العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفردية والإسلاموية والديمقراطية: قراءة سوسيولوجية للتحولات في العالم العربي

الفردية والإسلاموية والديمقراطية: قراءة سوسيولوجية للتحولات في العالم العربي

Individualism, Islamism and Democracy: A Sociological Reading of the Transformations in the Arab World

محمد أبي سمرا | Mohamed Abi Samra *

الملخّص

يعرض هذا التقرير خلاصات الموضوعات والقضايا والإشكاليات التي تضمنتها مداخلات بحثية حول "سوسيولوجيا التحولات في العالم العربي". قدمت المداخلات في ندوة عُقدت نهار الأربعاء في 21 آذار/ مارس 2018، في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فرع بيروت. وتناولت صعود الفردية المرنة من خلال استعراض الحركة النسائية والنصوص ذات الصلة، وتحولات الحركة الإسلامية عبر استعراض الاتجاهات التجديدية في المجلات ودور النشر. ونظرت الندوة في مستقبل الديمقراطية في العالم العربي من خلال التركيز على صعوبات رصد الاتجاهات المستقبلية.

الكلمات المفتاحية:
  • فردية
  • حرية
  • إسلامية
  • ديمقراطية

ملخص: يعرض هذا التقرير خ صات الموضوعات والقضايا والإشكاليات التي تضمنتها مداخ ت بحثية حول «سوسيولوجيا التحولات في العالم العربي». قدمت المداخ ت في ندوة عُقدت في 21 آذار/ مارس 2018، في المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، فرع بيروت. وتناولت صعود الفردية المرنة من خ لاا استعراض الحركة النسائية والنصوص ذات الصلة، وتحولات الحركة الإسلامية عبر استعراض الاتجاهات التجديدية في المجلات ودور النشر. ونظرت الندوة في مستقبل الديمقراطية في العالم العربي من خلال التركيز على صعوبات رصد الاتجاهات المستقبلية.

Abstract: This report presents a summary of the subjects, issues, and problematics within research interventions around «the sociology of transformations in the Arab World.» These were contributed at a seminar held on March 21, 2018 at the Arab Center for Research and Policy Studies (ACRPS) in Beirut. The seminar addressed the rise of flexible individualism through a review of the feminist movement and related texts. It considered the transformations in the Islamist movement through a review of trends for renewal in magazines and publishing houses and examined the future of democracy in the Arab world by focusing on difficulties inherent in observing future trends.

Editor at the ACRPS with a graduate diploma in cultural sociology.

نظّم المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات سلسلةً من الندوات بعنوان «قراءة سوسيولوجية للتحولات في العالم العربي»، في فرعه في بيروت بتاريخ 21 آذار/ مارس 2018. وتوزعت الندوات على ثلاثة محاور: صعود الفردية المرنة، وتحولات الحركات الإسلامية، ومستقبل الديمقراطية العربية. وشارك فيها باحثون وأكاديميون قدّموا مداخلات أساسية، كما حضرها عدد من الباحثين والمثقفين والمدرسين الجامعيين والكتاب والصحافيين، عقّبوا على المداخلات وناقشوها، انطلاقًا من الأوضاع العربية الراهنة في همومها وشواغلها المعرفية الثقافية. يعيش العالم العربي اليوم مخاضًا غير مسبوق في تاريخه الحديث، تجلّى في انتفاضات وثورات وانهيار أنظمة دكتاتورية مزمنة (تونس، ومصر) ثم مراحل انتقالية و«ثورات مضادة» سرعان ما تحولت إلى حروب أهلية (ليبيا، وسورية، واليمن). ربما كان الجديد في هذا المخاض العسير بروز الأجيال الشابة بقوة على مسرح الحياة السياسية – الاجتماعية العربية. انطلاقًا من هذه المعطيات، كانت محاور الندوات التي عقدها المركز. تعدّ الفردية المرنة سمة من سمات الأجيال العربية الشابة التي أطلقت الانتفاضات والثورات في بداياتها، وساهمت فيها بقوة لافتة. أما الحركات الإسلامية، فكان لها حضورها الكبير وتأثيرها الراسخ في مصائر «الربيع العربي» ومراحله الانتقالية، وفي الحروب الأهلية. ولعل مسألة الديمقراطية ومستقبلها في البلدان العربية هي المسألة المركزية في ما حدث ويحدث اليوم، وفي التاريخ السياسي والاجتماعي العربي الحديث. بدأت الجلسات بكلمة افتتاحية قدّمها خالد زيادة، مدير فرع المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، رحّب فيها بالمشاركين والحاضرين للمساهمة في قراءة الواقع العربي بعد سبع سنوات من

المخاضات الصعبة، وذهب إلى أن «الدافع إلى هذه القراءات هو انخراط أوسع للباحثين، خصوصًا

في ميدان العلوم الاجتماعية، في الواقع المعيش والتفكير واستخدام الأدوات المنهجية في النظر إلى الحوادث».

أولا: صعود الفردية المرنة

1. صعود الفردية المرنة

أدار الباحث اللبناني أكرم سكرية الحلقة الأولى من الندوات، واستهلها بالتركيز على التناقض بين الفردانية والانتماءات الاجتماعية الأولية: العائلة والطائفة والإثنية. فاستعاد البيان الأول للثورة السياسية الفرنسية في عام 1789 بعنوان «المواطن» Citoyen Le، «علامةً على بدايات نشوء الفرد في أوروبا، والتي أكدتها الثورة الطلابية الفرنسية في عام 1968 وعمّت العالم المتقدم كله». وفي إشارة إلى بحث اجتماعي عن المملكة المغربية في عام 1959، فكّك فيه كلود ليفي ستروس المثل القائل «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب»، رأى سكرية أن حال التضامن والصراع التي يتضمنها هذا المثل ترتكز على الأسرة الممتدة بوصفها الناظم للداخل والخارج والحلال

والحرام في الإسلام. وأضاف سكرية: «بناءً على ظواهر اجتماعية واقتصادية وسياسية تشملها العولمة،

نحن اليوم أمام صعود مفهوم ‘الدولة المرنة’، وحلول مفهوم ‘الحوكمة’ بدلً من مفهوم ‘السياسة’ في إثر سقوط جدار برلين في عام 1989، وهيمنة اقتصاد السوق. ثم ظهر مصطلح التنوع الثقافي الذي تعتمده حاليًا منظمة اليونسكو العالمية بدلً من مصطلح التعددية الثقافية». كما قال: «أما التظاهرات التي

شهدتها الساحات والميادين في دول الربيع العربي، فهي حقائق موضوعية لا يمكن أيّ سلطة قمعية أن تنكرها. أبرز هذه التظاهرات تلك التي كانت المدينة مسرحًا لها. فهي أتت في مواجهة السلطات السياسية القائمة على العصبيات الريفية – العسكرية التي حملتها الانقلابات العسكرية العربية إلى السلطة في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، ففشلت في مشروع بناء الدولة الوطنية. لذلك، عودة السلطة السياسية إلى المدينة هي الشرط الذي لا بدّ منه من أجل عودة المعنى إلى الدولة ومؤسساتها». وختم سكرية مداخلته بالقول: «إذا كان النقاش في الإسلام قد اقتصر في عصر النهضة العربية الأولى على النخب الثقافية، فإن هذا النقاش اليوم موجود في كل بيت بفعل الربيع العربي، هذا ما بنى عليه هنري لورانس استنتاجه أن مآل الربيع العربي هو علمنة الإسلام، بينما رأى إيمانويل تود أن مآل الربيع العربي هو الديمقراطية».

2. نخبوية نسوية لبنانية

قدّمت بتول يحفوفي، المحاضِرة في الفلسفة وعلم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، مداخلة تناولت فيها تاريخ الحركة النسوية في لبنان، مسلّطةً الضوء على تطورها الفكري والاجتماعي. وبحسبها، «انتظمت رائدات الحركة النسوية اللبنانية في منظمتين رئيستين عكستا التقسيم الطائفي للمجتمع. وبعد عدد من التحركات ضد القانون الانتخابي الأول في عام 1951، والذي صنع مشاركة المرأة في الحياة السياسية، قررت المنظمتان الاندماج تحت راية المجلس النسائي اللبناني، بيْد أن نهج المجلس الجديد، لم

يهدف إلى زعزعة الوضع الراهن آنذاك. وكان أن تلقّى عمل المرأة السياسي مباركة القيادات السياسية الطائفية التي كان النشاط النسوي يجري تحت إشرافها. وباختصار يمكن أن نسمي تلك الحركة ‘نسوية الذكور’، لأنها أرضت الطوائف المسيطرة، وانفصلت نسبيًا عن القواعد الشعبية». ظهرت الموجة النسوية الثانية، بحسب يحفوفي، بعد تفكك الحركة القومية ومشروعاتها الإنمائية في البلدان العربية، وانعكس ذلك انتقالً من حركة نسائية قومية/ وطنية إلى نسوية يسارية. فقالت: «ظهرت هذه الموجة الثانية داخل الأحزاب السياسية بالتحديد، فلم تكن المنظمات النسائية سوى أذرع للمنظمات الحزبية، مثل المنظمات الشبابية. وكانت قضايا المرأة ثانوية، واحتجبت وراء قضية التحرر الوطني. وتعرّضت نسويات ذلك الجيل لمراقبة رفاقهن الرجال على رأس الأحزاب. وبعد هزيمة

عام 1967، تعرّضت الأيديولوجيات المهيمنة (القومية العربية والناصرية والبعث... إلخ) للمساءلة،

فاستفادت النسويات من أدبيات الحركات النسوية في أوروبا والولايات المتحدة، ما أدى إلى ترسيخ بعض النخبوية الفكرية والأكاديمية، وإلى الانقطاع عن هموم المرأة المحلية، في مقابل الانصراف إلى الجهود الإنسانية، من دون مقارعة حقيقية لأمراء الحرب».

وأضافت: «أبصرت الموجة النسوية الثالثة النور في أوائل تسعينيات القرن العشرين، قبيل بدء التحضيرات لمؤتمر بكين، وتميزت باندفاع المجموعات النسوية نحو نمط المنظمات غير الحكومية. حدّد المانحون الأولويات، وأدى التنافس إلى انشقاقات كثيرة. وبقيت النخبوية التي طغت دائمًا على

النشاط النسوي اللبناني ظاهرةً في الجيل الثالث الذي تشكل من محترِفات وخبيرات اكتسبن المعرفة المتعلقة بمصطلحات معينة». أما بداية الموجة النسوية الرابعة، وفقًا ليحفوفي، فتمحورت حول حركة مناهضة الإمبريالية، وأدت إلى تأسيس جمعية «حلم» (وحركة المِثليين والمِثليات) انطلاقًا من النظرة إلى المرأة بوصفها تركيبًا

اجتماعيًا ينتج من اضطهاد النظام الأبوي والديني لها. غلبت على هذه الموجة نساء من الطبقات

الوسطى والعليا متمتعات بفرص التعليم الخاص في بيروت (هن خريجات الجامعات الكبرى: الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف والجامعة اللبنانية الأميركية)، فأفضت إلى خلق جمعية نسوية، لكن نسويات هذا الجيل فشلن كأسلافهن في الخروج على الدوائر النخبوية».

3. فرديات ممزقة بلا لغة

ورأى محمد أبي سمرا في مداخلته أن الفردية وتجاربها في الحياة الاجتماعية والثقافية العربية الحديثة والمعاصرة، ربما تكون وليدة تصدّع وانقطاع وقطيعة أصابت بنى الجماعات والمنظمات الأهلية والحرفية والمهنية والبلدانية والإثنية والأنساب والمراتب الاجتماعية التقليدية، منذ أواسط القرن التاسع عشر، وتزامنًا مع الاحتكاك بالحضارة والثقافة الغربيتين، «وكان العسر والتسلُّخ والإحباط والمراوحة والقصور والصعلكة من السمات الأساسية لتلك الولادة التي افتقرت إلى تجارب وأطر ومؤسسات وممارسات اجتماعية وثقافية، تمكّنها من النمو والاستقلال، فضلً عن افتقارها إلى لغة وأشكال تعبير حية لتعبر بها عن تجاربها العسيرة». وأكد أبي سمرا أن الدراسات والبحوث العربية التي تناولت ولادة الشخصية والفرد والفردانية تناولً استقصائيًا ميدانيًا أو حقليًا، قليلة جدًا، منها كتاب الأحزان: فصول في التاريخ النفسي والوجداني

والاجتماعي للفئات المتوسطة العربية للباحث المصري الراحل ناجي نجيب الذي رأى فيه أن «الأحزان طبعت ولادة التعبير الشخصي عن الذات والذاتية» في كثرة من الكتابات الأدبية العربية الحديثة أو النهضوية: مصطفى لطفي المنفلوطي (1924–1876)، وجبران خليل جبران (1931–1883)، وعلي محمود طه (1949–1902)، ومحمد عبد الحليم عبد الله (1970–1913)، وصلاح عبد الصبور (–1931

أضاف أبي سمرا: «في تتبعه ظاهرة الأحزان الأدبية وشيوعها وتأثيرها البالغ في وجدان قراء العربية منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى خمسينيات القرن العشرين، يعتبر نجيب أن ما ترجمه المنفلوطي من روايات عن الفرنسية بتصرف كبير، وما كتبه بالعربية، يمثل نموذجًا لهذه الظاهرة الأسبق في مصر،

بينما يمثل جبران نموذجها المماثل في الأدب المهجري وفي بلاد الشام. فالذاتية والشخصانية تطبعان لغة المنفلوطي وجبران وعبارتهما اللتين تلهجان بالعواطف وإثارة المشاعر والشجون. كما تقوم

المنفلوطية والجبرانية على ‘الشجن والتشاجي والتدفق والترفق العاطفيين، والحنو الذائب المتأنق في وصف الحزن والحرمان’. وتكمن أهمية هذا المذهب في الكتابة في ربطه الأدب والتأدب بالذات والذاتية والمشاعر والرغبات والصدق في التعبير الشخصي. وهذه كلها يطبعها حزن طروب وسعيد، يعكس مطلبًا عامًا اجتماعيًا ونفسيًا وتعبيريًا، ألا وهو رغبة الكاتب وقرائه في الشعور بذاتهم الشخصية

وحريتهم واستقلالهم التي كانت تحاصرها وتلجمها وتكبتها الحياة الاجتماعية العربية التقليدية». وبحسب أبي سمرا، امتزج النزوع إلى الذاتية والفردية والرغبات الشخصية بالحزن الشجي الطروب والسعيد في الثقافة الأدبية العربية المعاصرة، «فأمست الأحزان والأشجان والتعبير عنها أدبيًا إدمانًا

مطلوبًا في ذاته ولِذاته، لتسكين استحالات ولادة الذات والشخصية الذاتية وتوليدهما في عالم الواقع والتجارب الاجتماعية الحية»، تم تتبّع تلك الفردية المتعثرة في تجربة جيل طلابي وشبابي في انقطاعه

عن الاجتماع الأهلي وثقافته ومراتبه الريفية والمدينية، وفي انضوائه إلى حلقات كانت تديرها منظمات حزبية يسارية عشية حروب لبنان البادئة في عام.1975

ثانيًا: تحولات الحركات الإسلامية

1. تجديد إسلامي من الداخل

أما في الحلقة الثانية من الندوات، والتي تناولت تحولات الحركات الإسلامية، فقدّم فيها ساري حنفي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، مداخلةً استهلها بملاحظة بروز جيل جديد من الإسلاميين في العقد الماضي في العالم العربي، «يقدّم أفراده مبادرات جديدة في مؤسسات مرنة مثل مراكز تفكير ودراسات، وشبكات بحوث، ودور نشر، قدّمت لهم الانتفاضات العربية المزيد من الوضوح، كما زادت عدد جمهورهم». ورسم حنفي خريطة التكوينات الجديدة المساهمة في التجديد الإسلامي في حقبة ما بعد الانتفاضات العربية، فوجد ستة منطلقات تمكّن من فهم النزوع التجديدي لدى النخب الإسلامية: «المنطلق الأول، استقلالية نسبية للحقل الديني عن حقل السلطة السياسية، مع اختلاف هذه النسبية من بلد إلى آخر، والمنطلق الثاني، رفض استخدام مصطلح ‘الإسلام السياسي’؛ فثمة فكر إسلامي – سياسي وسطي، يستخدم تصنيف الإسلام السياسي باعتباره قدحًا في مجموعات حركية معينة، والمنطلق الثالث، لا تُفهم الحركات التجديدية الحالية القائمة على التجسير بين العلوم الاجتماعية والشرعية من دون استحضار دور أساس أدّاه بعض منتجات مشروع التأصيل الإسلامي للمعرفة الذي قاده المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمساهمات المهمة لأساتذة العلوم السياسية في مشروع ‘العلاقات الدولية في الإسلام’ (1996–1986)». وتابع حنفي: «المنطلق الرابع، هناك اختلاف على ما يمكن تجديده بين ما هو نصي لا يُمس، وغير نصي متغير وقديم منذ موجة الإصلاح الديني في عصر النهضة. حديثًا، تتبنى المدرسة المغربية الرؤية المقاصدية التي تفرق بين الكليات وغيرها، وتعتبر أن الكليات تتمثل بشكل أساس في العناصر العقدية الأساسية والعبادات، وتترك الباقي للاجتهاد، بينما يفرق الأزهر

بين الثوابت الخالدة والمتغيرات المتحركة. والمنطلق الخامس، على الرغم من أن العلوم الاجتماعية والفلسفة من الأدوات الرئيسة المستخدمة في الإصلاح الديني في العالم، فإن الحال ليست كذلك في العالم العربي. والمنطلق السادس، على الرغم من الانطباع العام عن قطيعة عقدية وفكرية بين السنة والشيعة، فإن هناك تفاعلً مهمًا وواضحًا بين فضاءات الاجتهاد عند الطائفتين. فكتاب اقتصادنا لمحمد

باقر الصدر كُتب تلبيةً لطلب وزير الأوقاف الكويتي، وهناك دلائل مهمة على التأثر المتبادل بين الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمّد حسين فضل الله، وراشد الغنوشي وحسن الترابي». كما تناول حنفي ثلاثة اتجاهات للتجديد الإسلامي من داخل الحركات الإسلامية: الأول، شبابي تجديدي يتكون من قيادات ما بعد إخوانية وما بعد سلفية وما بعد حركة الصحوة (السعودية). فقال: «يبدو أن الجديد في الموضوع هو قيام بعض دول الخليج بالمبادرة في إنشاء مؤسسات لتأطير التجديد الإسلامي، لكن دائمًا باستخدام أدمغة من مصر والمغرب وتونس، وبشكل أقل من الجزائر وسورية

ولبنان. والاتجاه الثاني هو اتجاه تجددي، اجتماعيًا وسياسيًا، بدأ باستخدام التجديد لخلق منظومة

وسطية جديدة. أما الاتجاه الثالث فتجديدي اجتماعيًا، ومحافظ سياسيًا، فثمة كثير من المؤسسات

الدينية التي تؤدي دورًا رائدًا في تجديد الفكر الإسلامي اجتماعيًا، لكن ضعف استقلالها عن السلطة

السياسية يسبغ عليها طبيعة محافظة سياسيًا، والمثل مؤسسة الأزهر».

2. الإسلام بين الإصلاح والاستخدام السياسي

في مداخلته، قال خالد زيادة إن اتجاهًا إصلاحيًا برز في نهاية القرن التاسع عشر، خصوصًا مع

الإصلاحي البارز محمد عبده، «لكن في تلك الفترة، نشأ اتجاه آخر داخل الإسلام، أراد أن يكون الإسلام قوة سياسية في مواجهة الغرب خصوصًا، مثّله السلطان عبد الحميد الثاني بدعوته إلى الجامعة الإسلامية، والإمام جمال الدين الأفغاني الذي أراد حشد المسلمين في مواجهة السياسة البريطانية، فاستدعى مفردات الصليبية وفناء العالم الإسلامي». أضاف زيادة: «كان الإصلاحيون والتجديديون يقدمون تسويغًا لتحرر المرأة والخيارات الليبرالية والاشتراكية والمعاملات المصرفية. وتُظهر التجربة التاريخية كيف كان الإسلام – بمؤسساته الدينية ومعتنقيه – قد تقبّل هذه النزعة التحررية التي جعلت منه مرجعًا أخلاقيًا وإيمانيًا على المستوى الفردي.

وتشعّب الاتجاه الإصلاحي بتأثير العلوم الإنسانية والاجتماعية الأنثروبولوجية، فجُرّبت النظريات

والمنهجيات التي تريد أن يكون الإسلام مسايرًا للعصر. وفعل ذلك من كانوا يريدون أن يروا في

الإسلام قوة تحريرية، أو متوافقًا مع الاشتراكية في ستينيات القرن الماضي، ومن كانوا يريدون جعله دعوةً إلى التسامح والليبرالية». في المقابل، أشار زيادة إلى أن اتجاهًا أراد أن يكون الإسلام قوة سياسية، وإخضاع المجتمع الإسلامي لما افتُرض أنه التعاليم الإسلامية الأولى، «وتمثل ذلك بالاتجاه السلفي الذي عبّر عنه الإمام رشيد

رضا في سنواته الأخيرة، كما تمثل بحركة الإخوان المسلمين التي عبّرت عن الخيبة من جراء إلغاء

الخلافة الإسلامية، وعن رفض التغريب الذي كانت تشهده المجتمعات الإسلامية، وخصوصًا رواج

الأفكار والنظريات الحديثة». وأضاف: «في نهاية سبعينيات القرن الماضي، شهدنا حدثين بارزين: الأول، نشوب الصراع الأفغاني واستخدام الإسلام في محاربة الشيوعية، والثاني، وصول رجال الدين إلى السلطة في إيران. وهذا أوحى في حينه بإمكان إقامة دولة خاضعة للدين أو المذهب. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإسلام أداة في أيدي قوى سياسية تستخدمه لأغراض تعزيز النفوذ». بحسب استنتاج زيادة، «نشهد منذ ما يزيد على القرن من الزمن اتجاهين عريضين: الأول، اتجاه إصلاحي يريد بطرائق ومناهج مختلفة أن يقدّم للمسلمين إسلامًا متوافقًا مع العصر؛ والثاني، يريد أن يجعل من الإسلام أداةً لبلوغ السلطة، أو أداةً في الصراعات السياسية. لقد انتهى عصر الإصلاح والحقبة الإصلاحية إلى غير رجعة، بعدما استمد حضوره وقوته من انتشار الأفكار التحريرية في النصف الأول من القرن العشرين؛ الحقبة التي انحسر فيها تأثير الدين على المستوى العالمي. وينبغي أن نقرّ بأن

الإصلاحية في زمنها استطاعت أن تقدّم إسلامًا فرديًا متوافقًا مع نزعات الحداثة والتحرر، أما الحركات

الإسلامية فجعلت الإسلام والمسلمين عرضةً لتلاعب قوى محلية وإقليمية ودولية».

ثالثًا: مستقبل الديمقراطية العربية

1. عبودية مختارة

كان محور الحلقة الثالثة والأخيرة من الندوات بعنوان «مستقبل الديمقراطية العربية»، قدّم فيه عفيف عثمان، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية، مداخلة استهلها بقولٍ لعمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»، بتساؤل طرحه جبران: «كيف يستطيع طاغية أن يحكم الأحرار الفخورين، ما لم يكن الطغيان أساسًا لحريتهم والعار قاعدة لفخرهم؟». وقال: «أما الفرنسي إتيان دو لابويسي، في رسالته المعنونة في العبودية المختارة التي كتبها بين عامي 1553 و 1555، وترجمها عالم النفس المصري مصطفى صفوان في عام 1990، فتوصل إلى خلاصة اعتقد فيها أنه قبض على أساس الطغيان وعماده: فالطاغية لا يحميه الحراس وأبراج المراقبة، بل ما هو صعب على التصديق، ولكنه الحق عينه، وأربعة أو خمسة أو ستة هم من يُبقون الطاغية في مكانه. وهؤلاء ينتفع تحت كنفهم ستمئة، يفسدهم الستة مثلما أفسدوا الطاغية. ثم أن هؤلاء الستمئة يذيلهم ستة آلاف تابع. وتطول سلسلة الأتباع بعد ذلك. فالملايين مرتبطة بالطاغية بهذا الحبل». أضاف عثمان: «خلاصة القول وفقًا للابويسي إن الطغاة تُجنى من ورائهم حظوات ومغانم ومكاسب، فإذا ما ربحوا من الطغيان، أو هكذا هيِّئ لهم، يعدلون في النهاية من يؤثرون الحرية». وختم عثمان

مداخلته بالقول إن المصلح السوري الحلبي عبد الرحمن الكواكبي قدّم في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد رأيه الحكيم في كيفية رفع الاستبداد، فقدّر أنه يجب الاستعداد قبلً لقبول الحرية، «وفي زمننا، رأى حسن حنفي في مقدمة كتابه جذور التسلط وآفاق الحرية أن قضية الاستبداد هي قضية العرب الأولى، وتأتي حتى قبل موضوع الحرية. فحرية الفرد شرط ديمقراطية الحكم. وذهاب المستبد لم يؤشر دائمًا إلى ذهاب الاستبداد».

2. الديمقراطية والزلزال العربي

قدّم الباحث والأكاديمي أحمد خواجة مداخلةً بدأها مذكّرًا برأي لاري دايموند وزميله مارك بلاتنر،

مفاده أن مستقبل الديمقراطية في العالم في نمو واطّراد: «فالبلاد الحرة تضاعف عددها من 04 دولة في عام 1975 إلى 86 دولة في نهاية القرن العشرين. وإذا كان صامويل هنتنغتون قد تنبأ بموجة معاكسة للديمقراطية، فقد صحّت بعض آرائه: تحوّل عدد من النظم الديمقراطية في اتجاه الاستبداد أكثر مما في الاتجاه المعاكس. ولأسف، أثبت بعض الأدلة القليلة أن شرعية الديمقراطية في انحدار، وأن هيبة الديمقراطية بدأت تتأكّل. برز ذلك في خضم صعوبة التأسيس للديمقراطية في العراق وأفغانستان، وروّج بعضهم أن الديمقراطية لا تناسب بعض الدول والثقافات نظامًا للحكم، قياسًا على أزمات العراق وليبيا وسورية، وربما إضافة إلى تركيا وإيران، وحتى روسيا التي سجلت حالات مؤكدة من التراجع نحو الدكتاتورية». وأضاف خواجة: «اختلفت أساليب القضاء على الدكتاتوريات تمهيدًا لفترة انتقالية تسود فيها ممارسات ديمقراطية: طابع سلمي في تونس ومصر، وثورة مسلحة في ليبيا، واشتباك أهلي مسلح في سورية، تبعته تدخلات إقليمية ودولية أدت إلى دمار البلد وتهجير ثلث سكانه، وفشل المحاولات العربية لانتقال سلمي في اليمن». ولفت خواجة إلى أن الأنظمة التسلطية سقطت، وصورة الديمقراطية ما زالت غير زاهية، «فعادت مصر إلى أحضان العسكر بتمويهات مختلفة، وما زالت عقبات التسلط في وجه المطالب الإصلاحية الديمقراطية قائمة في عدد من البلدان. وعلى الرغم من مآسي سورية والعراق واليمن، ما زالت المنطقة العربية تتلمس خطواتها نحو مرحلة انتقالية طويلة ومعقدة ومحفوفة بمخاطر العودة إلى أساليب لا حصر لها من الطغيان والاستبداد. لذا، لا بد من توفير مقومات الانتقال الديمقراطي عبر تعزيز قيام أحزاب علمانية وتحررية الطابع، يرفدها مجتمع مدني سليم التوجهات والأهداف، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لقيام سلطات بديلة تحظى بمشروعية تمثيلية، وبعد ذلك الانتقال إلى مرحلة ترسيخ الأعراف الديمقراطية وقوانينها». وتابع: «كشفت دروس انتفاضات الربيع العربي أننا تخطينا مرحلة الزعماء والقادة الأفذاذ: رجل العدالة، ورجل القانون، ورجل المهمات الصعبة، والرجل الطاغية، والمستبد الطاغي أو المستنير، لا فرق، والمرشد الأعلى، والأمين العام الذي لا يمكن زحزحته عن مكانه. ربما أصبحنا في حاجة إلى عملية تثقيف أفقية في أوساط الناس. والتثقيف هنا في المعنى السياسي لا السوسيولوجي أو المهني، أي إننا في حاجة إلى المثقف الذي يعرف استخدام معرفته وكفاءته وعلاقته بالحقيقة في نطاق الصراعات السياسية الدائرة في المجتمع. وذلك للوصول إلى مرحلة تسيّس شاملة للمثقفين». وختم خواجة مداخلته قائلً: «همّ المثقف وأهميته يكمنان في معرفته إمكان تأسيس سياسة جديدة للحقيقة، ودفن الأوهام الاستبدادية التي تغذت من لحمها الأنظمة الدكتاتورية البائدة. ولن تنفع بعد اليوم عمليات الترقيع التي مارستها المؤتمرات القومية والإسلامية والإصلاحية والليبرالية».

3. طريق الديمقراطية العربية الطويل

قدّم طارق متري، مدير معهد عصام فارس للسياسات العامة والعلاقات الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، مداخلة أكد فيها صعوبة الحديث عن مستقبل الديمقراطية من دون الحديث عن الماضي، «ليس لأننا نحسب المستقبل من الذكرى كما قال المستعرب جاك بيرك، بل لحاجتنا إلى التفكّر في التغييرات التي أحدثها تسارع الزمن خلال الثورات العربية وما بعدها، في ضوء ما سبق من محاولات وإخفاقات وخيبات تعاقبت في سياق زمني طويل، هو القرن العشرون الذي افتُتح بوعود كثيرة واختُتم بإخفاقات وخيبات عديدة». وقال متري: «لم تتعدَّ دعوة حركات التحرر التي قامت ضد الاستعمار والصهيونية إلى الديمقراطية اعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة، فغلب هاجس الوحدة والتصدي المفترض لأعدائها، وبات الدفاع عن النظام أهم من وضع السياسات التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف الكبرى وتنفيذها. وهكذا بدت الديمقراطية لكثيرين بمنزلة ترفٍ لا تحتمله الاحتياجات الملحّة أو رغبة مؤجلة حتى الانتهاء من

المواجهات الكبرى». وأشار متري في مداخلته إلى أسباب متنوعة لعسر التحول الديمقراطي، منها الداخلي ومنها الخارجي، «يكشف بعضها عن معضلة الإقلاع عن الممارسات التي شهدتها عهود التسلط، وعن ضعف الخبرة في السياسة الحديثة العهد، أو ما يتعلق بانحسار تأثير الطبقة الوسطى وتراجع قدرتها، وتفكّك مؤسسات الدولة، بعد سقوط نخب الحكم، الذي كان مستحوِذًا عليها لإدامة طغيانه عن طريق أجهزته الأمنية، مشددًا على حاجتنا إلى معرفة أدق بالقوى الاجتماعية التي تحسب نفسها صاحبة مصلحة في الثورات، وعمّا إذا كانت ترى في الديمقراطية هدفًا رئيسًا لها وتعرف شروط الحياة الديمقراطية، ومؤكدًا ضرورة

السعي إلى بناء وفاق وطني حول مستلزمات بناء الدولة وصنع الإرادة الوطنية الجامعة، وهو أمر لا بد من أن يكون سابقًا على الانتخابات التي ربما تسبّب المزيد من الانقسام في مجتمعات غير متدامجة،

بل ازدادت تفسخًا وشهدت قواها الحية تشرذمًا بعد سقوط الأنظمة القمعية». ولفت متري إلى قواعد عامة ضرورية لتنظيم الوفاق الوطني، «بينها إشراك الجميع في المناقشات العامة حول صوغ الدساتير، ووضع دور الجيش في نصابه، والحؤول دون سيطرته على مؤسسات الدولة وحصر مهمته في حفظ الأمن وحماية العملية السياسية، والعمل على إشراك الجميع في حماية العملية السياسية، لا بالإقناع فحسب، بل بمراعاة مصالح فئات محددة، إذا ما تم إقصاؤها تستطيع إجهاض التوافق وإيقاف المسار الانتقالي برمته. ولغياب هذه القواعد يصعب الجزم في أمر الانتقال الديمقراطي وتحديد مداه الزمني، خصوصًا لوجود شرائح واسعة تختزل الديمقراطية في صندوق

الاقتراع ولا تقيم وزنًا كافيًا للمؤسسات ولاستقلال القضاء والحريات العامة».

4. مشكلات لا تحلها الديمقراطية

في مداخلة بعيدة عن التفاسير والتنبؤات، رأى الباحث والأكاديمي بشار حيدر أن مشكلات كبرى تواجه الديمقراطية العربية حتى في حال نجاحها، «لكن الحديث عن مشكلات الديمقراطية لا يبرر

الدكتاتورية ولا مقولة المستبد العادل أو المستنير. فالاستبداد هو الذي أدى بالبلاد إلى ما هي عليه، أقله في سورية والعراق ومصر. والحديث عن مشكلات الديمقراطية لا يعني أن لدينا بديلً سواها. فالديمقراطية آلية لاختيار السلطة بالأغلبية المنتخبة، لكن هذه العملية تنتج ثلاثة أنواع من المشكلات لا تعالجها الديمقراطية: النوع الأول، الانتخاب الهوياتي المرتبط بعملية تنافس انتخابي يكون الناخب فيها منقادًا إلى الانتخاب وفقًا لهويته الإثنية أو المذهبية أو الجهوية أو القبلية». فبحسب حيدر، تطبيق النظام الديمقراطي على جمهور ينتخب ويمارس خياراته السياسية وفق مبدأ هوياتي ثابت يفاقم أزمة الديمقراطية التي ليست لديها أدوات لحل هذه المشكلة، «ففي النموذج اللبناني، تتمثل إحدى المعالجات بتخفيف القلق الهوياتي من خلال تثبيت الهويات داخل المؤسسات السياسية. وفي العراق كان الخيار مختلفًا لغياب القيد الطائفي في القانون الانتخابي العراقي الذي يعتمد النسبية على مستوى المحافظات، باستثناء ذكر الهوية الكردية بسبب الحكم الذاتي الكردي». والنوع الثاني، بحسب حيدر، هو الحدود، فالانتخابات لا تستطيع ترسيم الحدود الجغرافية والديموغرافية للجماعات. المسألة الكردية ماثلة في العراق. فلو شمل الاستفتاء أهل العراق كلهم، لصوّت العراقيون ضد استقلال كردستان. ومن ينتخب، إذًا، هو من يحدد الحدود التي ليس من

عملية ديمقراطية لرسمها، كما دلّت على ذلك التجربة الكتالونية الإسبانية. وأضاف: «يلمّح التصور

الديمقراطي لرسم الحدود إلى حقِّ الجماعة في البقاء في مجتمعها الكبير أو الانفصال عنه من خلال تنظيم الاستفتاءات. وعلى الرغم من أن العديدين يدافعون عن هذا التصور، فإنه ربما يؤدي إلى فتحِ شهيات لا تحصى في استقلال مناطق غنية نفطية، أو في استقلالٍ على غرار استقلال كتالونيا المبني على مبدأ أننا أغنى من باقي مناطق إسبانيا، ولنا مصلحة في الانفصال. أما النوع الثالث فهو استبداد الأكثرية إن اقتصرت الديمقراطية على صناديق الاقتراع، فالفيلسوف والاقتصادي البريطاني جون ستيوارت ميل يرى فيه مسألة تمسّ مجتمعات تعرف تجانسًا ثقافيًا واسعًا، كمصر مثلً، حيث لا

تستدعي الديمقراطية بالضرورة حرية فردية، بل حرية سياسية. في هذه الحال تصبح النظم الاجتماعية غير المساواتية أو الذكورية قادرة على ترجمة نفسها سلطةً عبر صناديق الاقتراع. وهنا يبدو أحيانًا أن النظام الهوياتي غير الديمقراطي قادر على تأمين المساواة والحريات الفردية أكثر من الأنظمة الديمقراطية التي تتجانس فيها الأكثرية».