." International Journal of Urban Sustainable Development (2015).

Sowers, Jeannie Lynn & Christopher J. Toensing.  The Journey to Tahrir: Revolution ,

Protest , and Social Change in Egypt. London: Verso, 2012.

Springborg, Robert. "Patrimonialism and Policy Making in Egypt: Nasser and Sadat

and the Tenure Policy for Reclaimed Lands." Middle Eastern Studies. vol. 15. no. 1

(January 1979).

Springborg, Robert. Mubarak ' s Egypt: Fragmentation of the Political Order. Boulder,

CO: Westview, 1989.

Sullivan, Denis J. Private Voluntary Organizations in Egypt: Islamic Development ,

Private Initiative , and State Control. Gainesville: University of Florida, 1994.

Trimberger, Ellen Kay.  Revolution from Above: Military Bureaucrats and Development

in Japan , Turkey , Egypt , and Peru. New Brunswick, NJ: Transaction, 1978.

Ungpakorn, Giles Ji.  A Coup for the Rich: Thailand ' s Political Crisis. Bangkok: Workers

Democracy Pub., 2007.

Wahba, Jackline. "Informality in Egypt: A Stepping Stone or a dead End?" Economic

Research Forum (ERF). Paper no. 456, Presented at the Economic Research Forum

(ERF), Cairo, 2009.

Walker, Andrew. "The rural constitution and the everyday politics of elections in

Northern Thailand." Journal of Contemporary Asia. vol. 38. no. 1 (2008).

Walker, Andrew. Thailand ' s Political Peasants: Power in the Modern Rural Economy.

Wisconsin: University of Wisconsin Press, 2012.

Waterbury, John.  The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two

Regimes. Princeton: Princeton University Press, 1983.

Wiener, Jonathan M. "The Barrington Moore Thesis and its Critics." Theory and

Society. vol. 2. no. 1 (1975).

Winichakul, Thongchai. Siam Mapped: A History of the Geo - body of a Nation. Honolulu:

University of Hawaii Press, 1994.

Zaalouk, Malak. Power , Class and Foreign Capital in Egypt: The Rise of the New

Bourgeoisie. London: Zed Books, 1989.